← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأوَّل الجمهور ذلك على حذف الخبر١. وكان سيبويه لا يجيز زيادة الواو في الكلام، وكان الأخفش يجيز ذلك وتبعه فيه الكوفيون، وكان يمثل لرأيه بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ﴾ , وأول الجمهور مثل ذلك على أن الواو عاطفة وجواب إذا ولما محذوف٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن ما في مثل: "ما أحسن السماء" وغيرها من صيغ التعجب نكرة تامة مبتدأ والجملة الفعلية بعدها خبر، وذهب الأخفش مذهبين في توجيه "ما"؛ أولهما: أنها اسم موصول وما بعدها صلة لا محل لها من الإعراب، والثاني: أنها نكرة موصوفة والجملة بعدها في موضع رفع نعت لها، وعليهما خبر المبتدأ محذوف تقديره: شيء عظيم ونحوه٣. ولم يكن سيبويه يجوِّز زيادة الباء في الخبر الموجب مثل: زيد بقائم أي: زيد قائم, وجوَّز ذلك الأخفش مستدلا بقوله تعالى: "وجزاء سَيِّئَةٍ بمثلها", وعند الجمهور أن الخبر محذوف تقديره: واقع٤. وكان سيبويه -كما قدمنا- يرى أن لات تعمل عمل ليس, ويليها إما الاسم مرفوعا وإما الخبر منصوبا, وهو دائما الحين مثل: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ومع الرفع يكون الخبر محذوفا ومع النصب يكون اسمها محذوفا، وذهب الأخفش إلى أنها غير عاملة، وقال: إذا تلاها مرفوع أُعرب مبتدأ والخبر محذوف، وإذا تلاها منصوب أُعرب مفعولا به على تقدير فعل محذوف، وقدره في الآية الكريمة: ولات أرى حِينَ مَنَاصٍ٥. وذهب سيبويه إلى أن عسى في مثل: "عساي وعساك وعساه" أُجريت مجرى لعل في نصب الاسم ورفع الخبر كما أجريت لعل مجراها في جواز اقتران خبرها بأنْ في مثل: لعل محمدا أن يقوم، وذهب الأخفش إلى أن عسى في الأمثلة المذكورة لا تزال عاملة عمل كاد وأخواتها، أي: إنه لا يزال يليها اسمها المرفوع، وكل ما في الأمر أنه استُعير ضمير النصب لضمير الرفع، كما استُعير له ضمير الجر في لولاي ولولاه٦. وكان سيبويه يرى أن كيف ظرف دائما, فموضعها عنده النصب، وكان الأخفش يرى أنها ليست ظرفا، وإنما هي

стр. 107

اسم كبقية الأسماء المبنية، فهي في موضع رفع في مثل: كيف زيد؟ وفي موضع نصب في مثل: كيف كنت؟ ١. وذهب سيبويه إلى أن كلمة "فاه إلى في" في قولهم: "كلمته فاه إلى في" حال بمعنى مشافهةً، وذهب الأخفش إلى أن الكلمة منصوبة على نزع الخافض وأصلها: كلمته من فاه إلى في, فحذفت من٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن كي المنصوب بعدها المضارع تنصبه بنفسها، فهي بمنزلة أن المصدرية معنى وعملا، وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر دائما وأن المضارع بعدها منصوب بأنْ مقدرة, بدليل ظهورها بعدها في قول الشاعر: فقالت أكلَّ الناس أصبحتَ مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا٣ وكان سيبويه يرى أن مثل: دخلتُ الدارَ والمسجدَ منصوب على الظرفية؛ تشبيها للمكان المختص وهو الدار والمسجد بالمكان غير المختص، وذهب الأخفش إلى أن الفعل هنا ليس لازما وإنما هو متعد بنفسه، والدار مفعول به٤. وكان يعد "لا سيما" من أدوات الاستثناء، والجمهور على أن سي اسم لا النافية للجنس، وما بعدها في مثل: "لا سيما زيد" إما مجرور بإضافتها إليه واعتبار ما زائدة، وإما مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وما موصولة بمعنى الذي والتقدير: لا سي الذي هو زيد، وإما منصوب على التمييز٥. وكان يجيز تقديم الحال على الجملة المكونة من ظرف أو جار ومجرور ومبتدأ مثل: قائما في الدار زيد٦. وجوز توكيد متعاطفين إذا اتحد معنى عامليهما وإن اختلفا لفظا مثل: انطلق عمرو وذهب زيد كلاهما٧. وكان يعرب الجملة التالية لإلا في مثل: "ما مررت بأحد إلا محمد خير منه" نعتا، وهي عند الجمهور حال من أحد٨، وذهب إلى أن المنصوب بعد حبذا في "مثل: حبذا محمد رجلا" حال لا تمييز٩. وكان سيبويه يعرب "أي" في: يا أيها الناس, منادى مبنيا على الضم والناس صفة،

стр. 108

وذهب الأخفش بعيدا، إذ أعرب "أي" اسم موصول وجعل الناس خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة صلة، والتقدير: يا من هم الناس١. وكان يذهب إلى أن مذ ومنذ في مثل: مذ يومُ الخميس برفع يوم ومنذ يومان, ظرفان وهما خبران لما بعدهما, والجمهور على أنهما مبتدآن وما بعدهما خبر٢. وكان يرى أن ضمة غيرُ في مثل "ليس غيرُ" ليست ضمة بناء، وإنما هي ضمة إعراب، وكان يعربها اسم ليس والخبر محذوف٣. ومن المؤكد أن كثيرا من الصور النحوية في التعبيرات والصيغ أثارها الأخفش لأول مرة، ونضرب لذلك مثلا ما ذهب إليه النحاة من أن الأفعال المؤثرة إذا وقعت من الفاعل بنفسه لم يجز أن تتعدى إلى ضميره، فلا يقال: كلمتُني أي: كلمت نفسي, ولا كلمتَك أي: كلمت أنت نفسك. وإنما لم يجز ذلك؛ لأن هذه الأفعال المتعدية إنما تقع على غير المتكلم, وأما أفعال الإنسان بنفسه فالأصل أن لا تتعدى مثل: قام وذهب وخرج وانطلق. واستثنى النحاة من هذه القاعدة باب ظن والفعلين: فقد وعدم، إذ جاء عن العرب: ظننتني وفقدتني وعدمتني، واستثنى النحاة أيضا الفعل ضرب، تقول: ما ضربني إلا أنا. وهذا الاستثناء جعل الأخفش يثير صورتين من التعبير في باب الاشتغال؛ لبيان حق المشغول عنه من النصب والرفع، وهما: "أزيدا لم يضربه إلا هو", و"أزيد لم يضرب إلا إياه" وحاول أن يضع قاعدة عامة بها ننصب ونرفع، وهي أننا نحمل المشغول عنه على الضمير الذي يمكن أن نستغني عنه بذكره، أما في المثال الأول فإننا لو جعلنا زيدا مكان الهاء في قولك: "أزيد لم يضربه إلا هو" استقام الكلام؛ لأن ضمير الفاعل ضمير منفصل، فكأننا قلنا: "أزيدا لم يضربه إلا عمرو" ولو حملناه على الضمير المتصل فرفعناه؛ صار تقدير العبارة: "أزيد لم يضربه" وهي عبارة فاسدة. وبالمثل "أزيد لم يضرب إلا إياه" ينبغي رفع زيد حملا على ضميره الذي في يضرب؛ لأننا إذا قلنا: "ألم يضرب زيد إلا إياه" استقام الكلام، ولو نصبنا زيدا حملا على إياه، فقلنا: "أزيدا لم يضرب إلا إياه" ثم حذفنا

стр. 109

الضمير الذي حملنا زيدا عليه وصار التقدير: "أزيدا لم يضرب"؛ اضطرب الكلام ولم يحصل المراد منه١. وتحليل الأخفش لهاتين العبارتين هو الذي ألهم ابن مضاء أن يضع قاعدة عامة لباب الاشتغال تريح الناشئة من معرفة الأحكام المعقدة في نصب المشغول عنه ورفعه، وهي تتلخص في أن الاسم المتقدم إذا عاد عليه ضمير منصوب أو ضمير متصل بمنصوب كان حقه النصب, وإن عاد عليه ضمير مرفوع أو متصل بمرفوع كان حقه الرفع٢. ونستطيع أن نلاحظ من كل ما تقدم أن عقل الأخفش كان عقلا خصبا أمدّه بما لا يكاد يحصى من الآراء الجديدة التي خالف فيها ما سجله سيبويه في كتابه، وقد فسح للقياس على الأشعار الشاذة التي لا تطرد مع قوانين أستاذه النحوية، كما فسح للقراءات واحتج بها مهما خالفت قواعد النحو القياسية عند سيبويه. وعلى نحو ما كان يخالف سيبويه في كثير من مسائل النحو, كان يخالفه في كثير من مسائل الصرف. من ذلك أن الجمهور كان يمنع اشتقاق صيغة التعجب من غير الفعل الثلاثي، وجوّزها الأخفش من كل فعل مزيد مثل: ما أتقنه وما أخطأه، كما جوزها من العاهات، وتبعه في ذلك الكسائي مثل: ما أعوره٣. والقياس في جمع مثل فرزدق حذف الرابع فيقال: فرازق، وكان الأخفش -وتبعه الكوفيون- يجيز حذف الحرف الثالث، فيقال في فرزدق: فرادق٤. وكان سيبويه يذهب في نسب فَعُولة مثل حمولة إلى حذف التاء والواو فيقال: حَمُلِيّ، وذهب الأخفش إلى أن النسب إليه على لفظه فيقال: حمولي، لما سمع عن العرب من نسبتهم إلى أزد شنوءة: شنوئي٥. وكان سيبويه ينسب إلى مثل بنت بنوي كالنسب إلى مذكرها وهو ابن، وكان الأخفش يحذف التاء ويبقي ما قبلها على سكونه وما قبل الساكن على حركته، فيقول في بنت: "بِنْوي" بكسر الباء وسكون النون٦. وكان سيبويه ينسب إلى شاه: شاهي بإبقاء الألف

стр. 110

المبدلة في شاه، وكان الأخفش يرد الألف إلى أصلها الواوي فيقول: "شَوْهيّ"١. وكان الأخفش يخالفه أيضا في وزن بعض الكلمات المزيدة، من ذلك أن سيبويه كان يذهب إلى أن وزن هِجْرَع "الطويل" وهِبْلَع "الأكول" فِعْلَل، وذهب الأخفش إلى أن وزنهما هِفْعَل بزيادة الهاء فيهما قائلا: إن الأولى مشتقة من الجَرَع أي: المكان السهل, والثانية مشتقة من البَلْع٢. وبالمثل كان يخالفه هو وجمهور البصريين في مسائل من الإبدال والقلب والحذف، من ذلك بناء أُإِم، فالجمهور يبنيها "أيم"، بقلب الهمزة الثانية ياء لمناسبة حركتها، ومذهبه إبدالها واوا لمناسبة حركة ما قبلها فتقول: أوِم, وكان دائما يبدل الهمزة المكسورة بعد ضم واوا والمضمومة بعد الكسرة ياء٣. ومر بنا أن الخليل وسيبويه كانا يريان أن واو اسم المفعول في مثل: مقول ومبيع هي المحذوفة، فوزن الكلمتين عندهما مَفْعُل ومَفْعِل، وكان الأخفش يذهب إلى أن عين الصيغة هي المحذوفة، فوزن الكلمتين عنده مَفُول٤. وكان الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن الهاء في مثل إقامة وإرادة من أقمت وأردت عوض عن ألف إفعال الزائدة، إذ المصدر منها أصله: إقوامة وقُلبت الواو ألفا، وذهب الأخفش إلى أن الهاء عوض من عين إفعال، فالمحذوف في صيغة إفعالة مثل إرادة عينها، بينما كان يرى سيبويه والخليل أن العين بقيت وقلبت ألفا وحذفت الألف الزائدة؛ لأن الزائد هو الأولى بالحذف٥. وكان الخليل -وتبعه سيبويه- يرى أن وزن أشياء لَفْعاء كما مر بنا؛ ولذلك منعت من الصرف، وذهب الأخفش إلى أن كلمة شيء جمعت على أشيئاء كأفعلاء, ثم خففت فصارت أشياء على وزن أفْعاء٦. وعلى هذا النحو كان الأخفش كثير الخلاف لسيبويه والقواعد النحوية

стр. 111

والصرفية المبثوثة في كتابه، وهو خلاف بناه كما قلنا آنفا على خصب ملكاته, وسعة معرفته بلغات العرب وقراءات الذكر الحكيم وقدرته على النفوذ في حقائق اللغة التفصيلية إلى كثير من الآراء الطريفة، حتى ليصبح إمام الخلاف في النحو والصرف ومسائلهما, وحتى ليعد في قوة إلى ظهور لا المدرسة الكوفية وحدها، بل جميع المدارس التالية.

стр. 112

٢- قُطْرب ١: هو محمد بن المستنير، بصري المولد والمربى، وقد أقبل مبكرا على دراسة اللغة والنحو، ولزم سيبويه، ويقال: إنه هو الذي سماه قطربا, إذ كان يبكر للأخذ عنه، حتى كان سيبويه كلما خرج من داره سحرا رآه ببابه فقال له يوما مداعبا: "ما أنت إلا قطرب ليل" فثبتت الكلمة عليه ولصقت به، والقطرب: دويبة تدب ولا تفتر. وليس بين أيدينا ما يدل دلالة قاطعة على أنه تتلمذ للأخفش، غير ما يروى من أنه أخذ عن جماعة من العلماء البصريين، ونظن ظنا أنه أخذ عن الأخفش؛ لأنه كما قدمنا كان الطريق إلى كتاب سيبويه بعده، وعنه حمله العلماء، وطبيعي أن يحمله عنه قطرب فيمن حملوه، ما دام قد عني بالنحو والتقدم فيه، بل لقد اتخذه حرفة وأداة لتكسبه في تعليم أبناء الطبقة الممتازة ببغداد. وذاعت شهرته في ذلك فاتخذه الرشيد مؤدبا لابنه الأمين، وقربه منه أبو دلف العجلي أحد قواد الرشيد والمأمون النابهين واتخذه مؤدبا لأولاده، وظل يعنى بتأديبهم إلى وفاته سنة ٢٠٦ للهجرة. وله في النحو والصرف كتب مختلفة، منها: كتاب العلل في النحو وكتاب الاشتقاق في

стр. 113

التصريف، وصنَّف بجانب ذلك كتبا متعددة في اللغة مثل: كتاب الأضداد وكتاب خَلْق الفرس وكتاب خلق الإنسان وكتاب المثلث وهو مطبوع، وكتاب ما خالف فيه الإنسان البهيمة. وكانت له عناية بالذكر الحكيم والحديث النبوي، فألف كتابا في إعراب القرآن، وكتابا في غريب الحديث. وكتابه "الرد على الملحدين في تشابه القرآن" يدل على صلته بالمعتزلة, والمباحث الكلامية. ولم يصلنا كتاب قطرب في العلل النحوية، غير أن الكتب المتأخرة احتفظت ببعض آرائه فيه، من ذلك تعليله لدخول الإعراب في الكلام، وقد مضى يعارض فيه ما ارتآه سيبويه وغيره من النحاة من أنه دخل الكلام في العربية لبيان الفارق بين المعاني التي يريدها المتكلمون للكلمات, إذ تكون فاعلة ومفعولة ومضافة أو مضافا إليها، يقول١: "ولم يعرب الكلام للدلالة على المعاني والفرق بين بعضها وبعض؛ لأنا نجد في كلامهم أسماء متفقة في الإعراب مختلفة المعاني, وأسماء مختلفة في الإعراب متفقة المعاني، فمما اتفق إعرابه واختلف معناه قولك: إن زيدا أخوك، ولعل زيدا أخوك، وكأن زيدا أخوك، اتفق إعرابه واختلف معناه. ومما اختلف إعرابه واتفق معناه قولك: ما زيد قائما "أي: في لغة الحجازيين", وما زيد قائم "أي: في لغة بني تميم" اختلف إعرابه واتفق معناه. ومثله: ما رأيته منذ يومين ومنذ يومان, ولا مالَ عندك ولا مالٌ عندك، وما في الدار أحد إلا زيد وما في الدار أحد إلا زيدا. ومثله: إن القوم كلَّهم ذاهبون وإن القوم كلُّهم ذاهبون، ومثله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ و"إن الأمر كلُّه لله" قرئ بالوجهين جميعا، ومثله: ليس زيد بجبان ولا بخيل، وليس زيد بجبان ولا بخيلا. ومثل هذا كثير جدا مما اتفق إعرابه واختلف معناه، ومما اختلف إعرابه واتفق معناه. فلو كان الإعراب إنما دخل الكلام للفرق بين المعاني لوجب أن يكون لكل معنى إعراب يدل عليه لا يزول إلا بزواله. وإنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون

стр. 114

أيضا لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل وكانوا يبطئون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلوا التحريك معاقبا للإسكان ليعتدل الكلام، ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك وساكن ومتحركين وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشو الكلمة ولا في حشو بيت ولا بين أربعة أحرف متحركة؛ لأنهم في اجتماع الساكنين يبطئون وفي كثرة الحروف المتحركة يستعجلون وتذهب المهلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان. وقيل له: فهلا لزموا حركة واحدة؟ فقال: لو فعلوا ذلك لضيقوا على أنفسهم، فأرادوا الاتساع في الحركات وأن لا يحظروا على المتكلم الكلام إلا بحركة واحدة". وعلى نحو ما علَّل لاختلاف حركات الإعراب بالاتساع في الكلام, علَّل لظاهرة الترادف في اللغة بنفس العلة، إذ يقول: "إنما أوقعت العرب اللفظتين على المعنى الواحد؛ ليدلوا على اتساعهم في كلامهم، كما زاحفوا في أجزاء الشعر ليدلوا على أن الكلام واسع عندهم, وأن مذاهبه لا تضيق عليهم عند الخطاب والإطالة والإطناب"١. ولم يكن يعنى بالخلاف على سيبويه والخليل في آرائهما النحوية والصرفية عناية الأخفش، ومع ذلك نجد له طائفة من الآراء خالفهما فيها معا, أو خالف أستاذه سيبويه وحده، أو خالف الأخفش. ومن هذه الآراء ما كان يذهب إليه من أن حركات الإعراب المسماة بالرفع والنصب والجر والجزم هي نفسها حركات البناء المسماة بالضم والفتح والكسر والوقف أو السكون، ولا بأس من إطلاق كل منها على مقابلها في الحالتين، فيقال للرفع في الكلمات المعربة الضم، ويقال للضم في الكلمات المبنية الرفع، وهلم جرا٢. ومر بنا أن الخليل وسيبويه كانا يريان أن إعراب المثنى والجمع المذكر إنما هو بحركات مقدرة في الألف والواو والياء، وأن الأخفش كان يرى أن إعرابهما بحركات مقدرة فيما قبل الألف والواو والياء, أي: على الدال في مثل الزيدان والزيدين والزيدون والزيدين، وذهب قطرب إلى أن إعرابهما بنفس هذه الحروف، إذ مثلها مثل حركات

стр. 115

الإعراب في مفردها تتغير بتغير مواقع الكلمات وعواملها في العبارات١. ومر بنا أيضا أن سيبويه كان يرى أن الأسماء الخمسة: أباك وأخواتها, معربة بحركات مقدرة في حروف الواو والألف والياء, رفعا ونصبا وجرا. وكان الأخفش يرى أنها معربة بحركات مقدرة على ما قبل الواو والألف والياء أسوة برأيه في المثنى والجمع، وذهب قطرب كما ذهب في الجمع والمثنى، إلى أن هذه الأحرف نفسها هي الإعراب، وكأنها نابت فيها عن الحركات٢. ولقطرب وراء ذلك آراء فرعية، تتداولها كتب النحاة، منها أن واو العطف تفيد الترتيب؛ لأن الترتيب في اللفظ، إذا قلت مثلا: جاء زيد وعمرو، يستدعي سببا، وهو الترتيب في المجيء٣. وكان يذهب إلى أنه قد تأتي إن بمعنى قد, مستدلا بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ٤. وذهب في إعراب لا جرم في قوله جل وعز: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ إلى أن لا رد لما قبلها، أي: ليس الأمر كما وصفوا, ثم ابتدئ ما بعده، وجرم فعل لا اسم، ومعناه وجب، وما بعده فاعل٥.

стр. 116

٣- أبو عمر ١ الجَرْميّ: هو صالح بن إسحاق، مولده ومنشؤه بالبصرة، وقد دأب منذ صغره على الاختلاف إلى حلقات علماء البصرة من النحاة واللغويين، ويقال: إنه لم يلق

стр. 117

سيبويه، غير أنه لزم الأخفش وأخذ عنه كل ما عنده. ويزعم بعض الرواة أنه هو وزميله المازني خشيا بعد وفاة سيبويه وحمل الأخفش لكتابه أن يدعيه لنفسه، وكان الجرمي موسرا، فعرض عليه شيئا من المال ليقرأ هو وصاحبه عليه الكتاب، وأجابه إلى طلبه، فأخذا الكتاب عنه وأشاعاه في الناس. ويقول المبرد: عليه قرأتْ جماعة النحاة. ويذكر أنه قدم أصبهان مع فيض بن محمد عند منصرفه من الحج، فأعطاه يوم مقدمه عشرين ألف درهم، وكان يعطيه كل سنة اثني عشر ألفا. ونزل بغداد في أوائل العقد الأول من القرن الثاني للهجرة، واختلف إليه الطلاب يحاضرهم في كتاب سيبويه ويملي عليهم بعض مصنفاته، وظل بها إلى وفاته سنة ٢٢٥ للهجرة. وله في النحو والصرف كتب مختلفة، من أهمها: كتاب المختصر في النحو وكتاب الأبنية، وصنف في العروض. وعني بكتاب سيبويه، فألف في غريبه كتابا، وألف في شواهده الشعرية كتابا آخر نسب فيه الشواهد التي فاتت سيبويه نسبتها في الكتاب إلى أصحابها ما عدا خمسين شاهدا لم يقف على قائليها. وكان علماء النحو في عصره وبعد عصره يتداولون كتبه، وشرحوا كتابه المختصر مرارا. وكان الجرمي لَسِنا, قوي الحجة، عالي الصوت في مناظرته؛ ولذلك سمي النباج أي: شديد الصياح، ويقال: إنه تعرض للأصمعي فسأله: كيف تصغر مختارا؟ فقال الأصمعي: مُخَيْتير، فقال له الجرمي: أخطأت، إنما هو مخيِّر؛ لأن التاء فيه زائدة. وحين نزل بغداد, ناظر الفراء مناظرة دوت شهرتها في الأوساط النحوية، وكان موضوعها ما يراه سيبويه من أن العامل في المبتدأ هو الابتداء وما يراه الفراء وغيره من الكوفيين من أن العامل في المبتدأ هو الخبر، والمناظرة مروية على هذه الصورة١: "اجتمع أبو عمر الجرمي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، فقال الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد منطلق لِمَ رفعوا زيدا؟ فقال له الجرمي: بالابتداء،

стр. 118

فقال له الفراء: وما معنى الابتداء؟ فقال الجرمي: تعريته من العوامل اللفظية، قال له الفراء: فأظهرْه، فقال: هذا معنى لا يظهر، يريد أنه عامل معنوي، قال له الفراء: فمثِّلْه، قال الجرمي: لا يتمثل، قال الفراء: ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا يتمثل. فقال الجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد ضربته, بم رفعتم زيدا؟ قال الفراء: بالهاء العائدة على زيد؛ "لأن الخبر عنده إذا لم يكن اسما رفع المبتدأ الضمير المتصل بالفعل". فقال الجرمي: الهاء اسم, فكيف يرفع الاسم؟ فقال الفراء: نحن لا نبالي من هذا, فإنا نجعل كل واحد من المبتدأ والخبر عاملا في صاحبه في نحو: زيد منطلق. فقال له الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في: زيد منطلق؛ لأن كل واحد من الاسمين مرفوع في نفسه، فجاز أن يرفع الآخر، وأما الهاء في ضربته فهي في محل نصب, فكيف ترفع الاسم؟ "يريد أن فاقد الشيء لا يعطيه لغيره". فقال الفراء: لم نرفعه به وإنما رفعناه بالعائد "أي: الضمير بصفته عائدا عليه لا بصفته منصوبا". فقال له الجرمي: وما العائد؟ فقال الفراء: معنى، فقال الجرمي: أظهره, فقال: لا يظهر، فقال له: مثله، فقال: لا يتمثل. فقال له الجرمي: لقد وقعتَ فيما فررت منه". وبذلك أسكته. والجرمي يريد أن الفراء انتهى بعامل المبتدأ في مثل: زيد ضربته, إلى أنه عامل معنوي، وغاية ما هنالك أنه تارة يجعله لفظيا في مثل: زيد منطلق وتارة يجعله معنويا كما في المثال الآنف، وبذلك يلتقي برأي سيبويه القائل بأن العامل معنوي دائما، ومن هنا أفحم الفراء وألزمه الحجة. وتدور في الكتب النحوية طائفة من آراء الجرمي تدل على دقة فكره وغوصه على المعاني، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن إعراب المثنى والجمع المذكر ليس لفظيا وإنما هو معنوي ببقاء الألف في المثنى والواو في الجمع رفعا وانقلابهما إلى الياء نصبا وجرا، وبذلك أنكر الإعراب الظاهر عند سيبويه والمقدر عند الأخفش على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع١. وذهب المذهب نفسه في

стр. 119

إعراب الأسماء الخمسة، إذ قال: إن إعرابها إنما هو بالتغير والانقلاب من الواو إلى الألف والياء في حالتي النصب والجر, وبعدم هذا الانقلاب في حالة الرفع١. وسيبويه والجمهور على أن اسم لا النافية للجنس إذا كان مفردا رُكب معها وبُني على الفتح مثل: لا رجلَ، وذهب الجرمي إلى أنه معرب وحذف منه التنوين تخفيفا٢. وكان يرى أن المفعول لأجله لا يكون إلا نكرة، وإذا جاء مضافا كانت الإضافة على نية الانفصال, فمثل ادخاره في قول بعض الشعراء: وأغفر عوراء الكريم ادخاره تقديرها: ادخارا له٣، وكذلك إذا جاءت معه أداة التعريف مثل قول أحد الشعراء: لا أقعد الجبن عن الهيجاء كانت زائدة أي: جبنا٤. وكان يذهب إلى أن الفاء العاطفة لا تفيد ترتيبا في المطر والأماكن, مستدلا على ذلك بقول امرئ القيس في مطلع معلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل٥ وكان سيبويه يذهب إلى أن الفعل المضارع بعد أو ينتصب بأنْ مضمرة، وذهب الجرمي إلى أنه ينتصب بأو نفسها٦. وكذلك كان يمنع تقدير أن مع المضارع المنصوب بعد فاء السببية وواو المعية، على نحو ما ذهب إلى ذلك سيبويه، قائلا: إنهما تنصبان المضارع بأنفسهما دون حاجة إلى تقدير٧. ولعل في ذلك ما يدل على أنه كان يأبى التعقيد في النحو وكثرة التقديرات، ومما يؤكد ذلك عنده أنه كان يمنع التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين أو ثلاثة، ذاهبا إلى أنه ينبغي أن يقتصر في الباب على السماع والقياس عليه دون الإتيان بصور معقدة لم يرد لها مثيل عن العرب٨، فإن في ذلك تكلفا وإيغالا في تمرينات لا تفيد في تعلم العربية، وإن كان النحاة لم يستمعوا إلى رأيه فقد مضوا يطبقون الباب في ظن وأخواتها وأعلم وأخواتها، مما كان سببا في أن يحمل عليهم ابن مضاء في كتابه الرد على النحاة، حملة شعواء.

стр. 120

وللجرمي بجانب ذلك بعض آراء صرفية خالف فيها سيبويه، منها أن سيبويه كان يرى أن وزن "كلتا" فِعْلَى مثل ذِفْرَى، وذهب الجرمي إلى أن التاء فيها زائدة وأن وزنها لذلك فِعْتَل١. وكان سيبويه يذهب كما أسلفنا، إلى أن كلمة اطمأن مقلوبة عن طأمن، وذهب الجرمي إلى العكس وأن كلمة طأمن هي المقلوبة عن طمأن٢. ولعل في كل ما قدمنا ما يدل على دقة عقله وسعة ذهنه.

стр. 121

٤- أبو عثمان ١ المازني: هو بكر بن محمد بن بقية من بني مازن الشيبانيين، من أهل البصرة، بها مولده ومرباه، وأكب منذ صباه على حلقات النحاة واللغويين البصريين كما أكب على حلقات المتكلمين، ولزم الأخفش، وأخذ عنه كتاب سيبويه، حتى إذا توفي هو والجرمي أصبح عَلَم البصرة المفرد في النحو والتصريف. ويقال: إنه ورد بغداد في عهد المعتصم وأخذ عنه كثيرون، وعاد إلى موطنه، وحدث أن جارية بصرية بِيعت للواثق, فغنته يوما: أظليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام إليكم ظلم فرد بعض الحاضرين -وهو التوزي العالم اللغوي المعروف- عليها نصبها رجلا، وظن أنه خبر إن، وإنما هو مفعول به للمصدر "مصابكم" أي: إصابتكم، وظلم في آخر البيت خبر إن. فقالت الجارية: لا أقبل هذا ولا أغيره، وقد قرأته بهذه الصورة على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني، فأمر الواثق بإحضاره،

стр. 122

فلما دخل عليه "بسر من رأى" أمر بإحضار التوزي وكان قد قال، كما أسلفنا آنفا: إن رجلا خبر إن. فقال له المازني: كيف تقول: "إن ضربك زيدا ظلم"؟ فقال التوزي: حسبي، وأدرك خطأه. وانصرف المازني إلى البصرة وكتب الواثق إلى عاملها أن يرسم له مائة دينار كل شهر. واتصلت أسباب المازني بعد الواثق بالمتوكل، ونال جوائزه. ويُجْمع القدماء على أنه كان أعظم النحاة في عصره، وقد عاش يدرس لطلابه كتاب سيبويه، وصنَّف حوله تعليقات وشروحا، منها: تفاسير كتاب سيبويه والديباج في جوامع كتاب سيبويه. وألف في علل النحو كتابا، وخص التصريف بكتاب شرحه ابن جني سماه المنصف، وقد طبع بالقاهرة. ومن مصنفاته كتاب ما يَلحن فيه العامة وكتاب الألف واللام وكتاب العروض وكتاب القوافي. واختُلف في سنة وفاته, والراجح أنها كانت سنة ٢٤٩ للهجرة. وكان المازني فطنا ذكيا ومناظرا ألمعيا، وعقد له الواثق والمتوكل مناظرات بينه وبين علماء عصره, ظهر فيها فضله وخصب عقله وقوة ذهنه وملكاته، مما جعله يُفحم مناظريه دائما بالحجج القاطعة، ويقال: إن الواثق جمع بينه وبين جماعة من نحاة الكوفة، فبادرهم سائلا: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ؟ لِمَ لَمْ يقل بغية وهي صفة لمؤنث؟ فأجابوا إجابات غير مرضية، ولما عيوا ولما عيوا بالإجابة قال: لو كانت "بغي" على تقدير فعيل بمعنى فاعلة, للحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة, ولو كانت بمعنى مفعولة منعت الهاء مثل امرأة قتيل وكف خضيب, غير أن "بغي" ليست على وزن فعيل، وإنما هي على وزن فَعُول، والهاء لا تلحقه إذا كان وصفا لمؤنث مثل: امرأة شكور، وأصل بغي: بغوي, قُلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصارت ياء ثقيلة مثل سيد وميت، وطلب إليه المتوكل أن يتناقش مع ابن السكيت في مسألة، فسأله المازني: ما وزن "نكتل" الواردة في سورة يوسف؟ فأجاب ابن السكيت: وزنها نفعل، وراجعه فقال: نفتعل، ولما رأى المازني خطأه البين قال له: إن أصلها: نكتال من كال، وحذفت العين أو الألف لسكون الجزم، فأصبحت: نكتل على ون نفتل. وله آراء طريفة كثيرة يتناقلها النحاة، نسوق منها رأيه الذي استضاء فيه بأستاذه الأخفش، إذ كان يذهب مثله إلى أن ألف الاثنين في قاما, وواو الجماعة

стр. 123

في قاموا ليستا فاعلين, وإنما هما علامتان دالتان على الفاعل المستتر، تؤذنان بالتثنية والجمع١. وذهب مثل أستاذه نفس المذهب في الألف والواو والياء في المثنى وجمع المذكر السالم, إذ كان يرى أن هذه الحروف ليست حروف الإعراب, إنما هي دالة عليه٢. وكان يذهب مذهب أستاذه في إذا الفجائية وأنها حرف، غير أنه كان يضيف أن الفاء قبلها في مثل: "خرجت, فإذا محمد بالباب" زائدة، بينما كان يرى الزيادي معاصره أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، ورأي المازني أكثر دقة؛ لأن إذا والفاء جميعا تقعان في جواب الشرط، وتغني كل منهما عن الأخرى، مثل: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ وإذا كان الموضع يشبه موضع جواب الشرط -كما قال الزيادي- فالأحرى أن تكون الفاء زائدة؛ لأن إذا تغني عنها٣. وكان مثل زميله الجرمي يجيز تقديم التمييز على عامله في مثل: تصبب زيد عرقا؛ لمجيئه في قول الشاعر: وما كاد نفسا بالفراق تطيب٤ إذ قدم الشاعر نفسا على تطيب. وكان سيبويه يحتم الرفع في مثل الرجل التالي لأي في النداء في قولك: يا أيها الرجل؛ لأن كلمة الرجل هي المقصودة بالنداء, وإنما جاءت أي واسطة بينها وبين حرف النداء؛ لأنها معرفة بالألف واللام، وذهب المازني إلى أنه يجوز فيها النصب كما جاز في نعت المنادى المفرد في مثل: يا زيد الظريف٥. وكان ينكر النكرة غير المقصودة في النداء في مثل: يا رجلا خذ بيدي, يقولها الأعمى٦. ومن آرائه أن كلمة "مثل ما" في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ إنما هي اسم واحد بُنيت فيه مثل على الفتح, وهي مع ما في موضع رفع نعت لحق وهما مضافان إلى أن وما بعدها٧. وكان يذهب إلى أن بعض أسماء الأفعال

стр. 124

منصوبة بأفعال مضمرة، على أنها مفعولات مطلقة، فهيهات وشتان مثلا مفعولان مطلقان لفعل محذوف والتقدير: بَعُدَ، وكأن معناهما: بُعْدًا١. وذهب إلى وجوب بناء جمع المؤنث السالم على الفتح مع لا النافية للجنس مثل: لا مطيعاتَ لك بفتح التاء٢. وكان يرى أن الواو والياء والألف في الأسماء الخمسة: أبيك وأخواتها, نشأت عن إشباع الحركات السابقة لها، وإذن فإعرابها إنما هو بتلك الحركات، فمثل: جاء أبوك, تعرب أبوك فاعلا مرفوعا بالضمة الظاهرة والواو إشباع٣، وهو رأي طريف. وكان يذهب إلى أن المضارع حين يجزم لا يكون معربا، بل يكون مبنيا، إذ إعرابه قائم -كما قال سيبويه- على وقوعه موقع الاسم، ولما كان الاسم يمتنع وقوعه في موضع جزمه فقد ذهبت عنه علة الإعراب وعاد إلى الأصل في الفعل وهو البناء، فهو في نحو: لم تقم وإن تقم أقم مثل الأمر, مبني على السكون لا مجزوم٤. وكان سيبويه يذهب إلى أن مثل إياك وإياه "إيا" فيه ضمير والكاف والهاء وما يماثلها لواحق، وكان المازني يذهب مذهب الخليل في أن إيا اسم مضمر والكاف والهاء ضمائر مضافة إليها٥. واختلف النحاة في أل في مثل أفلح المتقي ربه, فمنهم من جعلها اسم موصول، وذهب الأخفش إلى أنها حرف تعريف، أما المازني فقال: إنها موصول حرفي، ويضعف رأيه أنها لا تؤول بمصدر٦. وعناية المازني بالنحو ومسائله لا تقاس في شيء إلى عنايته بالتصريف، وقد ألف فيه كتابا وَسَمه بهذا الاسم، شرحه ابن جني كما أسلفنا، وهو كتاب نفيس جمع فيه موضوعات التصريف المتناثرة في كتاب سيبويه, ونظَّمها لأول مرة وصاغها صياغة علمية متقنة إلى أبعد حدود الإتقان، ونراه يقول بعد إيراده كثيرا من أمثلة "أبنية" الأسماء والأفعال المجردة والمزيدة: "إنما كتبتُ لك في صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة "الأبنية"؛ لتعلم كيف مذاهب العرب فيما بنت

стр. 125

من الأسماء والأفعال، فإذا سُئلت عن مسألة فانظر هل بنتِ العرب على مثالها, فإن كانت بنت فابْنِ مثل ما بنت ... وسأصنع لك من كل شيء من هذا الباب رسما تقيس عليه ما كان مثله"١. ودائما يقول: "ما قِيس على كلام العرب, فهو من كلام العرب"٢. وفي رأينا أنه هو الذي فتح باب التمارين غير العملية في الصرف على مصاريعه، كأن يقال: ابن من ضرب على مثال جعفر، فيقال: ضَرْبَب، أو ابن منها على مثال قِمَطْر فيقال: ضِرَبّ٣، أو ابن منها على مثال سفرجل فيقال: ضربَّب، وتقول من علم على نفس الوزن: علمَّم, ومن ظرف: ظرفَّف٤. وكان يتشدد في الأخذ بالقياس ويرد ما لا يطرد معه من لغة العرب, ومن بعض القراءات للذكر الحكيم، ومن خير ما يصور ذلك عنده ردّه لقراءة نافع معايشَ بالهمز في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ فقد كان يقرأ معايش ومعائش بالهمز، والقياس فيها الياء. ونراه يعرض لتلك القراءة على هدي ما أثاره فيها الفراء, على نحو ما سنصور ذلك في الفصل الخاص به، يقول: "فأما قراءة من قرأ من أهل المدينة معائش بالهمز فهي خطأ, فلا يلتفت إليها، وإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيم ولم يكن يدري ما العربية "علم النحو" وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا، وقد قالت العرب: مصائب، فهمزوا وهو غلط ... وكأنهم توهموا أن مصيبة على مثال فعيلة، فهمزوها حين جمعوها كما همزوا جمع سفينة سفائن، وإنما مصيبة مُفْعلة من أصاب يصيب وأصلها مُصْوِبة، فألقوا حركة الواو على الصاد، فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة، فأبدلت ياء للكسرة قبلها، وأكثر العرب يقول: مصاوب, فيجيء بها على القياس"٥. وإنما منع أن تجمع معيشة على معائش بالهمز؛ لأن حرف اللين عين الكلمة إذ هي من عاش، وحرف اللين إنما يقلب همزة إذا كان مزيدا على حروف الكلمة مثل رسالة ورسائل, وعجوز

стр. 126

وعجائز, وصحيفة وصحائف. وخالف سيبويه في كثير من مسائل التصريف عن بصيرة إذ كان يقول: "إذا قال العالم قولا متقدما, فللمتعلم الاقتداء به والانتصار له والاحتجاج لخلافه إن وجد إلى ذلك سبيلا"١. ونحن نعرض بعض خلافاته مع سيبويه وأستاذه الخليل. من ذلك أن الخليل كان يرى أن وزن دُلامص أي: الأملس البراق على مثال فُعامل بزيادة الميم على حروفها الأصلية لقول العرب: دليص ودِلاص، وذهب المازني إلى أن وزنها فعالل أي: إن الميم أصلية في بنائها، وزكَّى ابن جني رأي الخليل لمجيء دليص بمعناها عن العرب٢. وكان الخليل يرى أن خطايا وما يماثلها قُلبت لامها في مفردها وهي الهمزة في خطيئة موضع الياء، إذ كانت في أصل جمعها: خطايئ؛ فقلبت الهمزة في موضع الياء، فصارت خطائي، فأبدلت الكسرة فتحة وأعلت الياء فقلبت ألفا, وقلبت الهمزة التي تطرفت ياء فصارت خطايا على وزن فَعالى. وذهب المازني إلى أن خطايا وما يشاكلها مثل رزايا على وزن فعائل؛ لأنك تهمز ياءها في المفرد حين تجمعها كما تهمز ياء قبيلة وسفينة فتقول: قبائل وسفائن، كذلك تقول: خطائئ بهمزتين، وتقلب الثانية ياء فتصير خطائي، ثم تبدل مكان الياء ألفا فتصبح خطاءا، والهمزة قريبة المخرج من الألف، فكأنك جمعت بين ثلاث ألفات، مما جعلهم يبدلون الهمزة ياء، وبذلك صارت خطايا٣. وذهب الخليل إلى أن حذف عين الفعل "استحيا" بحيث أصبح استحى إنما هو لالتقاء الساكنين في مثل استحييتُ، ورأى المازني أنها لو حذفت لهذه العلة لوجب رجوعها حين تحرك اللام بالضمة ويزول سكونها، فتصبح يستحيُّ، وفي رأيه أن عين استحيا إنما حذفت تخفيفا لكثرة الاستعمال٤. وكان سيبويه يرى أن صيغة فعلَّل الخماسية لا تكون إلا صفة، وذهب المازني إلى أنها تكون صفة واسما٥. وذهب سيبويه إلى أن كلمة ﴿أَشُدَّهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ جمع شدة كنعمة وأنعم، وذهب المازني إلى أنها اسم جمع لا واحد له٦. وكان سيبويه يرى أن لا يرد المحذوف

стр. 127

في بناء الكلمة حين تتحول إلى صيغة التصغير، فتصغير مثل هار، وهو البئر، ويضع اسم رجل هو: هُوَيْر ويُضَيْع، وكان المازني يرى أن يُرَدّ المحذوف، فيقال: هويئر ويويضع؛ لأن أصل هار هائر وخففت، وأصل يضع يوضع من وضع وحذفت الواو١. وكان يشترط في المصغر كله أن يكون على مثال الأسماء، ومن أجل ذلك كان يمنع من تصغير انفعال وافتعال، فلم يجز -كما أجاز سيبويه- في انطلاق "نُطَيْليق", ولا في افتقار "فتيقير"؛ لأنه ليس لهما مثال في الأسماء، بل كان يحذف بعض حروفهما حتى يصير إلى مثال الأسماء, فيقول في تصغيرهما: طليق وفقير. وكذلك كان لا يجيز في المثالين جمعهما جمع تكسير على نطاليق وفتاقير، كما ذهب إلى ذلك سيبويه، بل كان يجمعهما على طلائق وفقائر بحذف الألف والنون والتاء٢. وكان سيبويه يرى قياس اسم التفضيل من صيغة الفعل الماضي المصوغ على أفعل مثل أكرم، فيقال: هو أكرم من زيد، وذهب المازني إلى منع القياس في ذلك حتى لا تلتبس صيغة اسم التفضيل المشتقة من الفعل الثلاثي بصيغته من الفعل الرباعي، فأكرم عنده تفضيلا مشتقة من كرم، أما التفضيل من أكرم فتطبق عليه طريقة الفعل المزيد، إذ يؤتى بمصدره ويسبقه تفضيل من مثل كثر، فيقال: أكثر إكراما٣. وكان يذهب إلى أن القياس في الإلحاق إنما يطرد في لام الكلمة مثل قعدد ومهدد، أما الإلحاق في وسط الكلمة مثل إلحاق الواو في جوهر وجدول والياء في بيطر, فشاذ لا يقاس عليه٤. ولعل فيما قدمت ما يوضح إمامة المازني وخاصة في علم التصريف، وبدون ريب هو الذي نظم قواعده ومسائله، وهو الذي فصله عن النحو الذي كان مخلوطا به في كتاب سيبويه، وأقامه علما مستقلا بأبنيته وأقيسته وتمارينه الكثيرة التي ذلل بها شوارده، ويسرها للباحثين من بعده أمثال أبي علي الفارسي وابن جني، وكأنما سخرت له اللغة ليستتم صنيع الخليل وسيبويه في صياغة قواعد التصريف

стр. 128

صياغة تُبنَى على الضبط الدقيق، وسلامة التطبيق. وعلى نحو ما كان إماما في التصريف, كان إماما في النحو حتى ليقول المبرد: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان المازني١. والمبرد أشهر تلاميذه وأنبه نحاة البصرة من بعده. ولعل القارئ لاحظ أننا أسقطنا في حديثنا عن نحاة النصف الأول من القرن الثالث الهجري التَّوَّزي وأبا حاتم والزيادي والرياشي؛ لأن اهتمامهم إنما انصب على رواية اللغة والشعر أكثر من انصبابه على النحو؛ ولذلك قلما صادفتنا لهم آراء نحوية، فهم بأن يكونوا لغويين أشبه منهم بأن يكونوا نحويين. وهذا نفسه يلاحظ في تلاميذ الخليل سوى سيبويه ممن ذكرتهم كتب تراجم النحاة مثل: النضر بن شُمَيْل ومؤرَّج بن عمرو السدوسي وعلي بن نصر الجهضمي والليث بن نصر بن سيار، فقد كانوا لغويين، وقلما عُنُوا بمسائل النحو ومشاكله.

стр. 129

الفصل الخامس: المبرّد وأصحابه ١- المبرد ١: هو محمد بن يزيد الأزدي, إمام نحاة البصرة لعصره، وُلد بها سنة ٢١٠ للهجرة، وقيل: سنة ٢٠٧، وقيل: بل سنة ١٩٥ وأكبَّ منذ نشأته على التزود من اللغة على أعلام عصره البصريين، وشُغف بالنحو والتصريف, فلزم أبا عمر الجرمي يقرأ عليه كتاب سيبويه، حتى إذا توفي لزم أبا عثمان المازني، وتصدر حلقته يقرأ عليه الكتاب والطلاب يسمعون قراءته. وبلغ من إعجاب المازني بفطنته أن لقبه بالمبرِّد -بكسر الراء- لحسن تثبته وتأتيه في العلل، وحوَّر الكوفيون اللقب إلى المبرَّد -بفتح الراء- عنتا له وسوء قصد. ويلمع اسمه وتطير شهرته، فيستدعيه المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان إلى "سر من رأى" سنة ٢٤٦ ليفتي الفتوى الصحيحة في بعض المسائل اللغوية والنحوية، ويجزلا له في العطاء، حتى إذا توفيا سنة ٢٤٧ كتب محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب شرطة بغداد يحث في إشخاصه إليه، ويقدم إلى بغداد ويلقي بها عصاه، ويجري عليه محمد بن عبد الله راتبا حتى إذا توفي تابع أخوه عبيد الله الذي خلفه على شرطة بغداد إجراء الرواتب عليه. وقد مضى يحاضر الطلاب ببغداد في النحو

стр. 130

واللغة، وسرعان ما اصطدم بثعلب زعيم مدرسة الكوفة لعصره، وكثرت بينهما المناظرات، وكتب له فيها دائما التفوق على صاحبه؛ لقدرته على الجدل وإصابته للحجة وحسن بيانه، مما جعل كثيرين من تلاميذ ثعلب يتحولون إلى حَلْقته، يتقدمهم ختنه أبو علي الدينوري. وما زال مفزع طلاب اللغة والنحو ببغداد, حتى توفي سنة ٢٨٥ وقيل: سنة ٢٨٦. والمبرد يعد -بحق- آخر أئمة المدرسة البصرية المهمين، وقد ذكره ابن جني فقال: "يعد جِيلا في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا "يريد البصريين", وهو الذي نقلها وقرّرها وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها"١. ويقول الأزهري في مقدمة معجمه "تهذيب اللغة": "كان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه". وله مصنفات كثيرة، طبع منها نسب عدنان وقحطان، وما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، وكتاب الفاضل وكتاب الكامل وهما نصوص أدبية عني بشرح ما فيها من لغة، وقد يعرض لبعض مسائل نحوية. ويُنشَر له الآن بالقاهرة كتاب المقتضب في النحو. وله وراء ذلك كتب نفيسة سقطت من يد الزمن، من أهمها: كتاب الاشتقاق وكتاب معاني القرآن وكتاب التصريف وكتاب المدخل إلى سيبويه وكتاب شرح شواهد الكتاب وكتاب معنى كتاب الأوسط للأخفش وكتاب إعراب القرآن. وكتب في شبابه كتابا سماه الرد على سيبويه أو مسائل الغلط، وفيه حاول أن يظهر مقدرته في تخطئة إمام النحاة، جامعا ملاحظات الأخفش وغيره في هذا الصدد، وكان يقول بعد أن تقدمت به السن: "إن هذا كتاب كنا عملناه في أوان الشبيبة والحداثة" معتذرا بذلك عنه. ويقول ابن جني: "أما ما تعقب به أبو العباس المبرد محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سماها مسائل الغلط, فقلما يلزم صاحب الكتاب إلا الشيء النزر، وهو أيضا مع قلته من كلام غير أبي العباس"٢. ورد ابن ولاد المصري على ما أورده من هذه المسائل في كتاب سماه الانتصار لسيبويه، ومنه مخطوطة بدار الكتب المصرية.

стр. 131

وإذا أخذنا نبحث في الأصول التي كان يرجع إليها المبرد في نثر آرائه النحوية والصرفية, وجدناها نفس الأصول التي اعتمد عليها أئمة مدرسته من قبله، فهو يعنى بالتعريف وبالعوامل والمعمولات وبالسماع والتعليل والقياس. أما التعريف, فإنه يسوقه في فاتحة كل باب من أبواب كتابه المقتضب، من ذلك حده للاسم في أوله وبيان العلامة التي تدل عليه، يقول: "الاسم ما كان واقعا على معنى نحو: رجل وفرس وزيد وعمرو وما أشبه ذلك، ويعتبر الاسم بواحده، وكل ما دخل عليه حرف من حروف الخفض فهو اسم، فإن امتنع من ذلك فليس باسم". ونجد له بعض آراء متناثرة في العوامل؛ من ذلك أنه ذهب في أحد رأيين له في نصب المستثنى في مثل: "قام القوم إلا زيدًا" إلى أن "إلا" هي عاملة النصب فيه، وذهب في الرأي الثاني إلى أن العامل فعل أستثني المفهوم من الكلام، وكان سيبويه يرى أنه معمول للفعل السابق له المتعدي إليه بواسطة إلا١. وكان يذهب إلى أن العامل في النعت وفي عطف البيان وفي التوكيد هو العامل في متبوع كل منها، إذ ينصبّ على تابعه انصبابا٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن الواو التي يجرّ بعدها المبتدأ المنكر في مثل: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي إنما هي واو عطف، والمبتدأ المنكر بعدها مثل "ليل" في البيت مجرور برب المحذوفة، ومن هنا سميت هذه الواو واو رُبَّ. وذهب المبرد إلى أنها ليست عاطفة، بل هي حرف جر، واحتج بأن الشعراء يفتتحون بها أحيانا قصائدهم كقول رؤبة في مطلع إحدى قصائده: وقاتمِ الأعماق خاوي المخترق٣ مما يؤكد أنها غير عاطفة، إذ لا يسبقها أحيانا شيء يمكن أن تعطف عليه٤. وكان يرى أن كان الناقصة وأخواتها لا تدل على الحدث، وإنما تدل على الزمان

стр. 132

فقط١، وكان يسمي اسمها فاعلا وخبرها مفعولا به، ولعله كان يريد بذلك التشبيه متأثرا بصنيع سيبويه نفسه، كما أسلفنا، في تحليل عبارتها٢. ومر بنا أن سيبويه كان يطلق على الحال اسم المفعول فيه، إذ إن قولك: جاء زيد ضاحكًا أي: في حالة الضحك، فهي مرتبطة بزمن الفعل مما يجعلها شبيهة بالمفعول فيه، ومن هنا أطلق عليها المبرد اسم المفعول فيه، وكأنها تنصب عنده نصب الظروف، إذ الفعل يقع فيها على نحو ما يقع المجيء في المثال السالف في وقت الضحك، بالضبط كما تقول: جاء زيد اليوم، فالمجيء واقع في اليوم، وبذلك كانت تشبه ظرف الزمان٣. وكان سيبويه لا يجيز في "حتى الجارة" أن تعمل في مضمر، وأجاز ذلك المبرد محتجا بمثل قول الشاعر: أتت حَتَّاك تقصد كل فج ... ترجي منك أنْها لا تخيب وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك ضرورة ولا يقاس عليه٤. وكان سيبويه يذهب إلى أنه إذا ولي كلمة "لو" أن المفتوحة الهمزة المشددة النون مثل: "لو أنك قمت" أعربت أن وما بعدها في تأويل مصدر مبتدأ مثل تالي لولا، في نحو: "لولا زيد لجئت"، ومثله أيضا في أن الخبر محذوف لا يجوز إظهاره، وذهب المبرد مع الكوفيين إلى أنه فاعل بفعل مقدر تقديره: ثبت٥. ومر بنا أن سيبويه كان يذهب في مثل عساك وعساه وقول الشاعر: فقلت عساها نار كأس وعلها برفع نار إلى أن عمل عسى عُكس فنصبت اسمها ورفعت خبرها حملا على لعل، بينما كان يذهب الأخفش إلى أنها لا تزال في المثال ببابها ترفع الاسم وتنصب الخبر، وكل ما في الأمر أنه تجوِّز في الضمير، فجُعل مكان ضمير الرفع ضمير النصب ومحله محل رفع نيابة عن الضمير المرفوع الذي كان ينبغي أن يحل محله، كما ناب ضمير الجر عن ضمير الرفع في لولاك ولولاه, وفي مثل: أنا كأنت. وذهب المبرد إلى أن الإسناد أو بعبارة أدق: الإعراب قُلب، فجعل المخبر عنه خبرا والخبر مخبرا عنه٦. وكان سيبويه يذهب إلى أن المفعول معه لا ينصبه العامل المعنوي،

стр. 133

وإنما ينصبه عامل لفظى؛ ولذلك قدر في صيغتيه المسموعتين: "ما أنت وزيدا", و"كيف أنت وزيدا؟ " أنهما على تقدير: "ما كنت وزيدا" و"كيف تكون وزيدا؟ " وذهب المبرد إلى أنه يجوز في العبارتين تقدير كان التامة ماضية أو مستقبلة، أي: لا داعي للتقيد في المثال الأول بكان الماضية, وفي المثال الثاني بتكون المستقبلة. ورد ابن ولاد على المبرد فقال: إنه لا يجوز إلا ما قدره سيبويه؛ لأن ما في المثال الأول دخلها معنى التحقير والإنكار، فهو إنما يقال لمن أنكر على شخص مخالطة زيد أو ملابسته، ولا يُنكَر إلا ما ثبت واستقر، أما ما لم يثبت ولم يستقر فليس محلا لإنكار، وأما كيف فعلى بابها من الاستفهام، والمعنى: كيف تكون إذا وقعت ملابستك لزيد في المستقبل؟ ١. وعلى نحو ما تكثر آراؤه في العوامل المحذوفة والمضمرة والملفوظة, تكثر آراؤه في المعمولات، من ذلك أن الأخفش كان يجوِّز في "غير" في مثل: "أخذت عشرة كتب ليس غير" الرفع والنصب مع حذف التنوين لانتظار المضاف إليه، أي: إنه كان يرى أنها معربة وليست مبنية، وعلى الرفع يكون خبر ليس محذوفا وعلى النصب يكون اسمها مضمرا، أي: ليس المأخوذ غير ذلك في المثال المذكور. وأبى المبرد إلا رفع غير على أن رفعها ضمة بناء لا إعراب، وأن غير شبهت بقبل وبعد، وعلى هذا يحتمل أن تكون اسما لليس أو خبرا لها، أي: على حذف الخبر أو على إضمار الاسم في ليس٢. وكان الأخفش يذهب -كما مر بنا- إلى أن مذ ومنذ حين يليهما اسم مرفوع مثل: مذ يومُ الخميس ومنذ يومان, يكونان ظرفين مخبرا بهما عما بعدهما، وذهب المبرد إلى أنهما في المثالين المذكورين مبتدآن وما بعدهما خبر، ومعناهما الأمد إن كان الزمان حاضرا أو معدودا, وأول المدة إن كان ماضيا٣. وكان جمهور البصريين يذهب قبله إلى أن اسم لا النافية للجنس إذا كان مثنى أو جمع مذكر رُكب معها وبُني كما بُني مفردها، وذهب المبرد إلى أن اسمها حينئذ يكون معربا؛ لأنه لم يعهد فيهما التركيب مع شيء آخر، وقال: إنه لا يوجد في كلام العرب مثنى وجمع مبنيان، ونُقض

стр. 134

قوله بأنهما يُبْنَيان في النداء١. ومر بنا أن سيبويه ذهب إلى أن فاعل خلا وعدا إذا نصبا ما بعدهما في الاستثناء؛ ضمير مستكن في الفعل لا يبرز، عائد على البعض المفهوم من الكلام؛ ولذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه عائد على مفرد مذكر، والتقدير في مثل: قام القوم خلا زيدا: خلا هو أي: بعضهم زيدا، وذهب المبرد إلى أنه عائد على "من" المفهوم من معنى الكلام المتقدم، فإذا قلت: قام القوم, علم المخاطب وحصل في نفسه أن زيدا بعض من قام، فإذا قلت: عدا زيدا كان التقدير: عدا هو أي: عدا من قام زيدا٢. وكان سيبويه يذهب إلى أنه لا يجوز الجمع بين فاعل نعم وبئس وتمييزه، فلا يقال: نعم الرجل رجلا محمد، وذهب المبرد إلى جواز ذلك؛ لوروده في أشعار العرب مثل: تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا وقول آخر: نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت ... رد التحية نطقا أو بإيماء وقيل: إن زادا في البيت الأول إنما هي معمولة لتزود في أول البيت، وهي إما مفعول مطلق إن أريد بها التزود، وإما مفعول به إن أريد بها الشيء الذي يتزوده من أعمال البر. وقيل: إن فتاة في البيت الثاني حال مؤكدة٣, ورأي المبرد أدق وأصح. ومر بنا أن سيبويه كان يعرب ركضا في مثل: جاء ركضا حالا مؤولا بالمشتق، فتأويله راكضا، وكان الأخفش يعربه مفعولا مطلقا لفعل محذوف من صيغته أي: جاء يركض ركضا، أما المبرد فكان يعربه مفعولا مطلقا دالا على نوع الفعل أي: دون حاجة إلى تقدير فعل عامل فيه كما ذهب الأخفش٤. وكان سيبويه يرى أن إذما الشرطية حرف مثل إن، أما هو فكان يراها ظرفا مثل إذ وإذا٥. وذهب الأخفش -كما قدمنا في غير هذا الموضع- إلى أن إذا الفجائية حرف، وذهب المبرد إلى أنها ظرف مكان، وتكون خبرا

стр. 135

مقدما في مثل: خرجتُ فإذا محمد، وفي "مثل: خرجت فإذا محمد جالس" تكون منصوبة بجالس١.وقد ذكرنا أن ما بعدها مبتدأ في رأي الأخفش خبره محذوف. وكان سيبويه يعرب حقا في مثل: "أحقا إنك ذاهب" مفعولا فيه منصوبا على الظرفية، وهو خبر مقدم وأن وما بعدها مؤولان بمصدر مبتدأ، فالتقدير: أفي الحق ذهابك، وكان المبرد يعرب حقا مفعولا مطلقا حُذف فعله أي: حق حقا، وأن وصلتها فاعل٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن "ما" حين تدخل على قَلّ ونحوها مثل كثر وطال تكفّها عن العمل، ولا يليها حينئذ إلا الفعل مثل: قلما يكتب، فأما قول المرار: صددتِ فأطولتِ الصدود وقَلَّما ... وصالٌ على طول الصدود يدوم فقال فيه: إنما دخلت على اسم ضرورة وهو فاعل لفعل محذوف مفسَّر والتقدير: يدوم، وذهب المبرد إلى أن ما في "قلما" زائدة وهي لا تكفها عن العمل، فوصال فاعل لقلما٣. وكان يذهب إلى جواز دخول لام الابتداء على خبر إن ومعموله إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا، مثل: إن زيدا لبك لواثق، وإنك لبحمد الله لناجح٤، والتكلف واضح في مثل هذا الأسلوب. وكان الجمهور لا يجوز دخول لام الابتداء على خبر أن المفتوحة الهمزة وجوزه المبرد معتمدا على ما جاء في بعض القراءات للآية الكريمة: "أَلا أَنَّهُمْ ليأكلون" بفتح الهمزة، وخرَّج الجمهور ذلك على الزيادة أو على شذوذ القراءة٥. وكان لا يجيز ترخيم النكرة غير المقصودة مثل: شجرة ونخلة، أما إن كانت مقصودة فلا بأس من ترخيمها في رأيه كقول بعض الشعراء: يا ناق سيري عَنَقا فسيحا٦ ومر بنا أن الخليل كان يرى أن الميم في لفظ الجلالة "اللهم" عوض عن ياء النداء، وكان يذهب هو وسيبويه إلى أن ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في قوله جل وعز: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على نداء آخر أي: يا فاطر السموات والأرض، وذهب المبرد

стр. 136

إلى جواز وصف اللهم بمرفوع على اللفظ أو بمنصوب على المحل, وجعل "فاطر" نعتا للفظ الجلالة١. وكان سيبويه يذهب إلى أن الخبر إذا كان مصدرا مكررا أو محصورا نُصب على تقدير أنه مفعول مطلق لفعل محذوف هو الخبر، فمثل: "أنت سيرا سيرا", و"ما أنت إلا سيرا" تقديرهما: أنت تسير سيرا سيرا, وما أنت إلا تسير سيرا. وجوَّز المبرد في الصورتين الرفع على الخبرية، فتقول: أنت سيرٌ سيرٌ, وما أنت إلا سير٢. ومر بنا أن أبا عمر الجرمي كان يمنع إجراء التنازع في الأفعال المتعدية إلى مفعولين أو ثلاثة؛ لعدم مجيء ذلك عن العرب، ولأنه يؤدي إلى صور معقدة، ونجد المبرد يفتح لهذه الصور فصولا في كتابه المقتضب, عارضا طائفة شديدة التعقيد منها مثل: أعطيت وأعطانيه زيدا درهما, وظننت وظننيه زيدا شاخصا٣, وكان سيبويه يفضل نصب المضارع حين يعطف على اسم صريح، كقول من قالت: لَلُبْس عباءة وتقر عيني ... أحب إليَّ من لبس الشفوف والفعل في هذه الحالة منصوب بأن مضمرة ويجوز فيه الرفع٤. وعرض سيبويه في باب الاشتغال هذه الصورة: "أأنت عبد الله ضربته؟ " واختار فيها رفع عبد الله؛ لأنه فُصل بين الاستفهام وعبد الله بلفظة أنت، وجوز النصب. واختار المبرد مع الأخفش في هذا المثال النصب؛ لأن همزة الاستفهام يحسن أن يليها فعل، وهو مسلط على أنت وعلى عبد الله معا؛ لذلك يحسن في رأيهما نصب عبد الله٥.

стр. 137

وكان المبرد يُعْنَى بالسماع عناية شديدة، ومضى في إثر أستاذه المازني لا يرتضي بعض القراءات الشاذة، ما دامت لا تطرد مع قواعده النحوية. وتشدد مثل سالفيه في قبول الرواية عن العرب، وكان يطعن في رواية بعض الأشعار المأثورة ما دامت لا تستقيم مع مقاييسه، حتى لو وردت عند سيبويه، فقد استشهد على تسكين المضارع في الضرورة الشعرية بقول امرئ القيس١: فاليوم أشربْ غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل وقال المبرد: ليست هذه هي الرواية الصحيحة للبيت, إنما روايته الصحيحة في مطلعه هي: "فاليوم فاشرب", وإذن يكون سكون الفعل طبيعيا؛ لأنه فعل أمر، ويقول ابن جني معنفا له: "اعتراض أبي العباس في هذا الموضع إنما هو رد للرواية وتحكم على السماع بالشهوة مجردة من النصفة، ونفسه ظلم لا من جعله خصمه"٢. وروى سيبويه والأخفش عن العرب قولهم: لولاك ولولاه، كما أسلفنا، ورفض المبرد روايتهما وما جاء عن بعض الشعراء من مثل: "لولاك هذا العام لم أحجج"، محتجا بمثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنه كان يحتم أن يليها الضمير مرفوعا٣. وكان يحاول دائما أن يسند آراءه بالعلل، فلا بد لكل رأي من علة تبرره، وكان يتسع في ذلك سعة جعلته يعممه فيما لا حاجة للنطق به، من ذلك تعليله لمجيء الإعراب في آخر الكلم دون أوائلها وأواسطها، يقول: "لم يجعل الإعراب أولا؛ لأن الأول تلزمه الحركة ضرورة للابتداء؛ لأنه لا يُبتدأ إلا بمتحرك، ولا يوقف إلا على ساكن, فلما كانت الحركة تلزمه لم تدخل عليه حركة الإعراب؛ لأن الحركتين لا تجتمعان في حرف واحد. ولما فات وقوعه أولا لم يمكن أن يجعل وسطا؛ لأن أوساط الأسماء مختلفة لأنها تكون ثلاثية ورباعية وخماسية وسباعية، فأوساطها مختلفة، فلما فات ذلك جُعل آخرا بعد كمال الاسم ببنائه وحركاته"٤. وكان يعلل تسكين الفعل في مثل ضربْنَ

стр. 138

ويضربْن بأنه لو لم يسكن لاجتمع أربعة متحركات، إذ الفعل والفاعل كالشيء الواحد. وفي الوقت نفسه علل لتحرك نون النسوة المتصلة بالفعل بأنها لو لم تحرك لاجتمع ساكنان، وكأن سكون ما قبلها سبب حركتها١. وعلل لبناء "الآن" على الفتح بمصاحبة أداة التعريف لها دائما، مع أنها في أخواتها من الظروف قد توجد, وقد لا توجد, أي: إنها لا تلزمها هذا اللزوم في "الآن" مما جعلها تبنى بسبب ذلك٢. وكان يجمع مثل: مقعنسس على قعاسس معتلا بأن السين أشبه بالحرف الأصلي في الكلمة لأنها من قعس؛ فلذلك كان ينبغي أن تظل, لا أن تحذف وتذكر الميم على نحو ما صنع سيبويه, إذ جمعها على مقاعس٣. وكان سيبويه يصغر إبراهيم وإسماعيل على: بُرَيْهيم وسميعيل، وصغرهما المبرد على أُبيريه وأسيميع؛ لأن الهمزة أصلية وليست زائدة؛ لأنها لا تزيد أولا إلا وبعدها أربعة أحرف، أما الميم فإنها تحذف لأنها آخر الكلمة، وآخر الكلمة يحذف كثيرا في الخماسي حين يصغَّر كتصغير سفرجل على سفيريج٤. وكان يعلل لوقف العرب على الكلمات ونقل حركتها إلى ما قبلها، إذ يقولون: قام عَمُرْ, بنقل حركة الراء إلى ميم عمرو السابقة لها, كما يقولون: مررت ببكر بكسر الكاف والوقوف على الراء، بأن ذلك للدلالة على الحركة المحذوفة في آخر الكلمة٥. وكان يحتكم دائما إلى القياس ولكنه لم يكن يقدمه على السماع عن العرب، بحيث يرفض ما ورد على ألسنتهم أو قل على أكثر ألسنتهم، فقد كان يرد ما يخالف الكثرة الكثيرة الدائرة في أفواههم، ولكن حين لا توجد هذه الكثرة كان يفسح للقياس، وكذلك كان يفسح له حين يشيع استعمال بين العرب. وليس معنى ذلك أنه كان يقيس على الشاذ والنادر، إنما كان يقيس على ما سُمع كثيرا قائلا: "إذا جعلت النوادر والشواذ غرضك, واعتمدت عليها في مقاييسك كثرت زلاتك"٦. فمن ذلك أن العرب كثر على لسانهم استعمال صيغة فعَّال, مستغنين بها عن ياء النسب كخبَّاز وبزاز وقزاز وسقاء وبناء وزجاج وبقال

стр. 139

وخيّاط ونجّار ولبّان، وكذلك استعمال صيغة فاعل كحائك وشاعر أي: ذي شعر وفارس أي: ذي فرس وطاعم أي: ذي طعام. وقال سيبويه: إن الصيغتين في النسب موقوفتان على السماع، ولا يقاس عليهما شيء وإن كان قد كثر في كلامهم فلا يقال لصاحب البر: برّار ولا لصاحب الشعير: شعّار ولا لصاحب الدقيق: دقّاق ولا لصاحب الفاكهة: فكّاه. وقاس المبرد الصيغتين جميعا محتجا بأن ذلك في كلام العرب أكثر من أن يحصى أو يستقصى١. ومر بنا أنه جاء عن العرب كثيرا في النسبة إلى فَعِيل وفُعَيْل حذف الياء مثل: ثقيف وثقفي, وقريش وقرشي, وهذيل وهذلي، وعلى الرغم من كثرة ذلك قال سيبويه: إن هذا الصنيع لا يقاس عليه؛ إذ القياس في رأيه أن تثبت الياء في الصيغتين، فيقال: ثقيفي وهذيلي، وقاسه المرد لأنه هو الذي كثر عن العرب٢. والقياس في فَعيلة في النسب أن تحذف الياء، فيقال في النسبة إلى بني حنيفة: حنفي, وإلى بني ربيعة: ربعي. وقال سيبويه: إن حكم فَعولة في النسب حكم فَعِيلة، فتسقط الواو منها كما سقطت الياء في أختها، فيقال في بني شَنُوءة: شنئي، وخالفه المبرد، فقال: بل ينسب إليها على لفظها فيقال: شئوني؛ لأن الياء إنما حُذفت في فعيلة تخفيفا بسبب كثرة الياء والكسرات فيها إذا أُبقيت على لفظها، فقيل مثلا في حنيفة: حنيفي، وقال: مما يدل على ذلك دلالة واضحة أنهم نسبوا إلى علي: "علوي" فحذفوا ياء وقلبوا الثانية واوا خشية الثقل في النطق، وهو ما لا يوجد في فعولة وموزوناتها، ويوضح ذلك أيضا أن العرب حين نسبت إلى مثل نَمِر المكسور العين فتحوها فقالوا: نَمَري بفتح الميم، ولكنهم لما نسبوا إلى مثل سَمُرة بضم الميم أي: شجرة لم يغيروا حركة الحرف الثاني. وعلى نحو ما خالفت الكسرة الضمة في نمر وسمرة, كذلك ينبغي أن تخالف الواو في فعولة الياء في فعيلة، فلا تحذف؛ لفقدان علة الحذف، وهي استثقالهم اجتماع المتجانسات, أو بعبارة أخرى: الكسرات والياءات٣. وفيما قدمنا ما يدل على أن المبرد لم يكن يقدم القياس على السماع، فالأساس

стр. 140

عنده السماع أولا؛ إذ القياس إنما يستمد منه, ويعتمد عليه، من ذلك أن القياس في صيغة مفعول أن تحذف واوها إذا كانت مشتقة من فعل أجوف مثل مقول، ولكن سُمع عن بني تميم كثيرا إثبات الواو في الصيغة, مثل مقوول ومصوون, فجعل المبرد ذلك قياسا مطردا، فيقال: مبيوع على نحو ما يشيع في العامية المصرية١. ونراه دقيقا في استنباط القاعدة المقيسة، يشهد لذلك حكمه باطراد القياس في باب المفعول معه في كل صيغة يكون فيها ما قبل الواو سببا في تاليها مثل: جاء الشتاء وملابس الصوف، فالشتاء سبب في استخدام ملابس الصوف؛ ولذلك تنصب الملابس مفعولا معه، ولا تعطف٢. وكان يعنى كثيرا بقياس الشبه على نحو ما يلقانا عنده في منع تقدم خبر ليس الناقصة الجامدة عليها, قياسا على فعل التعجب, وأنه لا يصح تقدم معموله عليه، وكذلك الأفعال الجامدة: عسى وبئس ونعم، فكلها لا تتقدمها معمولاتها لعدم تصرفها٣. وتدل كتابات المبرد المختلفة على أنه كان دقيق الحس اللغوي دقة شديدة، فأودع كتبه ومصنفاته كثيرا من الملاحظات اللغوية والتعبيرية التي تدل على رهافة حسه، من ذلك أنه كان يرى أن عبارة: "عبد الله قائم" تستخدم في موطن لا تستخدم فيه عبارتا: "إن عبد الله قائم" و"إن عبد الله لقائم" فالعبارة الأولى تعبر عن مجرد الإخبار بقيام عبد الله، بينما العبارة الثانية تستخدم للإجابة عن سؤال سائل تأكيدا له، أما العبارة الثالثة فتستخدم في خطاب من ينكر قيام زيد ويبالغ في إنكاره، ومن أجل ذلك تؤكد له العبارة بمؤكِّدين٤. وسئل عن الفرق بين العبارتين: "ضربت زيدا"، و"زيد ضربته" فقال: إنك إذا قلت: ضربت زيدا، فإنما أردت أن تخبر عن نفسك وتثبت أين وقع فعلك، وإذا قلت: زيد ضربته, فإنما أردت أن تخبر عن زيد. وإذا كنا ميزنا في تلاميذ الأخفش وسيبويه وأصحابهما بين من عني منهم باللغة, وبين من عني منهم بالنحو والتصريف, فكذلك الشأن في تلاميذ المبرد، وممن اشتهروا منهم في المباحث اللغوية أبو بكر بن دُرَيْد، واشتهر

стр. 141

ابن دُرُسْتويه بالمباحث الصرفية، بينما اشتهر بالمباحث النحوية الأخفش الصغير علي بن سليمان المتوفى سنة ٣١٥, ومحمد بن علي المعروف باسم مَبْرمان المتوفى سنة ٣٢٦، وأشهر منهما في تلك المباحث الزجاج وأبو بكر بن السراج اللذان انتهت إليهما الرياسة في النحو البصري والإمامة فيه بعد المبرد، ونبغ من تلاميذ ابن السراج السيرافي، وبه تنتهي المدرسة البصرية، ولعل من الخير أن نخص كل واحد من هؤلاء الثلاثة الأخيرين بطرف من الحديث.

стр. 142

٢- الزجاج ١: هو أبو إسحاق إبراهيم بن السَّرِيّ بن سهل، وكان في حداثته يخرط الزجاج فنُسب إليه، ورغب في درس النحو، فلزم المبرد وكان يعلم مجانا، فجعل له على نفسه درهما كل يوم أجرة على تعليمه، وظل يؤديه إليه طوال حياته. وحسن رأي المبرد فيه، حتى كان من يريد أن يقرأ عليه شيئا من كتاب سيبويه, أو غيره يأمره بأن يعرض على الزجاج أولا ما يريد قراءته. والتمس منه بعض ذوي الوجاهة معلما لأولادهم، فأسماه لهم، ولم يلبث عبيد الله بن سليمان وزير الخليفة المعتضد أن طلب منه معلما لابنه القاسم، فقدمه إليه، ولما وزر القاسم بعد أبيه اتخذه كاتبا له فأقبلت الدنيا عليه، وأصبح من جلساء الخلفاء ومن تجرى عليهم رواتبهم. وظل في عيشة رخية حتى توفي سنة ٣١٠ للهجرة. وله مصنفات مختلفة منها: كتاب شرح أبيات سيبويه ومختصر في النحو وكتاب الاشتقاق وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب معاني القرآن وكتاب القوافي وكتاب في العروض.

стр. 143

وله آراء مختلفة تدور في كتب النحو، منها ما يتصل بالعوامل, ومنها ما يتصل بالتعليل، ومنها ما يتصل ببعض الأدوات، ومنها ما يتصل ببعض مسائل نحوية صرفية. فأما ما يتصل بالعوامل فمنها أنه كان يرى أن الفعل المضارع لا يدل على الحال والاستقبال كما ذهب إلى ذلك سيبويه وجمهور النحاة، إنما يدل على الاستقبال فقط؛ لأن اللحظة الحالية التي ننطق فيها بكلمة يكتب بمجرد أن ننطق بها تصبح ماضية١. وكان يجوِّز عمل لعل وكأن إذا اتصلت بهما ما الزائدة في مثل: لعلما محمدا قادم وكأنما محمدا شاعر٢. وكان الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن كأن مركبة من الكاف وأن، وزعم الزجاج أن الكاف فيها جارة غير زائدة، أي: بالإضافة، فقال: إنها اسم بمنزلة مثل، وقدرها مبتدأ محذوف الخبر وما بعدها في تقدير مصدر مضاف إليها، فمثل كأن محمدا أخوك تقديره عنده: مثل أخوة محمد إياك موجودة. وهو بعد واضح في التقدير٣. وكان سيبويه يذهب إلى أن ناصب المفعول له الفعل السابق له؛ لأنه علة لمضمونه ولذلك كان الأصل أن يجر باللام مثل قمت للأدب، فتحذف اللام وأداة التعريف ويقال: قمت أدبا، وذهب الزجاج إلى أنه صورة من صور المفعول المطلق لبيان النوع، كأنك قلت في المثال السابق: تأدبت بالقيام، فالتأديب مجمل والقيام بيان له، كأنك قلت: تأدبت بالقيام أدبا، ومن هنا قال: إن المفعول له مفعول مطلق منتصب بفعل مضمر من لفظه جُعل عوضا منه؛ ولذلك لا يظهر٤. وكان الجمهور يذهب إلى أن عامل المفعول معه الفعل أو معناه بتوسط الواو، وذهب الأخفش كما مر بنا إلى أنه منصوب على الظرفية، وذهب الزجاج إلى أنه منصوب بفعل مضمر بعد الواو، فمثل: "استيقظ وطلوع الفجر" وتقديره عنده: استيقظ ولابس طلوع الفجر، وما أشبه ذلك؛ لأن الفعل في رأيه يعمل في المفعول وبينهما الواو٥، وكأنما فاته أنه يعمل في المعطوف وبينهما الواو في مثل: أقبل محمد وعلي. ومعروف أن تمييز كم الاستفهامية يجوز

стр. 144

جره إذا سبقها حرف جر مثل: "على كم معلم درست؟ "، وذهب الجمهور إلى أن التمييز مجرور حينئذ بمن مقدرة حُذفت تخفيفا، اتفق في ذلك سيبويه والبصريون والكوفيون، وذهب الزجاج إلى أنه مجرور بالإضافة إلى كم, فهي العاملة فيه، لا من المضمرة١. وكان يعنى بالتعليل سواء في المسائل النظرية أو العملية، من ذلك استدلاله على صحة مذهب أصحابه البصريين في أن المصدر هو الأصل وأن الفعل مشتق منه، يقول: "لو كان المصدر بعد انفعل وكان مأخوذا منه, لوجب أن يكون لكل مصدر فعل قد أُخذ منه لا محيص عن ذلك ولا مهرب منه، فلما رأينا في كلام العرب مصادر كثيرة لا أفعال لها ألبتة مثل العبودية والرجولية والبنوة والأمومة والأموَّة "من الأمة" وما أشبه ذلك مما يطول تعداده من المصادر التي لم تؤخذ من الأفعال، ورأينا في كلامها أيضا مصادر جارية على غير ألفاظ أفعالها نحو الكرامة والعطاء "يقصد أسماء المصادر" وما أشبه ذلك, علمنا أنه ليست الأفعال أصولا للمصادر، إذ كانت المصادر توجد بغير أفعال، وعلمنا أن المصادر هي الأصول، فمنها ما أخذ منه فعل، ومنها ما لم يؤخذ منه فعل، وهذا بيِّن واضح"٢. وكان يعلل لرفع الفاعل ونصب المفعول بقوله: "إنما فُعل ذلك للفرق بينهما، ثم سأله نفسه فقال: فإن قيل: فهل عُكست الحال فكانت فرقا أيضا؟ قيل: الذي فعلوه أحزم، وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ما يستخفون"٣. وكان يعلل لعدم استخدام العرب صيغة "ما زال زيد إلا قائما" بأنها نفي للنفي يفضي إلى الإيجاب، فامتنعوا من ذلك٤. وكان المبرد يذهب، كما مر بنا، في تعليل بناء الآن باقترانها دائما بأداة التعريف دون أخواتها، وذهب الزجاج إلى أنها بُنيت لتضمنها معنى الإشارة؛ لأن معناها هذا الوقت٥. وكان الجمهور يذهب إلى أن المثنى في مثل الزيدان والزيدين معرب، وذهب الزجاج إلى أنه

стр. 145

مبني لتضمنه معنى الحرف، وهو العاطف، إذ أصل قام الزيدان: قام زيد وزيد، وكأنه بُني لنفس العلة التي بنيت لها الأعداد المركبة مثل ثلاثة عشر١. وكان يخالف جمهور البصريين في مسائل نحوية وصرفية كثيرة، من ذلك أن الجمهور كان يرى أن نون المثنى والجمع عوض عن التنوين في المفرد، وذهب الزجاج إلى أنها عوض عن حركة الإعراب في المفرد٢. وذهب جمهور البصريين إلى أن "هو وهي" أصلان، فالضمير في كل منهما مجموع الحرفين، وذهب الزجاج إلى أن الضمير فيهما الهاء فقط والواو والياء زائدتان لحذفهما في مثل هما وهم وهن، وحذفهما أيضا في المفرد في بعض لغات الأعراب كقول بعضهم: "دار لسعدى إذِ هـ من هواكا"٣, وذهب الجمهور إلى أن أيمن في مثل: أيمنُ الله مرفوعة بالابتداء وخبرها محذوف، وذهب الزجاج إلى أنها حرف جر وقَسَم٤. ومر بنا أن الأخفش كان يرى أن إذا الفجائية حرف، ورأى المبرد أنها ظرف مكان، وذهب الزجاج إلى أنها ظرف زمان؛ ولذلك منع أن تكون خبرا لما بعدها في مثل: "خرجت فإذا محمد"، بل الخبر محذوف؛ لأن الزمان لا يخبر به عن الجثة٥. وذهب الجمهور إلى أن جواب لو حين يكون جملة اسمية مثل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ محذوف وتقديره: لأثيبوا، أما ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فجواب قسم تقديره: والله لمثوبة, وقال الزجاج: بل الجملة جواب لو واللام الداخلة عليها ليست لام قسم, إنما هي اللام التي تدخل عادة في جواب لو٦. وكان الجمهور قبله يعرب الرجل في مثل: مررت بهذا الرجل نعتا؛ لمجيء ذلك على لسان سيبويه, وكأنهم لم يلاحظوا ما سبق أن قلناه من أنه قد يسمي التوكيد وعطف البيان صفة، وتنبه لذلك الزجاج، فأعرب الرجل في المثال المذكور عطف بيان لا نعتا٧. ومر بنا أن المازني كان يذهب إلى أن الفاء في مثل: "خرجت فإذا محمد" زائدة، وذهب الزجاج إلى أنها للسببية المحضة٨. وكان الجمهور يمنع تقديم المستثنى على فعله، فلا يقال: "إلا زيدا قام القوم", وجوز ذلك الزجاج
следующие страницы →