نحو باب "زَهْزَق" كما جاءتا أصلين في باب "صَلْصَلَ، وقَلْقَلَ" نحو "وَحْوَحَ، ووزوز، ويهياه، ويليل" فإذا١ لم يجز أن يكون يَهْيَر فَعْلَلا، ولا فَعْيَلا بقي أن يكون يَفْعَلا بمنزلة "يَرْمَع، ويَعْمَلَة" وإذا كانت الياء زائدة في "يهير" وهو بمعنى "يهيرّى" كانت الياء أيضا في يهيرى زائدة؛ لأن اللفظ والمعنى متفقان.
فهذا وجه استدلاله، وفيه غموض ولم يفصح به. وقد قالوا: يهيرّ, فتثقل الراء، قال الراجز:
أشبعت راعيّ من اليهيرّ
فظل٢ يبكي حبطا بشر
خلف استه مثل نقيق الهر
وقد أنشد أيضا:
أشبعت راعي من اليهيرى
بالألف.
الميم في مهدد أصل:
قال أبو عثمان: "ومَهْدَد" الميم فيه أصل؛ لأنها لو كانت زائدة لكانت مَهَدّا٣؛ لأن مَفْعَلا من المضاعف يجيء مدغما نحو "مَرَدّ, ومسدّ".
قال أبو الفتح: يقول: فظهور الدالين يدل على أنه فَعْلَل بمنزلة "قَرْدَد".
فإن قال قائل: فقد قالوا: "مَحْبَب", فبينوا وهو مَفْعَل؛ لأنه من الحب، فما تنكر أن يكون "مهدد" أيضا مَفْعَلا من الهدّ؟
стр. 142
قيل: "محبب" شاذ لا يقاس عليه، وقياس مَحَبّ كمَرَدّ, ومَسَدّ. ولكن الأسماء الأعلام قد تغير كثيرا عما١ عليه غيرها مما ليس علما نحو قولهم: "رجاء بن حيوة، وثُهَلُل ومَزْيد، ومَكْوزة، ومعديكرب, ومَوْهب، وموظب, ومورق" وغير ذلك. وقياس حيوة: حية، وثهلل: ثَهَلّ، ومزيد: مَزَاد, ومكْوَزة: مكازة، ومعديكرب: معدي كرب؛ لأن ما اعتل لامه لم يبن منه مَفْعِل -بكسر العين- إنما يجيء مفتوح العين نحو المشتى والمغزى والمحيا والمرمى, ولا يقولون: المشتِي ولا المغزِي ونحوهما.
وقياس "مَوْهَب، ومورق، وموظب: مَوْهِب، ومورق، وموظب"؛ لأن ما كانت فاؤه واوا بابه أن يجيء على مفعل -بكسر العين- لا فتحها نحو "موضع، وموعد". وحكى الكوفيون "موضعا" بفتح الضاد, وأحرفا أخر وهو شاذ.
فلما كانت الأعلام قد تغير كثيرا عما عليه أكثر الأسماء, وكان "محبب" علما، جاز٢ فيه إظهار التضعيف كما جاز في غير٣ ما ذكرنا.
فإن قال قائل: فإن "مهددا" اسم٤ علم، وهو اسم امرأة، قال الأعشى:
وما ذاك من عشق النساء٥ وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا٦
فما تنكر أن يكون مَهْدَد، مثل: مَحْبَب، إذ هو عَلَم مثله فيكون حينئذ مَفْعَلا؟ قيل: إنما قلنا في محبب: إنه مَفْعَل؛ لأنه من الحب لا غير٧. وهذا
стр. 143
كتسميتهم حبيبا ومحبوبا ونحوهما. وليس في "مهدد" ما يدل على أنه من الهد دون المهد, فيقضى بأنه مَفْعَل، ولا يترك الظاهر إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل هنا. بل إظهارهم الدالين يدل على أنه فَعْلَل، فيكون اشتقاق هذا الاسم من المِهاد. ومهّدت الشيء، كأن المرأة سميت بذلك؛ لأنها ممهدة المودة، وطيئة الأخلاق, فيكون قريبا من تسميتهم إياها بسعدة من المساعدة, ومطيع من الطاعة، ووصال من المواصلة, فهذا أشبه، مع إظهار الدال من أن يكون من الهد, ولا أعرف في الكلام تصريف "محب"١, فيكون مَحْبَب فَعْلَلا منه.
فإن قلت: ولِمَ جاز في الأعلام هذا التغيير كله؟
قيل: لأنها كثيرة٢ الاستعمال، معروفة المواضع٣، والشيء إذا كثر استعماله, وعرف موضعه، جاز فيه من التغيير ما لا يجوز في غيره، نحو: "لا أدْرِ، ولم يكُ٤, ولا تُبَلْ" وغير ذلك. وليس كذلك ما كان مجهولا قليل الاستعمال.
ولما غُيِّرت الأعلام في ذواتها، جاز أن تغير في إعرابها. فمن هنا جاز في الحكاية "مَنْ زيدا، ومَنْ زيد؟ " ولم يجز ذلك في الرجل والغلام ونحوهما٥ مما ليس بعَلَم٦.
هكذا قال أبو علي وهو الصواب.
стр. 144
الزوائد لا تلحق أول بنات الأربعة إلا إذا كانت مشتقة:
قال أبو عثمان: واعلم أن الزوائد١ لا تلحق أول بنات الأربعة إلا الأسماء من أفعالهن، نحو: "مُدَحْرَج، ومدحرِج".
قال أبو الفتح: إنما لم تلحق الزوائد بنات الأربعة من أوائلهن إلا ما كان جاريا على "فِعْل" لقلة الزوائد في بنات الأربعة أصلا؛ لأنه ليس لها تصرف ذوات الثلاثة وكثرتها.
ولما كانت ذوات الثلاثة مع تصرفها لم يجئ فيها ما اجتمع في أوله زائدان إلا حرفان، وهما "انْقَحْل، وانْزَهْو"؛ لأن أول الكلمة لا تتمكن فيه الزيادة إلا ما كان جاريا على فعل نحو "منطلِق، ومستخرج" رُفضت الزيادة في أول بنات الأربعة أصلا, إلا ما كان جاريا على فعل نحو: "مدحرج". وإنما كان ذلك في الأفعال وما جرى عليها من الأسماء سائغا؛ لأنها في الزيادة أسوغ، وإليها أقرب.
ويدل٢ على أن أول الكلمة لا تليق به الزيادة كما تليق بوسطه وآخره: امتناعهم من زيادة الواو أولا, وزيادة الواوين في نحو: "عَطَوّد، وكروس، واخْرَوّط, واعلوط". وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن تكون الهمزة في: "إصْطبل" أصلا، وتكون الكلمة خماسية؛ لأن الكلمة لم تجر على فعل. وهذا قول سيبويه وأبي الحسن.
وكذلك كان يقول في همزة "إبراهيم، وإسماعيل" وما كان نحوهما مما اجتمع
стр. 145
فيه أربعة أحرف من الأصول سوى الهمزة: إن الهمزة في أوله أصل، بخلاف ما يذهب إليه الكوفيون وهو القياس.
الياء في يَسْتَعُورٍ أصل:
قال أبو عثمان: فأما مثل "يَسْتَعُورٍ" فهو بمنزلة "عَضْرَفُوط"؛ لأن الياء من نفس الحرف لما ذكرت لك.
قال أبو الفتح: قوله: لما ذكرت لك, يريد: لأن الزوائد لا تلحق بنات الأربعة من أوائلها إلا الأسماء من أفعالهن, وقد مضى هذا.
و"يستعُورٌ" ليس بجارٍ على فعل, وليس لقائل أن يقول: إن السين والتاء هنا١ زائدتان ولا إحداهما؛ لأن هذا ليس من مواضع زيادتهما، وستراه إن شاء الله. فلذلك مَثّل "يستعورًا بعضرفوط"٢, وجعل الياء كالعين٣.
فأما من قال: إن مثال "يستعُور: يَفْتَعُول" فلا يدري من صنعة التصريف شيئا، وإنما هو فيه٣ هاذ!!
الميم في مَنْجَنُونٍ أصل:
قال أبو عثمان: "ومنجنون" كذلك.
قال أبو الفتح: يقول: إن٤ الميم في "منجنون" أصل، فهذا معنى قوله: "ومنجنون" كذلك, وليس يريد أن منجنونا من ذوات الخمسة مثل
стр. 146
عضرفوط. هذا محال؛ لأجل تكرير النون، وإنما هو مثل "حَنْدَقوق, ملحق بعَضْرَفُوط", ولا يجوز أن تكون الميم زائدة؛ لأنا لا نعلم في الكلام مَفْعَلُولا. ولا يجوز أيضًا أن تكون الميم والنون جميعًا زائدتين على أن تكون الكلمة ثلاثية من لفظ: "الجن" من "جهتين":
إحداهما١: أنك كنت تجمع في أول الكلمة زيادتين، وليست الكلمة جارية على فعل مثل: "منطلق, ومستخرج".
والأخرى: أنا لا نعلم في الكلام "مَنْفَعُولا" فنحمل هذا عليه.
ولا يجوز أيضًا أن تكون النون وحدها زائدة؛ لأنها قد ثبتت في الجمع في قولهم: "مَناجِِين". ولو كانت زائدة لقيل: "مجانين", كما قالوا: "مجانيق" في جمع "منجنيق" لما كانت النون زائدة.
وإذا لم يجز أن تكون الميم وحدها زائدة ولا النون وحدها زائدة، ولا أن تكونا٢ كلتاهما زائدتين، لم يبق إلا أن تكونا أصلين, وتجعل النون لامًا مكررة، وتكون الكلمة مثل "حندقوق" ملحقة٣ بعضرفوط.
الميم في مَنْجَنِيق والخلاف فيها:
قال أبو عثمان: وأما "منجنيق" فإنها "فَنْعَلِيل". يدلك على ذلك قولهم: "مجانيق", فتذهب النون٤ في التكسير كما تذهب تاء عنكبوت إذا قلت: عناكب.
стр. 147
قال أبو الفتح: اعلم أن هذه اللفظة قد تنازع الناس فيها الخلاف, وأنا أذكر ما قيل فيها.
قال ابن دريد: اختلف أهل اللغة فيه -يعني منجنيقا- فقال قوم: الميم زائدة, وقال آخرون: بل هي أصلية.
قال١: وأخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة -وأحسب أن أبا عثمان أيضا أخبرنا به عن التوزي عن أبي عبيدة- قال: سألت أعرابيا عن حروب كانت بينهم, فقال: "كانت بيننا حروب عُون، تُفقأ فيها العيون مرة، ثم نُجنق، وأخرى نُرشَق". قال: فقوله٢: "نجنق" دال على أن الميم زائدة، ولو كانت أصلية لقال: "نُمجنَق" على أن المنجنيق أعجمي معرب, فهذا قول ابن دريد كما تراه.
والقول عندي: أن الميم من نفس الحرف كما ذهب إليه أبو عثمان, والنون زائدة لقولهم: "مجانيق" وسقوط النون في الجمع, فجرت لذلك مجرى الياء في عَيْضَمُوز إذا قلت: عَضَاميز. فأما قوله٣ تارة: "نُجنَق" وما حكاه الفراء من قولهم: "جَنَقُوهم بالمجانيق" فالقول فيه عندي أنه مشتق من المنجنيق إلا أن فيه ضربا من التخليط, وكان قياسه: "مَجْنَقوهم، وتَمَجْنق".
ولكنهم إذا اشتقوا من الأعجمي خلطوا فيه؛ لأنه ليس من كلامهم فاجترءوا عليه فغيروه، وذلك أن الميم وإن كانت هنا أصلا, فإنها قد تكون في غير هذه الكلمة زائدة، فشبهت بالزائد فحذفت عند اشتقاقهم الفعل.
стр. 148
ونظير ذلك ما أنشدناه أبو علي من قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج
منها فظلت اليوم كالمُزَرّج
أراد: سكران كالذي قد١ شرب من الزّرَجُون. قال: وكان قياسه أن يقول: "المُزَرْجَن"؛ لأن النون في زَرَجون أصل. فقال: "مُزَرَّج" لأن الكلمة أعجمية, وهم إذا اشتقوا من الأعجمي خلطوا فيه.
ونظير ذلك قولهم في تحقير "إبراهيم: بُرَيْهِم، وبُرَيْه", فحذفهم الهمزة تارة والهمزة والميم أخرى، تخليط في الكلمة؛ لأنها أعجمية خارجة عن أصول كلامهم. وهما مع ذلك وإن كانتا هنا من الأصل، فقد تكونان٢ في غير هذا الموضع زائدتين.
ولو ذهب ذاهب إلى أن "جنقوهم، ونجنق" لم يُخلَّط فيه، لقُضي بأن وزن "منجنيق: مَنْفَعِيل" وهذا غير موجود في الكلام.
ولما كان المنجنيق مما ينقل ويعمل به، وكانت ميمه قد جاء فيها الكسر٣، توهموها٤ زائدة نحو مِطْرَقة٥ ومِرْوَحة، فحذفوها عند اشتقاقهم٥ الفعل واجترءوا على ذلك لذلك.
وهذا عندي من الشاذ, والقياس ما ذهب إليه أبو عثمان.
فأما قوله٦: فتذهب النون في التكسير, كما تذهب تاء عنكبوت إذا
стр. 149
قلت: "عناكب", ففيه شيء لأنه ليس بقولهم: "عناكب" يعلم لا محالة أن التاء في عنكبوت زائدة. وإنما يعلم ذلك بقولهم: "عَنْكَب" في معناه. وقالوا١ أيضا: "عَنْكَبَاء" فبهذا يقطع على زيادة التاء في عنكبوت لا بما ذهب إليه أبو عثمان. ولكنه لما رآهم يقولون في الجمع: "عناكب" فيجترئون على حذف التاء من غير استكراه, استدل به على زيادتها؛ لأنها لو كانت في من الأصل لقبُح حذفها؛ لأنهم لا يكسِّرون ذوات الخمسة إلا على استكراه٢, فقد يمكن قائل أن يقول: ما تنكر أن تكون التاء أصلا ويكون تكسير الكلمة على استكراه٢, و٣ إذا احتج بقولهم في معناه: "عنكب" سقط الكلام. فهذه هي الحجة القاطعة.
فأما قولهم: "مَجَانيق" فيدل على زيادة النون في منجنيق, كما ذهب إليه؛ لأن النون ثانية، ولو كانت من الأصل لثبتت.
زيادة الهمزة حشوا, وهمز العالم والخاتم:
قال أبو عثمان: ومما زِيدت الهمزة فيه غير أول "شَمْأل، وشَأْمل", وإنما هي من شَمَلَتْ تَشْمَلُ.
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر زيادة الهمزة غير أول, فأغنى عن إعادته. وشمأل, وشأمل ملحقان بجعفر وسلهب, ومثالهما "فَعْأَل، وفَأْعَل".
وحكي أن العجاج كان يهمز العألم والخأتم٤، وقياسه عندي أنه لم
стр. 150
يبتدئ بزيادة الهمزة ثانية، ولكنه أبدل الألف همزة، كما يقول بعضهم في الوقت: "رأيت رجلا"١على أن الوقف من مواضع التغيير.
وكذلك قول بعضهم: "تَأْبَلْتُ القِدْر" والتَّأْبَل إنما أبدل الألف همزة على ما ذكرت, وليس كذلك شَأْمَل؛ لأن الهمز٢ فاشٍ, والمشهور من تابل وخاتم وعالم ترك الهمز. فأما قول امرئ القيس:
كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
فمفعل من٣ لفظ الأسْلة٣ وليس بفَأْعل٤ كشَأْمل؛ لأن زيادة الميم في أول بنات الثلاثة أكثر من زيادة الهمزة في حشوها, ولا يجوز أن يكون فَعْلَلا؛ لأن الميم في أول بنات الثلاثة نظيرة الهمزة. ولو كانت الهمزة موضع الميم لقضي بزيادتها, وإن كان هذا الجبل الذي اسمه مَأْسَل سَبِطا مستطيلا. فاشتقاقه عندي من أسَلَة الذراع، ومن قولهم: "خد أسيل" كما قال أبو علي في "قَباء" اسم الجبل المعروف: إنه إن كان في هذا الجبل انضمام واجتماع فهو من قولهم: حرف مَقْبُوّ أي: مضموم، فهذا الذي قلت أنا نظير٥ ما قاله.
زيادة الميم آخرا:
قال أبو عثمان: وزادوا الميم غير أول في "زُرْقُم, وسُتْهُم، ودِلْقِم", ولولا الاشتقاق كان من الأصل، ولكن للاشتقاق٦ كان زائدا.
стр. 151
قال أبو الفتح: إنما كان القياس عنده -لولا الاشتقاق- أن تكون الهمزة والميم غير زائدتين١ في هذا الموضع؛ لأنه ليس من مواضع زيادتهما، إنما ذلك أول الكلمة.
فقولهم: "شملت الريح" يدل على زيادة الهمزة.
و"زرقم" بمعنى الأزرق.
و"ستهم" بمعنى الأسته.
و"دلقم" هي الناقة التي قد تكسّرت أسنانها فاندلق لسانها, وسال لعابها, فهذا ما ذكروه٢.
وقالوا: "ضِرْزِم" وهو من معنى الضرر, وهو الشديد البخيل.
وقالوا: "فُسْحُم" للواسع وهو من الانفساح.
وقالوا: "الدِّقْعِم"٣ وهو التراب٣ وهو من الدَّقْعاء.
وقالوا: "دِرْدِم" وهو من الأدْرَد, وهو الذي تكسرت أسنانه.
وقالوا: "الحِلْكِم" للشديد السواد, وهو عندي من الحُلْكة.
وقال الأصمعي: "جَلْهَمَة" اسم رجل. نُرَى أنه اشتُق من جَلْهَة الوادي، وهو ما استقبلك منه.
الميم في دُلَامِص:
قال أبو عثمان: وزعم الخليل أن "دلامصا" الميم فيه زائدة، وهو "فُعَامِل". والدليل على ذلك قولهم: "دِلَاص، ودَلِيص" في معنى "دُلامِص".
стр. 152
ولو قال قائل: إن دُلَامِصا من الأربعة، معناه "دَلِيص", وليس بمشتق من الثلاثة, قال قولا قويا، كما أن "لآلا" منسوب١ إلى اللؤلؤ١ وليس منه, وكما أن "سِبَطْرا" معناه السَّبِط وليس منه.
قال أبو الفتح: مذهب الخليل في هذا أكشف وأوجه من مذهب أبي عثمان, وذلك أنه لما رأى "دلامصا" بمعنى دليص, ووجد الميم قد زيدت غير أول في زرقم، وستهم، وبابهما؛ ذهب إلى زيادة الميم في دلامص. فهذا قول واضح كما تراه٢، والذي ذهب إليه أبو عثمان أغمض من هذا.
وذلك أنه لما لم ير الميم قد كثرت زيادتها غير أول, ووجد في كلامهم ألفاظا ثلاثية بمعنى ألفاظ رباعية، وليس بين هذه٣ وهذه إلا زيادة الحرف الذي كمّل أربعة, حمل دلامصا عليه هربا من القضاء بزيادة الميم غير أول. ألا ترى أن "لآلا" ثلاثي, ولؤلؤا رباعي والمعنى واحد, واللفظ قريب بعضه من بعض.
وكذلك "سَبِط، وسِبَطْر" وكلا القولين مذهب, وقول الخليل أقيس٤ وأجرى على الأصول.
٥ونظير هذا فيما ذهب٥ إليه أبو عثمان, قولهم: "دَمِث، ودِمَثْر، وثعلب، وثُعَالة".
وقال الأصمعي: إنهم قالوا للأسد: "هِرْمَاس"؛ لأنه من الهرس. فهرماس على هذا القول عنده "فِعْمَال" وهو نظير قول الخليل. ويحتمل أن يكون عنده
стр. 153
من معنى الهَرْس, وإن كان رباعيا كما ذهب إليه أبو عثمان, والقول الأول أظهر, ولهذا نظائر.
أمهات الزوائد:
قال أبو عثمان: واعلم أن الياء والواو والألف هن١ من أمهات الزوائد, والهمزة والميم أولا كذلك, وهمزة التأنيث في مثل حَمْرَاء وخُنْفُساء, والألف والنون في مثل٢ "غَضْبَان، وزعفران"، والتاء للتأنيث في مثل "تمرة" وما أشبهها, وهي التي تُبدَل منها الهاء في الوقف، والتاء التي يجمع بها التأنيث نحو مسلمات وصالحات, وهؤلاء أمهات الزوائد.
قال أبو الفتح: معنى قوله: أمهات الزوائد, يريد به: أنه يكثر٣ تصرفها في الكلام، وهي فاشية، وليست٣ كالسين واللام اللتين لا تكثر زيادتهما ولا يكاد الكلام يخلو من الألف والواو والياء أو من بعضهن -وبعضهن الحركات- لأنه ليس في كلامهم لفظة تخلو من الحركات؛ فلذلك قدّم الألف والياء والواو على ما ذكره.
وقوله: والهمزة والميم أولا كذلك، يقول: إنما تكثر زيادة الميم والهمزة أولا، لا حشوا ولا٤ آخرا، وليس كذلك حروف اللين؛ لأن تلك تزاد
стр. 154
في كل موضع إلا الواو والألف, فإنهما لا تُزَادان أولا١, أما الواو فقد ذكرنا العلة في أن لم تزد أولا١. وأما الألف, فإنها إنما امتنعت من أن تزاد أولا؛ لأنها ساكنة والابتداء بالساكن ممتنع غير جائز.
وقوله: وهمزة التأنيث: اعلم أنه قد صرح في هذا الموضع بأن علامة التأنيث هي الهمزة في الحقيقة وهو الصواب، وليس كما يقول من يزعم أن المدة علامة التأنيث؛ لأن هذا كلام غير محصّل، وذلك أن المدة إنما هي الألف التي٢ قبل الهمزة, وعلامة التأنيث لا تكون في وسط الكلمة, إنما تكون آخرها٣ نحو "حَمْدَة وحُبْلَى".
فإن قيل: ما تنكر أن تكون٤ الألف والهمزة جميعا علامة التأنيث, كما تقول: إن الياءين في نحو: "زيديّ وبكريّ" علامة النسب؟
قيل: هذا ممتنع؛ لأنا لم نر علامة تأنيث غير هذه تكون على حرفين, إنما هي حرف واحد نحو الهاء في "طلحة" والألف في "حبلى".
فإن قيل: فإن سيبويه يقول في مواضع من "الكتاب": فعلتَ بألفي التأنيث وصنعتَ بهما٥، يعني: هذه الألف والهمزة؟
قيل: إنما قال هذا؛ لأن هذه الهمزة لما كانت لا تنفكّ من كون هذه الألف قبلها وهي مصاحبة لها وغير مفارقة، أطلق هذا اللفظ عليهما٦ تجوزا.
стр. 155
ويدل على أن الهمزة وحدها عَلَم التأنيث، أنك إذا جمعت مثل "صحراء، وخنفساء" بالألف والتاء فإنما١ تغير الهمزة وحدها وتدع الألف بحالها, وذلك قولهم: "صَحْراوات، وخُنْفُساوات" فقلبك الهمزة في هذا الجمع نظير حذف التاء من طلحات؛ لئلا يجتمع في الكلمة علامتا تأنيث.
ولو كانت الألف قبلها داخلة معها في أنها علامة تأنيث, لوجب تغييرها في الجمع كما وجب تغيير الهمزة لما كانت علامة تأنيث، فتركتهم الألف بحالها.
وتغييرهم الهمزة، دلالة على أن الهمزة وحدها علامة التأنيث.
انقلاب همزة التأنيث عن ألفه:
وينبغي أن يعلم أن هذه الهمزة إنما هي منقلبة عن ألف التأنيث التي في نحو "حبلى، وبشرى", ولكنها لما وقعت بعد ألف قبلها زائدة, وجب تحريكها لئلا يلتقي ساكنان فقلبت همزة. وهذا مذهب سيبويه وهو الصحيح. ويدل على صحته, وأن٢ هذه الهمزة منقلبة عن ألف التأنيث المفردة، أنك إذا أزلت الألف من قبلها بقلبها، خرجت هي عن الهمزة. وذلك قولهم في جمع٣ "صحراء: صحارِي", فهذه الياء٤ الأولى المدغمة٤ هي الألف التي كانت قبل الهمزة في "صحراء" انقلبت٥ في الجمع لانكسار ما قبلها, كما تنقلب في جمع مفتاح وغِرْبال إذا قلت: مفاتيح، وغرابيل. فلما انقلبت الألف إلى الياء
стр. 156
انقلبت علامة التأنيث التي كانت بعدها في "صحراء" ياء؛ لوقوع١ الياء المنقلبة عن الألف قبلها. وذلك قولك٢: صحاريّ, وزالت الهمزة لزوال الألف الموجبة٣ لها من قبلها.
فلو كانت الهمزة في "صحراء" غير منقلبة, لم يلزم انقلابها في الجمع، كما أنك لو جمعت "قُرّاء" لقلت: "قَرَارِئ", وكما قالوا٤ في جمع كوكب "دُرِّيء: دَرَارِئ" لما كانت الهمزة أصلا غير منقلبة. فقولهم٥: "صحاري" بلا همز، دلالة على أن الهمزة في "صحراء" منقلبة, إذ لو لم تكن منقلبة لوجب أن تقول: صحارئ كما قالوا: درارئ.
وإذا ثبت أنها منقلبة في "صحراء", فيجب أن يكون انقلابها عن الألف التي في مثل "حبلى".
ولا يجوز أن تكون منقلبة عن ياء ولا٦ واو؛ لأنا٧ لا نعلم الياء والواو جاءتا علامتي تأنيث في الأسماء٨. فأما الياء في تقومِين، وتقعُدِين، فعلامة الضمير المؤنث، وليست٩ من جنس علامات التأنيث في الأسماء المتمكنة.
стр. 157
فتأمل ما ذكرته١، فإنه لا يجوز في القياس غيره. وهو رأي أبي علي, وعليه٢ قول أشياخنا المتقدمين.
الألف والنون في نحو: عثمان وسرحان
وأما الألف والنون الزائدتان في نحو "عثمان, وسرحان", فإنهما نظيرتا الألف والهمزة في باب "حمراء، وصفراء"٣, وأصل بنائهما لباب "سكران، وغضبان" لأنهما وصف, والزيادة بالوصف أحق منها بالاسم؛ لأن الوصف مشابه للفعل، والزيادة في الفعل أقعد منها في الاسم، وقد تقدم ذكر هذا.
ويدل على أن الألف والنون في باب "سكران" ونحوه مضارعتان لألفي التأنيث في نحو "صفراء، وحمراء" أن مؤنث "سكران" على غير بنائه, وإنما هو "سكرى". كما أن مذكر "حمراء" على غير بنائها، إنما هو "أحمر", فهذا هنا كذاك ثمة.
فأما قولهم: "سكرانة، وعطشانة" فشاذ، والأكثر "سكرى، وعطشى", وفيه دليل آخر وهو٤ أنهم قد قالوا في جمع "ظَرِبان: ظَرابيّ", فشبهوه بصحارِيّ٥, وقياسه: ظرابِين كما تقول: سراحين. ولكنهم قلبوا النون من ظَرِبان ياء في الجمع ليكون ذلك٦ تنبيها على أن النون في "سكران" وبابه مشبهة بهمزة التأنيث في "صحراء".
ولهذا قال النحويون: إن النون في باب "سكران" مشبهة بالألف
стр. 158
الثابتة في باب "حمراء, وصفراء", قالوا: لأن الوزن واحد بالعدة والحركة والسكون. قالوا: ولأنك لا تقول: "سكرانة، ولا غضبانة" كما لا تقول: "حمراءة, ولا صفراءة"؛ لأن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث، ولا على ما كان بمنزلتها.
وأيضا فقد قالوا في جمع "سَكْرَان: سَكَارَى" كما قالوا في جمع "صَحْرَاء: صَحَارَى" وأصله: "سَكارين", كما أن أصل هذا: "صحاريّ"١, فحذفوا من "سكارى" كما حذفوا من "صحارى"١.
فأما قولهم: إن النون في باب سكران بدل من الهمزة, فلا يريدون به البدل الذي هو على حد قولهم٢ في مُفْعِل من "أيقنتُ، وأيسرتُ: مُوقِن، ومُوسِر", وإنما يريدون أن هذه الهمزة بمنزلة هذه النون, يتعاقبان على حد ما يقولون: إن الألف واللام بدل من التنوين, إنما معناه أنهما يتعاقبان؛ لأنا لم نرهم أبدلوا النون من الهمزة في غير هذا الموضع.
فأما قولهم في النسب إلى صنعاء وبهراء: صنعانِيّ وبهرانِيّ، فقد ذهبوا فيه إلى النون بدل من الهمزة. قال أبو علي: وليس كذلك٣, إنما قدره بَدِيًّا: صنعاوِيّ، وبهراوِيّ، ثم أبدل النون من الواو المبدلة من الهمزة. قال: لأنا لم نر النون أُبدلت من الهمزة في غير هذا الموضع. قال: وقد رأيناهم أبدلوا الواو من النون٤ في قولهم: "مَوّاقد" وهم يريدون: "من واقد", فلما رأيناهم أبدلوا الواو من النون٤ قلنا: إن النون في بهراني وصنعاني بدل من الواو، ولم نرهم أبدلوا الهمزة من النون ولا النون من الهمزة.
стр. 159
النون في صَنْعَانِيّ وبَهْرَانِيّ:
ثم قال بعد ذلك بزمان: لو أجاز١ مجيز أن تكون النون في٢ صنعاني، وبهراني بدلا من الهمزة٣ لكان وجها؛ لأن الغرض أن يزول لفظ الهمزة٣ مع ياءي الإضافة، فجائز أن تبدل الهمزة نونا لتقارب بعض هذه الحروف من بعض.
يريد بذلك: أنهم قد أبدلوا الألف من النون في الوقف نحو "رأيتُ زيدَا, ولنَسْفَعَا" يقول: والألف٤ قريبة من الهمزة، فكما٥ جاز أن يبدلوا الألف من النون, جاز أيضا أن يبدلوا النون من الهمزة٦, والقول الأول هو الذي كان يعتمد عليه وهو الأقوى.
وإنما ذكر أبو عثمان الألف والنون بعد همزة التأنيث؛ لقرب ما بينهما من الشَّبَه, وقدّم باب حمراء على باب عثمان؛ لأنه محمول عليه.
التاء في مثل تمرة:
وقوله: والتاء للتأنيث في مثل تمرة وما أشبهها, وهي التي تُبدَل منها الهاء في الوقف, هذا قول كما تراه، وهو صحيح.
ولمعترض أن يقول: ما تنكر أن تكون الهاء هي الأصل، وأن التاء في الوصل إنما هي بدل من الهاء في الوقف؟
стр. 160
فالجواب عن١ ذلك: أن الوصل من المواضع التي تُجْرَى فيها الأشياء على أصولها، وأن الوقف من مواضع التغيير والبدل، ألا ترى أن منهم من يقول في الوصل: "هذه أفعى يا فتى" بالألف كما يجب, فإذا٢ وقف قال: "هذه أفعَيْ" فيبدل الألف ياء. ومنهم من يقول: "أفْعَوْ" فيبدلها واوا. وأنشدوا:
تبشري بالرفه والماء الروي
وفرج منك قريب قد أتي
وقال الآخر:
إن لطي نسوة تحت الغضي
يمنعهن الله ممن قد طغي
بالمشرفيات وطعن بالقني
في٣ كله بالياء. ويقولون في الوصل: "رِوًى يا فتى، وغضا، وقنا", ويقولون في الوصل: "هذا بكرٌ، ومررت ببكرٍ"٤, فإذا وقفوا فمنهم من يقول: "هذا بَكُرْ، ومررت ببَكِرْ"٤، فينقل الحركة إلى ما قبل حرف الإعراب. ويقول بعضهم في الوقف: "هذا خالدّ، وهو يجعلّ", فيشدد الحرف في الوقف, فإذا وصل رده إلى التخفيف.
وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن, أو سمعته٥ يُقرأ عليه عن ثعلب:
стр. 161
أرتني حجلا على ساقها ... فهش الفؤاد لذاك الحجل
فقلت ولم أخف عن صاحبي: ... ألا بأبي١ أصل تلك الرجل
٢ويروى "بينا" بالنون, ويريد: الحجل والرجل، ولكنه كسر الجيم في الوقف٢.
فهذا وأشباهه مما يكثر تعداده، يدل على أن الوصل تجري فيه الكلمة على أصلها، وأن الوقف من مواضع التغيير.
فلما رأينا هاء التأنيث في الوصل "تاء", علمنا أن أصلها "التاء" وأن الهاء في الوقف بدل٣ من التاء في الوصل. وإنما أبدلت "هاء" لانفتاح ما قبلها، وأنها من الحروف المهموسة، والهاء مهموسة وقريبة٤ من الألف, ولم تبدل ألفا لانفتاح ما قبلها؛ لئلا يلتبس بالألف المقصورة في حبلى وبشرى، والهاء قريبة من الألف فأبدلت هاء. فأما التاء في مسلمات ونحوها فليس٥ يحتاج فيها إلى دلالة؛ لأنها تاء على كل حال.
وهذا أيضا مما يدل على أن التاء هي الأصل في باب "طلحة، وحمدة" وأن الهاء بدل منها. ألا تراها في هندات تاء ثابتة ولم تبدل في الهندات هاء لسكون ما قبلها, وإنما ذكر تأنيث الجمع بعد تأنيث الواحد٦؛ لأن تأنيث الجمع ليست له قوة تأنيث الواحد٦. ألا ترى أنه لك في الجمع التذكير والتأنيث،
стр. 162
فتقول: قامَ الهندات، وقامتِ الهندات، وليس لك أن تقول: "قام هند"؛ لأن تأنيث الواحد أشد تمكنا؟
ألا ترى أنك لو سميت رجلا "سعاد"١ لم تصرفه، ولو سميته "نساء" لصرفته؛ لأن تأنيث الجمع لا حقيقة له، وإنما هو شيء لا قوة له كقوة تأنيث الواحد. يدل على ذلك أنك تقول: "هذه رجال مقبلة" تذهب إلى الجماعة, وإن كان كل واحد منها٢ مذكرا؛ فلذلك جاء بتأنيث الجمع بعد تأنيث الواحد.
فهذه أمهات الزوائد كما ذكر, وقد بينت ما معنى أمهات الزوائد في أول الفصل.
زيادة العين في مثل فَعَّل، واللام في مثل محمَرّ:
قال أبو عثمان: وقد تزاد العين في مثل "فعّل، ومُفَعَّل", واللام في مثل "محمرّ، ومطمئنّ, ومقشعرّ" وقد فسرنا بعض هذا فيما مضى.
قال أبو الفتح٣: اعلم أن معنى قوله: "قد تزاد العين" ليس يريد به٤: أن الطاء المكررة في "قطّع" من حروف الزيادة, وإنما يريد أنها تتكرر وإن كان المكرر بلفظ الأصل.
وذكر تكرير العين واللام, ولم يذكر تكرير الفاء في "مَرْمَرِيس"؛ لأنه حرف شاذ لا نظير له٥, فأضرب عن ذكره٥ لقلته.
стр. 163
وهكذا كان يفعل سيبويه إذا تحجّر شيئا من اللغة وخرج عنه١ الحرف أو الحرفان لم يستثن بما خرج عن الجمهور لقلته, لا لأنه لم يقع إليه. ألا تراه قال: إن مثال٢ "فَيْعُل" لم يأت في الكلام, وقد قال الأعشى:
وما أَيْبُلِيّ على هيكل ... بناه وصلب فيه وصارا
فقوله: "أيبلي" هو فَيْعُلِيّ. قال أبو علي: واشتقاقه من أَبَلَ٣ بالمكان: إذا أقام به, وأبلت الإبل بالرطب عن الماء أي: أقامت عليه واجتزأت به عن الماء, فكأن هذا الراهب اجتزأ بما في هيكله وأقام عليه, ولم يتعده إلى غيره.
قال: وإنما لم يذكر سيبويه هذا الحرف لشذوذه وخروجه عن الجمهور, فكذلك أبو عثمان لم يذكر "مَرْمَرِيسًا"؛ لأنه لا نظير له. على أنه أيضا٤ لم يقل: إن الفاء لم تضعف.
قال أبو علي: وقد يأتي مع ياءي٥ الإضافة من الأمثلة ما لا يأتي مع غيرهما. ألا ترى أنهم قالوا في الإضافة إلى تحية: تَحَوِيّ؟ قال٦: فتحوي وزنه٧: تَفَلِيّ. وهذا مثال لا يقع إلا مع ياءي الإضافة من الأمثلة٨.
قال: وكذلك تاء التأنيث, ألا ترى أنه لولا تاء التأنيث لم يأت مثل "عَرْقُوَة وقَمَحْدُوَة٩ وتَرْقُوَة" مصححا, فقد يجيء مع تاء التأنيث وياءي الإضافة
стр. 164
ما لا يأتي مع غيرهما, فكذلك جاء أَيْبُلي وإن لم يأت فَيْعُل بلا ياءي إضافة١.
وقد اختلف الناس في هذه المكررات، فقال قوم: الأول هو الأصل، والثاني هو الزائد.
وقال آخرون: الأول هو الزائد, والثاني هو الأصل. فمن قال: إن الأول هو الأصل، قال: الطاء الثانية من "قطّع" بإزاء الواو من "جَهْوَرَ", فهي زائدة كالواو.
ومن قال: إن الأول هو الزائد، قال: الطاء الأولى من "قطّع" في موضع الواو والياء من "حوْقل, وبيْطر", فهي زائدة مثلهما.
ومذهب الخليل: أن الزائد هو الأول. قال سيبويه: وأما غيره فيجعل٢ الثاني هو الزائد. قال: وكلا القولين صواب.
ومذهب أبي بكر: أن الثاني هو الزائد؛ لأنه تكرر. قال: فهو٣ أحق بالزيادة, وهذا هو القياس؛ لأنك إنما تبدأ فتستوفي ما هو من أصل الكلمة، ثم تزيد بالتكرير حتى تبلغ العدة، والمثال الذي تريد٤.
زيادة النون والواو في نحو حِنْطَأْو:
قال أبو عثمان: واعلم أن مثل "حنطأو، وكنثأو، وفندأو" النون والواو فيهن زوائد، وقد ألحقن بباب "جِرْدَحْل".
قال أبو الفتح: اعلم أنه إنما ذهب إلى أن الواو والنون جميعا زائدتان؛ لأن الواو لا تكون أصلا في ذوات الخمسة أبدا، ولا في ذوات الأربعة على هذه
стр. 165
السبيل. فلما ثبتت زيادة الواو, قُضي بزيادة النون أيضا؛ لأنها لزمت هذا الموضع١ من هذا المثال كما لزمت النون باب "جُنْدَب وعنظب وعنصل" في ذلك١.
قال أبو علي: ولأن الزيادة بذوات الثلاثة أحق منها بذوات الأربعة؛ لتصرف بنات الثلاثة وكثرتها في الكلام، فهذا من طريق القياس.
وأما٢ من طريق الاشتقاق، فقد قالوا: "كَثَّأَتْ لحيتُهُ" إذا عظمت, وأنشد الأصمعي:
وأنت امرؤ قد كَثَّأت لك لحيةٌ ... كأنك منها قاعد في جُوالِق
وقالوا: "رجل كِنْثَأْو" وهو الوافر اللحية, فهذا قريب من معنى "كثأت لحيته", فهذا٣ يدل على أن "كِنْثَأْوا: فِنْعَلْو" وكذلك "حنطأو, وقندأو".
زيادة اللام في ذَلِكَ، وأُولَالِكَ:
قال أبو عثمان: وقد زادوا اللام في ذلك وأولالك, وليس زيادتهما بمُتْلَئِبّة ولا مستقيمة٤ ولا كثيرة.
قال أبو الفتح: إنما كانت اللام زائدة في هذا؛ لأنهم قد٥ قالوا في معناه: "ذاك، وأولاك، وأولئك" ولا لام فيها٦، وإنما زيدت اللام في ذلك تكثيرا
стр. 166
واتساعا في اللغة. ولمّا زادوها في الواحد، زادوها في الجميع١. قال الشاعر:
أُولَالِكَ قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أُولالِكا
وقد زيدت اللام في غير هذين.
قالوا٢: "عَبْدَل" في معنى عبد الله, فاللام زائدة.
وقالوا: "هُنالِك" في معنى هُناك.
وقالوا: "زيْدل" في معنى زيد.
"وفَيْشَلَة"٣ في معنى فَيْشَة٣.
وقال بعضهم: اللام في "حَسْدَل" زائدة, والحسدل: القُراد.
ما تعرف به حروف الزيادة:
قال أبو عثمان: فاذا وجدت حرفا من٤ حروف الزيادة٤ سوى الواو والياء والألف في شيء يشتق٥ من معناه ما يذهب فيه؛ فاجعله زائدا نحو: "رَعْشَن"؛ لأنه٦ من الرعشة. يدلك٧ على ذلك قوله:
من كل رَعْشَاءَ وناجٍ رَعْشَن
فهذا ثبت.
قال أبو الفتح: يقول: إن الياء والواو والألف وغيرهن من حروف٨
стр. 167
الزيادة في هذا المعنى١ سواء. ولا تقل: إني أفصل بينهما؛ لأن الاشتقاق يقضي بالزيادة على الحرف١ سواء كان من الياء والواو والألف٢, أم كان من غيرهن.
وقوله: رَعشاء في معنى رَعْشَن، يدل على زيادة النون في "رعشن" ومثاله "فَعْلَن" وهو ملحق بجَعْفَر.
زيادة النون في فِرْسِن:
قال أبو عثمان: وزعم الخليل أن فرسنا النون فيه زائدة؛ لأنها عنده من: فَرَسَ يَفْرِسُ.
قال أبو الفتح: إنما كان عند الخليل من: فرس يفرس؛ لأن الفَرْس أصله الدّقّ, ومنه قيل للأسد: "فِرْنَاس"٣, فالنون٤ فيه زائدة, والفرسن تدق الأرض. فهي٥ من الفَرْس، كما أن مِفْتاحا من الفتح, ومعلاقا من يَعْلَقُ٦. ومثاله "فِعْلِن" وهي٧ ملحقة بصِمْرِد.
النون في ضَيْفَن زائدة:
قال أبو عثمان: وقال: "ضيفن" النون فيه زائدة؛ لأنه من الضيف.
وزعم أبو زيد أنه يقال: ضَفَنَ الرجلُ يَضْفِنُ: إذا جاء ضيفا مع الضيف، فضيفن في هذا المذهب "فَيْعَل".
стр. 168
قال أبو الفتح: كلا الاشتقاقين مذهب. وقول أبي زيد في هذا١ كأنه أقوى؛ لأن المعنى يطابقه. ألا ترى إلى قول الشاعر:
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضَيْفَن ... فأوْدَى بما تُقرَى الضيوف الضَّيَافِن؟
فالضيفن: هو الذي يجيء مع الضيف. وقولهم: ضَفَن يَضْفِن في هذا المعنى يشهد بأن ضيْفنا "فَيْعَل" فهذا قول.
وفيه شيء آخر يقوي ما قال أبو زيد, وهو أن "فيْعلا" أكثر في الكلام من "فَعْلَن", فهذه٢ بينة أخرى تشهد لكونه "فيعلا". والقول الأول أيضا وجه؛ لأنه وإن كان ضيف ضيف, فهو على كل حال ضيف, فينبغي٣ أن تكون نونه زائدة.
وقد جاء على فَعْلَن ما أذكره: قالوا٤: "امرأة خَلْبَن" وهو من الخلابة, و"ناقة عَلْجَن" وهي الغليظة، مأخوذة٥ من العِلْج. قال الراجز:
وخلطت كل دلاث عَلْجَن ... تخليط خرقاء اليدين خَلْبَن
وحكى سيبويه: في خُلُق فلان "خِلَفْنَة" وهو من الاختلاف, والنون في هذا كله زائدة. ومثله "عِرَضْنَة" وهي٦ من الاعتراض.
الواو والياء في الرباعي:
قال أبو عثمان: واعلم أن كل٧ ما كان من الأربعة، فالواو والياء لا يكونان
стр. 169
فيه أصلا البتة، إلا أَنْ يضعَّف، نحو: "ضَوْضَيت، وقوقيت", فإن هذا بمنزلة "صَلْصَلت، وقلقلت" إلا أن الطرف لزمه القلب كما لزم واو أغزيت. فمن ثم قال في "عِزْوِيت": هو "فِعْلِيت"؛ لأنه إن جعل التاء أصلا، كان الحرف "فِعْوِيلا" وليس شيء من الأسماء على "فِعْوِيل". وإن جعل الياء والواو أصلين, جعل في بنات الأربعة واوا أصلا، وهذا لا يكون, فجَعَلها بمنزلة "عِفْريت", و"عِفْرِيت"فِعْلِيت"١؛ لأنه من العَفْر, فعلى هذا تجري الزوائد.
وإنما كتبت لك هذا؛ لتنظر إذا سئلت عن مسألة ما هي؟ وما زيادتها؟ فتعلم ذلك, فتبني على مثاله. وإن كان أصلا, فعلتَ به ما وصفت لك إن شاء الله.
قال أبو الفتح: قوله: "إن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة٢, إلا أن تضعف نحو: ضوضيت"٢, عليه اعتراضان:
أحدهما: أن يقال: ما تنكر أن يكون "ضَوْضيت: فعليت" بمنزلة: "سَلْقيت وجعبيت"؟
فالجواب أن يقال: إن حمله على هذا يبعد من وجهين:
أحدهما: أنك لو قضيت بذلك؛ للزمك أن تجعل الفاء واللام من موضع واحد وهما الضادان, فتكون الكلمة من باب "سَلِسَ، وقَلِقَ" وهذا ليس في كثرة باب "صَلْصَلْت وقلقلت" فحمله على باب "فَعْلَلت" المضاعف أولى.
والوجه الآخر: أنهم قد قالوا منه: "الضوضاء", والضوضاء بمنزلة الزلزال, فينبغي أن يكون ضوضيت مثل زلزلت, ولم نسمعهم قالوا من "سلقيت: سَلْقاء" لأنه
стр. 170
ليس في كلامهم فَعَلاء مصروفا, ولا١ تكون الهمزة التي في هذا المثال إلا للتأنيث.
فأما ما حكاه أبو زيد من قولهم: "قَصْبَاء، وحلفاء، وطرفاء" وإدخالهم الهاء على هذه الهمزة٢, فشاذ لا يُلتفت إليه ولا يُعرج عليه لقلته، وأنا أرى أن من قال: "حلفاءة, وقصباءة, وطرفاءة" فأدخل الهاء على هذه الهمزة٢ ثم حذف هذه الهاء, فيلزمه أن يصرف الكلمة لأن الهمزة عندنا٣ ليست للتأنيث؛ إذ لو كانت للتأنيث لما جاز دخول الهاء عليها، كما أن حُبْلَى لما كانت ألفها للتأنيث لم يجز دخول الهاء عليها، كما دخلت على "أرطاة، وعلقاة" فيمن نوّن؛ لأن علامة تأنيث لا تدخل عليها علامة تأنيث. هذا هو الأشهر من أمر "قصباءة، وحلفاءة٤, وطرفاءة".
وقد يجوز أن يكون الذي يقول: "قضباءة" فيخالف الجمهور بإدخال الهاء إذا نزعها رجع إلى الوفاق, واعتقد أن الهمزة علامة تأنيث, فيكون مخالفا في الهمزة إذا أدخل الهاء موافقا٥ إذا نزع الهاء. وهذا ليس في قوة القول الذي قبله؛ لأنه لا حاجة به٦ إلى أن٧ يقدر الهمزة تقديرين٧ مختلفين في وقتين.
وإنما جوزت الثاني -وإن لم يكن في قوة الأول- لأنا لم نرهم صرفوا: "قصباء، وطرفاء، وحلفاء" في نثر. فأما النظم, فإن صُرِفت فيه فلا حجة في صرفها؛ لأنه يجوز في الشعر صرف ما لا ينصرف للضرورة.
ومن أجاز القول الثاني, لزمه ألا يصرف: "قصباء, وحلفاء, وطرفاء"؛ لأن الهمزة عنده للتأنيث إذًا.
стр. 171
وأما١ الاعتراض الثاني, فلقائل أن يقول: ما تنكر أن يكون "ضوضيت وقوقيت" بمنزلة: "حوقلت، وصومعت" فيكون بوزن "فَوْعَلْتُ"؟ وهذا أبعد من الجواز من الأول؛ لأنه كان يلزمك أن تجعل فاء الفعل وعينه من موضع واحد، وهذا أقل من باب سلس٢, وإذا لم يجز هنا باب سلس٢ مع أنه أكثر من باب "كوكب ودَدَن" فألا٣ يجوز باب دَدَن لقلته أجدر.
وقد جاءت الواو أصلا في ذوات الأربعة -وإن كانت غير مضعفة- قالوا: "وَرَنْتَل" وهي الداهية, فالنون زائدة؛ لأنها ثالثة ساكنة، فالواو إذًا٤ أصل.
فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون زائدة٥ وإن كانت في أول الكلمة, كما أجزت أنت أن تكون أصلا وإن كانت غير مضعفة٥؟
قيل: جعلها من الأصل -وإن كان الحرف شاذا- أولى؛ لأنَّا قد رأيناها أصلا في ذوات الأربعة بلا محالة مع التضعيف. فنحن نجعلها هنا أيضا من الأصل, وإن لم يكن تضعيف للضرورة، وهو أسوغ من أن نجعلها زائدة؛ لأنا لم نرهم زادوها أولا على وجه من الوجوه. وقد رأيناهم جعلوها أصلا في ذوات الأربعة في بعض المواضع وهو التضعيف, فجعلها أصلا أولى من الحكم بزيادتها. فتأمله, فإنه لا يجوز في القياس غيره.
وقوله: "إلا أن الطرف لزمه القلب, كما لزمه واو أَغزيتُ" إنما وجب القلب في باب "أغزيت"؛ لأنها رابعة، وأصلها: "أغزوْت" وستراه في بابه.
стр. 172
فإذا١ كان ذلك كذلك، فواجب أن تقلب في "قوقيت" لأنها رابعة, وأصلها: "قَوْقَوْتُ" فالعلة٢ في "قوقوت، وأغزوت"٣ واحدة.
وقوله: فمن٤ ثم قال في "غِزْوِيت": إنه "فِعْلِيت", ترك الكلام في انقلاب الواو ياء، وعاد إلى أن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة؟
فيقول: لا يمكن أن تكون٥ الواو في "غزويت" أصلا على أن تكون التاء من الأصل أيضا؛ لأنه كان يلزمك أن تجعل الواو أصلا٦ في ذوات الأربعة.
قال: ولا يجوز أيضا أن تجعلها زائدة؛ لأنه كان يلزم أن يكون وزنه: "فِعْوِيلا", وهذا مثال لا يعرف فلا يجوز الحمل عليه.
يقول: فإذا لم يجز أن يكون غزويت: فِعْلِيلا ولا فِعْوِيلا، كان فِعْلِيتا، بمنزلة عفريت؛ لأنه من العفر, فمن ها٧ هنا كانت الواو عنده أصلا.
فإن قال قائل: فأجعل الواو والتاء زائدتين؟
قيل: هذا أبعد من الجواز؛ لأنه كان يكون وزن الكلمة على هذا فِعْوِيتا, فيبقى بغير لام، وهذا محال.
وكأن أبا عثمان إنما٨ لم يذكر هذه القسمة؛ لأنها ساقطة لا يورد مثلها أحد. وإنما ذكرتها أنا استظهارا؛ لأن هذا الكتاب هو للمبتدئ كما هو للمنتهي.
стр. 173
قال أبو عثمان:
باب ما قِيسَ من الصحيح على ما جاء من الصحيح من كلام العرب:
قال أبو الفتح: إنما ترجم الباب بهذه الترجمة؛ لأن المقيس على الصحيح على ضربين: صحيح، ومعتلّ. وإنما غرضه في هذا الباب ذكر الصحيح؛ فلذلك جاء بهذه الترجمة. ألا تراه يقول في أول الباب: فمن ذلك: بناؤك مثل: جَعْفَر من ضَرَبَ، وجعفر وضرب صحيحان؟
فأما المعتلّ المَقِيس فستراه فيما بعد في مواضعه إن شاء الله.
قال أبو عثمان:
فمن ذلك: بناؤك مثل جعفر من ضربت، تقول١ فيه: ضَرْبَبٌ، فتُجريه مجرى جَعْفَرٍ.
وكذلك مثل قِمَطْر من ضرب: ضِرَبّ، فتسكن الباء الأولى؛ لأنها بإزاء طاء قمطر، والطاء ساكنة, فأسكنت الباء التي بإزاء الطاء؛ ليكون على الوزن الذي بنيتَ عليه.
وإن بنيتَ غير هذا, فانظر إلى المثال الذي سُئلت عنه فقِسْه٢ على ما ذكرت, واجعل بإزاء كل شيء مثله.
قال أبو الفتح: اعلم أنه قد بَيّن في هذا الفصل كيف طريق البناء، وأنه يجب على الباني احتذاء المثال المطلوب بالحركة والسكون والزيادة، وقد مضى ذكر هذا.
стр. 174
وقوله: فتجريه مجرى جعفر، يريد أنك تقول: "ضَرْبَبٌ", فتُظهر الباء الأولى ولا تدغمها١, فلا تقول١: "ضَرَبّ" لئلا يزول الغرض, وهذا البناء يجيء على ضربين:
أحدهما: أن تبني بلا تكرير, وذلك أن تبني ثلاثيا من ثلاثي, أو رباعيا من رباعي، أو خماسيا من خماسي.
فالثلاثي: نحو بنائك من ضَرَبَ مثل "عَلِم", فتقول: "ضَرِبَ"، ومثل "ظَرُفَ" تقول: "ضَرُبَ".
والرباعي: أن تبني من دحرج مثل "سِبَطْر", فتقول: "دِحَرْج", ومثل "هجرع" فتقول: "دحرج".
والخماسي: أن تبني من سفرْجل مثل "جِرْدَحْل", فتقول: "سِفْرَجْل", ومثل "جَحْمَرِش" فتقول: "سَفْرَجِل" وما أشبه ذلك.
فهذا كله, إنما غيرت بناء المبني منه وأصرته إلى مثل٢ حال المثال المطلوب من الحركة والسكون, فهذا الضرب لا تحتاج فيه إلى تكرير؛ لأن أصول المبني منه في عدة أصول المثال المطلوب.
وأما٣ ما يحتاج إلى التكرير عند بنائه, فأن تبني رباعيا من ثلاثي نحو: جعفر من ضرب "ضَرْبَب", أو أن تبني خماسيا من رباعي، فتبني من دحرج مثل: سفرجل, فتقول: "دَحَرْجَج". فإن بنيتَهُ من الثلاثة قلت على قياس "صَمَحْمَح: ضَرَبْرَب", وعلى قياس "حَبَنْطى: ضَرَنْبى" ومن كرر اللام قال: "ضربب".
стр. 175
فهذا كله إنما وجب فيه التكرير لتلحق العدةُ العدةَ. فأما الإلحاق بحروف الزيادة, فقد مضى ذكره وسيأتي أيضا.
قال أبو عثمان:
وإن بنيتَ مثل قِمَطْر من دحرج١ قلت: "دِحَرْج". فإن بنيت مثل جعفر من قمطر قلت: "قَمْطَر".
وإن قيل لك: ابْنِ من قمطر٢ مثل سفرجل، قلت: "قَمَطْرَر".
وكذلك مثله من جعفر: "جَعَفْرَر".
قال أبو الفتح٣: هذا فصل قد تقدم شرحه.
قال أبو عثمان:
وإن قيل لك: كيف تبني من الثلاثة: ضرب وأخواته، مثل: السفَرْجل؟ فإن النحويين كلهم٤ مجمعون على تكرير اللام، فيقولون: "ضَرَبّب" ومن عَلِم: "عَلَمّم" ومن ظرُف: "ظَرَفَّف", ولم أسمع من كلام العرب شيئا من الثلاثة بُلغ به الخمسة من موضع اللام.
قال أبو الفتح: قد ذكر أبو عثمان العلة في امتناعه من إلحاق الثلاثة بالخمسة بتكرير اللام، وذلك أنه لم يسمعه. فلما لم يسمعه لم يقسه، وهذا مستقيم. ألا ترى أنهم قد سمعوا نحو "خَيْفَق، وكوثر، وجهور"٥ ولم يقيسوه لقلته, فإذا كان ما سُمِع غير مقيس لقلته، فما لم يُسمَع على وجه من الوجوه أحرى ألا يجوز بناء مثله.
стр. 176
ولكن هذا جائز على مذهب أبي الحسن؛ لأنه كان يبني جميع ما يُسأل عنه ويقول: مسألتك ليست١ بخطأ، وتمثيلي عليها صواب. قال: فإن أبى صاحبك فقل له: فلو جاء كيف كان ينبغي أن يكون؟ فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك.
قال أبو عثمان:
ولكن قد ألحقوا الثلاثة بالخمسة في "عَفَنْجَج", فالنون٢ ثالثة، وكرروا اللام وألحقوا٣ بغير ذلك, فقالوا: "حَبَنْطى, وعلندى، وسرندى، ودلنظى، وسبندى, وسبنتى" وهذا صالح قد كثُر حتى لو جعله جاعل بابا كان مصيبا. فإذا سئلت عن الثلاثة كيف تلحقها بالخمسة؟ قلت فيها: من ضرب: "ضَرَنْبَى", ومن علم: "عَلَنْمى", ومن ظرف: "ظرنفى".
وقد أُلحقت الثلاثة بالخمسة بأن كرروا العين واللام فقالوا: "صَمَحْمَح، وبَرَهْرَهَة، وجُلَعْلَع، ودَمَكْمَك", وأحرفا كثيرة على هذا المثال تعادل باب "حبنطى" في الكثرة أو أكثر منها، فاجعلهما٤ قياسا في إلحاق الثلاثة بالخمسة.
فأما٥ الإلحاق من موضع اللام, فلم أسمعه في شيء من كلام العرب؛ شعر ولا غير ذلك مما٦ ننويه.
قال أبو الفتح: قد عدد في هذه الفصول وجوه إلحاقات الثلاثة بالخمسة, إلا أن الذي اعتمد عليه هو باب "فَعَنْلى" نحو "دلنظى" وباب فَعَلْعَل
стр. 177
نحو "صَمَحْمَح، وبرهرهة", إلا أن باب صمحمح أكثر من باب دلنظى, فعليه ينبغي أن يكون١القياس, والآخر أيضا مطرد القياس. وإذا كان الأمر كذلك, فينبغي أن يكون قول الشاعر:
كأس رَنَوْنَاة وطِرْف طِمِر
رنوناة: منه "فَعَلْعَلَة" وكذلك شَجَوْجى, وكذلك مَرَوْرَاة؛ لأن باب "فَعَلْعَل" إذا كان أكثر من باب "فَعَنْلى" فهو أكثر من باب "فَعَوْعَل" لا محالة.
فالواو في رنوناة، وفي٢ مروراة، هي اللام٣ الأولى بمنزلة حاء صمحمح الأولى٤, ٥ولا يجوز٥ أن تجعلها كواو "عَثَوْثَل" لقلته.
قال الأصمعي: "الرُّنُوُّ": إدامة النظر, والرَّنَوْناة: هي الكأس الدائمة، واشتقاقها من هذا.
وقد ألحقت الثلاثة بالخمسة من غير ما ذكر أبو عثمان. قالوا: "عَقَنْقَل, وعصنصر، وسجنجل، وهجنجل، وعبنبل", فهذا كله "فَعَنْعَل", فزادوا النون وكرروا العين.
وقالوا: "حَبَوْتَن" ومثاله "فَعَوْلَل", فزادوا الواو وكرروا اللام.
وقالوا: "خَفَيْدَد" ومثاله "فَعَيْلَل", فزادوا٦ الياء وكرروا اللام.
стр. 178
فهذا ونحوه مما لم أذكره، لا يقاس عليه لقلته؛ ولذلك لم يذكره أبو عثمان.
فأما "جُلَعْلَع" فليس ملحقا بسفرجل؛ لضم الجيم. ألا ترى أنه ليس في الكلام مثل "سفرجل" -بضم السين- فيلحق هذا به. ولكن العين واللام كُرِّرتا فيه لغير الإلحاق, ونظيره١: ذُرَحْرَح. فلما كررت اللام وحدها تارة في مثل قَرْدَد، والعين وحدها أخرى في مثل "غَدَوْدَن", كذلك كررت العين واللام جميعا في باب٢ "صمحمح, وجلعلع".
قال أبو عثمان: وأما إلحاق الأربعة بالخمسة, فمن موضع اللام على ما ذكرت٣ لك؛ لأنه المطرد وما ألحق بالخمسة من الأربعة بغير موضع اللام فمختلف.
قالوا: "فَدَوْكَس", فألحقوه بالواو بالخمسة.
وقالوا: "عَمَيْثَل" فألحقوه بالياء. ونظيره من الثلاثة "عَطَوَّد" ألحقوه بالواوين.
فهذا يدلك على أن الملحق سوى اللام مختلف, واللام غير مختلفة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول في العلة التي من أجلها كان القياس في الإلحاق بتكرير اللام, ولهذا اختلف إلحاق بنات الأربعة بغير اللام. ألا ترى أن "فدوكسا" ملحق بالواو، و"عميثلا" ملحق بالياء, و"عطودا" ملحق بتكرير الواو؟ فهذا وجه الاختلاف؛ لأنه لم يلزم طريقة واحدة, وأنت إذا كررت اللام لم تكن إلا بلفظ الأولى, فمن هنا لم يكن مختلفا.
قال أبو عثمان: وقال الخليل في مصدر بنات الثلاثة التي تعدى: إن أصلها: "فَعْل" نحو "ضرب ضربا، وقتل قتلا", وجعل ما خالفه ليس
стр. 179
بأصل لاختلافه. فهذا الإلحاق من الأربعة نظير هذا المصدر من الثلاثة. فعليه فقس, واجعل بنات الثلاثة الملحقة بالخمسة على ما ذكرت لك, حتى تكون قد قست على كلامم ولم تعد.
قال أبو الفتح١: إنما كان الأصل في مصادر بنات الثلاثة المتعدية عند الخليل "فَعْلا" بعد كثرته في السماع؛ لأن كل فعل ثلاثي، فالمرة الواحدة منه "فَعْلَة" نحو "ضربته ضَرْبة، وقتلته قَتْلة، وشتمته شَتْمة".
فكأن قولك في المصدر "شَتْم، وقتل، وضرب" إنما هو جمع فَعْلَة, نحو: "تَمْرَة وتَمْر، ونخلة ونخل"٢؛ لأن المصدر يدل على الجنس، كما أن التمر والنخل يدلان على الجنس, "فضربة" نظيرة "تمرة" و"ضرب" نظير "تمر".
وقوله: وجعل ما خالفه ليس بأصل، يعني: بقية مصادر بنات الثلاثة نحو "الركوب, والظلم والإتيان" فهذه ونحوها مصادر المتعدية, ولا تطرد اطراد القتل والضرب؛ لأن فعلا لا يمتنع من جميعها فهو الأصل, وعليه مدار الباب.
قال أبو علي: وهذا التشبيه من أبي عثمان "عَجَب من العَجَب", وهو كما ذكر.
وقوله: واجعل بنات الثلاثة الملحقة بالخمسة على ما ذكرت لك, يريد: أن وجه الإلحاق في بنات الثلاثة أن يكون من باب "صمحمح، وبرهرة" أو باب "سرندى، وحبنطى" وقد تقدم ذكره.
стр. 180
ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم:
قال أبو عثمان: وكان أبو الحسن الأخفش يجيز أن تبني على ما بنت العرب، وعلى أي مثال سألته، إذا قلت له١: ابن لي من كذا٢ مثل كذا، وإن لم يكن من أمثلة العرب، ويقول: إنما سألتني أن أُمثل لك، فمسألتك ليست٣ بخطأ, وتمثيلي عليها صواب.
وكان الخليل وسيبويه يأبيان ذلك ويقولان: ما قيس على٤ كلام العرب فهو من كلامهم، وما لم يكن في كلام العرب، فليس له معنى في كلامهم، فكيف تجعل مثالا من كلام قوم ليس له في أمثلتهم معنى؟
وهذا هو القياس. ألا ترى أنك إذا سمعت "قام زيد" أجزت أنت "ظرف خالد، وحمق بشر", وكان ما قسته٥ عربيا كالذي قسته عليه؛ لأنك لم تسمع من العرب أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ومفعول، وإنما سمعتَ بعضا فجعلتَهُ أصلا وقستَ عليه ما لم تسمع. فهذا أثبت وأقيس، إن شاء الله٦.
قال أبو الفتح: القول في هذا الخلاف ما ذهب إليه سيبويه. قال أبو علي: ويلزم أبا الحسن أن يبني مثل٧ "فِعُل" من "ضَرَبَ: ضِرُب". قال: وهذا أفحش من بنائه مثل كابُل؛ لأنه أجاز بناء الأعجميات فيلزمه هذا أيضا.
قال: والقياس ألا يجوز إلا أن تبني على أمثلة العرب؛ لأن في بنائك