← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10545

المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني

ابن جني

Полный текст (489 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فحرّكت الثانية التي هي عين, كما حرّكت راء "ضارِب", فانقلبت همزة؛ لأن الألف إذا حركت صارت همزة، فصارت١ "قائم، وبائع" كما ترى؛ ويدل على أن الألف إذا تحركت انقلبت همزة, قراءة أيوب السختياني: "غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّألِّين"٢ لما حرك الألف لسكونها وسكون اللام الأولى٣ بعدها انقلبت همزة. وحكى أبو العباس, عن أبي عثمان, عن أبي زيد أنه قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ٤: "فيومئذ لا يْسأل عن ذنبه إنس ولا جان"٥, فظننته قد لحن, إلى أن سمعت العرب تقول٦: "شَأَبَّة، ودَأَبَّة"! قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس هذا؟ قال: لا، ولا أقبله. وقال الراجز: خاطمها زَأَمَّها أن تذهبا وجاءت في شعر كثير: "احْمَأَرّت" يريد "احمارّت". كما أراد الأول "زَأَمَّها". فهذه الهمزات في هذه٧ المواضع، إنما وجبت عن تحريك الألف؛ لسكونها وسكون ما بعدها. فكذلك قُلبت الألف المنقلبة عن عين الفعل في اسم الفاعل من "قام" همزة، وذلك قولهم: "قائم" وكذلك "خائف، وبائع، ونائم".

стр. 282

إعلال اسم الفاعل من "أَفْعَلَ واسْتَفْعَلَ": قال أبو عثمان: و"فاعِلٌ" من "أَفْعَلَ" مُعَلّ, وإعلاله إسكان عينه وطرح حركتها على الساكن، وأما الفاعل من "استقام، واستفاد", فإنه "مستقيم، ومستفيد", وقد ذكرت لك أصل هذا, وإلقاء الحركة على ما قبل المعتل, وإسكان المعتل في هذا١ في صدر هذا٢ الباب. قال أبو الفتح: يريد: اسم الفاعل من أفعل "مقيم، ومريد". وقد تقدم ذكر هذا كله وشرحه, ومن أين وجب إعلاله؟ إعلال اسم المفعول من نحو "قيل، وبيع": قال أبو عثمان: و"مفعول" من هذا معتل٣ كما اعتل "فاعل"٤ إلا أن اعتلاله بحذف حرف منه، فإن كان "مفعول" من "فُعِل" وكان٥ من الواو, ظهرت فيه الواو نحو "مَقُول، ومَصُوغ"؛ لأنه من "القول، والصوغ" وإن كان من "فُعِل" وكان من الياء, ظهرت فيه الياء نحو "مَعِيب، ومبيع، ومسير به". قال أبو الفتح: إنما وجب إعلال "مفعول" من حيث وجب إعلال "فاعل", وكلاهما من قبل الفعل وجب إعلاله؛ لأنهما جاريان عليه وهو معتل

стр. 283

فأرادوا١ أن يكون العمل من وجه واحد, فألزموا تصريف الفعل الاعتلال٢, وعلى أن "فاعلا" أجري على الفعل من "مفعول"؛ لأنه بوزنه٣ وليس "مفعول" كذلك. وقوله: فإن٤ كان "مفعول" من "فُعِلَ" إنما قال هذا؛ لأنه قد يكون من "فُعل" ومن "أُفعل" ومن "استُفعل" وغير ذلك، وإنما قصد هنا ذكر بناء "مفعول", و"مفعول" إنما يجيء من "فُعل" نحو "ضُرب فهو مضروب, وقتل فهو مقتول" ولهذا٥ ذكر "فعل" ولم يهمل البيان. وسيذكر أبو عثمان ما عرض في "مقول, ومبيع" من التغيير والحذف, ويذكر الخلاف بين الخليل وأبي الحسن, وأُتبعه ما عندي فيه، إن شاء الله. إتمام بني تميم "مفعولا" من نحو "بيع، وعيب": قال أبو عثمان: وبنو تميم -فيما زعم علماؤنا- يتمون مفعولا من الياء, فيقولون: "مبيوع، ومعيوب٦, ومسيور به" فإذا٧ كان من الواو لم يتموه، لا يقولون في "مَقُول: مَقْوُول" ولا في "مصوغ٨: مصووغ" البتة. وإنما أتموا في٩ الياء؛ لأن الياء وفيها الضمة, أخف من الواو وفيها الضمة,

стр. 284

ألا ترى أن الواو إذا انضمّت فروا منها إلى الهمزة, فقالوا: "أَدْؤُر، وأَثْؤُب، وأنؤر١". قال الراجز: لكل دهر قد لبست أثؤبا فالهمز في الواو إذا انضمت مطرد، فأما إذا كانت كذلك وبعدها واو, كان ذلك أثقل لها؛ فلذلك ألزموها الحذف في "مفعول"، والياء إذا انضمت لم تهمز ولم تغير، فهذا يدلك ويبصرك أن الياء أخف. قال أبو الفتح: قد ذكر أبو عثمان العلة في جواز تتميم بني٢ تميم لـ "مفعول" من الياء, وأن الياء خفيفة ليست في ثقل الواو، فاحتملت الضمة لذلك. ووجه حذف من حذف الياء فقال: "مَعِيب"؛ أنها لما اعتلت في "عِيبَ" أراد أن يعلها في اسم المفعول. ومن أتم فقال: "مَعْيُوب" شجّعه على ذلك سكون ما قبل الياء، فجرت لذلك مجرى الصحيح. ولا تنكر أن يصححوا اسم المفعول وإن كان الفعل معتلا، ألا ترى أنهم قالو: "غُزِيَ" فقلبوا اللام, وقالوا: "مَغْزُوّ" فصححوها. وإنما جاز التصحيح في اسم المفعول؛ لأنه وإن كان جاريا على الفعل فإنه ليس على وزن المضارع، ألا ترى أن قائما٣ لما كان على وزن المضارع في الأصل بالحركة والسكون والعدة, لم يكن إلا معتلا، وقد تحجّر أنه لا يتم مفعول من ذوات الواو، وهذا هو الأشهر.

стр. 285

وقد حكى غيره أنهم يقولون: "ثوب١ مَصْوُون" والأكثر "مَصُون". وأنشدوا قول الراجز: والمسك في عنبره المَدْوُوف والأشهر "مَدُوف", وقالوا: "رجل مَعْوُود، وفرس مقْوُود، وقول مقْوُول". وأجاز أبو العباس إتمام "مفعول" من الواو خلافا لأصحابنا كلهم, وقال: ليس بأثقل٢ من "سُرت سُوورا, وغرت٣ غوورا"؛ لأن في "سوور, وغوور" واوين وضمتين وليس في٤ "مصوون" مع الواوين إلا ضمة واحدة. قال أبو علي: وهذا خطأ٥؛ لأنه يجيز٥ شيئا ينفيه القياس وهو٦ غير مسموع. فقياسه٦ قياس من قال: "ضربت زيد", فأما "سرت سوورا"٧ فلو لم٧ يسمع لما قيل. وأيضا: فلو أعلّوا في "سوور" لأسكنوا الواو الأولى وبعدها واو ساكنة, فيجب حذف إحداهما, فيصير٨ على وزن "فُعْل"، فكرهوا التباس مثال: فعول بفُعْل، واسم المفعول من فُعِل٨ وزنه "مفعول" أبدا نحو "ضرب فهو مضروب", فأُمن الالتباس في "مصوغ، ومقول", فجرى على ما يجب فيه من الإعلال.

стр. 286

وإنما لم يتم "مفعول" من الواو إلا في الحروف الشاذّة التي ذكرنا١؛ لأنه اجتمع فيه مع اعتلال فعله أنه من الواو, وأنه تجب ضمة واوه وبعدها واو "مفعول", فتجتمع واوان وضمة. و"معيوب"٢ إنما اجتمع فيه ياء وواو وضمة، وإذا كان القياس في "معيوب"٣ الإعلال مع أن الياء دون الواو في الثقل, فمفعول من الواو لثقله أحرى ألا يجوز فيه التصحيح. وهذا طريق مستمر٤ في العربية لا ينكسر أن يُحتمَل أمر واحد, فإذا انضمّ إليه سبب آخر لم يحتملا، وعليه باب ما لا ينصرف أجمع. وسيأتي في هذا الكتاب منه٥ ما أنبه عليه بمشيئة الله. ما ورد عن العرب من نحو "مغيوم، ومطيوبة": قال أبو عثمان: وسمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سمعت في شعر العرب: وكأنها تفاحة مَطْيوبة وقال علقمة بن عبدة: يوم رَذَاذ عليه الدجن مغيومُ أخبرني أبو زيد أن تميما تقول ذلك، ورواه الخليل وسيبويه عن العرب. قال أبو الفتح: هذه شواهد لجواز إتمام "مفعول" من ذوات الياء، وقد

стр. 287

قالوا: "طعام مَزِيت ومَزْيُوت, ورجل مدين ومديون" وهو واسع فاشٍ. اختلاف الأئمة في المحذوف من "مفعول" من نحو "بيع، وقيل": قال أبو عثمان: وزعم الخليل، وسيبويه أنك إذا قلت: "مَقُول ومَبِيع", فالذاهب لالتقاء الساكنين واو "مفعول". وقال الخليل: إذا قلت: "مبيوع" فألقيت حركة الياء على الباء, سكنت١ الياء التي هي٢ عين الفعل وبعدها واو "مفعول", فاجتمع ساكنان, فحُذفت واو "مفعول" وكانت أولى بالحذف؛ لأنها زائدة، وكان حذفها أولى ولم تحذف الياء؛ لأنها عين الفعل. وكذلك "مَقُول" الواو الباقية عين الفعل والواو٣ المحذوفة واو "مفعول". وكان أبو الحسن يزعم أن المحذوفة عين الفعل والباقية، واو "مفعول" فسألته عن "مبيع". فقلت: ألا ترى أن الباقي في "مبيع" الياء، ولو كانت واو "مفعول" لكانت: "مَبُوع"؟ فقال: إنهم لما أسكنوا ياء "مبيوع" وألقوا حركتها على الباء, انضمت الباء, وصارت بعدها ياء ساكنة فأبدلت مكان الضمة كسرة للياء التي بعدها، ثم حذفت الياء بعد أن ألزمت الباء كسرة للياء التي حذفتها، فوافقت واو "مفعول" الباء مكسورة، فانقلبت ياء للكسرة التي قبلها، كما انقلبت واو

стр. 288

"ميزان، وميعاد" ياء للكسرة التي قبلها، وكلا الوجهين حسن جميل، وقول الأخفش أقيس. قال أبو الفتح: إنما وجب إسكان عين الفعل من "مبيوع, ومقوول" عندهم جميعا؛ لأن "قيل، وبيع" عندهم١ معتلان, فأرادوا إعلال اسم المفعول منهما. ولأن الضمة مستثقلة في الياء والواو، كما ذكر أبو عثمان قبل, ثم حدث٢ من التغيير ما ذكره أبو عثمان عن الخليل, وسيبويه، والأخفش. ولكل واحد من الاعتلال لصحة مذهبه، وما يمكن أن يحتج به عنه, ما٣ أذكره. فأما الخليل, فيقوي مذهبه في أن المحذوف واو مفعول -فيما ذكره أبو علي- قول الشاعر: سيكفيك صَرْب القوم لحم معرض ... وماء قدور في القصاع مشيب فقال: قوله: "مَشِيب" أصله "مَشُوب"؛ لأنه من "شُبْتُ الشيء أشوبه" إذا خلطته بغيره. فلو كانت الواو في "مشوب" واو "مفعول" لما جاز أن تقول فيها "مَشِيب"؛ لأن واو "مفعول" لا يجوز قلبها إلا أن تكون لام الفعل معتلة نحو قولهم: "رُمي فهو مرمِيّ، وقضي فهو مقضي" ولكن الواو في "مشوب" عين الفعل فقلبها٤ ياء, كما قلبها الآخر في قوله: أزمان عيناء سرور المسرور عيناء حوراء من العين "الحير" وأصله "الحُور"؛ لأنه جمع حَوْراء.

стр. 289

فالواو في "مَشُوب" عين الفعل بمنزلتها في "الحُور"؛ ألا ترى أنه قلبها في "مشوب" كما قلبها في "الحور". وقد جاء مثل "مَشِيب" مما قلبت فيه عين الفعل, وهو قولهم: "أرض مَمِيت عليها" يريدون: مَمُوت عليها, و"غار مَنِيل" وهو من الواو وأصله١: "مَنُول". قال أبو علي: معناه: ينال ما٢ فيه. وقال الراجز: دار لأسماء يعفِّيها المور ... والدجن يوما والسحاب المهمور قد درست غير رماد مكفور ... مكتئب اللون مريح ممطور يريد بـ "مريح: مَرُوحا" لأنه٣ من الروح. فهذا كله يشهد بصحة قول الخليل: إن المحذوف من "مقول، ومبيع" واو "مفعول". وأما٤ ما ذهب إليه أبو الحسن وزيادة أبي عثمان عليه, وانفصاله من الزيادة فعجب من العجب, وقوله في هذا يكاد يرجح عندي على مذهب الخليل وسيبويه؛ وذلك أن له أن يقول: إن واو "مفعول" جاءت لمعنى وهو المد٥, والعين لم تأت لمعنى٦, فحذف العين٦ التي لم تأت لمعنى, وتبقية٧ ما جاء لمعنى وهو الواو الزائدة أولى، كما تقول: "مررت بقاضٍ" فتحذف الياء؛ لأنها لم تأت لمعنى, وتبقي التنوين الذي جاء لمعنى الصرف.

стр. 290

وشيء آخر يدل على صحة مذهب أبي الحسن، وهو أن هذه العين قد اعتلت في "قال، وباع، وقيل، وبيع" وفي أصل: "مَبِيع، ومَقُول", فكما أُعلت بالإسكان والقلب، كذلك أعلت أيضا بالحذف, وواو "مفعول" لم تنقلب من شيء ولم تعتل في الفعل١, فكان تركها وحذف المعتل أوجب. ألا ترى إلى قولهم: "اتقّى" وأصله: "اوْتَقَى", فلما أعلت الفاء بقلبها تاء, أعلت بالحذف فيما أنشدناه أبو علي, وقرأته عليه في النوادر عن أبي زيد: تَقُوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا وأنشدنا أيضا عنه: قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدته ذراعي وأصل هذين: "اتّقوه, واتّجهنا". قال أبو علي: ولكنه لما أعل الفاء بالقلب، أعلها بالحذف, فكذلك لما أعلت عين "مفعول" بالإسكان والقلب، أعلت أيضا٢ بالحذف. وأيضا فإن العين في "مقول, ومبيع" قد حذفت في قولهم: "قل, وبع" ونحو ذلك، فكما٣ حذفت في غير هذا الموضع، كذلك حذفت هنا. وللخليل أن يقول: إن الساكنين إذا التقيا في كلمة واحدة٤, حرك الآخر منهما، فكذا يحذف الآخر منهما. ولأبي الحسن أن يرد هذا ويقول: إنهما إذا التقيا في كلمة واحدة٤، حذف الأول نحو "خَفْ، وقُلْ، وبِعْ", لا سيما إذا كان الثاني منهما جاء لمعنى,

стр. 291

نحو التنوين "غازٍ" ونحوه، وكما أعلت العين بالقلب مع ألف "فاعل" نحو "قائم", كذلك أعلت بالحذف مع واو "مفعول". وللخليل أن يقول: إن الميم في أوله يدل على أنه اسم المفعول, فتحذف الواو؛ لأنها زائدة. ولأبي الحسن أن يقول: إن "مَبِيعا" يشبه" مَقِيلا، ومسيرا" وهما مصدران. فلهذه العلل المتكافئة, قال أبو عثمان: "وكلا الوجهين حسن جميل", ولقوة قول أبي الحسن قال: "وقول الأخفش أقيس". وقوله في هذا عجيب، وإن كان قد ناقض فيه فيما١ يجيء، وستراه بُعَيد إن شاء الله. اختلاف الأئمة في المحذوف من مصدر "أقام، وأخاف" ونحوهما: قال أبو عثمان: فإذا قلت من "أفعَلْت" مصدرا نحو "أقام إقامة، وأخاف إخافة", فقد حذفتَ من "إقامة، وإخافة" ألفا؛ لالتقاء الساكنين. فالخليل وسيبويه يزعمان أن المحذوفة هي الألف التي تلي آخر الحرف، وهي نظيرة واو "مفعول" في "مقول, ومخوف". وأبو الحسن يرى أن موضع العين هو المحذوف، وقياسه على٢ ما ذكرت لك. قال أبو الفتح: أصل "إقامة، وإخافة، وإبانة: إِقْوَامة، وإِخْوَافة،

стр. 292

وإِبْيَانة", فأرادوا أن يعلوا المصدر؛ لاعتلال "أقام، وأبان", فنقلوا الفتحة من الواو، والياء، إلى ما قبلهما، ثم قلبوهما ألفين, وبعدهما ألف "إفعالة"، فصار كما ترى: "إقاامة، وإباانة"١. فذهب أبو الحسن إلى أن المحذوفة هي٢ الألف الأولى، وذهب الخليل إلى أن المحذوفة هي٣ الألف الثانية, وهي الزائدة -على ما تقدم من مذهبهما- والكلام ثم، والاحتجاج وهو الكلام، والاحتجاج هنا. ما لا يعتل من محول إليه وهو "اختار، وانقاد" ومضارعهما، وما كان نحوهما: قال أبو عثمان: وإذا كان الحرف الذي قبل المعتل متحركا في الأصل لم يغيروه, ولم يعتل الحرف من محول إليه٤ كما اعتلت "قُلت, وبِعت" من محول إليه٤؛ كراهية أن يحول إلى ما ليس من كلامهم، وذلك قولهم: "اختاروا, واعتادوا، وانقادوا" وكذلك المضارعة٥ من هذا تجري هذا المجرى نحو "يختارون، ويعتادون، وينقادون". قال أبو الفتح: أصل "اختار، واعتاد، وانقاد: اختَيَر، واعتَوَد، وانقَوَد". يقول: فلم يحول "افتَعَل، وانفَعَل"٦ من الياء إلى "افتَعِل، وانفَعِل" ولا حُوِّل "افتَعَل، وانفَعَل"٦ من الواو إلى "افتعُل، وانفعُل"

стр. 293

كما حُوِّل "قُلت، وبِعت" من "فعَلت" إلى "فعُلت, وفعِلت"؛ لأن في كلامهم "فعِلت، وفعُلت" وليس في كلامهم "افتعُل، وانفعُل" ولا "افتعِل، وانفعِل". فهذا معنى قوله: "كراهية أن يخرج إلى ما ليس في كلامهم" وقد كان القياس إذ غيروا "فعَلت" أن يغيروا "افتعلت، وانفعلت" ولكن امتنعوا من ذلك كراهية أن يخرجوا إلى ما لا نظير له، ولو فعلوا ذلك لكان قياسه أن يقولوا: "اخْتِرْت، واعْتُدْت، وانقُدْت" ولكن هذا لا يقال لما ذكرنا. وقوله: وكذلك المضارعة من هذا تجري هذا المجرى. يقول: إنما يقولون: يختارون، وينقادون, ولا يقولون١: "يختَيِرون، وينقَوِدون" كما قالوا: "يبيع، ويقوم" لأن هذا لم يحول كما يحول٢ "قُمت، وبِعت". وأصل "يختارون، وينقادون: يختَيِرون، وينقَوِدون" فأسكنت الياء والواو ثم قلبتا٣ لانفتاح ما قبلهما وتحركهما في الأصل كما فعل في الماضي. المبني للمجهول من "اختار، وانقاد" ونحوهما: قال أبو عثمان: وإذا٤ قلت: "فُعِل من هذا" قلت: "اُخْتِير, واُنْقِيد", فتحول الكسرة على التاء والقاف، كما فعل ذلك بـ "بيع، وقيل".

стр. 294

فأما١ "اعتاد" فتُركت حركة الأصل وتَبِعت العين ما قبلها، كما كان ذلك في "قال، وباع". ومن يقول من العرب: "قُِيل" فيُشم الفاء الضمة٢ تحقيقا لـ "فُعِل", فإنه يقول ههنا: "اُخْتُِير وانقُِيد" فيشم لأن قولك: "تُِير" من "اختير" و"قُِيد" من "انقيد" كـ "قُِيل، وبُِيع" ومن أبدل الياء واوا قال٣ هنا: "اُخْتُور، وانْقُود" ولم يؤخذ هذا إلا عن العرب. قال أبو الفتح: اعلم أن "تَادَ" من "اعتاد", و"تار" من "اختار", و"قاد" من "انقاد" كـ "قام، وباع", واشتبها من حيث كان ما قبل العين مفتوحا وهي محركة, كما كان ذلك في "فعَل" فاشتركا في العلة الموجبة للقلب، فجميع ما يجوز في "قال، وباع" جائز "اختار، وانقاد" إلا التحويل إلى الضم والكسر, وقد مضى ذكره. فـ "تار" من "اختار" و"قاد" من "انقاد" بمنزلة "قال، وباع" و"تير" من "اختير" و"قيد" من "انقيد" كـ "قيل، وبيع"٤ و"تُِير" من "اُختُِير" و"قُِيد" من "انقيد" كـ "قُِيل, وبُِيع"٤, و"تُور" من "اختُور" و"قُود" من "انقُود" كـ "قُول، وبُوع". وقوله: ومن أبدل الياء واوا معناه: من٥ كان من لغته أن يقول: "خَوِف

стр. 295

وقَوِل"١, فيجعل مكان الياء في "قيل، وخيف" واوا, فإنه يقول هنا "اختور"؛ لأن من قال "قُول، وخُوف"١ فليس أصل هذه الواو عنده ياء ثم قلبها٢ واوا؛ لأنهما عنده٣ من "القول، والخوف" ولا تقل٤: إنه قلب الياء في "قيل، وخيف" واوا؛ لأنه لو كان ممن يقول: "قِيل، وخِيف" لما قال: "قُول، وخُوف"؛ لأن هذه لغات لقوم شتى. أو يكون أراد: من قال "بُوع" فأبدل الياء واوا٥, فإنه يقول "اختُور, وانقُود" والمذهب الأول أعم؛ لأنه يدخل فيه" قيل, وبيع" جميعا. وقوله: "ولم يؤخذ هذا إلا عن٦ العرب" يقول: لم يقدم على٧ هذه الأقوال بالقياس، بل هي٨ مسموعة عن العرب. مجيء "مَقْوَدَة، ومَكْوَزَة، ومَزْيَد" على الأصل: قال أبو عثمان: ومثل من الأمثال: "إن٩ الفكاهة مقودة إلى الأذى" جاءوا بها على الأصل، كما قالوا: "مكوزة, ومزيد" فجاءوا بهن على الأصل. وليس هذا بالمطرد في الكلام، وقد قرأ بعض القراء: "لَمَثْوَبَة من عند الله خير١٠", لا تقول على هذا: "مَقْوَلة، ولا مَبْيَعة".

стр. 296

قال أبو الفتح: قد١ كان القياس في هذه كله أن يعل؛ لأن "مزيدا، ومكوزة، ومقودة، ومثوبة" على وزن "يخاف، ويهاب" وأصلهما "يَخْوَف، ويَهْيَب" وهذه الأسماء جارية على أفعال معتلة، وقد كان٢ قياسها٣ "مقادة ومكازة ومزادة ومثابة" كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ٤ ولكنها شذت. يقول: لا ينبغي أن يقاس على هذا، ولكن يقال: "مَقالة، ومَباعة" وقد جاءت مثل "مَكْوَزة، ومَزْيد, ومريم, ومصيدة, ومطيبة، ومبولة" وهذه شواذ كلها. ""مَفْعُلة" بضم العين من "عشت، وبعت" كـ "مَفْعِلة" بكسرها فيهما عند الخليل": قال أبو عثمان: وكان الخليل يقول في "مَفْعُلة" من "عشت، وبعت" لفظها٥ كلفظ "مَفْعِلة" كما كان "فُعْل" من الياء في هذا الباب على لفظ "فِعْل" من الواو، فيقول: "مَعِيشة" تصلح أن تكون "مَفْعُلة" وتصلح أن تكون "مَفْعِلة". قال أبو الفتح: أصل "مَعِيشة" إذا كانت "مفعُلة" عند الخليل: "مَعْيُشَة" فنقل الضمة إلى العين فانضمت وبعدها ياء ساكنة، فأبدل الضمة كسرة؛ لتسلم بعدها٦ الياء, فصارت "مَعِيشة" وإذا كانت

стр. 297

"مفعِلة" فإنما نقل الكسرة إلى العين حسب. وكذلك "عِيش" يصلح أن يكون عند الخليل "فِعْلا، وفُعْلا" جميعا، فإذا كان أصله "فُعْلا" فكأنه كان "عُيْشا", فأبدل الضمة كسرة لتسلم الياء فصارت "عِيشا" كما ترى. كما١ قالوا: "بِيض" وأصله "بُيْض", فأبدلوا من الضمة كسرة، لا يفصل الخليل بين الواحد والجمع. وكذلك كان يجيز في "ديك، وفيل" أن يكونا "فِعْلا, وفُعْلا" جميعا؛ لأنهما من الياء لقولهم: "فيول, وديوك" وكان أبو الحسن يخالفه، وها هو ذا عقيب هذا: "مفعلة" من العيش، و"فعل" من البيع عند الأخفش: قال أبو عثمان: وكان أبو الحسن الأخفش يخالفه ويقول في "مَفْعُلة" من "العيش: مَعُوشة" وفي "فُعْل" من "البيع: بُوع" ويقول في "بِيض: هو فِعْل", ولكنه٢ جمع والواحد ليس على مذهب الجمع. وقوله في "مَعِيشة: مَعُوشة" ترك لقوله في "مبيع، ومكيل"٣, وقياسه على "مبيع، ومكيل: مَعِيشة" لأنه يزعم أنه حين ألقى حركة عين "مفعول" على الفاء, انضمت الفاء ثم أبدل مكان الضمة٤ كسرة؛ لأن

стр. 298

بعدها ياء ساكنة, وكذلك يلزمه في "معيشة" هذا, وإلا رجع إلى قول الخليل في "مَبِيع". قال أبو الفتح: إنما كان قياسه عند أبي عثمان "مَعِيشة"؛ لأن أصلها: "مَعْيُشة", فيجب نقل الضمة إلى العين, ثم تبدل كسرة لتسلم الياء بعدها، كما قال أبو الحسن في "مبيع": إن أصله "مبيوع" ثم نقل الضمة من الياء إلى الباء، ثم أبدل الضمة كسرة لتسلم الياء بعدها. وكذلك كان يجب على قياسه في "معيشة" أن يبدل الضمة المنقولة من الياء إلى العين كسرة فيقول: "مَعِيشة" كما قال الخليل قياسا على "مَبِيع". وكذلك١ قياسه على "مبيع" في "فُعْل" من "البيع" أن يقول: "بِيع" كقول الخليل، فيبدل من الضمة كسرة, كما أبدلها في "مبيع"؛ لأن "مبيعا، ومعيشة، وبيعا" كل واحد منها٢ واحد ليس بجمع، فإن كان يقول: "معوشة, وبوع" فيلزمه أن يقول في "مبيع: مَبُوع" فيخالف العرب أجمعين. وإذا قال: "مَبِيع" فقياسه "مَعِيشة, وبِيع" في "مَفْعُلَة وفُعْل" لا فصل بينهما؛ لأن "مفعولا" واحد، كما أن "مفعُلة، وفُعْلا" كل٣ واحد لا جمع٤, وهذه هي٤ المناقضة التى قدمت ذكرها. ولو قال في "مَفْعُلة، وفُعْل: مَعِيشة، وبِيع" كقول الخليل،

стр. 299

لكان مذهبه لا نهاية وراءه، ووافق قوله في "مَبِيع" واستمرّ مذهبه على الاطراد. وحكى الأصمعي أن الريح الحارة يقال لها: "هَيْف، وهُوف" وليس في "هوف" حجة لأبي الحسن في أن يقول في "فُعْل" من البيع: "بُوع"١؛ لأنه يجوز أن يكونا لغتين، فيكون "هيف" من الياء و"هوف" من الواو١, ويجوز أن يكون "هيف" محذوفا من "فَيْعِل" كأنه كان هيوفا مثل "مَيْوِت" ثم قلبت الواو وحذفت, كما فعل ذلك بـ "مَيْت", فعلى هذا يكونان جميعا من الواو، فتأمل هذا. وقوله: وكذلك يلزمه٢ في "معيشة" هذا, وإلا رجع إلى قول الخليل في "مَبِيع". يقول: يلزمه٢ أن تكون "معيشة: مفعُلة، ومفعِلة" عنده جميعا، كما قال الخليل، وإنما يجب عليه من هذا, الرجوع إلى مذهب الخليل في "مبيع"؛ لأنه كان يجب على قياسه في "بوع، ومعوشة" أن يقول في "مفعول: مَبُوع", وهذا لم يقله أحد من العرب، فلو كان الياء في "مبيع" هو الزائد كما يقول أبو الحسن؛ لوجب أن يقول: "مَبوع" كما يقول "مَعُوشة". وأما فصله بين الواحد والجمع في "فُعْل" مما عينه ياء، وأنه يقول في الواحد: "بوع" ويقول في جمع "أبيض: بِيض" فهو قول. قال أبو علي: ويقويه أن الجمع أثقل من الواحد, والواو أثقل من الياء,

стр. 300

فهرب من الواو١ في الجمع وأقرها في الواحد؛ فلذلك٢ قالوا: "بِيض" ولم يقولوا: "بُوض". ٣ ألا ترى أنهم٣ يقولون في الواحد: "عَتَا، عُتُوًّا، وعُتِيًّا" و"عسا العود, عسوا، وعسيا", فإذا صاروا إلى الجمع, فكلهم يقلب. ألا تراهم يقولون: "عُِصِيّ، ودلي", ولا يجيزون التصحيح كما أجازوا في الواحد! ويدل على صحة ما ذهبوا إليه في "بيض" وأنهم لم يقولوا: "بُوض"؛ أنهم قد قالوا في "الحُور: الحِير" وأصله الواو، فإذا كانوا قد هربوا مما أصله الواو إلى الياء, فألا تقلب الياء واوا في الجمع، وأن يصححوها ياء أجدر! ووجه آخر: وهو أنهم قد قلبوا الواو ياء في الواحد فقالوا "مَشِيب" في "مَشُوب" و"غار منيل" في "منول" و"أرض مميت عليها" في "مموت" و"غصن مريح" في "مروح"؛ فإذا كانوا قد قلبوا الواو ياء في الواحد مع أنه أخف من الجمع، فهم بألا يقلبوا الياء -التي هي أخف إلى الواو, التي هي أثقل في الجمع، الذي٤ هو أثقل من الواحد- أجدر! ولولا قول٥ العرب: "مَبِيع" بالياء دون "مَبُوع"؛ لكان قول أبي الحسن في "فُعْل، ومَفْعُلة: بُوع، ومَعُوشة" قولا حسنا. ولكن قولهم: "مبيع" هو الذي أفسد هذا المذهب على أبي الحسن.

стр. 301

فأما قول الشاعر: وكنت إذا جاري دعا لمَضُوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مِئْزري ففيه تعلق لأبي الحسن في قوله في "مفعُلة" من "عشت: معوشة١"؛ لأن "مَضُوفة: مَفْعُلة" من "ضفت الرجل: إذا نزلت به"؛ لأن معناها ما ينزل بالإنسان ويضيفه من نوائب الدهر، وأصلها "مَضْيُفة" ثم نقلت الضمة إلى الضاد, وانقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها. فيشبه أن يكون أبو الحسن بهذا تعلق وعليه عقد هذا الخلاف، إلا أن هذا حرف شاذ لا نعلم له نظيرا، فينبغي ألا يقاس عليه، وقول الخليل في "معيشة، ومبيع٢" أقوى؛ لقولهم كلهم٣: "مبيع" ولم يقولوا: "مبوع" كما قالوا: "مضوفة", ومن "مبيع" يشبه أن يكون الخليل أخذ قوله في "مَعِيشة"؛ لأن عين "مفعول" مضمومة. فأما "مئُونة" فلا حجة فيها لأبي الحسن؛ لأنه يجوز أن يكون من "الأون" وهو "العِدْل"؛ لأنها ثقيلة على متكلفها كما أن "العدل" ثقيل على حامله، وقالوا: إنها "فَعُولة" من "مُنْتُ". وأجاز الفراء أن تكون "مفعلة" من "الأين" وهو "التعب", وهذا كقول٤ أبي الحسن في٥ "معوشة" والاحتجاج عليه مثله على أبي الحسن، لا فرق بينهما. وقد شرحت هذا الخلاف في موضع آخر في مسألة سُئلتُ عنها مجردة!

стр. 302

تصحيح "فَاعَلْت, وتَفَاعَلْنا، وفَعَّلت، وتَفَعَّلنا" ومصادرهن وعدم إعلالهن: قال أبو عثمان: واعلم أن "فاعلت، وتفاعلنا، وفعلت, وتفعلنا" يصححن ولا يعللن, وذلك قولك١: "قاولت زيدا وبايعته, وتقاولنا, وتبايعنا" وتصح المصادر كما صحت الأفعال, وذلك "التقاول, والتبايع, والقِوال, والبِياع" و"فعّلت" مثل "حوّلته، وحولت عليه, وشوهته٢, وزينت له٣ الأمر, وتحولته، وتشوّقته, وتزيّنت". وإنما صحت في "تفاعلت"؛ لأن التاء دخلت على "فاعلت". وكذلك "تفعّلت" دخلت على "فعّلت" فلم تغير عن حالها. قال أبو الفتح: إنما صحت هذه الأفعال كلها لسكون ما قبل الواو والياء المتحركتين, فلو قلبت الياء والواو في "قاولت، وبايعت" كما قلبتهما٤ في "قام، وباع" وقبلهما ألف ساكنة؛ لوجب حذف إحداهما ولزال البناء. وكذلك لو قلبت الياء والواو الأخيرتين في "زينت، وشوقت" ألفين؛ لتحرك ما قبلهما وزال بناء "فعّلت" كما كان يزول في الأول بناء "فاعلت", فتجنبوا ذلك لما يدخل الكلام من كثرة التغيير. وكذلك "تفعّلت, وتفاعلنا"؛ لأن التاء إنما دخلت على "فعّلت,

стр. 303

وفاعلت" بعدما وجب فيهما١ التصحيح. فلما صحت هذه الأفعال صحت مصادرها؛ فلذلك قالوا: "قاولته قِوَالا" فصحّحوا الواو ولم يقولوا: "قيالا" كما قالوا: "قمت قِياما" فقلبوها ياء لما انقلبت في٢ "قام" ولما صحت في "قاومت, وقاولت" صحت في "القِوَام والقِوَال"٣, وقال الله تعالى٣: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ ٤؛ لأنه مصدر "لاوذت", قالوا في اللغة: "لذت به لياذا". فأما قول الراجز: يخلطن بالتأنُّس النِّوَارا وهو من نار يَنُور: إذا نفر, فيمكن أن يكون اسما لا مصدرا فصح لذلك. وأما قولهم في القطعة من المسك: "صِوَار, وصِيار" فيمكن أن يكونا لغتين, ويمكن أن يكون قلب الواو ياء للتخفيف والشبه بالمصدر أو الجمع، وهذا القول كأنه أمثل لقولهم في جمعه: "أَصْوِرَة" ولم نسمعهم يقولون: "أصيرة٥". قال الأعشى: إذا تقوم يضوع المسك أصْوِرَة ... والعنبر الورد من أردانها شمل وكذلك "التقاول, والتبايع" صحتا فيه٦؛ لصحتهما في الفعل. وقد قدمت القول في أن صحة المصدر لصحة الفعل واعتلاله لاعتلاله؛ لا يدل على أن المصدر مشتق من الفعل.

стр. 304

ومما جاء على أصله "افعَلَلْت، وافعَالَلْت": قال أبو عثمان: ومما يجيء على أصله "افعللت, وافعاللت" وذلك١ "ابْيَضَضْت واسوددت٢, واحوللت, وابياضَضْت، واسواددت٢". وإنما جاء هذا على أصله من قِبَل أنهم لو أسكنوا المعتل هنا, ذهب المعنى وصرت إلى حذف بعد الإسكان, وعلة بعد علة، فتجنبوا هذا الحمل على الفعل كله, فأقروه٣ على أصله. قال أبو الفتح: يقول: لو أسكنوا الياء والواو في "ابْيضضت، واسْوددت" وقبل الياء الباء, وقبل الواو السين، وهما ساكنتان؛ لوجب٤ حذف الياء والواو, ولزال البناء, وهذا مثل ما تقدم. وقوله: "لو أسكنوا المعتل هنا٥" معناه: لو أسكنوا هنا الحرف الذي من شأنه أن يعتل, لكان كيت وكيت؛ "فهنا" ظرف لأسكنوا، وهو٦ منصوب به لا بالمعتل؛ لأنه ليس ههنا بمعتل, ولكنه أطلق عليه لفظ الاعتلال وإن كان صحيحا؛ لأن من شأن الواو والياء أن يعتلا فسمى الحرف معتلا بما هو في أكثر أحواله جارٍ عليه، أو بما يصير إليه من الاعتلال. كما تقول: "هذه حَلُوبتنا, وركوبتنا", فتطلق عليها اسم "الحلب,

стр. 305

والركوب", وإن لم يكن في الوقت "حلب, ولا ركوب" لأن من عادتهما أن يكون هذا جاريا عليهما، وكما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ١, ولم يكن في الوقت سقيما، ولكن السقم للموت جارٍ عليه لا محالة. وكما قال الشاعر: إذا ما مات مَيْت من تميم ... فسرّك أن يعيش فجئ بزاد فسماه "ميتا"، وإن كان حيا قبل موته؛ لأنه سيموت لا محالة، وهذا مطرد في كلامهم فاشٍ. ومما جاء على أصله "اجتوروا، وازدوجوا، واعتوروا، واهتوشوا": قال أبو عثمان: ومما يجيء على أصله -لأن معناه معنى ما لا يعتل كما جاء "عَوِر، وحَوِل"٢؛ لأنه في معنى "اعورّ، واحولّ"- "اجتوروا، وازدوجوا, واعتوروا٣, واهتوشوا"؛ لأن معناها٤ "تجاوروا، وتزاوجوا، وتهاوشوا٢"، ولولا ذلك لاعتل. ألا تراهم قالوا: "اختاروا، وابتاعوا" حين لم يكن في معنى "تفاعلوا". قال أبو الفتح: يقول: لما وجب٥ تصحيح "تجاوروا، وتزاوجوا" لسكون ما قبل

стр. 306

الواو -كما قدمنا شرحه- وكان "ازدوجوا, واجتوروا" بمعناهما صححوهما ليكون التصحيح أمارة لكون كل واحد منهما بمعنى الآخر, وكذلك ما أشبه هذا. وإنما أعلوا "اختاروا، وابتاعوا" لأنهما ليسا بمعنى "تخايروا, وتبايعوا", فجاءا على ما ينبغي لهما من الإعلال الذي تقدم شرحه في فصل "اعتاد وانقاد". لو بنيت افتعلوا من "ازدوجوا" على غير معنى "تفاعلوا" لأعللت: قال أبو عثمان: وقال الخليل: لو بنيت "افتعلوا" من قولك: "ازدوجوا" على غير معنى "تفاعلوا"؛ لأعللت فقلت: "ازداجوا" كما قلت: "اختاروا, وابتاعوا". قال أبو الفتح: يقول: لما زال معنى "تفاعلوا" الذي يوجب التصحيح, خرج إلى باب "اختار, وابتاع"١, فلم يجز إلا إعلاله كما لم يجز إلا إعلال "اختار، وابتاع"١. جمع "مقال، ومباع, ومعاش" على "مَفَاعِل" لا يعل: قال أبو عثمان: واعلم أن "مقالا، ومباعا، ومعاشا" إذا جمعته على "مفاعل" لم تعلل الياء ولا الواو في الجمع، وذلك قولك: "مَقَاوِل، ومبايع، ومعايش". وإنما أعلّوا الواحد؛ لأنهم شبّهوه بـ "يفعَل", فلما جمعوه ذهب شبهه من "يفعَل" فردوه٢ إلى أصله. قال الشاعر: وإني لقوّام مَقَاوِم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها فقال: "مقاوم".

стр. 307

قال أبو الفتح: وجه شَبَه "مقام، ومباع" بـ "يفعَل"؛ أن أصلهما "مَقْوَم، ومَبْيَع" فجريا مجرى "يخاف ويهاب" اللذين أصلهما "يخوَف، ويهيَب" فأعلوهما؛ لأنهما جاربان على الفعل وهما بوزنه, وقد تقدم شرح هذا. وقوله: فلما جمعوه ذهب شبهه من الفعل، يريد أن الفعل لا يجمع, فلما جُمع "مقام" ونحوه بعُد عن الفعل وزال البناء الذي١ ضارع به الفعل فصح، وصحته أن تظهر ياؤه وواوه, وذلك قولهم: "مقاوم، ومبايع". همز "مَعَايِش, ومَصَاوِب" خطأ: قال أبو عثمان: فأما قراءة٢ من قرأ من٢ أهل المدينة: "معائش" بالهمز فهي خطأ, فلا يلتفت إليها، وإنما٣ أخذت عن نافع بن أبي نعيم، ولم يكن يدري ما العربية, وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا٤. وقد قالت العرب: "مصائب" فهمزوا وهو غلط, كما قالوا: "حلّأت السويق" وكأنهم٥ توهموا أن "مصيبة٥: فَعِيلة"٦, فهمزوها حين جمعوها كما همزوا جمع "سفينة: سفائن", وإنما "مصيبة: مفعِلة"٦ من "أصاب يصيب", وأصلها: "مُصْوِبة", فألقوا حركة الواو على الصاد فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة, فأبدلت ياء للكسرة٧ قبلها -وقد

стр. 308

كتبنا تفسير هذا فيما مضى- وأكثر العرب يقول: "مَصَاوِب", فيجيء بها على القياس، وما ينبغي. قال أبو الفتح: قد اختلفت١ الرواية عن نافع، فأكثر أصحابه يروي عنه: "مَعَايِش" بلا همز، والذي روى عنه بالهمز خارجة بن مصعب. وإنما كان همزها خطأ عنده؛ لأنها لا تخلو من أن تكون جمع "معاش، أو معيشة, أو معيش" فقد قال رؤبة: إليك أشكو شدة المَعِيش يريد "المعاش". وكل واحد من هذه, فعينه متحركة في الأصل. فأصل "معاش: مَعْيَش". وأصل "مَعِيشة: مَعْيِشة، أو مَعْيُشة" على مذهب الخليل. وأصل "مَعِيش: مَعْيِش" مكسور العين ليس٢ غير؛ لأنه ليس في الآحاد اسم على "مفعل" بضم العين. فأما قول الشاعر: بثين الزمي "لا", إن "لا" إن لزمته ... على كثرة الواشين أي مَعُون فجمع "معونة" وليس بواحد. وكذلك قول الآخر: ليوم روع أو فعال مَكْرُم إنما هو جمع "مكرُمة".

стр. 309

وكذلك قول الآخر: أبلغ النعمان عني مَأْلُكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري فقد يجوز أيضا أن يكون جمع "مَأْلُكة" وهي الرسالة، أو يكون حذف الهاء ضرورة وهو يريدها. وإن كان "مَعِيش" جمع "مَعِيشة" فجائز فيه "مفعُل، ومفعِل" جميعا، وإذا كان الأمر كذلك فحق "معاش, ومعيش١، ومعيشة" ألا تهمز٢ في الجمع؛ لأنه قد كانت عينه متحركة في الأصل، فإذا احتاج إلى حركتها٢ في الجمع حرَّكها٣ ولم يقلبها واحتملت الحركة؛ لأنها قوية وهي من الأصل، وقد كانت متحركة في الواحد، وإنما يهمز في الجمع حروف المد واللين التي لا حظ لها في الحركة في الواحد نحو ألف: "رسالة"، وياء: "صحيفة", وواو: "عجوز" إذا قلت: "رسائل، وصحائف، وعجائز". فأما قول العرب: "مصائب" فغلط؛ لأن الياء في "مصيبة" عين الفعل وهي منقلبة عن واو وأصلها "مُصْوِبة" وأصلها الحركة وقياسها "مصاوب". وقد كان أبو إسحاق ذهب إلى أن الهمزة في "مصائب" إنما هي بدل من الواو في "مصاوب" كما قالوا: "إسادة" في "وسادة" وأنكر ذلك عليه أبو علي، وقال: إن الواو لا تقلب همزة وسطا إذا كانت مكسورة، وقد بينت هذا. وذكر أبو الحسن أن الذي شجعهم على أن شبهوا "مصيبة" بـ "صحيفة" حتى همزوها في الجمع، أنها قد اعتلت في الواحد بأن قلبت الواو ياء, فتوهنت العين بالقلب, فأشبهت الياء الزائدة؛ لأنها في الحقيقة ليست من الأصل، وإنما هي بدل

стр. 310

من العين، فلما لم تكن الأصل بعينه أشبهت الزائد فقلبت في الجمع همزة. وأنكر ذلك عليه أبو إسحاق وقال: يلزمه في "مقام: مقائم", يريد أبو إسحاق أن أصل "مَقَام: مَقْوَم" كما أن أصل "مُصِيبة: مُصْوِبة" وكلاهما قد قلب، يقول: فلو جاز لذلك١ أن يهمز جمع "مصيبة" لجاز أيضا أن يهمز جمع "مقام" وهذا يلزم أبا الحسن لو٢ كان يقطع بهذه الحجة، وإنما تعلل بهذا القول وتأنس به، وليس عنده بعلة قاطعة, فيلزمه أن يقول في جمع "مقام: مقائم", ولكنه لما سمع "مصائب" احتال بعد السماع بما٣ يكون فيه بعض العذر، ولا يقطع بأن هذا خطأ من العرب ما وجد له وجيها ما. ألا ترى أن سيبويه قال في باب ما يضطر إليه الشاعر: وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها. وكذلك قولهم٤: "حَلَّأتْ السويق، ورَثَّأتْ زوجي بأبيات" إنما هو مشبه في اللفظ بغيره وإن لم يكن من معناه، فكأن "حلأت" من قولهم٥: "حلأته": إذا طردته عن الماء. وقولهم: "رَثّأته: فَعّلته، من الرثيئة" وليس من معناه. وقالوا: "اسْتَلأمت الحجر": يريدون استلمت, فهمزوا. وقالوا: "لبّأت بالحج": يريدون "لبّيت". وقالوا: "الذئب يستنشئ الريح" يريدون "يستنشي". قال٦ أبو عبيدة: وكان٧ رؤبة يهمز "سِيَة٨ القوس" وسائر العرب

стр. 311

لا يهمزها، وإنما يجوز مثل هذا الغلط عندهم١ لما يستهويهم من الشبه؛ لأنهم٢ ليست لهم قياسات يستعصمون بها٢. وإنما يخلدون إلى طبائعهم، فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصري٣ رحمة الله عليه٣: "وما تنزلت به الشَّيَاطون"٤؛ لأنه٥ توهم أنه جمع التصحيح٥ نحو "الزيدون" وليس منه. وكذلك قراءته: "ولا أَدْرَأْتُكُم به"٦ جاء به كأنه من "درأته" أي: دفعته وليس منه٧, وإنما هو من "دريت بالشيء" أي: علمت به٧, وكذلك قراءة من قرأ "عادَ للُّؤلى٨", فهمز وهو خطأ منه. وهو بمنزلة قول الشاعر: لحب٩ المؤقدان إلى مُؤْسَى فهمز الواو الساكنة؛ لأنه توهم الضمة قبلها فيها. ومن ذهب إلى أن "أَوّل من وَألَ" فهو عندنا مخطئ؛ لأنه لا حجة له عليه -وقد ذكرته قبل- ولهذا الغلط نظائر في كلامهم، فإذا جاءك١٠ فاعرفه لتسلمه كما سمعته ولا تقس عليه. اختلاف العرب والعلماء في "مدائن": قال أبو عثمان: وأما "مدائن١١" فقد اختلفت العرب فيها والعلماء، فجعلها بعضهم "فعائل" فهمز، وقال بعضهم: هي "مَفَاعِل" فلم يهمزوا.

стр. 312

فالذين جعلوها "فعائل" احتجوا بـ "مُدن" فقالوا: "مُدْن" يدل على أن الميم من الأصل وليست بزائدة. وقال غير هؤلاء: هي "مفاعل"١ والميم زائدة؛ لأنه١ من "دان يدين", وهؤلاء الذين لم يهمزوا، وكلا الاشتقاقين مذهب. قال أبو الفتح: أما من قال: "مُدن" فاشتقاقه واضح و"مَدِينة" عندهم كسفينة, و"مدائن" كـ "سفائن". وأما من أخذها من "دان يدين" فمعناه أنها أطاعت صاحبها وتذللت له والدين: الطاعة، وهكذا أخذت عن أبي علي وقت القراءة. فأما قول الأخطل: ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... يظل على مسحاته يتركل فالمدينة فيه: أمة، يصف الأكَّار الذي يعمل في الكرم يقول: هو ابن أمة. وقال لها "مدينة"؛ لأنها٢ من "دنت" أي: جزيت، كأن مولاها يجزيها بعملها٣، فهذا مثل المذهب الثاني في "مدينة" كما٤ حكاه أبو عثمان. وقوله: إن العرب قد اختلفت فيها والعلماء, معناه أن العرب منهم من يهمز، ومنهم من لا يهمز, فهذا وجه اختلاف العرب.

стр. 313

وأما اختلاف العلماء فيها، فكأن بعضهم سمعها مهموزة, وبعضهم سمعها غير مهموزة١, وبعضهم سمعها مهموزة وغير مهموزة١. فالذين سمعوها مهموزة خالفوا تأول من سمعها غير مهموزة. والذين سمعوها مهموزة وغير مهموزة -وأبو٢ عثمان واحد منهم- قد أخذوا فيها بالقولين. ولو كان كلهم سمعوها مهموزة وغير مهموزة، كما سمعها أبو عثمان المازني بالوجهين؛ لزال الخلاف ولم يقع أصلا. واختلاف العلماء إنما كان من أجل اختلاف العرب فيها٣, فهذا معنى قوله: "إن العرب قد اختلفت٤ هي والعلماء فيها". رواية "مداين" بلا همز عن بعض العرب: قال أبو عثمان: وقد روي ترك الهمز في "مداين" عن بعض العرب. قال أبو الفتح: إنما كرر هذا القول بعد ذكره في أول الفصل الذي قبله اختلاف العرب, وأن بعضهم يهمز، وبعضهم لا يهمز, فكرره هنا توكيدا، وليريك أن من يهمز أكثر ممن لا يهمز، ولو اقتصر على الفصل الأول لتُوُهم أن من لا يهمز في الكثرة كمن يهمز, فأراد أن يريك أن الهمز فيها أشهر وأنه عن اختلاف العرب فيها قد٥ اختلفت العلماء.

стр. 314

ما صح لسكون ما قبله، أو لسكون ما بعده، أو لسكون ما قبله وما بعده معا: قال أبو عثمان: فقد١ فسرت لك موضع الفاء في الواو والياء، وموضع العين فيما٢ لامه صحيحة، وسأبين لك موضع العين إذا اعتلت اللام، أو كانت همزة في موضعه -إن شاء الله٣- وأذكر الأسماء التي جاءت تامة من هذا مما لامه صحيحة. فمما٤ أُتم فيه الاسم لسكون ما قبله وما بعده: "فُعَّل، وفُعَّال" نحو: "حول، وحوال٥". و"فَعَّال" نحو: "صوام، وقوام". و"مِفْعال" نحو: "مشوار، ومقوال". وكذلك "التَّفْعال" نحو: "التجوال٦، والتطراب٧، والتقوال، والتزيار". و"أفْعال" نحو: "أقوال، وأميال، وأعيان، وأفواج". و"إِفْعال" نحو: "إرواء٨". و"فَعُول" نحو: "قوول، وكيول٩، وبيوع". و"فُعُول" نحو: "شيوخ، وحوول، وسووق". و"فَعَال" نحو: "نوار، وجواب، وهيام".

стр. 315

و"فَعِيل" نحو: "طويل". و"فُعَال" نحو: "طوال، وهيام". و"فِعَال" نحو: "خوان، وعيان، وخيار". و"فَاعُول" نحو: "طاووس، وناووس، وسايور". و"أفْعِلاء" نحو: "أهوناء، وأغيلاء، وأبيناء". قال أبو الفتح: اعلم أن هذه الأمثلة١ تنقسم على ثلاثة أضرب: منها ما صح لسكون ما قبله٢ نحو: "حُوَّل، وأهْوِناء". ومنها ما صح لسكون ما بعده نحو: "قُوُول، وشيوخ، ونَوَار، وطويل، وطِوَال، وخوان". ومنها ما صح لسكون ما قبله وما بعده, وهو أبلغ في معناه نحو: "صُوّام، وقوام، وأمْيال، وأقْوال" وما أشبه ذلك. فلو أسكنت هذه الحروف لالتقى ساكنان, فوجب الحذف أو الحركة وزال٣ المثال, فترك ذلك لذلك. فعل التعجب بصيغتيه مشبه بالأسماء فيما تقدم: قال أبو عثمان: وفعل التعجب مشبه بالأسماء نحو: ما أقولَه للحق، وما أبيعه، وما أصونه لنفسه، وكذلك "أَبْيِع به، وأطول به، وأجود به، وأسير به"،

стр. 316

لأن هذا في معنى: ما أفعله؛ وهو مشبه بقولهم: "هذا١ أقول منه، وأبيع منه، وأسير منه" لقرب معناه منه. ويدلك على إلحاقهم فعل التعجب بالأسماء قولهم: "ما أُمَيْلحه، وما أحيسنه" حقروه كما تحقر الأسماء, والأفعال لا تحقر. قال أبو الفتح: إنما أشبه فعل التعجب الأسماء؛ لأنه لا يتصرف كما أن الأسماء كذلك٢؛ فلذلك صحح، فقيل: "ما أقومه" وأنت لا تقول: "أقْوَمَ زيد عمرا" في معنى "أقامه", ومن هنا لحقه التحقير كما يلحق الأسماء في قولهم: "ما أميلحه, وما أحيسنه" والأسماء إذا كانت في أوائلها٣ الزوائد التي تكون في أوائل الأفعال, صححت ولم تعل. وقد مضى ذكر هذا وستراه أيضا. وإنما صح "أَفْعِلْ به" نحو: "أَسْيِرْ به، وأقوم به"؛ لأنك مخبر لا آمر, ومعناه "ما أفْعَلَه" نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٤ إنما معناه: ما أسمعهم، وما أبصرهم، وهو لفظ الأمر في معنى الخبر. ويدل على أنه ليس أمرا كونه للواحد والواحدة، والاثنين والاثنتين, والجماعة، بلفظ واحد. وذلك قولهم: "يا زيد أكرِمْ بعمرو، ويا هند أكرم بعمرو٥، ٦ ويا رجلان أكرم بزيد٦, ويا امرأتان أكرم به, ويا رجال أكرم بزيد، ويا نساء أكرم بزيد"

стр. 317

ولا تقول: "يا امرأة أكرمي بزيد" ولا: "يا رجلان أكرما بزيد" ولا: "يا رجال أكرموا بزيد" ولا: "يا نساء أكرمن بزيد". لأنك لست تأمر أحدا بإيقاع فعل، وإنما تخبر عن إفراط كرم زيد١, كما تقول: "يا امرأة ما أكْرَمَ زيدا، ويا٢ رجال٣ ما أكرم زيدا٣". وذهب بعض متأخري أصحابنا٤ إلى أن هذا لفظ الأمر ومعناه, وأن المأمور هنا هو المحدث عنه في قولهم: "ما أكرم زيدا" يعني "ما"٥, فكأنه قال: "يا امرأة أكرم يا شيء بزيد" وهذا تعسف وتخليط وعدول عن الصواب؛ لأن معنى قولك: "أكرم بزيد" إنما هو إخبار عن زيد بالكرم, فكأنك قلت: "لكرُم زيد" كما تقول: "لقَضُو الرجل" إذا بالغت في الخبر عنه بجودة القضاء, ولست تأمر أحدا بإيقاع فعل عليه، وإنما حمله على هذا التعسف لفظ الأمر في هذه٦ المواضع. وقد جاءت ألفاظ الأمر ويراد بها الخبر، كما جاءت ألفاظ الخبر ويراد بها الأمر. فمن ألفاظ الأمر المراد بها الخبر قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ ٧ إنما معناه: فسيمد له الرحمن مدا، أو فليمدن الرحمن مدا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٨.

стр. 318

ومن ألفاظ الخبر المراد بها الأمر قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ فهذا في معنى قوله٢: "آمنوا", ألا تراه أجابه بقوله : ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ﴾ ٣ فهذا معناه: "آمنوا يغفر لكم ذنوبكم"٤, كما تقول: "إن تؤمنوا يغفر لكم ذنوبكم"٥, ولا يكون قوله: "يغفر لكم" جواب٦: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٧, وإن كان أبو العباس -رحمه الله٨- قد ذهب إليه. قال أبو علي: لأن المغفرة لا تجب بالدلالة إنما تجب بالإيمان. ألا ترى أنه ليس كل من دُل غُفر له، إنما يُغفر لمن آمن, فمعنى: "أكرِمْ به: ما أكرَمَه" قال أبو علي: والباء٩ وما عملت فيه في قولك: "أكرم به" في موضع رفع؛ لأنها مع ما عملت فيه الفاعل، كما تقول "كفى بالله" أي: كفى الله. قال أبو علي: فكأنه قال: "أكرم زيد" أي: صار ذا كرم، كما تقول: "أجرب زيد" أي: صار ذا إبل جربى, و"أنحز" أي: صار ذا إبل بها نُحاز, و"ألهج" أي: صار ذا فصال قد لهجت بالرضاع. قال الشماخ: رعى بأرض الوسمي حتى كأنما ... يرى بسفى البهمى أخلة ملهج فلما كان "أفعل به" في معنى "ما أفعله" صح صحته.

стр. 319

وقوله: وهو١ مشبه بقولهم: "هو أقول منه، وأبيع منه", وجه الشبه بينهما أن "أفْعَل" إذا وصلت بها "من", فإنها للمبالغة والتفاضل نحو قولهم: "أنت كريم، وأنا أكرم منك, وأنت ظريف, وأنا أظرف منك" فمعناه: أنهما قد اشتركا في الصفة وزاد أحدهما على الآخر فيها، وعلى هذا لا يجوز أن تقول: "العسل أحلى من الخل"؛ لأنهما لم يشتركا في الحلاوة، وإنما ينبغي أن يقال: "العسل أحلى من التمر"٢ لاشتراكهما في الحلاوة وزيادة العسل على التمر٣ فيها، وإذا كان "أفعل منك" إنما هو للتفاضل والمبالغة كان قولهم: "أفعل به" قريبا منه؛ لأن معنى "أفعل به" المبالغة أيضا٤ إلا أن٤ "أفعِل به" فعل, و"أفعَل منك" اسم٥ بدلالة دخول٥ علامات الأسماء عليه نحو قولهم٦: "مررت بأفضل منك, وبأعلم منك" ونحو ذلك، فصح "أفعل منك" لأنه اسم، وصح "أفعِل به" لأنه في معناه، ولولا إلحاق فعل التعجب بالأسماء ومشابهته لها، لقلت في التعجب: "ما أقام زيدا، وما أطاله، وأقم به, وأطل به". فإن قال قائل: فهلا قالوا: "ما أشدد زيدا, وما أقلل مالك", فأظهروا هنا كما صححوا في قولهم: "ما أطوله، وما أقوله"؟ قيل: لأن "ما أفعله" محمول على "هو أفعل منك", وأنت قد تدغم: "هو أشدّ منك" لأنه على مثال الفعل، يدل على ذلك٧: أن المدغم إذا جاء

стр. 320

مخالفا لبناء الفعل أُظهر تضعيفه نحو قولهم: "سُرُر، وجدد، ومِرَر, وخطط" لأنه ليس في الأفعال "فُعُل، ولا فِعَل، ولا فُعَل". ثم إنهم قالوا: "رجل صَبّ، ويوم قَرّ" فأصلهما: "صَبِب، وقَرِر"؛ لأنك تقول: "صَبِبت يا رجل, وقررت يا يومنا" فهذا كقولك: "حَذِر فهو حذر، وبطر فهو بطر" فأدغم هذا؛ لأنه على بناء الفعل نحو: "علم، وشرب" فقد علمنا من هذا أن مجيء المضاعف على مثال الفعل يوجب إدغامه، فمن هنا وجب إدغام "هو أشد منك", فكان إدغام "ما أشده" أوجب؛ لأن ما فيه من مشابهة الاسم لا تخرجه من أن يكون فعلا، بل أقصى أحواله أن يكون اسما، ولو كان اسما لوجب إدغامه؛ لأنه على وزن الفعل, فكيف وهو "فعل"! ألا ترى إلى إدغامهم "الأظَلّ، والأمَرّ" وهما اسمان لا فعلان، ولا صفتان أيضا. وإنما وجب تصحيح الاسم الذي في أوله الزيادة التي تكون في أول الفعل؛ للفرق بينهما نحو "هو أطول منك" ثم أشبهه "ما أطوله، وأطول به", فأجريا في الصحة مجرى "هو أطول منك". فأما قولهم: "أشدِدْ به" فإنما ظهر تضعيفه لسكون لامه, فجرى ذلك مجرى "شددت، ومددت". ١ فإن قال قائل١: فهلا أظهروا "هو أشد منك" ثم ألحقوه "ما أشده"؟ قيل: لأنه على وزن الفعل فيجب٢ إدغامه, وليس ما جاء من المضاعف بوزن الفعل بواجب إظهاره, كما يجب تصحيح ما في أوله زيادة الأفعال من الأسماء
следующие страницы →