← Фикх общий

Фикх общий · id 10541

إصلاح المساجد من البدع والعوائد

جمال الدين القاسمي

Полный текст (304 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٥- زيادة التنوير في رمضان: قال في المدخل: في زيادة وقود القناديل إضاعة المال لا سيما إذا كان الزيت من الوقف فيكون ذلك جرحة في حق الناظر لا سيما إن كان الواقف لم يذكره، وإن ذكره لم يعتبر شرعًا وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال كما تقدم هو سبب لاجتماع من لا خير فيه. وقال أيضًا: ألا ترى إلى ما فعلوه من زيادة الوقود الخارج الخارق حتى لا يبقى في الجامع قنديل ولا شيء مما يوقد إلا أوقدوه حتى إنهم جعلوا الحبال في الأعمدة والشرفات وعلقوا فيها القناديل وأوقدوها. وقد تقدم التعليل الذي لأجله كره العلماء رحمهم الله تعالى التمسح بالمصحف والمنبر والجدران إلى غير ذلك؛ إذ إن ذلك كان السبب في ابتداء عبادة الأصنام وزيادة الوقود فيه تشبيها بعبدة النار في الظاهر وإن لم يعتقدوا ذلك لأن عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها. وقد حث الشارع صلوات الله عليه وسلامه على ترك تشبه المسلمين بفعل أهل الأديان الباطلة حتى في زيهم المختص١ بهم وانضم إلى ذلك اجتماع كثير من النساء والرجال والولدان الذين يتنجس الجامع بفضلاتهم غالبًا وكثرة اللغط واللغو الكثير. فانظر إلى هذه البدع كيف يجر بعضها إلى بعض حتى ينتهي ذلك إلى المحرمات

стр. 107

وقال أيضًا: ما أحدثه الناس من زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن حد المشروع لم يكن من فعل من مضى من السلف وفيه إضاعة المال والسرف والخيلاء ومحبة الظهور والقيل والقال وبعضهم يلون الماء الذي في القناديل بحمرة أو غيرها وكلما زادت فضيلة الليالي والأيام قابلوها بضدها نسأل الله العافية بمنه. ثم قال ﵀: وهذا إذا كانت الزيت من مال الإنسان نفسه وأما إن كان من ريع الوقف فلا يختلف أحد في منعه ولو شرط الواقف ذلك لم يعتبر شرطه لقوله ﵊: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو أطل ولو كان مائة شرط" ١. وسبب ذلك سكوت بعض العلماء عنه، وقد زادوا على ذلك اعتقادهم أن فعل ذلك من إظهار شعائر الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون على انقلاب الحقائق. ا. هـ. وقال أبو شامة في بعض مفاسد الاختلاط في المساجد: كله بسبب الوقيد الخارج عن المعتاد الذي يظن أنه قربة وإنما هو إعانة على معاصي الله تعالى وإظهار لمنكر وتقوية لشعار أهل البدع ولم يأت في الشريعة استحباب زيادة في الوقيد على قدر الحاجة في موضع ما أصلا وما يفعله عوام الحجاج يوم عرفة بجبال عرفات وليلة يوم النحر بالمشعر الحرام فهو من هذا القبيل يجب إنكاره ووصفه بأنه بدعة ومنكر وخلاف الشريعة المطهرة. ا. هـ.

стр. 108

٦- إبقاء المصابيح متقدة إلى الضحوة أيام العيد: العادة في أغلب المساجد زيادة التنويرات في رمضان وليلة النصف من شعبان وليلة أول جمعة من رجب ويومي العيد. وقد قدمنا الكلام على الأول وبقي الكلام على إبقاء القناديل متقدة إلى الضحوة في العيدين عيد الفطر والأضحى والأغرب أنهم يوقدون الزائد على المعتاد بعد الفجر أعني في الوقت الذي ما بقيت الحاجة فيه إلى المصابيح الأصلية. فيأخذ شعال المسجد في إيقادها من ذلك الوقت ثم تطلع الشمس وترتفع وهي متقدة وقد استغني عنها. والغالب أنهم يطفئونها بعد انصراف القوم وفي مثل الجامع الأموي والسنانية يطفئون مصابيح زيت الكاز، وأما قناديل الزيت البلدي فيبقونها حتى تنطفئ بأنفسها ولو بعد العصر زعمًا بأن إطفاءها لا فائدة فيه إذ لم يبق فيها زيت يمكن توفيره والشعال يريد بعد هذا الموسم أن يغسل القناديل ويخبئها لمثل هذا الموسم فيتركها حتى تنطفئ. هذا ما يوجد في الجامعين المذكورين. ومعلوم أن إبقاءها متقدة -ولا حاجة إليها- فيه سرف لإضاعة المال بلا فائدة، وإعدادها ولا حاجة إليها إعداد محظور. وقد أسلفنا حظر زيادة التنوير على قدر الحاجة. نعم قد كان بعض أساتذتي ممن له سيطرة ونفوذ على جامعه بدمشق يأمر الشعال بإطفاء القناديل متى استغني عنها بالأسفار الزائدة أو بطلوع الشمس في أيام الغيم وكنت أستحسنه جدًّا لما فيه من إنكار منكر وتغييره بالفعل. ومن لنا ببقية المساجد أن تحذو حذو هذا الفعل الحسن. وقد أعجبني في بيروت سنة "١٣٢٣" في عيد الفطر في رحلتي الرابعة إليها في جامعها الكبير أن أطفئت القناديل منه عند طلوع الشمس وهكذا ينبغي أن يكون العمل. وفقنا المولى لاستعمال عقولنا فيما يرضيه عنا.

стр. 109

الفصل الثالث: ٧- المقاصير والدرابزين في المسجد: قال الإمام ابن الحاج: فعل المقاصير والدرابزين من البدع المحدثة وقد ترتب بسبب ذلك جملة مفاسد: أولها أن الموضوع وقف للصلاة وما فعل فيه لغيرها فهو غصب لمواضع صلاة المسلمين. الثاني: أن فيه تقطيع الصفوف وذلك خلاف السنة، ثم قال. السابع: ما في ذلك من مخالفة السنة. الثامن: أن ذلك من باب زخرفة المساجد. التاسع: إدخال الضرر على نحو أعمى بسببها. ا. هـ. أقول بقي من المقاصير القديمة العهد مقصورة المسجد الأقصى جانب منبره وكان في الجامع الأموي بدمشق مقصورة كبرى حول منبره ومحرابه إلى ركني القبة أزيلت في حدود سنة "١٢٨٠" بأمر والي دمشق وقتئذ وكان إحداث هذه المقصورة بأمر معاوية ثم زاد فيها سنة "٤٣" لما وثب عليه البرك١ لقتله وفي سنة "٤٣" أيضًا أحدث مروان في المسجد النبوي مقصورة وهو والٍ عليها. ومثل ما ذكره يقال في السدد السفلى التي أنشئت في حوائط المساجد الشمالية والتخوت المؤبدة ففيها من المحذورات ما تقدم ويزاد عليها ارتفاع المأموم على الإمام وإعدادها لمن يريد الانفراد عن الصفوف والأنفة عن غمار بركة المصلين ومحبة الترفع إذ غالب الأعيان متى دخلوا المسجد لأمر ما لا يقصدون من المسجد سواها مثوى ومتكأ

стр. 110

٨- كرسي القارئ في المسجد والتشويش بالقراءة عليه وقصد الدنيا بالقرآن: رأيت في مصر والإسكندرية أيام رحلتي إليها "عام ١٣٢١" هذه البدعة المنكرة وهي صعود حافظ على كرسي عريض مرتفع ذراعًا فأكثر وتلاوته عشرًا من القرآن بصوت مرتفع بعد الأذان وقيل إقامة الصلاة فترى أن التشويش على المتنفلين بالرواتب ما لا يمكن معه أداء الصلاة. ثم رأيت ابن الحاج نبه على هذا في المدخل قال ﵀: ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع ويؤبدونه وعليه المصحف لكي يقرأ على الناس ولا ضرورة تدعو إلى ذلك لوجهين: الأول أنه يمسك من المسجد موضعًا كبيرًا وهو وقف على المصلين لصلاتهم، الثاني أنهم يقرءون عند اجتماع الناس لانتظار الصلاة فمنهم المصلي ومنهم التالي ومنهم الذاكر ومنهم المفكر، فإذا قرأ القارئ إذ ذاك قطع عليهم ما هم فيه وقد نهى ﵊ عن رفع الصوت بالقراءة في المسجد بقوله ﵊: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" ١ وهو نص في عين المسألة. ا. هـ. ومثل ذلك في دمشق قراءة سورة الإخلاص ثلاثًا قبل إقامة الصلاة إعلانًا بأنه

стр. 111

ستقام الصلاة، فهي بدعة لا أصل لها ولا حاجة إليها. وقرأت في حواشي متن الشيخ خليل أن من رفع صوته بالقراءة في المسجد يقام ويخرج منه إذا داوم على ذلك وإلا فيؤمر بالسكوت أو القراءة سرًّا. قالوا لأن الغالب على هؤلاء قصد الدنيا "انظر أبواب سجود التلاوة" وفي "الإتقان" للإمام السيوطي في آخر النوع الخامس والثلاثين ما نصه "مسألة" يكره اتخاذ القرآن معيشة يتكسب بها. أخرج الآجري من حديث عمران بن حصين مرفوعًا بـ$"من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به"١. ا. هـ.

стр. 112

الباب الثالث: في الأدعية والأذكار والقصص في المساجد الفصل الأول السماع في المسجد ... الباب الثالث: في الأدعية والأذكار والقصص في المساجد -وفيه فصول- الفصل الأول: ١- السماع في المسجد: قال الإمام العارف ابن الحاج قدس الله سره في "المدخل" في بحث السماع: وأشد من فعلهم السماع كون بعضهم يتعاطونه في المساجد وقد تقدم توقير السلف ﵃ للمساجد وكيف لا يكون كذلك وقد كانوا يكرهون رفع الصوت فيه ذكرًا كان أو غيره. وقد نهى النبي ﷺ عن رفع الصوت بالقراءة فيه، ومن ذلك ما ورد من إنشاد الضالة في المسجد لقوله ﵊: "من نشد ضالة في المسجد فقولوا له لا ردها الله عليك" ١. ا. هـ. ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن القرطبي قال: غلبت النفوس الشهوانية على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات

стр. 113

٢- الذاكرون المغيرون للفظ الجلالة: قال الإمام العارف الكبير السيد محمد وفا بن ناصر الدين القرافي في كتابه "الأدلة القاطعة في الرد على المنتسبة والمطاوعة" ما مثاله في أول صفحة منه: إن الإنكار على هذه الطائفة المطاوعة "لطف المولى بنا وبهم" من أجل الطاعات وأعظم القربات لأمور منكرة وبدع مستكثرة: فمنها اتخاذ المرد خلف ظهورهم حال قيامهم وقعودهم وسيرهم ومنامهم ولم ينقل ذلك عن أحد من سلف الأمة خصوصًا ويلزم على اتخاذ الأمرد إذا كان جميلًا النظر إليه، وهو حرام أو مكروه عند العلماء إذا كان بغير شهوة أما بها فحرام اتفاقًا. ومما ينكر عليهم تكليفهم للناس في غداء أو عشاء كما هو المشهور عنهم خصوصًا ما يسمونه "سيارة" من طوافهم في البلاد وأكلهم أموال الناس بغير حق. وقد علمت حال من يأكل الدنيا بالدين وفي حديث عند الحاكم "أطلبوا الدنيا بالحرف ولا تطلبوها بالدين فإن الدين لي خاصًّا. ويل لمن طلب

стр. 114

الدنيا بالدين، ويل له"١ ومن أمورهم المنكرة أيضًا ما يجتمع حال ذكرهم من البدع كالرقص والصفق الذي هو حال عباد العجل كما صرح به غير واحد من العلماء ممن أفتى ببطلان ما هم عليه وشن الغارة عليهم نظمًا ونثرًا، ولولا خوف الإطالة لأوردت لك جملة من فتاوى العلماء فيهم ولكن من نور الله بصيرته لا يحتاج إلى ذلك والله ولي التوفيق. ومنها تغييرهم الاسم الكريم حال ذكرهم فمن قائل يقول "أموه" ومن قائل يقول "أنوه" ومن قائل "أن آن" إلى غير ذلك كما هو معلوم بالمشاهدة وكل ذلك لا يسمى ذكرًا ولا ثواب فيه قطعًا، وفي "الأسئلة والأجوبة" للعارف بالله تعالى سيدي زين الدين المرصفي سألته هل يشترط في الجلالة أن تكون مفسرة الأحرف كلها؟ قال: نعم ما دام حاضرًا وإلا ففي استغراقه بشرط لا يشترطه ذلك ولا حرج عليه ما دام مسلوب الاختيار والله أعلم. ا. هـ. وقال بعضهم في أرجوزة له: ومن شروط الذكر أن لا يسقطا ... بعض حروف الاسم أو يفرطا في البعض من مناسك الشريعة ... عمدًا فتلك بدعة شنيعة والرقص والصراخ والتصفيق ... عمدًا بذكر الله لا يليق وإنما المطلوب في الأذكار ... الذكر بالخشوع والوقار وغير ذا فحركة نفسية ... إلا مع الغلبة القوية فواجب تنزيه ذكر الله ... على اللبيب الذاكر الأواه عن كل ما يفعله أهل البدع ... ويقتدي بفعل أرباب الورع فقد رأينا فرقة أن ذكروا ... ابتدعوا وربما قد كفروا وصنعوا في الذكر صنعًا منكرًا ... صعبًا فجاهدهم جهادًا أكبرا خلوا من اسم الله حرف الهاء ... فألحدوا في أعظم الأسماء

стр. 115

لقد اتوا والله شيئًا إذا ... تخر منه الشامخات هدا والألف المحذوف قبل الهاء ... قد أسقطوه وهو ذو خطاء وغرهم إسقاطه في الخط ... فكل من يتركه فخط قد غيروا اسم الله جل وعلا ... وزعموا نيل المراتب العلا ثم قال: من كان في نيل الكمال راجيا ... وعن شريعة الرسول نائيا فإنه ملبس مفتون ... وعقله مخبل مجنون هذا محال لا يصح أبدا ... لأن سيد الورى باب الهدى وقال بعض السادة الصوفية ... مقالة جليلة صفية إذا رأيت رجلًا يطير ... أو فوق ماء البحر قد يسير ولم يقف عند حدود الشرع ... فإنه مستدرج وبدعي والفرق بين الإفك والصواب ... يعرف بالسنة والكتاب والشرع ميزان الأمور كلها ... وشاهد لفرعها وأصلها

стр. 116

٣- رفع الصوت في المسجد بذكر أو غيره: قال الإمام ابن الحاج: ينبغي أن يمنع من يرفع صوته في المسجد في حال الخطبة وغيرها لأن رفع الصوت في المسجد بدعة لما ورد عنه ﵊ أنه قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشرائكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وجمروها أيام جمعكم"١. وقال أيضًا: ينبغي أن ينهى الذاكرون جماعة في المسجد قبل الصلاة أو بعدها أو في غيرهما من الأوقات لأنه مما يشوش بها. وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار" ٢ فأي شيء كان فيه تشويش منع. وقال ابن حجر في فتاويه: قال الزركشي: السنة في سائر الأذكار الأسرار إلا التلبية. وقال الأذرعي: حمل الشافعي ﵁ أحاديث الجهر على من يريد التعليم. وفي "العباب": ويسن الدعاء والذكر سرًّا ويجهر بهما بعد سلام الإمام لتعليم المؤمنين فإذا تعلموا أسروا. وفي "الجامع الكبير" عن ابن المبارك عن عبيد الله بن أبي جعفر٣ أرسله إلى النبي ﷺ : من أجاب داعي الله وأحسن عمارة المساجد قال: لا يرفع فيها صوت ولا يتكلم فيها برفث٤. وروى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأيتموه ينشد شعرًا في المسجد فقولوا فض الله فاك ثلاثًا، من رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاثًا، ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك٥". فما أحق هؤلاء المنشدين للقصائد الملحونة والموشحات المحرفة بتلك الزعقات المؤلمة والصيحات المهولة بالدعاء النبوي المذكور عليهم إذ الأمر فيه إن لم يكن للوجوب فللندب وإذا كان من يرفع صوته لحاجة مهمة كضالة

стр. 117

يتعرفها قد شرع الدعاء الثاني عليه فما بالك برافعي أصواتهم لا لحاجة بل الضرر والتشويش. وروى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا في المسجد فحصبني رجل فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما؟ قالا: من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . فليتأمل العاقل كيف رأى عمر ﵁ أن يؤدب رافع صوته في المسجد بالضرب الوجيع وانظر عدله في الكف عنهما وإقامة العذر لهما بسبب جهلهما الحكم لكونهما ممن بدا عن مدن الفقه والعلم. وروى الإمام مالك والبيهقي عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب بنى إلى جانب المسجد رحبة فسماها البطيحاء فكان يقول: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا أو يرفع صوتًا فليخرج إلى هذه الرحبة١.

стр. 118

٤- تحقيق وقت السحر، وما ينتقد على قارئي ورده في المسجد: يفهم كثير من الناس من هذا الوقت غير معناه الوضعي وذلك أن هذا الوقت لغةً اسم لآخر جزء من الليل وأول جزء من النهار وفي مقابلته الأصيل وهو آخر النهار، يضرب بهما المثل في لطف الوقت وصفاء الهواء. قال الراغب في مفرداته: والسحر اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار وجعل ذلك اسما للوقت. قال الزمخشري: وإنما سمي السحر استعارة لأنه وقت إدبار الليل وإقبال النهار فهو متنفس الصبح.

стр. 119

إذا علمت ذلك فما يزعمه بعض المتعبدين من أن السحر هو قبل الفجر بساعتين أو ساعة مثلا استنادًا على أن أورادًا ألفت في ذلك وجرت العادة بقراءتها قبل الفجر في الحصة المذكورة وهو خطأ في فهم حقيقة الوقت الوضعية. نعم ما قارب الشيء قد يعطي حكمه فلما قاربه انسحب عليه الاسم بعرفهم والقصد من ذلك أن من استيقظ قبل الفجر بمقدار ما يتوضأ ويصلي ولو ركعتين ويدرك الفجر لأول وقته أعني في الغلس فهو مما يصدق عليه أنه ممن أحيا السحر ونال فضيلته إذا استغفر وصلى فيه وأناب، وحينئذ فما يزعمه أهل ذلك الورد أنهم هم أهل السحر خاصة غفلة عن فهم هذا الوقت بلسان الشريعة واللغة. ثم إن مما ينتقد على قارئي ورد السحر في المسجد أمران إذا وجدا منهم: الأول جهرهم بقراءة ثم الذكر بعده بحيث يشوش على مصلٍ أو ذاكر وقد يكون المسجد ضيقًا وهو أشد خطرًا لما يتألم من رفع صوتهم كل من حضر إليه ليتهجد. والثاني: -وهو منكر كالأول بالإجماع- أن أهل ورد السحر قد ينفرد شيخهم بإمامة جماعته في المسجد قبل إمامة الراتب فيقسم الجماعة ويفتات على الراتب ويهضم حقه ويسعى بهدم سر الاجتماع إلى غير ذلك، وقد أوضحت محظورات التقدم على الراتب في رسالة بديعة. ومنهم من لا ينتظر تمام أذان الفجر بل يأخذ بصلاة سنته قبل فراغ الأذان حبًّا بالعجلة ثم يقيم الصلاة بمن حضره ويستعجل عجلة تروق لمن كان على شاكلته. وقد يتصل صفه بصف الراتب إذا أقيمت الصلاة للراتب بعده كما يقع في الجامع الأموي في مثل رمضان. ولو قيل لهم في ذلك لقالوا نحن أدركنا أشياخنا على هذا وهم كانوا أعلم وأصلح "أنا وجدنا آباءنا". وقد يستند متفقه منهم على ما يوجد في كتب الشافعية المتأخرين من جواز التقدم على الراتب في المسجد المطروق وقد بينت في رسالتي المذكورة خطأ هذا القول بما راجعته من عدة كتب في المذهب وآخر من رد هذا القول ابن حجر في فتاويه. على أن كل قول في المذهب لم ينقل عن نفس الإمام فلا يكون مذهبًا له وإنما هو رأي لقائله وها هو "الأم" قد طبع الآن ومن كان مقلدًا للشافعي فالأم مرجعه فما كان فيه فهو متمسكه وما لا فلا عبره به؛ لأنه لا يسوغ تقليد المقلد وإنما يقلد المجتهد كما تقرر في الأصول، فافهم فقد تقدم نحو هذه البدعة في بحث الافتئات على الإمام الراتب فتذكر.

стр. 120

٥- الاحتراز عن البدع في الاحتفال بقراءة المولد النبوي: جرت عادة أكثر المسلمين أن يحتفلوا الليلة الثانية عشرة من١ ربيع الأول بتلاوة قصة مولده ﷺ ذهابًا إلى أن في مثل تلك الليلة ولد خاتم الأنبياء صلوات الله عليه -وهو قول من أقوال عديدة- وقد شدد النكير الإمام ابن الحاج في المدخل على ما حدث في مجامع قراءة المولد من المنكرات وأطال في بيان محاذيرها فلتراجع. ورأيت في فتاوى شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية أنه سئل عليه الرحمة فيمن يعمل كل سنة ختمة في ليلة مولد النبي ﷺ هل ذلك مستحب أم لا فأجاب بعد الحمدلة: "جمع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سنة، وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله ﷺ للمسلمين، وإعانة الفقراء بالإطعام في رمضان هو من سنن الإسلام، فقد قال النبي ﷺ : "من فطر صائمًا فله مثل أجره" ٢. وأعطاء فقراء القراء ما يستعينون به على القرآن عمل صالح في كل وقت ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر. وأما أتخاذ موسم غير المواسم الشرعية لبعض

стр. 121

ليالي شهر ربيع الأول التي يقال لها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي تسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحسنها السلف ولم يفعلوها". ا. هـ. وقال عليه الرحمة في فتوى أخرى له في آخرها ما مثاله: "فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والأيمان أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق. وأما الاجتماع على قراءة وذكر فضائل النبي ﷺ فهذا من فعله قصدًا لتعظيمه ومحبته فإنه يثاب على قصده الحسن ونيته لفعل الخير. ا. هـ. وقد ذكرت في خاتمة "الشذرة" التي جمعتها في السيرة المحمدية١ أصل قصة المولد ولزوم نقد آثارها والتحذير من البدع في مجامع تلاوتها وتاريخ من ابتدع الاحتفال بالمولد، فليراجعها من شاء.

стр. 122

٦- التحلق لحديث الدنيا في المسجد: قال الإمام ابن الحاج: ينهى الناس عما يفعلونه من الحلق والجلوس جماعة في المسجد للحديث في أمر الدنيا وما جرى لفلان وما جرى على فلان. ثم ساق آثارًا كثيرة وقال بعد: إنما يجلس في المسجد لما تقدم ذكره من الصلاة والتلاوة والذكر والتفكر أو تدريس العلم بشرط عدم رفع الصوت وعدم التشويش على المصلين والذاكرين. وقد أخرج ابن حبان من حديث ابن مسعود والحاكم من حديث أنس وقال: صحيح الإسناد ورفعه: "يأتي على الناس زمان يحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم" ١.

стр. 123

٧- كتابة آيات السلام ليلة آخر أربعاء من صفر الخير: يجتمع في آخر أربعاء من شهر صفر بين العشائين في بعض المساجد كثير من العامة ويتحلقون إلى كاتب يرقم لهم على أوراق آيات السلام السبعة على الأنبياء كآية: سلام على نوح في العالمين. إلخ ثم يضعونها في الأواني ويشربون من مائها ويعتقدون أن سر كتابتها في هذا الوقت ثم يتهادونها إلى البيوت. ولا أدرى من أين سرت لهم هذه العادة التي لا سلف لهم بها إلا مشيخة التمائم. وبديهي أن اعتماد ذلك واعتقاده يجر إلى التشاؤم والتطير بتلك الليلة والمسلمون براء من الطيرة كما قال ابن حجر. ونظير هذا تشاؤم العامة في دمشق من عيادة المريض يوم الأربعاء وتطيرهم منه فلا يمكن للعامة ولا للخاصة عيادة المريض يوم الأربعاء ولا لذوي قرباه. والظاهر أن مستندهم حديث "يوم الأربعاء يوم نحس مستمر"١ قال الصاغاني موضوع، وكذا قال ابن الجوزي. قال السخاوي: وفي فضيلة الأربعاء والتنفير منه أحاديث كلها واهية ومن خرافاتهم قولهم: من عاد مريضًا يوم الأربعاء زاره يوم الخميس. يعنون زيارته في المقبرة. اللهم أنا نعوذ بك أن نكون من الجاهلين. وقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن ابن مسعود قال: قال

стр. 124

رسول الله ﷺ : "الطيرة شرك" ١ وروى الطبراني عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من تَطير ولا من تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له" ٢ وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك" قالوا: يا رسول الله وما كفارة ذلك قال: "يقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك" ٣ وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر" ٤ ورواه الشيخان مختصرًا. وروى ابن جرير عن ابي هريرة مرفوعًا "لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس فكتب حياتها ومصيباتها ورزقها" ٥. وفي فتاوي الأمام تقي الدين ابن تميمية: مسألة في الأيام والليالي مثل أن يقال السفر يكره يوم الأربعاء أو الخميس أو السبت أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل في هذه الأيام أو يكره الجماع في ليلة من الليالي ويخاف على الولد. الجواب: بعد الحمدلة هذا كله باطل لا أصل له بل الرجل إذا استخار الله وفعل شيئًا مباحًا فليفعله في أي وقت تيسر ولا يكره التفصيل ولا الخياطة ولا الغزال ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام ولا يكره الجماع في ليلة من الليالي ولا يوم من الأيام والنبي ﷺ قد نهى عن التطير كما ثبت في الصحيح٦

стр. 125

عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله إن منا قومًا يأتون الكهان قال: "فلا تأتوهم" قلت: منا قوم يتطيرون قال: "وذاك شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدنكم" فإذا كان قد نهي عن أن تصده الطير عما عزم عليه فكيف بالأيام والليالي ولكن يستحب السفر يوم الخميس ويوم السبت ويوم الاثنين من غير نهي عن سائر الأيام إلا يوم الجمعة إذا كانت الجمعة تفوته بالسفر ففيه نزاع بين العلماء١. وأما الصناعات والجماع فلا يكره في شيء من الأيام والله أعلم. ورأيت لابن حجر الهيتمي عليه الرحمة في فتاويه جملة لطيفة قال: رسخ في أذهان العامة أن أيامًا مشئومة على المريض إذا عيد فيها فينبغي لمن علم منه اعتقاد ذلك أن لا يعاد في تلك الأيام لأن ذلك يؤذي المريض ويزيد في مرضه لما ركز في عقولهم السخيفة من التشاؤم والطيرة فيحصل بذلك ضرر كبير وقد قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢ وقد تترك السنة لعوارض قوية. فإن قلت ينبغي للعالم أن يفعل ذلك إظهارًا للسنة وإعلانًا للناس بها ليتركوا ما في أذهانهم. قلت: هذا أوضح أن لم يغلب عليهم الجهل والتشاؤم ويرسخ ذلك في أذهانهم حتى يعادوا بسببه العالم ويستسخروا به ويحصل له منهم أذى شديد. أما إذا ترتب عليه ذلك فتركه أولى لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ا. هـ. وقد بلغني عن بعض مشايخ أشياخنا أنه أمر يوم الأربعاء أهله أن يفتحوا باب داره لعيادته وأن تدعى المارة لذلك رغبة منه ﵀ في إماته هذه البدعة.

стр. 126

٨- القصاص في المساجد: قال الغزالي في الإحياء في منكرات المساجد: ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون بكلامهم البدعة، فالقاص إن كان يكذب في أخباره فهو فاسق والإنكار عليه واجب وكذلك الواعظ المبتدع. وذكر ﵀ في باب الرياء من آفات كبر العالم رغبته في حفظ العلوم الغريبة ليغرب بها على الأقران ويتعظم عليهم ويحفظ الأحاديث وألفاظها وأسانيدها فيظهر فضلة ونقصان أقرانه. قال فهذا كله أخلاق الكبر وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل. ا. هـ. وقال بعضهم في مقالة أنشأها في الوعاظ في المساجد ما لفظه: لو كان بي من الفصاحة والبلاغة ما أشرح به أحوال الوعاظ الأمارين بالمعروف والناهين عن المنكر لأتيت لكم بالعجائب التي يتبرأ منها الدين ولأقمت على براءة الدين منها الأدلة الموصلة إلى اليقين. ولكني والحمد لله لا أحرم بفضله جل وعلا أن أقضي بعض الواجب علي نحو الإسلام والمسلمين بلا ميل مع الشيع والوضاعين مستندًا فيما أقوله من الأدلة والبراهين إلى الكتاب القويم وسنة النبي الكريم وهدي الصحابة والتابعين والعلماء الراشدين: $"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"١. من المعلوم أن وظيفة هؤلاء الوعاظ تنحصر في أمور: ١- إرشاد العامة إلى معرفة الله تعالى وما يجب أن يثبت له من صفاته العلية وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه تعالى وما للرسل والأنبياء من مثل هذا عليهم الصلاة والسلام. ٢- تعليمهم أركان الدين من صلاة وصوم وحج وزكاة وبيان فائدة آدابها لهم ومنافعها العائدة عليهم في الدنيا والآخرة. ٣- دعوتهم إلى الخير وصرفهم

стр. 127

عن ناحية الشر وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وحثهم على التمسك بالدين وآدابه وفضائله وما أمر الله به ورسوله ﷺ . ٤- تحريضهم على العمل والاجتهاد وتقرير أن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . ٥- حضهم على التعاون في المشروعات وتربية البنين والبنات وعلى الدخول إلى كل أمر من بابه وطلب كل رغبة من أسبابها وحفظ الأمانة واستشعار الأخوة التي هي مصدر حياة الأمم ومشرف سعادتها في هذه الدنيا قبل الآخرة ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ . ٦- تطهير قلوبهم من الأوهام الفاسدة التي قد تجر إلى الاعتقادات الباطلة حتى يخضعوا لخق السماوات والأرضين، وقاهر الناس أجمعين، وحتى يقولوا كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكما أمر رسول الله ﷺ أن يقول: "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين". ثم قال: يعلم الله أنهم يقوموا بهذه الأمور الواجبة عليهم ولكنهم تعلقوا بحبال الأباطايل والخرافات والأوهام والموضوعات فأخذوا ينفثون السم في مجالسهم ويدسون الأحاديث الموضوعة في محافلهم ويختلفون على النبي ﷺ على حسب ما تسول لهم أنفسهم ويركبون الأسانيد الملفقة ثم ينسبون لسيد الخلائق كل ما هو بعيد عن الحقائق ويبالغون في التحذير والترغيب ويطنبون ويسهلون ويشددون كما يشاءون. ثم قال: يا أهل الوعظ ألفتم الكذب على النبي سيد المرسلين. وأدعيتم أن هذا هو الحق واليقين. وهو الأثم المبين. والمحرم بإجماع المسلمين. قال ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١ وقال الإمام النووي

стр. 128

في شرح مسلم بتحريم رواية الأحاديث الموضوعة على من عرفها أو غلب على ظنه وضعها فمن روى حديثًا علم وضعه أو ظن وضعه فهو مندرج في الوعيد ولا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام وبين ما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك من أنواع الكلام فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين، وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي والكذب عليه كذب على الله تعالى. ثم قال يا أهل الوعظ ناديتم بالتوسل بالصالحين والأولياء إلى الله الذي لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء وقلتم ما هذا كفرًا إن هذا إلا توسط بيننا وبين الله تعالى في قضاء حاجاتنا وأمورنا والله جل شأنه قد صرح بأن تلك العقيدة من عقائد المشركين وقد نعاها عليهم في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . يا أهل الوعظ شاركتم عبدة الأوثان في اعتقادهم فإن هؤلاء ما كانوا يعيدونها لذاتها بل باعتقاد أنها تقربهم إلى الله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقد جاء في سورة الفاتحة التي نقرؤها ونكررها كل يوم في الصلاة "وإياك نستعين" فلا استعانة إلا به جل شأنه. يا أهل الوعظ جاءنا القرآن بأن لا يدعى أحد مع الله ولا يقصد أحد سواه فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد هو الذي يقصد في الحاجات ويتوجه إليه المربوبون في معونتهم على ما يريدون وما يحبون وما يطلبون. والاتيان بالخبر على هذه الصورة يفيد الحصر كما هو معروف عند اللغوين فلا صمد سواه. يا أهل الوعظ أرشدنا القرآن إلى وجوب القصد إلى الله وحده باصرح عبارة في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ فلا يتوسل إليه تعالى بغيره فإن المقصود بالتوسل على ما تزعمون إنما هو طلب القرب منه تعالى، وقد أخبرنا الله تعالى أنه قريب وهو أصدق القائلين.

стр. 129

يا أهل الوعظ جاءتنا الأخبار الصحيحة أن عمر ﵁ حين ما كان في الاستسقاء قال: "إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ﷺ فتسقينا وأنا نتوسل إليك بعم نبيك العباس فاسقنا"١ قال ذلك ﵁ والعباس بجانبه يدعو الله تعالى، فإذا كان هذا حال النبيين والصديقين فكيف بالأولياء والصالحين. يا أهل الوعظ كأنكم تظنون أن في ذلك تعظيمًا لقدر الصالحين والأولياء مع أن أفضل التعظيم والاحترام لهم لا يكون إلا باختيار ما اختاروه لأنفسهم ولا يكون إلا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ولا معنى للتوسل بهم إلا هذا الاقتداء كما أنه لا معنى للتوسل بالأحياء إلا طلب المشاركة في الدعاء كما ورد في الحديث. يا أهل الوعظ أي حالة تدعوكم إلى هذا الاعتقاد وبين أيديكم القرون الثلاثة الأولى لم يكن فيها شيء من هذا التوسل ولا ما يشبهه بوجه من الوجوه وكتب السنة والتاريخ بين أيدينا ناطقة بذلك فكل ما حدث بعد ذلك فأقل أوصافه أنه بدعة في الدين وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. يا أهل الوعظ قوموا وانتبهوا وانتظموا في سلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ نقل هذه المقالة المؤيد في مصر عدد ٤٣٩٧ في ٧ شعبان سنة ١٣٢٢ لأحد علماء الأزهر.

стр. 130

الفصل الثاني: في القراءة والقراء وغير ذلك ١- اللغط وقت القراءة: جاء في الدر وحواشيه. يجب الاستماع للقراءة مطلقًا في الصلاة وخارجها لأن الآية يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وإن كانت واردة في الصلاة فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وفي شرح المنية يجب على القارئ احترام القرآن بأن لا يقرؤه في الأسواق ومواضع الاشتغال فإذا قرأه فيها كان هو المضيع لحرمته فيكون الإثم عليه دون المشتغلين دفعًا للحرج. ا. هـ.

стр. 131

٢- التشويش بالقراءة على الناس: في فتاوى الإمام تاج الدين الفزاري الدمشقي الشافعي: مسألة جماعة يقرءون القرآن بأصوات مرتفعة بحيث يشوش على الناس هل يجوز لهم ذلك أم لا. أجاب الشيخ تاج الدين: الأولى أن لا يفعل ذلك والأولى المنع منه. وأجاب الشيخ زين الدين الزواوي المالكي لا يحل ذلك وعلى ولي الأمر المنع من ذلك. وعن مالك يخرج من المسجد من يفعل ذلك. وأجاب الشيخ شمس الدين القاضي الحنبلي قريبًا من ذلك. وأجاب القاضي الحنفي كذلك. ا. هـ.

стр. 132

٣- التشويش على القراء في المسجد: في فتاوى الإمام تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان: مسألة في مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية ثم على باب المسجد شهود يكثرون الكلام ويقع التشويش على القراء فهل يجوز ذلك أم لا. الجواب ليس لأحد أن يؤذي أهل المسجد أهل الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء ونحو ذلك مما بنيت المساجد له فليس لأحد أن يفعل في المسجد ولا على بابه قريبًا منه ما يشوش على هؤلاء، بل قد خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: "أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة" فإذا كان قد نهى المصلي أن يجهر على المصلي فكيف بغيره ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك والله أعلم.

стр. 133

٤- المعرضون عن مجالس العلم بالمسجد: يرغب كثير من أغبياء العامة وهم في المساجد عن الجلوس في حلقة عالم يلقي الحكم والفوائد والنصائح ويتحلقون لأنفسهم على قتل الوقت باللغو وهؤلاء قد يشملهم ما رواه البخاري في صحيحه في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد قال فوقفا على رسول الله ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله تعالى فآواه الله إليه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه". قال في فتح الباري: فيه استحباب التحليق في مجالس العلم وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم وفضل سد خلل الحلقة وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير وفيه جواز الاخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها وأن ذلك لا يعد من الغيبة وفيه الثناء على المستحي والجلوس حيث ينتهي به المجلس وفضل ملازمة حلق العلم وجلوس العالم في المسجد. ا. هـ. ولا يخفى أن جلوس العالم لبث العلم من أكبر النعم على العامة؛ إذ يجب عليهم السعي لطلب العلم النافع ولو من مكان بعيد. فإذا كان بين أظهرهم يعظهم ويذكرهم وهم عنه معرضون فما أشقاهم وما أنكد حظهم من الخير. عهد في القرون الأولى قرون السلف أن يضرب أحدهم كبد الإبل مسيرة شهر لسماع حديث نبوي يأخذ منه حكمة صالحة فأصبحت الحكم والأحاديث ينادى بها في أكسد الأسواق أسواق الراغبين عن الحكمة والموعظة الحسنة النهمين على حظوظ النفس وأمانيها فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 134

٥- المعرضون عن سماع خطبة العيد: ما أجهل العامة بمقاصد الدين، وما أعماهم عن سر التشريع! ترى كثيرًا من العامة ينفضون بعد صلاة العيد ويعرضون عن سماع الخطبة مع أن الاستماع لها من تتمة الصلاة بل هو نتيجته لأن الخطب هي الواعظ الشفاهي والصلاة واعظها قلبي وليس حجتهم جهل بعض الخطباء الذين يتسنمون ذروة المنار وهم في حضيض الجهالة عن فهم ما أقيموا فيه مما كان مرقى الأكابر العلماء والحكماء ولا عذرهم أنهم لا يفقهون كثيرًا من الخطب المتداولة ولا أنها لا تهديهم إلى سنن الكون بل انصرافهم مجرد إعراض تعجلًا إلى الرجوع إلى اللغو واللهو، مع أن الخطب المعلومة على ما هي عليه مما ذكرنا لا تخلو مما يفيد العامة من الحض على التقوى، والتمسك بالسبب الأقوى، وتلاوة آيات كريمة وأحاديث عظيمة يكفي لمن ينصت لها أن يخشع قلبه وينيب لربه. فعلى العامي أن يتقي الله في هذه المخالفات وأن يطلب نجاته بطلب العلم والفقه في الدين فإنه مرقاة النجاة.

стр. 135

٦- المشتغلون بنوافل العبادة في المساجد مع الجهل وترك محل العلم: قال السيوطي في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع: ومن الأمور المحدثة الاشتغال بنوافل العبادة مع الجهل وترك محل العلم وهذا خطأ يدخل على العبد منه آفات كثيرة مخالفة للشريعة وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْما﴾ فأمره بطلب الزيادة منه وقال تعالى مخبرًا عن موسى في قوله للخضر ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ هذا مع ما أعطوا من العلم البارع وما لهم من المدد من الله تعالى أمروا بالطلب وسؤال المزيد فإن العلم لا نهاية له، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ وروى الترمذي عن أبي إمامة ﵁ قال ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" ١ وفي الصحيحين

стр. 136

عن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كلمة الحق ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها"١ وجاء رجل إلى سهل بن عبد الله التستري وبيده محبرة وكتاب فقال لسهل أحببت أن أكتب كتابًا ينفعني الله به فقال اكتب إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة فافعل. وقال سهل أيضًا سمعت الجراح بن عبد الله يقول: ما طريق إلى الله أفضل من العلم فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في طريق الجهالة أربعين صباحًا وبالجملة فتعلم العلم فرض والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل.

стр. 137

٧- المسرعون بقراءة القرآن: يوجد في بعض المساجد من حفظة القرآن من يأوى إليها ويأخذ في التلاوة عن ظهر قلبه سرًّا او جهرًا بسرعة زائدة مخالفة لأدب التلاوة وقد نبه على ذلك الإمام الغزالي في باب المغرورين من إحيائه قال وفرقة أخرى اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذوًا وربما يختمونه في اليوم والليلة مرة ولسان أحدهم يجري به وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا يتفكر في معاني القرآن ينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه ويقف عند أوامره ونواهيه ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به مع الغفلة عنه، ومثاله عبد كتب إليه مالكه كتابًا وأشار عليه فيه بالأوامر والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به، ولكن اقتصر على حفظه فهو مستمر على خلاف ما

стр. 138

أمره به مولاه إلا أنه مكرر للكتاب بصوته ونغمته كل يوم مائة مرة فهو مستحق للعقوبة ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه فهو مغرور. نعم تلاوته إنما يراد لكيلا ينسى بل لحفظه وحفظه يراد لمعناه ومعناه يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه، وقد يكون له صوت طيب فهو يقرؤه ويلتذ به ويغتر باستلذاذه ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه وإنما همه لذته في صوته ولو ردد ألحانه بشعر أو كلام آخر لالتذ به ذلك الالتذاذ، فهو مغرور إذ لم يتفقد قلبه فيعرفه أن لذته من كلام الله من حيث نظمه ومعانيه. ا. هـ.

стр. 139

٩- اللاحنون بالقرآن في المسجد: قال الإمام الغزالي في الإحياء في منكرات المساجد: ومنها قراءة القرآن باللحن يجب النهي عنه ويجب تلقين الصحيح فإن كان المعتكف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك ويشتغل به عن التطوع والذكر فليشتغل به فإن هذا أفضل له من ذكره وتطوعه لأن هذا فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها، وإن كان ذلك يمنعه عن الوراقة مثلًا أو عن الكسب الذي هو طعمته فإن كان معه مقدار كفايته لزمه الاشتغال بذلك ولم يجز له ترك الحسبة لطلب زيادة الدنيا وإن احتاج إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه لعجزه. والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرًا على التعلم فامتنع من القراءة قبل التعليم فإنه عاص به وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرؤه لحنًا فليتركه وليجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحًا وليس يقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض به الصوت حتى لا يسمع غيره ولمنعه سرًّا منه أيضًا وجه، ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس بالقراءة وحرص عليها فلست أرى به بأسًا والله أعلم. ثم قال: وقراءة القرآن بين يدي الوعاظ مع التمديد والألحان على وجه بغير نظم القرآن ويجاوز حد الترتيل منكر وشديد الكراهة أنكره جماعة من السلف. ا. هـ.

стр. 140

١٠- دعاء ليلتي أول السنة وآخرها: تتقاضى العامة في بعض المساجد أئمتها في قراءة دعاء ليلتي أول العام وآخره وهو دعاء مخترع لم يؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولم يرو في مسند من المسانيد ولا في كتب الموضوعات وهو من مخترعات بعض المتمشيخين المتمفقرين. والأغرب أن بعض الخطباء دسه في ديوان خطبه فاضحى من يقرأ ذلك الديوان من المتطفلين على هذه المنزلة السامية يتبع ما سطر فيه من الحض على قراءته كأنه مروي في الصحيحين أو أحدهما. ومن أعظم الفرى فيه على الله ورسوله قول مخترعه عليه ما يستحق أن من قرأه يقول الشيطان قد تعبنا معه طول السنة فافسد عملنا في ساعة. فيالله ما أدهى هذا الخطب في الخطب، وما أمر هذا التغرير والتجرئة على المعاصي وما الأعجب إلا تلقي بعض المتعالمين له بالقبول وإقرارهم عليه لأنه دعاء وهو خير، وقد غفل عما قاله العز بن عبد السلام فيما نقله الإمام أبو شامة أن استعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ فإذا علمنا أنه كذب خرج من المشروعية. انظر تتمة البحث في كتاب "الباعث" له ﵀.

стр. 141

الفصل الثالث: في المؤذنين ١- آداب الأذان والإقامة: يوجد في بعض المساجد إخلال بآدابهما. ولا تخفى أهميتها في الصلوات وكونهما على قول كثير من الأئمة من فروض الكفايات. لذلك ينبغي تعرف آدابهما ودرسهما ليكون من يريد أن يندرج في سلك المؤذنين والمقيمين على بصيرة في التفقه بهما. وهاك ما جاء في "الإقناع" وشرحه "والدر" وغيرها: فأما الآداب في الأذان: ١- يسن أن يكون المؤذن صيِّتًا أي رفيع الصوت لأنه أبلغ في الإعلام. ٢- حسن الصوت لأنه أرق لسامعه. ٣- أمينًا أي عدلًا لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة. ٤- عالمًا بالوقت ليتحراه فيؤذن في أوله. ٥- مرتلًا لألفاظ الأذان يقف على كل جملة منها بالسكون إذ لم ينقل عن السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفًا عدا عن التكبيرتين الأوليين كما قال ابن رشد. ٦- قائمًا على علو لأنه أبلغ في الإعلام١. ٧- متطهرًا من الحدثين الأصغر والأكبر.

стр. 142

فيكره أذان جنب وإقامة محدث. ٨- متظهرًا من نجاسة بدنه وثوبه. ٩- مستقبل القبلة. وأما الآداب في الإقامة: ١- يسن أن يحدرها أي يسرع فيها. ٢- أن يقف على كل جملة كالآذان. ٣- أن يقيم من أذن١.

стр. 143

٢- فروع في الأذان: ١- يجزئ أذان من مميز. ٢- يحرم أن يؤذن غير المؤذن الراتب إلا بإذنه إلا أن يخاف خروج وقت التأذين كالإمام. ٣- لا يجوز التلحين بالأذان أي التغني فيه بزيادة حرف أو حركة أو مد أو غيرهما في الأوائل والأواخر وكذا بالتطريب وهو تقطيع الصوت وترعيده. ٤- يبطل الآذان والإقامة فصل كثير بسكوت أو كلام ولو مباحًا وقذف وشتم. ٥- لا يجزئ الأذان قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل. ٦- يسن تمهل المؤذن يسيرًا قبل الإقامة قدر ما يدرك الملازمون، وفي "البحر" يمكث بين الأذان والإقامة قدر قراءة أربعين آية. ٧- يسن إجابة المؤذن بمثل ما يقول إلا في الحيعلة فيحوقل. ٨- يسن قول المؤذن والسامع بعد الفراغ من الأذان. "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته١. ٩- يحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من

стр. 144

مسجد بلا عذر أو نية رجوع. ١٠- قال البجيرمي في حواشي الإقناع: ليحذر من أغلاط تبطل الأذان بل يكفر متعمد بعضها كمد باء أكبر وهمزته وهمزة أشهد وألف الله ومن عدم النطق بهاء الصلاة وغير ذلك ويحرم بلحنه إن أدى لتغير معنى أو إيهام محذور. ا. هـ. وقال الإمام "ابن زروق" في كتابه "عمدة المريد في البدع" في بحث أغلاط المؤذنين: ومنها إسقاط الهاء من الصلاة وكذا إسقاط حاء الفلاح. وما يدعوهم لهذا إلا الجهل وطلب التلحين والتطريب الذي يكاد صاحبه أن يكون به خارجًا عن أذان في فعله بل هو خارج عنه عند جماعة من العلماء. ١١- من البدع وجود أذانين بين يدي الخطيب في بعض الجوامع يقوم أحدهما أمام المنبر والثاني على السدة العليا يلقن الأول الثاني ألفاظ الأذان يأتي الأول بجملة جملة منه سرًّا ثم يجهر بها الثاني وإنما كانت بدعة لكون الأذان المشروع بين يدي الخطيب واحدًا فإما أن يقف على السدة أو بين يديه أمام المنبر١. ١٢- لا ينادى على الجنازة. وأشد منه ما يفعل عند الصلاة على الجنازة من إنشاد الشعر وذكر الأوصاف التي قد يكون أكثرها كذبًا بل هو من النياحة انتهى من "الإقناع". ١٣- التبليغ جماعة بدعة قال الإمام ابن الحاج ﵁: فإنها جرت إلى وقوع الخلل في الصلاة فقد يبنون على بعضهم مع زعقاتهم التي تذهب الخشوع والحضور وتذهب السكينة والوقار. ١٤- حديث مسح العينين بباطن أعلى السباتين عند قول المؤذن أشهد أن محمدًا رسول الله إلخ رواه الديلمي في "مسند الفردوس" عن أبي بكر ﵁ مرفوعًا قال ابن طاهر في التذكرة لا يصح. كذا في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"٢.

стр. 145

٣- الأذان داخل المسجد في المغرب والعشاء مع الأذان في المنائر: رأى بعض أئمة المساجد أن أذان الجمع في منائر المساجد الكبيرة لا تؤدي به السنة لأنه بدعة فكان يأمر بالأذان قبل الإقامة في المغرب والعشاء، وليت شعري لم لا يفعله في الظهر والعصر. والذي أرى أن الأذان إنما القصد به الإعلام فإذا احتيج إلى مؤذنين في محلة كبيرة فلا مانع منه والأذان صحيح أديت به سنة الإعلام. قال في الإقناع فإن لم يحصل الإعلام بأذان واحد زيد بقدر الحاجة كل واحد بجانب أو يؤذنوا دفعة واحدة بمكان واحد. ا. هـ. نعم بناء بعضهم على صوت من سمعه وترك ما فاته وتأذين بعضهم من نصف الكلمة وتقطيع لفظ الجلالة جهل بالأداء من فاعله وهذا ملحظ من كرهه كابن الحاج فحق المؤذن أن يتعلم السنة أو ينبهه من سمعه وحينئذ فلا حاجة إلى هذا المؤذن قبل المغرب والعشاء بل الأولى أن ينتظر الفراغ من الأذان على المنارة ثم يقام للصلاة. وقد نقل الإمام ابن الحاج في المدخل كراهة الأذان في جوف المسجد من وجوه "أحدها" أنه لم يكن من فعل من مضى ممن يقتدى بهم. "ثانيا": أن الأذان إنما هو لنداء الناس ليأتوا للمسجد ومن كان فيه لا يصح نداؤه لأنه تحصيل حاصل ومن كان في بيته لا يسمعه. "وثالثها" قد يكون في الأذان تشويش على متنفل أو ذاكر قال: ثم إن هذه البدعة جرت إلى بدع أخر. ألا ترى أنهم لما أحدثوا الأذان في المسجد اقتدى العوام بهم فصار كل من خطر له أن يؤذن قام وأذن في موضعه.
следующие страницы →