إن هؤلاء هم القاعدة الأساسية التي تقدم لنا "كتب المقالات" على اختلاف أنواعها, وإن تأثير هذه الأمور لكبير على فكرهم وإبداعهم، وعلى مستوى الوعي الثقافي والسياسي كله في نهاية الأمر.
جـ- المؤثرات الصحفية:
كذلك فإن "الواقع المقالي" هو جزء من الواقع الصحفي الموجود داخل جدران الصحيفة أو المجلة التي تنشر المقالات، وهذا بدوره جزء من الواقع الصحفي "الكلي" أو "الشمولي" الذي تمثله هنا الصورة التي توجد عليها صحافة بلد، أو صحافة آخر، بكل أبعادها، وظلالها وألوانها وحيث نجد قيام هذه المؤثرات الصحفية أو "المهنية" ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
١- تعدد الصحف والمجلات التي تصدر في بلد من البلاد أو قلتها, وكذا تعدد أفكارها وآرائها ومواقفها واتجاهاتها ومشاربها وحيث يؤثر ذلك -إيجابا أو سلبا- على الاهتمام بالمقال بنوعيته المختلفة وبكتابه أيضا، انطلاقا من المنافسة الشريفة، وصراع الرأي المطلوب والذي يثري الحياة الفكرية ويمدها بالحرارة والخصوبة، أو -في حالة عدم تعددها- يحكم عليها بالجمود والتوقف والركود الفكري المؤثر -سلبا- على هذا الواقع المقالي نفسه.
٢- وحتى داخل الصحيفة أو المجلة الواحدة، فإن إعطاء الفرصة المتكائفة للكتاب من مختلفي الاتجاهات والمواقف والآراء، وعلى قدم المساواة وبدون تفرقة بين محرر وآخر أو حجبها عنهم، في ذلك ما فيه من تأثير إيجابي أو سلبي على الفكر المقالي المنطلق المتجدد المنشور بمزيد من الاهتمام والرعاية، أو المحارب، أو "المحجم"، والمحكوم برغبات واتجاهات رئيس التحرير وحده، أو صاحب الصحيفة وحده وهكذا.
٣- طبيعة وسيلة النشر ذاتها والمدرسة الصحفية التي تسير عليها والسياسية "التحريرية" التي تنتهجها، وهل هي صحيفة "إخبارية"؟ أو صحيفة "رأي"؟ أو هي صحيفة تحاول الجمع بين الاتجاهين؟ وإلى أي مدى؟ على الرغم من صعوبة ذلك، بل إن الصحف الإخبارية لتختلف أيضا في أساليبها, فمنها ما هو إخباري عادي، شعبي يتقدم الأخبار لذاتها ومن حيث هي مادة أساسية, ومنها ما يسرف في أساليب تحريرها ونشرها إلى حد التطرف والإثارة والصخب, وحيث استحقت -عن جدارة- أن يطلق
стр. 282
عليها تعبيرات عديدة من مثل: "صحافة الجاز"١ أو "صحافة الإثارة"٢ أو "الصحافة الصفراء"٣ إلى غير هذه التعبيرات كلها, كما أن هناك الصحف والمجلات التي تمزج بين الأسلوبين، وتقف وسطا بين الاتجاهين كلما دعت الظروف الإخبارية نفسها إلى ذلك، وحيث تجد في بعض الأخبار ما ينبغي تحريره ونشره وفق أسلوب "رشيد" أو "عاقل" وفي بعضها الآخر ما ينبغي وضع بعض ألوان "التوابل" و"المشهيات" بصحبته، أو زيادة هذا القدر بالنسبة لأخبار ثالثة, وهكذا تماما كما أن هناك تلك التي تسيطر على صفحاتها وسطورها باستثناء جزء من الصفحة الأولى، المقالات بأنواعها، تلك التي يغلب عليها تمام طابع المقالة، بالإضافة إلى المجلات والدوريات المختلفة حيث يتكرر ذلك بشكل أو بآخر.
٤- إمكانيات الصحيفة المادة التي يمكن أن تؤثر في حالة توافرها وثرائها في مقدرتها على جذب عدد من الكتاب المشهود لهم بالكفاءة والمقدرة -ولا أقول كلهم- من الذين يقبل القراء على كتابتهم أكثر مما يقبلون على كتابات غيرهم، ومن هنا نرى صحيفة ما، أو مجلة دون أخرى وقد احتشد لها هذا العدد من المجيدين من الكتاب, إما عن طريق انضمامهم إليها كأعضاء في أسرة تحريرها، وإما عن طريق التعاون أو الكتابة من وقت لآخر نظير مكأفأة ما أو "بالقطعة" وإلى غير ذلك كله والعكس صحيح أيضا, وفي أغلب الأحوال أي: إن الصحف "الفقيرة" أو "متواضعة المستوى" ماديا، لا يمكنها دائما توفير مثل هؤلاء الكتاب، على اختلاف كتاباتهم ونوعياتها, ولنا في أمثال هذه الصحف الشاهد على ذلك حيث أمكن لها -سابقا وحاليا- أن توفر لقرائها كتابات أمثال هذه "الصفوة"، أو النخبة الممتازة من كتاب المقالات, إنها من مثل صحف ومجلات: "المصري, الأهرام, أخبار اليوم, الأخبار, الشرق الأوسط, الأنوار, الحوادث, المجلة, العربي, الدوحة ... إلخ". على أنه لا ينبغي أن يتخذ من هذا العامل المادي قاعدة في جميع الأحوال والظروف، فقد تفشل أكثر الصحف والمجلات ثراءا أو وفرة في الإمكانيات المادية في استقطاب بعض الكتاب إليها، ويفضلون في ذلك نشر مقالاتهم في صحف ومجلات "فقيرة" في هذا
стр. 283
الجانب، أو "متواضعة" في إمكانياتها المادية ولكنها -على الرغم من ذلك- تكون أكثر احتراما وتقديرا في عيون القراء والرأي العام, وإن كانت أقل ميزانية وتوزيعا.
أريد أن أقول أن الثراء هو عامل هام، ولكن يزيده أهمية ويدعمه ويفضله في أحوال عديدة أن تضاف إليه بعض "القيم" الصحفية كالالتزام والثبات على المبدأ والأمانة والنزاهة والدفاع عن الرأي والعقيدة، فإذا اكتملت جوانب الصورة -الثراء والالتزام والأمانة- تكون هي "الصحيفة الأنموذجية" أو "المجلة المثالية" التي ننشدها، والتي نحن أحوج ما نكون إليها في عالمنا العربي, وتكون في الوقت نفسه التربة الخصيبة لأمثال هؤلاء من قادة الفكر المقالي الصحفي.
٥- ويتصل بهذه النقطة السابقة أيضا ما يمكن للصحيفة أن توفره للمحررين عامة، ولكتاب المقالات خاصة من "مصادر المعلومات المختلفة" وما تضعه تحت أيديهم وفي طائل فكرهم من معلومات متاحة، ونذكر من بين هذين وعلى سبيل المثال لا الحصر:
- ما يمكن أن توفره من إمكانيات تجهيزية حدثية إخبارية سلكية وبرقية تتيح لهؤلاء الاطلاع على أحدث الأخبار والوقائع والصور ومن مصادر متنوعة وعديدة, وليس من مصدر واحد فقط, ونذكر هنا من بين هذه على سبيل المثال لا الحصر: "أجهزة وكالات الأنباء, أجهزة الإرسال والاستقبال الحديثة, الأجهزة الإليكترونية لتصنيف وتنسيق وتخزين الأخبار, أجهزة بث والتقاط الصور سلكيا ولا سلكيا, أجهزة المعلومات المرئية" ... إلخ.
- الاشتراك في "بنوك المعلومات" ووكالاتها المختلفة للموضوعات والشخصيات والصور.
- ما يمكن أن يضمه "مركز المعلومات والتوثيق" من منادة حدثية وشخصية ومتنوعة.
- ما يمكن أن تضمه "المكتبة الصحفية" بين جدرانها وأقسامها من مراجع وقواميس ومعاجم وكتب معلومات.
- الصحف والمجلات العربية والعالمية التي يمكن أن توفرها لكتاب المقالات, والتي يتابع على صفحاتها هؤلاء أحدث ما كتب من مقالات تتناول الموضوعات المختلفة
стр. 284
عربية وعالمية بما تتضمنه من أفكار وما تقدمه من أساليب وما تتطرق إليه من مواقف وآراء وتعليقات وتحليلات, ومواقف تثري فكر الكاتب وتجدده وتساهم في تعريفه بما يدور حوله.
من هذه الزاوية يكمن أحد جوانب أهمية "ثراء" الصحيفة، حيث تستطيع أن توفر لكتابها بذلك كله، ما لايستطيع غيرها توفيره مما يؤثر -حتما- في مستوى مقالاتها أفقيا ورأسيا, ومن حيث التفكير والتعبير -معا- بشرط أن يعرف كتابها طرق الإفادة من هذه الأجهزة والمستحدثات كلها, وإلا كان وجودها مثل عدمه، لا يقدم ولا يؤخر كثيرا.
٦- وإلى جانب ذلك كله، فإن هناك عدة عوامل أخرى تؤثر إيجابا أو سلبا على هذا الموقف الصحفي من المقال كتابة وكتابا ونشرا، كما أنها تتصل بشكل أو بآخر بالعوامل السابقة في مجموعها، ومن هنا فإننا نركزها في الآتي:
- توقيت صدور الصحيفة أو المجلة وهل هي يومية، تصدر في طبعة واحدة أو في أكثر من طبعة، أو أسبوعية، أو مجلة من المجلات الأسبوعية أو الشهرية.
- نوعية المقال، ومضمون مادته، وهل هو مقال افتتاحي، أو مقال تعليق أو تفسير أو مقال صحفي عام، أو يوميات وما إلى ذلك له، فصحيح -كما قلنا- أن هذه كلها تدخل ضمن دائرة "المستوى الصحفي العام" ولكن بعضها قد يحتاج إلى قدر من الذوق الأدبي، أكثر مما يحتاجه البعض الآخر، كما أن البعض قد لا يحتاج إلى هذا القدر، أو إلى غيره أصلا، كما نوجه النظر هنا إلى حاجة "المقالات المتخصصة" من تلك التي تنشر على الصفحات والأركان والأبواب المختلفة ذات الطبيعة الخاصة حاجتها إلى استخدام بعض كلمات "المعجم الخاص" لتحرير هذه المقالات، والتي يختار الكاتب من بينها ما شاع استخدامه منها علمية أو اقتصادية أو عسكرية أو رياضية، وما إلى ذلك كله.
- الوقت المتاح للكاتب والذي يختلف من مقال لآخر، وحيث يتطلب بالنسبة للمقالات الافتتاحية، والتعليقات والتفسيرات والتحليلات، في أغلب الأحوال ذلك "الإيقاع التحريري السريع" والمباشر والذي يتجه إلى الغرض من أقصر الطرق وأقربها إلى عقول القراء بما يؤكد معنى "الحدثية" وإلا فاتت فرصة نشره، أو أصبح
стр. 285
نشره متأخرا، واتسم بـ"البرود" وعدم القدرة على اللحاق بتفاصيل الحدث، بل إن بعض هذه المقالات نفسها قد تسبق الأحداث، بما تتضمنه من "توقعات" لا سيما المقال الافتتاحي "المستكشف" وبعض المقالات القائدة، والصحفية العامة، على المستويات المختلفة, مما يدخل في باب ما أطلق عليه بعض الكتاب تعبير: "أهمية الإنذار بالخطر قبل وقوعه"١ وكذا "الاندماج في التغيير قبل وقوعه"٢ وعلى النحو الذي أشرنا إليه من قبل عند حديثنا عن أنواع هذه المقالات.
على أن الحال ليس كذلك بالنسبة لكتاب الأعمدة، ومقالات اليوميات الصحفية بأنواعها، ومقالات الصحف الأسبوعية والمجلة، من تلك التي تأخذ نفس الطابع، وحيث يكون عند هؤلاء فسحة من الوقت للكتابة الهادئة المتأنية ذات الإيقاع البطيء التي تنتج في النهاية لونا من الألوان التي تقترب من "الأدب الصحفي" أو تكون هي نفسها أدبا صحفيا من حيث الطابع العام المسيطر على جانب التفكير والتعبير معا, حيث نعود مرة أخرى، إلى مسألة طابع الصحيفة أو المجلة، وموعد الصدور مما يؤكد تلاحم وتشابك هذه العوامل كلها.
- ردود الأفعال من جانب زملاء العمل في التحرير عامة، وتحرير المقالات خاصة، حيث يكون لكلماتهم المؤيدة والمشجعة والناقدة أحيانا في تجرد وموضوعية، يكون لها دورها وأثرها على كتابات الزملاء من أعضاء الأسرة الصحفية، ولا يمكن لنا أن ننكر أثر هذا العامل الإنساني المهم, أن كلمة صدق معبرة من زميل قد تدفع إلى الأفضل، وإلى مزيد من محاولة الإبداع والإجادة، وقد يكون لها وقع السحر، كما قد يكون لغيرها من الكلمات أثرا عكسيا خاصة عند هؤلاء الذين يمارسون خطواتهم الأولى على طريق تحرير ونشر المقال الصحفي وهم كثيرون.
- تجاوب "المخرج" أو "سكرتير التحرير" مع المقال وأهميته ووضعه في المكان اللائق ولفت أنظار القراء إليه والعمل على إبرازه البروز الكافي، والعكس صحيح أيضا.
стр. 286
د- مؤثرات خاصة:
وهل تلك التي تتصل بمحرر المقال نفسه، وتعود إلى الكاتب ذاته، أي: إنها عامل خاص هذه المرة، وصحيح أن هذه العوامل أو المؤثرات تتأثر بدورها بتلك السابقة في مجموعها وتسير بحذائها أيضا، ولكنها على الرغم من ذلك يكون لها طابعها الخاص، الذي تنفرد به عن هذه العوامل السابقة، انطلاقا من قاعدتها "الأدبية" تلك التي تؤكد أن كاتب المقال في الأعم والأغلب هو "مطبوع" لا "مصنوع" ليس "مطبوعا" أو "موهوبا" من حيث التحرير واللغة والأسلوب فقط، وإنما تتسع دائرة هذا "الطبع" وتلك "الموهبة" وتمتد خيوطها إلى مجالات أخرى عديدة، كمجال اختيار الأفكار الجديدة والصور والمشاهد والأمور غير العادية أو المتبعة أو القريبة من الأذهان أو المتكررة أو المقلدة، وكذا اختيار الموضوع المناسب للوقت المناسب للقارئ المناسب، بالإضافة إلى "ملكة" التحليل والتفسير والتوقع واستكشاف الأحداث واستقراء تفاصيلها واستكناه وقائعها والنفاذ إلى جوهرها الخفي، ولبها المستور والخروج منها بنتائج وعوامل ومسارات جديدة يكون لها وقع "الكشف" الذي لا يصل إليه غير هذه القلة النادرة، ذلك كله إلى "مواهب" الالتصاق بالمجتمع والإحساس بأدراجه وأحزانه بأكثر مما يحس الآخرون، والنفاذ إلى ما تحت السطح الهادئ أو الراكد، تماما مثل موهبته على النفاذ من بين السطور، والمقدرة على طرح الحلول الواقعية لمشكلاته، واصطناع المواقف الإيجابية والفعالة، التي تنتقل من الصفحات لتؤثر في الجماهير وحركتها واتجاهاتها وحاضرها ومستقبلها, ذلك كله فضلا عن موهبة "وضع" ثقافته ومعاصرته وقراءاته وتجاربه وممارساته وخبرته في خدمة القراء، والمجتمع والإنسانية كلها, وهكذا نجد مواهبه الفريدة والمؤثرة والحاسمة، بدءا من النظرة المدققة والفاحصة التي ترى ما لا يراه غيرها وحتى ترجمة ذلك كله، بكل ما يمتد إليه، وبمختلف أجزائه وأركانه، وظلاله إلى "عمل" مقالي يعكس في النهاية موهبته "التحريرية" وقدرته على كتابة العنوانات والمقدمات والمادة والشواهد والصور والنماذج وغيرها بطريقته الخاصة، التي تختلف عن طرق غيره، بأسلوبه الخاص المميز الذي يعرف به.
خلال هذه "اللحظات" الهامة، السابقة على كتابة المقال، أو خلال جلوسه إلى مكتبه أو في أي مكان آخر, وحيث يحلو للبعض أن يكتب في ناديه الرياضي أو "المقهى" أو الحديقة أو الشرفة تكون هناك مثل هذه المؤثرات العديدة المتصلة
стр. 287
بهذا الجانب نفسه تماما كما تتصل بمكوناته "ككل" وبطاقته "المقالية" التي يكنزها ويستثمرها حين يشاء باختصار شديد نقول إنها:
- خبراته وتجاربه وممارساته ودراساته السابقة والحالية وقراءاته العامة.
- تأثيرا نشأته الأولى لا سيما ما يتصل منها بـ"بيئته" الأصلية والمناخ الذي كان يسودها خاصة ما يتصل بـ"العامل الديني" وأثره وتأصله في هذه "البيئة" إلى جانب القيم والتقليد والعادات الموروثة.
- قدرته على الاقتراب من الناس والمجتمع بكافة صوره وشرائحه وطبقاته والانغماس في هؤلاء, وتحقيق قدر عظيم من المعرفة بما يؤرقه وما يسعده، وما يفكر فيه الناس جميعا، وتلك الأهداف المشتركة التي يسعون إلى تحقيقها، وتلك التي تعكر صفو حياتهم، أو تطحن أحشاءهم، أو تذهب بآمالهم وأحلامهم أدراج الرياح، وإلى الدرجة التي يصبح فيها "ترمومترا" لهذا المجتمع بمن فيه وما فيه.
- استعداده لتحمل مسئوليته الاجتماعية كمنكر وكاتب مقال بما في ذلك من مشاركته الايجابية في طرح ومناقشة وتقديم الآراء والمواقف المفيدة للمجتمع، والمتفاعلة معه ومع قضاياه الهامة، والحالية، والملحة، أو تلك التي تتصل بمستقبله ومستقبل أفراده دون تهرب أو ردة أو اتخاذ موقف سلبي بشكل أو بآخر.
- حسه الوطني والقومي، وما يتصل بشعور "الانتماء" للأرض والناس والمجتمع, وأنه غير منفصل عنهم بما يعنيه ذلك من اهتمام بمسائل وأمور غير مؤثرة، أو غير مناسبة لوقت ما، أو غير ملائمة لبيئة أو أخرى، أو من تلك التي تعتبر ترفا عقليا، بما يتصل بذلك من البعد عن مسائل الجدل العقيم أو غير المفيد، أو تلك التي لا تحقق مردودا وطنيا أو قوميا إيجابيا بما يتصل له ذلك من استعداده الكامل للدفاع بالقلم والفكر والموقف عن هذا الوطن وعن عقيدته، وعن تاريخه وعن تراثه وعن تقاليده وعن العمد التي يرتكز إليها مجتمعه.
- التجهيزات والتسهيلات التي تضعها صحيفته بين يديه ومصادر المعلومات والأخبار التي يمكن أن توفرها له، والرحلات التي تنظمها من أجل مساعدته على الرؤية والدراسة.
- "المناخ" الذي يمكن أن توفره له ليكتب داخل الصحيفة أو المجلة أو خارجها،
стр. 288
ومن ذلك -مثلا- اختصاصه بحجرة متسعة بها لمسات من جمال، في مكان هادئ، وتطل على أكثر من مشهد طبيعي، إلى جانب "الديكور" المناسب, وصحيح أن بعض الكتاب يقدر ويستطيع وربما يفضل الكتابة في صالة التحرير نفسها أو بين صخب الزملاء وضجيج آلات "التيكرز" أو حتى ضجيج "المطبعة" نفسها, كما قد يقوم بالكتابة في أي مكان، ولكنه -حتما- يكون في حاجة إلى مثل هذا المكان الذي يمثل "صومعة" الشاعر أو "محراب" الفنان، من أجل "استجماع" أفكاره، وترتيبها، أو حتى الحصول عليها.
- علاقاته الخاصة والجيدة، بل والممتازة مع عديد من الناس والمسئولين والقراء والزملاء وأهل الحي، الذين يمكن أن يضعوا يده على حركة الجماهير, وما يفكر فيه المجتمع كما يقدموا له أفكار هذه المقالات، وقد يطلعونه على نتائجها وآثارها مما يشكل مادة مقالية جديدة، وكما سبق القول.
- حضوره الذهني المقالي، أو حاسته الصحفية المقالية التي تجعله يعيش يومه كله بإحساس كاتب المقال، يفكر ويتحدث ويستمع ويناقش ويستقبل ويحاور ويشهد ويلاحظ ويتحرك، ويتدبر وروح المقال تطغى على كل حركاته سكناته وتصرفاته، إنه يرى في كل مشهد وكل كلمة، حتى تلك العابرة، أو التي تبدو للبعض غير هامة، حتى في تلك "اللفتة" أو "اللمسة" أو "الإيماءة" أو التعليق السريع، أو الخاطرة، أو "الوخزة" يرى فيها -جميعها- إمكانية الإمساك بخيطها حتى نهايته، فقد يكون هناك ما يصلح للتعبير عنه في شكل مقال، أو تناوله ضمن هذا الإطار الفني التحريري.
- وجود "أرشيف" أو "مركز معلومات" خاص به يتضمن من الملفات والأوراق والقصاصات عددا هائلا مفهرسا ومرتبا حسب موضوعه أو شخصيته خاصة عندما يتضمن:
- ما يتصل بمجالات اهتماماته الأساسية والغالبة "معلومات وموضوعات".
- ما كتبه الآخرون عنها "مقالات متنوعة".
- الشخصيات الهامة التي تدور حولها مقالاته.
- ما يتصل بكتاب المقالات التي تتصل باهتماماته.
- الصور الخاصة بالشخصيات الهامة التي تتناولها كتاباته.
стр. 289
- خطابات القراء والأصدقاء والزملاء إليه.
- تعليقات القراء والكتاب والزملاء على مقالاته.
- ما يتصل بصحيفته ونظام العمل بها وكتابها.
- أصول المقالات التي يكتبها قبل الحذف والاختصار.
- "أجندة" أو "مفكرة" الأحداث الهامة للعام.
- بعض المقالات الأخرى العامة في موضوعات لا تدخل ضمن دائرة اهتماماته ولكنها تكون مقالات هامة، أو خطيرة، أو لقيمة علمية أو صحفية أو فنية أو تحريرية أو سياسية أو تاريخية.
- مقالات نفسها "المطبوعة" في صحيفته أو الصحف والمجلات الأخرى.
- خطاباته الخاصة، وما يتصل به شخصيا.
- أصول رسائله أو صور منها خاصة تلك التي تتصل بموضوعات هامة، أو تلك التي تحوي ردودا على رسائل الأصدقاء والكتاب والتي نوقشت خلال سطورها بعض الموضوعات الهامة، التي تتصل بمقالات أو مشروعات مقالات.
- القدر من الصفاء الذهني ووضوح الرؤية, وما يمكن أن يتمتع به من نظرة دقيقة وفاحصة تتيح له أن ينفذ إلى ما رواء الظواهر والقشور والشكليات والأمور السطحية ليصل لي الجوهر والعمق في ثبات وثقة, ومن خلال فكر متجدد خصب، ليضع النتائج والاحتمالات والتقديرات، في خدمة القراء وصالح المجتمع.
- القدر الذي يتمتع به من الحس الأدبي، والذوق الفني الذي يتيح له التعبير الجميل والأسلوب البليغ والمناسب في المواضع التي تتطلب ذلك.
- القدر من المعرفة باللغة العربية، التي تسفر عن كتابة صحيحة يرضى عنها القراء والبلغاء ورجال اللغة، ودون حاجة إلى قلم المصحح أو المراجع.
- معرفته بعدد من اللغات الأخرى، وما يهيئه له من فرص الاطلاع على المادة الصحفية عامة، والمقالية خاصة التي تنشرها الصحف والمجلات الأجنبية وبلغاتها الأصلية، فضلا عن قراءة المؤلفات الهامة سياسية وأدبية، بهذه اللغات نفسها وتأثير ذلك الإيجابي على "مكوناته" وثقافته وشخصيته، وفكره، ومن ثم على مقالاته نفسها.
стр. 290
- وهذه القراءة نفسها لمقالات الآخرين، بلغته وبغير لغته، يكون لها أثرها في التمرس بأفكارهم والتعرف عليها ونقدها والخروج من خلالها بأفكار جديدة، فضلا عما يتيحه ذلك من التعرف على كتابات الآخرين، وأساليبهم وأنماطهم البلاغية، وأطرهم التي يضعون مادتهم خلالها وما إلى ذلك من "آثار مقالية" تقدم له الدراية بها ووضعها في دائرة الضوء الكثير من الخبرات الكتابية والممارسات التحريرية نفسها, وشتان بين كاتب يقرأ لغيره، ويوميا، وكاتب لا يقرأ، أو يقرأ ما يكتبه فقط.
- إدراكه لأهمية وجود "أجندة" عنده أو "قائمة انتظار للأفكار" يدون فيها أفكاره التي سوف يتناولها أو يمكن أن يتناولها في وقت ما, ويحدد هذا الوقت كما يدون فيها أيضا مشروعات "العناصر" الرئيسية لتناول هذه الأفكار.
- ما يمكن أن تحدثه استجابة القراء وتشجيع المسئولين وإحساس السلطات بقيمة ما يكتب، وأثر ما يقدم.
- شخصيته القوية في غير تصلب، الشديدة في الحق وما أجله، المحبوبة من الزملاء والأصدقاء والقراء والمجتمع كله.
وبقدر توافر هذه العوامل -كلها أو بعضها- بقدر ما يتحقق وجود "المقال الصحفي الأنموذجي" الذي يقف من ورائه فكر خبير، وموهبة مبدع، ورأي مجرب، وموقف مسئول وقائد اجتماعي.
بقدر توافرها يكون مستوى المقال ومكانته وتأثيره وردود أفعاله ونتائجه.
وصدق الحق ﵎ القائل في محكم كتابه العزيز: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ .
стр. 291
النماذج التحريرية
أنموذج رقم "٢ "
...
أنموذج رقم "٢"
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: المقال الصحفي العام.
- المحرر: د. زكي نجيب محمود.
- لاحظ: جدة الزاوية التي يتناول بها موضوعا طرق من قبل أكثر من مرة، العنوان الجذاب, المدخل السهل ولكنه من النوع المشوق لأمثال قراء هذا المقال, طريقة التناول، المزج بين عدة قوالب في مجال المقال الواحد وهي هنا قوالب الوصف والقصة والنقد, كيفية "إدارة الحوار الفني" خلال سطور المقال نفسه, المحافظة على سلامة اللغة العربية, طول المقال.
شبح اسمه الغزو الثقافي:
إنه لا يزورني إلا حينا طويلا بعد حين طويل، لكنه إذا فعل، بشرت نفسي بمحدث يستولي على لب سامعه بسحر حديثه، ومع ذلك فكثيرا ما يلوذ بصمت مفاجئ لا أدري له سببا، وذلك ما حدث في زيارته الأخيرة وهي أخيرة ولكنها وقعت منذ عامين أو نحو ذلك.
أنه في تلك الزيارة، جاء فاستوى على كرسيه بجواري، ولزم الصمت بعد تحية سريعة قصيرة هامسة، فأخذت من جانبي أحييه ثم أحييه، وأرحب به ثم أرحب به، فيكتفي بهزة رأسه ووضع كفه على صدره، مع ابتسامة مصنوعة، فبحثت في مخزون الدماغ عن أي شيء أقوله، لعلي أحرك فيه شهوة الإجابة، فتنحل عقدة لسانه، قلت: إنني يا أخي كثيرا ما أقع خلال قراءتي على عبارة هنا وعبارة هناك، فيها من الغرابة عن المألوف ما يصدم، ولكن فيها كذلك من الحق ما يوقظ، وعندئذ أنظر إلى العبارة مرقومة أمامي على صفحتها بمداد أسود, إلا أنها تتألق أمام بصري وكأنها تحولت إلى أحرف من نور، أو هكذا يخيل إلي ساعتها، ولعل ذلك الوهم العجيب في طبيعتي إزاء عبارات كهذه، هو الذي يعين ذاكرتي على الاحتفاظ بها، وكأنها احتفرت فيهما بمسمار من نار.
стр. 292
هنا تحرك زائري حركة خفيفة على مقعده، وقال في اهتمام واضح: مثل ماذا؟ فقلت: مثل عبارة وردت في سياق ما يعرضه الكاتب، تقول "إنهم يقولون لماذا تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، مع أن هؤلاء الناس قد ولدتهم أمهاتهم مكبلين بقيود من فولاذ، هي قيود الغرائز التي لا حيلة لهم فيها، وقيود الظروف التي ترسم لهم معظم طريق الحياة مقدما" تلك عبارة، وأخرى وجدتها تقول: "لا تنصت إلى من ينصحك بأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، فقد فعلت ذلك ولقيت الوبال، فأنا أحب لنفسي أن يعاملني أصغر صغير وكأننا متساويان في الصغر، أو متساويان في الكبر إذا أردت فعاملت كبيرا ذات يوم بنبرة في الحديث قد توحي إليه بأننا متساويان صغرا مثل صغري، أو كبرا مثل كبره، فحزن لذلك واغتم وبطش بي بعد ذلك بطش الأشداء لأعرف من هو ومن أنا، وكم تكون المسافة بيننا" وعبارات أخرى في مجالات أخرى، مثل قول الجاحظ في كتاب الحيوان: إن القردة تشبه الإنسان في ظاهر ملامحه وحركاته, ولكنها لا تشبهه في السريرة التي تبعثه على الوفاء, وأما الكلاب فتشبه الإنسان من باطن، إذ تشبهه في بواعث سريرته ولا تشبهه في ملامح وجهه أو حركات بدنه, ولذلك نضحك من القردة؛ لأنها تحاكي الظاهر ولا تحاكي الباطن، ولا نضحك من الكلاب؛ لأنها اختارت الباطن حين حاكت، هذا هو معنى ما ورد عند الجاحظ, وضعته لك في عبارتي؛ لأنني لا أحفظ نص عبارته، وهكذا يا صاحبي فماذا ترى في أقوال كتلك؟
تحرك زائري مرة أخرى في مقعده، وابتسم، لكن حركته هذه المرة لم تكن كسابقتها صادرة عن قلق بل جاءت لتعبر عن طمأنينة، كما لم تكن ابتسامته هذه المرة مصنوعة كسالفتها بل جاءت مطبوعة بطبعة الرضا الودود، ثم قال: لقد صدقت إنها عبارات كاشفة كأنها المصابيح يتوهج الضوء في زجاجها، وهنا رأيته وقد اعتدل في جلسته، مسترخيا هادئا، استرخاء المطمئن وهدوئه، فعرفت أنني مقبل على حلو الحديث، قال:
سأقص عليك قصة، هي -كالعبارات التي ضربت لي أمثلة منها- في ظاهرها من البعد عن المألوف ما يصدم, ولكن فيها كذلك من الحق ما يوقظ؟ فلعلي ذكرت لك مرارا، ذلك الصديق الذي ورث عن أبيه الثراء العريض كما ورث منه كذلك ميلا إلى تحصيل المعرفة تحصيلا دائبا متصلا, ومع ذلك فهو لم يصل عند ذلك التحصيل حد الإشباع، إن لم يكن قد زاده نهما، وهو الصديق الذي قلت عنه أنه دائم السفر، لا يستريح
стр. 293
من رحلة إلا ليأخذ أهبته, ويعد عدته إلى رحلة أخرى، في كل مرة يعود إلي بزاد وفير، عما رآه وسمعه في طول أرض الله وعرضها، ولقد جاءني هذه المرة بأغرب ما يروى وربما كان كذلك أصدق ما يروى في دلالته الخافية لا في صورته الظاهرة.
زعم لي أنه مر بإحدى الجزر المجهولة في الجزء الجنوبي من المحيط الهادي، ذكر لي اسمها، لكني نسيته؛ لأنه مما ينسى لطوله وكثرة أجزائه، وأهل تلك الجزيرة -كما روى لي- يرتدون ثيابا غريبة لكن الطيبة تشع نورا هادئا من وجوهم السمحة، وعيونهم الوديعة ويبدو أن الجزيرة غنية بطيباتها مما يتيح لأهلها فراغا وراحة، ثم ما هو إلا أن سمعوا صاحبي ينطق جملا متقطعة بلغته العربية غير المفهومة لهم، فأدركوا من فورهم أنها هي لغة من جاءهم من الرحالة وأحبهم، وأقام معهم، فأسرعوا به ليلتقي بهذا الزائر الجديد، وإذا بالرجل يمني عربي، استطاب الإقامة فأقام وكان ذلك لصاحبي نعمة هبطت إليه من السماء.
تلازم العربيان: وأخذ الزائر القديم يقص على الوافد الجديد عن أهل الجزيرة أغرب القصص, وكان أغربها عن سلطان الجزيرة الذي يقيم وحده في برج مغلق عليه، أو لعله برج بلا نوافذ وأبواب.
قال اليمني -واسمه حامد- لصديقي الرحالة: منذ بضعة أعوام ضجت هذه الجزيرة الهادئة ضجة اهتز لها كل أبنائها وذلك إثر حادث غريب، امتزج فيه الوهم بالواقع، واختلطت الخرافة بالعلم الصحيح، وكانت نقطة البداية أن رأى السلطان -أو خيل إليه أنه رأى لا في أحلام نومه، بل في عز صحوته، شبحا غريبا- لا ندري كيف وجد طريقه إلى داخل البرج، والبرج مصمت كما ترى وكأن الشبح -فيما نقل عن رواية الرواة- شبحا لرجل، لا كالرجال في عالم الإنسان، فهو أطول من أي رجل رأته العين، وأعرض كتفين، وأغلظ عنقا، ورأسه بلا شعر، وله ثلاثة أعين في وجهه، وعين رابعة في أم رأسه، وأما عيون الوجه فاثنتان في الصدغين والثالثة في جبهته.
فزع السلطان لرؤيته فزعا شديدا، وهم بصرخة المستغيث لولا أن كتمه الشبح بإحدى راحيته قائلا له: لا تخف يا صاحب الجلالة، سوف تجدني صديقا معينا.
- السلطان: من أنت، ومن أين جئت؟
- الشبح: وماذا ينفعك من أكون؟ وماذا يفيدك من أين جئت؟ لكن الذي
стр. 294
يهمك حقا هو أنني جئتك منذرا بغزوة تقلب نعاسكم يقظة، وغفلتكم صحوة وحرصا.
- السلطان: لم أفهم عنك شيئا.
- الشبح: سل عراف المعبد في الجزيرة ينبئك الخبر اليقين.
واختفى الشبح، فجزع السلطان لاختفائه كما جزع لظهوره، ولما أصبح الصباح، أرسل في لهفة مرتاعة يطلب من عراف المعبد أن يمثل بين يديه، ولكن -يا هول ما يسمع وما يرى- فقد عاد إليه رسوله، لينبئه بأن العراف يصر على بقائه في معبده وعلى السلطان أن يذهب إليه إذا كانت به حاجة، فلم يجد السلطان بدا من أن يقصد متخفيا إلى المعبد، وكيف كان ليعلن عن نفسه أمام شعب الجزيرة، الذي لم يعهد قط في سلطانه إلا أن يبقى حصينا في برجه، وعلى كل من أمر السلطان بمثوله بين يديه أن يصدع بالأمر بمن فيهم عراف المعبد؟
قصد السلطان متخفيا إلى عراف المعبد وهو في صومعته ودار بينهما حديث:
- السلطان: جئتك لأقص عليك نبأ عجيبا.
- العراف: أعرف كل شيء، فقد فأجأك الشبح ليلة أمس.
- السلطان: ومن أدراك؟
العراف: أنسيت جلالتكم أنني العراف؟
السلطان: قل لي أيها القديس، ماذا يكون ذلك الشبح المخيف؟
- العراف إنه ليس مخيفا.
- السلطان: إنك إذا رأيته وسمعته، فقد رأيت وحشا نبتت في رأسه قرون الشياطين، وله في يديه وقدميه مخالف الذئاب وصوته ذو بحة كفحيح الأفاعي، أتوسل إليك أن تنبئني من يكون؟ وماذا يعني نذيره لنا؟
- العراف: هون على نفسك الأمر يا صاحب الجلالة، فهو آت من بلد بعيد، جنسه ليس جنسنا، وعقله لا يشبه عقولنا، وقد أطلقوا عليه اسم "الغزو الثقافي" وحق لهم أن يفعلوا؛ لأنه يكتسح ويغزو، لا بالدبابة والمدفع، ولكن بما يملكه من فكر وفن.
- السلطان: اللهم احفظنا من كل سوء.. وكيف جاء إلينا، والبحر يحيط بنا والسماء فوق رءوسنا؟
стр. 295
- العراف: ومن ذلك البحر وهذه السماء جاءكم، فهو ساحر يسبح فوق البحر آنا ويغوص في جوفه آنا، ثم هو يطير في الهواء بأجنحة كأنه في جماعة النسور.
- السلطان: ولكن لماذا أطلقوا عليه، أو أطلق على نفسه، هذا الاسم المركب الذي لم يألفه الناس اسما بين الأسماء وهل سمعت -أيها القديس- باسم كهذا من قبل؟
- العراف: الذي أطلق عليه اسم "الغزو الثقافي" هو أنتم يا مولاي، هو أهل جزيرتكم فاستملح هو الاسم حين سمعه، واصطنعه لنفسه، وكأنه عده ضربا من التحدي فقبل التحدي، قذفتم له بالقفاز كما كان يفعل المتبارزون، فالتقط هو القفاز. هو في الأصل كان اسمه "ثقافة" فقط وكان وهو بهذا الاسم البسيط في صورة بشرية من لحم ودم، فلما تحول على أيديكم وأيدي أهل الجزيرة، يا مولاي من "ثقافة" إلى "غزو ثقافي" تحول كيانه تبعا لذلك، ليتم التطابق بين الاسم والمسمى فتحول من صورته البشرية الأولى إلى صورته الشبحية الراهنة، وماذا كنتم تريدون له أن يفعل ما دمتم قد جعلتموه شيئا لا وجود له بين ما هو موجود في دنيا الوقائع والحقائق.
- السلطان: ماذا تعني بهذا الكلام العجيب؟
- العراف: أعني أن الموجود عندنا أو عند غيرنا هو ثقافة لا غزو فيها, فإذا أضفتم إليها صفة الغزو، انتقلت هي بعد هذه الإضافة من الوجود إلى العدم؟ ومن هنا جاءت ضرورة أن يتحول الجسم الحي إلى شبح كالذي رأيته ليلة أمس يا مولاي.
وبعد أن فرغ زائري من روايته لما قصه عليه صديقه الرحالة ضحك ضحكة هادئة وسألني: هل خرجت من هذه القصة بشيء، قلت له: نعمن بالتأكيد فقد كنت أتابع ما نقلته عن صديقك فأشعر كأنني أتابع قصة الثقافة في مصر إبان تاريخها الحديث، أو على الأقل خلال فترات من ذلك التاريخ، منها هذه الفترة الراهنة التي نجتازها اليوم, فأدهشت إجابتي الأخ الزائر دهشة انفعل بها حتى أخرجته من هدوئه فسألني بما يشبه الصياح، وهو يمد ذراعيه أمامه ويطوح بهما ذات اليمين وذات اليسار مرة وإلى أعلى وإلى أسفل مرة أخرى قائلا في ذهوله ماذا: تقول يا أخانا؟ أقص عليك خرافة عاشتها جزيرة نائية حينا من دهرها، فتجعلها أنت تصويرا للثقافة المصرية في بعض مراحل تاريخها الحديث كيف كان ذلك يا مولانا قل لي بربك كيف كان ذلك؟
стр. 296
قلت: اهدأ قليلا يا أخي، فليس الصياح برهانا ولا اضطراب الأعصاب يزيدنا شيئا في توضيح المعاني سأبين لك الآن كيف أن ما أسميته أنت بخرافة أهل الجزيرة هو في الوقت نفسه تصوير لحياتنا نحن الثقافية اليوم، فلنفرض أن أحدا جاءني وأراد الاستعانة بي في تفسير حلم له رآه في نومه، ثم أخذ يقص علي هذه القصة ذاتها التي رويتها لي عن الجزيرة وأهلها نقلا عن صديقك الرحالة، فكيف كنت لأفسرها، كنت لأقول له شيئا كالآتي: أما الجزيرة الصغيرة النائية، فترمز هنا للعزلة المميتة التي نحيا اليوم في ظلمتها -وأعني بها عزلتنا الثقافية- وذلك لأن المعول في الحكم على حياتنا الثقافية ليس هو تلك العشرات القليلة من صفوة المثقفين الذين يتابعون تيارات الفكر والفن في العالم المتقدم، الذي شاء له الله في هذا العصر أن يكون مبدع الحضارة الجديدة، والثقافة الجديدة معا، بل المعول هو على ما ينشره أصحاب الصوت المسموع لجماهير الشعب ولتسعة أعشار المتعلمين أيضا فإذا رأيت هؤلاء جميعا في واد، وما يعج به العالم المتقدم في واد آخر، فاعلم إذن أن خير تصوير لهذه الحالة هو جزيرة نائية في جنوبي المحيط الهادي لا تسمع عن أحد ولا يسمع عنها أحد.
وأما سلطان الجزيرة -والحديث هنا عن حياتنا الثقافية بوجه عام- فهو يرمز إلى أولئك الذين أمسكوا بزمام الجماهير يكتبون للجماهير ويذيعون للجماهير، فتسمع الأذان جميعا، وتقرأ الأعين القارئة، فذلك السلطان المتسلطن على عرشه، لم تكفه عزلة الشعب في جزيرة فينعزل معه، بل أمعن في العزلة فسكن برجا مصمت الجدران، لا تبصر فيه العين بابا ولا نافذة حتى لتعجب من أين يكون الدخول والخروج، اللهم إلا أن يكون السقف مفتوحا نحو السماء.
وأما الشبح البشع المخيف، الذي هاجم سلطان "الثقافة" الشعبية، فليس هو في الحقيقة بذي وجود وإلا لما كان شبحا، وإنما هو موجود في أوهام السلطان وأعوانه وأشباهه ومريديه, إن الشبح إذا كان قد هدد السلطان بغزو وشيك لجزيرته فما ذلك إلا انعكاس للسمادير الهائمة في تلافيف دماغ السلطان وأدمغة الحاشية، وصورة من الهلوسة التي تفزعهم بالنهار ويرونها في كوابيس الليل، أما الموجود حقا عبر المحيط، والذي يتسلل إلى الجزيرة رغم أنف الكارهين، فهو "ثقافة" تأتي لتنفتح الأبصار وترهف الأذان.
هنا قاطعني زائري بقوله: وما الذي يدعوهم إلى أن يظنوا بالثقافة "غزوا"
стр. 297
إذا لم يكونوا قد رأوا تلك الثقافة خطرا على حياتهم.
قلت له: نعم لقد صدقت، فالثقافة العصرية بعلومها وفنونها وآدابها، هي بالفعل خطرا على "حياتهم، لأنها تحمل من العلم ما لا يعلمون، ومن الفن ما لا يقدرون، ومن الأدب ما لا يتذوقون, إن الأمر -يا سيدي- لا يزيد ولا يقل عن دفاع غريزي عن النفس تماما كما يفزع الكائن الحي أينما كان، لأخف حركة غير مألوفة يحس بها وقد فاجأته فتسري في بدنه رعدة الخوف، وتفرز له الغدد المختصة ما تفرزه داخل جسمه وينسحب الدم من رأسه حتى ليصفر وجهه، وذلك ليتجه ذلك الدم المنسحب إلى الأذرع والأرجل استعدادا إما لمواجهة القتال وإما للفرار وهو أمر طبيعي يا أخي لا غرابة فيه ولا شذوذ، والسلطان "وحاشيته وأشباهه" في حايتنا الثقافية قد حفظ أشياء حفظا أصم, وهو مستعد لإخراجها كلما دعت الحاجة ثم يطويها في صندوقها انتظارا للحظة أخرى يطلب منه فيها إعادة تسميعها، ومن هذا يكسب رزقه الحلال، فلماذا يعرض نفسه للخطر الجديد الوافد كائنا ما كان نفعه عند أصحابه؟ من هنا رأيته يرى في أية "ثقافة" ترد إلى أرضه "غزوا".
قال زائري: ومتى يا ترى، ولماذا أخذ أصحابنا هذا الموقف؟ أما كانت تلك هي الحل دائما معنا ومع غيرنا.
أجبته قائلا: إنها حالة تنتاب الرءوس في مراحل الضعف، لكنها تختفي اختفاء تاما في مراحل القوة، انظر إلى العرب الأوائل عندما بلغوا من القوة ما بلغوا في صدر الإسلام، لقد فتحوا ثغورهم جميعا لكل ثقافة تأتي من خارج حدودهم، أيا ما كان مصدرها, وهي إن لم تأتهم من تلقاء نفسها أتوابها عامدين، جاءتهم "ثقافة" وأرسلوا رسلهم ليجيئوا لهم بثقافة ولم يخطر لأحد منهم -إلا نادرا- أن يقول قائل منهم إنه "غزو ثقافي" وذلك لأنهم كانوا أصحاء أشداء لا يخشون على أنفسهم لفحة البرد أو حتى ضربات الصقيع.
ولماذا نطوي القرون القهقرى أكثر من ألف عام بحثا عن مثال لما قد كان بين الأسلاف، أنه لتكفينا بضع عشرات من السنين، لنرسل أبصارنا إلى ساحة الرجال، فهذا هو الشيخ محمد عبده يقرأ ما كتبه هانوتو ليرد عليه ثم يسافر إلى انجلترا ليلتقي وجها لوجه مع شيخ فلاسفة بريطانيا في ذلك العهد، وهو هربرت سبنسر، ثم هاجم أولاء رجالنا في العشرات الأربع الأولى من هذا القرن: قاسم أمين, لطفي السيد, طه حسين,
стр. 298
العقاد، الدكتور هيكل، سلامة موسى، أحمد شوقي، طلعت حرب إلى آخر ذلك الرعيل الرائد من أقوياء فتحوا لكل ما عند العصر من فكر وأدب وفن فتحوا له صدورهم وقلوبهم وعقولهم، في غير خوف، فلا بارك الله أنفس الجبناء.
وأعود إلى رؤيا الحالم الذي افترضت وجوده، وتخيلت أن تكون رؤياه التي جاءني بحثا عن تعبيرها عندي، هي نفسها الصورة التي نقلتها إلي عن الجزيرة وأهلها والشبح الذي اسمه "الغزو الثقافي" فأقول إن "عراف المعبد" الذي ورد ذكره في الرواية إنما يرمز إلى الفئة المباركة التي "تعرف" الأمر على حقيقته وأين تعرفه؟ إنها تعرفه وهي في المعبد، تعرفه وهي مؤمنة بربها وبنفسها، تعرفه وهي على صلة بخالقها ومصورها وباريها فهكذا خلقها سبحانه فئة طموحة تريد أن تطير في الهواء بأجنحة النسور، أستغفر الله بل تريد أن تطير إلى ما هو أبعد من حدود الهواء، فتنطلق في أعماق الكون بأجنحة الصواريخ.
стр. 299
- أنموذج رقم "٣ "
- الصحيفة: الشرق الأوسط.
- المادة: مقال صحفي عام.
- المحرر: عبد الله الجفري.
- لون من ألوان الأدب الصحفي, عندما يتناول كاتب وأديب أحداث الساعة بقلمه من زاوية صحفية، لاحظ العنوان المرتبط بالقصة التاريخية والأسطورة ولكنه المعبر عن الواقع الموضوعي لاحظ أيضا ذلك الاستهلال "الإنشائي التصويري".. وأقول أيضا "الشاعري" البارع تتابع الأفكار والعناصر مع العناية بالشواهد والأمثلة التاريخية, والتي تتصل بالذكريات وإسقاطها على أحداث الحاضر, القالب الفني المختلط الذي يعتمد على الجمع بين بعض جوانب وزوايا قوالب الوصف والقصة والتاريخي، النهاية التصويرية والتحذيرية في آن واحد.. لاحظ أوجه الشبه القائمة بينه وبين المقال السابق على الرغم من اختلاف الموضوعين.
كان ياما كان.. أرض اسمها لبنان!
كان الليل في لبنان هو ذلك المساء الراقص بخطوات السهارى، وبخطرات النسيم التي تجرح خدود الحسان، كما وصف شاعر يحمل في أسراره التأمل والصخب معا، ويزرع فوق أرضه مع مطلع كل فجر سوسنة حب يلتف الناس حولها حنوا ووفاقا لا خنوعا وخلافا.
стр. 300
كان الليل في لبنان هو ذلك الزمن الجديد الطالع كل مساء بضحكات الساهرين.. تتردد في أصدائه "الدبكة" متجانسة مع حركات النضال، ومع أحلام الحرية، ومع أضواء التاريخ التي كانت تنبعث من جنبات صفوف أعمدة "بعلبك".
قادر -ذلك الليل- على أن يفصل بين ضجيج الأضواء والسهارى وبين صمت تلك الصخور الناطقة برسومها وبنقوشها وبدلالتها على حضارة عظيمة.
وكان يسري بين الضجيج والصمت ذلك "الحلم" الرومانسي الصادر من صوت "فيروز" وهي تحكي قصة لبنان، ثم وهي تبكي لبنان بعد ذلك، ثم وهي تفتش عن لبنان الآن.
أصبح الليل في لبنان هو هذا الظلام الذي اعتقل خطوات السهارى، وجلد خطرات النسيم حتى جعلها لهبا، وأحال "الدبكة" إلى رقصة حرب في أدغال أفريقية في مجتمع أكلة لحوم البشر عندما اختل التقييم، وانتفى الفرق بين أن يقتل اللبناني أخاه، أو يقتل جاره، أو يقتل أي إنسان, إلا أن يكون ذلك المقتول عدوا حقيقيا.
والذكريات صدى السنين الحاكي -كما غنت فيروز- نتذكر اليوم ساعة مرت في العمر، قبل اندلاع الحرب الأهلية وقبل التهام جنوب لبنان, كما نقف بجانب شواهد من التاريخ في لبنان, تلك التي ما زالت باقية من عهد الرومان بضخامتها وبرموزها، وهي تطل على سهل فسيح وتبدو من شرفاتها أشجار المشمش والكرز، وترجع فيها هياكل "جوبيتر وفينوس وباخوس" إلى القرون الأولى للميلاد، ويحيط ببعضها جزء من أسوار عربية شيدت بعد ذلك!.
هنا يرى التاريخ حكايات عن: جبابرة نقلوا إليها الحجارة الضخمة قبل نوح والطوفان، وعن عمالقة من عوالم أخرى نقلت حجارة عالم بعيد، وعن غزاة حاولوا تذويب معالمها وتغريب لسانها، وكل أولئك ذهبوا وبقيت لبنان.
فالأرض لا تموت أبدا بل الذي يموت هو الإنسان.
إذا فرط الإنسان في أرضه.. مات!
إذا باع حريته ثمنا لمصالحه.. مات!
إذا وضع "الشخص" فوق قيمة ومصلحة أرضه.. مات.
ذلك أيضا.. يعيدني إلى "وقفة" فلسفية، من خلال أسئلة طرحت على
стр. 301
الفيلسوف الأديب "ميخائل نعيمة" في مناسبة تقدمه إلى "التسعين" من العمر يومها سئل عن علاقته بالزعيم الدرزي "كمال جنبلاط" فأجاب:
- علاقتي معه كانت مبنية على أسس روحية بعيدة عن السياسة، وكان من الناس الذين يتعشقون الفلسفة الهندية.
وعندما جاء "وليد جنبلاط" في مكان أبيه.. تكشف لنا أنه ابتعد هو بدوره عن الفلسفة الهندية، وخالف والده ولم تعد فلسفة "اليوجا" تقنعه كدور سياسي في الصراعات التي اندلعت، خاصة بعد مقتل والده, فأعضاء "وليد جنبلاط" وفكره أصبحا أكثر قسوة على لبنان، مما جعل ممارسة "اليوجا" تتعذر عليه.
ولم يجد "وليد جنبلاط" في قدراته ما كان يراه في قدرات والده على الاسترخاء فوق ذلك السرير الهندي المليء بالمسامير المدببة، التي كان "جنبلاط" الأب يراها أكثر رحمة من سرير جديد للبنان يمتلئ بما يوفق المسامير، ويسمى: سرير التقسيم الطائفي.
ولكن ما الذي أوصل "لبنان" واضطر هذا البلد الذي كان مخمليا، وفيروزيا لينام فوق سرير التقسيم الطائفي، وينظر إلى "اليوجا" على أنها فلسفة نظرية، برغم أنها عملية جدا، ويجري إلى التذبيب الأقسى؟
إنها "الفوضى" التي أوصلت لبنان إلى هذا الحال وإلى الاستلقاء القسري فوق سرير التقسيم الطائفي, فالفوضى أصبحت قانون لبنان الجديد، وتنظيمها السياسي، ومجابهتها للغزاة.
- وسئل "ميخائيل نعيمة" إن كان ينتمي لحزب ما، فأجاب:
- لا أنتمي إلى أحزاب أيا كانت؛ لأنها تختلف عن طبيعتي، ولأنني لا أريد أن أتنازل عن حريتي.
فإذا فقد "الوطن" وحدته الوطنية أصبح غاية, وتحول إلى فوضى.
ثم أضاف "ميخائيل نعيمة" عبارته المباشرة بعد ذلك، فقال:
- إني أربأ بلبنان أن يصبح سلعة تتناقشها شتى الأيدي، أو أن يخسر طابعه الخاص!
وإذن فقد بلغ "لبنان" الوطن الواحد هذه المرحلة الخطيرة مرحلة: السلعة التي تتناقشها شتى الأيدي.
стр. 302
والآن.. إلى أين يهرب لبنان من تاريخه وهياكله وأعمدته بشجرة الأرز؟ الآن.. إلى أن يركض "اللبناني" بوطنه.. هروبا من الوحدة الوطنية، وتفكرا للوفاق واغتيالا لشخصية الوطن التي تقدم قربانا وثمنا لشخصية الفرد؟!
الآن لا أمريكا، ولا روسيا، ولا حتى إسرائيل مسئولية عن ما سيحدث في لبنان من تقسيم، ومن إعادة بدء حكاية "قابيل وهابيل" بل المسئول الأول والأخير هو "اللبناني" نفسه.
وفي البدء -عندما اشتعلت الحرب الأهلية- كان "اللبناني" هو الذي يتحمل وزر التمزق الوطني من الداخل حتى لو لمسنا خلفيات الأحداث، وأثبتنا تدخل جهات غير لبنانية في مصير لبنان، وسياسته، فكانت تلك الجهات هي السبب في تصعيد الحرب الأهلية, ذلك أن الجهات الأجنبية قد خططت بالفعل لشرذمة وتمزيق الأرض اللبنانية، ولكن الإنسان اللبناني الذي حمل السلاح وصوبه إلى صدر أخيه اللبناني في حرب أهلية مقيتة ومخجلة, كأن هو الأداة وهو الذي جعل مهمة تطبيق وتنفيذ مخطط التمزيق مهمة سهلة.
لقد بقي اللبناني مسئولا حتى عندما اجتاح العدو الصهيوني أرض لبنان؛ لأنه لولا تفكك الوحدة الوطنية، ولولا تنازع الأخوة فيما بينهم.. لما أمكن لإسرائيل أن تدخل الأرض اللبنانية، ولا أن تغريها تلك الخلافات باقتناص الفرصة.
وإذن فإن ما حدث في "لبنان" منذ بدء الحرب الأهلية، وحتى الاجتياح وما سيحدث بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار من محاولات تقسيم, هو في الرؤية الأبعد والأشمل تشبث بمبدأ "المصالح الشخصية" أو المصالح الطائفية، أو مصالح الزعامة السياسية التي يجسد كل زعيم من خلالها مصالحه الذاتية، وأن يكون ذلك "القبضاي" وأن يكون المستفيد من تجارة السلاح، ومن المزايدت السياسية في المنطقة.
إن أعتى الأساطيل لا تقدر أن تهزم أصغر الشعوب, لو اتحد هذا الشعب، وآمن بقضيته، وحرص على وحدة أرضه, فهو سيواجه المعتدي بذلك الإيمان, وبتلك الجذور التي تشده إلى أرضه.. وقد رأينا كيف بدأت أمريكا تصرخ من "اقتناص" أفراد "المارينز" قبل وقف إطلاق النار، فكانت مقاومة شعبية رائعة لن تستمر أو تتأكد إلا في ترسيخ الوحدة الوطنية, تماما بنفس الصورة التي كانت تعانيها أمريكا في حرب فيتنام, فلماذا لا تضحك أمريكا وإسرائيل وسعد حداد اليوم؟.
فالدولة القوية المعتدية, لن تصمد أمام الدولة الصغيرة التي تقاوم الاستعمار
стр. 303
والدخلاء والتي تلفظ كل جسم غريب يحاول الالتحام بجسد الوطن.
وبعد فمازلنا نكتب الكلمات "البيضاء" من أجل مصلحة لبنان الوطن، ودفاعا عن وحدة الأرض اللبنانية وعن شخصية الإنسان اللبناني في الجماعة, قبل أن يفيض الماء وتستوي على الجودي, فلا يتبقى لنا إلا الكلمات السوداء!
стр. 304
أنموذج رقم "٤ "
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: المقال الصحفي العام.
- المحرر: د. مصطفى محمود.
- أهم الملاحظات: جدة الفكرة وطريقة التناول, الإحساس بالمسئولية الاجتماعية للكاتب, اختلاط القالب القصصي والقالب الوصفي, المقدمة التصويرية, وضوح الأسلوب وجاذبيته, فنية الحوار, النهاية التصويرية القوية المعبرة.. أوجه الشبه في كثير من الزوايا بين هذا المقال ومقال د. زكي نجيب محمود، أنموذج رقم "٢".
الفجوة:
هو: دكتوراه في الكيمياء من جامعة أسيوط، يحمل معه جلافة الريف وبساطته وطيبته, وهي خريجة آداب قسم سياحة تحمل معها حقيبة كريستيان ديور وتنظر دائما غربا إلى باريس لتأخذ عاداتها وقيمها وموضاتها، وبينما هو ينظر شرقا إلى مكة معلق القلب والفؤاد بالكتب القديمة الصفراء والمدائح النبوية وحلقات الذكر في سيدي أبي العباس.
وهو في زيارة للسويد والنرويج مدعوا في مؤتمر علمي وهو يصحب زوجته في شهر عسل وهما يهبطان معا درجات الفندق الفخم في ستكهولم, وكلما مر بهم نزيل أومأ برأسه في تحية فتضغط على ذراعه هامسة:
- رد على التحية بإيماءة برأسك أنت الآخر, أترى كم هم مؤدبون, تعلم إذا حييتم بتحية فردوا بأحسن منها، أترى النظافة حولك كل شيء حولك يلمع، والأرض كأنها مرآة، المواعيد بالدقيقة والثانية، الكلمة واحدة كأنها ميثاق، لا غش ولا احتيال ولا مكر ولا تعقيد, المرأة هنا حرة رشيد مستقلة الإرادة تملك مفتاح عربتها ومفتاح شقتها وتخوض الحياة بلا خوف وتختار زوجها في حرية, وتعمل في أي مهنة تحب, حارسها ضميرها وحده، يدها مع يد زوجها على دفة القياة, لا رياسة لأحد على
стр. 305
الآخر ولا تحكم ولا استبداد, لها نصف ما يملك إذا افترقا، هكذا يضمنون للمرأة مستقبلها هنا ويؤمنونها من غوائل الدهر وطغيان الرجل، دستور الزوجية احترام متبادل ومساواة في الحقوق وثقة وحرية من كل طرف في الآخر, ولا تدخل ولا فضول، لا مساءلة ولا محاكمة, أين كنت بالأمس, ولماذا جئت متأخرة، تذكرة طائرتها في جيبها وباسبورها في حقيبتها، تسافر إلى آخر الدنيا وحدها، حرة, رشيدة، مستقلة، حارسها ضميرها وهذا يكفي، انظر حولك وتعلم، هذه هي القيم التي نحتاجها في مصر، لتصنع مصر، جديدة وحضارة جديدة ومدنية جديدة هذه فرصتك لتغسل دماغك من أتربة الريف وتجدد شباب عقلك، وتتشرب هذه القيم العصرية، لا أحب أن أصادر على تفكيرك, ولكني أطالبك فقط بإعادة النظر وعدم الرفض الفوري لأي جديد لا أحبك أن تشيح بيدك وتقول كلمتكم التقليدية: هذه دولة الكفر، فأين الكفر فيما ترى، هل النظافة كفر، هل الأمانة كفر، هل الوفاء بالوعد كفر، هل النظام كفر، هل العلم المتقدم كفر، هل الصناعة كفر.
ومرت امرأة بيدها كلب وأومأت برأسها في تحية فرد صاحبها بإيماءة أخرى من رأسه فضغطت صاحبتنا على يده في حب وقالت وهي تلفت نظره إلى الكلب:
- أترى أصابع الكوافير كيف صففت شعرها هذا الكلب، والفيونكة الحمراء الجميلة، هل العطف على الحيوان الضعيف كفر، هل رأيت المستشفى الأنيق أمام الفندق إنه مستشفى للكلاب ودار حضانة للكلاب, تترك المرأة كلبها في الصباح ثم تعود لتأخذه في المساء.
قال الرجل الريفي وهو يهز رأسه غير مصدق:
- شيء عجيب.
- هل تعلم أن هناك أكثر من عشرين صنف لحوم معلبة للكلاب، وإن المحل يترك لك الحرية لتعرضها على كلبك ليجربها ويختار منها ما يحب.
قال الرجل الريفي وهو ما زال يهز رأسه:
- شيء عجيب إذا كانوا يصنعون هذا بالكلاب فماذا يصنعون لبني آدم.
- سوف ترى يا عزيزي لا تتعجل.
- إذا كان هذا مقام الكلب في الأسرة، فماذا يكون مقام الأسرة في المجتمع؟
- سوف ترى بنفسك الليلة, ألسنا مدعوين معا إلى تلك العائلة السويدية.
стр. 306
- نعم، نعم، لقد دعانا الدكتور كرافت على فنجان شاي لنحدثه عن مصر وعن أخبار مصر, فهو عالم في المصريات كما تعرفين.
- بل نريده أن يحدثنا هو عن بلاده وعن المعجزة الأوروبية.
- نعم، صدقت.
وفي المساء كان الدكتور كرافت يمد يده ليصافحها في حرارة وهو يقول:
- أخيرا جاءت مصر إلينا، أخيرا أصافح أحفاد حتشبسوت وإخناتون يدا بيد، قال الرجل الريفي:
- لا أظن فقد اختلطت الأنساب كثيرا في بلادنا يا عزيزي الدكتور بقدر ما تعاقب عليها من فرس وروم ومقدونيين وهكسوس وعرب وإنجليز وفرنسيين، لا أظنك اليوم تجد حفيدا واحدا حقيقيا لحتشبسوت أو إخناتون، لن تجد هذا الحفيد إلا في مقابر تل العمارنة في تاوبت سرق كل ما فيه، ولم تبق إلا الجثة.
قال الرجل وهو يتنهد أسفا:
- صحيح هذا مؤسف، لم يبق لنا إلا تاريخ ومعابد وبرديات هيروغليفية ورشف الدكتور كرافت رشفة هادئة من فنجان الشاي.
- لو كنتما هنا أمس الأحد، لسعد أبواي بكما كثيرا، فهما مثلي يحبان مصر كثيرا ويتنسمان أخبارها.
قال الرجل الريفي:
- وأين هما يا ترى.
- هما عجوزان لطيفان, وهما في هذه السن التي يصعب فيها التفاهم والتواصل بينهما وبين باقي الأسرة وحتى بينهما وبين بعضهما، ولهذا انتهى بهما المطاف إلى دار للمسنين، لكل منهما غرفة منفصلة وكل منهما يقطع النهار في حل الكلمات المتقاطة وشرب النبيذ ومشاهدة إلى التليفزيون, وهذا شأن الكبار هنا حينما تتقدم بهم السن.
قال الرجل الريفي في استغراب:
- والصغار؟
- بعد السابعة عشرة يذهب كل واحد وشأنه, لي ثلاثة أخوة وأخت رابعة تفرقوا في القارات الخمس وتفرقت بهم المصائر, الأخ الأكبر تزوج من امرأة بوذية في كمبوديا والأصغر قطعت ساقه في حادث وهو يعمل بارمان في كلكتا والأخ الأوسط يشتغل
стр. 307
في مصنع سلاح في جنوب أفريقيا، أما الأخت فقد تزوجت من فيتنامي ولم تنجب، ثم افترقت عن زوجها، وأنجبت ولدا تكرس له الآن كل وقتها وتعمل مدرسة بيانوا، وزوجها؟
- إنها لم تتزوج بعد الفيتنامي، لقد أنجبت ولدا بعد قصة حب, وكما تعلم هذه الفورات العاطفية تنتهي إلى لا شيء وتبدأ المشاكل, وهذه مسائل عادية تحدث الآن كثيرا.
- عبر كروت الكريسماس وهدايا عيد الميلاد كل عام.
ودخل الكلب وكانت حول بطنه ضمادة.
واحتضنه الدكتور كرافت في حنان بالغ، وراح يربت على رأسه ويقبله:
- المسكين علمنا له بالأمس رسم قلب كهربائيا وفحصا بالأشعة وبالأمواج فوق الصوتية واتضح أن عنده ورما سرطانيا, وقام الجراح منذ أسبوع باستئصال الورم بنجاح، صدقني لقد حزنت من أجله كثيرا، ولم أذق طعم النوم منذ أيام.
قال الرجل الريفي وهو يقلب كفيه في عجب:
- هذا شيء مؤسف فعلا, هذا قدره.
وراح الدكتور يسأل صاحبنا ماذا يعني بكلمة القدر، وقال إنه سمع الشرقيين يتحدثون كثيرا عن القدر، ويلاحظ أنهم يدسون هذه الكلمة في كل شيء، وها أنت تدسها حتى في شئون الكلاب، صدقني أنا لا أفهم.
وأخذ الرجل الريفي يتكلم في إسهاب عن الإيمان بالله وبالقدر، وأن الله بيده ناصية كل الخلق وما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها، سواء كانت بهيمة أو كلبا أو حشرة، وأنه ما من ورقة تسقط إلا يعلمها ولا رطب ولا يابس، عنده في كتاب.
وقال الدكتور كرافت في براءة شديدة:
- ولكن أين هو؟
- من؟
- الله الذي تقول.
فكست الرجل الريفي وانعقد لسانه دهشة من السؤال الفجائي ثم عاد يقول ببطء:
- الله لا يقال عنه متى؟ أين؟ لأنه هو الذي خلق المتى والأين، هو الذي خلق
стр. 308
الزمان والمكان ولا يخضع لهما كما نخضع, هو فوق الأين.
فبدا على الدكتور كرافت أنه لا يفهم ولكنه قال في احترام شديد:
- ألا يمكن أن نتكلم كلاما أكثر وضوحا وواقعية, ألا يمكن أن تقول لي عن الله شيئا ملموسا، صدقني إني في دهشة من إيمانكم العميق أيها المصريون، إيمان بطول سبعة آلاف سنة، إنه شيء عجيب يدهشني، منذ سبعة آلاف سنة وأنتم تبنون للموت ولا تعيشون للحياة ولكن لما بعد الحياة, وكأنما أنتم متأكدون تماما من كل شيئ ألا يدهشك هذا, من أين لكم بهذا اليقين بأن بعد الموت شيء, لكم أتمنى أن أرى الله كما ترونه.
فقال الرجل الريفي في بساطة:
- إني لا أرى غيره، أراه في تفتح الزهرة وابتسامة الوليد وأراه في الصواعق وأرى مشيئته في حركة التاريخ وأرى يده في قبضه الجاذبية التي تضم شمل الكون وتمسك بالمجرات وتحمل السموات بلا عمد، وأراه أقرب إلي من نفسي بل أقرب إلي من نطقي وأراه في العماء خلف كل شيء، في غيب الغيب، لا يوصف ولا يحد، سبحانه لبس كمثله شيء.
وحاول أن يبحث عن كلمات تقول أكثر وتفصح أكثر وتجسد أكثر, كلمات يعبر بها الفجوة الهائلة بينه وبين محدثه ولكنه لم يجد.
كانت الفجوة كبيرة, فجوة بين حضارتين:
حضارة لا تؤمن إلا بما ترى وتلمس وتحس وتسمع.
حضارة مادية تبدأ من المادة وتنتهي إلى المادة وتشيد من المادة معجزات وخوارق واختراعات وسفنا فضائية وقنابل وتصنع بها الدمار والعمار.
وحضارة أخرى تواقة حالمة متطلعة إلى الغيب تتصنت بالقلب والروح عني ما لا يرى وما لا يسمع وتعبر المادة أبدا ودائما إلى ما وراءها.
وسكت الرجل الريفي ولم يجد كلاما يقوله ليعبر به الفجوة.
وأخذ يعيد ما قال, وكأنما يخاطب نفسه:
- إني لا أرى غيره، لا أرى إلا الله سبحانه لا سواه.
قال الدكتور كرافت:
- إني لا أملك إلا أن احترمك، ولكني لا أفهمك.
وفي المساء في الفراش كان الرجل الريفي يحدث زوجته وهو يخبط كفا بكف:
стр. 309
- أرأيت، إنه لا توجد أسرة لقد انفرط كل شيء, البنت تحمل سفاحا والأخوة تفرقوا في أركان الأرض ليواجه كل منهم مصيره بلا عون وبلا سند, والأب والأم منبوذان يعيشان وحيدين في دار للمسنين ولم يبق إلا الكلب, أقاموه صنما بديلا يبذلون له الود والحب والحنان والعبادة التي خلت منها الحياة, ويحاولون أن يخلقوا فيه المعنى والحكمة التي سلبوها كل شيء، إن كل ما تشاهدينه في الفندق من تحيات ومجاملات وآداب مائدة وسلوك مهذب ولياقة، كلها تعبيرات فارغة لا تدل على شيء ولا تحتوي على مضمون، إنها مجرد حياة تلهث وراء متع لحظية، ثم موت ثم تراب ثم عدم، ثم لا معنى ولا حكمة وإنما عبث.
ولم يعجب زوجته الكلام وأعطته ظهرها، وقالت كالعادة:
- لا تتعجل في الحكم، ولا تستخرج حكما عاما من لقاء عابر، انظر حولك، إنك في عالم كعرائس الخيال أبهة ونظافة وأناقة وجمالا وعلما وصناعة.
قال في هدوء وقد أعطاها ظهره هو الآخر:
- كل هذا يمكن أن ينهدم في لحظة، حينما تنهدم القيم التي تمسك به.
كل هذا يصبح مثل النقش على الماء.
- قالت في مرارة:
- وهل عندنا في مصر قيم, هل عندنا أخلاق.
- صحيح لقد أصابت عدوى الانحلال الكثيرين في بلادنا, وصحيح عندنا فساد. ولكن ما زال عندنا أولو بقية من أهل الخير يعرفون الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقومون الليل ويسبحون النهار، وهؤلاء هم عمد الأرض وأركان الدنيا, يحفظ الله الدنيا من أجلهم وبدونهم لا يعود لها بقاء.
قالت وهي ما زالت تنظر غربا وقد أعطته ظهرها:
- بل أركان الدنيا هنا، ولكنك ترفض أن تراها وأعمدة الحياة حولك ولكنك تنكرها، وناطحات السحاب تنطح السماء وتصنع الأقدار للألوف والعقول الألكترونية تدير المصائر للملايين وما تسميه انحلال الأسرة هو روح الحرية, والمغامرة ولكنك لا تريد أن ترى ولا تريد أن تغير من نفسك شيئا.
قال وهو ما زال يعطيها ظهره وينظر شرقا:
- نسيت أن صانع كل هذا العمار ترك نفسه خرابا، وإنه يوشك أن ينتحر وأن
стр. 310
يقتل نفسه بما صنعه، وأن عمد الدنيا في نظرك وأركان توشك أن تنقض على بعضها البعض بالأسلحة الذرية والقنابل النووية, وأنهم لونوا ما حولهم الفضاء والماء والهواء كما لونوا عقولهم بالخمور والمخدرات, ولونوا أرواحهم بالكفر والجحود، وإن ما ترينه براقا حولك هو الغرور ومتاع الغرور وخيال اللحظة ونشوة اللمحة البارقة واقرئي التاريخ، انظري خلفك، بل تحت قدميك، بل في التراب تحتك حيث اندثرت أمم وإمبراطوريات، وحيث انتهى عماليق طاولوا الشمس وخرقوا السماء.
ولكنها لم تنظر إلى وراء ولم تلتفت إلى التراب تحت قدميها, وإنما ظلت ناظرة مبهورة دائما إلى غرب، بينما ظل هو شاخصا إلى الشرق إلى مطلع الأنوار, وقد أعطى كل منهم ظهره للآخر، وبينهما خيط رفيع، رفيع هو عقد زواج، يوشك أن ينقطع.
стр. 311
أنموذج رقم "٥ "
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: مقال افتتاحي.
- يلاحظ:
المقال بعنوان لافتة أساسي "الجمهورية تقول" وعنوان يختلف من يوم لآخر وباختلاف مادته -وهو من نوع "المقال الافتتاحي التحذيري" إلى جانب لون من ألوان "الاستشكاف" إلا أن الطابع التحذيري يغلب عليه، والمقال قصير في حجم نصف العمود -حجم مقال العمود في أغلب أحواله- وغير موقع على الإطلاق كما أن أسلوبه سهل وواضح شأن الأسلوب الواجب اتباعه بالنسبة للمقالات الافتتاحية.
الجمهورية تقول:
قبل أن تقع الواقعة
عندما يطالب إلياهو بن اليسار رئيس لجنة الشئون الخارجية في الكنسيت الإسرائيلي بضم الضفة الغربية وغزة إلى إسرائيل, فإننا لا يجب أن نأخذ كلامه باستخفاف أو نعتبره من قبيل المزايدات السياسية أو "بالونات الاختبار" وذلك لعدة أسباب:
أولا: أن ابن اليسار من النجوم الصاعدة في المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة, فقد كان عضوا بارزا في المنظمة الإرهابية التي قادها بيجين قبل عام ٤٨ ثم مديرا لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ثم أول سفير لبلاده في القاهرة، ثم احتل منصب رئيس لجنة
стр. 312
العلاقات الخارجية بالبرلمان الإسرائيلي، ورجل كهذا تعتبر تصريحاته من المؤشرات الهامة التي تحدد اتجاهات السياسة الإسرائيلية.
ثانيا: أن دعوة ابن اليسار إلى ضم الضفة الغربية وغزة تعبر عن هدف أساسي من أهداف السياسة الإسرائيلية، وتنسق مع كل الإجراءات والتصرفات التي تمارسها إدارة الاحتلال الإسرائيلي في هذه المناطق منذ عام ١٩٦٧ تنفيذا لهذا الهدف.
ثالثا: أن المناخ السياسي في الشرق الأوسط يعتبر مناخا ملائما من وجهة النظر الإسرائيلية لتحقيق هدف ضم الضفة الغربية وغزة، فليست هناك قوة عربية يمكن أن تقاوم "عملية الضم" إلا قوة المواطنين الفلسطينيين العزل من السلاح!
لذلك لا بد أن نتوقع أن يكون تصريح ابن اليسار مقدمة لإجراء إسرائيلي معين في الضفة وغزة, خصوصا وأن وزير الدفاع الإسرائيلي قد أدلى بتصريح مماثل منذ أيام.
فهل يملك العرب أن يردوا على هذا الخطر المتوقع؟!
стр. 313
- أنموذج رقم"٦ ".
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: مقال افتتاحي.
- يلاحظ:
يعلو المقال عنوان لافتة أساسي هو: "رأي الأهرام" وهو ثابت يوميا يتلوه عنوان آخر متغير يوميا، وهذا المقال هو من نوع مقال "الدعوة إلى موقف أو عمل" وهو يتوجه بهذه الدعوة مباشرة، ومنذ الكلمة الأولى فيه، كما أن به مسحة من "التحذير" وهو يأتي في كلمات واضحة وصريحة, وحجمه حجم المقال العمودي القصير -حبذا لو كان أطول قليلا عن طريق مزيد من الشرح والتحليل- كما أنه غير موقع على الإطلاق.
أمريكا.. والمستوطنات:
مطلوب من الولايات المتحدة مواقف واضحة ومحدودة من قضية انتشار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة وغزة، وفي المدن الآهلة بالسكان وبالذات في الخليل، ونابلس، وفي كل مدينة وقرية فلسطينية.
وغموض المواقف، وصدور التفسيرات والتوضيحات يستفيد منه الطرف الإسرائيلي، مما يزيد من تعقيد المشاكل وبروز الخلافات ومحاولة الاستفادة من العبارات المبهمة التي تصدر بين حين وحين لتفسير مواقف مرفوضة، أبرزها استخدام الولايات المتحدة لحق
стр. 314
الفيتو لمنع قرار يصدر من مجلس الأمن يدين سياسة المستوطنات ويستنكرها ثم إصدار بيان يصف إزالة هذه المستوطنات بأنها من الأمور غير العملية وغير الواقعية.
وإذا كان البيان الأمريكي قد تضمن نصا يؤكد أن بناء المستوطنات يمثل عقبة أمام السلام فالذي لا شك فيه أن صدور بيان يدين بناء المستوطنات ويستنكرها بصورة قاطعة واضحة وصريحة سوف يخدم قضية السلام، وسوف يعيد بالتأكيد مواقف أمريكية التزمت بها, ويجب أن تلتزم بها إذا كانت تريد أن يصبح السلام حقيقة واقعة وليس مجرد سراب نتطلع إليه ونتمناه.
مصر أدانت وتدين المستوطنات وتطلب وتطالب كل من يحرص معها على استمرار مسيرة السلام أن يعلن موقفه ويدين الخطأ، لا يحمي الجريمة ولا يخفيها ولا يسعى لإيجاد تفسير أو مبرر لها.
стр. 315
أنموذج رقم "٧ "
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: مقال افتتاحي.
- يأخذ طابع المقالات الافتتاحية لهذه الصحيفة خاصة من حيث العنوانات والطول والتوقيع وهو أنموذج طيب للمقال الافتتاحي من نوع "الشارح المفسر" وأسلوبه سهل، وعباراته مترابطة وتناوله للحدث طيب، لكن يؤخذ عليه وعلى غيره من المقالات التي تناولت هذا الحدث إطلاق تعبير "عيد" البترول وكان يمكن أن يقال "يوم البترول" أو "يوم عودة البترول إلى مصر" أو أي تعبير آخر مناسب للحدث, لا سيما بعد أن كثرت مثل هذه "الأيام" وواضح أن السبب هنا ليس المحرر أو الصحيفة فليس هو أو هي، من أطلق هذا التعبير.
عيد البترول:
اليوم نحتفل بعيد البترول, وهناك أسباب عديدة تجعل هذه المناسبة جديرة بالتسجيل والاحتفال.
في مقدمة هذه الأسباب أنها تأتي في ذكرى مرور سبع سنوات على عودة حقول بترول سيناء في نوفمبر ١٩٧٥ في إطار بداية عودة السيادة المصرية لسيناء التي ظلت أسيرة للاحتلال الإسرائيلي منذ هزيمة يونية ١٩٦٧.
وثاني هذه الأسباب أن عودة هذه الحقول كانت ثمرة من ثمار حرب أكتوبر ١٩٧٣
стр. 316
التي استطاعت بها القوات المسلحة المصرية أن تمحوا عار الهزيمة, وأثبتت قدرتها على انتزاع النصر وتحدي كل عوامل الإحباط والتثبيط.
وثالث هذه الأسباب أن عودة هذه الحقول تقدم إضافة لا بأس بها لطاقة الإنتاج البترولي التي تزايدت بشكل مستمر طوال السنوات الماضية وتزايد الأسعار العالمية للبترول, ولكن أيضا نتيجة لحسن توجيه الاستثمارات المخصصة للعمل الاستكشافي والإنتاجي والتحويل في هذا القطاع الحيوي.
ورابع هذه الأسباب وليس آخرها أن ناتج العمل البترولي يمثل مصدرا رئيسيا من مصادر الناتج والدخل القومي, ووسيلة أساسية من وسائل دعم ميزان المدفوعات وفضلا عما يقدمه لكافة قطاعات الإنتاج والخدمات من وسائل الطاقة والخدمات فإنه قبل ذلك يقدم دعما للاقتصاد الوطني وجهود التنمية.
والاحتفال بعيد البترول وكذلك الاهتمام بالنشاط البترولي لا يعنى بأي شيكل التقليل من أهمية قطاعات الإنتاج الأخرى وفي مقدمتها الزراعة والصناعة أو المرافق والخدمات, فكلها روافد تصب في بناء الاقتصاد المصري, وزيادة الإنتاج فيها جميعا هدف نسعى إليه لدعم الاقتصاد المصري, وهي في نفس الوقت وسيلة لتحقيق أمن الوطن ورفاهية المواطن.
стр. 317
أنموذج رقم "٨ "
- الصحيفة: الرأي العام.
- المادة: مقال افتتاحي.
- تتبع الأسلوب التقليدي في كتابة الافتتاحيات، وهو الأكثر صحة وسلامة من غيره، اختيار جيد للموضوع, مزج بين أساليب وأنواع الشارح المفسر والمستكشف والتحذيري، اللغة سهلة واضحة والنغمة هادئة أيضا.
لماذا؟.. ولمصلحة من؟
الاشتباكات الفلسطينية - الفلسطينية التي تندلع عنيفة من وقت لآخر يجب أن توقف؛ لأنه من غير المعقول، ولا المسموح، أن تتواصل مثل هذه الاشتباكات وأن تلتهب بينما هناك من يثابر على الإغراء والانزلاق أكثر وأكثر في لعبة استعراض القوة، جميع المؤشرات تؤكد أن الاقتتال الفلسطيني ترك ضررا كبيرا على القضية الفلسطينية، وجعل الذين يحملون تقديرا قويا لهذه القضية، يخشون أن تشكل الخلافات الحالية بين رفاق
стр. 318
السلاح، تربة خصبة تنمو فيها بذور الضعف والانهيار، كما برهنت التجارب الماضية هنا، في مناطق كثيرة.
من هنا نرفض أن تتواصل الخلافات داخل البيت الفلسطيني، أو أن تتحول إلى ظاهرة مرضية نعمل على إخفائها أو نستحي من الإفصاح عنها.
لقد عانى الفلسطينيون درجات متفاوتة من أعنف أشكال القهر والظلم على أيدي المحتلين الصهاينة، ومثل هذه المعاناة القاسية تمتد جذورها عميقا في أرضية التاريخ. ولهذا لم يعد من الجائز أن يضيف الفلسطيني مزيدا من تلك المعاناة وأن يعدم الوسيلة التي تجعله يتوقف عن فعل المزيد.
في الضفة الغربية وقطاع غزة لم تعد إسرائيل تخشى أن تنتهي أساليبها في القمع والإرهاب ضد سكان الأرض الأصليين إلى إدانة أو خسارة معنوية.
وفي إسرائيل أيضا، يكاد تعبير "المناطق المدارة" ينهار ويختفي أمام المد الاستيطاني الزاحف، وأمام "حق اليهود في العيش في يهودا والسامرة، التي هي كما قال بيغن، مهد تاريخنا، ولا يحق لأحد أن يحرمنا من هذا الحق، حيث إن تاريخنا المجيد هو من أهم ركائزنا "كذا" ... ".
بهذه العبارات الواضحة توجه مناحيم بيغن إلى مستوطنيه اليهود مذكرا بالأواصر التاريخية والتوراتية التي تبيح لهم حق ممارسة العنف والإرهاب وشتى صنوف القتل والتدمير ضد أصحاب الأرض الأصليين, الذين يوشكون أن يتحولوا إلى غرباء أو طارئين على أرضهم وأرض أجدادهم، نعم، لقد حرص بيغن على أن يخاطب عواطف المستوطنين الصهاينة، كي لا ينسوا سهوا، تلك الأواصر وتلك الحقوق المزعومة التي يحرصون على الانتصار لها بكل الأساليب والوسائل.
إن النقطة الأكثر أهمية في الصراعات الجانبية الدائرة في الساحة الفلسطينية، هي أنها لعبة دموية، تبعث على الأسى والحزن، وتثير شهية القوى المعادية على الاختراق وإثاره البلبلة وانعدام الوزن.
وأخشى ما نخشاه أن تتحول جهود المصالحة الفلسطينية إلى مباراة خارج إطار العقل والتعقل، بينما يتوالى سقوط الضحايا على أرض القضية ومن حسابها, وهو ما لا يمكن احتماله أو التهاون به.
стр. 319
أنموذج رقم "٩ "
...
أنموج رقم "٩"
- الصحيفة: الأخبار.
- المادة: عمود صحفي "ما قل ودل".
- أحد أساليب كتابة الأعمدة, العمود عبارة عن رسالة من قارئ يقدمها محرر العمود لتشمل أكثر سطورة, الأسلوب الذي درج عليه الأستاذ أحمد الصاوي محمد في أكثر أعمدته منذ منتصف الستينيات تقريبا، وهو اتجاه تحريري عالمي معروف في تحرير مقالات الأعمدة الثابتة.
ما قل ودل:
الثروة الخشبية، وضرورة حماية الأشجار صغيرها وكبيرها، ومضاعفة الاهتمام بها للإكثار منها، يقول الأستاذ خليل إبراهيم الصيحي مدير بنك التسليف بشبراخيت وعضو مجلس إدارة البنك بالبحيرة:
عندما ارتفعت الأسعار العالمية للأخشاب ترتب عليه ارتفاع ملحوظ في أسعار الخشب محليا, واتجه الكثيرون إلى اغتيال الثروة الخشبية بقطع الأشجار والشجيرات واستغلالها دون أي رقابة أو حماية لها.
قيتم حاليا في الريف قطع الأشجار الصغيرة والكبيرة على السواء لمواجهة احتياجات السوق المحلية من الأخشاب, ولم يقابل ذلك تخطيط علمي مدروس لمواجهة ذلك بكثرة المشاتل.
إنني آمل من سيادتكم بتوجيه نظر المسئولين إلى تشجيع هذه المشاتل وتوزيع الشجيرات على السادة الزراع بأسعار التكلفة, على أن تتولى تفاتيش وزارة الزراعة بالاشتراك مع الجمعيات التعاونية الزراعية المشتركة بإعداد هذه المشاتل على أساس علمي فني مدروس لتلافي القضاء على هذه الثروة الخشبية في أواخر هذا القرن.
حيث إن الأمور لو تركت على ما هي عليه الآن في ظل اغتيال الثروة الخشبية فسيرتب عليه انعدام الثروة الخشبية في فترة زمنية قصيرة ما لم يقابل ذلك بالكثير من المشاتل.
مع تحياتي وتمنياتي بالتوفيق من أجل الأجيال القادمة.
أحمد الصاوي محمد
стр. 320
أنموذج رقم "١٠ "
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: عمود صحفي.
- المحرر: إبراهيم الورداني.
- أسلوب آخر من أساليب كتابة الأعمدة يمثل نوعية مختلفة، العمود عبارة عن عدة رسائل من القراء يقدمها الكاتب أو يقوم بالتعليق عليها تعليقا سريعا، لاحظ أسلوب الكاتب الخاص به، من خلال السطور والكلمات القليلة التي صاحبت خطابات القراء, اتجاه تحريري آخر يتبعه المحرر من حين إلى حين.
صواريخ:
صباح الخير..
و.. القراء الطيبون وصواريخ قصيرة بأقلامهم!
- بصراحة.. صحافتنا الموجودة يجب أن تهز نفسها في الغربال, فأغلب ما فيها لم تعد تهضمه معدة القارئ المعاني!.. "١٦ صفحة" يومية تنهال على رأس القارئ في الصباح، كلها عن الحروب ومصائب الشعوب، والوعود وتلال البنود، ومقالات الشتم والصخب والمعارضة، وصفحات الأزمات والاختناقات والانهيارات وضجر وآراء وتعليقات تتكرر وبيانات وإعلانات لا أول لها ولا آخر, فأين القضية الجيدة وأين القصيدة الحارة وأين مناهل الفن والأدب والفكر وأين الكاتب الذي يلاغي قراءة وينعش ويشبع وجدان جمهوره!! حرام عليكم أما كفانا حياة الخنادق؟!
دكتور طاهر سليم بالغردقة
- كتب إبراهيم نافع في أهرام الجمعة الماضي يصارح القراء بأن المشكلة القائمة الآن في الاقتصاد المصري هي تجمد موارده من العملة الصعبة, بل انتظار هبوطها في السنوات القادمة! وموارد العملة الصعبة لدينا فهي من قناة السويس والبترول والسياحة وأرصدة المبعوثين في الخارج، أما الزراعة فما شاء الله كلها نحن نستهلكها!.. صارحنا وأنذرنا بهذا شكرا له فقط يستوقفنا مما أورد عن آخر أرقام هذا الرقم الهزيل المخجل من موارد السياحة!.. هنا الوقفة.. بل هنا تعاسة الحيرة فما هذا التحاذل السياحي الذي نحن فيه؟.. كيف منحنا الله أعظم رقعة سياحية على ظهر الأرض بكل كنوزها من