ولكن هذا جائز على مذهب أبي الحسن؛ لأنه كان يبني جميع ما يُسأل عنه ويقول: مسألتك ليست١ بخطأ، وتمثيلي عليها صواب. قال: فإن أبى صاحبك فقل له: فلو جاء كيف كان ينبغي أن يكون؟ فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك.
قال أبو عثمان:
ولكن قد ألحقوا الثلاثة بالخمسة في "عَفَنْجَج", فالنون٢ ثالثة، وكرروا اللام وألحقوا٣ بغير ذلك, فقالوا: "حَبَنْطى, وعلندى، وسرندى، ودلنظى، وسبندى, وسبنتى" وهذا صالح قد كثُر حتى لو جعله جاعل بابا كان مصيبا. فإذا سئلت عن الثلاثة كيف تلحقها بالخمسة؟ قلت فيها: من ضرب: "ضَرَنْبَى", ومن علم: "عَلَنْمى", ومن ظرف: "ظرنفى".
وقد أُلحقت الثلاثة بالخمسة بأن كرروا العين واللام فقالوا: "صَمَحْمَح، وبَرَهْرَهَة، وجُلَعْلَع، ودَمَكْمَك", وأحرفا كثيرة على هذا المثال تعادل باب "حبنطى" في الكثرة أو أكثر منها، فاجعلهما٤ قياسا في إلحاق الثلاثة بالخمسة.
فأما٥ الإلحاق من موضع اللام, فلم أسمعه في شيء من كلام العرب؛ شعر ولا غير ذلك مما٦ ننويه.
قال أبو الفتح: قد عدد في هذه الفصول وجوه إلحاقات الثلاثة بالخمسة, إلا أن الذي اعتمد عليه هو باب "فَعَنْلى" نحو "دلنظى" وباب فَعَلْعَل
стр. 177
نحو "صَمَحْمَح، وبرهرهة", إلا أن باب صمحمح أكثر من باب دلنظى, فعليه ينبغي أن يكون١القياس, والآخر أيضا مطرد القياس. وإذا كان الأمر كذلك, فينبغي أن يكون قول الشاعر:
كأس رَنَوْنَاة وطِرْف طِمِر
رنوناة: منه "فَعَلْعَلَة" وكذلك شَجَوْجى, وكذلك مَرَوْرَاة؛ لأن باب "فَعَلْعَل" إذا كان أكثر من باب "فَعَنْلى" فهو أكثر من باب "فَعَوْعَل" لا محالة.
فالواو في رنوناة، وفي٢ مروراة، هي اللام٣ الأولى بمنزلة حاء صمحمح الأولى٤, ٥ولا يجوز٥ أن تجعلها كواو "عَثَوْثَل" لقلته.
قال الأصمعي: "الرُّنُوُّ": إدامة النظر, والرَّنَوْناة: هي الكأس الدائمة، واشتقاقها من هذا.
وقد ألحقت الثلاثة بالخمسة من غير ما ذكر أبو عثمان. قالوا: "عَقَنْقَل, وعصنصر، وسجنجل، وهجنجل، وعبنبل", فهذا كله "فَعَنْعَل", فزادوا النون وكرروا العين.
وقالوا: "حَبَوْتَن" ومثاله "فَعَوْلَل", فزادوا الواو وكرروا اللام.
وقالوا: "خَفَيْدَد" ومثاله "فَعَيْلَل", فزادوا٦ الياء وكرروا اللام.
стр. 178
فهذا ونحوه مما لم أذكره، لا يقاس عليه لقلته؛ ولذلك لم يذكره أبو عثمان.
فأما "جُلَعْلَع" فليس ملحقا بسفرجل؛ لضم الجيم. ألا ترى أنه ليس في الكلام مثل "سفرجل" -بضم السين- فيلحق هذا به. ولكن العين واللام كُرِّرتا فيه لغير الإلحاق, ونظيره١: ذُرَحْرَح. فلما كررت اللام وحدها تارة في مثل قَرْدَد، والعين وحدها أخرى في مثل "غَدَوْدَن", كذلك كررت العين واللام جميعا في باب٢ "صمحمح, وجلعلع".
قال أبو عثمان: وأما إلحاق الأربعة بالخمسة, فمن موضع اللام على ما ذكرت٣ لك؛ لأنه المطرد وما ألحق بالخمسة من الأربعة بغير موضع اللام فمختلف.
قالوا: "فَدَوْكَس", فألحقوه بالواو بالخمسة.
وقالوا: "عَمَيْثَل" فألحقوه بالياء. ونظيره من الثلاثة "عَطَوَّد" ألحقوه بالواوين.
فهذا يدلك على أن الملحق سوى اللام مختلف, واللام غير مختلفة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول في العلة التي من أجلها كان القياس في الإلحاق بتكرير اللام, ولهذا اختلف إلحاق بنات الأربعة بغير اللام. ألا ترى أن "فدوكسا" ملحق بالواو، و"عميثلا" ملحق بالياء, و"عطودا" ملحق بتكرير الواو؟ فهذا وجه الاختلاف؛ لأنه لم يلزم طريقة واحدة, وأنت إذا كررت اللام لم تكن إلا بلفظ الأولى, فمن هنا لم يكن مختلفا.
قال أبو عثمان: وقال الخليل في مصدر بنات الثلاثة التي تعدى: إن أصلها: "فَعْل" نحو "ضرب ضربا، وقتل قتلا", وجعل ما خالفه ليس
стр. 179
بأصل لاختلافه. فهذا الإلحاق من الأربعة نظير هذا المصدر من الثلاثة. فعليه فقس, واجعل بنات الثلاثة الملحقة بالخمسة على ما ذكرت لك, حتى تكون قد قست على كلامم ولم تعد.
قال أبو الفتح١: إنما كان الأصل في مصادر بنات الثلاثة المتعدية عند الخليل "فَعْلا" بعد كثرته في السماع؛ لأن كل فعل ثلاثي، فالمرة الواحدة منه "فَعْلَة" نحو "ضربته ضَرْبة، وقتلته قَتْلة، وشتمته شَتْمة".
فكأن قولك في المصدر "شَتْم، وقتل، وضرب" إنما هو جمع فَعْلَة, نحو: "تَمْرَة وتَمْر، ونخلة ونخل"٢؛ لأن المصدر يدل على الجنس، كما أن التمر والنخل يدلان على الجنس, "فضربة" نظيرة "تمرة" و"ضرب" نظير "تمر".
وقوله: وجعل ما خالفه ليس بأصل، يعني: بقية مصادر بنات الثلاثة نحو "الركوب, والظلم والإتيان" فهذه ونحوها مصادر المتعدية, ولا تطرد اطراد القتل والضرب؛ لأن فعلا لا يمتنع من جميعها فهو الأصل, وعليه مدار الباب.
قال أبو علي: وهذا التشبيه من أبي عثمان "عَجَب من العَجَب", وهو كما ذكر.
وقوله: واجعل بنات الثلاثة الملحقة بالخمسة على ما ذكرت لك, يريد: أن وجه الإلحاق في بنات الثلاثة أن يكون من باب "صمحمح، وبرهرة" أو باب "سرندى، وحبنطى" وقد تقدم ذكره.
стр. 180
ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم:
قال أبو عثمان: وكان أبو الحسن الأخفش يجيز أن تبني على ما بنت العرب، وعلى أي مثال سألته، إذا قلت له١: ابن لي من كذا٢ مثل كذا، وإن لم يكن من أمثلة العرب، ويقول: إنما سألتني أن أُمثل لك، فمسألتك ليست٣ بخطأ, وتمثيلي عليها صواب.
وكان الخليل وسيبويه يأبيان ذلك ويقولان: ما قيس على٤ كلام العرب فهو من كلامهم، وما لم يكن في كلام العرب، فليس له معنى في كلامهم، فكيف تجعل مثالا من كلام قوم ليس له في أمثلتهم معنى؟
وهذا هو القياس. ألا ترى أنك إذا سمعت "قام زيد" أجزت أنت "ظرف خالد، وحمق بشر", وكان ما قسته٥ عربيا كالذي قسته عليه؛ لأنك لم تسمع من العرب أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ومفعول، وإنما سمعتَ بعضا فجعلتَهُ أصلا وقستَ عليه ما لم تسمع. فهذا أثبت وأقيس، إن شاء الله٦.
قال أبو الفتح: القول في هذا الخلاف ما ذهب إليه سيبويه. قال أبو علي: ويلزم أبا الحسن أن يبني مثل٧ "فِعُل" من "ضَرَبَ: ضِرُب". قال: وهذا أفحش من بنائه مثل كابُل؛ لأنه أجاز بناء الأعجميات فيلزمه هذا أيضا.
قال: والقياس ألا يجوز إلا أن تبني على أمثلة العرب؛ لأن في بنائك
стр. 181
إياه إدخالا له في كلام العرب. والدليل على ذلك أنك تقول: "طاب الخُشْكُنان" فترفعه, وإن كان أعجميا؛ لأن كل فاعل عربي مرفوع, فإنما تقيس على ما جاء وصح.
هذا لفظ ما وجدت في تعليقي عن أبي علي بالشام.
فقوله١: وهو أفحش من بنائه مثل "كابُل" يريد: أن "ضِرُب" فيه خروج من كسر إلى ضم لازم. وهذا غير موجود في كلام العرب؛ لاستثقال الضمة بعد الكسرة. وليس في كابل شيء يستثقل٢ مثل ما في "ضِرُب", وإنما فيه أنه لم يجئ في كلامهم مثل فاعُل بضم العين, كما أنه قد تُتخيل أبنية كثيرة متمكنة، ولكنها لم تأت في كلامهم.
ألا ترى أنه ليس في كلامهم مثل "جعفِر" بكسر الفاء, ولا مثل "جعفُر" بضمها، ولم٣ يمتنع منه لأنه مستثقل, بل رُفض رفضا. وليس لأحد أن يقول: هلا جاء في الأمثلة ما لم يجئ؟ لأن هذا كان يكون بابا غير مدرك، وإنما سبيله أن يذكر ما جاء ويضرب عما لم يجئ, فلا يذكر إلا أن يكون امتناعهم منه لعلة؛ لأنك إنما تفسر أحكام لغتهم، لا ما لم يجئ عنهم٤، ولأنك لو ذهبت تذكر أحكام ما لم يجئ لكنت قد شرعت في تفسير ما لم ينطق به عربي.
وكان ذلك يكون تخليطا وهَوَسا؛ لأن فيما خرج إلى الوجود شغلا عما هو باق في العدم، إلا ما علته في الامتناع من النطق به قائمة، فإن مثل ذلك يُسأَل عنه.
стр. 182
يجوز أن يبنى من "ضرب" على مثال "جعفر", ويجعل اسما، وصفة، وفعلا:
وهذا الخلاف الذي بين سيبويه والأخفش يدل على صحة ما ذهب إليه أبو علي من أنه يجوز أن تبني من ضرب مثل "جَعْفَر" فتجعله اسما، وفعلا، ووصفا، وغير ذلك؛ فتقول: "ضَرْبَبَ زيدٌ عمرًا، ومررت برجل ضرببٍ١, وجاءني ضرببٌ, ورأيت ضرببًا".
ألا ترى أن أبا عثمان قال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، فيجب أن يكون "ضربب" هذا من كلامهم؛ لأنك وإن لم تسمعه بعينه، فقد سمعت ما هو نظيره، فجرى ذلك مجرى رفع الفاعل الذي لا ينكسر؛ لأنك إذا سمعت "قام زيد" أجزت أنت٢ "قعد بشر", وإن لم تسمعهم يقولون: "قعد بشر" ولكنك سمعتهم يقولون ما هو نظيره وفي معناه, فكذلك إذا اطرد عندهم "مَهْدَد، وقَرْدَد" أجزت أنت أيضا "دَخْلَل، وخَرْجَج" فهذا هنا كذاك ثمة.
"متى يجوز البناء على مثال ما لم يأت عن العرب؟ ":
ولو كان الغرض في البناء تمثيل الكلمة من المبني منه لزال الخلاف؛ لأنهم كلهم مجمعون على أنه لو قيل لهم: ما وزن "غَدَوْدَن" من الفعل؟ لقالوا: "فَعَوْعَل".
ولو قيل لهم: أتُجيزون إلحاق بنات الثلاثة ببنات الخمسة على مثال "فَعَوْعَل" حتى يقولوا "ضَرَوْرَب" لما قاسوه, فلا يقولون: "هذا رجل ضَرَوْرَب" كما يجيزون "رجل ضَرَنْبى".
стр. 183
ولو قيل لهم: ما وزن "غدودن" من ضرب؟ لقالوا: "ضَرَوْرَبٌ"، يريدون به المثال لا غير, ولا يريدون به أن يجعلوه اسما ولا صفة. كما يقولون: "هذا رجل ضربب, وهذا رجل ضرنبى".
ألا ترى أن أبا الحسن قد قال في كتابه: فإن أبى خصمك فقل له: فلو قيل: كيف كان يقال؟ فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك.
فهذا يدل على أنه يريد: إن لم يجبك إلى أن تبني على١ ما لم يأت، فقل له: فكيف٢ كان٣ يكون حكمه لو جاء؟ فإنه لا بد له٤ من الرجوع إليك، أي: فلا بد من أن يمثل لك٥ جميع ما تسأله عنه على شريطة٦ أنه لو جاء, لكان على هذه الصيغة.
فهذا كله يقوِّي أن تقول: "ضرببَ زيدٌ عمرَا"٧, وألا تجيز٧: "ضَيْرَبَ زيدٌ عمرًا", ولا "ضَوْرَبَ بكر خالدا".
стр. 184
باب الياء والواو واللتين هما فاءات
...
قال أبو عثمان:
باب الياء والواو اللتين هما فاءات:
١اعلم أن كل ما كان موضع الفاء منه واوا، وكان٢ فعلا، وكان على فعل, فإنه يلزم٣ "يَفْعِل" ويُحذَف في الأفعال المضارعة منه "الواو" التي هي فاء, ويكون المصدر على "فِعْلَة" محذوف الفاء, وتُلقَى حركة الفاء على العين، فتصير العين مكسورة، وذلك قولك٤: "وَعَدَ، ووَزَنَ، ووَثَبَ" تقول في "يَفْعِل" منه: "يَعِد، ويزن، ويثب, وعِدَة، وزنة، وثبة"٥, وكان الأصل فيه: "يَوْعِد، ويوزن، ووِعْدة٦، ووزنة".
ولكنهم اتقوا وقوع الواو بين ياء وكسرة, فحذفوها٧ استخفافا، وجعلوا سائر المضارع تابعا لـ "يفعل"، فحذفوه لئلا يختلف المضارع في البناء، وجعلوا المصدر معتلا، فحذفوا فاءه فقالوا٨: "عِدَة، وزنة"؛ لأنهم استثقلوا "وِعْدة، ووزنة", فألزموهما الحذف، ولأن المصدر قد جرى مجرى الفعل. فكما استثقلوا الواو إذا كانت٩ بين ياء وكسرة والواو ساكنة، كانوا للواو إذا كانت الكسرة فيها أشد استثقالا, فحوَّلوا كسرتها على ما بعدها وألزموها١٠ الحذف؛ لأنهم لو أثبتوها بعد أن سلبوها حركتها, احتاجوا إلى ألف الوصل لئلا يبتدأ بساكن.
فلو جاءوا بألف الوصل وهي مكسورة؛ لزمهم أن يبدلوا الواو ياء؛ لأن
стр. 185
قبلها كسرة، والواو الساكنة إذا كان١ قبلها كسرة، أبدلوا منها ياء، فكانوا يقولون: "إيْعَدًا". وقال أبو علي: "إيْعَدَة" بالهاء, فتجتمع كسرتان في الابتداء بينهما ياء ساكنة، فكان يجتمع ما يستثقلون, فحذفوا لذلك.
قال أبو الفتح: قد شرح هذا الموضع في إيجاز، وأنا أذكر غير ما جاء به.
اقتصارهم على "يَفْعِلُ" كيضربُ من "فَعَل" الذي فاؤه واو:
قال أبو علي: إن الأفعال الماضية التي على مثال "فَعَلَ" قد يأتي مضارعها على "يَفْعِلُ" كما يأتي على "يَفْعُلُ", وذلك نحو "ضرب يضرِب، وقتل يقتُل". وقد يأتي على "يَفْعَلُ" -بفتح العين- إذا كانت اللام أو العين حرفا حلقيا نحو: "يقرأ، ويسأل".
قال: فاقتصارهم بما كان ماضيه بوزن٢ "فَعَلَ" وفاؤه واو على "يَفْعِلُ" ضرب من الإعلال لحقه؛ لأن منعه ما٣ يجوز في غيره٤ علة لحقته.
هذا٥ آخر قول أبي علي، وهو صواب إن شاء الله.
فإن قال قائل: ولِمَ اقتُصر٦ في هذا على "يَفْعِلُ"؟ وهلّا جاز فيه ما يجوز في غيره مما ليست فاؤه واو؟
قيل: لأنهم أرادوا حذف الواو لثِقَلها, فقصروه على كسر العين ليجب عن ذلك حذف الواو.
فإن قيل: فهلا اقتصروا٧ به على "يفعَل", أو "يفعُل" دون "يفعِل"؟
стр. 186
قيل: إن "يفعَل" -بفتح العين- ليس بابه "فَعَل", وإنما بابه "فَعِل" نحو: "شَرِبَ يَشْرَب، وركب يركب" فلم يجز أن يلزم الفتح لأنه ليس بابه، ولأنه لو فتح لم يجز١ حذف الواو المستثقلة، وعُدِل به إلى الكسر دون الضم؛ لأنه لما كان باب ما عينه من الماضي مكسورة٢ أن يجيء بفتح عين مضارعه نحو: "شرِب يشرَب", وجب أن يكون باب ما عين ماضيه مفتوحة أن يجيء مضارعه مكسور العين نحو: "ضرَب يضرِب".
باب "فعَل" المفتوح العين "يفعِل" بكسرها, و"يفعُل" بضمها داخل عليه:
وإنما جاز "قتل يقتل" ونحوه؛ لأنه لما كانت حركة عين المضارع أبدا تخالف حركة عين الماضي, إلا باب "فعُل يفعُل" جاز "قتَل يقتُل"؛ لأن الخلاف في حركة العين قد وقع. ولكن الباب ما بدأنا به من أن باب "فعَل" إنما هو "يفعِل" و"يفعُل" داخل عليه.
وشيء آخر يدل على أن "يقتل" داخل على "يضرِب" وأن الباب للكسر دون الضم, وهو أن الضم قد لزم باب ما ماضيه "فعُل" نحو: "ظرُف يظرُف، وكرم يكرم". أفلا ترى أن الضم قد يستبد٣ به "فعُل" كما استبد "فَعِل" بـ "يفعَل"٤, فكذلك كان القياس أن يستبد "فعَل" بـ "يفعِل"، فمن هنا كان "يفعُل" داخلا على "يفعِل"٤ كما أن يحسب داخل على يضرب, وكما أن "يقلَى، ويسلَى، ويأبَى" داخل على "يركَب".
فلما كان باب "فَعَلَ" حكمه أن يأتي على "يفعِل" لما قدمنا، وكان "يفعُل" إنما هو داخل على "يفعِل" وأريد حذف الواو في مضارع "فعَل" مما
стр. 187
فاؤه واو, اقتصروا١ به على الكسر الذي يجب معه الحذف ولم يضموه؛ لأن الضم ليس بأصل فيه، وإنما بابه الكسر.
لِمَ كان باب "فَعِلَ يفعَلُ كفرح" وباب "فعَل يفعِلُ كضرب؟ ":
فإن قال قائل: ولِمَ كان باب "فعِل يفعَل" وباب "فعَل يفعِل"؟
قيل: لأنهم أرادوا أن تخالف حركة العين في المضارع حركتها في الماضي؛ لأن كل واحد منهما بناء على حياله. فجعلوا مضارع "فعِل يفعَل" ومضارع "فعَل" في أكثر الأمر "يفعِلُ"؛ لمقاربة الكسرة الفتحة، واجتماعهما في مواضع كثيرة، وإمالة كل واحدة٢ إلى صاحبتها نحو قولك: "مررت بعمر، وضربت عمر" ونحو قولك: "ضربت الهندات، ومررت بالهندات" وغير ذلك٣ مما يطول ذكره.
فهذا ونحوه يدل على مناسبة الكسرة للفتحة؛ فلذلك تعاقبتا في "فَعِلَ يَفْعَل, وفَعَلَ يَفْعِلُ"، ولأن الياء أيضا مقاربة للألف حتى إنهم قد٤ قالوا: "حاحيت، وعاعيت، وهاهيت، وحاريّ، وطائيّ" وغير ذلك مما لا سبب فيه يوجب القلب إلا القرب، وما ليس بعلة قاطعة.
فأما قول الشاعر:
لو شئت قد نَقَعَ الفؤاد بشربة ... تَدَعُ الحوائم لا يَجُدْن غليلا
فشاذ، والضمة عارضة؛ ولذلك حذفت الفاء كما حذفت في "يَقَعُ، ويزع", وإن كانت الفتحة هناك؛ لأن الكسر هو الأصل، وإنما الفتح عارض.
стр. 188
رأي الفراء وأبي العباس المبرِّد في حذف الواو من "يَعِدُ، ويَزِنُ":
وقال الفراء: إن الواو إنما حُذفت من "يَعِد، ويزن" لأنهما متعديان. قال: وكذلك كل متعد. قال: ألا ترى أنهم قالوا: "وَجِل يَوْجَل، ووحل يوحل" فأثبتوا الواو لما كان "وجل، ووحل" غير متعديين.
وتعجب أبو العباس من هذا القول واستطرفه، وقال: إن التعدي وغير التعدي لا وجه لذكره في هذا الموضع. ألا ترى أنهم قد قالوا: "وَقَعَ يَقَعُ، ووضع في السير يضع، ووقَدَت النار تَقِد، ووَبَلَ المطر يَبِلُ، ووَأَلَ مما كان يحذره -أي نجا- يَئِلُ" ونحو ذلك, فحذفوا الواو وإن لم يكن في هذه الأفعال فعل متعد.
وأما١ "يَوْجَل، ويوحل" فلم تثبت فيه الواو من قبل أنه غير متعد، إنما ذاك من قبل أنه لا كسرة بعد الواو يجب به لاجتماع الياء معها الحذف.
باب "كرُم، يكرُم" وتباعده عن بابي "فَعِلَ، وفَعَلَ":
فأما قولهم: "كرم يكرم" فإنهم إنما٢ أقروا في عين المضارع حركة الماضي؛ لأن هذا باب على حدته لا يكون متعديا أبدا، إنما يكون٣ للهيئة التي يكون الشيء عليها, نحو: "ما كان ظريفا ولقد ظرُف، وما كان شريفا ولقد شرف", فتباعد هذا الفعل من باب "فعِل، وفعَل" اللذين قد يكون كل واحد منهما متعديا وغير متعد. فأُقرت في عين المضارع حركة عين الماضي؛ لأنه باب على حياله.
стр. 189
وأيضا فلم يدخل في مضارع "فعُل" كسر ولا فتح كما جاء "قتل يقتل، وفضل يفضل"؛ لأن "فعُل" لا يتعدى، فلم يقوَ قوة "فَعِل، وفَعَل" المتعديين، فدخلا عليه ولم يدخل عليهما.
وحكى سيبويه: "كدت أكاد" وهذا١ من الشاذ، وكأنه٢ إنما جاء "كُدْت أكاد" على "فعُل يفعَل" لأحد أمرين:
إما أن يكون اجتُرئ عليه بأن أخرج عن بابه؛ لضعفه باعتلال عينه.
وإما أن يكون عُوِّض من اعتلال عينه، فقوي بضرب من التصرف ليس لنظيره.
ويجوز أن يكون لما أتى الماضي على "فعُل" وعينه ياء، فخرج عن الأصول، أُخرج أيضا مضارعه عما عليه الجمهور, أو لئلا تنقلب الياء في المضارع واوا وجعلهم الفتحة والكسرة في عين ماضي المتعدي أحد ما ينبه على بعد ما بين الكسرة والفتحة وبين الضمة.
ألا ترى أن الضمة جعلت لعين٣ ضرب من الأفعال مباين لباب ما انفتحت٤ عينه وانكسرت.
فإن قيل٥: ولِمَ جعلت الضمة في هذا الباب دون الفتحة والكسرة؟
قيل٥: لأن ما يتعدى من الأفعال أكثر مما لا يتعدى، فجعلت الضمة في عين ما لا يتعدى لقلته، وخصوا المتعدي بالفتح والكسر لكثرته وخفة الفتحة والكسرة هربا من أن يكثر من كلامهم ما يستثقلونه.
стр. 190
وهذا نحو قول أبي إسحاق: إنهم إنما رفعوا الفاعل، ونصبوا المفعول؛ لقلة الفاعلين وكثرة المفعولين، فجعلوا الفتح فيما يكثر، والضم فيما يقل؛ لئلا يكثر في كلامهم١ ما يستثقلون, ولهذا٢ خص ما لا يتعدى "بفعُل".
وقوله: إن الفاء في "وَعَد" تحذف في المضارع؛ لوقوعها بين ياء وكسرة، كانت٣ في التقدير: "يوعد، ويوزن".
معنى قولهم: الأصل في "قام وباع: قَوَمَ وبَيَعَ" ونحو ذلك:
وينبغي أن يعلم أنه ليس معنى قولنا: إنه٤ كان الأصل٤ في "قام، وباع: قَوَمَ وبَيَعَ" وفي "أخاف, وأقام: أخْوَفَ، وأقْوَمَ" وفي "استعان، واستقام: استعْون، واستقْوم" أننا٥ نريد به أنهم قد٦ كانوا نطقوا مدة من الزمان "بقوم، وبيع" ونحوهما مما هو مغير، ثم إنهم أضربوا عن ذلك فيما بعد.
وإنما نريد بذلك أن هذا لو نطق به على ما يوجبه القياس بالحمل على أمثاله, لقيل: "قَوَمَ، وبيع، واستقْوم، واستعْون".
ألا ترى أن "استقام" بوزن "استخرج", فقياسه أن يكون "استقوم" إلا أن الواو قُلبت ألفا لتحركها الآن٧ وانفتاح ما قبلها في الأصل، أعني: "قَوَمَ", ويدل على ذلك أيضا ما يخرج من المعتلات على أصله.
ألا ترى إلى قولهم: "استرْوح, واستنْوق الجمل، واستَتْيست الشاة"
стр. 191
فدل ذلك على أن أصل "استقام: استقْوَمَ". وقال١ الشاعر:
صددتِ فأطولْتِ الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
فقوله: "أطولت" يدل على أن أصل "أخاف: أخْوَفَ", وقد قالوا: "وأطال"٢.
وقالوا: "أحوجت زيدا إلى كذا وكذا، وأغيَلَت المرأة" وغير ذلك.
فهذه الأشياء الشاذة إنما خرجت كالتنبيه على أصول٣ ما غُيِّر، وأنه٣ لولا ما لحقه من العلل العارضة، لكان سبيله أن يجيء على غير هذه الهيئة المستعملة.
وقوله: وجعلوا سائر المضارع تابعا لـ "يفعِل", فحذفوه٤ لئلا يختلف المضارع في البناء.
حملهم الشيء على حكم نظيره:
يقول: حذفوه في قولهم "أَعِد، ونعد، وتعد" وإن لم تكن هناك ياء؛ لأنهم لو قالوا: "أنا أوعد، وهو يعد" لاختلف المضارع، فكان يكون مرة بواو وأخرى بلا واو, فحُمل ما لا علة فيه على ما فيه علة.
فهذا٥ مذهب مطرد في كلامهم ولغاتهم, فاشٍ في محاوراتهم ومخاطباتهم أن يحملوا الشيء على حكم نظيره؛ لقرب ما بينهما، وإن لم يكن في أحدهما ما في الآخر مما أوجب له الحكم.
стр. 192
ومثل "يعد" قولهم: "أنا أُكرِم", فحذفوا الهمزة التي كانت في "أكرم"؛ لئلا يلتقي همزتان؛ لأنه كان يلزم: "أنا أؤكرم", فحذفوا الثانية كراهة١ اجتماع همزتين.
ثم٢ قالوا: "نكرم٢، وتكرم، ويكرم" فحذفوا الهمزة، وإن كانوا لو جاءوا بها لما اجتمع٣ همزتان, ولكنهم أرادوا المماثلة، وكرهوا أن يختلف المضارع فيكون مرة بهمزة وأخرى بغير همزة، محافظة على التجنيس في كلامهم. وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة الأصلية المفردة٤ في نحو: "خُذْ، وكُلْ" فهم بأن يحذفوا الزائدة إذا كانت معها أخرى زائدة أجدر, وقد جاء في كلامهم٥ مثل: "يُؤَفْعَل" أنشدوا:
فإنه أهل لأن يؤكرما
فجاء به على الأصل ضرورة. وقالت ليلى الأخيلية تصف قطا٦:
تدلت على حص ظماء كأنها ... كرات غلام في كساء مُؤَرْنَب
أي: متخذ من جلود الأرانب, فقولها: "مؤرنب" على حد قوله: "يؤرنَب", ومثاله: "مؤفعَل"٧ وهو كـ "يؤكرَم".
فأما قول الآخر:
وصاليات ككما يُؤثفَيْن
стр. 193
فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مثل "يؤكرَم" ويكون على لغة من قال: "ثفَّيت القِدر", وعلى قول١ الشاعر:
وذاك صنيع لم تشف له قدري
ومن قال هذا كانت "أُثفِيَّة" عنده "أُفْعُولَة" واللام واو، لما سنذكره في موضعه، ويحتمل أن تكون ياء.
والوجه الآخر: أن يكون "يؤثفَين يفعلَين" بمنزلة "يسلْقين، ويجعْبين", فتكون "أثفية" على هذا "فُعْلِيَّة" وتكون على لغة من قال: "آثفت القدر" وهذا قول النابغة:
وإن تأثّفك الأعداء بالرفد
أي: صاروا حولك كالأثافي حول الرماد.
بناؤك مثل "دحرج" من "أخذ":
فأما لو بنيت مثل "دحرج" من "أخذ" لقلت: "أخذذ", فإن رددته إلى المضارع فقياسه عندي "يؤخذِذ، وأنا أؤخذِذ", فتبدل الهمزة من "أوخذذ" واوا لانضمام ما قبلها, ولا تقرها لئلا تلتقي همزتان في كلمة واحدة. ولا يجوز أن تقول: "يُخذِذ" بحذف الهمزة، كما تقول "يُكرِم" لعلتين:
إحداهما: أن هذا الفعل ملحق بـ "دحرج يدحرج", فلو حذفت الهمزة فقلت: "يخذذ" لزال الغرض المطلوب من الإلحاق وذهب البناء.
والعلة الأخرى: أن هذه الهمزة في أخذذ" فاء الفعل، وهمزة
стр. 194
"أكرم" زائدة. فلو قلت: "أنا أُؤكرم" لاجتمعت في أول الكلمة همزتان زائدتان. وأنت إذا قلت: "أنا أُوَخذذ" فالهمزة الثانية التي أبدلت منها الواو أصل ليست بزائدة, والأصل أقوى من الزائد؛ فلذلك أبدلتها ولم أحذفها.
ألا ترى: أن "جاءٍ، وشاءٍ١" ونحوهما من أسماء الفاعلين لما اجتمع فيها همزتان أبدلوا الثانية ولم يحذفوها, فكذلك أقول: "أنا أوخذذ", فأُبدل الثانية ولا أحذفها.
ولا أعلم أحدا من أصحابنا ذكر هذه المسألة إلى هذه الغاية.
فإن قلت: فقد قالوا: "أوعد يُوعِد، وأوقد يوقد" وما أشبه ذلك, فهلا قالوا: "وعد يوعد" على قياس "أوعد يوعد", بل "يوعد" أثقل؛ لأن ياءه مضمومة، وياء "يوعد"٢ مفتوحة؟
فالجواب: أن "يوعد" أصله "يُؤَوْعِد" مثل "يؤكرم", فلما حذفوا الهمزة, لم يجمعوا على الفعل حذف الفاء أيضا. و"يعد" لم يحذف منه شيء غير الواو، فجاز ذلك، وهذا الفصل بينهما. وقد جوّد٣ أبو عثمان القول في: "عدة، وزنة".
وقوله: ولأن المصدر قد يجري مجرى الفعل, يريد أنهم قد٤ قالوا:" لُذْلت لياذا", فقلبوا الواو في المصدر٥؛ لأنها قد انقلبت في "لاذ", ولما صحت في "لاوذت" صحت في "لِوَاذ"٥.
стр. 195
ومثله: "قُمت قِياما، وقاومته قِواما".
أو يريد: أن المصدر يجري مجرى الفعل, والغرض الأول أشبه. فهذا وغيره مما يدلك على مقاربة المصدر للفعل ومشابهته إياه.
ثبات الواو وهي فاء في المصدر الذي على "فَعْل" بفتح فسكون:
قال أبو عثمان:
فإن١ كان المصدر "فعلا" لم يحذفوا، نحو: "وعدا، ووزنا"؛ لأنه لم يجتمع ما يستثقلون, فثبت٢ لذلك.
قال أبو الفتح: يقول: ليس في "وعدا" ما كان٣ يكون في "وِعْدة" لو قيلت، يعني كسرة الواو, وأنه مصدر جارٍ على "فِعْل" محذوف الفاء٤، فحمل المصدر على الفعل.
ثبات الياء وهي فاء في "يفعل" من "فعل":
قال أبو عثمان:
فإن قلت: "فَعَلَ" مما فاؤه ياء لم تحذف في "يفعِل"٥ ما حُذف منه في الواو٥؛ لأن الياء أخف من الواو, وذلك نحو: "يَعَرَ الجدي يَيْعِر، ويسر ييسر، وينع يينع" والمصدر يتم٦ أيضا، ويختلف كما تختلف المصادر في الثلاثة ولا يلزمه الحذف.
стр. 196
قال أبو الفتح: إنما كانت الياء أخف من الواو؛ لقربها من الألف, والواو ليست كذلك؛ لأنك تحتاج في إخراجها إلى تحريك شفتيك.
قال سيبويه: فجرى ذلك مجرى تحريكك بعض جسدك, والياء مخرجها من وسط الفم، والعمل فيها أخفى.
وحكى١ سيبويه على وجه الشذوذ: "يَئِسَ، يَئِسُ" بحذف الفاء، مثل "يَعِدُ".
وقوله: ويختلف كما تختلف المصادر في الثلاثة، يريد نحو "يعر الجدى يعارا، وينع الغصن ينوعا" ونحو ذلك.
وإنما ذكر هنا اختلاف المصادر؛ ليريك أنه يجري مجرى الصحيح، وأنه يخالف باب "وعد، يعد٢". ألا ترى أنه صدر في أول الباب: أن مصدر ما فاؤه واو، إنما يكون على "فِعْلة" يريد: "عِدَة، وزنة" ولا يلزمه الحذف.
يريد: أنه ليس فيه ما يوجب الحذف لخفة الياء، وكأنهم إنما ألزموا مصدر باب "وعد: فعلة" مكسورة الفاء؛ لتحذف الواو في المصدر أيضا استثقالا لها.
إتمام "وعدة، وولدة":
قال أبو عثمان:
فإن بنيت "فِعْلَة" اسما لا تريد بها المصدر، أتممت فقلت: "وِعْدَة، وولدة".
стр. 197
قال أبو الفتح: يقول: إنك إنما كنت تحذف في "عِدَة، وزنة"؛ لأنهما مصدرا فعلين محذوفي الفاءين، فأجريت على المصدر حكم الفعل, وأنت إذا بنيت اسما لا مصدرا صح؛ لأنه ليس بجارٍ على فعل معتل جريان المصدر فتعله لذلك.
ولم تحذف الواو في "عدة، وزنة"١؛ لأنها مكسورة حسب, فتحذفها في: "وعدة" إذا بنيتها اسما، بل لأنها مكسورة, والمصدر جار على فعل محذوف الفاء. ألا ترى إلى صحتها في "وعاء، ووشاح، ووجاح" وما أشبه ذلك؛ لأنها ليست مصادر.
الكلام في "لِدَتى":
قال أبو عثمان:
فإن قلت: قد قيل: "هم لدتى٢"؟ فإنما هذا مصدر وُصف به٢, فتُرك على حذفه.
قال أبو الفتح: يقول: إنما وجب الحذف في قولهم: "هم لدتى"؛ لأنه كان قبل الوصف مصدرا. ثم وصف به، فبقي بحاله٣, لا أن٣ الحذف وجب فيه من غير المصدرية, ونظيره٤ قول الخنساء٤:
فإنما هي إقبال وإدبار
стр. 198
وقد قالوا في هذا المعنى: "ولدة، وإلدة", فأبدلوا الهمزة من الواو.
وهذا اسمان لا مصدران, و"لدتى" مصدر في الأصل. قال الشنفرى:
فأيمت نسوانا وأيتمت إِلْدَة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل
واللِّدَة، والوِلْدَة، والإِلْدة جميعا: الأقران والأتراب.
المصدر إذا كان على "فِعْلَة" فالهاء لازمة له:
قال أبو عثمان:
واعلم أن المصدر إذا كان "فعلة" فالهاء لازمة له١؛ لأنهم جعلوها عوضا من حذفهم الفاء, فصارت لازمة كما لزمت في "زنادقة" الهاء؛ لأنها صارت عوضا من ياء "زناديق".
قال أبو الفتح: لو قال مكان هذا: واعلم أن المصدر إذا كان على ثلاثة أحرف وفاؤه مكسورة, وعينه ساكنة, فالهاء لازمة له؛ لكان أحسن في العبارة, ولكنه تسامح في اللفظ، وهو من عادة أهل العربية. ولهم أشياء كثيرة تُحمل على المسامحة, ولكنهم يفعلون هذا لأن أغراضهم مفهومة.
قولهم: كل اسم على "فُعْلُول", فهو مضموم الأول:
ونظير هذا الذي قاله أبو عثمان في التجوز, قولهم: وكل اسم على "فعلول", فهو مضموم الأول.
ونحن نعلم أنه لا يكون على "فعلول" إلا وأوله مضموم؛ لأننا قد لفظنا بالضمة في أول "فعلول".
والعبارة المستقيمة في هذا الموضع, أن يقال: كل اسم كان على خمسة
стр. 199
أحرف, وكانت عينه ساكنة، ولامه مضمومة، وبعدها واو، وبعد الواو لام أخرى، ففاؤه مضمومة.
وهذا المعنى يريدون، ولكنهم يختصرون.
يقول: فلا يجوز أن يكون المصدر على "فعل" بلا هاء، بمنزلة العلم والحلم, فلا يقال: "وَعَد، وِعْدا" ولا "وزن، وزنا".
وقوله: لأنهم جعلوها عوضا من حذفهم الفاء, يقول: لما وجب حذف الفاء، بنوا الكلمة على "فِعْلَة" وعوّضوا١ منها الهاء، كما فعلوا في "زنادقة", والهاء في "زنادقة" أشبه بالمحذوف؛ لأنها زائدة بدل من ياء زائدة, وهي في "عدة" زائدة بدل من فاء الفعل، وكلاهما مستقيم.
وأبدلت الهاء من الياء هنا، كما أبدلت منها في هذه.
وكما أبدلت الياء من الهاء في "دَهْدَيت"٢, والأصل: "دَهْدَهت"٢.
فإن قال قائل: فإذا كانت الهاء في "زنادقة" عوضا من الياء، فهلا منعت "زنادقة" الصرف في النكرة كما تمنعه "زناديق"؟
قيل: لا يلزم أن يكون البدل كالمبدل منه في جميع أحواله.
ألا ترى أن النون في "تقومان" إنما هي عوض من الضمة في "تقوم", وإن كانت النون تحتمل الحركة, والضمة ليست كذلك.
وكذلك الألف في الوقف في قولك: "رأيت زيدا" إنما هي بدل من التنوين الذي يكون في الوصل. ولا يجوز أن تحرك الألف على وجه, وقد يمكنك أن تحرك التنوين.
стр. 200
وكذلك قولهم: "مَعَايَا" إنما الألف بدل من الياء, ولا يلزم حذف الألف في الرفع والجر كما يلزم حذفها في "مَعَاي", وإنما١ يشبه الشيء بالشيء من حيث يشبهه, ويفارقه من حيث يفارقه, وليس يلزم أن يشبهه من كل وجه، وهذا محال.
"قد تجيء الكلمة على الأصل, ومجرى بابها على غيره":
قال أبو عثمان:
فإن٢ قال قائل: قد قال تعالى٢: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ٣, فوجهة ههنا مقدر, وقد جاءت على الأصل؟
فإنما قالوا هذا، كما قالوا: "رجاء بن حيوة", وكما قالوا: "ضَيْوَن" وكما قالوا:
قد علمت ذاك بنات أَلْبُبِهْ٤
وكما قالوا: "لَحِحَت عينه"٥, وقد كان ينبغي أن تكون "لَحَّت" مثل: "ردت، ومست"٥.
فرب حرف يجيء على الأصل، ويكون مجرى بابه على غير ذلك.
قال أبو الفتح: قال لي٦ أبو علي: الناس في "وجهة" على ضربين:
فمنهم من يقول: إنها مصدر شذ، كما ذهب إليه أبو عثمان. ومنهم من يقول: إنها اسم لا مصدر، بمنزلة "ولدة، وإلدة".
стр. 201
فأما من ذهب إلى أنها مصدر, فمذهبه فيه أنه خرج عن القياس كما خرج١ أشياء, منها ما ذكره أبو عثمان, ومنها غيره.
وأما من ذهب إلى أنها اسم، فإنه هرب إلى ذلك لئلا يحمله على الشذوذ ما وجد له مندوحة عنه.
إتمام مضارع فَعِل كفَرِح, إذا كانت فاؤه "واوا أو ياء":
قال أبو عثمان:
فإذا قلت: "فعل" مما فاؤه واو, ثم قلت: "يفعَل"؛ أتممت "يفعل" وأخواته؛ لأنه لم يجتمع في "يفعل" ياء وكسرة, فتقول: "وجل يوجَل، ووحل يوحَل" هذا هو٢ المطرد في كلامهم الذي لا ينكسر. وكذلك إذا٣ كانت الفاء ياء٤ وكان الفعل "فَعِل", فإن "يفعل" يتم٤, وهو في هذا أجدر أن يتم. إذ تم في "فعل" الذي لا يجيء "يفعَل" منه في الواو تاما البتة, وذلك قولهم: "يَئِس يَيْأس، ويبس ييبس".
قال أبو الفتح: يريد: أن "فَعَلَ" مما فاؤه ياء، قد تم في قولك: "يسر ييسر, ويعر ييعر", ولم نرهم أتموا مضارع "وعد ووزن" على وجه.
وإذا٥ كان قد تم مضارع "فعل"٦ في الياء٦, مع أن مضارع "فعل" من الواو لم يتم البتة. يريد "يعد" فأن يتم مضارع "فَعِل" مما فاؤه
стр. 202
ياء أجدر, إذ قد تم مضارع "فَعِل" مما فاؤه واو في قولهم١: "وحل يوحل, ووجل يوجل"١.
فلهذا كان "يَئِس ييأَس" أجدر من "وَحِل يوحَل".
وقوله: فهذا هو المطرد, يعني: أن هذا هو الكثير, وفيه لغات سنذكرها.
ما ورد عن العرب في مضارع "وجل":
قال أبو عثمان:
وقد قال قوم من العرب: "وجل يَيْجل، ووحل ييحل", وذلك أنهم استثقلوا واوا ساكنة بعد ياء، فأبدلوا منها ياء، وشبهوا هذا بـ "ميت" حين٢ كرهوا "مَيْوِت" وإن كان ليس مثله.
وقد قال قوم: "يِيحل, وييجل" فكسروا الياء لتنقلب الواو ياء؛ لأن الواو الساكنة إذا انكسر ما قبلها أبدلت ياء، نحو: "مِيزان، وميقات, وميعاد" وهذا أقيس، وفيه بعد لكسرة الياء.
وقد قال قوم: "وجل ياجل", فجعلوها ألفا لانفتاح ما قبلها, وكرهوا الواو مع الياء.
قال أبو الفتح: قوله: وإن كان ليس مثله، يريد: أن "ميتا" إنما انقلبت واوه لوقوع الياء الساكنة قبلها, وأصله: "مَيْوِت، ويَوْجَل" بضد "مَيْوِت"؛ لأن الواو من "يوجَل" هي الساكنة والياء قبلها متحركة.
وهذا لا يوجب القلب، ولكن وجه الشبه بينهما اجتماع الواو والياء, وأن٣
стр. 203
إحداهما ساكنة، والأخرى متحركة. وهذا تشبيه لا يجب فيه القلب، ولكن فيه ضربا من التعلل بعد السماع.
وقوله: في قول من قال: "يِيجَل" وهذا أقيس، يريد: أن وجه القياس فيه أن قبل الواو كسرة، وهذا يجب فيه قلب الواو الساكنة ياء.
وقد ذكرت فيما مضى لِمَ لَمْ يكثر في كلامهم الابتداء بالياء المكسورة, فأما١ من قال: "ياجل" فنظير قوله٢ قولهم: "حاحيت، وعاعيت" وأصله: "حَيْحَيْت، وعيعيت", فقلب الياء ألفا للتخفيف وإن لم تكن متحركة.
وقالوا: "داوِيَّة" في "دَوِّيَّة", فقلبوا الواو ألفا, وإن كانت ساكنة للتخفيف.
وقد أجاز الخليل مثل هذا في "آية" أن تكون الألف منقلبة عن ياء ساكنة، كأنها كانت "أيْيَة"٣ وهو٤ أحد قولي الخليل فيها.
قول الخليل فيمن قال: "مررت بأخواك، وضربت أخواك":
قال أبو عثمان:
وأخبرني أبو زيد النحوي قال: سألت الخليل عن الذين قالوا: "مررت بأخواك، وضربت أخواك؟ " فقال: هؤلاء قولهم على قياس الذين قالوا في٥ "ييأس: ياءس", أبدلوا الياء ألفا لانفتاح ما قبلها.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون الذي يريده الخليل في هذا الموضع، أن الألف في "مررت بأخواك، وضربت أخواك" ليست بدلا من الياء في "ضربت
стр. 204
أخويك، ومررت بأخويك"؛ لأن١ ألف التثنية١ لا تكون منقلبة على وجه, ولكنه لما كان من لغته أن يقول في "ييأس: ياءس", وثبتت الألف٢ في قوله: "قام أخواك" وجاء الجر والنصب, ترك الألف٢ بحالها لا أنه قلبها ياء, ثم قلب الياء ألفا؛ لأنه٣ لو كان قلبها ياء لأقرها ياء؛ لأنه إنما كان يقلبها ياء لتدل على النصب والجر, وهو٤ إذا قلبها ألفا بعد أن قلبها ياء، فقد زال ما قصد له من إبانة علامة الجر والنصب.
فمن هنا كان تركه إياها٥ ألفا وألا يقلبها ياء, ثم يقلبها بعد ذلك٥ ألفا؛ هو الصواب عنده.
ومن قال: "ياءَسُ", فينبغي أن تكون الألف عنده منقلبة عن الياء؛ لأنها قد ثبتت في "يئس"٦, فإذا صار٧ إلى المضارع، فكأنه قدّره "ييأس" ثم قلب الياء ألفا.
فأما ألف الثتنية، فلم تكن٨ قط ياء قبل الألف, ثم انقلبت الألف عنها، كما ثبتت في "يئس".
فهذا فرق ما بينهما، إلا أنهم في كلا الموضعين، إنما هربوا من الياء إلى الألف لخفة الألف.
وقوله: على قياس الذين يقولون في "ييأسُ: ياءَسُ", أبدلوا الياء ألفا
стр. 205
لانفتاح ما قبلها, يريد: أنهم قلبوا الياء من "ييأس" ألفا، لا١ أنهم قلبوا الياء في: "مررت بأخويك" ألفا لما ذكرنا.
وإنما الألف في "ياءس" بدل من الياء المقدرة في "يَيْأس", وإن كان للذين يبدلون لغتان، حتى إنهم يقولون: "ييأس، وياءس" جميعا، فالألف في "ياءس" بدل من الياء في "ييأس" في لغتهم لا محالة؛ لأنهم قد نطقوا بالياء.
قول الحجازيين: "يَاتَزِنُ، وياتعد":
قال أبو عثمان:
ومثله قول العرب من أهل الحجاز: "ياتزن، وهم ياتعدون", فروا من "يَوْتَعِِدُون، ويوتزنون"٢.
والذي بدأت لك به في صدر هذا الكتاب هو القياس, وهذه اللغات دواخل عليه، فافهم.
قال أبو الفتح: يقول: قولهم: "ياتزن" مثل "ياءس" في أن قلبوا الواو، وإن كانت ساكنة، كما قلبوا الياء وإن كانت ساكنة، وكما قلبوا الواو في "ياجَلُ" وكأنهم لما رأوا هذه الواو في "يوجَل" قد تُقلب ياء في قول من يكسر حرف المضارعة، وقول٣ من قال: "ييجَل" ففتح٤.
وقد تقلب الواو٥ في قولهم: "اتَّزَنَ", وفي قول بعض أهل الحجاز: "ايتَزَنَ" اجترءوا عليها, فقلبوها ألفا في الموضعين، مع طلب الخفة. قال متمم:
стр. 206
فعيدك ألا تُسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فَيِيجَعَا١
ويروى٢: فإِيجعا، ويروى: فأوْجَعا.
لماذا أعل "يطأ، ويسع", وأمثالهما مما كان على "فعل يفعل":
قال أبو عثمان:
فإن قلت: فقد قالوا: "وَلِيَ الأمير يَلِي" و"وسع الشيء فهو يسع" و"وطئ فهو يطأ", فإن الخليل زعم أن هذا جاء في المعتل على "فعِل يفعِل" كما قالوا: "حسِب يحسِب".
وكان أصل "يسع: يوسِع", فلزم الواو الحذف كما لزمها في "يعد" فحُذفت، ثم فُتحت السين في "يسع" والطاء في "يطأ"؛ لأن العين والهمزة من حروف الحلق.
وحروف الحلق إذا كن لامات الفعل، فُتح لهن موضع العين، إذا كان "يفعل", فإذا كانت حروف الحلق عينات، فتحن أنفسهن أيضا. وربما جاء الفعل وهن فيه على الأصل.
ولهذا موضع سوى هذا, فذلك٣ الذي منع من تفسيره.
قال أبو الفتح: إنما جاء أبو عثمان بهذه الزيادة على نفسه؛ لأنه قد تقدم من قوله: أن "فعِل" إذا كانت فاؤه واوا، أتممت "يفعَل" وأخواته.
يقول: فإن قلت: فهلا أتموا في "يسع، ويطأ، ويلي", إذ الماضي منها٤ على "فعِل"؟
стр. 207
فاحتج بما ذكره عن الخليل، من أنه جاء على "فَعِلَ، يَفْعِلُ", فصار حاله إلى مثل حال "يَعِد" من وقوع واوه بين ياء وكسرة.
وقد جاء مما فاؤه واو على "فعِل يفعِل" قولهم: "وثِق يثِق, وومق يمق، وورم يرم، وورث يرث، ووله يله, ووفق يفق، ووحر صدره يَحِر١ ويَوْحَر" جميعا، و"وغر يغر ويوغر" أيضًا، و"وغم يغم ويوغم" أيضًا٢, و"وريت النار تَرِي" والفتح في "ورت"٣ أكثر.
وقولهم: "وثق يثق، وورم يرم, ووله٤ يله"٤ وما أشبه ذلك مما لا يتعدى دلالة على صحة ما نذهب إليه في أن حذف الواو إنما وجب لوقوعها بين ياء وكسرة، لا لما يذهب إليه الفراء، من أنها إنما تحذف من الفعل المتعدي وحده نحو: "وعِد يعِد".
فأما قولهم: "يطأ، ويسع", فإنما حذفت الواو؛ لأن أصل حركة السين والطاء الكسر، وإنما الفتحة عارضة لأجل حرف الحلق.
ويدل على ذلك أيضًا٥ أن أصل حركة العين الكسر دون الفتح، ظهور الكسرة، بحيث لا حرف حلق، نحو: "ولي يلي، وورم يرم".
وكأنه إنما جاءت مما فاؤه واو، حروف صالحة على "فعِل يفعِل" لتحذف الواو هربًا من٦ استثقالهم لها٦؛ لأنهم لم يكونوا ليصلوا إلى حذفها، وبعدها فتحة من أصل البناء، فجاءوا بها على "فعل يفعل" لتحذف
стр. 208
الواو، كما قال الآخرون: "يَيْجل, ويَاجَل" هربا من الواو, وهذا كله يدل على ثِقَل الواو.
ويؤكد ذلك١ شيء آخر، وهو أن جميع ما في كلامهم من "فعِل يفعِل" في الصحيح، فيه لغتان: يفعَل وهو الأصل، و"يفعِل" أيضا, نحو قولهم: "حسِب يحسَب ويحسِب، ونعم ينعم وينعم، ويبس ييبس وييبس، ويئس ييأس وييئس".
فهذا كله فيه لغتان: إحداهما٢ الأصل وهي٣ الفتح، والأخرى لضرب من الاتساع وهي الكسر٤.
فاقتصارهم بما كانت فاؤه واوا, في أكثر ما ذكرنا على "فعِل يفعَل" دلالة على أنهم معنيّون بالكسرة، وإنما عنوا بها لتحذف الواو.
ألا ترى أن الياء أخت الواو, وقد أجازوا في مضارع "يبس ويئس" الفتح والكسر جميعا. ولم نرهم فعلوا ذلك في "يرم ويرث", بل ألزموه الكسر٥ حفاظا على الكسرة التي عنها يجب حذف الواو المستثقلة.
وقوله: وربما جاء الفعل, وهُنّ فيه على الأصل.
يريد بذلك٦: "هَنَأ يَهْنِئ٧, وزأر الأسد يزئر، وسعل يسعُل، ونخل ينخل" ونحو ذلك.
стр. 209
يجيء مضارع الفعل الذي فاؤه واو على الأصل, إذا كان على "فعُل يفعَل":
قال أبو عثمان:
١وإذا كانت الواو فاء١، وكان الفعل على "فعُل يفعَل" جاء على أصله.
وذلك قولهم: "وضُؤ يوضُؤ، ووطؤ الدابة يوطؤ", فهذا يجري مجرى "ظرُف يظرُف", فأجْرِ هذا على ما ذكرت لك إن شاء الله.
قال أبو الفتح: سألت أبا علي وقت القراءة عن هذا، فقلت: هلا حُذفت الواو من "يوطؤ، ويوضؤ"؛ لوقوعها بين ياء وضمة, كما حذفت في "يعد" لوقوعها بين ياء وكسرة على أن الضمة أثقل من الكسرة؟
فقال: إنما جاء هذا تاما ولم يحذف واوه؛ لأن باب "فعُل" لا يأتي مضارعه إلا على بناء واحد, وهو "يفعُل" نحو: "ظرُف يظرُف, وشرف يشرف".
وما كان على "فَعَلَ", فإن مضارعه يختلف، نحو: "ضرَب يضرِب، وقتَل يقتُل، وسأل يسأل".
فلما كان مضارع "فعَل" يختلف, جاز حذف الواو فيه, نحو "يَعِد", ولما كان مضارع "فعُل" لا يكون إلا على "يفعُل" لم تحذف فاؤه٢؛ لئلا يختلف الباب. وقد لوّح أبو عثمان إلى هذا المعنى بقوله: فهذا يجري مجرى "ظرف يظرف"٣ أي: لا يختلف كما لا يختلف "ظرف يظرف"٣ وشرف
стр. 210
يشرف, ولكنه لم يلخصه تلخيص أبي علي, ولمثل هذه المواضع يُحتاج -مع الكتب- إلى الأستاذين.
يجيء مضارع الفعل الذي فاؤه واو على الأصل إذا بني للمجهول:
قال أبو عثمان: وكذلك إن كان "يُفعَل" يتم أيضا, وذلك١ نحو: "وُعد يُوعَد, ووزن يوزن".
قال أبو الفتح: إنما صح "يوعد ويوزن" ونحوهما؛ لأنه جرى مجرى "يوجل"، و"يوحل" بانفتاح عينه, وكذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ٢ فحُذفت من "يلد" للكسرة, وثبتت في "يولد" للفتحة.
وفيه علة أخرى مع هذه, وهو أن مضارع "فُعل" لا يكون إلا على "يُفعَل" نحو "ضرب يضرب" فجرى ذلك مجرى "شرُف يشرُف" في لزوم مضارعه وزنا واحدا, فصحت في "يوعد" كما صحت في "يوطؤ"٣ لئلا يختلف الباب، وهذا منتزع من قول أبي علي في "وضُؤ"٤ و"يَوْضُؤ".
стр. 211
قال أبو عثمان١:
باب من مسائل الياء والواو اللتين هما فاءات ٢:
وسأذكر من ذلك ما تستدل به على ما يرد عليك إن شاء الله، تقول في "فُعِل" من "وَعَدَ: وُعِدَ" وكذلك "فُعل" من "وزن: وزن"٣, وكل ما كانت فاؤه واوا لا تبالي، أمن "فَعَلَ" كان أم من٤ "فَعِلَ"، أم من٥ "فَعُلَ" إذا مثَّلتَه، وإن٦ كان "فعُل" لا يتعدى، وإن شئت همزت الواو فقلت: "أعد، وأزن", وكلما انضمت الواو من غير علة, فهمزها جائز في أي موضع كانت، إلا أن تكون لاما وتكون٧ ضمتها إعرابا، أو تكون واوا انضمت لالتقاء الساكنين نحو: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٨, و ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ ٩, فإن همزة هذه الواو لا تجوز؛ لأن الضمة لعلة وليست الضمة أصلا.
بناء "فعل" للمجهول:
قال أبو الفتح: اعلم أنه قد يجوز أن تبني "فعُل" للمفعول، ولكن لا يكون المفعول مفعولا صحيحا, وذلك نحو١٠ قولك: "ظُرِفَ١٠ في هذا المكان"
стр. 212
كما تقول: "قد انقطع بالرجل"، وكل فعل لا يتعدى فهو متعد إلى الظروف١ وبحروف٢ الجر, فإذا كان كذلك جاز أن تقيم الظروف والجار والمجرور مقام المفعول به, وإنما يريد أبو عثمان أن٣ "فعُل" لا يتعدى إلى مفعول به، نحو "زيد وعمرو".
همز الواو المضمومة ضما لازما غير عارض:
وجملة القول في هذه الواو أنها متى انضمت ضما لازما غير عارض, فهمزها جائز حسن، نحو: "أُعِدَ" في "وُعِدَ" و"أزن" في "وزن" و"أَدْؤُر" في "أَدْوُر" و"سُرتُ سُئُورا" في "سُوُور". ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ٤, في "وُقِّتَت"٥ وهي "فُعِّلَت" من الوقت.
وقالوا٦: "أُجوه" في "وُجوه" ولم يجز مثل هذا في قولك: "هذه دَلْو"؛ لأن الضمة عارضة يزيلها النصب والجر, وكذلك قولك: "لو انطُلق بزيد لكان كذا وكذا". فالضمة في الواو ليست لازمة٧ لأنها لالتقاء الساكنين، ولا تتوهمها حركة الهمزة إذا قلت: انطُلق؛ لأن هذه الهمزة لا تثبت في الوصل.
стр. 213
وكذلك قولك: "قام١ أبوك أوُمُّك", فيمن حذف الهمزة من "أم"؛ لأن الحركة عارضة. إنما هي للهمزة ويزيلها التحقيق٢, فلما لم تكن الحركة لازمة لم يعتد٣ بها وخفت. ونظير هذا قولهم: "رُدّ واردُدْ", فإذا صاروا إلى التثنية فكلهم يقول: "رُدَّا", ولا يظهر التضعيف كراهة اجتماع متحركين.
وهم يقولون: اردُد الرجل وامدد الحبل؛ لما كانت حركة الدال الثانية غير لازمة وإنما هي لالتقاء الساكنين٤ بمنزلة ضمة واو ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ و ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ وقد قرئ هذا على ثلاثة أوجه: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ بالضم, "واشترَوِا الضلالة"٥ بالكسر, "واشترَوَا الضلالة" بالفتح، والحركات كلها لالتقاء الساكنين٤. فمن ضم فلئلا تشبه هذه الواوُ الواوَ التي في نحو قولك: "لو انطلقت لكان كذا وكذا" ومن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين. ومن فتح فإنه استراح إلى الفتحة لخفتها. والهمز في هذه الواو لا يجوز كما جاز في "أقتت"؛ لأن الحركة غير لازمة, إنما هي لالتقاء الساكنين.
فإن قيل٦: ولِمَ اطرد الهمز في الواو المضمومة؟
قيل: لأن الضمة قد تجري مجرى الواو وهي واو صغيرة, كما أن الكسرة ياء صغيرة والفتحة ألف صغيرة، وهذه الحروف عن هذه الحركات تنشأ متى كن مدات، نحو "رسالة، وصحيفة، وعجوز"٧.
стр. 214
وقد تحذف الواو للجزم كما تحذف الضمة في قولك: "لم يغزُ، ولم يدعُ", فجرى ذلك مجرى "لم يضرِبْ", فلما كانت الحركة١ مضارعة للحرف هذه المضارعة، صارت الواو المضمومة بمنزلة الواوين، فجاز همزها من حيث وجب همز جمع "واصلة", إذا قلت: "أَوَاصِل" وأصلها في التقدير: "وَوَاصِل"، ولم يكن فيها ثقل الواوين, فتلزم الهمز٢ لا غير. بل لما كانت الواو المضمومة مشبهة للواوين, جاز فيها الهمز وتركه ولم يكن في ثقل الواوين فتلزم الهمز٢. وهذا هو القياس ليكون بين المشبه والمشبه به فصل؛ لأنه ليس به، ولو كان إياه لما كان مشبها به.
ألا ترى أن ما لا ينصرف إنما مُنع الصرف لمشابهته الفعل, فمُنع ما لا يكون في الفعل وهو الجر والتنوين, ثم مع ذلك لا يبلغ أن يكون كالفعل من جميع وجوهه.
ألا ترى أن حروف الجر تدخل عليه، ويكون٣ فاعلا وغير ذلك مما هو مختص بالأسماء, وغير جائز بالأفعال.
"جواز همز الواو المضمومة ضما لازما, إذا كانت حشوا":
فإن قيل: فإن الواو المضمومة ضما لازما إذا وقعت حشوا غير أول, جاز همزها نحو: "أدْوًر، وأسوق"٤, ولا يجوز ذلك في الواوين إذا وقعتا حشوا.
ألا ترى أنك تقول في النسب إلى "نَوى، وطَوى: نَوَوِيّ، وطَوَوِيّ"
стр. 215
فلا تهمز, وإن اجتمعت واوان فقد صار إذًا يجوز في الواو المضمومة المشبهة١ بالواوين, ما٢ لا يجوز في الواوين, فما تنكر أن تكون الواو المضمومة لم يجب همزها من حيث كانت مشبهة بالواوين لما أريتك.
قيل: لأن الواوين لا تجتمعان أولا إلا وإحداهما زائدة, فلما اجتمعتا وإحداهما زائدة ألزموها الهمز، وشبهت المضمومة بها فجاز همزها؛ لأن الضمة زائدة, وجاز إثباتها؛ لأنه لا تبلغ الحركة أن يكون لها حكم الحرف التام.
واو "نَوَوِيّ" ونحوه من الأصل:
فأما "نووي" ونحوه, فواوه من الأصل، وإحداهما٣ بدل من بدل٤ من الأصل، وعلى كل حال فليست زائدة٥, فلم يكره اجتماع هاتين الواوين ونحوهما؛ لأنه ليست إحداهما زائدة٥، هذا مع أن التغيير إلى الأطراف أسبق منه إلى الأوساط.
ألا ترى أنهم همزوا "أوائل" لقرب الواو من الطرف, ولم يهمزوها في نحو: "طواويس" لبعدها منه.
وقول أبي عثمان: ولا تبالي أمن "فَعَل" كان أم٦ "فَعِل" أم٧ "فَعُل" إن مثلته, وإن كان "فعُل" لا يتعدى؛ يدل على أن التمثيل للارتياض في الصنعة غير مكروه ولا محظور، وإنما المحظور من ذلك أن تبني مثالا تريد استعماله في نثر أو نظم، فحينئذ لا يجوز أن يكون ذلك المثال إلا مقيسا على أحد أمثلتهم المطردة المشهورة.