← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10545

المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني

ابن جني

Полный текст (489 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال أبو عثمان١: باب من مسائل الياء والواو اللتين هما فاءات ٢: وسأذكر من ذلك ما تستدل به على ما يرد عليك إن شاء الله، تقول في "فُعِل" من "وَعَدَ: وُعِدَ" وكذلك "فُعل" من "وزن: وزن"٣, وكل ما كانت فاؤه واوا لا تبالي، أمن "فَعَلَ" كان أم من٤ "فَعِلَ"، أم من٥ "فَعُلَ" إذا مثَّلتَه، وإن٦ كان "فعُل" لا يتعدى، وإن شئت همزت الواو فقلت: "أعد، وأزن", وكلما انضمت الواو من غير علة, فهمزها جائز في أي موضع كانت، إلا أن تكون لاما وتكون٧ ضمتها إعرابا، أو تكون واوا انضمت لالتقاء الساكنين نحو: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٨, و ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ ٩, فإن همزة هذه الواو لا تجوز؛ لأن الضمة لعلة وليست الضمة أصلا. بناء "فعل" للمجهول: قال أبو الفتح: اعلم أنه قد يجوز أن تبني "فعُل" للمفعول، ولكن لا يكون المفعول مفعولا صحيحا, وذلك نحو١٠ قولك: "ظُرِفَ١٠ في هذا المكان"

стр. 212

كما تقول: "قد انقطع بالرجل"، وكل فعل لا يتعدى فهو متعد إلى الظروف١ وبحروف٢ الجر, فإذا كان كذلك جاز أن تقيم الظروف والجار والمجرور مقام المفعول به, وإنما يريد أبو عثمان أن٣ "فعُل" لا يتعدى إلى مفعول به، نحو "زيد وعمرو". همز الواو المضمومة ضما لازما غير عارض: وجملة القول في هذه الواو أنها متى انضمت ضما لازما غير عارض, فهمزها جائز حسن، نحو: "أُعِدَ" في "وُعِدَ" و"أزن" في "وزن" و"أَدْؤُر" في "أَدْوُر" و"سُرتُ سُئُورا" في "سُوُور". ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ٤, في "وُقِّتَت"٥ وهي "فُعِّلَت" من الوقت. وقالوا٦: "أُجوه" في "وُجوه" ولم يجز مثل هذا في قولك: "هذه دَلْو"؛ لأن الضمة عارضة يزيلها النصب والجر, وكذلك قولك: "لو انطُلق بزيد لكان كذا وكذا". فالضمة في الواو ليست لازمة٧ لأنها لالتقاء الساكنين، ولا تتوهمها حركة الهمزة إذا قلت: انطُلق؛ لأن هذه الهمزة لا تثبت في الوصل.

стр. 213

وكذلك قولك: "قام١ أبوك أوُمُّك", فيمن حذف الهمزة من "أم"؛ لأن الحركة عارضة. إنما هي للهمزة ويزيلها التحقيق٢, فلما لم تكن الحركة لازمة لم يعتد٣ بها وخفت. ونظير هذا قولهم: "رُدّ واردُدْ", فإذا صاروا إلى التثنية فكلهم يقول: "رُدَّا", ولا يظهر التضعيف كراهة اجتماع متحركين. وهم يقولون: اردُد الرجل وامدد الحبل؛ لما كانت حركة الدال الثانية غير لازمة وإنما هي لالتقاء الساكنين٤ بمنزلة ضمة واو ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ و ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ وقد قرئ هذا على ثلاثة أوجه: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ بالضم, "واشترَوِا الضلالة"٥ بالكسر, "واشترَوَا الضلالة" بالفتح، والحركات كلها لالتقاء الساكنين٤. فمن ضم فلئلا تشبه هذه الواوُ الواوَ التي في نحو قولك: "لو انطلقت لكان كذا وكذا" ومن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين. ومن فتح فإنه استراح إلى الفتحة لخفتها. والهمز في هذه الواو لا يجوز كما جاز في "أقتت"؛ لأن الحركة غير لازمة, إنما هي لالتقاء الساكنين. فإن قيل٦: ولِمَ اطرد الهمز في الواو المضمومة؟ قيل: لأن الضمة قد تجري مجرى الواو وهي واو صغيرة, كما أن الكسرة ياء صغيرة والفتحة ألف صغيرة، وهذه الحروف عن هذه الحركات تنشأ متى كن مدات، نحو "رسالة، وصحيفة، وعجوز"٧.

стр. 214

وقد تحذف الواو للجزم كما تحذف الضمة في قولك: "لم يغزُ، ولم يدعُ", فجرى ذلك مجرى "لم يضرِبْ", فلما كانت الحركة١ مضارعة للحرف هذه المضارعة، صارت الواو المضمومة بمنزلة الواوين، فجاز همزها من حيث وجب همز جمع "واصلة", إذا قلت: "أَوَاصِل" وأصلها في التقدير: "وَوَاصِل"، ولم يكن فيها ثقل الواوين, فتلزم الهمز٢ لا غير. بل لما كانت الواو المضمومة مشبهة للواوين, جاز فيها الهمز وتركه ولم يكن في ثقل الواوين فتلزم الهمز٢. وهذا هو القياس ليكون بين المشبه والمشبه به فصل؛ لأنه ليس به، ولو كان إياه لما كان مشبها به. ألا ترى أن ما لا ينصرف إنما مُنع الصرف لمشابهته الفعل, فمُنع ما لا يكون في الفعل وهو الجر والتنوين, ثم مع ذلك لا يبلغ أن يكون كالفعل من جميع وجوهه. ألا ترى أن حروف الجر تدخل عليه، ويكون٣ فاعلا وغير ذلك مما هو مختص بالأسماء, وغير جائز بالأفعال. "جواز همز الواو المضمومة ضما لازما, إذا كانت حشوا": فإن قيل: فإن الواو المضمومة ضما لازما إذا وقعت حشوا غير أول, جاز همزها نحو: "أدْوًر، وأسوق"٤, ولا يجوز ذلك في الواوين إذا وقعتا حشوا. ألا ترى أنك تقول في النسب إلى "نَوى، وطَوى: نَوَوِيّ، وطَوَوِيّ"

стр. 215

فلا تهمز, وإن اجتمعت واوان فقد صار إذًا يجوز في الواو المضمومة المشبهة١ بالواوين, ما٢ لا يجوز في الواوين, فما تنكر أن تكون الواو المضمومة لم يجب همزها من حيث كانت مشبهة بالواوين لما أريتك. قيل: لأن الواوين لا تجتمعان أولا إلا وإحداهما زائدة, فلما اجتمعتا وإحداهما زائدة ألزموها الهمز، وشبهت المضمومة بها فجاز همزها؛ لأن الضمة زائدة, وجاز إثباتها؛ لأنه لا تبلغ الحركة أن يكون لها حكم الحرف التام. واو "نَوَوِيّ" ونحوه من الأصل: فأما "نووي" ونحوه, فواوه من الأصل، وإحداهما٣ بدل من بدل٤ من الأصل، وعلى كل حال فليست زائدة٥, فلم يكره اجتماع هاتين الواوين ونحوهما؛ لأنه ليست إحداهما زائدة٥، هذا مع أن التغيير إلى الأطراف أسبق منه إلى الأوساط. ألا ترى أنهم همزوا "أوائل" لقرب الواو من الطرف, ولم يهمزوها في نحو: "طواويس" لبعدها منه. وقول أبي عثمان: ولا تبالي أمن "فَعَل" كان أم٦ "فَعِل" أم٧ "فَعُل" إن مثلته, وإن كان "فعُل" لا يتعدى؛ يدل على أن التمثيل للارتياض في الصنعة غير مكروه ولا محظور، وإنما المحظور من ذلك أن تبني مثالا تريد استعماله في نثر أو نظم، فحينئذ لا يجوز أن يكون ذلك المثال إلا مقيسا على أحد أمثلتهم المطردة المشهورة.

стр. 216

لا يهمز نحو "يُسِرَ، ويُمِنَ": قال أبو عثمان: فإذا قلت: "فُعِلَ" من الياء التى هي فاء, لم تهمز الياء, وذلك قولهم: "يسر، ويمن". وقال أبو علي: "يُسْر، ويُمْن" والأول أشبه؛ لأن الضمة في الياء أخف منها في الواو. قال أبو الفتح: إذا ثبت أن الواو المضمومة بمنزلة الواوين, فينبغي أن تكون الياء المضمومة بمنزلة اجتماع الواو والياء، وهذا لم نرهم همزوه. ألا تراهم قالوا: "وَيْل, وويح, وويس، وويب" فلم يهمزوا شيئا من ذلك؛ لأنه لم يجتمع فيه واوان. وقالوا فيما سبقت ياؤه "يَوْم، ويُوح" في اسم الشمس كذا يرويه الناس, وكذا١ رأيته بخط أبي العباس محمد بن يزيد ﵀ بالياء٢. ٣ وحكي عن ابن الأنباري٣ أنه قال: هو بالياء، وكان يقول فيه: "بوح", فرُدّ عنه غير دفعة, فقال٤: هكذا وجدته في كتابي, والغلط إلى٥ الواحد أسرع منه إلى الجماعة. فلما كانت الياء والواو قد اجتمعتا أولا ولم يجب الهمز, بل لم يجز, كانت الياء المضمومة أبعد من جواز الهمز فيها, وانضاف إلى أن الياء ليست

стр. 217

في ثقل الواو اختلاف١ الحرفين في: "يوم، وويل", وعدم التضعيف المكروه في أول الكلمة, فلم يجز الهمز. إذا اجتمعت واوان في أول كلمة, همزت أولاهما: قال أبو عثمان: وإذا اجتمعت واوان في أول كلمة, فلا بد من همز الأولى منهما، وذلك أنك لو بنيت مثل "كوكب، أو كوثر" من "وعد، ووزن", كنت تقول: "أَوْعَد، وأوزن", وأصل هذا: "وَوْعَد، ووزن" ولكن التضعيف في أول الكلمة لا يكاد٢ يكون, فكرهوا ترك الواوين لذلك. التضعيف في أول الكلمة قليل: قال أبو الفتح: اعلم أن التضعيف في أول الكلمة عزيز قليل، وإنما جاءت٣ منه أحرف معلومة، نحو: "دَدَن وكَوْكَب" وأكثر ما يجيء٤ بالفصل بين الحرفين نحو: "دَيْدَن، ودَيْدَبون، ودَوْدَرّى", فلما قل التضعيف بالحروف الصحاح في أول الكلمة, امتنع في الواو لثقلها، فمن هنا وجب الهمز في "أوعد، وأوزن". ولو جمعت "واقدا", لقلت: "أواقد", وأصله: "وَوَاقد" فهمزت الأولى؛ لاجتماع الواوين.

стр. 218

ومثله قول الشاعر: ضربت صدرها إليَّ وقالت ... يا عديا١ لقد وَقَتْك الأواقي فالأواقي٢ جمع "واقية", وأصلها: "وواق"٣ فهُمزت الأولى، ولو سميت رجلا "بأوعد، وأوزن" هذين لصرفته في المعرفة؛ لأنه "فَوْعَل" بمنزلة" كوثر". إن كانت ثانية الواوين في أول الكلمة مدة, جاز همز الأولى وعدم همزها: قال أبو عثمان: فإن كانت الواو الثانية مدة, كنت في الأولى بالخيار: إن شئتَ همزتَ الأولى, وإن شئت لم تهمز. نحو: "فُوعِل" من "وَعَدَ" تقول: "وُوعِدَ", ومثله قوله تعالى: ﴿وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ ٤ وإن شئت همزت، وليس الهمز من أجل اجتماع الواوين في أول الكلمة. لو كان كذلك لم يجز إلا الهمز, ولكن لضمة الواو يجوز الهمز. ومثل ذلك قوله جل ثناؤه٥: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ٦، والأصل عندنا٧: "وقتت"؛ لأنها "فُعِّلت" من الوقت, ولكنها أُلزمت الهمز لانضمامها، ولو كانت في غير القرآن لكان ترك الهمز جائزا. قال أبو الفتح: معنى قوله: إن كانت الثانية مدة, يعني أن تكون ساكنة قبلها ضمة, وتكون مع ذلك منقلبة عن ألف أو بمنزلة المنقلبة عن ألف٨.

стр. 219

فالمنقلبة عن الألف نحو قولك في "واعَدَ١: وُوعِد". والتي هي بمنزلة المنقلبة نحو بنائك من "وَعَدَ" مثل "حَوْقَلَ، وبَيْطَر: أوْعَد ووَيْعَد" تهمز الأولى في "أوْعَد"؛ لاجتماع الواوين وتقرها في "ويعد"؛ لأنه لم تجتمع واوان. فإن بنيت الفعل للمفعول قلت فيهما جميعا: "وُوعِد", فجريا مجرى فُعِلَ من فاعل من "وَعَدْت", إذا قلت: "وُوعِد" كما جرى "حُوقل وبُوطر" مجرى "قُوتل وشُوتم"؛ لأنهما محمولان على "فاعَلَ"لانضمام ما قبل الواو وسكونها. فإذا اجتمعت الواوان هكذا, لم يجب قلب الأولى لاجتماعهما؛ لأن الثانية٢ مدة، فجرت مجرى ألف واعد، فكما لا يجوز همزها في "واعَدَ", كذلك لم يجب٣ همزها في "وُوعِدَ", ولكن إن شئت همزتها لأنها مضمومة. فأما إن٤ كانت الواو الثانية من أصل الكلمة, همزت الأولى لا محالة. ألا ترى إلى قولهم: "الأولى" في تأنيث "أول" ألزموه الهمز؛ لأن الواو الثانية عين الفعل بمنزلة الصاد من٥ "القصوى", والنون من "الدنيا" وليست منقلبة عن ألف. وتقول: إن الواو الثانية في "وُورِي" إنما هي منقلبة عن ألف "وارى", فلم٦ يجب همز الأولى؛ لأن الثانية غير لازمة.

стр. 220

ألا ترى أنك إذا بنيت الفعل للفاعل الذي هو الأصل قلت: "وارى", فزالت الثانية, وإن شئت همزت لانضمام الواو. وقوله في "أقتت", ولكنها أُلزمت الهمز لانضمامها, ليس يعني به أن الضم موجب للهمز, بل يريد أنه مجوز للهمز؛ لأنه قد بين هذا في أول الفصل, فيقول١: إنها ألزمت الهمز لانضمامها٢ في أكثر الأمر, وإن كان ترك الهمز جائزا كما يجوز أشياء كثيرة في القياس وإن لم يرد بها الاستعمال، على أن أبا عمرو قد قرأ "وُقِّتَت" بلا همز. قلب الياء الساكنة واوا إذا انضم ما قبلها: قال أبو عثمان: واعلم أن الياء إذا كانت فاء فمجراها مجرى سائر الحروف, إلا في أشياء سأذكرها لك إن شاء الله، تقول في "مُفْعِل" من "يَئِس" "مُوئِس", فتبدل الياء واوا لانضمام ما قبلها. ومثل ذلك "موقن، وموسر"؛ لأنهما من "أيسر، وأيقن", فعلت ذلك بالياء حين انضم ما قبلها, كما أُبدلت الواو ياء لانكسار ما قبلها في "ميزان, وميقات" فهذا سبيل الياء هنا, ولها علة٣ خاصة ستذكر إن شاء الله. قال أبو الفتح: لما كان بين الياء والواو من الاشتراك والتقارب ما لا خفاء به. ثم ذكر في هذه الفصول التي قبل هذا ما يجري على الواو من الحذف والتغيير، أراد أن يذكر حال الياء ويميزها من الواو في كثرة اعتلالها أولا, فأخرجها من حكمها. واعلم أنها تجري مجرى الصحيح في أكثر الأمر

стр. 221

إلا ما استثنى به مما ذكره, ومما سيأتي به لتمتاز الياء من الواو في هذا الموضع إلا فيما يشاركها فيه وتتخلص منها, وإنما وجب قلب١ الياء الساكنة واوا إذا انضم ما قبلها؛ لأنها لما سكنت ضعفت فقوِيت الضمة قبلها على قلبها, كما انقلبت في "ميزان" الواو ياء لانكسار ما قبلها, وضعفها بالسكون. يدلك على ذلك أنها إذا تحركت جرت على أصلها، وذلك قولك: "مُيَيْقِن" فتثبت ياء، وكذلك "حِوَل، وطِوَل" صحت الواو وإن انكسر ما قبلها؛ لأن الحركة في الحرف تقويه والسكون يضعفه. ألا ترى أنك تقول: "عنبر، وشنباء" فتقلب النون ميما في اللفظ لوقوعها ساكنة قبل الباء, فإذا تحركت صحت، وذلك قولك: "عِنَب، وشَنَب". لو بنيت مثل "يَفْعُول" من وعد، و"يئس" لم يغير: قال أبو عثمان: ولو بنيت مثل "يعسوب" من "وعد" لقلت: "يَوْعُود", وكذلك من "يئس: ييئوس" لا تغير واحدة منهما؛ لأنه لم يجئ أمر يغيران له. قال أبو الفتح: يقول: لم تجتمع في أول "يَوْعُود" ولا "يَيْئُوس" واوان, فتُهمَز الأولى كما تهمز الأولى من الواوين إذا اجتمعتا أولا. ماذا تصنع لو بنيت مثل "فُعْلُول" منهما؟: قال أبو عثمان: ولو بنيت مثل "عصفور" لقلت: "وُعْدُود", إلا أنك إن شئت همزت الواو الأولى٢ لانضمامها.

стр. 222

ولو بنيتها١ من "يئس" لقلت: "يُؤْسُوس", فضممت الياء وأسكنت الهمزة حتى يكون الوزن واحدا، فما سئلت عنه فعلى هذا مجراه, فأجرِهِ على ما أجرته العرب إن شاء الله. قال أبو الفتح: قد تقدم القول في جواز همزة الواو المضمومة؛ فلذلك جاز في "وُعْدُود: أُعْدُود", ولا٢ يجوز أن تهمز الياء في "يؤسوس"؛ لأن الضمة في الياء أخف منها في الواو. بناء "افتعل" وما تصرف منه مما فاؤه واو أو ياء: قال أبو عثمان: واعلم٣ أن "افْتَعَل، ومُفْتَعِلا" وكل ما تصرف منه إذا بنيته مما فاؤه واو أو ياء, فأكثر العرب وهي اللغة المشهورة الشائعة يبدلون مكان الواو والياء٤ تاء, ثم يدغمونها في التاء التي بعدها، وذلك قولهم: "اتَّزن، ويتّزن، فهو متزن". وكذلك الياء، تقول: "اتّأس" فهو "مُتَّئِس" و"يتَّئس", وكذلك جميع هذا لو بنيته من "وجل، ووضؤ" لقلت: "اتّجل، واتّضأ". وإنما فعلوا هذا بالواو والياء في هذا من قبل أنهم لو تركوهما على أصولهما تَبِعا ما قبلهما, وكنت تقول: "ياتَئِس، وياتزن، وموتزن، وموتئس", وتقول٥ إذا أمرت: "ايتئس، وايتزن", فكان ذلك يثقل عليهم؛ لأن

стр. 223

الواو والياء ليستا عندهم كسائر الحروف، والحركات فيهما١ مستثقلة -وسنبين ذلك إن شاء الله- فأبدلوا مكانهما٢ حرفا أجلد منهما, مخرجه من مخرج الذي بعده؛ ليثبت على هيئة واحدة في جميع ما تصرف منه, وكان ذلك أخف عليهم من أن يتبعا ما قبلهما. قال أبو الفتح: يقول: لما كان تركهم الباء والواو في "افتعل" غير مدغمين٣ يُلزِمهم قلبهما٤ تارة كذا وتارة٥ كذا، أرادوا إبدالهما حرفا أقوى منهما يؤمن انقلابه, فقُلبا٦ إلى لفظ ما بعدهما وهو التاء؛ فلذلك قالوا: "اتزن، واتأس". ومعنى قوله: إن الواو والياء ليستا كسائر الحروف؛ لأنك لو قلت في قافية "خير" وفي قافية "شر" لم يجز لمكان الياء في "خير", وذلك أن الواو والياء أختان للألف ومشبهتان بها لما فيهما من المد؛ ولذلك جعلوهما أردافا قبل حرف الروي، نحو قول قطري بين الفجاءة: من الخفرات البيض لم أر مثلها ... شفاء لذي داء ولا لسقيم وكذلك قول امرئ القيس: قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب فالياء في "سقيم", والواو في "سرحوب" مشبهتان بالألف في نحو قوله: تهوي كجندلة المنجنيق ير ... مى بها السور يوم القتال

стр. 224

وهذا كله أرداف، ومعنى أرداف أن الصوت يمتد بها قبل حرف الروي؛ لأنهم لما كان من عادتهم أن يترنموا في أواخر الأبيات بامتداد الصوت, جاءوا بالألف والياء والواو أيضا قبل حرف الروي؛ ليمتد بها الصوت كما وصلوا بالألف والياء والواو بعد حرف الروي في نحو قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي وقوله: سُقيتِ الغيث أيتها الخيامو وقوله: أقلِّي اللوم عاذل والعتابا وأصل الردف للألف١، والياء والواو مشبهتان بها. يدلك٢ على ذلك أن الألف لا تخرج من المد, والواو والياء تخرجان من المد بأن تتحركا، أو تكون قبل كل واحدة منهما حركة من غير جنسها. وهذا باب يطول وسأستقصيه٣ في شرح كتاب القوافي عن أبي الحسن, إن شاء الله. فلهذا وغيره٤ ما قال أبو عثمان: إن الياء والواو ليستا كسائر الحروف. وقوله: والحركات مستثقلة فيهما٥, إنما استُثقلت الحركات فيهما؛ لأنهما مشبهان للألف والألف لا تتحرك٦ أبدا، فلما أشبهتا ما لا يتحرك أبدا وجازت

стр. 225

فيهما الحركة, جازت على مشقَّة, ولم تكن فيهما مثلها في سائر الحروف التي لا تمتنع فيها١ الحركة, ولم تبلغا قوة الألف في اللين فتمتنع الحركة فيهما أصلا. ألا ترى أنك تقول في جمع "قَصْعَة، وجَفْنَة: قَصَعَات، وجَفَنَات" فتحرك العين، ولا تقول في "بَيْضة، وجوزة" إلا "بيضات، وجوزات" بالإسكان٢, فهذا مما٢ استُثقلت فيه الحركة فيهما. إبدالهم التاء مكان الواو, وليس بعدها تاء: قال أبو عثمان: ومع هذا, إنهم قد أبدلوا التاء مكان الواو وليس بعدها تاء, فقالوا٣: "أتْلَجَ يُتْلِج، وأتْكأ يُتكِئ، وهذا أتقى من هذا, وتقية" وإنما٤ أصله: "أولج، وأوكأ"؛ لأنهما من "تولجت وتوكأت، وأتقى من وقيت٤، وتقية من وقيت", فهي فعيلة منه٥, ولكنهم أبدلوا التاء مكان الواو, فكان ذلك أخف عليهم. قال أبو الفتح: يقول: إذا كانوا قد أبدلوا التاء مكان الواو في هذه المواضع التي لا تاء بعد الواو فيها لضرب من الاستخفاف, فهم -بأن يبدلوها تاء في باب افتعلت لتدغم التاء المبدلة في تاء افتعل, ويؤمن انقلابها وإتباع ما قبلها من الحركات- أجدر.

стр. 226

رأي الخليل أن "تولجا فَوْعَل لا تَفْعَل": قال أبو عثمان: وزعم الخليل أن قوله: متخذا من عِضَوَات تَوْلَجا إنما هو "فوعل" من "ولجت" وليس بـ "تفعل١"؛ لأن "تفعلا" في الأسماء قليل و"فوعلا" كثير، ولكنه علم أنه لو جاء بالواو على أصلها, لزمه أن يبدلها همزة؛ لئلا تجتمع واوان في أول كلمة فأبدل التاء لكثرة دخولها على الواو في٢ باب "وَلَجَ", حين قالوا: "أتلج، ومتلج، وهذا أتلج من هذا" ولم يؤخذ هذا إلا عن الثقات. قال أبو الفتح: يقول: إذا كانوا قد أبدلوا الواو تاء في "أتلج، ومتلج، وهذا أتلج من هذا", ولو جاءوا بها٣ لما لزمهم حذف ولا قلب، فأن يبدلوها تاء -في حرف من هذا الباب الذي قد اطرد فيه القلب، ولو لم تبدل فيه تاء لوجب إبدالها همزة- أجدر، وهو "تولج"؛ لأنه لو لم يبدلها تاء للزمه أن يقول: "أولج" لاجتماع واوين. وقوله: "ولم يؤخذ هذا إلا عن الثقات" يريد به: لم تؤخذ هذه اللغة إلا عن٤ الثقات. قال أبو علي: لأن العلل لا يُحتَاج فيها إلى ذكر الثقة, كما يُحتَاج إلى ذلك في الرواية.

стр. 227

تَيْقُور "فَيْعُول" من الوقار: قال أبو عثمان: وقال١ الخليل: ومثل ذلك قوله: فإن يكن أمسى البِلَى تَيْقُوري٢ إنما هو "فيعول" من الوقار، وسألت الأصمعي عن ذلك فقال: كذلك قول الأشياخ، وجعلوا التاء تابعة للواو في هذا؛ ليكون ذلك عوضا للواو من كثرة دخول التاء عليها. قال أبو الفتح: أصل "تَيْقُور" على هذا: "وَيْقُور", فأبدل٣ الواو تاء كما قالوا: "تقية" والأصل: "وَقِيّة", وتُقاة وأصلها "وُقاة" وأشباه ذلك. قال أبو علي: معناه: فإن يكن أمسى البلى وقاري. ويريد أنهم أدخلوا "اتّأس" على "اتّزن", فجعلوا الياء محمولة على حكم الواو في هذا الباب, لا في باب "تقية، وتُجاه، وتَوْلَج"؛ لأنا لم نرهم أبدلوا الياء المنفردة٤ من تاء افتعل تاء وهي فاء, إنما فعلوا ذلك وهي لام نحو: "كَيْتَ، وذيت, وثنتان". وأصل قلب الفاء تاء، إنما هو للواو ثم دخلت الياء عليها٥. ألا ترى أنك لا تجد٥ في باب "تقية، وتجاه" شيئًا من الياء. يقول: فلما كانت الياء تدخل على الواو كثيرًا، وتمال الواو إليها -نحو:

стр. 228

"أغزيت، ومغزيات" وغيرهما- أمالوا الياء إلى حكم الواو في باب "اتّزن واتّأس" لضرب من التعادل. وإنما قُلبت الواو تاء في هذا كله؛ لقرب مخرجها من مخرجها، ثم لما أرادوه١ من الإدغام المأمون معه أن يتبع الحرف ما قبله. بعضهم لا يبدل فاء "افْتَعَلَ" وما تصرف منه تاء, إذا كانت واوا أو ياء: قال أبو عثمان: وبعض العرب من أهل الحجاز ممن يُوثَق٢ بعربيته لا يبدل الواو، والياء تاء في هذا الباب, ويجعلهما تابعتين لما قبلهما كما ذكرت لك، يقولون: "مُوتَزِن, وموتئس، وياتَزِن، وياتئس٣، واتَّزن, واتزر٤, إذا أمرت"٥, ولم يتنكب ما تنكب الأولون، والأولى أكثر وأقيس. قال أبو الفتح: أهل هذه اللغة على قلتها, جروا على أصل الباب ولم يُبدلوا الفاء تاء؛ وذلك أنهم لما رأوا الواو والياء إذا كانتا فاءين في غير هذا الموضع قد تَتْبعان ما قبلهما أتبعوهما هنا. ألا تراهم يقولون: "ايجَلْ، وايحَلْ٦, وهو ياجل، وياحل", فلما فعلوا هذا في غير هذا الموضع, كذلك فعلوه ههنا أيضا. إبدال الواو المكسورة في أول الكلمة همزة: قال أبو عثمان: واعلم أن الواو إذا كانت أولا وكانت٧ مكسورة، فمن العرب من يبدل

стр. 229

مكانها الهمزة, ويكون ذلك مطردا فيها, فيقولون١ في "وِسادة: إِسادة", وفي "وعاء: إعاء", وفي "الوفادة: إفادة". وزعم سيبويه٢ أنه سمعهم ينشدون٢: إلا الإِفَادَة فاستلوت ركائبنا ... عند الجبابير بالبأساء والنعم ويروى: أما الإِفَادَة فاستلوت ركائبنا٣ ويقولون: "إِشَاح في وِشَاح", ولا يهمزونها مكسورة إذا كانت غير أول، لا يقولون في "طويل, وعويل" ونحو ذلك إلا بالواو. قال أبو الفتح: إذا كان قد صح أن الواو المضمومة إنما هُمزت؛ لأنها أشبهت الواوين وجرت الضمة فيها مجرى الواو، فالواو المكسورة على هذا يجب أن تكون مشبهة باجتماع واو وياء نحو: "ويح، وويل، ويوم، ويوح". وإذا كان الأمر كذلك, فقد كان القياس في الواو المكسورة ألا تهمز, كما لا يجب الهمز إذا اجتمعت الواو والياء نحو "وَيْح، ووَيْل", ولكن المكسورة في هذا محمولة على حكم المضمومة؛ لأن الكسرة مستثقلة في الواو كما أن الضمة فيها كذلك. فمن هنا لم يطرد الهمز في الواو المكسورة اطراده في المضمومة. ولم يجز الهمز في الواو المكسورة إذا وقعت وسطا, كما جاز في الواو المضمومة٤ نحو "أدؤر، وأسوق"٥؛ لأن المكسورة ليست في ثِقَل المضمومة, والهمز في الطرف أسوغ منه في الحشو.

стр. 230

ألا ترى إلى كثرة زيادة الهمزة١ أولا نحو: "أسود، وأخضر، وأحمر، وأبيض" وقلتها زائدة حشوا في نحو: "شمال، وشأمل". وكذلك هي في باب "حَمْرَاء، وصفراء، وعُشَرَاء، ورُحَضَاء" كثيرة أيضا٢؛ لأنها طرف وإن كانت بدلا من زائدة, فإنها٣ هي أيضا زائدة، فهذا مما يدلك على أن الهمزة٤ أكثر ما تجيء في الأطراف؛ فلذلك لم يجز همزها مكسورة غير أول على وجه. وأجاز أبو إسحاق في قولهم: "مصائب" أن تكون الهمزة بدلا من الواو المقدرة في مَصَاوِب، وخالف النحويين أجمعين في أن "مصائب" من الشاذ, وقال: ليس كما ذهبوا إليه, بل الهمزة في "مصائب" بدل من الواو في "مصاوب". ورد عليه أبو علي ذلك, وقال: إن الواو المكسورة لم تُهْمَز غير أول في غير هذا الموضع, فيحمل هذا عليه، وإذا كان همزها وهي أول غير مطرد, فهمزها حشوا خطأ. والقول عندي كما ذهب إليه أبو علي. وقرأ سعيد بن جبير: "ثم استخرجها٥ من إعاء أخيه"٦. وسألت أبا علي وقت القراءة, فقلت: هلا أجزت أن يكون قولهم: "إِشَاح، ووِشَاح" لغتين, لا أن الهمزة بدل من الواو كما تقول: "أكَّدت العهد, ووكَّدته"؟ فقال: إجماعهم على "مُوشّح" بلا همز, دلالة على أن الواو هي الأصل, ولم نرهم اجتمعوا في موضع من "وكّدت" على الواو, فنحكم بأن الهمزة فيها٧ بدل من الواو, وهذا صحيح.

стр. 231

ويدل١ عليه أنهم قد قالوا: "التوكيد، والتأكيد", فهمزهم "التأكيد" يدل على أن الهمزة أصل غير مبدلة، إذ لم نرهم أبدلوا الواو الساكنة همزة. فأما قولهم: "إِجَاح, ووِجَاح" في الستر، فكل واحد منهما أصل وليست الهمزة بدلا من الواو عندي. يدل على ذلك قولهم٢ في معناه٢: "أجاح، ووَجاح", فقولهم: "أجاح" بالفتح، يدل على أن الهمزة أصل غير منقلبة؛ لأنها مفتوحة. والواو المفتوحة لا تهمز، وليس لك أن تقيس على "أحد، وأناة" لقلة ذلك. الواو المفتوحة في أول الكلمة, لا تبدل همزة إلا شذوذا: قال أبو عثمان: فإذا كانت الواو أولا وكانت مفتوحة, فليس فيها إبدال إلا أن يشذ الشيء, فيجيء على غير القياس. قالوا: "امرأة أناة، وهي وَنَاة من الوُنِيّ". وقالوا: "أَحَد، في وَحَد", وهذا٣ شاذّ نادر ليس مما يُتخذ أصلا, وإنما يُحفظ نادرا, فاعرف ذلك إن شاء الله. قال أبو الفتح: إذا كانت الواو المكسورة مع ثِقَل الكسرة, غير مطرد فيها الهمز, فالمفتوحة لخفة الفتحة يجب ألا تُهمز, فمن هنا كان شاذا. وحكى لي٤ بعض أصحابنا -أراه عن أبي علي ولم أسمعه منه- أن الهمزة

стр. 232

في قولك: "ما جاءني أحد" غير مبدلة من واو وهي أصل١, وليست كالتي في قولك: "أَحَدَ عَشَرَ" ونحوه. قال: لأن معناه "واحد وعشرة", فالهمزة فيه بدل من واو. قال: وقولهم: "ما جاءني من أحد" ليس معناه: "ما جاءني من واحد في شيء", إنما هذا لنفي الجنس أجمع، و"أحد"٢ ههنا واقع٢ على الجماعة، وما أنا من هذه الحكاية عن ثقة. وقد يجوز أن تكون الهمزة في قولهم: "ما قام أحد" بدلا من الواو؛ لأن معناه: "ما قام واحد من ذوي العلم فما فوقه".

стр. 233

باب ما الياء والواو فيه ثانية وهم في موضع العين من الفعل ... قال أبو عثمان: باب ما الياء والواو فيه ثانية, وهما في موضع العين من الفعل: اعلم أن الأفعال منها ما١ تُعَلّ ويُسَكَّن موضع العين وتُحَّول حركته وتُزَال عن أصله، كل هذا يُفعَل به, وسأبين ذلك٢ إن شاء الله. اعلم أن "فَعَلْتُ، وفعُلتُ، وفَعِلْتُ" منها٣ معتلات كما تعتل "ياء يرمي، وواو يغزو", فإذا اعتلت هذه الحروف جُعلت الحركة التي كانت في العين محولة على الفاء, ولم يُقروا حركة الأصل حيث اعتلت العين٤, كما أن "يفعَل" من "غزوت" لا تكون حركة عينه إلا من الواو. وكما أن "يفعَل" من "رميت" لا تكون حركة عينه إلا من الياء، وهذه الأحرف حيث اعتلت جعلت حركتهن على ما قبلهن، ألا ترى أن "خِفْت، وهِبْت: فَعِلْت", فألقوا الحركة على الفاء وذهبت حركة الفاء٥. تجيء الأفعال الثلاثية المعتلة العينات على ثلاثة أضرب: قال أبو الفتح: اعلم أن الأفعال الثلاثية المعتلة العينات تأتي على ثلاثة أضرب: "فَعَلْتُ، وفَعِلت، وفَعُلت" كما أن الصحيح كذلك، فـ "فعَلت، وفعِلت"

стр. 234

يجيئان فيما١ عينه واو وياء جميعا، فـ "فَعَلت" من الواو والياء نحو "قُلْت، وبِعْت" و"فَعِلت" منهما: "خِفْت، وهِبْت". فأما "فعُلتُ", فلا يأتي إلا من الواو دون الياء نحو "طُلت, فأنا طويل". وسأدل وأبرهن على كل دعوى من هذه في موضعها٢ إن شاء الله. فأصل "قُلتُ، وبِعتُ: قَوَلْتُ, وبَيَعْتُ", فنقلت "قولت" إلى "قَوُلت"؛ لأن الضمة من الواو، ونقلت "بَيَعت إلى بَيِِعْت" لأن الكسرة من الياء، ثم قلبت العين لتحركها وانفتاح ما قبلها, فصارت ألفا في التقدير، وبعدها لام الفعل ساكنة لاتصالها بالضمير, أعني: التاء, فسقطت العين، فنقلت حركتها المجتلبة لها إلى الفاء قبلها, فصارت "قلت، وبعت". فإن قيل: ولِمَ نُقلت "قُلْت" إلى "فَعُلت" و"بِعْت" إلى "فَعِلت"؟ قيل: لأنهم أرادوا أن يغيروا حركة الفاء عما كانت٣ عليه؛ ليكون ذلك دلالة على حذف العين وأمارة للتصرف. ألا ترى أن "ليس" لما لم يريدوا فيها التصرف, لم يغيروا حركة الفاء وذلك قولهم: "لستُ". فلما كانت٤ ٥ القاف في "قلت"٥ مضمومة, والباء في "بعت" مكسورة بعدما كانتا مفتوحتين في "قال، وباع", دلّك٦ ذلك على أن الفعل متصرف, وأنه قد حَدَثَ فيه لأجل التصرف حَدَثٌ ما، وأنه ليس كالحروف التي تلزم ضربا واحدا من الحكم كـ "ليت" ولا كـ "ليس" الذي ليس متصرفا.

стр. 235

ألا ترى أنك لو قلت: "قلت، وبعت" لجرى مجرى "لَسْتُ" ولم تكن ثَمَّ حركة غريبة تدل على العين المحذوفة وأن الفعل متصرف, ونُقلت "قلت" إلى "فَعُلت"؛ لأن الضمة من الواو، و"بعت" إلى "فَعِلت" لأن الكسرة من الياء. فأما "خِفت، وهِبت, وطُلت" فلم يحتاجوا إلى١ أن ينقلوهما٢ إلى شيء؛ لأن حركة العين في أصل تركيب الفعل جاءت مخالفة لحركة الفاء؛ لأن أصل "خفت: خَوِفت", وأصل "هبت: هَيِبت", وأصل "طلت: طَوُلت", فنُقلت الضمة والكسرة الأصليتان من العين إلى فاء الفعل. وتشبيه أبي عثمان "قلت، وبعت" بـ "يغزو، ويرمي" صحيح؛ لأن محل الفاء من العين محل العين من اللام، فلما اعتلت العين في "يغزو" بأن قصرتَها على الضم وأعللتَها في "يرمي" بأن قصرتها على الكسر٣ ومنعتهما ما كان جائزا في غيرهما من تعاقب الكسر والضم, نحو "يضرب، ويقتل, ويعكِف، ويعكُف، ويعرِش، ويعرُش". كذلك أعللتَ الفاء في "قلت, وبعت" بأن غيرت الفتحة التي لهما٤ في أصل البناء٤, وقصرت "قلت" على الضم كما قصرت "يغزو" على الضم, و"بعت" على الكسر كما قصرت "يرمي" على الكسر؛ لمشابهة الفاء العين فيما أريتك. أصل قُلْتُ: "فَعَلْتُ": قال أبو عثمان: وأما٥ "قلت" فأصلها "فعلت" محولة إلى "فَعُلت" من "فَعَلت"٦

стр. 236

وفعلوا ذلك ليغيِّروا حركة الفاء، ولو جعلوها محولة من "فَعَلت" لكانت الفاء إذا أُلقيت عليها حركة العين كهيئتها لو لم تحول عليها، وكانت "فعُلت" أولى بها؛ لأن الضمة من الواو. قال أبو الفتح: يقول: لو لم تغير حركة العين, لكنت إذًا حذفتها وألقيت حركتها على الفاء, وكلتاهما مفتوحة لم تغير حركة الفاء عما كانت عليه فيكون ثم تنبيه على حذف العين، وأن الفعل متصرف غير جارٍ مجري "ليس" المشبهة بـ "ليت". الدليل على أن أصل قلت: فَعَلْتُ: قال أبو عثمان: وقال الخليل: يدلك على أن أصله "فعلت", قولهم: "قُلته"؛ لأنه ليس في الكلام "فَعُلت" متعديا. قال أبو الفتح: وجه استدلال الخليل على أن "قلت: فَعَلْت" أنه لا يخلو من أن يكون "فعَلت" أو "فعُلت" أو "فعِلت"١ وليس قسم رابع١, فلا يمكن أن يكون "فعُلت"؛ لأن "فعُلت" لا يكون متعديا, وقد قالوا: "قلته". ٢ فإن قال قائل٢: فهلا جعلت "قُلت: فَعِلت"؟ قيل: لو كان كذلك لقيل: "قِلْت" كما قالوا: "خفت" لما كان "فَعِلت". وشيء آخر يدل على أن "قُلت: فَعَلت" دون "فَعِلت" وهو قولهم في المضارع: "يقول" و"يقول: يَفْعُل" و"يفعُل" إنما بابه "فعُل، أو فعَل".

стр. 237

دون "فَعِلَ" وقد بطل أن يكون "قلت: فعُلت" لقولهم: "قلته", فبقي أن يكون "فعَلت" دون "فعِلت، وفعُلت". وشيء آخر يدل على أن "قُلت: فعَلت" دون "فعُلت" وهو قولهم في اسم الفاعل: "قائل" و"قائل: فاعل", و"فاعل" لا يجيء من "فعُل" إلا شاذا١ نحو "حمُض فهو حامض، وفره فهو فاره، وخثر فهو خاثر" وقد قالوا: "حمَض، وخثَر". فأما قولهم: "طهُرت المرأة فهي طاهر، وعقرت فهي عاقر، وطلقت فهي طالق", فليست هذه الأحرف ونحوها جارية على الفعل، إنما هي بمعنى النسب كما تقول في "حائض وطامث". ألا تراهم قالوا: "دارع, ونابل٢، وتامر, ولابن", ولا يقولون: "درع, ولا تمر، ولا لبن"؛ لأنه ليس بجارٍ على الفعل، إنما هو بمعنى "ذو كذا". فلما كان "فاعل" لا يجيء من "فعُل", وإنما يجيء من "فعُل: فعيل" نحو "ظرُف فهو ظريف، وشرف فهو شريف" وقد بطل أن يكون "فَعِل" لقولهم: "قُلت" بضم الفاء ولقولهم في "المضارع" يقول دون "يقال", فلم٣ يبق إلا أن يكون "فَعَلت", وهذا الاحتجاج هنا يصلح كله أن يحتج به٤ في "صغت، وزرت، وعجت" وما كان نحوهن من المتعدي. فأما "قُمت، وسُرت، وجُعت" وما كان نحوهن من غير المتعدي, فلا يستمر فيه استدلال الخليل؛ لأنه لا يقال: "جُعته، وقُمته" كما يقال: "صُغته،

стр. 238

وزرته", ولكن قولهم: "جعت, وقمت" -بضم الفاء- وقولهم في المضارع١: "يجوع، ويقوم" دون "يجاع، ويقام" يدلان على أنه ليس بـ "فَعِلت". وقولهم في اسم الفاعل: "جائع، وقائم" دون "جَوِيع، وقَوِيم" يدل على أنه ليس بـ "فَعُلت". فأما "خِفت, وهِبت" فإنهما٢ "فَعِلت" يدل على ذلك قولهم في المضارع: "يخاف, ويهاب" لأن "يفعَل" إنما يجيء من فَعِل نحو "شَرِب" فهو "يشرب", وقد مر٣ ذكر هذا٣. ويدل على أن "خفت" أيضا "فَعِلت" كسرهم الخاء وليس من الياء, فتجعله كـ "بعت", وهو من الواو لقولهم: "الخوف، وهو أخوف منك", وقولهم: "خائف, وهائب" لا يدل على أنه "فَعَلت" دون "فَعِلت"؛ لأن "فاعلا" قد يجيء من "فَعِل" كما يجيء من "فَعَل", وذلك قولهم: "شرب فهو شارب، وركب فهو راكب". ولكن قولهم: "خائف, وهائب" يدل على أن "خفت" ليس بـ "فعُلت"؛ لأنه لا يقال: "فعُلت فأنا فاعل" إنما يجيء على "فَعِيل" وقد مر ذكره. فتأمل هذه المواضع، فإني قد استقصيت القول فيها, ولم أر أحدا من أصحابنا بسطها هذا البسط. أصل "طُلْتُ: فَعُلْتُ": قال أبو عثمان: وأما "طلت" فهي "فَعُلت" أصلٌ، فاعتلت٤ من "فعلت" غير

стр. 239

محولة. الدليل على ذلك "طويل: وطُوَال"؛ لأن "فعلت" يجيء منه الاسم على "فَعِيل، وفُعَال" نحو "ظرُف فهو ظَرِيف، وكرم فهو كريم" وهذا أكثر من أن يؤتى عليه. وقالوا: "سريع وسُرَاع، وخفيف وخفاف" فـ "فَعِيل، وفَعَال" أختان في باب "فَعُلت". قال أبو الفتح: قوله: فاعتلت١ من "فعُلت" غير محولة, يريد: أنها لم تكن في الأصل "طَوَلْت", ثم نُقلت إلى "طَوُلت" كما تقول: إن أصل "قُمت: قَوَمت" ثم حُوِّلت إلى "قوُمت", بل أصل "طلت: طَوُلت", قال: لأنهم يقولون: "طويل", فجرى ذلك مجرى "كرم فهو كريم". ووجه آخر يقوي أن "طُلت: فَعُلت", وذلك أنها نقيضة "قصُرت", فكما أن "قصرت: فعُلت" فكذلك "طلت"؛ لأنهم مما يجرون الشيء مجرى نقيضه, وذلك قولهم: "قلما تقولن" فأدخلوا النون لمكان النفي ثم قالوا في نقيضه: "كثر ما تقولن", ولا نفي في كثر فأجري مجرى قَلّ الذي فيه معنى النفي. ومن ذلك قولهم في الخبر: "كم رجل قام؟ " فجروا رجلا؛ لأنهم أجروا كم مجرى رب، "لأن" رُبّ للتقليل، و"كم" للتكثير. وقالوا: "طويل" كما قالوا: "قصير، وحديث، وقديم، وضعيف، وقوي" فهذا مطرد فاشٍ في اللغة. فهذا أيضا يقوي أن "طُلت: فعُلت"؛ لأنها نقيضة "قصُرت". فأما ذكره٢: "خَفِيف، وخُفَاف" في هذا الموضع، فإنما أراد به أن "فعيلا، وفعالا" كثيرا ما يصطحبان، ولم يرد به أن خفيفا فعله "فعُل" هذا

стр. 240

محال، ويدل على أنه محال١ قولهم: "خَفَفت١ على فلان" بفتح العين, وقالوا في المضارع: "يَخِف" هذا "فعَل يفعِل", ونظيره٢: "خف يخف", ولم يأت فيما عينه ولامه من موضع واحد٣ "فعُلت" إلا حرفان فيما علمت وهما٤ "لَبُبْت فأنت لَبِيب" حكاها يونس، قال لي أبو علي: قال أبو إسحاق: سألت عنها ثعلبا فلم يعرفها، وحكى قطرب: "شرُرت في الشر". وإنما تجنبوا "فعُلت" بالضم٥ في المضاعف؛ استثقالا للضمة مع التضعيف. فأما "حبذا" فأصلها -لعمري- "حَبُب", إلا أنها لما لزمت الإدغام -فلم يظهر تضعيفها- احتملت لذلك. وقد قالوا أيضا٦: "دَمُمْت فأنت تدم٧ دَمامة", ولا يجب من حيث كان "خف فهو خفيف" نقيض "ثقل فهو ثقيل" أن يكون "فعُل" كما أن "ثقُل" كذلك؛ لأن هذه٨ مقايسة, وقولهم: "خففت أخف" مسموع والسماع يبطل القياس. فأما "سريع، وسُرَاع" فهما لعمري من "فعُل"؛ لأنهم قد قالوا "سرُع", وأنشدوا للأعشى: واستخبري قافل الركبان وانتظري ... أوب المسافر إن ريثا وإن سرعا ويروى: سَرِعا. وقوله: فـ "فَعِيل، وفُعَال" أختان في باب "فعُلت" هما لعمري كذلك، إلا أن فعيلا "هو الأصل", وإنما يُخرَج به إلى "فُعَال" إذا أريد المبالغة "وطُوَال

стр. 241

وعُرَاض" أشد مبالغة من "طويل, وعريض" و"فَعِيل وفُعَال" كلاهما١ من أبنية المبالغة، فإذا أرادوا الزيادة في المبالغة ضعّفوا العين فقالوا: "كُرّام، وحسان، ووضاء" وهم يريدون: "كريما، وحسنا، ووضيئا". قال الشاعر: دار الفتاة التي كنا نقول لها ... يا ظبية عُطُلا حُسَّانة الجِيد وربما بنوه على فُعَّال٢ مضعّف العين وألحقوه الهاء للمبالغة, قالوا: "رجل كُرّامة، ولُؤّامة" في الكريم واللئيم، كما قالوا: "مِجْذامة" للمقطوع, و"مِطْرَابة" للكثير الطرب, و"معزابة" للكثير التعزب, و"رجل عَذّالة" إذا أكثر العَذْل. قال تأبط شرا: يا من لعَذّالة خَذّالة أشِب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق فوصفهم المذكر بما فيه هاء التأنيث إنما هو لشدة المبالغة، وهم إذا أرادوا شدة المبالغة في الكلمة فمما يُخرجونها عن أصلها. ألا ترى أن أصل الأفعال أن تتصرف وقد منعوا "نعم، وبئس، وحبذا، وفعل التعجب" التصرف لما أرادوا من شدة التوكيد في المعنى الذي أمُّوه والنحو الذي قصدوه، وهذا باب واسع. فلهذا كان "فعيل" هو الأصل، و"فعال" مدخل عليه؛ لأنه أشد مبالغة منه. تعدية "طلته من طاولته، فطلته" يدل على أنه محول: قال أبو عثمان: وأما "طاولني فطلته" فهي محولة كما حولت "قلت", وفاعلها طائل

стр. 242

لا يقال فيه: "طَوِيل", كما أن "قائلا" لا يقال فيه: "قَوِيل", ولم يؤخذ هذا إلا عن الثقات. قال أبو الفتح: يقول: تعديه١ في قولهم: "طلته" يدل على أنه ليس بـ "يفعُل"؛ لأن "فعُل" لا يتعدى، وكذلك قولهم: "طائل", فجرى مجرى "قلته, فأنا قائل". فإن قيل: فلعله "فَعِل" فهذا محال؛ لأنه كان يلزم أن يقال فيه: "طلته أطاله" كما قالوا: "خِفته أخافه". قال الشاعر: إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت٢ فقصر دونها٢ الأوعالا ويروى٣: فليس تنالها٣ الأوعالا٤, يريد: طالت الأوعال. وقوله: ولم يؤخذ هذا إلا عن الثقات، يريد به اللغة لا العلة, وقد مضى تفسير مثل هذا. أصل "بِعْتُ: بَيَعتُ" ثم نقل إلى "بَيِعتُ": قال أبو عثمان: وقصة "بعت" في التحويل من باب "فعَلت" إلى "فعِلت" كقصة "قلت" من "فعَلت" إلى "فعُلت", وكانت "فعِلت" أولى بها؛ لأن الكسرة من الياء كما كانت "فعُلت" أولى بـ "قُلت"٥؛ لأن الضمة من الواو. قال أبو الفتح: يقول: إن أصل "بعت: بيعت" ثم نقلت إلى "بيعت"

стр. 243

فلما حُذفت العين نُقلت حركتها إلى الفاء. ويدل على أن أصل "بعت: فعلت" قولهم في المضارع: "يَبِيع" و"يبِيع: يفْعِل" و"يفعِل" إنما بابه "فعَل" نحو: "ضرب يضرب". ولو كان "بِعْت: فَعِلت" في الأصل كـ "هِبت لقالوا في مضارعه: يباع" كما قالوا: "يهاب". وسألت أبا علي وقت القراءة, فقلت له: ما تنكر أن يكون١ "بعت أبيع: فعلت أفعل" بمنزلة "حسِب يحسِب" في٢ الصحيح؟ فقال: جميع ما جاء من "فعِل يفعِل" قد جاء فيه الأمران "يفعِل، ويفعَل" نحو "حسِب يحسِب ويحسَب، ويبس ييبس وييبس٣, ونعم ينعم وينعم, وبئس يبئس ويبأس"٣. قال: فاقتصارهم بمضارع "بعت على أبيع" دلالة على أن أصله "فعَل" دون "فعِل". يريد أنه لو كان "بعت: فَعِلت", لجاز في مضارعه "يبِيع, ويبَاع" جميعا كما جاء يحسِب "ويحسَب", فمن هنا ثبت أنه "فعل" لا غير. وفي قول أبي علي: إن جميع باب" فَعِل" يأتي مضارعه على "يفعَل ويفعِل" جميعا٤؛ شيء، وذلك أنه قد جاء مضارع "فعِل" في بعض اللغة على "يفعِل" ليس غير، وذلك "ومق يمق، ووثق يثق، وورم يرم" ونحو ذلك مما لزم مضارعه "يفعِل" وحدها، وقد عرفت العلة في أن لزمت هذه الأفعال "يفعِل" في المضارع فيما مضى، فيجوز أن يكون أبو علي استثنى بهذا في نفسه, لما كان معروف الموضع واضح العلة، ولو قال جوابا عما سألته عنه: إن "فعِل يفعِل" لا يقاس عليه؛ لأنه ليس الباب, لكان أسلم من الاعتراض

стр. 244

لم يجئ "فعل" فيما عينه أو لامه ياء: قال أبو عثمان: وليس في باب الياء التي هي عين "فعلت" كما أنه ليس في باب "رميت" "فعُلت"؛ لأن الياء عندهم أخف من الواو فكرهوا الخروج من الأخف إلى الأثقل، ودخلت "فعِلت" على بنات الواو كما دخلت في باب "غَزَوت" حين قلت: "شَقِيت, وغَبِيت" لأنك نقلتَ الأثقل إلى الأخف, ولو قلت: "فعُلت" من الياء كنتَ قد انتقلت من الأخف إلى الأثقل. قال أبو الفتح: يقول: لو قلت من باب "بعت: فعُلت", للزمك أن تقلب الياء واوا وكنت تقول: "بُعت أبوع" فرُفض ذلك كما رُفض "رَمَوْتُ أَرْمُو" لو بنيته على "فعُل يفعُل" لئلا يخرج من الياء وهي الأخف إلى الواو وهي الأثقل. وقوله: ودخلت "فعِلت" على بنات الواو يعني: الواو التي هي عين، يريد "خفت أخاف، ونمت أنام" كما دخلت فيما لامه واو نحو "شقيت، وغبيت" لأنهما١ من الشقاوة والغباوة, لتنقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها. ووجه٢ الخفة في "خفت أخاف" أنك إذا بنيته٣ على "فَعِل" لزمه "يفعَل", فزالت الضمة والواو٤ وصار موضع الضمة٤ كسرة في "خفت" وموضع الواو ألفا في "يخالف"؛ كما أنك إذا قلت: "شقيت تشقى" صار موضع الواو التي هي لام, ياء مرة وألفا أخرى، فهذا هو وجه الخفة.

стр. 245

المضارع من قال على "يفعل", ومن باع على "يفعل": قال أبو عثمان: وإذا قلت: "يفعَل" من "قلت" لزمه "يفعُل", وإذا قلت: "يفعَل" من "بعت" لزمه "يفعِل", وصار "يفعِل" لهذا لازما إذ١ كان "فعِل يفعِل" في غير المعتل نحو "حسِب يحسِب" وكما وافق "فعَلت" من الياء "فعلْت" من الواو في تغيير حركة الفاء, كذلك وافقه في لزوم "يفعِل". قال أبو الفتح: يقول: لا تنكر أن تقول: "بعت أبيع", فتجيء به على٢ "فعِل يفعِل٢", فإن له نظيرا في الصحيح وهو "حسِب يحسِب". وفيه عندي وجه آخر, وهو أن "بعت" وإن كان الآن "فعِلت", فإن أصله "فَعَلت" ثم حُوِّل إلى "فعلت". وإذا كان "حسِب" قد جاء على "يحسب" وإن لم يكن أصل "حسِب: فعَل", بل الكسر في عينه أصل. فأن يجوز "أفعِل" في "فعِلت" التي أصلها "فعَلت" أجدر. وقوله: وكما وافق "فعَلت" من الياء "فعَلت" من الواو في تغيير حركة الفاء، كذلك وافقه في لزوم "يفعِل". يقول: لما أن كسرت الباء من "بِعت" كما ضممتَ القاف من "قلت" -وأصل الباء والقاف الفتح- ثم لزم قلت أقول؛ لأنه محمول على "يغزو" ومشبه به لأجل شبه العين باللام, كذلك لزم "بعت أبيع" فجرى مجرى "قلت أقول"، ولأن "بعت" أيضا مشبهة بـ "رميت" كما شبهت

стр. 246

"قلت بغزوت" فجاء "يبيع على يفعِل" كما جاء "يرمي" أيضا كذلك. فالعلة إنما أتت الفاء من قِبَل العين، وأتت العين من قبل اللام, فاللام هي الأصل في العلة إذن. اعتل "هبت، وخفت" من أصل بنائهما لا محولين: قال أبو عثمان: وأما "يفعَل" من "خفت، وهبت", فإنك تقول فيه: "يخاف ويهاب"؛ لأن " فعِل" يلزمه "يفعَل", وإنما خالفتا١ "يبيع, ويزيد"؛ لأنهما لم تعتلا محولتين، إنما اعتلتا من بنائهما الذي هو٢ لهما في الأصل. وكذلك اعتلتا في "يفعَل" من بنائهما الذي هو لهما في الأصل. قال أبو الفتح: يقول: ليس أصل "خفت، وهبت: فعَلت", ثم نقل إلى "فعِلت", بل هما مبنيان في أصل تركيبهما على كسر العين كما أن "طلت, فأنا طويل" لم تنقل من "فعَلت إلى فعُلت", بل عينها في أصل التركيب مضمومة كعين "قصُرت", كما أن "خفت، وهبت" بمنزلة "حذِرت، وفرقت", فمن هنا قالوا: "هبت أهاب" ولم يقولوا: "بعت أباع"؛ لأن أصل "بعت: بَيَعت", ثم نقل إلى "بَيِعت". وهذا القول من أبي عثمان فيه تقوية وشهادة بصحة ما ذهبت إليه من أنه إنما٣ جاء "بعت أبيع" على٤ "فعِلت أفعِل" لأن أصل "بِعت: فَعَلت" مفتوح العين, فجرى مجرى "ضربت أضرب" ثم بعد أن حول إلى "فُعِلت" جرى مجرى "حسِب يحسِب".

стр. 247

وقوله: وكذلك اعتلتا في "يفعَل" من بنائهما الذي هو لهما في الأصل، يقول: لم تعتلا في المضارع من بناء نُقلتا إليه، بل اعتلتا من بنائهما الذي هو لهما في أصل تركيبهما, وهو فتح عين "يفعَل" لأجل كسر عين الفعل من "فعِلت" فيهما. ومعنى قوله: اعتلتا في "يفعَل" يحتاج إلى فَسْر, وذلك أن هذه الأفعال المعتلات أعينا إنما وجب فيها الإعلال في المضارع لأجل اعتلال الماضي، ولولا اعتلال الماضي لم يجب الاعتلال في المضارع. ألا ترى أن أصل "يقول، ويبيع١: يَقْوُل، ويَبْيِع"١ وأصل "يخاف ويهاب: يخوَف, ويهيَب" وأصل "يَطُول: يَطْوُل" وهذه الصيغ لا توجب إعلالا؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح. ولكن لما كان أصل الماضي من هذه ونظائرها إنما هو٢ "قَوَمَ، وبيع، وخوِف، وهيِب، وطوُل" اعتلت العينات لتحركهن وانفتاح ما قبلهن, فسُلبن ما فيهن٣ من الحركات هربا من جمع٤ المتجانسات, فقُلبن ألفات لتحركهن في الأصل وانفتاح ما قبلهن الآن. فلما جاء المضارع أعلوه إتباعا للماضي؛ لئلا يكون أحدهما صحيحا والآخر معتلا, فنقلوا الضمة والكسرة من الواو والياء إلى ما قبلهما, وأسكنوهما فصار "يقُول, ويَبِيع، ويَطُول". فأما "يخاف، ويهاب" فأصلهما: يخوَف ويهيَب" فأرادوا الإعلال

стр. 248

فنقلوا الفتحة إلى الخاء والهاء فصارا١ في التقدير: "يخَوْف, ويهَيْب" ثم قلبوا الواو والياء ألفين لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن، ولأنهما قد اعتلتا ضرورة في "خاف، وهاب" هذا هو الذي عليه حذاق أهل التصريف. فأما من ذهب إلى أن "يقول، ويبيع" ونحوهما إنما استُثقلت الحركة فيهما في الواو والياء, فنقلت إلى ما قبلهما فسكنتا, فغير معبوء بقوله؛ لأن الواو والياء إذا سُكِّن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح, فلم تستثقل فيهما الحركة. وحدثني بعض أصحابنا أن أبا عمر الجرمي ﵀ دخل بغداد، فكان٢ بعض كبار الكوفيين يغشاه ويكثر عليه المسائل وهو يجيبه, فقال له بعض أصحابه: إن هذا الرجل قد ألح عليك بكثرة المسائل, فلِمَ لا تسأله؟ فلما جاء٣ قال له: يا أبا فلان، ما الأصل في "قم"؟ فقال له: "أُقْوَم" فقال له: فما الذي عملوا؟ فقال له: استثقلوا الضمة على الواو فأسكنوها. فقال له: أخطأت؛ لأن القاف قبلها ساكنة، قال: فلم يعد إليه الرجل بعدها. "فُعِلَ" من الأجوف بالواو والياء: قال أبو عثمان: فإذا قلت "فُعِل" من هذا كسرت الفاء وحولت عليها حركة العين, كما فعلت ذلك في "فَعِلت" وذلك قولك: قد "خِيف، وبِيع، وهِيب٤، وقِيل" وهذه هي اللغة الجيدة، وبعض العرب يشم موضع الفاء الضمة

стр. 249

إرادة أن يبين أنها١ "فُعِلَ" فيقول: "خُيِف، وبيع، وقيل" وهذا إشمام وليس بالضم الخالص؛ لأنه ممال. وبعض العرب يخلص الضمة ويجعل العين تابعا للفاء, فيقول" بُوع, وخُوف, وقُول" كما قالوا: "مُوقِن، وموسر", وهذه اللغات دواخل على "قِيل, وبِيع" والأصل الكسر كما ذكرت لك. قال أبو الفتح: اعلم أن أصل هذا كله "خُوِف, وبُيِع، وقُوِل"؛ لأنه بوزن "ضُرِب", فأرادوا أن يعلّوا العين كما أعلوها في "خاف, وباع، وقال", فسلبوها الكسرة ونقلوها إلى الفاء؛ فانقلبت العين في "خِيف وقِيل" ياء٢؛ لانكسار الفاء قبلها وبقيت العين في "بِيع" بحالها ياء, فصار٣ كله "خِيف، وبِيع، وقِيل". وأما من أشم, فإنه أراد البيان. وقد كان في الفاء ضمة فأراد أن ينقل إليها كسرة العين, فلم يمكنه أن يجمع في الفاء الكسرة والضمة، فأشم الكسرة فصارت الحركة في الفاء بين الضمة والكسرة بمنزلة الحركة في "كافَِر، وجابَِر"؛ لأنها بين الفتحة والكسرة, ومن أخلص الضمة ولم يشمها الكسرة فإنه أحرص على البيان ممن أشم، فأخلص الضمة كما يخلصها في الصحيح نحو "ضُرِب". وقوله: كما قالوا "موقن، وموسر" يريد أنهم قالوا: "بُوعَ", فقلبوا الياء واوا لانضمام ما قبلها, كما قلبوها في "موسِر, وموقِن" لذلك، وقد أجروا

стр. 250

المدغم مجرى المعتل في هذا الباب؛ لموافقته إياه في سكون العين، قال الله تعالى: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ و"رِدَّت إلينا" و"رُِدّت إلينا"١. وقال لي أبو علي: إنهم ينشدون بيت الفرزدق على ثلاثة أوجه: وما حُلِ ّمن جهل حبى حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنف "حُلّ، وحِلّ، وحُِل"٢ فمن قال "حل" فضم الحاء, فهو في الكثرة بمنزلة من قال: "قِيل" فكسر، ومن كسر الحاء فقال "حل" فهو بمنزلة من أخلص الضمة فقال: "بُوع وقُول", ومن أشم فقال "حُِلّ" فهو٣ بمنزلة من أشم أيضا فقال: "قُِيل"٤. وقرأ القراء: "وسُيِقَ الَّذِينَ كَفَرُوا"٥, و"غُيِضَ الْمَاء"٦، و"سُيِئَتْ وُجُوه"٧, ونحو ذلك. وقال الراجز: وابتذلت غضبى وأم الرحال ... وقول: لا أهل له ولا مال وقال الآخر: نُوط إلى صلب شديد الخل ... وعنق كالجذع متمهل وقال الآخر: حُوكت على نيرين إذ تحاك ... تختبط الشوك ولا تشاك يريد: "نِيط, وحِيك"٨.
следующие страницы →