← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10545

المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني

ابن جني

Полный текст (489 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيهما غير زائدة وإن كانت من معنى شَمَلَتْ، كما تقول في١ "دَمِث ودِمَثْر، وسَبِط وسِبَطْر": إن أحدهما٢ بمعنى الآخر وليس من أصله؛ لأن دمثا ثلاثي ودمثرا رباعي, فقل كذلك في شمأل وشأمل٣؟ فقال: إن الهمزة قد زِيدتْ غير أول في جُرانِض ونِئْدِلان بمعنى نَيْدُلان وأحرف غير هذه, فكأن٤ أبا علي رأى حمله على هذا مع الاشتقاق أولى من أن يجعله أصلًا رباعيًّا. والنَّيْدُلان هو الذي يسمى الكابوس عند العامة. قال الراجز: نِفْرِجَة القلب قليل النيل ... يُلْقَى عليه النَّيْدُلان بالليل والجرائض هو الجمل الضخم، وقد قالوا في معناه: جِرْواض, فالهمزة زائدة إذًا. وحُطائِط: فُعائِل؛ لأنه٥ من حططتُ؛ لأنه الصغير. وقالوا في "تابَل: تَأْبَل"، فالهمزة زائدة. وحكي أن العجاج كان يهمز العألم والخأتم٦؛ أبدل الألف همزة وكذلك "تَأْبَل". فالهمزة في هذه الأحرف الثلاثة زائدة؛ لأنها بَدَل من زائد, ومثالها: فأعل. وقد قالوا: رِئْبال للأسد، فهمزوا. وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز عن أبي زيد: وتقول: "رَهْيَأْتُ

стр. 107

أمري رَهْيَأةً" إذا لم تُحكمه, وقد رهيأ الرجل، وذلك أن يحمل حملا فلا يشده بالحبال فهو يميل. وسألت أبا علي عن مثال: رَهْيَأَ, فقال: "فَعْيَلَ"؛ لأن الهمزة ليست بزائدة، وموضع الياء هو١ موضع زيادة الياء، والواو في حِذْيَم وجَدْوَل, فكأن٢ أبا علي حمله على فَعْيَلَ، وإن كان هذا البناء ليس في أبنية الأفعال ولا٣ الأسماء هربا من زيادة الهمزة غير أول، ولأنه٤ رأى الياء في رهيأ في موضع الواو من جَهْوَرَ وسَرْوَلَ٥. ولهذا المثال٦ نظائر في الشذوذ, منها قولهم: "قد اكْرَألّ الرجل" إذا قَصُر فالواو زائدة، ومثاله "افْرَعَلّ"٧. وقد قالوا: "بينهما مُهْوأنَ من الأرض" وهو عند "مُفْوَعَلّ" وهو في الأسماء نظير اكوأل في الأفعال. ونظيره في الشذوذ قولهم: "تقلْنس" في معنى تقلّس، ومثاله "تَفَعْنَلَ"٨. ونظير هذا في الشذوذ قولهم: "تَمَدْرَعَ وتَمَسْكَنَ" إنما هما من الشاذ٩ ومثالهما "تَمَفْعَلَ"، ألا ترى أن أبا عثمان قال: إن اللغة الجيدة عندهم: "تدرّع وتسكّن"؟ ومن هنا حمل أهل التصريف قولهم: "مُغْفُور" على أنه "فُعْلُول"،

стр. 108

ولم يجعلوه "مُفْعُولا"؛ لأنهم قد قالوا: خرجوا يَتَمَغْفَرون، فيتمغفرون عندهم يَتَفَعْلَلون، ولم يجعلوه يَتَمَفْعَلُون؛ لقلة تَمَفْعَلَ، وكثرة تَفَعْمَلَ. ومن هنا أيضا كانت الميم في "مَعدّ" أصلا؛ لقولهم: تمعدد، وتمعدد: تفعل، ولم يحمل على تَمَفْعَلَ، على أن قوما قد جعلوا مُغْفُورا مُفْعُولا كمُعْلُوق، وإنما هذا لقلة١ المعرفة بهذا الشاذ٢, والقياس ما أنبأتك به أولا. قال أبو علي: إنما قلنا: "مُعْلوقا" مُفْعُول؛ لأنهم قد قالوا في معناه: مِعْلاق، فمعلاق مِفْعَال ليس غير. قال: وأما مُغْرود فحمله على فُعْلول أولى؛ لأن فُعْلولا أكثر من مُفْعول. وقالوا: تَمَنْدَلَ بالمنديل، وهو تَمَفْعَلَ، والجيدة: تَنَدَّلَ. وقالوا: قَلْنسته وهي٣ فَعْنلته، وقالوا: قَلْسيته وهي٤ القياس. وقالوا: تَأْبلت القِدْرَ بالهمز, والهمزة زائدة؛ لأنها بدل من ألف تابَلْت الزائدة. وحُكي عنهم: "مَرْحَبَكَ الله ومَسْهَلَك، وكان يُسَمَّى محمدا تم تَمَسْلم" أي: صار يسمى مُسْلِما، وهذا كله شاذ. وقد قال بعضهم: إن "مَذْحِج" جماعة قبائل شتى مَذْحَجَتْ أي: اجتمعت. فإن كان هذا ثبتا في اللغة فلا بد من أن تكون الميم زائدة، وتكون الكلمة مَفْعَلَتْ؛ لأنهم قالوا: "مَذْحِج"، فإن جعلت الميم أصلا كان وزن

стр. 109

الكلمة فَعْلِلًا, وهذا خطأ؛ لأنه ليس في الكلام اسم مثل جَعْفِر، فثبت أنه مَفْعِل مثل مَنْبِج. ولهذا لم يصرف "نرجِس" اسم رجل؛ لأنه ليس في الأصول مثل جَعْفِر، وقضي أن النون زائدة مثلها في نَضْرِب. وجاء في الحديث: "فإذا سحابة تَرَهْيَأُ" فهذا تَفَعْيَلُ، والياء فيه زائدة؛ لأنها من موضع الواو من تَرَهْوَكَ، وكأن "ترهيأ مطاوع رهيأته فترهيأ". وقد قالوا: تشيْطن الرجل وتشيَّط بمعنى واحد، فينبغي أن يكونا لغتين، ولا يجوز أن تجعل تشيطن تفعْلن؛ لأنه ليس في الكلام تَفَعْلَنَ، وتشيطن أقوى من تشيط؛ لقولهم: شاطن وشَطْن، وأرض شَطُون، وهذا كله من البُعْد، والشيطان مبعد مقصى١, ومن هنا١ قيل: لعنه الله، أي: أبعده الله٢ وأقصاه. وفسروا بيت الشماخ: ذعرت به القَطَا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين أي: البعيد. فمن هنا قيل له: شيطان؛ لأن الله قد أبعده. فلهذا كان الوجه في شيطان أن يكون فَيْعَالا بمنزلة الغَيْدَاق والقَيَّام, ومن أخذه من تشيّط جعله "فَعْلان". ووجه الاشتقاق فيه من تشيط، أنهم قد قالوا: غضب فاستشاط أي: احتدّ والْتهَبَ في الغضب وتشيط بمعناه. وهذا المعنى موجود في الشيطان؛ لأن الالتهاب في الغضب مشبه بالجنون والتخبط، قال الله تبارك٣

стр. 110

وتعالى: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ١, وهذا واضح لا خفاء به. وإنما ذكرت هذه الأمثلة الشاذة٢؛ لأُونس بها ما ذهب إليه أبو علي من أن "رهْيأ: فَعْيل" وإن كان هذا من الشواذ في أمثلة الفعل. وقد قالوا: "امرأة٣ ضَهْيَأ" مقصور٣، قال أبو علي: فالهمزة٤ زائدة دون الياء لقولهم٥: ضَهْياء في معناها, وضهياء: فَعْلاء٦ مثل حمراء، والألفان في آخرهما زائدتان٦ لا محالة. ووجدت بخط أبي العباس محمد بن يزيد -رحمه الله٧- يقال: "امرأة ضهياء" إذا لم يكن لها ثديان، مثل الجَدَّاء, و"الضَّهْراء" التي لا تحيض ولا ثدي لها. وحكى أحمد بن يحيى قال: الضهراء: الأرض التي لا تنبت. والضهياء: التي لا ثدي لها. وقال بعضهم: الضهياء٨: التي تحيض وهي حُبْلى. فأما قولهم: بَلْأص الرجل، فالهمزة فيه ينبغي أن تكون أصلا حتى تقوم دلالة على زيادتها، والذي رآه أبو علي من أن الياء في رهيأ٩ زائدة دون الهمزة مذهب سديد. فإن قال قائل: هلا جعل الهمزة زائدة وجعل الياء أصلا، فكانت١٠ الكلمة على هذا فَعْلَأ١١ في أمره دون فَعْيَلَ، وإن كان هذان بناءين مفقودين

стр. 111

في الأفعال، ولِمَ عدل إلى زيادة الياء دون زيادة الهمزة، وقد زيدت الهمزة فيما ذكره من قولهم: "امرأة ضَهْيَأة"، أو هلا جعل الهمزة والياء جميعا من الأصل؟ قيل: لا يجوز أن يكونا جميعا من الأصل؛ لأن الياء لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف نحو "صِيصِيَة ويَهْياه وحاحَيْتُ وعاعَيْتُ" وستراه في موضعه إن شاء الله١. فلما لم يكن بد من زيادة أحد الحرفين عُدِلَ إلى القضاء بزيادة الياء دون الهمزة؛ لأنه لو جعل الهمزة هي الزائدة دون الياء لاجتمع في قوله هذا شيئان مكروهان: أحدهما أن يكون في الأفعال مثال فَعْلَأ بوزن دحرج، والآخر زيادة الهمزة غير أول. وإذا ذهب إلى أن الياء من رهيأ هي الزائدة، فإنما في قوله هذا شيء واحد مكروه، وهو أن الفعل على فَعْيَلَ، فليس في هذا القول شيء مكروه أكثر من أنه على فَعْيل، وكلما قل المستكره كان أقيس. ومع هذا, فإنه يجعل الياء في رَهْيأ زائدة، مثلها في حِذْيَم وطريم وعثير وغريل. وفي موضع الواو من جهْور، وسرول، وجدول٢، وخِرْوَع، ونحو ذلك. فالذي٣ ذهب إليه في هذا هو القياس، والذي قبله٤ ليس بقياس، فافهم ذلك. مواضع زيادة الياء: قال أبو عثمان: وأما الياء, فإذا وجدتها ثانية وثالثة ورابعة فهي زائدة.

стр. 112

قال أبو الفتح: قد قال أبو عثمان١ هذا القول قولا٢ مرسلا غير مقيد، وليس لأحد أن يطعن فيه بقولهم: صيصية ويهيأة ونحوهما مما الياء فيه أصل؛ لأنه قد بين هو هذا القول واستثنى به في هذا الكتاب وستراه، وإنما تسامح فيه؛ لأنه معلوم الموضع وليس مما يذهب على المبتدئين, فضلا عن الأشياخ المتقدمين. وإنما يريد أبو عثمان: أنك إذا حصّلت في الكلمة ثلاثة أحرف من الأصول، ثم رأيت فيها ياء ثانية أو ثالثة فصاعدا، قضيت بزيادتها حملا على ما عُرف اشتقاقه٣؛ لأنها لم تُرَ على هذه الصفة فيما وضح أمره بالاشتقاق إلا زائدة. فعلى هذا القياس لو جاء في الكلام مثل "خَيْقَب وقِرْيَج وشَقَيْطَر" لقضيت بزيادة الياء، ولم تحتج إلى الاشتقاق. مواضع زيادة الواو: قال أبو عثمان: والواو كذلك، إلا أن الواو لا تزاد أولا البتة، وتزاد ثانية وثالثة ورابعة كالياء، إلا في أول الكلمة فإنها تفارق الياء. قال أبو الفتح: يقول: لا فصل بين الياء والواو في هذه القضية إلا في باب زيادة الياء أولا وامتناع زيادة الواو أولا. فسألت أبا علي وقت القراءة عليه فقلت له: لِمَ كان ذلك, وما الفصل بين الياء والواو في هذا الموضع؟ فقال: إنما امتنع ذلك في الواو؛ لأنها لو زِيدتْ أولا مضمومة لاطرد فيها قلبها همزة نحو: "أُقِّتَتْ" وبابه, وستراه في موضعه. ولو زيدت مكسورة أيضا, لجاز قلبها جوازا كالمطرد نحو "إسادة وإفادة

стр. 113

في وِسَادة، ووِفَادة"، ولو زيدت مفتوحة حتى تحقر الكلمة لانضم أولها فجاز قلبها همزة، يريد تحقير وزة: وُزَيْزَة، ويجوز أُزَيْزة. قال: فلما كانت زيادتها أولا تقود إلى هذا التغيير والقلب واللبس ويكون ذلك فيها أثقل؛ لأنها زائدة, رُفضت١ زيادتها أولا فلم يجز لذلك. فهذا٢ معنى قول أبي علي وقريب٣ من لفظه والأمر كما ذكر. فإن قلت: فهلا زادوا الواو في أول الفعل مفتوحة؛ لأن الفعل لا يحقر فينضم؟ قيل: لأنه إذا بُنِيَ للمفعول ولم يسم الفاعل٤, انضم أوله فجاز الهمز. فإن قيل: فكان٥ يجري مجرى "وُعِدَ، وأُعد"؟ قيل: واو "وُعد" أصل, فاحتُمل ذلك فيها وليس الزائد كالأصل. الهمزة الأصلية في أول الكلمة: قال أبو عثمان: "فأما أَوْلَق، وأيصر, وإِمَّعَة", فإن الهمزة فيهن٦ غير زائدة؛ لأنهم قد٧ قالوا: "أُلق فهو مألوق٨"، فقد تبين لك أن الهمزة من نفس الحرف, "وأيصر" أيضا٩ من نفس الحرف لقولهم في جمعه: "إصار". وقال١٠ الشاعر: ويجمع ذا بينهن الإصارا

стр. 114

وإِمَّعَة؛ لأنه ليس في الكلام إِفْعَلَة صفة، وإنما هو مثل دنمة، وهو مثل أرطى؛ لأنهم يقولون: أديم مأروط؛ إذا دُبغ بالأرطى. قال أبو الفتح: قد جمع في هذا الفصل أشياء تحتاج إلى تفصيل وشرح؛ استدل على أن الهمزة في أولق من نفس الكلمة بقولهم: أُلق فهو مألوق -يقول: فالهمزة في ألق فاء الفعل- فينبغي أن تكون في أولق كذلك, وهذا استدلال صحيح. ولمعترض بعدُ أن يعترض فيقول: ما تنكر أن يكون أَوْلَق أَفْعَلا دون فَوْعَل، وتكون الواو فيه فاء الفعل بمنزلة أَوْطَف، وأوجز؟ فإن قلت: فقد قالوا: أُلِقَ، فقد يجوز أن تكون الهمزة في ألق منقلبة عن الواو المضمومة, كأنه كان أولا: وُلِقَ، ثم قلبت همزة، كما تقول: أُعِدَ وأُزِنَ، في وُعد ووُزن، فلا تكون لأبي عثمان حجة في قولهم: أُلق؟ فالجواب عن هذه الزيادة: أنهم قد١ قالوا: مألوق، فلو كانت الهمزة في أُلق إنما هي منقلبة عن الواو في وُلق كما يدعي الخصم, لزالت في اسم المفعول لزوال الضمة الموجبة للقلب. وكانوا يقولون: "مولوق" كما يقولون: "أُعِد" فهو "مَوْعود", ولم نسمعهم قالوا: "مأْعود"؛ لزوال الضمة, فلما لم نرهم قالوا: "مولوق" استدللنا٢ بذلك على أن الهمزة في ألق ليست بمنزلة الهمزة في "أعد", بل هي أصل ثابتة غير منقلبة. فإن قال: فما تنكر أن يكون هذا من القلب اللازم كما قالوا في تكسير "عيد"

стр. 115

وتحقيره: أَعْياد, وعُيَيْد، فلم يرجعوا الواو وإن كانت الكسرة قبلها قد زالت, فكذلك ما تنكر أن يكون مألوق من البدل اللازم وإن زالت الضمة الموجبة للقلب كما زالت الكسرة من عيد في قولهم: عُييد، وأعياد ولم ترد الياء إلى الواو, كما١ قالوا: البرية، فألزموها التخفيف وأصلها الهمز, وكما قالوا: النبي، فألزموه٢ البدل في الأمر العام الشائع؟ قيل: الحمل على هذه الأشياء لا يجوز؛ لخروجها عن القياس ودخولها في الشذوذ. فينبغي إذا كان الأمر كذلك أن تسلم كما سمعت ولا تجعل أصلا يقاس عليه. وأيضا فإنا٣ قد سمعناهم يقولون: تَنَبَّأ مُسَيْلمة٤ وذكر سيبويه: أن جميع العرب تهمز هذا فتقول: تنبأ مسيلمة٤ وقد قالوا: بَرَأَ٥ الله الخلق, وقالوا أيضا: عاد يعود. فلما سمعناهم يقولون هذا دلنا ذلك على أن النبي، والبرية، وعيدا، أصلها الهمز٦ والواو, فقضينا لها بهذه الأصول لقيام الدلالة عليها. ونحن لم نسمعهم لفظوا بالواو في تصريف أَوْلَق, فنقضي بأنه من الواو دون الهمز٧. فنحن على الظاهر حتى تقوم دلالة ننزل لها عنه إلى غيره, فإن ادعى ذلك مدع لزمه الدليل عليه وكان هو المطالب به دوننا.

стр. 116

ولو جاز لمدعٍ أن يقول: إن أصل ألق: وُلِقَ من غير دلالة، ومع أن الهمزة ثابتة في تصريف الكلمة بحيث لا موجبا١ للقلب، لجاز لآخر أيضًا أن يقول: إن أصل أُخذ: وُخذ, وإن أصل أُم: وُم, وإن أصل أُكل: وُكل، من غير دلالة ولا ثَبَت. ولو جاز ذلك لخرج هذا الأمر من باب طريق العلم إلى الجهل وارتكاب ما لا حقيقة له, واعتقاد ما لا دليل عليه. وهذا موقف إذا وقفه المدعي سقطت٢ كُلْفَة الاشتغال به٢، والاحتجاج عليه، ولا قوة إلا بالله. وقد قالوا: مَأْلوق، ومُؤْلَق، ومُؤَوْلَق، فمألوق: مفعول, ومؤلق: مفعل, ومؤولق: مفوعل. وقال أبو علي: سأل مروان بن سعيد المهلبي الكسائي في حلقة يونس عن أوْلَق؟ فقال الكسائي: أفْعَل، فقال له مروان: استحييت لك يا شيخ. واستدل أبو إسحاق الزجاج على أنه لا يجوز أن يكون أَفْعل٣ ولا فَوْعلا من وَلَق يَلِق, إذا أسرع بقولهم٤: مألوق، كما ذهبت إليه. واستدل أبو عثمان على أن إِمّعة فِعّلة بأنه٥ ليس في الكلام إِفْعَلة صفة، وهذا هو استدلال سيبويه، وهو صحيح. وفيه قول آخر، وهو أنه لو كانت الهمزة في إمعة زائدة لوجب أن تكون الميم الأولى فاء والأخرى عينًا، فكانت الفاء والعين -تكونان على هذا التأويل- من موضع واحد، وهذا لا يؤخذ به لقلته.

стр. 117

وإنما جاءت منه أحرف محصورة نحو: كوكب, ودَدَن١, وستراها في مواضعها, ولا ينبغي أن يقاس عليها, فهذا وجه ثانٍ. فأما أيصر، فقولهم في جمعه: إِصَار، يدل على أن همزته فاء؛ لأنها فاء٢ في إصار، ومثاله: فِعَال. وليس يجوز أن يعترض معترض فيقول: ما تنكر أن الهمزة في إصار بدل من ياء أيصر، على أن تكون الهمزة في أَيْصر زائدة؟ ويشبه هذا بقولهم: إسادة في وِسادة؛ لأن الياء إذا انكسرت لم يجب قلبها همزة. وليس في كلام العرب اسم في أوله ياء مكسورة, إلا قولهم في اليد اليسرى: يِسار بكسر الياء، والأفصح: يَسار بفتحها. وقالوا أيضا في جمع يقظان: يِقاظ، وفي جمع يَعْر وهو الجدي: يِعَرَة، وفي جمع يابس: يِبَاس. وإنما تنكبوا ذلك عندي استثقالا للكسرة في الياء, وليست كالواو التي إذا انضمت هُمزت هربا من الضمة فيها. فلما لم يمكن فيها القلب لم يستجيزوا كسرها أولا. وقد كسرت غير أول نحو: مُغِيل، وأَسْيِرْ به، وأبْيِع به، وأبين به، وهذا مطرد في بابه؛ لأن وسط الكلمة مما تجتمع فيه الواوان, فاجتماع ياء وكسرة أولى. فأما قولهم: يَيْجَل، ويِيْجَل، ونحو ذلك، فإن أصله الفتح، وإنما كُسرت الياء لتنقلب الواو ياء, فالكسر عارض. فأما٣ أَرْطى، فقولهم: مأروط، يدل على أن همزته فاء، وقال لي

стр. 118

أبو علي: إن أبا الحسن حكى عن بعضهم: أديم مَرْطي, فالهمزة عند هؤلاء زائدة. فأولق مثل: كوثر، وإِمّعة مثل: دِنّمة، وأَيْصر مثل: خَيْفق، وأرطى مثل: عَلْقى، فيمن نوّن هذا, على قول من قال: مأروط. ومن قال: مرطي, فأرطى عنده بمنزلة أفعى، وينبغي أن تكون الألف في آخر أرطى فيمن قال: مَرْطِيّ منقلبة عن ياء؛ لأنه لو كان من الواو لقالوا: مَرْطُوّ, كما قالوا: مَغْزُوّ. وإنما مَرْطِي كمَرْمِي، ولا تحمله على قول الشاعر: وقد علمت عرسى مليكة أنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا وهو يريد: مَعْدُوا عليه, ولا على مَسْنِيَّة، وهم يريدون: مَسْنُوَّة؛ لأن هذا شاذ لا يقاس عليه، ومأروط أكثر في اللغة من مَرْطِيّ. الألف لا تكون أصلا أبدا: قال أبو عثمان: والألف لا تكون أصلا أبدا، إنما هي زائدة١ أو بدل مما هو من نفس الحرف, ولا تكون أصلا البتة في الأسماء ولا في الأفعال. فأما في الحروف التي جاءت لمعنى فهي٢ أصل فيهن. قال أبو الفتح: إنما قال أبو عثمان: إن الألف لا تكون أصلا في الأسماء، ولا في الأفعال، وإنما تكون زائدة٣ أو بدلا؛ لأنه استقرى جميع الأسماء والأفعال أو جمهورها, فلم يجد الألف فيها٤ إلا كذلك، فقضى لها بهذا الحكم. فأما الحروف, فالألف فيهن أصل, غير زائدة ولا منقلبة. والدليل

стр. 119

على ذلك أنها غير مشتقة، ولا متصرفة، ولا يُعرَف لها أصل غير هذا الذي هي١ عليه. فيجب أن تُقَرّ على ما هي عليه حتى تقوم دلالة على أنها زائدة, أو منقلبة. ولا دلالة على ذلك, فلا تكون الألف فيهن زائدة؛ لأنهن غير مشتقات, وبالاشتقاق تُعلَم الزيادة من الأصل. ولا تكون منقلبة؛ لأنه لو كانت الألف في "ما" من الواو لقالوا: مَوْ، كما قالوا: لَوْ، ولو كانت من الياء لقالوا: مَيْ، كما قالوا: كَيْ، فبَطَلَ أن تكون الألف في الحرف٢ زائدة أو منقلبة. فإن قال قائل: فهلا حملت الحروف في هذا المعنى على الأسماء والأفعال, فقضيت بأن الألف فيها بمنزلتها فيهما؟ قيل: هذا خطأ؛ وذلك أن الحروف بائنة من الأسماء والأفعال، خارجة عن أحكامهما من وجوه كثيرة يطول بذكرها الكتاب!! فليس لنا أن نحمل الشيء على الشيء وبينهما هذا البُعْد. وإنما المتجوز أن تحمل ما لم يُعرَف اشتقاقه من الأسماء على ما عُرِف اشتقاقه منها. فنقول: إنّا إذا حصّلنا ثلاثة أحرف من الأصول وجاءت الهمزة رابعة في أولها، قضينا بزيادة الهمزة حملا على ما عُرِف, فيحسن هذا منا لحملنا اسما على اسم, وكذلك الأفعال أيضا. فأما أن نحمل الحرف على الاسم والفعل على بعد ما بينهما، فخطأ, ويمنع منه أيضا أنهم لم يُميلوا "حتى" وألفها رابعة، ولو كانت منقلبة عن ياء أو واو، لكانت إمالتها مستقيمة؟

стр. 120

وأقول: إن الأسماء المبنية, والأصوات المحكية، والأسماء الأعجمية، تجري مجرى الحروف في أن الألفات فيها أصول غير منقلبة؛ لأنا إنما قضينا بأنها في الحروف غير منقلبة؛ لأنه لا يعرف لها اشتقاق، فيجب من ذلك أن يكون كل ما كان مما ذكرنا غير مشتق, أن تكون ألفه غير زائدة ولا منقلبة. فإن قلت: فهلا حملت المبنية والأعجمية على ما عرف اشتقاقه من العربية؛ لأنها أسماء مثلها؟ قيل: أما الأسماء المبنية١ فإنما٢ بُنيت لمشابهتها الحروف نحو: كَمْ، ومَنْ, وأين، ومتى, وأنى، فلما أشبهت الحروف المتضمنة هي معانيها، وكانت مثلها في أنه لا يعرف لها اشتقاق، ولا يوجد لها تصرف، كان حكمها في ذلك حكم الحروف، وكانت الألفات فيها كالألفات فيها، ألا ترى أنك لا تجد لكم، وأين، ومتى, اشتقاقا ولا تصرفا؟ وإذا كان الأمر كذلك لم يكن٣ لأحد أن يقول: إن الألف من "لكن" زائدة, ولا أنه٤ من اللكنة. ولا يجوز لآخر أن يقول أيضا: إن الألف في "متى" منقلبة عن٥ ياء ولا واو، ولا أن الألف في "إياك" منقلبة ولا زائدة. ويدلك على أن الأسماء المضمرة في حكم الحروف, أنك تجد فيها ما هو على حرف واحد نحو الكاف في "رأيتك" و"مررت بك", والياء في "مررت بي", فجرت هذه الأسماء في أنها على حرف واحد مجرى همزة الاستفهام، وواو العطف وفائه، ولو كانت كالأسماء الظاهرة المتمكنة لما جاز أن يأتي شيء

стр. 121

منها على أقل من ثلاثة أحرف: فاء، وعين، ولام, و"أنا، وأنت، وإياك" بمنزلة الكاف في "ضربتُكَ" والياء في "مررت بي"؛ لأنها مضمرة مثلها. وحُكِيَ عن بعضهم أنه سُئل عن قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ , ما معنى "إياك"؟ فقال: معناه حقيقتك، قال: واشتقاقه من "الآية" وهي العلامة التي تدل على حقيقة الشيء، فيجب على هذا القول أن تكون "إيا" فِعْلا, أو فِعِّلا، أو فِعْلَلا من الآية, وأن تكون الألف في آخرها إنما انقلبت عن الياء إن كانت لاما، أو تكون زائدة إن كانت فِعْلا. وهذا قول ساقط ليس مما يُتشاغَل بمثله؛ لأن "إياك" بمنزلة الكاف في "رأيتُك" في أنها اسم مضمر مثله. فيجب أن يكون غير مشتق، كما أن: "الكاف، وأنتَ" كذلك. وأرى أن القائل بهذا القول إنما شجّعه عليه ما حُكي عن الخليل من أنه قال: إن "إيا" اسم ظاهر خُص به المضمر. فلما سمع١ أنه ظاهر, جعله مشتقا وأخرجه عن باب المضمرات وصرّفه. وقد دل أبو علي على أن "إياك" اسم مضمر. قال: لأنه خُص بالنصب كما خُص "أنا، وأنت"٢ بالرفع. فكما أن "أنا، وأنت"٢ مضمران بلا إشكال, فكذلك "إياك" ولو كان اسما ظاهرا لما اقتُصر به على النصب ولدخله الإعراب كله, وليس ظرفا, فيلزم النصب كما لزمته "سوَى، وبُعَيدات بَيْنٍ"، ونحوهما من الظروف التي لم تستعمل إلا ظروفا، ولا

стр. 122

مصدرا فأُلزم النصب١ نحو: "سبحانَ الله، ولبَّيك، ومعاذَ الله"٢, فإذا كان الأمر كذلك٣ بَطَلَ أن يكون "إياك" مشتقا أو متصرفا. وكذلك الألف في "غاقِ" لصوت الغراب، و"جاهِ" لزجر البعير، و"حاءِ، وماءِ" في صوت الشاء٤، هي فيهن غير منقلبة؛ لأن هذه كلها بمنزلة الحروف. فإن قلت: فقد قالوا: إن وزن "ذَا" من الفعل "فَعْل", وإنه محذوف اللام وهو مع ذلك مبني لمشابهته الحروف، وألفه منقلبة عن العين الساكنة, فما٥ الفصل بينه وبين "متى"؟ قيل: إنما جاز ذلك فيه لمشابهته الأسماء المتمكنة، ألا تراه يُوصَف ويُوصَف به، ويثنى ويحقر، ويدخله كثير من أحكام الأسماء٦ المتمكنة؛ فلذلك جاز أن يمثل من الفعل. قال أبو علي: أصل بنائه فَعْل كأنه "ذَيّ", ثم حذفت اللام لضرب من التخفيف؛ لأنه من مضاعف الياء، وكأنه بقي "ذي" فقلبت ياؤه ألفا, فصار "ذا". قلت له: ما الدليل على أن عينه من الياء، ولِمَ لا يكون من باب: "طويت, وشويت"؛ لأنه أكثر من باب "حييت، وعييت"؟ فقال: لأن سيبويه حكى فيه الإمالة، فهذا٧ يدل على أنه من الياء، قال: ولم يقل فيه: "ذي" لئلا يشبه "كي" فألحق بمتى.

стр. 123

قلت له بعد ذلك بزمان: هلا قلت في "متى": إنه في الأصل "مَتَيْ" ثم قلبت ياؤه ألفا كما تقول في "ذا"؟ فقال: "ذا" أشبه الأسماء١ المتمكنة بأنه يوصف، ويوصف به, ولا يجوز ذلك في "متى". وقال في موضع آخر: إنما أُميلت "متى"؛ لأنها اسم, فدخلها ما يكون أمارة للأسماء وهو الإمالة. قال: فأما "إذا" فإنما امتنعت من الإمالة وإن كانت اسما لأنها أقعد في شبه الحرف من "متى"؛ لأنها محتاجة إلى الإضافة، مفتقرة إلى ما بعدها. وأما "مَتَى" فهي في كلا موضعيها -الاستفهام, والشرط- غير مضافة. فهي أشبه بالأسماء القائمة بأنفسها؛ ولذلك أميلت "بلى" لأنها تقوم بنفسها إذا قال القائل: "أما قام زيد؟ " قال له المجيب: "بلى", فلما حسُن الوقوف عليها أُميلت، أمارة لمشابهة الاسم فيها. قال أبو علي: وكذلك قولهم: "افعَلْ كذا وكذا إمَّا لا", فإمالتهم "لِا" من "إمَّا لا" إنما هو لأن معناه: افعلْ كذا وكذا إن كنت لا تفعل غيره. فلما حذف الفعل وأقيمت "لا" مقامه وأغنت عنه, أميلت لمشابهتها الفعل. وكذلك كان يقول في قولهم: "يا زيد": إنها٢ إنما أميلت؛ لأنها قامت مقام "أدعو، وأنادي" ولأجل الياء أيضا. وحكى قطرب عن بعضهم: "لِا أفعل كذا" ممالة. وإنما جاز هذا فيها عندي؛ لأنها قد تكون جوابا فتقوم بنفسها في نحو قولك جوابا: لهل قام زيد؟ "لِا". فلما قامت بنفسها أميلت كما قدمنا, إلا أن إمالة "بلى" أشبه من

стр. 124

إمالة "لِا"؛ لأنها على ثلاثة أحرف، فهي بالمتمكنة أشبه؛ ولهذا كتبوها بالياء. فإن قلت: فقد قالوا: "حتي" فكتبوها بالياء, وإن لم تكن١ ممالة؟ قيل: إنما كُتبت بالياء١؛ لأن ألفها وقعت رابعة. وهذا من المواضع التي تغلب عليها الياء. ولم يكتبوا "إذا" بالياء٢ وإن كانت اسما لمّا لم تكن الإمالة تحسن فيها, ولو كتبوا "كلَّا" بالياء٢ قياسا على "حتّي" لكان وجها. وكَتْبهم٣ إياها أيضا بالألف صواب٤؛ لأنه لا موجب للإمالة فيها. وكذلك أيضا لو كتبت "حتى" بالألف قياسا على "كلا" لكان صوابا, ولكل علة قائمة. وأحسبني رأيت "حتى" بالألف بخط أبي العباس. وأما٥ إمالتهم "للكِنْ" فلأجل كسرة الكاف, فأشبه ذلك إمالة "عابد، وحاتم". وإن كان ليس مثله في كل موضع فقد يشبه الشيءُ الشيءَ من وجه ولا يشبهه من وجوه. فإن أُعطي بعض أحكامه فللشبه الذي بينهما, وإن مُنِعَهُ فلما فاته من تكامل الشبه. فتأمل هذا الموضع, فإنه مُسهَّل٦ عليك كثيرا مما تستقر به في اللغة العربية, فإن أكثر من يتسكع فيها إنما يلحقه ذلك لجهله بهذا الموضع. وقد كان أبو علي يقول في قول الراجز: فهي تنوش الحوض نوشا من علا نوشا به تقطع أجواز الفَلا

стр. 125

إن الألف في "علا" منقلبة عن الواو؛ لأنه من عَلَوْتُ، وإن الكلمة في موضع مبني على الضم نحو: "قبلُ، وبعدُ"؛ لأنه يريد: نوشا من أعلاه. فلما اقتُطع المضاف من المضاف إليه، وجب بناء الكلمة على الضم نحو: "قبل، وبعد", فلما وقعت الواو مضمومة وقبلها فتحة قُلبت ألفا, وهذا مذهب حسن. وكان أيضا يقول: إن "اللاءِ" ليس محذوفا من "اللائي", قال١: لأن هذه الأسماء في حكم الحروف غير مشتقة. قال: فـ "اللاء" مثل "شاء" و"اللائي" بمنزلة "الجائي", وليس أن "اللاءِ" من "اللائي" بمنزلة "القاضِ" من "القاضي"؛ ولذلك مثّله بـ "شاء" وهو بمنزلة "باب". ويدل على أن هذه الأسماء بمنزلة الحروف, قولهم في "ذا" اسم رجل: "ذاءٌ" كما يقولون في "لا: لاءٌ". وسألت أبا علي عن قولهم: "باء، وتاء" فيمن مد لما عطف, فقلت له: أتقول٢: إن الألف منقلبة؟ فقال: نعم، أحكم عليها بأنها واو في الأصل؛ لأنها عين والهمزة لام بدل من ياء ليكون من باب "طويتُ". فقلت له: كيف٣ تجيز ذلك ونحن نعلم أن هذه الألف إنما٤ هي الألف المجهولة في "با، وتا"٥ قبل المد؟ فقال: لما صارت اسما, قضينا لها بأحكام الأسماء. ألا ترى أنا لو سمينا بـ "ضرب" لأعربناه فقلنا: "جاءني ضَرَبٌ", فنعربه وإن كان قبل التسمية غير معرب، فكذلك "يا، تا" إذا مُدت قُضي عليها بما يُقضى على الأسماء. فقيل له في الوقت: أفتجمع على الكلمة إعلالين:

стр. 126

إعلال العين، وإعلال اللام؟ فقال: قد١ جاء من هذا شيء صالح نحو: "ماءٍ, وشاءٍ" فهذا قوله. وقد نص أبو الحسن على أن "الألف"٢ من ذوات الياء، وقول أبي علي أجرى على القياس. وكذلك لو سميت رجلًا بـ "قاف" لقضيتَ بأنه من الواو. وهذا قياس قول سيبويه؛ لأنه كان يرى أن الألف إذا جاءت في موضع العين, فأكثر ما تكون من الواو. وهذا هو الصحيح؛ لأنك إذا استقريت اللغة وجدتَها في أكثر الأمر هكذا، ألا ترى إلى "بابٍ، ودارٍ، وساقٍ، وغارٍ، وتاجٍ، وصاعٍ" فهذا كله من الواو, والياء في هذا الموضع قليلة. وسألت أبا علي, فقلت له: هل يقول هذا سيبويه في الأسماء والأفعال جميعًا؟ أو في الأسماء خاصة؟ فقال: لا أعرف له نصا على الأفعال؛ ولهذا ما قال سيبويه: إنك لو نطقت بالفعل من "آتٍ" لقلت: "أُؤْتُ" بمنزلة: "قُلْتُ". فأما "ماء" فلو سميت به رجلا، لقضيت بأن ألفه من الياء؛ لأجل الإمالة فيه. وقياس قول أبي علي أن تكون من الواو. قال ذو الرمة: لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم وأنشدنا أبو علي للراجز: يدعونني بالماء ماء أسودا قال: يريد: أصبتُ ماء أسود. قال: فالألف واللام في الماء زائدتان؛ لأن الأصوات لا تدخلها الألف واللام، وليس هذا موضع هذا.

стр. 127

وقال سيبويه: إنك إذا١ سميت رجلا٢ بـ "عَلَى, ولَدَى، وإِلَى" لقلت: "عَلَوَانِ، وإلوانِ، ولدوانِ" فتثنيه بالواو؛ لأن الإمالة لا تحسن فيه٣. فهذه أحكام الأصوات والحروف في امتناع اشتقاقها وما يقتضيه القول في قبيلها. ولم أر٤ أحدا من أصحابنا٤ أشبع القول فيها هكذا. وهذا الموضع من لطيف التصريف، وفيه ما هو أكثر من هذا، ولكن الكتاب يطول به ولا يأتي على آخره. فأما الأسماء الأعجمية, ففي حكم الحروف في امتناعها من التصريف والاشتقاق؛ لأنها ليست من اللغة العربية. وإذا كان ضَرْب من كلام العرب لا يمكن فيه الاشتقاق، ولا يسوغ فيه التصريف مع أنه عربي، فالأعجمي بالامتناع من هذا أولى، وهو به أحرى؛ لبعد ما بين الأعجمية والعربية. ألا ترى أنك لا تجد لإبراهيم ولا٥ إسماعيل ونحوهما اشتقاقا ولا تصريفا، كما لا تجدهما لـ "قد، وهل. وبل" فالأمر فيهما واحد. فأما قول من يقول: إن "إبليس" من٦ قول الله٦ تعالى: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٧ ومن قول الراجز:

стр. 128

يا صاحِ هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا فخطأ منه. لو كان "إبليس" من هذا لكان عربيا؛ لأنه مشتق، ولوجب صرفه؛ لأنك لو سميت رجلا بـ "إِجْفِيل، وإخريط" لصرفته؛ لأنه لا مانع له من الصرف. وكذلك أيضا لا يجوز أن يكون "إدريس" من درست القرآن, ولا من درس من المنزل, ونحوهما، ولا يكون" يعقوب" من العقبى، ولا من العقاب, ونحوهما١؛ لأنه١ لو كان كذلك كان مشتقا عربيا, ولوجب صرفه كما تصرف "يربوعا، ويعسوبا" اسمي رجل. وإنما هذه ألفاظ أعجمية وافقت ألفاظ العرب، ألا ترى إلى قول النابغة: نُبِّئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد فلو كان هذا من قبستُ النار لانصرف؛ لأنه كان يكون بمنزلة "جارود" من الجرد، و"عاقول" من العقل. وإذا كان الأمر كذلك، فليس لأحد أن يقول: إن "إبراهيم، وإسماعيل" لهما مثال من الفعل، كما لا يمكنه ذلك في: "إِنّ، وثُمَّ، وقد، وسوف" وما أشبه ذلك. ولكن يقال: إن هذه الأسماء لو كانت من كلام العرب, لكان من٢ حكمها كَيْتَ وكَيْتَ، كما أن "سوف, وحتى" لو سمي بهما, لكان من أمرهما كيت وكيت. ولم يُرِد أبو عثمان بقوله: "إن الألف لا تكون في الأسماء والأفعال إلا زائدة أو منقلبة" أنها تكون كذلك في جميع الأسماء، وإنما أراد الأسماء العربية المتصرفة. وقد شرحت هذا في أول الكتاب, وأراد جميع الأفعال؛ لأنها متصرفة مشتقة من مصادرها.

стр. 129

الميم في أول الكلمة زائدة: قال أبو عثمان: وأما الميم إذا كانت أولا, فهي زائدة بمنزلة الهمزة والياء؛ لأن الميم أولا نظيرة الهمزة. قال أبو الفتح: يقول: لا فصل بين الميم والهمزة إذا وقعتا أولا، فمتى وجب في الهمزة أن تكون زائدة ووقعت١ الميم موقعها, فاقض بزيادتها. الميم في مَعَدّ أصل, وليست زائدة: قال أبو عثمان: فأما معد، فالميم فيه من نفس الحرف لقول العرب: تَمَعْدَدَ، فإن قال قائل: فقد جاء مثل تمسكن؟ فإن هذا غلط وليس بأصل, وقد قالوا: "تَمَدْرَعَ"، والجيدة العربية "تَدَرَّعَ، وتَسَكَّنَ" وهو كلام أكثر العرب. وأنشد أبو زيد: ربّيتُهُ حتى إذا تَمَعْدَدَا كان جزائي بالعصا أن أُجلدا قال أبو الفتح: اعلم أنه إنما كان "معد" من معنى "تمعدد"؛ لأن "تمعدد" تكلَّم بكلام معد أي: كبر وخطب، هكذا كان أبو علي يقول. ومنه قول عمر٢, رضي الله عنه٢: "اخْشَوْشِنُوا وتَمَعْدَدُوا" قال أحمد بن يحيى: "تمعددوا" أي: كونوا على خُلُق مَعَدّ. فإذا كانت الميم في تمعدد فاء فهي

стр. 130

في "مَعَدّ" فاء. قال: ولا تنظر إلى "تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ" فتقول: أحمل "تمعدد" على أنه تَمَفْعَلَ بمنزلة "تمدرع", وأجعل "مَعَدًّا" مَفْعَل؛ ًا لأن "تمدرع" قليلة, والجيدة "تدرّع، وتسكّن". فأما قول العامة: تمخْرق، فينبغي أن يكون لا أصل له, وإن١ كان قد جاء عن العرب فهو بمنزلة تمسكَن في الشذوذ, والجيدة: متخرّق؛ لأنهم يقولون: "تَخَرَّقَ فلان بالمعروف" ولم نسمعهم يقولون: "مَخْرَقَ", وإنما٢ هو من الخِرْق وهو الكريم من الرجال، إلا أن بعض أصحابنا قد حكى "مَخْرَق" وليس بالقوي, فأما٣ ما أنشده من قوله: كان جزائي بالعصا أن أجلدا ففيه نظر؛ وذلك أن معناه: كان جزائي أن أجلد بالعصا, فإن قدّمه على هذا التقدير فخطأ؛ لأن الباء في صلة أَنْ، ومحال تقديم شيء من الصلة على الموصول, ولكنه جعل الباء تبيينا. ونظيره قول الشاعر, أنشده أبو العباس: تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلِيَ هذا بالرحى المتقاعس معناه: المتقاعس بالرحى، ولكن الباء إذا قُدِّمت فهي تبيين, ولو كانت من الصلة لما جاز تقديمها٤ على الألف واللام من المتقاعس, ولكنها تفيد ما تفيد إذا كانت في الصلة. وأنشد أبو العباس أيضا: وإني امرؤ من عصبة خندفية ... أبت للأعادي أن تذل رقابها معناه: أبت أن تذل رقابها للأعادي. فلو كانت اللام من الصلة لما جاز البيت لبطلان جواز تقدم الصلة أو شيء منها على الموصول. وقال الله تعالى:

стр. 131

وهو أصدق قيلا: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ١, معناه٢: من الزاهدين فيه. ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ ٣, معناه: من القالين لعملكم, و ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ٤, معناه: من الناصحين لكما. ولكنه لما قدمه جعله تبيينا وأخرجه عن الصلة. ومعنى التبيين: أن تعلقه بما يدل عليه معنى الكلام ولا تقدره في الصلة؛ لأن معنى: كان جزائي بالعصا أن أجلدا: جلدي بالعصا. ومعنى: أبت للأعادي أن تذل رقابها لا تذل رقابها للأعادي. وكذلك٥ الباقي كله لا يمتنع أن تقدر فيه مثل٦ هذا التقدير. فإذا٧ فعلت هذا، سَلِمَ لك اللفظ والمعنى, ولم تقدم شيئا عن موضعه الذي هو أخص به، ولا يجوز زواله عنه. وليس يمتنع٨ أن يكون تفسير المعنى مخالفا لتقدير الإعراب، ألا ترى أن معنى قولهم: "أهلَكَ والليلَ": الْحَقْ بأهلك قبل الليل, وإنما تقديره في الإعراب: الحق أهلك وسابق الليل. وكذلك٩ أيضا يكون معنى الكلام: "كان جزائي أن أجلد بالعصا", وتقديره في الإعراب غير ذلك. وسيبويه كثيرا ما يمثل في كتابه على المعنى, فيتخيل من لا خبرة له أنه قد

стр. 132

جاء بتقدير الإعراب فيحمله في الإعراب عليه وهو لا يدري, فيكون مخطئا وعنده أنه مصيب, فإذا نُوزع في ذلك قال: هكذا قال سيبويه وغيره. وإذا تفطّنت لهذا في "الكتاب", وجدته كثيرا, وأكثر ما يستعمله في المنصوبات في صدر الكتاب؛ لأنه موضع مشكل وقلما يهتدى له. الميم في مِعْزى أصل: قال أبو عثمان: والمعزى أصله أعجمي, ولكن قد أُعرب وجعلت العرب ميمه من نفس الحرف فقالوا: مَعَز. قال أبو الفتح: اعلم أن الأسماء الأعجمية النكرات التي دخل١ عليها الألف واللام قد أعربتها العرب واستعملتها استعمال أسمائها العربية. وذلك أنها تمكّنت عندهم؛ لأنها أسماء الأجناس وهي الأول, وتدخل عليها الألف واللام؛ فجرت لذلك مجرى رَجُل وفَرَس. ولذلك٢ لم يمنعها من الصرف إلا٣ ما يمنع العربي؛ لأنها قد جرت مجراه، نحو: ديباج، وفِرِنْد، وزنجبيل، ولجام, وما كان مثلها. فلو سميت رجلا بديباج أو فرند لصرفته٤؛ لأن العجمة فيه غير معتد بها, فجرت لذلك مجرى زيد وعمرو وبكر في أنها منقولة من أسماء الأجناس. قال أبو علي: ويدل على أنهم قد أجروها مجرى العربي, أنهم قد اشتقوا منها كما يشتقون من العربي. قال رؤبة:

стр. 133

هل يُنجيني حلف سِخْتِيت أو فضة أو ذهب كِبْرِيت قال: فسختيت من: السَّخْت١ وهو الشديد, بمنزلة زِحْلِيل من زَحْل. فأما الأعجمية التي لا يجوز دخول الألف واللام عليها نحو: إبراهيم وإسماعيل، فإنها تباعدت من كلامهم فثقُلت, فمُنعت الصرف في المعرفة. و"معزى" اسم نكرة؛ فلذلك جرى مجرى العربي عندهم حتى قالوا فيه: "مَعَزٌ". فهذا معنى قول أبي عثمان: ولكن قد أُعرب، ألا ترى إلى اشتقاقهم منه "معز" وإدخالهم عليه الألف واللام وإلحاقهم إياه بهِجْرَع؟ زيادة الألف والنون في آخر الكلمة: قال أبو عثمان: وكل ما وجدت في آخره ألفا ونونا مما لم يشتق منه ما يذهب فيه, فهي زائدة. قال أبو الفتح: يقول: إذا وجدت كلمة في صدرها ثلاثة أحرف من الأصل، وفي آخرها ألف ونون، فاقضِ بزيادة الألف والنون وإن لم تعرف الاشتقاق؛ لكثرة ما جاءتا زائدتين فيما عرف اشتقاقه نحو: "سِرْحان، وسَعْدان". وليس يريد أنك كلما وجدت اسما في آخره ألف ونون قضيت بزيادتهما. هذا خطأ، ألا ترى أن النون في فَدَان، وعِنَان، وسِنَان لام وليست زائدة. وكذلك إن كانت الكلمة مكررة، حكمتَ بأن النون غير زائدة؛ لأنه لو جاء في كلامهم نحو: "جَنْجان، وقَنْقان" لكان قياسه أن يكون بمنزلة:

стр. 134

"خَضْخاض, وقَمْقام", ولا تجعل النون زائدة؛ لأنك لو فعلت ذلك للزمك أن تجعل "جنجانا" من باب سَلِسٍ وقَلِقٍ من ذوات الثلاثة، كأنه في التقدير: "جَنْج, وقَنْق" ثم زيدت الألف والنون. وهذا بعيد؛ لأن باب "قلقلت، وصلصلت" أكثر من باب "سَلِسَ، وقلق". وكذلك لو جاء شيء نحو "رُمّان، ومُرّان" لم تقض بزيادة النون إلا بثبت؛ لأنه يجوز أن تكون النون أصلا، وإن قضيتَ بزيادة نونه بغير ثبت فهو وجه، ألا ترى أن في الحديث: "أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ فقال لهم: "من أنتم؟ " فقالوا١: نحن بنو غيان، فقال لهم: "بل أنتم بنو رشدان" "، أفلا تراه ﵇ كيف تكرّه لهم هذا الاسم؛ لأنه جعله من الغي. يدل على ذلك قوله: "بل أنتم بنو رشدان"؛ لأن الرشد ضد الغي. فقد دل هذا من مذاهب العرب على أنه إذا جاءك مضاعَف في آخره ألف ونون نحو: "رمان, وعدان, وإبان" فسبيلك٢ أن تحكم فيه٣ بزيادة النون. فأما مران، فحكى سيبويه فيه٤ عن الخليل أن النون فيه من الأصل، وذهب إلى أن اشتقاقه من المَرَانة وهي اللين, فجرى عنده مجرى حُمَّاض من الحموضة. فما كان من هذا النحو يُحتاج فيه إلى الاشتقاق ولا يقضى عليه٥ بشيء إلا بثبت. فأما ما كان من باب "سرحان، وسعدان" مما تحصل في صدره ثلاثة أحرف من الأصل، فاحكم بزيادة النون من آخره حتى تقوم دلالة على أنها من الأصل.

стр. 135

فأما ما قامت عليه دلالة: فـ "دِهْقان" نونه لام؛ لأنهم قد١ قالوا: "تَدَهْقَنَ" و"شَيْطان"؛ لأنهم قد٢ قالوا: "تَشَيْطن" وليس في كلامهم "تَفَعْلَنَ" فالنون فيه لام. فأما "تدهّق، وتشيّط" فليسا في قوة "تدهْقن، وتشيْطن" هكذا قال أبو علي, وإنما دفعه من طريق الرواية, فيسلم٣ له. فأما٤ دُكّان فله اشتقاقان، قالوا: "دَكَنت الشيء أدكنه دَكْنا": إذا نضدت بعضه فوق بعض، و"دكّنته تدكينا" حكى ذلك ابن دريد قال: ومنه اشتقاق الدكان, قال٥: وهو عربي صحيح. قال: وسمعت أبا عثمان الأشنانداني يقول: قال الأخفش: الدكان مشتق من قولهم: "أكمة دَكّاء" إذا كانت منبسطة, و"ناقة دكاء" إذا افترش سنامها في ظهرها. كما اشتقوا عثمان من العَثْم, فالنون على هذا القول في دكان زائدة, وهي في القول الأول أصل٦. فهذا تفصيل ما أجمله أبو عثمان في هذا الفصل وقد تعجرف فيه، ولكنه كان يخاطب به٧ من يثق بفهمه ومعرفته. مواضع زيادة النون حشوا: قال أبو عثمان: وكلما وجدت النون في مثال لا يكون للأصول, فاجعلها زائدة نحو: "كَنَهْبُل"؛ لأنه ليس في الكلام مثل "سَفَرْجُل", وكذلك "قَرَنْفُل" النون فيه زائدة، ومثل ذلك: "جُنْدَب, وعُنْصَر، وقُنْبَر"؛ لأنه

стр. 136

ليس في الكلام مثل١: "جُعْفَر", فهذا بمنزلة ما اشتققت منه ما تذهب فيه النون. قال أبو الفتح: قوله: فاجعلها زائدة, يقول: احكم بهذا من طريق القياس لا من قبل السماع، فإن انضاف إلى القياس السماع فما لا نهاية وراءه. فمثال "كنهْبُل فَنَعْلُل"؛ لأنه ليس في الأصول مثل "سفرجُل", فمن ها٢ هنا قضي بزيادتها. ولو كانت الباء من كنهبل مفتوحة لكانت النون أصلا؛ لأنه لما انفتح رابعه صار كسفرجَل. وهذا إنما يُقضَى به على النون إذا كانت مع أربعة أحرف ولم تكن ثالثة ساكنة، فإن كانت ثالثة ساكنة والكلمة على خمسة أحرف قضي بزيادتها، وإن كانت الكلمة على مثال الأصول، وذلك نحو "جَحَنْفَل" تجعل النون فيه زائدة؛ لأنها ثالثة ساكنة، فهذا وجه. وفيه وجه آخر, وهو أنه الكثير بمعنى الجَحْفَل وهو الجيش الكثير، ولو لم نعلم أنه بمعنى الجحفل؛ لكان القياس أن تكون نونه زائدة لما ذكرت لك. فأما قَرَنْفُل, فينضم٣ إلى أنه ليس على مثال الأصول أن نونه ثالثة ساكنة, فقد وضح أمره في زيادة نونه من وجهين. وإذا كان الأمر كذلك, فقد كان القياس في "عَنْتَرِيس" أن تكون نونه أصلًا؛ لأنها واقعة موقع العين من جَعْفَلِيق، ولكن القياس أوجب زيادتها؛ لأنها عند سيبويه من العَتْرسة وهي الشدة، والعنتريس: هي الناقة الشديدة، فمن هنا كانت زائدة. فإن قال قائل٤: ولِمَ صارت النون إذا وقعت ثالثة ساكنة في كلمة على خمسة أحرف, استحقت الزيادة؟

стр. 137

قيل: لأنها وقعت موقعا تكثر فيه الألف والواو والياء الزوائد نحو ألف الجمع في مَفَاعِل، وياء التحقير في مُفَيْعِل. وكذلك١: "عُذافر، وسُمَيْدَع، وفَدَوْكَس". فلما وقعت موقعا تكثر فيه حروف اللين الزائدة, وهي في الأصل من حروف الزيادة٢؛ قضي بزيادتها مع كثرة ما يَضِح من٣ أمرها بالاشتقاق أنها زائدة. ولو جاء شيء مثل: "خَزَنْزَنَ، وفدندن" جاز فيه عندي أمران: أحدهما: أن تكون نونه الثالثة زائدة وتجعل الزايين والدالين عينين مكررين وتجعله من باب "هَجَنْجل، وعقنقل، وسجنجل" فيكون فَعَنْعَلًا. والآخر: أن يكون الحرفان الرابع والخامس مكررين بمنزلة تكرير٤ حاء٥ صَمَحْمح, وكاف٦ دمكْمك، فتكون النون أصلا؛ لأنها لام٧ بمنزلة حاء صمحمح وكاف دمكمك الأوليين، فيكون فَعَلْعَلًا, والأمران عندي معتدلان. وإنما اعتدلا؛ لأن بإزاء كثرة باب صمحمح، ودمكمك وزيادته على باب "عقنقل، وعصنصر" أن النون ثالثة ساكنة، والكلمة خمسة أحرف، فقام أحد السببين بإزاء الآخر، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لتغليب أحدهما على الآخر موجب، فإن جاء الاشتقاق بشيء عُمل عليه وتُرك القياس. وقوله: وكذلك "جُنْدَب، وعنصر، وقنبر" يقول: إنك إنما جعلت النون في كَنَهْبُل زائدة؛ لأنه ليس في الأسماء مثل "سَفَرْجُل" فيلزم من هذا

стр. 138

أن تكون النون في "جُنْدَب" زائدة؛ لأنه ليس في الكلام مثل "جُعْفَر". فهذا على مذهب سيبويه؛ لأنه ليس عنده أن في الأصول مثال "فُعْلَل". فأما أبو الحسن، فقال أبو علي: إن قياس قوله أن تكون النون في "جندب" وبابه من الأصل حتى تقوم دلالة على زيادتها؛ لأنه قد حكي عنهم: "جُخْدَب" بفتح الدال, وقد ذكرت هذا فيما مضى من الكتاب. قال: ولا حجة له في قولهم: "جُؤْذَر"؛ لأنه أعجمي، فإن كان الجندب من الجدب -لأنه مما يصحبه- فالنون فيه زائدة غير ملحقة على مذهب سيبويه، وهي زائدة ملحقة على مذهب أبي الحسن. وأما عُنْصَر: فيجوز عندي أن يكون من: عصرتُ الشيء؛ لأن العُنْصُر هو أصل الشيء. وإذا عُصِرَ الشيء فكأنه يرجع إلى أصله وجوهره بما يلحقه من شدة العصر. ومثل هذا قولهم في التهدد بالشر: "والله لأرُدَّنَّكَ إلى أصلك" أو لأن الإنسان١ من عصارة أبيه. فهذا من طريق الاشتقاق, والقياس أيضا يوجب زيادتها بغير اشتقاق. وأما قُنْبَر: فيضاف فيه إلى القياس, أنهم قد قالوا فيه: "قُبَّر" والمعنى واحد. قال الراجز: يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجوّ فبيضي واصْفِري وقوله: "فهذا بمنزلة ما اشتققت منه ما تذهب فيه النون". يقول: إن لم يوجد في الأصول بناء "سَفَرْجُل وجُعْفَر" "فهذا"٢ بمنزلة وجدانك اشتقاق هذا بغير نون.

стр. 139

زيادة التاء آخرا: قال أبو عثمان: والتاء تزاد في: مَلَكُوت، وجَبَرُوت، وعنكبوت، وتَرْنَمُوت. قال أبو الفتح: "أما ملكوت" فمن الملك, "وجبروت" من التجبر. فالتاء فيهما زائدة، ومثالهما "فَعَلُوت" ونظيرهما: "رَغَبُوت، ورَحَمُوت", وقد قالوا: "رَغَبُوتى، ورحموتى"، ومثالهما "فَعَلوتى". فأما قول لبيد: بأحزة الثَّلَبُوت يربأ فوقها ... قفر المراقب خوفها آرامها فقياس التاء أن تكون فيه أصلا؛ لأنها في موضع السين من قَرَبُوس، وقَرَقُوس. فإن١ قلت: أحمله على باب "جَبَرُوت، وملكوت، ورغبوت, ورحموت" وما أشبه ذلك لكثرته؟ فهو قول وليس بالقوي. وأما "عنكبوت" فيدل على زيادة تائه, قولهم في معناه: العَنْكَب, والعنكباء. وأما "تَرْنَمُوت" فيدل على زيادة تائه أيضا٢ أنه بمعنى الترنم. قال الراجز: تجاوب القوس بترنموتها أي: بترنمها٣. ويروى: تجاوب الصوت٣. ومثال عنكبوت: فَعْلَلُوت. ومثال تَرْنَموت: تَفَعْلوت.

стр. 140

زيادة الياء والألف في يَهْيَرَّى: قال أبو عثمان: "ويهيرى" الألف للتأنيث والياء التي في أوله زائدة؛ لأنهم قالوا: "يَهْيَر" فخففوا١. قال أبو الفتح: وجه الاستدلال في هذا أنهم قد٢ قالوا: يَهْيَرٌ بمعنى يهيرَّى, فيَهْيَر: يَفْعَل. وليس يخلو من أن يكون "يَفْعَلا، أو فَعْيَلا، أو فَعْلَلا". فلا يجوز أن يكون فَعْيلا؛ لأنه ليس في الكلام فَعْيَل، إنما هو مكسور٣ الفاء نحو "حِذْيَم، وعثير". ولا يجوز أيضا أن يكون فَعْلَلا؛ لأن الياء لا تكون أصلا في ذوات الأربعة على هذه الصفة. فإن قلت: أجعله مكررا من باب "يَهْياه" فمحال؛ لأن اللامين في يهياه بلفظ الفاء والعين, بمنزلة "صَلْصل، وقلقل". وكذلك "الوَحْوَحة، والوزوزة" الحرفان الأولان بلفظ الآخرين. وليس كذلك"يهير" لاختلاف الراء والهاء. ولو كان "يَهْيَه" لكان ذلك٤ كذلك لعمري! فأما على هذا اللفظ فلا. ولا يجوز أن يكون "يَهْيَر" فَعْلَلا أيضا على أن تجعله من باب "زهزق، ودهدق" وتقول: اختلف الثاني والرابع كما اختلفا في "زهزق، ودهدق"؛ لأنا لم نر الياء ولا الواو جاءتا أصلين فيما اتفق أوله وثالثه واختلف ثانيه ورابعه

стр. 141

نحو باب "زَهْزَق" كما جاءتا أصلين في باب "صَلْصَلَ، وقَلْقَلَ" نحو "وَحْوَحَ، ووزوز، ويهياه، ويليل" فإذا١ لم يجز أن يكون يَهْيَر فَعْلَلا، ولا فَعْيَلا بقي أن يكون يَفْعَلا بمنزلة "يَرْمَع، ويَعْمَلَة" وإذا كانت الياء زائدة في "يهير" وهو بمعنى "يهيرّى" كانت الياء أيضا في يهيرى زائدة؛ لأن اللفظ والمعنى متفقان. فهذا وجه استدلاله، وفيه غموض ولم يفصح به. وقد قالوا: يهيرّ, فتثقل الراء، قال الراجز: أشبعت راعيّ من اليهيرّ فظل٢ يبكي حبطا بشر خلف استه مثل نقيق الهر وقد أنشد أيضا: أشبعت راعي من اليهيرى بالألف. الميم في مهدد أصل: قال أبو عثمان: "ومَهْدَد" الميم فيه أصل؛ لأنها لو كانت زائدة لكانت مَهَدّا٣؛ لأن مَفْعَلا من المضاعف يجيء مدغما نحو "مَرَدّ, ومسدّ". قال أبو الفتح: يقول: فظهور الدالين يدل على أنه فَعْلَل بمنزلة "قَرْدَد". فإن قال قائل: فقد قالوا: "مَحْبَب", فبينوا وهو مَفْعَل؛ لأنه من الحب، فما تنكر أن يكون "مهدد" أيضا مَفْعَلا من الهدّ؟

стр. 142

قيل: "محبب" شاذ لا يقاس عليه، وقياس مَحَبّ كمَرَدّ, ومَسَدّ. ولكن الأسماء الأعلام قد تغير كثيرا عما١ عليه غيرها مما ليس علما نحو قولهم: "رجاء بن حيوة، وثُهَلُل ومَزْيد، ومَكْوزة، ومعديكرب, ومَوْهب، وموظب, ومورق" وغير ذلك. وقياس حيوة: حية، وثهلل: ثَهَلّ، ومزيد: مَزَاد, ومكْوَزة: مكازة، ومعديكرب: معدي كرب؛ لأن ما اعتل لامه لم يبن منه مَفْعِل -بكسر العين- إنما يجيء مفتوح العين نحو المشتى والمغزى والمحيا والمرمى, ولا يقولون: المشتِي ولا المغزِي ونحوهما. وقياس "مَوْهَب، ومورق، وموظب: مَوْهِب، ومورق، وموظب"؛ لأن ما كانت فاؤه واوا بابه أن يجيء على مفعل -بكسر العين- لا فتحها نحو "موضع، وموعد". وحكى الكوفيون "موضعا" بفتح الضاد, وأحرفا أخر وهو شاذ. فلما كانت الأعلام قد تغير كثيرا عما عليه أكثر الأسماء, وكان "محبب" علما، جاز٢ فيه إظهار التضعيف كما جاز في غير٣ ما ذكرنا. فإن قال قائل: فإن "مهددا" اسم٤ علم، وهو اسم امرأة، قال الأعشى: وما ذاك من عشق النساء٥ وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا٦ فما تنكر أن يكون مَهْدَد، مثل: مَحْبَب، إذ هو عَلَم مثله فيكون حينئذ مَفْعَلا؟ قيل: إنما قلنا في محبب: إنه مَفْعَل؛ لأنه من الحب لا غير٧. وهذا

стр. 143

كتسميتهم حبيبا ومحبوبا ونحوهما. وليس في "مهدد" ما يدل على أنه من الهد دون المهد, فيقضى بأنه مَفْعَل، ولا يترك الظاهر إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل هنا. بل إظهارهم الدالين يدل على أنه فَعْلَل، فيكون اشتقاق هذا الاسم من المِهاد. ومهّدت الشيء، كأن المرأة سميت بذلك؛ لأنها ممهدة المودة، وطيئة الأخلاق, فيكون قريبا من تسميتهم إياها بسعدة من المساعدة, ومطيع من الطاعة، ووصال من المواصلة, فهذا أشبه، مع إظهار الدال من أن يكون من الهد, ولا أعرف في الكلام تصريف "محب"١, فيكون مَحْبَب فَعْلَلا منه. فإن قلت: ولِمَ جاز في الأعلام هذا التغيير كله؟ قيل: لأنها كثيرة٢ الاستعمال، معروفة المواضع٣، والشيء إذا كثر استعماله, وعرف موضعه، جاز فيه من التغيير ما لا يجوز في غيره، نحو: "لا أدْرِ، ولم يكُ٤, ولا تُبَلْ" وغير ذلك. وليس كذلك ما كان مجهولا قليل الاستعمال. ولما غُيِّرت الأعلام في ذواتها، جاز أن تغير في إعرابها. فمن هنا جاز في الحكاية "مَنْ زيدا، ومَنْ زيد؟ " ولم يجز ذلك في الرجل والغلام ونحوهما٥ مما ليس بعَلَم٦. هكذا قال أبو علي وهو الصواب.

стр. 144

الزوائد لا تلحق أول بنات الأربعة إلا إذا كانت مشتقة: قال أبو عثمان: واعلم أن الزوائد١ لا تلحق أول بنات الأربعة إلا الأسماء من أفعالهن، نحو: "مُدَحْرَج، ومدحرِج". قال أبو الفتح: إنما لم تلحق الزوائد بنات الأربعة من أوائلهن إلا ما كان جاريا على "فِعْل" لقلة الزوائد في بنات الأربعة أصلا؛ لأنه ليس لها تصرف ذوات الثلاثة وكثرتها. ولما كانت ذوات الثلاثة مع تصرفها لم يجئ فيها ما اجتمع في أوله زائدان إلا حرفان، وهما "انْقَحْل، وانْزَهْو"؛ لأن أول الكلمة لا تتمكن فيه الزيادة إلا ما كان جاريا على فعل نحو "منطلِق، ومستخرج" رُفضت الزيادة في أول بنات الأربعة أصلا, إلا ما كان جاريا على فعل نحو: "مدحرج". وإنما كان ذلك في الأفعال وما جرى عليها من الأسماء سائغا؛ لأنها في الزيادة أسوغ، وإليها أقرب. ويدل٢ على أن أول الكلمة لا تليق به الزيادة كما تليق بوسطه وآخره: امتناعهم من زيادة الواو أولا, وزيادة الواوين في نحو: "عَطَوّد، وكروس، واخْرَوّط, واعلوط". وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن تكون الهمزة في: "إصْطبل" أصلا، وتكون الكلمة خماسية؛ لأن الكلمة لم تجر على فعل. وهذا قول سيبويه وأبي الحسن. وكذلك كان يقول في همزة "إبراهيم، وإسماعيل" وما كان نحوهما مما اجتمع

стр. 145

فيه أربعة أحرف من الأصول سوى الهمزة: إن الهمزة في أوله أصل، بخلاف ما يذهب إليه الكوفيون وهو القياس. الياء في يَسْتَعُورٍ أصل: قال أبو عثمان: فأما مثل "يَسْتَعُورٍ" فهو بمنزلة "عَضْرَفُوط"؛ لأن الياء من نفس الحرف لما ذكرت لك. قال أبو الفتح: قوله: لما ذكرت لك, يريد: لأن الزوائد لا تلحق بنات الأربعة من أوائلها إلا الأسماء من أفعالهن, وقد مضى هذا. و"يستعُورٌ" ليس بجارٍ على فعل, وليس لقائل أن يقول: إن السين والتاء هنا١ زائدتان ولا إحداهما؛ لأن هذا ليس من مواضع زيادتهما، وستراه إن شاء الله. فلذلك مَثّل "يستعورًا بعضرفوط"٢, وجعل الياء كالعين٣. فأما من قال: إن مثال "يستعُور: يَفْتَعُول" فلا يدري من صنعة التصريف شيئا، وإنما هو فيه٣ هاذ!! الميم في مَنْجَنُونٍ أصل: قال أبو عثمان: "ومنجنون" كذلك. قال أبو الفتح: يقول: إن٤ الميم في "منجنون" أصل، فهذا معنى قوله: "ومنجنون" كذلك, وليس يريد أن منجنونا من ذوات الخمسة مثل
следующие страницы →