الفصل الثالث: في المؤذنين
١- آداب الأذان والإقامة:
يوجد في بعض المساجد إخلال بآدابهما. ولا تخفى أهميتها في الصلوات وكونهما على قول كثير من الأئمة من فروض الكفايات. لذلك ينبغي تعرف آدابهما ودرسهما ليكون من يريد أن يندرج في سلك المؤذنين والمقيمين على بصيرة في التفقه بهما. وهاك ما جاء في "الإقناع" وشرحه "والدر" وغيرها:
فأما الآداب في الأذان:
١- يسن أن يكون المؤذن صيِّتًا أي رفيع الصوت لأنه أبلغ في الإعلام.
٢- حسن الصوت لأنه أرق لسامعه.
٣- أمينًا أي عدلًا لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة.
٤- عالمًا بالوقت ليتحراه فيؤذن في أوله.
٥- مرتلًا لألفاظ الأذان يقف على كل جملة منها بالسكون إذ لم ينقل عن السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفًا عدا عن التكبيرتين الأوليين كما قال ابن رشد.
٦- قائمًا على علو لأنه أبلغ في الإعلام١.
٧- متطهرًا من الحدثين الأصغر والأكبر.
стр. 142
فيكره أذان جنب وإقامة محدث.
٨- متظهرًا من نجاسة بدنه وثوبه.
٩- مستقبل القبلة.
وأما الآداب في الإقامة:
١- يسن أن يحدرها أي يسرع فيها.
٢- أن يقف على كل جملة كالآذان.
٣- أن يقيم من أذن١.
стр. 143
٢- فروع في الأذان:
١- يجزئ أذان من مميز.
٢- يحرم أن يؤذن غير المؤذن الراتب إلا بإذنه إلا أن يخاف خروج وقت التأذين كالإمام.
٣- لا يجوز التلحين بالأذان أي التغني فيه بزيادة حرف أو حركة أو مد أو غيرهما في الأوائل والأواخر وكذا بالتطريب وهو تقطيع الصوت وترعيده.
٤- يبطل الآذان والإقامة فصل كثير بسكوت أو كلام ولو مباحًا وقذف وشتم.
٥- لا يجزئ الأذان قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل.
٦- يسن تمهل المؤذن يسيرًا قبل الإقامة قدر ما يدرك الملازمون، وفي "البحر" يمكث بين الأذان والإقامة قدر قراءة أربعين آية.
٧- يسن إجابة المؤذن بمثل ما يقول إلا في الحيعلة فيحوقل.
٨- يسن قول المؤذن والسامع بعد الفراغ من الأذان. "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته١.
٩- يحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من
стр. 144
مسجد بلا عذر أو نية رجوع.
١٠- قال البجيرمي في حواشي الإقناع: ليحذر من أغلاط تبطل الأذان بل يكفر متعمد بعضها كمد باء أكبر وهمزته وهمزة أشهد وألف الله ومن عدم النطق بهاء الصلاة وغير ذلك ويحرم بلحنه إن أدى لتغير معنى أو إيهام محذور. ا. هـ.
وقال الإمام "ابن زروق" في كتابه "عمدة المريد في البدع" في بحث أغلاط المؤذنين: ومنها إسقاط الهاء من الصلاة وكذا إسقاط حاء الفلاح.
وما يدعوهم لهذا إلا الجهل وطلب التلحين والتطريب الذي يكاد صاحبه أن يكون به خارجًا عن أذان في فعله بل هو خارج عنه عند جماعة من العلماء.
١١- من البدع وجود أذانين بين يدي الخطيب في بعض الجوامع يقوم أحدهما أمام المنبر والثاني على السدة العليا يلقن الأول الثاني ألفاظ الأذان يأتي الأول بجملة جملة منه سرًّا ثم يجهر بها الثاني وإنما كانت بدعة لكون الأذان المشروع بين يدي الخطيب واحدًا فإما أن يقف على السدة أو بين يديه أمام المنبر١.
١٢- لا ينادى على الجنازة. وأشد منه ما يفعل عند الصلاة على الجنازة من إنشاد الشعر وذكر الأوصاف التي قد يكون أكثرها كذبًا بل هو من النياحة انتهى من "الإقناع".
١٣- التبليغ جماعة بدعة قال الإمام ابن الحاج ﵁: فإنها جرت إلى وقوع الخلل في الصلاة فقد يبنون على بعضهم مع زعقاتهم التي تذهب الخشوع والحضور وتذهب السكينة والوقار.
١٤- حديث مسح العينين بباطن أعلى السباتين عند قول المؤذن أشهد أن محمدًا رسول الله إلخ رواه الديلمي في "مسند الفردوس" عن أبي بكر ﵁ مرفوعًا قال ابن طاهر في التذكرة لا يصح. كذا في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"٢.
стр. 145
٣- الأذان داخل المسجد في المغرب والعشاء مع الأذان في المنائر:
رأى بعض أئمة المساجد أن أذان الجمع في منائر المساجد الكبيرة لا تؤدي به السنة لأنه بدعة فكان يأمر بالأذان قبل الإقامة في المغرب والعشاء، وليت شعري لم لا يفعله في الظهر والعصر. والذي أرى أن الأذان إنما القصد به الإعلام فإذا احتيج إلى مؤذنين في محلة كبيرة فلا مانع منه والأذان صحيح أديت به سنة الإعلام. قال في الإقناع فإن لم يحصل الإعلام بأذان واحد زيد بقدر الحاجة كل واحد بجانب أو يؤذنوا دفعة واحدة بمكان واحد. ا. هـ. نعم بناء بعضهم على صوت من سمعه وترك ما فاته وتأذين بعضهم من نصف الكلمة وتقطيع لفظ الجلالة جهل بالأداء من فاعله وهذا ملحظ من كرهه كابن الحاج فحق المؤذن أن يتعلم السنة أو ينبهه من سمعه وحينئذ فلا حاجة إلى هذا المؤذن قبل المغرب والعشاء بل الأولى أن ينتظر الفراغ من الأذان على المنارة ثم يقام للصلاة. وقد نقل الإمام ابن الحاج في المدخل كراهة الأذان في جوف المسجد من وجوه "أحدها" أنه لم يكن من فعل من مضى ممن يقتدى بهم. "ثانيا": أن الأذان إنما هو لنداء الناس ليأتوا للمسجد ومن كان فيه لا يصح نداؤه لأنه تحصيل حاصل ومن كان في بيته لا يسمعه. "وثالثها" قد يكون في الأذان تشويش على متنفل أو ذاكر قال: ثم إن هذه البدعة جرت إلى بدع أخر. ألا ترى أنهم لما أحدثوا الأذان في المسجد اقتدى العوام بهم فصار كل من خطر له أن يؤذن قام وأذن في موضعه.
стр. 146
٤- الزيادة على الأذان المشروع وبدعة التنعيم:
قال في شرح "العمدة" من كتب الحنابلة: يكره قول المؤذن قبل الأذان ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ الآية. وكذلك إن وصله بعد بذكر لأنه محدث ويكره قوله قبل الإقامة "اللهم صل على محمد" ونحو ذلك من المحدثات وفي "الإقناع" وشرحه من كتبهم أيضًا: وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن فليس بمسنون. وما أحد من العلماء قال إنه يستحب بل هو من جملة البدع المكروهة لأنه لم يكن في عهده ﷺ ولا عهد أصحابه وليس له أصل فيما كان على عهدهم يرد إليه فليس لأحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه ولا يعلق استحقاق الرزق به؛ لأنه إعانة على بدعة ولا يلزم فعله ولو شرطه واقف لمخالفته السنة. وقال عبد الرحمن بن الجوزي في كتاب "تلبيس إبليس" وقد رأيت من يقوم بليل كثير على المنارة فيعظ ويذكر ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجدين قراءتهم وكل ذلك من المنكرات. وقال "ابن الحاج" رحمه الله تعالى في "المدخل": وينهى المؤذنون عما أحدثوه من التسبيح بالليل، وإذا كان ذكر الله تعالى حسنًا سرًّا وعلنًا، لكن في المواضع التي تركها الشارع صلوات الله عليه وسلامه ولم يعين فيها شيئًا معلومًا. ثم قال: وهذا ضد ما شرع الأذان له لأن الآذان إنما شرع لإعلام الناس بالوقت. وقال أيضًا: وينهى المؤذنون أيضًا عما أحدثوه من التذكار يوم الجمعة لأن النبي ﷺ لم يفعله ولا أمر به ولا فعله أحد بعده من السلف الماضين ﵃ بل هو قريب العهد بالحدوث أحدثه بعض الأمراء وهو الذي أحدث التغني بالأذان وأطال في ذلك. وقال الإمام ابن حجر في فتاويه قد أحدث المؤذنون الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عقب الأذان. ثم ساق حديث تاريخ حدوث ذلك، وذكر بعد ذلك أن الكيفية التي يفعلونها بدعة. وذكر المؤرخون في حوادث سنة ٢٥٣ أن أرجوز صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمر بالأذان في يوم الجمعة في مؤخر المسجد كما أمر أهل الحلق بالتحول إلى القبلة قبل إقامة الصلاة ومنع من الجهر بالبسملة. ا. هـ.
أقول: ونحو هذا ما يوجد في بعض الجوامع من بدعة تسمى في عرف
стр. 147
الناس "التنعيم" ومعناه قول نعم وهي كلمة يقولها بعض المؤذنين قبل دخول وقت العصر خاصة بنحو نصف ساعة أما في منارة المسجد أو في صحنه ويصرخ بها بصوت جهوري وبمد العين مدًّا طويلًا يربو على المد المثقل بأضعاف أضعافه إذ لا يزال بمد صوته حتى ينقطع نفسه. ويقصد مبتدع هذه البدعة تذكير الغافل عن صلاة الظهر بقرب دخول وقت العصر ليأخذ بفعلها. وقد تسبب عن هذه العادة عدا عن كونها بدعة أن يؤخر كثير من الناس صلاة الظهر إلى سماع هذا التنعيم وقد أبطلت من بعض الجوامع والحمد لله ولم تزل في غيره ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 148
٥- إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر في رمضان تعجيلًا للسحور:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" في باب "تعجيل الإفطار" من البخاري ما مثاله: من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يزيد الصيام زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا فأخروا الفطور وعجلوا السحور وخالفوا السنة فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر والله المستعان. ا. هـ. قلت: ومثله في دمشق تمطيط أذان السحور وترعيد الصوت فيه بنغمة خاصة وإطالة السكوت بين كل جملة من جمل الأذان إطالة زائدة وذلك لأن المؤذن يبقى في أذانه نصف ساعة فيضطر إلى تمضية لحصة المذكورة بتمطيط الكلمات وإطالة السكنات. وإنما قلنا إن هذا هو للأذان الثاني؛ لأن الأول يسمى عند الشاميين بالمراسلة بضم الميم وفتح السين.
стр. 149
نعم لو لقلنا إن أذان السحور الآن الذي تقدم هو أذان الفجر الأول وجوزناه لما ورد من أن للفجر أذانا أول قبل دخول وقته وثانيًا عند دخول وقته لكان ينبغي أيضًا اجتناب التمطيط فيه لما قدمنا.
ولا يخفى أنه حيث جرت العادة الآن بتنبيه الناس وإيقاظهم للسحور أولا بطبل المسحر وطرقه الأبواب في الحارات والأزقة في آخر الليل وثانيًا بضرب مدفعين في الولايات أو بندقيتين في الأقضية الأول لتناول الطعام والثاني للتهيؤ للإمساك عن الطعام والشراب فاللازم ترك هذا الأذان الأول رأسًا اكتفاء بما مر والصعود إلى المنارة إذا دخل الفجر الصادق كما رأيت ذلك في بعلبك فإنه يؤذن المؤذن في فجر رمضان وغيره في وقته على المنارة وهذا أقرب إلى الحالة السلفية.
ثم هناك بدعة أخرى في رمضان وهي أنه إذا فرغ المؤذن من أذان الإمساك المتقدم حاله يكون بقي لدخول الفجر ربع ساعة أي خمس عشرة دقيقة فإذا نزل المؤذن من المنارة يقف في آخر صفوف المصلين على مرتقى أو سدة وينشد نثرًا ونظمًا جملة تسمى "أمة خير الأنام" لأن ذلك مطلعها يحضهم فيها على اغتنام ليالي الصيام ويذكر فوز من قام بأوقات السحر بنغمة خاصة. وكل هذا من البدع لا سيما رفع الصوت بين هؤلاء المنتظرين لصلاة الصبح وفيهم المتهجد والذاكر والمراقب والتالي للقرآن. والمساجد التي لا يوجد فيها من يحفط "أمة خير الأنام" لأنه لا يحفظها إلا الماهر من المؤذنين والمتفنن المتخرج على أساتذة ذلك الفن ربما يقوم مؤذنها في تلك الحصة فيشد صلوات نبوية ويشوش بها كتلك. وقد سعيت لإبطال ذلك من جامع السنانية وقبله من جامع العنابة كما سعيت في الثاني لإبطال نشيد وداع رمضان نسأله تعالى أن يوفق لإبطاله من الجامع الأول ومن سائر الجوامع بمنه وكرمه. ويا للعجب من تأثير بدع رؤساء النوبات والأذان الموظفين في جامع بني أمية وفي سائر مساجد الشام حرصًا على تقليدهم ورغبة في مجاراتهم بحيث أضحى من يحاكيهم أو يقاربهم ذا مزية في رأيه فحسبنا الله. ولا أدري كيف لم يقم أرباب النفوذ من العلماء قديمًا في وجوه هذه البدع فيطمسوها ولعل السيطرة لم تكن للعلماء الكاملين بل لغيرهم ممن يعد ذلك -لطمس بصيرته- من شعائر الدين.
стр. 150
٦- الموقتون في بعض المساجد:
أغلب المساجد الكبيرة في دمشق لها موقتون وظيفتهم على حسب شروط الواقف أن يراقبوا الوقت مراقبة يقتضيها الحساب الفني وذلك بمراجعة المزاول على الحيطان أو البسيط وضبطه ساعته على ظل قائمة ثم الحضور قبل الوقت إلى المسجد ثم إشارته إلى المؤذنين وهم في المنارة بالأذان إذا دخل الوقت. هذه حقيقة وظيفتهم، وقد وجد ذلك قديمًا في الجامع الأموي إذ كان من موقتيه رجال لهم إلمام بفن الفلك فكانوا يراعون ذلك أما الآن فبقي ذلك رسمًا وتقليدًا لمن مضى فلا ترى في الموقتين من يحسن رسالة الربع ولا يدريها أو لا يسمع بها، وإنما يتقاضى معاشه من نظار المسجد زورًا وظلمًا إذ كل من لم يقم بوظيفته على شرطها فأكله للمال سحت باتفاق فقهاء المذاهب بل والأديان السماوية قاطبة لأنه تعالى حرم أكل أموال الناس بالباطل على لسان كل نبي. ومثله يقال فيمن عليه وظيفة تدريس يأخذ معاشها وليس هو أهلًا لذلك، وإنما تولى التدريس لوجاهة أو بوسيلة أو بإرث مجرد فإن معاشه حرام، فليحذر من كان كذلك إلا بأداء وظيفته على شرطها والسعي فيما يخلصه من غضب الله ونقمته.
стр. 151
٧- إقامة من يؤذن:
اتفق الفقهاء على أنه يستحب أن لا يقيم إلا المؤذن. والسر في ذلك أن الإقامة من تتمة الأذان وهي حق للمؤذن وقد يتألم بالافتئات عليه وفي إقامة غيره افتئات عليه. وأعظم حكمة في ذلك هو انتظار الجمع حتى يكمل، وإلا فلو أقام غير المؤذن قبل نزوله من المنارة لفات كثيرًا من الملازمين للمسجد الركعة الأولى أو ما بعدها مع الجماعة. على أن في إقامة الغير محبة العجلة. وقد اعتاد كثير من الجوامع في المغرب والعشاء أنه بمجرد آذان الجمع في المنارة يؤذن واحد من الحاضرين أمام المحراب ويقيم كما قدمنا. وفي الجوامع التي لها مؤذن واحد قد لا ينتظر المؤذن بل يقيم غيره. والأحسن والأكمل الذي هو السنة أن ينتظر نزول المؤذن فيقيم هو أو واحد من المؤذنين جمعًا ففيه تأن وتمهل وانتظار للقادم من دكان أو منزل ومحاكاة للسنة النبوية فقد قال ﵊: "يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفسًا حتى يقضي المتوضئ وضوءه على مهل". على أن المصلين في الصيف في صحون المساجد التي يؤذن لها جمع تتشوش عليهم الصلاة بأصوات المؤذنين ولا يسمع أكثرهم قراءة الإمام وقد يشرع في الركعة الثانية وهم في المنارة أفليس الأصوب انتظار فراغ أذانهم ونزولهم ثم إقامة الصلاة والمقدار يسير لو قاسه المحبون للعجلة بالساعات التي يميتونها سدى في آناء الليل وأطراف النهار ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولقد امتن الله تعالى علينا في هذا العام عام ١٣٢٤ في جامع السنانية حيث سهل رفع أذان الواحد في المغرب والعشاء أمام المحراب ورجع فيه إلى فراغ المؤذنين من المنارة وبعده يشرع في إقامة الصلاة على هدوء ووفرة جمع. أسأله تعالى أن يسهل رفع ما شاكلها من البدع فإنه المستعان.
стр. 152
٨- زيادة لفظ "سيدنا" في ألفاظ إقامة الصلاة:
رأيت أيام رحلتي إلى بيت المقدس من يقيم الصلاة وأحيانًا يؤم بالقوم وكالة فيزيد لفظ "سيدنا" في قوله: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. فقلت له بعد الصلاة: لم تزيد هذه اللفظة وهي سيدنا وليست مشروعة في الإقامة؟. فقال لي: هذه مسألة كان وقع فيها نزاع بين علماء القدس ويافا "يعني أحدثها مبتدع" فمن قائل ينبغي الاقتصار في ألفاظ الأذان والإقامة على الوارد دون زيادة، ومن قائل تستحب زيادة سيدنا عند ذكر النبي صلوات الله عليه، قال ثم اشتد النزاع وتراسلوا وكاد الأمر يفضي إلى تجاوز الحد والآن نحن نقولها اتباعًا لمن استحبها وقطعًا للقالة فيها.
فقلت يا أخي إن ألفاظ الأذانين مأثورة متعبد بها رويت بالتواتر خلفًا عن سلف في كتب الحديث الصحاح والحسان والمسانيد والمعاجم ولم يرو أحد قط استحباب هذه الزيادة عن صحابي ولا تابعي بل ولا فقيه من فقهاء الأئمة ولا أتباعهم وهذه كتبهم بين أيديكم وأنتم تقلدونهم ولا تخالفونهم فما هذا الابتداع وليس تعظيمه صلوات الله عليه بزيادة ألفاظ في عبارات مشروعة لم يسنها هو ولم يستحبها خلفاؤه الراشدون مما يرضاه صلوات الله عليه؛ لأن لكل مقام مقالًا على أنه ثبت أنه نهى من خاطبه بقوله يا سيدنا وابن سيدنا روى النسائي بإسناد جيد عن أنس ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ١. وروى أبو داود بإسناد جيد عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا فقال: "السيد الله ﵎" ٢.
стр. 153
ومع ذلك فلا نرى الحظر من إطلاق ذلك عليه -كما يراه بعض الظاهرين. وحكي عن مالك كما في بدائع الفوائد كيف وهو ﷺ قال عن الحسن: "إن ابني هذا سيد" ١ وقال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ: "قوموا لسيدكم"٢ فهو سيد السادة وخير البشر صلوات الله عليه، وأما البحث في الألفاظ المشروعة فلا أعلم أن أحدًا قال باستحبابه. وتذكرت أن للحافظ "ابن حجر" فتوى في زيادة "سيدنا" في الصلاة الإبراهيمية استفتي عن استحبابها فيها فكان رأيه بعد كلام أنه لا يزاد ذلك في الكلمات المأثورة ويجوز أن يزاد في غيرها وقد سقتها في شرحي على الأربعين العجلونية فارجع إليه٣، وبالجملة فالاتباع خير من الابتداع. والأعجب أن بعض المتفقهة يقول إن في ذلك تعظيمًا له ﷺ فالأحسن ذكره فلو قلنا له هل أنت معظم له أكثر أم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم وأضرابهم فبالضرورة يقول هم فنقول له هؤلاء خلفاؤه الراشدون والبقية مؤذنوه، وقد روى صيغة أذانهم من لا يحصى من حفاظ السنة فأوجدنا عن أحد لفظ سيدنا فإن لم توجد ولن توجد فلا جرم أنك لم تفهم معنى تعظيمه ﷺ وأن تعظيمه إنما هو باتباع ما سنه وطلبه بلا زيادة ولا نقصان لا بالتطرف والانحراف عن سنته وإحداث ألقاب كان نهى عنها لكون الأعاجم كانوا يرغبون فيها ويؤلهون بها رؤساءهم فنعوذ بالله من الجهل بالهدي النبوي ومن عدم التفقه بالدين.
стр. 154
٩- الزعق بالتأمين عقب الصلوات "وترك الورد المأثور بالجهر بالصلاة الكمالية ":
في بعض المساجد إذا سلم الإمام من فريضة العصر يزعق المؤذن بالتأمين ودعاء بعده. وفي بعضها متى سلم الإمام منها أخذ المقتدون في الجهر بالصلاة على النبي ﷺ الكمالية وفي ذلك مخالفة للسنة إذ السنة الاشتغال عقب الفريضة بالأوراد المأثورة بعدها سرًّا كل مصل لنفسه وكذلك من أدب الدعاء خفض الصوت فيه قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة﴾ وهؤلاء أعرضوا عن التضرع والخفية بالعياط١ والزعقات واللعب في الخلال. وقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اتخذ الفيء دولًا والأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا وتعلم العلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسدهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا وقذفًا وآيات تتابع كنظام لآلئ قطع سلكه فتتابع"٢م.
قلت: ومما أحمد الله عليه وأشكره عدد خلقه أن وفقنا لإزالة منكر الزعق بالتأمين عقب السلام من فريضة العصر في جامع السنانية وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ١٣٢٤، وسببه أن أحد المصلين أخبرني بعد الفريضة المذكورة يومًا بأنه حين ما زعق المبلغ بالتأمين هوى من القيام إلى السجود
стр. 155
ونسي الركوع وكان قبل يوم زارني بعض علماء بيروت وصلى العصر عندي فأفزعه هذا الصراخ بالتأمين فوجدت حينئذ للكلام مع شيخ المؤذنين بابا. فقلت له: الأئمة والمؤذنون في المسجد ينبغي أن يدفعوا عن أنفسهم الملام فيما ينكره الشرع عليهم وهم في المسجد بمثابة العضو الواحد فينبغي أن يتعاونوا على ما فيه صلاح حالهم في وظائفهم، فهذا الزعق بالتأمين قد شكى منه غير واحد؛ لأن المبلغين أكثرهم شبان وفي أصواتهم قوة زائدة تشوش على المصلين فإن رأيتم ترك هذا التأمين رأسًا. فقال لي: أو نأمرهم بخفض الصوت به. فقلت: يمتثلون أيامًا ثم يعودون، فسد الباب أولى وفيه ثواب كبير. فحينئذ امتثل وأمر جماعته بتركه. ثم إني كلمتهم أيضًا وبينت لهم فضل ذلك ثم قلت: كل ما يبلغكم إنكاره فيلزمكم تركه إذا كان محدثًا استبقاء لقلوب المنكرين وصيانة لأنفسكم عن غيبتكم.
стр. 156
١٠- الإنشاد قبل خطبة الجمعة:
يجتمع المؤذنون على السدة المقابلة للمنبر في الجوامع ويتحلقون للزعق بالصلوات النبوية قبل صعود الخطيب وبعد صعوده ينتهون بالصلوات إلى ثلاث مرات ويزعقون في قولهم: "وعلى آل محمد" زعقًا شديدًا. وقد رأيت في بيروت في بعض جوامعها شخصًا ينشد مدائح نبوية "يقوم بهذا عن الجمع" ويختار لذلك في الجوامع المهمة من يكون صوته حسنًا مطربًا وهي وإن كانت بدعتها أخف من زعق الجمع إلا أن الكل مما لا حاجة إليه، بل السنة هو خروج الإمام إلى المنبر ولا صوت ولا لغط حتى إذا استقر قام المؤذن فأذن. ولكن من أين لنا من يكف سيطرة هؤلاء المؤذنين الذين لا يدرون شيئًا من الفقه في الدين أصلح المولى أحوالنا وهيأ لنا من أمرنا رشدًا.
стр. 157
١١- تبليغ المؤذنين جماعة:
أسهب الإمام ابن الحاج في "المدخل" في محذورات هذه البدعة وذكر منها أن المبلغين يتواكلون في التكبير ويديرونه بينهم ويقطعونه ويوصلونه وذلك أن بعضهم يبتدئ به ثم يبتدئ الآخر من أثناء الكلمة واصلًا صوته بصوت صاحبه قبل انقطاعه مبالغًا في رفع صوته على سبيل العمد فلا يأتي بالتكبير على وجهه.
ومنها ما في زعقاتهم من ذهاب الحضور والخشوع أو بعضه وذهاب السكينة والوقار أيضًا.
ومنها مفسدة انتظار الإمام لهم وذلك أن الإمام يكبر للركوع ويركع فيكبرون خلفه ويطولون برفع أصواتهم عليه فإما أن يرفع رأسه من الركوع قبل أن ينقضي تكبيرهم وإما أن ينتظر فراغهم منه فينعكس الأمر ويصير الإمام تابعًا للمأموم.
ومنها مخالفة السنة، ولا يقال قد يكون في الجامع جمع كثير فلا يبلغهم صوت الواحد لأنه يقال الواحد الصيت يكفي في ذلك كما يكفي لإسماعهم وهو بين يدي الخطيب يؤذن وخلافه مكابرة. ا. هـ.
стр. 158
١٢- التبليغ بالأنغام المعروفة:
التبليغ هو التسميع وراء الإمام وإنما يتسامح به للحاجة من كثرة المصلين أو عدم بلوغ صوت الإمام لجميعهم فحينئذ يسمع واحد بصوته الطبيعي بلا تكليف ولا تمطيط ولا تصور لتلاحين مخصوصة وقد جرى أكثر المبلغين -في الجوامع المهمة بدمشق- على حصر كل نغم لليلة مخصوصة فلليلة الأحد
نغم الصبا ولليلة الاثنين البيات ولليلة الثلاثاء النوى ولليلة الأربعاء السيكاه ولليلة الخميس العراق ولليلة الجمعة الحجاز ولليلة السبت الراست وعادتهم أن يجعلوا للركعتين الأوليين نغم الراست دائمًا وللأخريين ما ذكرنا ترتيبه وكذلك للتراويح نغم العراق ولوترها البيات عادة لا يخل بها منهم إلا حديث العهد بصنعتهم ومن أخل زجروه ليتروض على نهجهم وهذه عادة غريبة في التبليغ، وفي التكلف لهذه التلاحين ما فيه من صرف القلب عن معنى الذكر المطلوب وجعل التكبير على وزان الموشحات والأغاني التي لكل منها نغم على حدة، فإنا لله.
стр. 159
١٣- حكم التبليغ عند عدم الحاجة إليه:
جاء في حواشي الدر: رفع الصوت لغير حاجة كما يكره للإمام يكره للمبلغ. وفي حاشية أبي السعود أن التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بلغهم صوت الإمام مكروه. وفي السيرة الحلبية: اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ بدعة منكرة أي مكروهة وأما عند الاحتياج إليه فمستحب. وفي الفتح ما تعورف من التبليغ جماعة في زماننا لا يبعد أنه مفسد، وذلك لأنهم يبالغون في الصياح زيادة على حاجة الإبلاغ والاشتغال بتحرير النغم إظهارًا للصناعة النغمية لا إقامة للعبادة والصياح ملحق بالكلام. وكم من مسجد يكفيه صوت الإمام ومع ذلك فترى وراءه مبلغًا يزعج الناس بصوته ويشوش عليهم بصيحته وقد رأيت ما قال العلماء فيه فليكن المبلغ على حذر من التعرض لإفساد عبادته من حيث لا يعلم أو يعلم ولا يعمل.
стр. 160
١٤- جهر المؤذنين بالورد المعلوم وبالأناشيد:
الكلام في هذا كما تقدم في محذور الزعق إذ الأدب خفض الصوت كما ذكرنا وأعظم منه رفع الصوت بالأناشيد والقصائد كل ليلة أو كل ليلة الاثنين والجمعة في الجوامع الشهيرة بدمشق، فإنا لله.
стр. 161
١٥- إنشاد الغزليات في المنارات:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن مؤذن يصعد إلى المئذنة ينشد أبياتًا يذكر فيها الفراق والبين وتفرق الأحباب فأنكر عليه رجل قائلًا له لا تفعل هذا وعليك بالتسبيح والتحميد والقصائد الربانية فهل أصاب أم لا.
فأجاب ﵁ نعم ينهى المؤذن أن ينشد الأبيات التي هي من جنس النياحة والمراثي وكذلك ما كان من جنس الغزل فإن في ذلك مفاسد كثيرة وليس ذلك من ذكر الله المشروع للمؤذن ولا بأس بالأبيات المتضمنة لذكر الآيات والأخبار والتوبة والاستغفار والله أعلم.
"فائدة" قال السيوطي في الأوائل: إن أول من رقى منارة مصر للأذان شرحبيل بن عامر المرادي، وبنى سلمة المنائر للأذان بأمر معاوية ولم تكن قبل ذلك. وقال ابن سعد بالسند إلى أم زيد بن ثابت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من أول من أذن إلى أن نبى رسول الله ﷺ مسجده فكان يؤذن بعد ذلك على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره. ا. هـ.١
стр. 162
١٦- نشيد وداع رمضان:
هذه العادة المستهجنة جارية في أغلب المساجد، ذلك أنه إذا بقي من رمضان خمس ليال أو ثلاث يجتمع المؤذنون والمتطوعون من أصحابهم، فإذا فرغ الإمام من سلام وتر رمضان تركوا قراءة المأثور من التسبيح وأخذوا يتناوبون مقاطيع منظومة في التأسف على انسلاخ رمضان فمتى فرغ أحدهم من نشيد مقطوعة بصوته الجهوري أخذ رفقاؤه بمقطوعة دورية، باذلين قصارى جهدهم في الصيحة والصراخ بضجيج يصم الآذان ويسمع الصم. ويساعدهم على ذلك جمهور المصلين بقرار نغمهم. ولعلم الناس بأن مثل تلك الليالي هي ليالي الوداع ترى في أطراف المساجد وعلى سدده وأبوابه وداخل صحنه النساء والرجال والشبان والولدان، بحالة تقشعر لقبحها الأبدان؛ وقد اشتملت هذه البدعة على عدة منكرات منها رفع الأصوات بالمسجد وهو مكروه كراهة شديدة. ومنها التغني والتطرب في بيوت لم تشيد إلا للذكر والعبادة. ومنها كون هذه العادة مجلبة للنساء والأولاد والرعاع الذين لا يحضرون إلا بعد انقضاء الصلاة للتفرج والسماع. ومنها كونها داعية لاختلاط النساء بالرجال. ومنها كونها ينشأ عنها هتك حرمة المسجد لاتساخه وتبذله بهؤلاء المتفرجين وكثرة الضوضاء والصياح من أطرافه إلى غير ذلك مما لو رآه السلف لضربوا على أيدي مبتدعيه، وقاوموا بكل قواهم من أحدث فيه، والمستعان بالله نسأله تعالى العون على تغيير هذا الحال بمنه وكرمه.
ومن العجائب أن خطيبًا في آخر جمعة من رمضان يندب فراقة كل عام ويتحزن على مضية ويقول: لا أوحش الله منك يا شهر كذا وكذا، ويكرر هذه الوحشيات مسجعات مرات عديدة، ومنها "لا أوحش الله منك يا شهر المصابيح، لا أوحش الله منك يا شهر المفاتيح" فتأمل هداك الله لما آلت إليه الخطب لا سيما خطبة هي آخر شهر جليل والناس في حاجة إلى آداب يتعلمونها لما يستقبلهم من صدقة الفطر ومواساة الفقراء والمشي على ما ينتجه الصوم من الكمالات والتطبع على آثاره الفضلى وتجنب البدع وغير ذلك مما يقتضيه المقام، وما ألطف ما جاء في طهارة القلوب: مما يجدر أن تنسج الخطباء على منواله "يا هذا تهيأ لسماع المواعظ بحضور قلبك ينفعك ما تسمع، إذا فاض النهر
стр. 163
ولم تحفر ساقية إلى زرعك لم يصل الماء إليه، يا نائمًا في سفينة الأمن لا تنظر إلى سكونك فإنما يسار بك وأنت لا تشعر. عباد الله اشكروا نعمته على ما يسر لكم من صيام رمضان، وأعطاكم من نعمة الإيمان، فقد أمركم بذلك من بنوره يهتدي المهتدون، فقال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ودعوا شهر رمضان بكثرثة الاستغفار من التقصير، والعزم على دوام الجد والتشمير، فلقد كان للمتقين روضة وأنسًا، وللغافلين قيدًا وحبسًا. كان نزهة للأبرار، وقيدًا للاشرار، فطوبى لمن حل فيه عقدة الإصرار، وحل في روضة التقوى في منزل الافتقار.
أي شهر قد تولى ... يا عباد الله عنا
حق أن نبكي عليه ... بدماء لو عقلنا
كيف لا نبكي لشهر ... مر بالغفلة عنا
ثم لا نعلم أنا ... قد قبلنا أو طردنا
ليت شعري من هو ... المحروم والمطرود منا
ومن المقبول ممن ... صام منا فيهنا
كان هذا الشهر نورًا ... بيننا يزهر حسنا
فأجعل اللهم عقبا ... هـ نورًا وحسنا
عليكم بالاجتهاد في باقيه، وتلافوا تفريطكم ما أمكن تلافيه. فكم متأهب ليوم فطره، يصبح يوم العيد في قبره. قد فارق الإخوان، وعدم الخلان. وكم بين من يرعى رمضان، كأنه حبيب زار بعد طول بعاد، وطيف خيال ألم في طيب سهاد. هجر فيه المنكرات، ولزم الوقوف على قدم الصالحات. وآخر يرى رمضان موسمًا لنيل الشهوات، ويعد أيامه استعجالًا لأوقات البطالات. وآخر قد فرط في الإنابة والتوبة، وقصر عن الإجابة والأوبة. فازداد برمضان وزرًا على وزره، واكتسب بأيامه خسرًا على خسره، ولم يتزود منه ليوم حشره.
стр. 164
١٧- بيان أنه لا عبرة بوجود هذه البدع بالجامع الأموي "وسكوت الأقدمين عليه ":
يحتج بعض الناس في دمشق على جواز هذه البدع واستحسانها بكونها موجودة في جامع بني أمية -وهو شيخ الجوامع في الشام- وبكون مدرسيه الماضين سكتوا عليها، وهذه حجة فاشية في كثير من الأمور التي تساهل بها أهل النفوذ الماضون فترى العامي إذا ليم على بدعة وأرشد إلى الصواب فيها يستدل بفعل شيخه أو العالم الفلاني أو المكان الفلاني أو البلدة الفلانية أو من يعتقده ويزعم أنها مشروعة أو حسنة بسبب ذلك. وكل ذلك غرور فإن فعل المشايخ أو إقرارهم ليس بحجة شرعية إذ الشرعية كتاب الله وسنة رسوله المعصوم وما عداه ﷺ فليس بمعصوم ولو كان فعل غيره حجة على الدين لوقع الخلل في الشريعة بسببه فكل من استحسن شيئًا وفعله أو كره شيئا وتركه يقع الاقتداء به فيكون ذلك نسخًا للدين "نعوذ بالله" والشريعة المطهرة قد عصمت من التغيير والتبديل بنقل التنزيل الكريم والهدي النبوي القديم. فكل من أتى بشيء مخالف لما أمر به فهو مردود عليه محجوج بهما وبالجملة فلا يصح الاقتداء بأحد كائنًا من كان لا بقوله ولا بفعله ولا بسكوته حيث كان مخالفًا للسنة وإن الأمكنة لا دخل لها في تشريع الأحكام وإن كانت فاضلة. ثم ما يدرينا أن من كان فيها من العلماء سكت عنها سهوًا أو نسيانًا أو عدم تفكر أو خوفًا من الرعاع أو ضعفًا. نعم أرباب النفوذ لا أرى لهم عذرًا لأن الأمر بيدهم والسنة لديهم، وأرى أن الجامع الأموي في دمشق ومثله كل جامع كبير في غيرها من البلاد متى صلح من البدع صلحت سائر الجوامع فليحرص على إصلاحه زعماؤه والله متولي معونتهم برحمته.
стр. 165
الباب الرابع: في الدروس الخاصة والعامة
وفيه مباحث
١- تعصب بعض المدرسين:
يدرس كثير من العلماء للطلبة في المساجد. وهؤلاء المدرسون ندر من يكون منهم غير متعصب أو لا يوجد، ولذلك لا تخلو المساجد العامة التي يكثر مدرسوها من ثورات علمية تتناقلها الأفواه وما منشؤها إلا التعصب وهاك بيان ذلك:
ترى مدرس الفقه غير الحكيم يقرأ الفروع قراءة مشوبة بهضم المخالف لمذهبه وعدم رؤياه بشيء وعدم الاعتداد بمذهبه كليًّا إلا ظاهرًا فلا ينصرف تلامذته من درسه إلا وهم ممتلئون قوة بها يدافعون من خالفهم في تلك الفروع وقد يرون بطلان ما عليه غيرهم كما يعلمونه في كراهة الاقتداء بالمخالف مما يتبرأ منه هدي السلف والأئمة المتبوعين عليهم الرحمة والرضوان وكما يحاولون ويحاورون في تقوية دليل ضعيف في مقابلة قوي كمرسل في مقابلة مسند وإيثار ما رواه غير الشيخين على ما روياه مما يتبرأ منه الإنصاف الذي يطرح لديه كل اعتساف، فالواجب في تعليم الفقه لمن لم يكن له قوة النظر في الدليل أن يلقن تلك الفروع لتلامذته ويغرس في قلوبهم أولًا حب الأئمة وكل المجتهدين سواء المدونة فروعهم أو غيرهم، ثم يبين أن ما يدرسه الآن هو فروع مذهب الإمام الفلاني وأنه آثر قراءته لأنه على مذهبه نشأ مع اعتقاد
стр. 166
أن من خالفنا في المذهب على خير وهدى وتقوى وكلهم أتباع دين واحد وكتاب منزل واحد وأنّا ببركة الدين إخوان في اليقين وأن الاقتداء بالغير صحيح وتقليده جائز ما دمنا لا نقدر على الأخذ من الأصلين وأن البعثة النبوية إنما كانت لتأليف القلوب وجمعها لا لتناكرها وتنافرها وهكذا فيمتلئ فؤاد الطالب حبًّا للأئمة ولأتباعهم وللآخذين بأقوالهم فلا تراه بعدها يشن الغارة على مخالفه ولا يحط من كرامة غيره ولا يتخذ الفقه سلاحًا يقاتل به عن متبوعه، بل تراه فقيهًا تنبيهًا صالحًا كاملًا مجلًا للسلف ولكل من تقلد من أقوالهم أو رأى رأيهم عملًا بما قيل "وكلهم من رسول الله ملتمس" وكذلك مدرس الحديث يجب عليه أن تكون طريقته محو التعصب والقيام على تأليف القلوب ولطالما كان يشتكي العقلاء من قارئي كتب الحديث تعصبًا يفضي إلى ما هو شر من تعصب الفقيه وذلك لأن قارئه المتصدي لإسماعه إذا كان غير حكيم فقد يقرأ الحديث -وناهيك جلالته في القلوب- ويكون مما يستدل به على حكم مختلف فيه فتراه هناك إذا كان موافقًا لمذهبه يأخذ في شرحه وما يستفاد منه ويهش له وتبرق أسارير وجهه وقد يكون في مجلسه مقلد لم ير أمامه هذا الحديث دليلًا لما قام لديه والمقلد بعد لم يتنور فكره بالتبصر التام فتراه علته كآبة وربما أخذته رعدة تألمًا من أن يحتج على مذهبه أو يضعف دليله، وإذا كان في المجلس عدد وهم مختلفون في المذهب ومقلدون على ما شرحنا فلا تسمع إلا صيحات ومناقشات وتمحلات واعتسافات مدافعة عن المذهب، وقد يكون الشيخ مع أحد الفريقين، فترى الحديث المصان، كأنه أكره بين أيدي صبيان، مما تتفطر له أفئدة العقلاء. فالطريقة العليا في رفع هذا الخلاف، وجذب الأفئدة إلى الائتلاف هو أن يكون الشيخ متهيبًا في مجلسه، وقورًا في قراءته، حكيمًا في أسلوبه، فإذا ورد عليه حديث يعلم أن من الأئمة من تمسك بغيره وتوبع عليه أن يقول دل هذا الحديث على كذا وبه أخذ الإمام فلان عليه الرحمة وقد تمسك غيره بحديث آخر إما لأنه لم يبلغه أو بلغه ورأى غيره أقوى من هذا فإن أنظار الأئمة دقيقة وليس الأخذ بالصحيح بمجرد كونه
стр. 167
روي في الصحاج فقط بل لا بد للاحتجاج به من شروط أخرى معروفة في الأصول.
ومعلوم أن الأئمة قصدهم حماية الدين النبوي وحفظه والرغبة في التمسك به لا الحيادة عن سبيله حاشا فحينئذ من تمسك بما قرأناه الآن فهو على هدى وبينة ومن تمسك بغيره فهو على هدى وبينة. ثم يقول لهم: بقي أن التراجيح دقيقة فقد يرجح إمام ما لم يرجحه الآخر لاختلاف مشاربهم وحينئذ فلا ملام على إمام. نعم قد يؤسف لمن يرى قوة أحد المأخذين ويتعسف في التأويل لمجرد التقليد فحق العاقل الذي منح هذه المنحة العظمى منحة العقل، منحة نور الفهم والتمييز أن ينظر كما نظروا ويفحص كما فحصوا. فإذا تبين له قوة دليل اعتنقه لكونه الحق لا تحزبًا لفلان بل وقوفًا مع الأقوى فإن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال. وهكذا يرشدهم بلطف ويجمع قلبهم على الحب ويأخذ بأيديهم إلى النظر الصحيح، أما من يبقى على تعصبه وتحزبه بلا تأويل صحيح ولا إرشاد ولا رغبة في الصحيح والقوي أو اهتمام أعمال الفكر في ذلك فيحرم عليه قراءة الحديث حرمة لا يرتاب فيها أحد لأنه يكون عرض كلام الرسول صلوات الله عليه لتمزيق حواشيه والتلاعب فيه، ومثاله مثال من عرض سلعة على راغب عنها، ومعلوم ما في ذلك١.
بقي شيء آخر في مدرس الحديث وهو أن يكون ممن يقرأ الصحيحين ويكون روى في غيرهما رواية تخالف ما فيهما فتراه يأخذ في الجمع بينهما مع أن الرواية الأخرى ما هي على شرط الصحيح ولا يحتاج إلى النظر فيها
стр. 168
فضلًا عن الجمع١ وقد تكون الأخرى ضعيفة أو منكرة لأمور يعلمها الراسخون فأي حاجة لذكرها والتقصي عنها، وقد يقال إن الشراح ذكروها ولا يخفى أن ليس كل ما يذكره الشراح بالواجب اتباعه والمشي عليه فالمتصدي إذ لم يضم إلى الفقه علومًا أخرى من تاريخ وطب وأصول وحكمة وذوق لسر التشريع وإلا فلا تراه إلا يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء.
هذا تعصب مدرسي العلوم النقلية ولا يقل عنه تعصب مدرسي العلوم العقلية، فكثيرً ما ترى من يتعصب في النحو للبصريين ويرد ما رآه الكوفيون وإن وضحت شواهدهم مع أن هذا خلاف الانصاف فالحكيم هو المتبع للشاهد العربي والمتبرئ من تكلف تأويله وما ألطف ما قال أبو حيان: ما تعبدنا الله باتباع مذهب البصريين ولا الكوفيين ولكن بالدليل القوي. أو كلامًا هذا معناه. وهكذا قارئ الأصول فقد يتحزب لما في الكتاب مما صححه مؤلفه أو ضعفه بدون نظر وتأمل وكله خلاف الحكمة، فالواجب على المدرس النظر الصحيح والبحث بالعقل والحكمة من غير لوم أو حط من كرامة وتدريب صحبه على ذلك وغرس الود والحب في قلوبهم وتدعيم ذلك بتقوى الله تعالى والإنابة إليه والتوكل في كل حال عليه.
٢- تساهل بعض المدرسين في الدروس العامة:
للتدريس العام أهمية عظمى في القيام على تثقيف العقول وتهذيب الأخلاف لذلك يحتاج المتصدي للقيام بواجبه أن يكون حكيمًا واسع الاطلاع وقافًا
стр. 169
على الفروع المختلف فيه ناهجًا منهج التيسير المعروف من الأصول الصحيحة وبقدر تمكنه من ذلك ووفور عقله بقدر أخذه بيد الناس إلى الصواب وهدايتهم إلى السنن القويم فمن أهم واجباته أن ينتقي من الكتب التي يقرؤها عليهم ما يجمع بين العبادات والمعاملات والأخلاق جمعًا مجردًا عن شوائب الواهيات والضعاف والخرافيات والمسائل الفرضيات والغرائب الفضوليات والتي بطلت ببطلان صفة الزمان أو المكان وذلك لأن رواية الأحاديث الضعيفة كما ذكره الإمام مسلم في مقدمة صحيحه محظورة وأن راويها غاش آثم، وفي محكم الكتاب وصحاح السنة كفاية عن تقحم أبواب الواهيات من الآثار والنقول على الرسول الأكرم صلوات الله عليه، وليس الدين في حاجة إليها لإكماله ولا للترغيب ولا للترهيب كما زعمه الوضاعون عليهم ما يستحقون، فإن أصل الكتاب الكريم لم يفرط فيه من شيء كما نطقت بذلك آيات ذكره الحكيم، وقد صرح أئمة المصطلح بأنه لا يجوز في الحديث الضعيف أن يقال: قال رسول الله ﷺ .
وأما الخرافيات وهي كل حكاية لا يقبلها العقل السليم وينبذها العلم الصحيح فلا يجوز قصها على العامة لا لترويح النفس ولا للإغراب فضلًا عن الاعتقاد بصحتها وربما يعتذر بعضهم بأنها مروية في كتاب كذا ولا يخفى عليك أنه ليس كل ما دون مما يسوغ ذكره وليس كل تأليف متمخضًا للصحيح من الأنباء فقد حشيت التفاسير وكتب السير وأسفار الوعظ والرقائق وكثير من الشروح والحواشي من الأقاصيص الموضوعة والحكايات الملفقة والمسائل المولدات ما لا يحصيه قلم كاتب. فالواجب إذن على المتصدي للتدريس أن يعرض عنها جانبًا ويهذب درسه للصحيح من الأصوال والمهم من الفروع وإلا فإنه يكون جنى على الدين جناية لا تغتفر١.
стр. 170
وأما المسائل الفرضيات فالوقت أثمن من أن يصرف فيها ولا فائدة فيها عاجلة ولا آجلة وليس توليدها من سعة العلم كما يتوهمه الأغرار، بل هي شين في وجنة العلم إنما سعة العلم بالوقوف على أصول الدين وأسراره ودقائق ما تشير إليه الآيات القرآنية التي لا تنتهي فوائدها والتي ينبغي صرف العمر في اجتناء ثمراتها وإعمال الفكر في جواهرها ودررها.
وأما الفضوليات أعني سوق مسألة من فن وضمها إلى فن لا مناسبة لها ولا يقتضيها المقام فكذلك مما ينبغي تهذيب الفن والدرس منها كي لا تختلط المواضيع، ولقد كان يشكو إلى كثير ممن يحضر ببعض دروس الحشوية ويراه يخوض في مسائل هندسية واقيسة منطقية وسرد عبارات فلسفية مما لا يعود على العامة بشيء ما بل ولا العلماء في محفل التدريس العام؛ لأنها من الأمور التي تحقق في الدروس الخاصة للطلبة في كتبها. نعم ربما كانت الفائدة أن يقال إن هذا المدرس واسع الحفظ يحكي علومًا غريبة أو "ما يغرق سامعه في بحره" كما تحكيه العامة وهذا هو الرياء المحيط للأعمال نسأله تعالى العافية.
وأما المسائل التي بطلت باختلاف الزمان والمكان فهي كثيرة تمر بقارئ كتب القرون المتقدمة مما كان حلية زمانهم أو مكانهم أو علاج عصرهم فكله مما لا يلزم ذكره، وإنما يمشي مع حالة الزمان والمكان إذ القصد الفائدة وأي فائدة في ذكر ما لا يعلم الآن أو يعلم ولا يعمل به أفليس من إضاعة الوقت سدى الخوض فيه. وليقس ما لم يذكر على ما ذكرناه. وإنا لنود لإخواننا المتصدين للإرشاد أن لا يكونوا مضغة في أفواه أبناء العصر النبهاء بما ينتقدون
стр. 171
عليهم مما ذكرناه ومن غيره وذلك حفظًا لشرف مظهرهم وما ألطف ما روي عن مال: "العالم البصير بزمانه" وفقنا المولى وإياهم.
٣- توسيد التدريس إلى غير أهله:
يعلم كل أحد أن الذي يناط به التدريس العام والخاص هو المأذون له في ذلك المشهود له المعروف فضله وأثره، فمثله يوسد إليه التدريس ليقوم على أخلاق الأمة بالتهذيب وينشر بينهم العلم الصحيح والهدي النبوي والفقة في الدين وتفسير التنزيل واستخراج الفوائد بالإفادة والتعليم، وهذا من البديهيات التي لا حاجة للتنبيه عليها لأنها من المغروزة في الفطر والجبلات، ولكن من الأسف أن ينكب الخلف عن طريقة السلف فكم تواتر النقل وشاهد الحس أفاضل كانوا نجومًا في العلم قادة للفضل تشرق بهم معاهدهم وتؤمهم من الأقاصي طلابهم، ثم إن خلفهم أهملوا هدي سلفهم ونكبوا على نهجهم وأضحوا يشار إليهم بالبنان في الجهل وسقم الفهم، بل ثم من الدعوى في العلم ما يقصر عنها مناط الثريا وإن كانت في أسفل دركات الثرى هذا بدلًا عن الاجتهاد في التحصيل وإحياء ربوع العلم الجليل والسعي وراء الاستفادة والتجافي عن المضاجع بالحفظ والإفادة نعم لهم سمر في شراب الشاي وسماع النشيد ونفخ الناي وإماتة الوقت باللغو وحكايات المساخر واللهو وما نال فلان من الرتب وما أخذ من النياشين وفلان زار الباشا فقعد في حجرة الخدم والبوابين وهكذا فواأسفاه على معاهد السلف العلمية التي أخذت بالإرث فغدت شبحًا بلا روح ولفظًا بلا معنى فصار يرث الابن أباه وإن كان أجهل الجاهلين وينصب للإرشاد وإن كان أفسق الفاسقين. وما السبب إلا سيطرة الجهلاء وتسنمهم مراتب الأمر والنهي على جهلهم الفاضح وعوارهم الواضح من ضرورة تقدم هؤلاء تقديمهم أمثالهم وبيعهم دينهم بدنياهم تغريرًا للناس وتمهيدًا
стр. 172
يسعون في الحط من كرامتهم وانتظار الفرص للإيقاع بهم فإنا لله ولا قوة إلا بالله.
٤- عدم جواز توسيد التدريس لغير الأهل وأنه لا تصح توليته ولا إعطاؤه الراتب المعلوم:
كتب بعضهم١ تحت عنوان "المدرسون وطلبة العلوم" جاء منها: فكم طرأت مسامعي شكوى عامة الناس من جهل الذين تصدروا للتدريس والوعظ. ولما كان تأخير الامتحان مما أخر العلم والدين جئت بهذه المقالة أنبه أفكار الناس وألفت أنظار اللجنة التي ستعين بحسب المادة "١١١" من القانون الأساسي فتخلص المدارس من أيدي غير الأكفاء، وبديهي أن المدرسين والوعاظ الذين حينما توفي آباؤهم استولوا على وظائف "معاش" التدريس من غير استحقاق وأضاعوا آمال الفقراء من الطلبة وجعلوهم يعتقدون أن العلم يزق زقًا مثل زق الحمام أو ينتقل بطريق الإرث بين المخلفات من متاع وعقار ولا يخفى على حملة العلم أن السلف الصالح وقف تلك الوظائف ترغيبًا لطلبة العلم والعلماء، فمن الأسف والعار العظيم أن نرى بعض الخائنين جعلوها كالملك يتوارثونها الأبناء بعد الآباء ويتقاسمونها بالقراريط فحرموا بعملهم هذا أولئك المساكين واضطروهم إلى ترك تحصيل العلوم والسعي وراء الرزق في طلب الحياة الدنيا.
فبلدة كدمشق خرج منها ابن عساكر وابن تيمية وابن عابدين وكثير من مشاهير العلماء الذين انتشرت علومهم في الآفاق أصبحت محرومة من العلم والعلماء بسبب تأخير الامتحان وحصر رواتب العلم في عائلات معلومة وقد فات أولئك الظالمين ومن نصب هؤلاء على منصات العلم أن الأمة ستفيق من
стр. 173
رقادها وتطالب بحقوقها وترجع إلى أقوال الفقهاء المتقدمين فتجد خلاصًا من الذين حطوا بقدر الدين وكانوا عارًا على الإسلام والمسلمين.
فيا مدعي العلم زورًا وبهتانًا هل تنازلت عن عرش جهلك ونظرت إلى حاشية ابن عابدين وصادف نظرك الصحيفة "٣٩٢" من الجزء الرابع فرأيت ما جاء بالحرف: "وفي الأشباه: إذا ولى السلطان مدرسًا ليس بأهل لم تصح توليته لأن فعله مقيد بالمصلحة ولا مصلحة في تولية غير الأهل وإذا عزل الأهل لم ينعزل. وقال وفي معيد النعم ومبيد النقم: المدرس إذا لم يكن صالحًا للتدريس لم يحل له تناول المعلوم ثم قال: وإنه إذا مات الإمام والمدرس لا يصلح توجيه وظيفته على ابنه الصغير. ا. هـ" وقد جوز بعضهم إبقاء أبناء الميت ولو كانوا صغارًا على وظائف آبائهم من إمامة وخطابة وغير ذلك عرفًا مرضيًا؛ لأن فيه إحياء خلف العلماء ومساعدتهم على بذل الجهد في الاشتغال بالعلم فقال ابن عابدين ﵀: "وقيدنا ذلك بما إذا اشتغل الابن بالعلم أما لو تركه وكبر وهو جاهل فإنه يعزل وتعطى الوظيفة للأهل لفوات العلة. ا. هـ"
أفبعد هذا نصبر على جهل الجاهلين ونتركهم في مناصب العلم يأخذون الرواتب ويدعون حماية الدين وقد هتكوا حرمة الدين ولذلك أرى أن عزل كل جاهل من منصبه ونصب أولي الفضل والعلم مكانهم أمر لازم وفرض عين على أننا لو نظرنا لما نقله ابن عابدين "إذا لم يكن صالحًا للتدريس لم يحل له تناول المعلوم" يجب علينا استرداد ما أخذه الجهال بطلًا وإرجاعه إلى وقف المدرسة أو الجامع ليصرف على المصلحة العامة.
٥- تنازل كثير من الأخيار عن وظائفهم بالتوكيل أو الاستقالة:
لا يحصى ما يمر بقارئ تراجم الأخيار في أسفار التاريخ من توكيل كثير من الموظفين للتدريس أو للإمامة أو تنازلهم عن ذلك لمن هو أكفأ أو أمثل
стр. 174
حتى في باب القضاء بل الملك ولا أقدر الآن أن أسبر أسماءهم لأن ذلك يحوج إلى كتاب على حدة إلا أني أذكر نموذجًا مما أثر عن وجهاء الشاميين وأعيانهم من هذه المكارم في القرن الماضي لأن الحاجة إلى تعريف إخواننا الشاميين مكارم سلفهم أمس بالمقام لأن الكتاب مؤلف لهم أولًا وبالذات ولغيرهم ثانيًا وبالعرض فأقول من ذلك تنازل أحد المفتين من بني المرادي في أوائل القرن الماضي عن تدريس "كتاب الهداية" في الفقه الحنفي في التكية السليمانية كل خميس من شهري رجب وشعبان للشيخ المحدث الشهير الشيخ أحمد العطار واستعاضة المذكور عن الهداية بقراءة صحيح البخاري لكون المذكور شافعيًّا، وقد عد صنيع المفتي هذا من عقله وحكمته لكون المذكور كان منقطعًا للقراءة والإقراء.
ومن ذلك تنازل السيد محمد العطار -أحد أجداد بني الحسيبي- عن تدريس صحيح البخاري تحت قبة النسر لما سعى في توجيهه عليه إلى الشيخ يوسف الشهير بابن شمس وقراءة المذكور عنه بالوكالة إلى وفاته.
ومن ذلك نزول الوجيه أحمد أفندي المنيني عن تدريس الحديث تحت قبة النسر بعد صلاة الجمعة إلى العلامة الشيخ سعيد الحلبي وقراءة المذكور عنه إلى وفاته ثم قراءة ابنه الشيخ عبد الله الحلبي بالوكالة عن ابن صاحب الوظيفة إلى أن نفي في حادثة الشام سنة ١٢٧٦ المعروفة.
وذلك من نزول أبي السعود أفندي المرادي عن وظيفة الفتوى بدمشق لما وجهت عليه بعد وفاة أبيه حسني أفندي المرادي ورغبته من والي دمشق اختيار مفت وإصراره على ذلك وإباؤه أشد الإباء إلى أن اختير طاهر أفندي الآمدي وعين مفتيًا للشام.
هذا ما نحفظه ونأثره عن أشياخنا وكله مما يشف عن عقل وفضل بل وإراحة نفس من عناء ما قد لا يتفرغ له أو يكون الساخط عليه فيه أكثر من الراضي. أين هذا من التكالب والتماوت على نقل ما كان لسلفهم إليهم
стр. 175
والسعي وراءه وإن كانوا ليسوا له بأهل وكم من منصب بيع لصغير وجاهل لنقده فيه من الأصفر الرنان ما أبكم من أولئك كل لسان. إلا أن التاريخ بالمرصاد فهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فرحم الله من عرف قدره، ولم يتعد طوره.
стр. 176
الباب الخامس
الفصل الأول: فيما يفعلونه للميت في المسجد من البدع والمحدثات وهو أمور
نعي الميت في المآذن والنداء للصلاة عليه
...
الباب الخامس:
وفيه فصلان:
الفصل الأول: فيما يفعلونه للميت في المسجد من البدع والمحدثات وهو أمور
١- نعي الميت في المآذن والنداء للصلاة عليه:
قال الشمس ابن القيم كان من هديه ﷺ ترك نعي الميت بل كان ينهى عنه ويقول: هو من عمل الجاهلية١. وقد كره حذيفة أن يُعلم به أهله الناس إذا مات وقال: أخاف أن يكون من النعي. وقال القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀ في "البيان والتحصيل": أما النداء بالجنائز في داخل المسجد فلا ينبغي ولا يجوز باتفاق لكراهة رفع الصوت في المسجد فقد كره ذلك حتى في العلم وأما النداء بها على أبواب المسجد فكرهه مالك ورآه من النعي المنهي عنه وروى أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية"٢
والنعي عندهم أن ينادى في الناس: "ألا إن فلانًا قد مات فاشهدوا جنازته". وأما الإيذان بها والإعلام من غير نداء فذلك جائز بإجماع وقد قال رسول الله ﷺ في المرأة التي توفيت ليلًا -وكانت تقم المسجد: "أفلا آذنتموني بها "٣. ا. هـ.
وفي النهاية: نعى الميت ينعاه نعيًا ونعيًّا إذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبه.
стр. 177
٢- رفع الأصوات أمام الميت بالأناشيد "حين دخول المسجد وقبله وبعده ":
قال الإمام ابن الحاج: ما يفعله القراء والفقراء والمريدون حين إتيانهم بالميت إلى الصلاة عليه في المسجد بدعة ينبغي أن تمنع وهي بدعة في غير المسجد فكيف بها فيه؛ ولأن ذلك يشوش على المتنفل والتالي والذاكر والمتفكر. والمسجد إنما بني لهؤلاء لا لغيرهم وقد استفتي الإمام النووي ﵀ فقيل له: هذه القراءة التي يقرؤها بعض الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا؟. فأجاب بما هذا لفظه: هذا منكر ظاهر مذموم فاحش وهو حرام بإجماع العلماء، وقد نقل الإجماع فيه الماوردي وغير واحد وعلى ولي الأمر -وفقه الله- زجرهم عنه وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب إنكاره على كل مكلف تمكن من انكاره. ا. هـ. وقرأت ذلك أيضًا في فتاويه وهي عندي.
وأما الأذان عند دفنه فقال ابن حجر في فتاويه: هو بدعة إذا لم يصح فيه شيء ومثله لا يثبت إلا بتوقيف، ومن زعم أنه سنة عند نزول الأمر قياسًا على ندبه في المولود إلحاقًا لخاتمة الأمر بابتدائه فلم يصب، وأي جامع بين الأمرين، ومجرد أن ذاك في الابتداء وهذا في الانتهاء لا يقتضي لحوقه به. فضعف القياس ظاهر، جلي دفعه بأدنى توجه. ا. هـ.
стр. 178
٣- رثاء الميت في المسجد وقراءة نسبه وحسبه:
جاء في "الفصول" من كتب الحنالة: يحرم النحيب وتعداد المحاسن والمزايا وإظهار الجزع لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم وهو عدل من الله تعالى. وقال الشيخ تقي الدين: وما هيج المصيبة من وعظ أو إنشاد شعر فمن النياحة. نقله في شرح "الإقناع".
وقال ابن الحاج: ينهى المؤذنون عما أحدثوه من النداء بالألفاظ التي فيها التزكية والتعظيم لأن النبي ﷺ قال: "لا تزكوا على الله أحدا" ١ والميت مضطر إلى الدعاء، والتزكية ضد ما هو مضطر إليه من الدعاء؛ إذ إنها قد تكون سببًا لعذابه أو توبيخه فيقال له: أهكذا كنت؟
وفي فتاوى ابن حجر: أن المراثي التي تبعث على النوح وتجديد الحزن -كما يصنعه الشعراء في عظماء الدنيا، وينشد في المحافل عقب الموت- فهي نياحة محرمة بلا شك. نقله الأذرعي.
وقال ابن عبد السلام: بعض المراثي حرام كالنوح لما فيه من التبرم بالقضاء إلا إذا ذكر مناقب عالم ورع أو صالح للحث على سلوك طريقته وحسن الظن به. ا. هـ.
стр. 179
٤- تأخير الميت في المسجد:
وردت السنة بتعجيل الصلاة على الميت ودفنه وإن ذلك من إكرامه. قال ابن الحاج: فإذا أريد الصلاة عليه فلا تؤخر لانقضاء جماعة فريضة ولا جمعة أيضًا. وقد كان بعض العلماء ممن كان يحافظ على السنة إذا جاءوا بالميت إلى المسجد صلى الله عليه قبل الخطبة ويأمر أهله أن يخرجوا إلى دفنه ويعلمهم أن الجمعة ساقطة عنهم إن لم يدركوها بعد دفنه. قال ابن الحاج: فجزاه الله خيرًا على نفسه على محافظته على السنة والتنبيه على البدعة فلو كان العلماء ماشين على ما مشى عليه هذا السيد لانسدت هذه الثلمة التي وقعت وهي أن من أحدث شيئا سكت له عليه فتزايد الأمر بذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 180
٥- الجلوس للتعزية في المسجد:
في "الإقناع" وشرحه من فقه الحنابلة: وكره الجلوس للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه أو يجلس المعزي عند المصاب للتعزية لما في ذلك من استدامة الحزن. قال أحمد في رواية أبي داود: وما يعجبني أن يقعد أولياء الميت في المسجد يعزون أخشى أن يكون تعظيمًا للموت.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: وكان هديه ﷺ تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ولا يقرأ له القرآن ولا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة مكروهة، وكان من هديه السكون والرضاء بقضاء الله والحمد لله والاسترجاع.
وجزم شارح "المنية" وصاحب "البحر" و"الفتح" من أئمة الحنفية بكراهتها في