← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10545

المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني

ابن جني

Полный текст (489 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

"قلت بغزوت" فجاء "يبيع على يفعِل" كما جاء "يرمي" أيضا كذلك. فالعلة إنما أتت الفاء من قِبَل العين، وأتت العين من قبل اللام, فاللام هي الأصل في العلة إذن. اعتل "هبت، وخفت" من أصل بنائهما لا محولين: قال أبو عثمان: وأما "يفعَل" من "خفت، وهبت", فإنك تقول فيه: "يخاف ويهاب"؛ لأن " فعِل" يلزمه "يفعَل", وإنما خالفتا١ "يبيع, ويزيد"؛ لأنهما لم تعتلا محولتين، إنما اعتلتا من بنائهما الذي هو٢ لهما في الأصل. وكذلك اعتلتا في "يفعَل" من بنائهما الذي هو لهما في الأصل. قال أبو الفتح: يقول: ليس أصل "خفت، وهبت: فعَلت", ثم نقل إلى "فعِلت", بل هما مبنيان في أصل تركيبهما على كسر العين كما أن "طلت, فأنا طويل" لم تنقل من "فعَلت إلى فعُلت", بل عينها في أصل التركيب مضمومة كعين "قصُرت", كما أن "خفت، وهبت" بمنزلة "حذِرت، وفرقت", فمن هنا قالوا: "هبت أهاب" ولم يقولوا: "بعت أباع"؛ لأن أصل "بعت: بَيَعت", ثم نقل إلى "بَيِعت". وهذا القول من أبي عثمان فيه تقوية وشهادة بصحة ما ذهبت إليه من أنه إنما٣ جاء "بعت أبيع" على٤ "فعِلت أفعِل" لأن أصل "بِعت: فَعَلت" مفتوح العين, فجرى مجرى "ضربت أضرب" ثم بعد أن حول إلى "فُعِلت" جرى مجرى "حسِب يحسِب".

стр. 247

وقوله: وكذلك اعتلتا في "يفعَل" من بنائهما الذي هو لهما في الأصل، يقول: لم تعتلا في المضارع من بناء نُقلتا إليه، بل اعتلتا من بنائهما الذي هو لهما في أصل تركيبهما, وهو فتح عين "يفعَل" لأجل كسر عين الفعل من "فعِلت" فيهما. ومعنى قوله: اعتلتا في "يفعَل" يحتاج إلى فَسْر, وذلك أن هذه الأفعال المعتلات أعينا إنما وجب فيها الإعلال في المضارع لأجل اعتلال الماضي، ولولا اعتلال الماضي لم يجب الاعتلال في المضارع. ألا ترى أن أصل "يقول، ويبيع١: يَقْوُل، ويَبْيِع"١ وأصل "يخاف ويهاب: يخوَف, ويهيَب" وأصل "يَطُول: يَطْوُل" وهذه الصيغ لا توجب إعلالا؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح. ولكن لما كان أصل الماضي من هذه ونظائرها إنما هو٢ "قَوَمَ، وبيع، وخوِف، وهيِب، وطوُل" اعتلت العينات لتحركهن وانفتاح ما قبلهن, فسُلبن ما فيهن٣ من الحركات هربا من جمع٤ المتجانسات, فقُلبن ألفات لتحركهن في الأصل وانفتاح ما قبلهن الآن. فلما جاء المضارع أعلوه إتباعا للماضي؛ لئلا يكون أحدهما صحيحا والآخر معتلا, فنقلوا الضمة والكسرة من الواو والياء إلى ما قبلهما, وأسكنوهما فصار "يقُول, ويَبِيع، ويَطُول". فأما "يخاف، ويهاب" فأصلهما: يخوَف ويهيَب" فأرادوا الإعلال

стр. 248

فنقلوا الفتحة إلى الخاء والهاء فصارا١ في التقدير: "يخَوْف, ويهَيْب" ثم قلبوا الواو والياء ألفين لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن، ولأنهما قد اعتلتا ضرورة في "خاف، وهاب" هذا هو الذي عليه حذاق أهل التصريف. فأما من ذهب إلى أن "يقول، ويبيع" ونحوهما إنما استُثقلت الحركة فيهما في الواو والياء, فنقلت إلى ما قبلهما فسكنتا, فغير معبوء بقوله؛ لأن الواو والياء إذا سُكِّن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح, فلم تستثقل فيهما الحركة. وحدثني بعض أصحابنا أن أبا عمر الجرمي ﵀ دخل بغداد، فكان٢ بعض كبار الكوفيين يغشاه ويكثر عليه المسائل وهو يجيبه, فقال له بعض أصحابه: إن هذا الرجل قد ألح عليك بكثرة المسائل, فلِمَ لا تسأله؟ فلما جاء٣ قال له: يا أبا فلان، ما الأصل في "قم"؟ فقال له: "أُقْوَم" فقال له: فما الذي عملوا؟ فقال له: استثقلوا الضمة على الواو فأسكنوها. فقال له: أخطأت؛ لأن القاف قبلها ساكنة، قال: فلم يعد إليه الرجل بعدها. "فُعِلَ" من الأجوف بالواو والياء: قال أبو عثمان: فإذا قلت "فُعِل" من هذا كسرت الفاء وحولت عليها حركة العين, كما فعلت ذلك في "فَعِلت" وذلك قولك: قد "خِيف، وبِيع، وهِيب٤، وقِيل" وهذه هي اللغة الجيدة، وبعض العرب يشم موضع الفاء الضمة

стр. 249

إرادة أن يبين أنها١ "فُعِلَ" فيقول: "خُيِف، وبيع، وقيل" وهذا إشمام وليس بالضم الخالص؛ لأنه ممال. وبعض العرب يخلص الضمة ويجعل العين تابعا للفاء, فيقول" بُوع, وخُوف, وقُول" كما قالوا: "مُوقِن، وموسر", وهذه اللغات دواخل على "قِيل, وبِيع" والأصل الكسر كما ذكرت لك. قال أبو الفتح: اعلم أن أصل هذا كله "خُوِف, وبُيِع، وقُوِل"؛ لأنه بوزن "ضُرِب", فأرادوا أن يعلّوا العين كما أعلوها في "خاف, وباع، وقال", فسلبوها الكسرة ونقلوها إلى الفاء؛ فانقلبت العين في "خِيف وقِيل" ياء٢؛ لانكسار الفاء قبلها وبقيت العين في "بِيع" بحالها ياء, فصار٣ كله "خِيف، وبِيع، وقِيل". وأما من أشم, فإنه أراد البيان. وقد كان في الفاء ضمة فأراد أن ينقل إليها كسرة العين, فلم يمكنه أن يجمع في الفاء الكسرة والضمة، فأشم الكسرة فصارت الحركة في الفاء بين الضمة والكسرة بمنزلة الحركة في "كافَِر، وجابَِر"؛ لأنها بين الفتحة والكسرة, ومن أخلص الضمة ولم يشمها الكسرة فإنه أحرص على البيان ممن أشم، فأخلص الضمة كما يخلصها في الصحيح نحو "ضُرِب". وقوله: كما قالوا "موقن، وموسر" يريد أنهم قالوا: "بُوعَ", فقلبوا الياء واوا لانضمام ما قبلها, كما قلبوها في "موسِر, وموقِن" لذلك، وقد أجروا

стр. 250

المدغم مجرى المعتل في هذا الباب؛ لموافقته إياه في سكون العين، قال الله تعالى: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ و"رِدَّت إلينا" و"رُِدّت إلينا"١. وقال لي أبو علي: إنهم ينشدون بيت الفرزدق على ثلاثة أوجه: وما حُلِ ّمن جهل حبى حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنف "حُلّ، وحِلّ، وحُِل"٢ فمن قال "حل" فضم الحاء, فهو في الكثرة بمنزلة من قال: "قِيل" فكسر، ومن كسر الحاء فقال "حل" فهو بمنزلة من أخلص الضمة فقال: "بُوع وقُول", ومن أشم فقال "حُِلّ" فهو٣ بمنزلة من أشم أيضا فقال: "قُِيل"٤. وقرأ القراء: "وسُيِقَ الَّذِينَ كَفَرُوا"٥, و"غُيِضَ الْمَاء"٦، و"سُيِئَتْ وُجُوه"٧, ونحو ذلك. وقال الراجز: وابتذلت غضبى وأم الرحال ... وقول: لا أهل له ولا مال وقال الآخر: نُوط إلى صلب شديد الخل ... وعنق كالجذع متمهل وقال الآخر: حُوكت على نيرين إذ تحاك ... تختبط الشوك ولا تشاك يريد: "نِيط, وحِيك"٨.

стр. 251

وإنما كان "قِيل، وخِيف، وبِيع" بإخلاص الكسرة أقيس عنده؛ لأن سبيل المكسور إذا كان قبله مضموم فأسكن, أن تُنقَل كسرته إلى المضموم. ألا ترى أنك تقول للمرأة: "اُغْزِي" وأصله: "اُغْزُوِي" فأصل الواو الكسر وأصل الزاي الضم، فلما أسكنت الواو استثقالا للكسرة عليها، نقلت الكسرة إلى الزاي, فقيل: "اغزي", فكذلك قياس "قيل، وبيع". ومن قال: "قُيِل" فأشم, قال: "اُغْزِي" فأشمّ، ومن قال: "قُوِل" لم يقل: "اغزو" لئلا يلتبس واحد المؤنث بجماعة المذكر؛ فلذلك كان "قيل، وبيع" أكثر في اللغة، وهو اللغة الجيدة. نقل "باع، وقام" إلى "بَيِعَ، وقَوُمَ": قال أبو عثمان: وإذا قلت: "فعَل" صارت العين تابعة للفاء وذلك "باع، وقال، وخاف، وهاب"١, وإنما فعلوا ذلك كراهية أن يلتبس "فعَل٢ يفعِل" وأخواتها حين٣ أتبعوا العين الفاء, فقالوا: "قُول، وبُوع، وخُوف"٤. قال أبو الفتح: هذا القول من أبي عثمان يدل على أنهم ينقلون "باع، وقام" إلى "بَيِع، وقَوُم" كما ينقلون "بَيَعْت، وقَوَمْت" إلى "بَيِعت، وقَوُمت" لا فصل بين "فعَل، وفعِلت". وسألت أبا علي عن هذا فقال: نعم, ينقلون "فَعَلَ" كما ينقلون "فَعِلت"

стр. 252

يقول أبو عثمان: فإذا كانوا قد نقلوا "بَيَعَ" إلى "بَيِعَ", و"قَوَمَ" إلى "قَوُمَ" ثم أسكنوا العين، فلو نقلوا حركتها إلى الفاء لانضمت في قام١ وانكسرت في "باع" وبعدها العين ساكنة, فكان يلزم أن تقول: "قد قُوم زيد، وقد بِيع زيد الطعام" إذا كان زيد هو الذي باع, ولم يرد به "فُعِل". وكذلك كان يلزم في "طال" أن يقول: "طُول", وكان يلزم أن تقول: "خِيف زيدا عمرا" وأنت تريد "خاف"؛ لأنك كنت تسكن العين من "خاف" وتنقل كسرتها إلى الفاء فتنقلب العين ياء لانكسار ما قبلها، فتقول: "خِيفَ في خاف". يقول: "فكرهوا أن يلتبس "فعَل بفُعِل". بعض العرب لا يبالي الالتباس, فيقول: "كِيدَ زيد يفعل, وما زِيلَ يفعل": قال أبو عثمان: وبعض العرب لا يبالي الالتباس فيقول: "قد كيد زيد يفعل كذا وكذا, وما زيل يفعل كذا وكذا" يريدون " كاد, وزال". وأخبرني الأصمعي أنه سمع من ينشد: وكِيدَ ضباع القف يأكلن جثتي ... وكِيدَ خراش يوم ذلك ييتم قال أبو الفتح: اعلم أن أصل "كِيد، وزِيل: كَيِد، وزَيِل" على "فَعِل"؛ لأن المضارع على "يفعَل", وذلك قولهم: "يكاد، ويزال", وقولهم٢: "كاد يكاد، وزال يزال" بمنزلة "هاب يهاب", وكله "فعِل يفعَل", إلا أن الذين قالوا: "كِيد, وزِيل" نقلوا الكسرة من العين إلى الفاء وألقوا حركة الفاء فصار "كِيدَ

стр. 253

وزيل" ولم يخافوا التباسه "بفُعِل"؛ لأنك لا تقول: "كِدْت زيدا يقوم، وما زلت زيدا يقوم" فيُخاف أن يلتبس "كِيد زيد يقوم، وما زِيل زيد يقوم" بـ "فُعِل" منه كما يلتبس "بِيع زيد الطعام" إذا كان هو الفاعل بـ "بِيع زيد الطعام" إذا كان هو المفعول، فمن ههنا اجترءوا على "كيد زيد يفعَل، وما زيل زيد يفعَل". "كِلْتُ طعامي" للفاعل، و"كِلْتُ طعامي" للمفعول: قال أبو عثمان: فإن قلت: هلا تنكبوا في "كلت طعامي" وما كان نحوها أن يستوين بـ "فُعِلت" في حال؟ قيل: فإنهم١ مما يلزمون "فُعلت" الإشمام حتى يكون فرقا بين "فَعلت، وفُعلت". قال أبو الفتح: يقول: فإن قال قائل: هلا تنكبوا في: كلت طعامي، وأنت الفاعل ونحوه أن يلتبس بـ "كلت طعامي إذا كان غيرك كالك إياه" أي: كاله لك، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ ٢ أي: كالوا لهم؟ قال: فالجواب عن هذا أنهم يقولون: "كلت طعامي" فيُخلصون الكسرة٣ في الكاف إذا كنت الفاعل ويقولون: "كُِلت طعامي", فيشمون الكاف٤ الضم٥ إذا كنت المفعول، فرقا بين الفاعل والمفعول.

стр. 254

من العرب من لا يشم "بِيعَ الطعام" إذا أمن اللبس: قال أبو عثمان: ويفعل هذا من العرب من يقول: "بيع الطعام" ولا يشم حين أمن الالتباس ويوافق غيره -ممن كان يشم في غير الالتباس- في موضع الالتباس ويقول أيضا: "خُِفنا، وبُِعنا". قال أبو الفتح: قوله: ويفعل هذا أي: يشم فيقول١: "بُِعت الطعام" إذا خاف الالتباس, من يقول: "بِيع الطعام" فلا يشم؛ لأنه قد أمن الالتباس لأن الطعام لا يكون إلا المفعول, فاستغني بمعرفة أنه لا يكون إلا مفعولا عن الإشمام مع "بِيع الطعام". والتاء في "بِعْتُ" قد يجوز أن تكون فاعلة, كما يجوز أن تكون مفعولة, فيحتاج معها إلى الإشمام الذي عنه يقع الفصل بين الفاعل والمفعول. وقوله: ويوافق غيره ممن كان يشم في غير الالتباس في موضع الالتباس, يقول: من كان٢ من لغته أن يقول: "بِيع الطعام" فيخلص الكسرة إذا أمن الالتباس, ويخالف لأمنه الالتباس من يشم على كل حال٣, فإنه إذا٣ صار إلى موضع الالتباس أشم ضرورة؛ مخافة الالتباس فيقول: "خُِفنا، وبعنا" لئلا يلتبس "فَعِلنا بفُعِلنا".

стр. 255

من العرب من يدع الكسرة في "بعت، خفت", ولا يبالي الالتباس: قال أبو عثمان: ومنهم من يدع الكسرة ولا يبالي الالتباس. قال١ أبو الفتح١: أهل هذه اللغة جروا على ضرب من القياس ولم يلتفتوا إلى الالتباس, وذلك أنهم أخذوا بأصل هذا الباب؛ لأن أصله وأكثر ما جاءت به العرب إخلاص الكسرة وذلك "بِيعَ، وخيف", ثم إنهم أسكنوا اللام لاتصالها بالضمير, فالتقى ساكنان: العين، واللام، فحذفت العين وبقيت الكسرة في الفاء بحالها, ولم يعبئوا بالالتباس؛ لأنهم قد يصلون إلى إبانة أغراضهم بما يُصحبونه الكلام مما يتقدم قبله أو يتأخر بعده، وبما تدل عليه الحال. ألا ترى أنك تقول في تحقير "عمرو: عُمَيْر" وكذلك تقول في تحقير "عمر" وكلاهما مصروف في التحقير، وهذا باب واسع وإنما يعتمد في تحديد الغرض فيه بما يصحب الكلام من أوله، أو آخره، أو بدلالة الحال، فإن لها في إفادة المعنى تأثيرا كبيرا، وأكثر٢ ما يعتمدون في تعريف ما يريدون عليها. من يقلب عين "باع" واوا, فإنه يخلص الضمة: قال أبو عثمان: وأما من قلبها واوا, فإنه يلزمه الضمة في هذا كله. قال٣ أبو الفتح٣: يقول: من قال: "بُوع، وخُوف" فأخلص الضمة, فإنه يقول هنا: "بُعت وخُفت " مخلصا للضمة.

стр. 256

إعلال "مت تموت، ودمت تدوم": قال أبو عثمان: وأما "مِتُّ تَمُوتُ", فإنما اعتلت من "فعِل يفعُل" ونظيرها من الصحيح: "فضِل يفضُل". وأخبرني الأصمعي قال: سمعت عيسى بن عمر ينشد لأبي الأسود: ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر ... وما مر من عيشي ذكرت وما فضل ومثل "مِتّ تموت: دِمْت تدوم" وهذا شاذ، ومثله في الشذوذ: "كُدت أكاد". قال أبو الفتح: إنما كان "مت تموت، ودمت تدوم" عنده على "فعِل يفعُل" لكسرة الفاء في "دمت تدوم، ومت" وهما من الواو, فجريا مجرى "خفت" وكان قياسه: "تدام، وتمات". وقد حكي عن بعضهم١: "تَدَام وتَمَات". فأما من قال: "تدوم وتموت" فإنه جاء بهما٢ على "فعِل يفعُل", ونظيرهما "فضل يفضل، ونعم ينعم". فأما من قال: "مُت تموت ودُمت تدوم" فهو على القياس؛ لأنه مثل "قُلت تقول". وقد يجوز أن تكون هذه لغات تداخلت, فيكون بعضهم يقول: "مِتّ تَمَات"، وبعضهم يقول: "مُت تمُوت". ثم سُمع من أهل لغة٣ الماضي، وسُمع من أهل لغة أخرى المضارع, فتركبت من ذلك٤ لغة أخرى٥.

стр. 257

ويجوز أن يكون من قال: "ينعُم، ويفضُل" يوافق في المضارع من يقول في الماضي: "نعُم، وفضُل" ويخالفه في الماضي فيقول: "فضِل، ونعِم". ونظير هذا ما حكاه أبو زيد فيما حكي عنه, وذلك أنه قال: سألت من يقول في الماضي: "أحزَنَني" فقال في المضارع "يحزُنُني"؟ فهذا قد وافق في المضارع من قال: "حَزَنَني" وخالفه في الماضي فقال: "أحْزَنَني". ويجوز أن يكون للقبيلة الواحدة١ أو الحي الواحد لغتان: "نَعِم ينعَم, ونَعْم ينعُم", فيسمع منهم ماضي إحداهما ومضارع الأخرى. وكذلك من قال: "كُدت أكاد"٢، إنما جاء بأكاد على كدت مثل "هِبت تهاب", فإما أن يكون من لغة من قال ذلك "كُدت وكِدت جميعا" فيكون "أكاد" على "كُدت", وإما أن يكون يوافق في المضارع من يقول في الماضي "كِدت". من العرب من يقول: "لا أفعل ذاك ولا كَوْدًا ولا هَمًّا": ٣ قال أبو عثمان٣: وزعم الأصمعي أنه سمع من العرب من يقول: "لا أفعل ذاك ولا كودا ولا هما" فجعلها من الواو. ٤ قال أبو الفتح٤: هذه الحكاية تصلح أن تكون على اللغتين جميعا٥ "كُدت، وكِدت" جميعا، فمن قال: "كُدت" فأمره واضح؛ لأنه من الواو بمنزلة "قُلتُ قولا"، وأما٦ من قال: "كُدت أكاد" فقد يجوز أن يكون من

стр. 258

الواو "فَعِلت أفعَل" بمنزلة "خِفت أخاف", ويجوز أن يكون "كِدت أَكاد" من الياء بمنزلة "هِبت أَهاب"؛ لأنهم قد قالوا في المصدر: "كَيْدا", فالواو والياء فيه لغتان. أصل لَيْسَ "لَيِسَ": قال أبو عثمان: وأما "ليس" فأصلها "ليس"١, ولكنها أُسكنت من نحو "صيد البعير" ولم يقلبوها؛ لأنهم لم يريدوا أن يقولوا فيها "يفعَل" ولا شيئا من أمثلة الفعل٢, فتركوها على حالها بمنزلة "لَيْتَ"٣. قال أبو الفتح: قد صح أن "ليْس" فعل لقولهم: "لَسْتُ ولسنا, كقُمتُ وقمنا" وإذا ثبت٤ أنها فعل قد يخلو من أن تكون في الأصل فعَل، أو فعُل، أو فعِل, فلا يجوز أن تكون كانت "فعُل" لأنه ليس في ذوات الياء "فعُل", إنما ذاك في الواو خاصة نحو "طال فهو طويل". ولا يجوز أن تكون كانت "فَعَلَ"؛ لأن ما كانت عينه مفتوحة لم يجز فيه إسكانها. ألا ترى أنه لا يسكن نحو "ضرب، وقتل" كما يسكن "كرُم، وعلِم" فيقال: "كرْم زيد، وعلْم بكر", وإنما ذاك لخفة الفتحة، وقد تقدم القول في هذا فلا بد من أن يكون "فعِل" وأصلها "لَيِسَ" كما يقولون: "صَيْد البعير" وأصلها "صَيِدَ", ويقولون أيضا: "صَيِدَ" على الأصل.

стр. 259

وألزموا "ليس" الإسكان في كل قول؛ لأنها لَمَّا لم تتصرف شبهت بـ "لميت", فقُصرت على سكون العين لا غير. مجيء "عَوِرَ، وصَيِدَ، ونحوها على الأصل": قال أبو عثمان: وأما١ قولهم: "عوِر يعوَر, وحول يحول، وصيِد يصيَد" فإنما جاءوا بهن على الأصل؛ لأنهن في معنى ما لا بد له من أن يخرج على الأصل٢ لسكون ما قبله٢ نحو: "ابيضَضْتُ، واسوددت، واعوررت، واحوللت" فلما كن في معنى ما لا بد له من٣ أن يخرج على الأصل لسكون ما قبله تحركن، ولو كن على غير هذا المعنى لاعتللن٤. قال أبو الفتح: يقول: فإن قال قائل: هلا أعلوا "عور، وصيد" كما أعلوا "خاف، وهاب" وأصلهما " خَوِف، وهَيِب"؟ فالجواب: أن "عور" في معنى "اعورّ", فلما كان "اعور" لا بد له من الصحة؛ لسكون ما قبل الواو صحت العين في "عوِر, وحوِل" ونحوهما؛ لأنها قد صحت فيما هو بمعناهما٥, فجُعلت٦ صحة العين في "فَعِل" أمارة؛ لأنه في معنى "افعَلّ". وحكى أبو زيد: "أَوِد البعير٧ يأْوَد أَوَدا" وإنما صح هذا عندي؛ لأنه رَسِيل

стр. 260

"عَوِج يعوَج عَوَجًا", فأُجري مجرى نظيره, ولم أسمعهم استعملوا من "أَوِد: افْعَلّ" ولو جاء لكان قياسه١: "إيوَدّ". فإن قال قائل: هلا صحت في "أقام، وأمال" وأصلهما: "أقْوَمَ، وأمْيَلَ" لسكون ما قبلهما كما صحت في "اعورّ، واحولّ" لسكون ما قبلهما؟ فلأن "أقام، وأمال"٢ إنما اعتلا وإن كان قبل العين منهما ساكن لاعتلال "فعَل" منهما قبل النقل. ألا ترى أن الأصل: "قام، ومال"٣ ثم نقلت الفعل بهمزة النقل فقلت: "أقام, وأمال"٤، و"اعور" لم ينقل من "عار", فيجب إعلاله لاعتلال "أفعل" منه بغير زيادة، وقد قالوا٥: "عارت عينه تَعار" وهو قليل, لا تقول مثله: "حالت فهي تَحال" وقال الشاعر: نسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا فهذا الفصل بينهما. وقوله: "ولو كن على غير هذا المعنى اعتللن"، يقول: لو لم يكن معنى "عَوِر: اعْوَرّ" ومعنى "حول: احول" لوجب إعلالهما كما أُعل "خاف، وهاب" لما لم يقل في معناهما: "افعَلّ" نحو "اخوَفّ، واهيب". مجيء "اجتوروا" وبابه على الأصل: قال أبو عثمان: ومثل ذلك: "اجتوروا، واعتونوا" حيث كان معناهن٦ ما الواو فيه متحركة وقبلها ساكن٧, ولا تعتل فيه نحو "تعاونوا، وتجاوروا".

стр. 261

قال أبو الفتح: يقول: "اعتَوَنُوا، واجتَوَرُوا" في أنهما صحا؛ لأنهما بمعنى ما لا بد من تصحيحه، وهو "تعاونوا وتجاوروا" بمنزلة "حَوِل، وعَوِر". ألا ترى أن قبل الواو في "تعاونوا، وتجاوروا" ألفا، فلو قلبت الواو ألفا لالتقى ساكنان, فحذفت١ إحداهما فصار اللفظ "تعانُوا، تجارُوا"٢ وزال بناء "تفاعلوا" فترك ذلك لذلك. وكذلك صحت في "اجتوروا" لأنه بمعنى "تجاوروا", ولولا ذلك لوجب إعلال "اجتوروا، واعتونوا" لأنهما بوزن "افتعلوا" بمنزلة "اقتادوا, واعتادوا", ولو بنيت "افتعلوا" من لفظ "ج ور" وأنت لا تريد به معنى "تفاعلوا"؛ لوجب إعلاله فكنت تقول: "اجتاروا"٣. باب "تَاهَ يَتِيهُ, وطَاحَ يَطِيحُ": قال أبو عثمان: وأما "تاه يتيه, وطاح يطيح", فزعم الخليل أنهما٤ "فَعِل يفعِل" من الواو مثل "حَسِب يحسِب" من الصحيح، ويدلك على ذلك "طوّحت وتوّهت، وهو أَتْوَه منه وأطوح منه". قال أبو الفتح: إنما ذهب الخليل إلى هذا؛ لأنه لما رأى العين واوا في "تَوّهَ وطوح" ورآهم يقولون: "تاه يتيه، وطاح يطيح"٥ ولم يمكنه أن يجعلهما٥ من الياء كـ "باع يبيع"؛ لأن الدلالة قد قامت على كون العين واوا، ذهب إلى أنها "فعِل يفعِل" فكأنها في الأصل عنده "طوِح يطوِح، وتوه يتوه"

стр. 262

فجرى "طِحْت، وتِهْت" مجرى "خِفت", ثم نقل في المضارع الكسرة من عين الفعل إلى فائه, فسكنت وحصلت قبلها الكسرة, فانقلبت ياء كـ "مِيقَات، ومِيزَان". من العرب من يقول: "تَيّه، وطَيّح": قال أبو عثمان: ومن العرب من يقول: "تيه, وطيح" فهو عند هؤلاء مثل "باع يبيع", وأخبرني الأصمعي قال: حدثني عيسى بن عمر قال: سمعت رؤبة ينشد: تُيِّه في تِيهِ المتيهين فجعلها من الياء. قال أبو الفتح: إنما ذهب أبو عثمان١ إلى أن "تيه، وطيح"١، ٢ من الياء؛ لأنهما لو كانا من الواو لقالوا: "توّه، وطوّح"٢ كما حكى الخليل. ولمعترض أن يقول٣ ما تنكر أن يكون٣ "تيّه، وطيّح" من الواو إلا أنه لم يأت بهما على "فعّل" فيلزمه "طوّح، وتوّه" بل جاء بهما على "فَيْعَل" نحو "بَيْطَر، وبيقر", فكأنهما كانا "طَيْوَح، وتيوه" ثم قلب الواو ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها, ويكون٤ كقول الهذلي أنشدناه أبو علي: فلما جلاها بالأيام تحيزت ... ثبات عليها ذلها واكتئابها

стр. 263

وتحيّزت١: "تفيْعَلت"، من حاز يحوز، وأصلها "تَحَيْوزت", ثم قلب الواو ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها. قيل: هذا فاسد من وجوه أحدها: أن "فعّل" في الكلام أكثر من "فَيْعَل"، فحمله على الأكثر أولى٢ وأسوغ. وثانٍ: أن معنى "تيّه، وطيّح" تكرر ذلك الفعل منه مجرى ذلك مجرى "قطّع" وكسّر في أنهما لتكرير الفعل، فمن هنا حُمل على "فعّل". وثالث: يدل على أن "تيه فعل، دون فيعل" وهو ما أنشده عيسى بن عمر٣ عن رؤبة في هذه الحكاية من قوله: تُيِّهَ في تيه المتيهين فتيه بمنزلة "سُيِّر، وبُيِّع". ولو كان "تَيَّهَ: فَيْعَل" من الواو, لوجب أن يقال فيه إذا بني للمفعول "تُوْوِه" كما يقال٤: "قُوْوِم زيد وقُوْوِل". ألا ترى إلى قول جرير: بان الخليط ولو طُوْوِعت ما بانا وقول الراجز: وفاحم دُوْوِيَ حتى اعلنكسا فإن قلت: إن هذين إنما أصلهما "فاعَل: داوَى، وطاوَع". وتيه، على قول خصمك "فيْعل" فأين "فاعل" من "فيعل"؟ قيل: لا فصل في هذا الموضع بين "فاعل، وفَيْعَل"، ألا ترى أنك لو بنيت "فيعل" من "قلت" لقلت: "قَيَّلَ" فلو بنيته للمفعول لقلت

стр. 264

"قُووِل" كما تقول إذا بنيت "قاول" للمفعول: "قُووِل"، ومن هنا قلت في "فُعِل" من "فَيْعَل" من "سرت: سُويِرَ" ولم تدغم الواو في الياء وإن كانت ساكنة قبلها. كما أنك لو بنيت "فُعل" من "فاعَلَ" من "سرت" لقلت "سُوِيرَ". ألا ترى أنك تقول في "بيطر: بُوطِرَ" كما تقول في "قاتل: قُوتِل", فلا فصل إذًا بين "فيعل, وفاعل" إذا بنيتهما للمفعول؛ لأن الياء أشبهت الألف لانقلابهما جميعا إذا بنيت الفعل للمفعول، وسيأتيك هذا في موضعه إن شاء الله١. فمن هنا قلت: إنه كان يجب أن لو كان "تيه: فيعل" أن يقال فيه: "تووه", لو كانت عينه من الواو كما ذهب إليه الخصم. ووجه رابع: وهو أنك إذا جعلت "تيه، وطيح" من الواو, وذهبت إلى أن أصلهما: "تَيْوَهَ وطيوح" لزمك أن تقول: إن٢ "طاح يطيح، وتاه يتيه" على "فعِل يفعِل" من الواو, و"فعِل يفعِل" ليس مما ينبغي أن يقاس عليه ما وُجد مندوحة عنه. وههنا وجه ظاهر غير هذا. فلهذه الأدلة ذهب أبو عثمان إلى أن "تيه وطيح" من الياء، فالأظهر أن يكون "طاح يطيح، وتاه يتيه" من الياء، ويجوز أن يكون من الواو كما ذهب إليه الخليل.

стр. 265

العرب تقول: "وقع في التُّوه، والتِّيه": قال أبو عثمان: وأخبرني أبو زيد أنه سمع العرب تقول: "وقع في التوه، والتيه", فعلى هذا يجري ما ذكرت لك. قال أبو الفتح: اعلم أن قولهم: "التوه" لا يجوز أن يكون١ عند الخليل وسيبويه إلا من الواو دون الياء؛ لأنهما لو بنيا مثل "بُرْد" من "بعت" لقالا: "بِيعٌ", وهما يجيزان في "ديك وفيل" أن يكونا "فِعْلا وفُعْلا", ويجريان الواحد في هذا المعنى مجرى الجميع نحو "بِيض" في جمع "أبيض", وإنما هي٢ "فُعْل"٣. ٤ فأما أبو الحسن, فيمكن٤ أن تكون "التُّوه" عنده من الياء والواو جميعا؛ لأنه كان يقول: إنه لو بنى مثل "بُرْد" من "بِعت" لقال: "بُوع". وكان يقول: إني إنما أبدل من الضمة كسرة في الجمع نحو "بِيض" لا في الواحد، وإذا كان من الواو فلا إشكال فيه ولا خلاف؛ لأنه مثل "الطُّول، والجُول". وأما "التِّيه" فيمكن أن يكون على قول الخليل والأخفش٥ فعلا من الواو نحو "عيد, وقيل" انقلبت واوه ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. ويمكن

стр. 266

على قول الخليل أن يكون من الياء, فيكون "فِعْلا، وفُعْلا" جميعا, فيكون كـ "ديك، وفيل" وقد ذكرتهما. فأما على قول الأخفش, فإن كان "تِيه" من الياء, فلا يجوز إلا أن يكون "فِعْلا" دون "فُعْل"؛ لأنه لو كان "فُعلا" لقيل: "تُوه" لأنه واحد لا جمع, كما تقول في "فُعْل" من العيش: "عُوش", والأظهر أن يكون "تيه" من الياء للأدلة التي تقدمت. ولولا ما تقدم منها لاعتدل١ أن يكون من الياء والواو جميعا. وقال رؤبة أيضا: به تمطت غول كل مِتْيَه فهذا من الياء لا محالة, ولا يسوغ حمله على باب "صِبْيَة، وعِلْيَة" لقلته.

стр. 267

قال أبو عثمان: باب ما لحقته الزوائد ١ من هذه الأفعال من بنات الثلاثة: "إذا وقع حرف معتل متحرك بعد صحيح ساكن, حرك الصحيح وسكن المعتل وأعل": فإذا كان الحرف الذي قبل الحرف المعتل من بنات الثلاثة٢, ساكنا في الأصل ولم يكن ألفا ولا واوا ولا ياء، فإنك تسكن المعتل وتحول حركته على الساكن الذي قبله, وذلك مطرد في كلامهم، وسأبينه إن شاء الله، وذلك نحو "أجاد, وأقال٣، وأبان, وأخاف٣، واسْتَراثَ, واستعاذ" وأصله: "أجْوَدَ، وأقول٤, وأبين، وأخوف، واسْتَرْيَث، واستعوذ", ولكنهم ألقوا حركة الواو والياء على الساكن الذي قبلهما؛ فانفتح ثم أبدلت الواو والياء ألفين لذلك. قال أبو الفتح: الدلالة على صحة دعواه في أن أصل "أجاد وأخاف: أجْوَد وأخْوَف، واستراث واستعاد: استَرْيَث واستَعْوَد" ما ظهر من هذه الأمثلة المعتلة على أصله, وهو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٥. وقولهم: صددت فأطْوَلْتِ الصدود

стр. 268

وقولهم: "استَنْوَق الجمل", ولكنهم أرادوا إعلال هذه الأمثلة؛ لأنها كانت معتلة في الثلاثي، فنقلوا حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما, فقلبوهما ألفا لتحركهما١ في الأصل وانفتاح ما قبلهما. ولولا اعتلالهما في الثلاثي٢ لما وجب إعلالهما الآن؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبلهما جريا مجرى الصحيح. المضارع مما تقدم يجري مجراه إلا أن الساكن يكسر: قال أبو عثمان: فإذا قلت: "هو يفعَل" من هذا أجريته ذلك المجرى, إلا أنك تحول على الساكن كسرة؛ لأن المعتل كان مكسورا في الأصل وذلك قولك: "هو يُخِيف" وأصله: "يُخْوِف", وكذلك "يسترِيث" وأصله: "يستَرْيِث", فأُلقيت٣ حركتها على ما قبلها٣ ثم قلبت الواو ياء؛ لأنها ساكنة قبلها كسرة. وما كان من الياء من هذا, فعلى هذا اللفظ مجراه نحو "هو يُبِين" وأصلها٤: "يُبْيِن", ففعلت بها ما فعلت بأختها. قال أبو الفتح: يقول من حيث وجب نقل الحركة من عين الفعل إلى فائه في "أقام، واستعاذ", وجب أيضا نقل الحركة من العين إلى الفاء في المضارع, إلا أن الذي تنقله في المضارع كسرة؛ لأن العين كانت مكسورة. وقوله أخيرا: ففعلت بها ما فعلت بأختها، وهو يعني "يُبِين", يقول: نقلت الكسرة من الياء إلى ما قبلها, كما نقلتها من الواو في "يُخْيِف"٥ إلى

стр. 269

ما قبلها وبقيت الياء بحالها؛ لأن الياء لا تبدل للكسرة قبلها, فهذا الذي صح ما قبل عينه. فأما ما اعتلت فاؤه, فإنك لا تنقل إليها حركة العين, وذلك قولك في "أفعَلْتُ" من "آم، وآل: آيَمْتُ، وآوَلْتُ"؛ لأنه لما اعتلت الفاء وهي همزة فقلبت ألفا صحت العين. وعلى ذلك قول الشاعر: يُنْبِي تجاليدي وأقتادها ... ناوٍ كرأس الفَدَن المُؤْيَد فهذا "مُفْعَل" من الأيْد وهو القوة, ولم يقل: المُؤَاد. وقال١ طرفة: يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمُؤيد وهي الداهية, وهي من الأيد أيضا ولم يقل: المُئِيد. وقالوا: "آيدته" في "أفعلته" من الأيد، و"أيّدته" فعّلته, و"آيَدْتُه" قليلة مكروهة؛ لأنك إن صححت فهو ثقيل، وإن أعللت جمعت بين إعلالين. فعُدِل عن "أفْعَلته" إلى "فعَّلته" في غالب الأمر. جميع الأسماء المبدوءة بميم، الجارية على الأفعال المعتلة العينات، يجب إعلالها: قال أبو عثمان: والأسماء من هذه الأفعال إذا كانت في أوائلها الميم, فُعل بها ما فُعل بالمضارع من إلقاء الحركة على الساكن وقلب الساكن٢ المعتل إلى ما قبله, وذلك قولهم: "مُقِيم، ومخيف، ومبين" وأصله: "مُقْوِم، ومخوف، ومبين"

стр. 270

فأُلقيت الحركة على الساكن وقُلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها والياء تركتها ياء؛ لأنها ساكنة وقبلها كسرة. قال أبو الفتح: اعلم أن جميع الأسماء الجارية على الأفعال المعتلة العينات يجب إعلالها, بتسكين الواو والياء منها, ونقل حركتهما إلى ما قبلهما, لا فصل بين الأسماء في هذا والأفعال. وأسماء الفاعلين في هذا والمفعولين١ والظروف والمصادر سواء؛ لأنها كلها جارية على الأفعال، فيجب إعلالها؛ لاعتلال أفعالها، فاسم الفاعل "مُخِيف, ومبين" قد جريا مجرى "يُخِيف، ويقيل" والظروف قولك: "هذا مُقَام شأْز", إذا أخذته من "أقام" فجرى "مُقام" مجرى "يُقام". ومن قال: "هذا مَقَام شأز" ففتح الميم, أخذه من "قام يقوم", وأصله "مَقْوَم", فجرى مجرى "يخاف" لأن أصله "يَخْوَف" كما أن أصل "مُقام: مُقْوَم" فجرى مجرى قولك: "هذا رجل مُقام عن موضعه". وكذلك المصادر؛ لأنه إذا كان هذا الاعتلال سائغا في الظرف, فالمصدر أحق به, وذلك قولك: "عجبت من مَقامك على زيد، وقمت مَقاما" كما تقول: "قمت قياما". اسم المفعول من هذا الباب يعل كالمضارع المبني للمفعول: قال أبو عثمان: وإذا كان الاسم مفعولا وفي أوله الميم, كان على مثل "يُفْعَل" إذا قلت: "هو يُخَاف، ويقال في بيعه، ويقام للناس" وذلك قولك: "هو مُخَاف،

стр. 271

ومُقال في بيعه، ومُقام للناس". والعلة في هذا وفي "يُفْعَل" واحدة؛ لأن "يُخاف "ويقام ويقال""١ أصله: "يُخْوَف٢, ويقوم للناس، ويقيل في بيعه"٢, فألقيت حركة المعتل على الساكن الذي قبله وقلبت المعتل ألفا لانفتاح ما قبله. وكذلك "مُقال، ومُخاف" أصله: "مُخْوَف، ومقيل في بيعه" ففعلوا به ما فعلوا بالفعل الذي هو في مثاله ولم يفرقوا ههنا٣ بين الأسماء والأفعال؛ لأن الزيادة التي في أوائل٤ الأسماء الميم, والميم ليست من زوائد الأفعال, فلم يخافوا التباسا٥ فأجريا مجرى واحدا. قال أبو الفتح: قوله٦: وإذا كان الاسم مفعولا وفي أوله الميم, كلام فيه تسامح؛ لأن اسم المفعول لا يكون أبدا من جميع الأفعال إلا وفي أوله الميم، وإنما مخرج هذا الكلام منه على ضرب من التوكيد, وفيه من التسامح ما ذكرته. وكان أجود من هذه٧ العبارة أن يقول: واعلم أن اسم المفعول من هذا الباب يجري مجرى٨ الفعل المضارع الذي لم يسم فاعله من هذا الباب؛ لأن "مُخافا" جرى مجرى٨ "يُخاف" في الإعلال، وقد تقدم القول في مشاركة الأسماء -من هذه الأفعال- الأفعال التي جرت عليها.

стр. 272

وقوله: ولم يفرقوا بين الأسماء والأفعال؛ لأن الزيادة في أولها ليست من زوائد الأفعال. يقول: فقد أمنوا الالتباس لمجيء الميم في أول الاسم, فالميم من خواصّ الزيادة في الأسماء, وحروف المضارعة نظيرة الميم في الأسماء، وإنما بابها الأفعال. مجيء حروف المضارعة في أوائل الأسماء: فإن قلت: فهلا قُصِرت حروف المضارعة على الأفعال, كما قصرت الميم على الأسماء, وقد سمعناهم يقولون: "أفْكَل, وأيْدَع, وتَنْضُب، وتَتْفُل", وغير ذلك مما في أوله الهمزة والنون والتاء والياء؟ قيل: إنما زيدت هذه الحروف التي بابها الأفعال في أوائل الأسماء؛ لقوة١ الأسماء وتمكنها وغلبتها للأفعال, فشاركت الأسماء في هذا الموضع الأفعال لقوتها٢ ولم تشارك الأفعالُ الأسماءَ في زيادة الميم أولا في الأفعال؛ لضعف الأفعال عن الأسماء، وأكثر زيادة حروف المضارعة إنما هي في الأفعال. ويدلك على أن أصل٣ هذه الزيادات -أعني: حروف المضارعة- أن٤ تكون في أول الأفعال, أن الأسماء التي جاءت على "أفْعَل" أكثرها صفات نحو "أحمر, وأصفر، وأخضر، وأسود٥, وأبيض" والأسماء التي في أولها الهمزة على هذا البناء من غير الصفات قليلة. ألا ترى أن باب "أحمر، وأصفر، وأسود، وأبيض٦" أكثر من

стр. 273

باب "أيْدَع، وأزْمَل، وأفْكَل", فلما أرادوا أن يكثر هذا المثال الذي في أوله الهمزة, جعلوه صفات لقرب ما بين الصفة والفعل. ألا ترى أن كل واحد منهما ثانٍ للاسم, وأن الصفة تحتاج إلى الموصوف، كما أن الفعل لا بد له من الفاعل. لو بني اسم على وزن الفعل صح, ولم يعل: قال أبو عثمان: فإذا كانت الزوائد التي في أوائل الأسماء هي الزوائد١ التي تكون في الفعل, وكان الاسم على زنة الفعل بالزوائد, فإن الأسماء تصحح٢ ولا تعل. وذلك أنك لو بنيت من "قال: يقول" اسما على مثال "يفعَل، أو يفعُل, أو يفعِل" أو من باب "باع يبِيع", كنت قائلا: "يَقْوَل, ويَقْوِل, ويَقْوُل, ويبيِع, ويبيُع، ويبيَع", وإنما فعلت هذا لتفرق بين الأسماء والأفعال وكانت الأسماء أخف من الأفعال ولم يكن فيها "أفعَلُ، ونفعَلٌ، وتفعَلٌ، ويفعَلٌ" على معنى ما يكون في الأفعال, فصححوها لذلك حيث كانت الزيادة التي في أوائلها هي الزيادة التي تكون للأفعال, ولم يفعلوا ذلك بالأسماء التي في أوائلها الميم حين قالوا: "مَقَام، ومَبَاع، ومَقَاد٣" وما أشبه ذلك؛ لأن الميم لا تكون من زوائد الأفعال. قال أبو الفتح: سألت أبا علي وقت القراءة عن هذا الموضع, فقلت له: هلا أعللت هذه الأسماء التي في أوائلها زوائد الأفعال فأجريتها٤

стр. 274

مجرى١ الأفعال كما أعللت الثلاثي من الأسماء, فأجريته مجرى١ الأفعال الثلاثية, وذلك قولك: "باب، ودار، وناب٢" كما قلت في الأفعال: "قام، وباع"؟ فقال: إنما أُعل "باب، ودار" ولم يصح فيفرق بينه وبين الفعل؛ لأنه ثلاثي فهو أصل، ولأن التنوين يدخله؛ فيفرق بينه وبين الفعل. وأما٣ غيره من ذوات الأربعة, فقد٤ يشبه الفعل إذا سمي به٥ بالزوائد التي في أوله, فيفارقه التنوين فيشبه الفعل, فصحح للفرق. يقول: "باب ودار" ثلاثي مثل "قام، وباع", فليس الفعل أحق في هذا الموضع بالإعلال٦ من الاسم. ألا ترى أن أصل "باب: بَوَب" كما أن أصل "قام: قَوَمَ" فالعلة فيهما واحدة، وباب ما في أوله زيادة الفعل وهو بها على أربعة أحرف، إنما هو للفعل دون الاسم, والاسم داخل عليه, فأعل الفعل كما يجب فيه, ثم دخل عليه الاسم, فأريد الفرق بينهما فصحح الاسم، ولأنك لو بنيت من "قام" اسما على "يَفْعُلٍ" فأعللته فقلت: "يَقومٌ" لالتبس بالفعل. فإن قلت: إن التنوين يفصل بينهما، فالتنوين ليس بلازم. ألا ترى أنك لو بنيت من "قام" اسما على "يفعُلٍ" فأعللته فقلت: "يقوم", ثم سميت به رجلا أو امرأة, فجعلته عَلَما لزال التنوين والجر, فأشبه الفعل بالإعلال٧ وسقوط التنوين والجر, و"باب، ودار" إذا جعلته عَلَما

стр. 275

فالتنوين لازم له, فجرت إبانة التنوين أن الكلمة اسم لا فعل، مجرى إبانة الميم المزيدة في أول الاسم الجاري على الفعل, أن الكلمة اسم لا فعل، فمن هنا وجب تصحيح "يَفْعُل" اسما من "قام" ونحوه، ووجب إعلال "باب، ودار". مجيء "مَزْيَد، ومحبب، وبنات ألببه" من الأسماء شواذ: قال أبو عثمان: فإن قلت: فقد١ جاء "مزيد", فإنما هذا شاذ كما شذ "محبب, وبنات ألببه" فإنما يحفظ هذا. قال أبو الفتح: هذه زيادة زادها على نفسه, يقول: فإذا كان الأمر كما ذكرت, فهلا قالوا في "مَزْيَد: مَزَاد"؛ لأن في أوله الميم كما قالوا: "مَقام، ومَباع" وأصلهما: "مَقْوَم، ومَبْيَع"؟ قال: فالجواب: أن هذا اسم شذ عن القياس كما شذ "محبب", وكان قياسهما عنده "مزادا، ومحبا" وقد ذكرت هذا فيما تقدم, وأريت من أين كثر التغيير في الأعلام. فأما "بنات ألببه" فذكر أبو عثمان٢ عن أبي العباس أن الهاء عائدة فيه على الحي، أي: بنات ألبب الحي، وإذا كان كذلك فليس "ألبب" عَلَما، ولو كان علما لكان أقرب قليلا.

стр. 276

وأخبرني أبو علي أن الكوفيين يروُونه "بنات ألببه" يريدون: جميع "لب", ومعناه: بنات ألب الحي، كما يقال١: بنات أعلمه. وذهب أبو العباس إلى أن نحو "مَقام، ومَباع" إنما اعتل؛ لأنه مصدر للفعل، أو مكان، دون أن يكون فُعِل ذلك به؛ لأنه على وزن الفعل. وأنكر ذلك أبو علي, وقال: ألا ترى إلى٢ إعلالهم نحو "باب، ودار" ولا نسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن. فأما اعتلاله "بمَزْيَد, ومَرْيَم" فاسمان عَلَمان, والأعلام تغير كثيرا عن القياس. وأما اعتلاله بمَقْوَدَة فعليه لا له؛ لأنها مصدر، وإنما هي شاذة. وحكى أبو زيد: "وقع الصيد في مَصْيَدتنا" بفتح الميم, فهذا شاذ مثل "مَقْوَدة". وحكى: "هذا شيء مَطْيَبَة للنفس" و"هذا شراب مَبْوَلَة" وهذا كله شاذ. مجيء "استحوذ، وأغيلت المرأة" من الأفعال شواذ: قال أبو عثمان: ونظير هذا من الفعل ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٣, و"أَغْيَلَت المرأة، وأجْوَد، وأطْيَب" إلا أن هذا يكون فيه الاعتلال، ويجري على قياس الباب المطرد, إلا في "استحوذ, وأغيلت", فإنا لم نسمعهما معتلين٤ في اللغة، ورُبّ حرف هكذا، فاحفظ ما جاء من هذا ولا تقسه، فإن مجرى بابه على خلاف ذلك.

стр. 277

قال أبو الفتح: يقول: نظير "مزيد, ومحبب" في أنهما خرجا١ عن القياس, قولهم في الفعل: "استحوَذ، وأغْيَلت، وأجود، وأطيب"٢ وقياسه: "استحاذ، وأغالت, وأجاد، وأطاب". وقد ذكرت العلة في أن خرج بعض المعتل على أصله, وأنه إنما جعل تنبيها على باقي المعتل. واقتصارهم على تصحيح "استحوذ، وأغيلت" دون الإعلال مما يؤكد اهتمامهم بإخراج ضرب من المعتل على أصله, وأنه إنما جعل٣ تنبيها على الباقي ومحافظة على إبانة الأصول المغيرة. وفي هذا ضرب من الحكمة في هذه اللغة العربية. وقوله: فاحفظ هذا ولا تقسه، أي: لا تقل في "استقام: استَقْوَم" ولا في "استعان: استعون", فإن هذا خارج عن القياس والاستعمال جميعا. وأخبرنا ابن مقسم عن ثعلب قال: يقال: "استَصْوَبت٤ الشيء" ولم يقل: "استَصَبْتُ٥"، و"استنوق الجمل، واستتيست الشاة" ولو يقولوا: "استناق" ولا "استتاست٦" وقد كرر ذكر٧ المطرد والشاذ في غير موضع من هذا الكتاب، وأنا أشرح أحوالهما. اعلم أن المطرد والشاذ عند أهل العربية على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال جميعا.

стр. 278

فالمطرد في القياس والاستعمال جميعا, هو الذي لا نهاية وراءه, نحو رفع الفاعل ونصب المفعول. والمطرد في القياس الشاذّ في الاستعمال, نحو الماضي من "يَذَر، ويَدَع" لا يقال فيهما: "وَذَرَ، ولا وَدَعَ" وليس هنا شيء يدفعهما من طريق القياس. قال سيبويه: استغني عنهما بترك, وهذه ليست حجة قاطعة ولكن فيها ضربا من التعلل. والمطرد في الاستعمال الشاذ في القياس، قولهم: "استحْوَذ، وأغيلت المرأة" القياس يوجب إعلالهما؛ لأنهما بمنزلة "استقام، وأبانت", ولكن السماع أبطل فيهما القياس. وحكى ابن السكيت: "أغالت المرأة, وأغيلت" إذا سقت ولدها الغَيْل، ولا يعرف أصحابنا الاعتلال. قال أبو علي: والشاذ في القياس والاستعمال جميعا, ما أجازه أبو العباس من تَتْميم "مفعول" من ذوات الواو التي هي عين؛ لأنه أجاز في "مَقُول: مَقْوُول", وفي "مصوغ: مصووغ" قال: لأن ذلك ليس بأثقل من "سُرْت سُوورا, وغارت عينه غوورا" قال أبو علي: فسبيله في هذا سبيل من قال "قام زيدا"؛ لأنه خارج عن القياس والاستعمال. وكذلك قول الآخر: يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا إن تقضيا حاجة لي خف محملها ... تستوجبا نعمة عندي بها ويدا أن تقرأان علي أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تعلما أحدا فسألت أبا علي عن ثبات النون في "تقرأان" بعد "أن"؟ فقال: "أن" مخففة من الثقيلة, وأولاها الفعل بلا فصل للضرورة،

стр. 279

فهذا أيضا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا، إلا أن الاستعمال إذا ورد بشيء أُخذ به وتُرك القياس؛ لأن السماع يبطل القياس. قال أبو علي: لأن الغرض فيما ندونه من هذه الدواوين, ونثبته من هذه القوانين, إنما هو ليلحق من ليس من أهل اللغة بأهلها، ويستوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح. فإذا ورد السماع بشيء لم يبق غرض مطلوب, وعُدل عن القياس إلى السماع. إذا سميت بالفعل "يَزِيد" بعد إعلاله, بقي على إعلاله: قال أبو عثمان: فأما "يزيد" اسم رجل، فإنما اعتل من قِبَل أنه كان فعلا لزمه الاعتلال، ثم نُقِل من الفعل فسمي به, فهو المعتل نظير "يَشْكُرُ" في الصحيح, فأجرِ الباب١ على ما ذكرت لك. قال أبو الفتح: يقول: إن "يزيد" هذا منقول من الفعل، وإنما هو مضارع "زاد", فصار كـ "باع، يبيع", ثم نقل بعد أن لزمه الاعتلال، فكذلك لو نقلت "يبيع" لتركته معتلا كـ "يزيد". فأما لو ارتجلت اسما على "يفعِل" من "باع، وزاد" لقلت: "يَبْيِع، ويَزْيِد" فصححتهما ولم تعلهما. ونظير "يزيد" في النقل: "يشكر، وتغلب". وقد سموا أيضا "تَزِيد" بالتاء، قال أبو ذؤيب: يعثرن في حد الظبات كأنما ... كُسيت برود بني "تزيد" الأذرع

стр. 280

والقول في "تزيد، ويزيد" واحد. إذا بنيت من "يخاف" ونحوه اسما على "يفعل" صححته: قال أبو عثمان: فإن قلت: ابن "يُفْعِل" من "يخاف" اسما؟ قلت: "يُخْوِف", وكذلك أخواته لا تعل إذا صغته اسما. قال أبو الفتح: قد تقدم مثل هذا وشرحه, ومن أين وجب تصحيح هذه الأمثلة إذا بنيت أسماء١. إعلال اسم الفاعل من "قام، وباع" ونحوهما: قال أبو عثمان: وأما فاعلٌ من "قام، وباع", فإنه يعتل ويهمز موضع العين منه، فتقول: "بائع، وقائم"٢, وجميع ما أعل فعله, ففاعل منه٣ معتل٤. قال أبو الفتح: إنما وجب همز عين اسم الفاعل إذا كان على وزن فاعل نحو "قائم، وبائع"؛ لأن العين كانت قد٥ اعتلت فانقلبت في "قام٦، وباع" ألفا، فلما جئت إلى اسم الفاعل وهو على فاعل, صارت قبل عينه ألف فاعل, والعين قد كانت انقلبت ألفا في الماضي، فالتقت في اسم الفاعل ألفان، وهذه صورتهما "قَاْاْم" فلم يجز حذف إحداهما، فيعود إلى لفظ "قام"

стр. 281

فحرّكت الثانية التي هي عين, كما حرّكت راء "ضارِب", فانقلبت همزة؛ لأن الألف إذا حركت صارت همزة، فصارت١ "قائم، وبائع" كما ترى؛ ويدل على أن الألف إذا تحركت انقلبت همزة, قراءة أيوب السختياني: "غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّألِّين"٢ لما حرك الألف لسكونها وسكون اللام الأولى٣ بعدها انقلبت همزة. وحكى أبو العباس, عن أبي عثمان, عن أبي زيد أنه قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ٤: "فيومئذ لا يْسأل عن ذنبه إنس ولا جان"٥, فظننته قد لحن, إلى أن سمعت العرب تقول٦: "شَأَبَّة، ودَأَبَّة"! قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس هذا؟ قال: لا، ولا أقبله. وقال الراجز: خاطمها زَأَمَّها أن تذهبا وجاءت في شعر كثير: "احْمَأَرّت" يريد "احمارّت". كما أراد الأول "زَأَمَّها". فهذه الهمزات في هذه٧ المواضع، إنما وجبت عن تحريك الألف؛ لسكونها وسكون ما بعدها. فكذلك قُلبت الألف المنقلبة عن عين الفعل في اسم الفاعل من "قام" همزة، وذلك قولهم: "قائم" وكذلك "خائف، وبائع، ونائم".

стр. 282

إعلال اسم الفاعل من "أَفْعَلَ واسْتَفْعَلَ": قال أبو عثمان: و"فاعِلٌ" من "أَفْعَلَ" مُعَلّ, وإعلاله إسكان عينه وطرح حركتها على الساكن، وأما الفاعل من "استقام، واستفاد", فإنه "مستقيم، ومستفيد", وقد ذكرت لك أصل هذا, وإلقاء الحركة على ما قبل المعتل, وإسكان المعتل في هذا١ في صدر هذا٢ الباب. قال أبو الفتح: يريد: اسم الفاعل من أفعل "مقيم، ومريد". وقد تقدم ذكر هذا كله وشرحه, ومن أين وجب إعلاله؟ إعلال اسم المفعول من نحو "قيل، وبيع": قال أبو عثمان: و"مفعول" من هذا معتل٣ كما اعتل "فاعل"٤ إلا أن اعتلاله بحذف حرف منه، فإن كان "مفعول" من "فُعِل" وكان٥ من الواو, ظهرت فيه الواو نحو "مَقُول، ومَصُوغ"؛ لأنه من "القول، والصوغ" وإن كان من "فُعِل" وكان من الياء, ظهرت فيه الياء نحو "مَعِيب، ومبيع، ومسير به". قال أبو الفتح: إنما وجب إعلال "مفعول" من حيث وجب إعلال "فاعل", وكلاهما من قبل الفعل وجب إعلاله؛ لأنهما جاريان عليه وهو معتل

стр. 283

فأرادوا١ أن يكون العمل من وجه واحد, فألزموا تصريف الفعل الاعتلال٢, وعلى أن "فاعلا" أجري على الفعل من "مفعول"؛ لأنه بوزنه٣ وليس "مفعول" كذلك. وقوله: فإن٤ كان "مفعول" من "فُعِلَ" إنما قال هذا؛ لأنه قد يكون من "فُعل" ومن "أُفعل" ومن "استُفعل" وغير ذلك، وإنما قصد هنا ذكر بناء "مفعول", و"مفعول" إنما يجيء من "فُعل" نحو "ضُرب فهو مضروب, وقتل فهو مقتول" ولهذا٥ ذكر "فعل" ولم يهمل البيان. وسيذكر أبو عثمان ما عرض في "مقول, ومبيع" من التغيير والحذف, ويذكر الخلاف بين الخليل وأبي الحسن, وأُتبعه ما عندي فيه، إن شاء الله. إتمام بني تميم "مفعولا" من نحو "بيع، وعيب": قال أبو عثمان: وبنو تميم -فيما زعم علماؤنا- يتمون مفعولا من الياء, فيقولون: "مبيوع، ومعيوب٦, ومسيور به" فإذا٧ كان من الواو لم يتموه، لا يقولون في "مَقُول: مَقْوُول" ولا في "مصوغ٨: مصووغ" البتة. وإنما أتموا في٩ الياء؛ لأن الياء وفيها الضمة, أخف من الواو وفيها الضمة,

стр. 284

ألا ترى أن الواو إذا انضمّت فروا منها إلى الهمزة, فقالوا: "أَدْؤُر، وأَثْؤُب، وأنؤر١". قال الراجز: لكل دهر قد لبست أثؤبا فالهمز في الواو إذا انضمت مطرد، فأما إذا كانت كذلك وبعدها واو, كان ذلك أثقل لها؛ فلذلك ألزموها الحذف في "مفعول"، والياء إذا انضمت لم تهمز ولم تغير، فهذا يدلك ويبصرك أن الياء أخف. قال أبو الفتح: قد ذكر أبو عثمان العلة في جواز تتميم بني٢ تميم لـ "مفعول" من الياء, وأن الياء خفيفة ليست في ثقل الواو، فاحتملت الضمة لذلك. ووجه حذف من حذف الياء فقال: "مَعِيب"؛ أنها لما اعتلت في "عِيبَ" أراد أن يعلها في اسم المفعول. ومن أتم فقال: "مَعْيُوب" شجّعه على ذلك سكون ما قبل الياء، فجرت لذلك مجرى الصحيح. ولا تنكر أن يصححوا اسم المفعول وإن كان الفعل معتلا، ألا ترى أنهم قالو: "غُزِيَ" فقلبوا اللام, وقالوا: "مَغْزُوّ" فصححوها. وإنما جاز التصحيح في اسم المفعول؛ لأنه وإن كان جاريا على الفعل فإنه ليس على وزن المضارع، ألا ترى أن قائما٣ لما كان على وزن المضارع في الأصل بالحركة والسكون والعدة, لم يكن إلا معتلا، وقد تحجّر أنه لا يتم مفعول من ذوات الواو، وهذا هو الأشهر.

стр. 285

وقد حكى غيره أنهم يقولون: "ثوب١ مَصْوُون" والأكثر "مَصُون". وأنشدوا قول الراجز: والمسك في عنبره المَدْوُوف والأشهر "مَدُوف", وقالوا: "رجل مَعْوُود، وفرس مقْوُود، وقول مقْوُول". وأجاز أبو العباس إتمام "مفعول" من الواو خلافا لأصحابنا كلهم, وقال: ليس بأثقل٢ من "سُرت سُوورا, وغرت٣ غوورا"؛ لأن في "سوور, وغوور" واوين وضمتين وليس في٤ "مصوون" مع الواوين إلا ضمة واحدة. قال أبو علي: وهذا خطأ٥؛ لأنه يجيز٥ شيئا ينفيه القياس وهو٦ غير مسموع. فقياسه٦ قياس من قال: "ضربت زيد", فأما "سرت سوورا"٧ فلو لم٧ يسمع لما قيل. وأيضا: فلو أعلّوا في "سوور" لأسكنوا الواو الأولى وبعدها واو ساكنة, فيجب حذف إحداهما, فيصير٨ على وزن "فُعْل"، فكرهوا التباس مثال: فعول بفُعْل، واسم المفعول من فُعِل٨ وزنه "مفعول" أبدا نحو "ضرب فهو مضروب", فأُمن الالتباس في "مصوغ، ومقول", فجرى على ما يجب فيه من الإعلال.
следующие страницы →