← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ابن دُرُسْتويه بالمباحث الصرفية، بينما اشتهر بالمباحث النحوية الأخفش الصغير علي بن سليمان المتوفى سنة ٣١٥, ومحمد بن علي المعروف باسم مَبْرمان المتوفى سنة ٣٢٦، وأشهر منهما في تلك المباحث الزجاج وأبو بكر بن السراج اللذان انتهت إليهما الرياسة في النحو البصري والإمامة فيه بعد المبرد، ونبغ من تلاميذ ابن السراج السيرافي، وبه تنتهي المدرسة البصرية، ولعل من الخير أن نخص كل واحد من هؤلاء الثلاثة الأخيرين بطرف من الحديث.

стр. 142

٢- الزجاج ١: هو أبو إسحاق إبراهيم بن السَّرِيّ بن سهل، وكان في حداثته يخرط الزجاج فنُسب إليه، ورغب في درس النحو، فلزم المبرد وكان يعلم مجانا، فجعل له على نفسه درهما كل يوم أجرة على تعليمه، وظل يؤديه إليه طوال حياته. وحسن رأي المبرد فيه، حتى كان من يريد أن يقرأ عليه شيئا من كتاب سيبويه, أو غيره يأمره بأن يعرض على الزجاج أولا ما يريد قراءته. والتمس منه بعض ذوي الوجاهة معلما لأولادهم، فأسماه لهم، ولم يلبث عبيد الله بن سليمان وزير الخليفة المعتضد أن طلب منه معلما لابنه القاسم، فقدمه إليه، ولما وزر القاسم بعد أبيه اتخذه كاتبا له فأقبلت الدنيا عليه، وأصبح من جلساء الخلفاء ومن تجرى عليهم رواتبهم. وظل في عيشة رخية حتى توفي سنة ٣١٠ للهجرة. وله مصنفات مختلفة منها: كتاب شرح أبيات سيبويه ومختصر في النحو وكتاب الاشتقاق وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب معاني القرآن وكتاب القوافي وكتاب في العروض.

стр. 143

وله آراء مختلفة تدور في كتب النحو، منها ما يتصل بالعوامل, ومنها ما يتصل بالتعليل، ومنها ما يتصل ببعض الأدوات، ومنها ما يتصل ببعض مسائل نحوية صرفية. فأما ما يتصل بالعوامل فمنها أنه كان يرى أن الفعل المضارع لا يدل على الحال والاستقبال كما ذهب إلى ذلك سيبويه وجمهور النحاة، إنما يدل على الاستقبال فقط؛ لأن اللحظة الحالية التي ننطق فيها بكلمة يكتب بمجرد أن ننطق بها تصبح ماضية١. وكان يجوِّز عمل لعل وكأن إذا اتصلت بهما ما الزائدة في مثل: لعلما محمدا قادم وكأنما محمدا شاعر٢. وكان الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن كأن مركبة من الكاف وأن، وزعم الزجاج أن الكاف فيها جارة غير زائدة، أي: بالإضافة، فقال: إنها اسم بمنزلة مثل، وقدرها مبتدأ محذوف الخبر وما بعدها في تقدير مصدر مضاف إليها، فمثل كأن محمدا أخوك تقديره عنده: مثل أخوة محمد إياك موجودة. وهو بعد واضح في التقدير٣. وكان سيبويه يذهب إلى أن ناصب المفعول له الفعل السابق له؛ لأنه علة لمضمونه ولذلك كان الأصل أن يجر باللام مثل قمت للأدب، فتحذف اللام وأداة التعريف ويقال: قمت أدبا، وذهب الزجاج إلى أنه صورة من صور المفعول المطلق لبيان النوع، كأنك قلت في المثال السابق: تأدبت بالقيام، فالتأديب مجمل والقيام بيان له، كأنك قلت: تأدبت بالقيام أدبا، ومن هنا قال: إن المفعول له مفعول مطلق منتصب بفعل مضمر من لفظه جُعل عوضا منه؛ ولذلك لا يظهر٤. وكان الجمهور يذهب إلى أن عامل المفعول معه الفعل أو معناه بتوسط الواو، وذهب الأخفش كما مر بنا إلى أنه منصوب على الظرفية، وذهب الزجاج إلى أنه منصوب بفعل مضمر بعد الواو، فمثل: "استيقظ وطلوع الفجر" وتقديره عنده: استيقظ ولابس طلوع الفجر، وما أشبه ذلك؛ لأن الفعل في رأيه يعمل في المفعول وبينهما الواو٥، وكأنما فاته أنه يعمل في المعطوف وبينهما الواو في مثل: أقبل محمد وعلي. ومعروف أن تمييز كم الاستفهامية يجوز

стр. 144

جره إذا سبقها حرف جر مثل: "على كم معلم درست؟ "، وذهب الجمهور إلى أن التمييز مجرور حينئذ بمن مقدرة حُذفت تخفيفا، اتفق في ذلك سيبويه والبصريون والكوفيون، وذهب الزجاج إلى أنه مجرور بالإضافة إلى كم, فهي العاملة فيه، لا من المضمرة١. وكان يعنى بالتعليل سواء في المسائل النظرية أو العملية، من ذلك استدلاله على صحة مذهب أصحابه البصريين في أن المصدر هو الأصل وأن الفعل مشتق منه، يقول: "لو كان المصدر بعد انفعل وكان مأخوذا منه, لوجب أن يكون لكل مصدر فعل قد أُخذ منه لا محيص عن ذلك ولا مهرب منه، فلما رأينا في كلام العرب مصادر كثيرة لا أفعال لها ألبتة مثل العبودية والرجولية والبنوة والأمومة والأموَّة "من الأمة" وما أشبه ذلك مما يطول تعداده من المصادر التي لم تؤخذ من الأفعال، ورأينا في كلامها أيضا مصادر جارية على غير ألفاظ أفعالها نحو الكرامة والعطاء "يقصد أسماء المصادر" وما أشبه ذلك, علمنا أنه ليست الأفعال أصولا للمصادر، إذ كانت المصادر توجد بغير أفعال، وعلمنا أن المصادر هي الأصول، فمنها ما أخذ منه فعل، ومنها ما لم يؤخذ منه فعل، وهذا بيِّن واضح"٢. وكان يعلل لرفع الفاعل ونصب المفعول بقوله: "إنما فُعل ذلك للفرق بينهما، ثم سأله نفسه فقال: فإن قيل: فهل عُكست الحال فكانت فرقا أيضا؟ قيل: الذي فعلوه أحزم، وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ما يستخفون"٣. وكان يعلل لعدم استخدام العرب صيغة "ما زال زيد إلا قائما" بأنها نفي للنفي يفضي إلى الإيجاب، فامتنعوا من ذلك٤. وكان المبرد يذهب، كما مر بنا، في تعليل بناء الآن باقترانها دائما بأداة التعريف دون أخواتها، وذهب الزجاج إلى أنها بُنيت لتضمنها معنى الإشارة؛ لأن معناها هذا الوقت٥. وكان الجمهور يذهب إلى أن المثنى في مثل الزيدان والزيدين معرب، وذهب الزجاج إلى أنه

стр. 145

مبني لتضمنه معنى الحرف، وهو العاطف، إذ أصل قام الزيدان: قام زيد وزيد، وكأنه بُني لنفس العلة التي بنيت لها الأعداد المركبة مثل ثلاثة عشر١. وكان يخالف جمهور البصريين في مسائل نحوية وصرفية كثيرة، من ذلك أن الجمهور كان يرى أن نون المثنى والجمع عوض عن التنوين في المفرد، وذهب الزجاج إلى أنها عوض عن حركة الإعراب في المفرد٢. وذهب جمهور البصريين إلى أن "هو وهي" أصلان، فالضمير في كل منهما مجموع الحرفين، وذهب الزجاج إلى أن الضمير فيهما الهاء فقط والواو والياء زائدتان لحذفهما في مثل هما وهم وهن، وحذفهما أيضا في المفرد في بعض لغات الأعراب كقول بعضهم: "دار لسعدى إذِ هـ من هواكا"٣, وذهب الجمهور إلى أن أيمن في مثل: أيمنُ الله مرفوعة بالابتداء وخبرها محذوف، وذهب الزجاج إلى أنها حرف جر وقَسَم٤. ومر بنا أن الأخفش كان يرى أن إذا الفجائية حرف، ورأى المبرد أنها ظرف مكان، وذهب الزجاج إلى أنها ظرف زمان؛ ولذلك منع أن تكون خبرا لما بعدها في مثل: "خرجت فإذا محمد"، بل الخبر محذوف؛ لأن الزمان لا يخبر به عن الجثة٥. وذهب الجمهور إلى أن جواب لو حين يكون جملة اسمية مثل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ محذوف وتقديره: لأثيبوا، أما ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فجواب قسم تقديره: والله لمثوبة, وقال الزجاج: بل الجملة جواب لو واللام الداخلة عليها ليست لام قسم, إنما هي اللام التي تدخل عادة في جواب لو٦. وكان الجمهور قبله يعرب الرجل في مثل: مررت بهذا الرجل نعتا؛ لمجيء ذلك على لسان سيبويه, وكأنهم لم يلاحظوا ما سبق أن قلناه من أنه قد يسمي التوكيد وعطف البيان صفة، وتنبه لذلك الزجاج، فأعرب الرجل في المثال المذكور عطف بيان لا نعتا٧. ومر بنا أن المازني كان يذهب إلى أن الفاء في مثل: "خرجت فإذا محمد" زائدة، وذهب الزجاج إلى أنها للسببية المحضة٨. وكان الجمهور يمنع تقديم المستثنى على فعله، فلا يقال: "إلا زيدا قام القوم", وجوز ذلك الزجاج

стр. 146

مستدلا بقول بعض الشعراء: خلا الله لا أرجو سواك وإنما ... أعد عيالي شعبة من عيالكا١ وارتضى في مسوغات الجملة الخبرية التي لا تحتوي على ضمير المبتدأ أن يضمر في الشرط التالي لها مثل: "زيد يقوم عمرو إن قام"٢. وجوز أن تدخل لام الابتداء بعد إن على الخبر ومعموله التالي له سواء أكان مفعولا أم ظرفا أم جارا ومجرورا مثل: "إن محمدا القائم لفي الدار", و"إن محمدا القارئ للكتاب"٣، والتكلف في مثل ذلك واضح. وذهب الجمهور إلى أن وزن سلسل فعلل، وذهب الزجاج إلى أنها هي وما يماثلها كنحو كبكب على وزن فعفل٤، وإذ كان يرى أن كل لفظتين اتفقتا في أكثر الحروف لا بد أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى، فمثلا: سلسل مشتقة من سل, وحثحث من حث, ورقرق من رق٥. وكان الجمهور يرى أن وزن اتخذت افَّعلت بتكرار التاء، وذهب الزجاج إلى أن أصلها: اوتخذت فقُلبت الواو تاء. وكان الجمهور يذهب إلى أن الهمزة في مصائب من الشاذ الذي لا يقاس عليه، وأن القياس فيها: مصاوب؛ لأن الواو أصلية فلا تقلب همزة، إنما تقلب في مثل: صحيفة وصحائف وحَمُولة وحمائل وقَلُوص وقلائص، مما حرف المد فيه زائد على الحروف الأصلية، وذهب الزجاج إلى تصحيح مثل ذلك وأن الواو أبدلت همزة٦، وكأنه كان يرتضي أن تجمع معيشة على معائش، مخالفا بذلك سيبويه، كما أسلفنا، وجمهور البصريين من بعده.

стр. 147

٣- ابن السراج ١: هو أبو بكر محمد بن السري، كان من أحدث تلاميذ المبرد سنا مع ذكائه وحدّة ذهنه، وعكف على دروس أستاذه، متزودا بكل ما عنده من أزواد نحوية ولغوية. وعُني بجانب ذلك بدراسة المنطق والموسيقى، وتحول بعد موت المبرد إلى حلقات الزجاج يعبّ منها وينهل، ثم استقل عنه بحلقة كان يؤمّها كثيرون في مقدمتهم السيرافي، وأبو علي الفارسي وعليه قرأ كتاب سيبويه. وكان يُعنَى عناية واسعة بعلل النحو ومقاييسه، وفيهما صنّف كتاب الأصول الكبير، انتزعه من كتاب سيبويه وأضاف إليه إضافات بارعة، ويقال: إنه جعله تقاسيم على طريقة المناطقة. ولم يكتف فيه بآراء سيبويه، فقد ضم إليه كثيرا من آراء الأخفش الأوسط والكوفيين موازنا ومقارنا. وقال له أحد تلاميذه وهو يلقي بعض فصول هذا الكتاب: إنه أحسن من كتاب المقتضب للمبرد أستاذه، فبادره بقوله: لا تقل هذا؛ فإنما استفدنا ما استفدناه من صاحب المقتضب، وأنشد: ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدِّم وكان يحسن نظم الشعر وإنشاد المأثور منه في الأوقات والمواقف المناسبة، وكانت فيه دقة حس ورقة شعور، ويقال: إنه جاءه يوما بُني صغير له، فأظهر من العطف عليه ما جعل بعض جلسائه يسأله: أتحبه أيها الشيخ؟ فقال متمثلا: أحبه حب الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله وله وراء كتاب الأصول مصنفات نحوية مختلفة, منها كتاب مجمل الأصول

стр. 148

وكتاب الاشتقاق وشرح سيبويه وكتاب احتجاج الفراء. وما زال يفيد طلابه بعلمه الغزير, حتى توفي سنة ٣١٦ للهجرة. وكتابه الأصول الكبير لم يُنشر حتى اليوم، غير أن المصنفات النحوية التي جاءت بعده احتفظت منه بنصوص ترينا من بعض الوجوه طريقته١، من ذلك ما ذكره عنه ابن جني من أنه فتح في هذا الكتاب بابا لما سماه العلة وعلة العلة، ومثّل فيه برفع الفاعل، قال: فإذا سُئلنا عن علة رفعه قلنا: إنه ارتفع بفعله، فإذا قيل: ولم صار الفاعل مرفوعا؟ فهذا سؤال عن علة العلة. ونحس كأنه استلهم تعليل الزجاج لاشتقاق الأفعال من المصادر, وأن المصادر هي الأصل والأفعال فروع منها، إذ يقول: "لو كانت المصادر مأخوذة من الأفعال جارية عليها, لوجب أن لا تختلف كما لا تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعال نحو: ضارب ومضروب وشاتم ومشتوم ومكرِم ومكرَم وما أشبه ذلك مما لا ينكسر, ورأينا المصادر مختلفها أكثر مما جاء منها على الفعل كقولنا: شرب شُرْبا وشَربا ومَشْربا وشرابا, وعدل عن الحق عدلا وعدولا, وما أشبه ذلك, فعلمنا أنها غير جارية على الأفعال وأن الأفعال ليست بأصولها"٢. ويعلل لاختلاف صيغ الأفعال باختلاف أزمنتها بقوله: "كان حكم الأفعال أن تأتي كلها بلفظ واحد؛ لأنها لمعنى واحد، غير أنه لما كان الغرض في صناعتها أن تفيد أزمنتها خولف بين مُثُلها "أبنيتها"؛ ليكون ذلك دليلا على المراد منها، فإن أُمن اللبس فيها جاز أن يقع بعضها موقع بعض، وذلك مع حرف الشرط نحو: إن قمت جلست؛ لأن الشرط معلوم أنه لا يصح إلا مع الاستقبال, وكذلك: لم يقم أمس، وجب لدخول لم ما لولا هي لم يجز، ولأن المضارع أسبق في الرتبة من الماضي، فإذا نفي الأصل كان الفرع أشد انتفاء. وكذلك أيضا حديث الشرط في نحو: إن قمتَ قمتُ, جئتَ بلفظ الماضي الواجب تحقيقا للأمر وتثبيتا له، أي: إن هذا وعد موفى به لا محالة، كما أن الماضي واجب ثابت لا محالة"٣.

стр. 149

ويوضح تعليله لمجيء الماضي بدل المضارع في الشرط بصورة أكثر وضوحا من الصورة السالفة، إذ يقول: "وقوله: إن قمتَ قمتُ يجيء بلفظ الماضي والمعنى معنى المضارع، وذلك أنه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ الماضي المقطوع بكونه حتى كأن هذا قد وقع واستقر، لا أنه متوقَّع مترقَّب"١. وكان يقول: إن العامل في الفعل من الحروف ينبغي أن يختص بدخوله عليه من أجل عمله فيه. وعلل عدم عمل السين في المضارع في مثل: سيقوم بأنها كالجزء منه؛ لأنها حرف واحد لا يستقل بنفسه، وألحق بها سوف. وكان يشبه الأداة الجازمة للمضارع بالدواء, والحركة في الفعل بالفضلة التي يخرجها الدواء, وكما أن الدواء إذا أصاب فضلة حذفها وإن لم يصادف فضلة أخذ من نفس الجسم, فكذلك الجازم إذا دخل على الفعل إن وجد حركة أخذها وإلا أخذ من نفس الفعل، وسهُل حذف حرف العلة لسكونه؛ لأنه بالسكون يضعف فيصير في حكم الحركة، فكما أن الحركة تُحْذَف فكذلك حروف مثل: يغزو ويرمي ويخشى٢. وكان يعنى بالقياس عناية شديدة جعلته يهاجم من يعتدّون بالشواذ والنوادر، داعيا إلى إسقاطها حتى لا يحدث اضطراب في المقاييس النحوية والصرفية، وفي ذلك يقول: "اعلم أنه ربما شذّ شيء من بابه، فينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يُعنَ بالحرف الذي يشذ عنه. وهذا مستعمل في جميع العلوم، ولو اعتُرض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى سمعت حرفا مخالفا لا شك في خلافه لهذه الأصول فاعلم أنه شَذَّ، فإن كان سُمع ممن تُرضَى عربيته فلا بد أن يكون قد حاول به مذهبا أو نحا نحوا من الوجوه أو استهواه أمر غلطه. وليس البيت الشاذ والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجة على الأصل المجمع عليه في كلام ولا نحو ولا فقه، وإنما يركن إلى هذا ضَعَفَة أهل النحو "يريد الكوفيين" ومن لا حجة معه. وتأويل هذا وما أشبهه في الإعراب كتأويل ضعفة أصحاب الحديث وأتباع القُصَّاص في

стр. 150

الفقه"١. وفي هذا ما يدل على نفاذ بصيرته، إذ تنبه إلى أن الأساس في كل قاعدة علمية أن تطرد، وأن يحكم على كل ما يخالفها بالشذوذ، لا أن يُتخذ قاعدة مستقلة كما يصنع ذلك الكوفيون, فإن ذلك من شأنه أن يعطل القواعد النحوية والصرفية ويصيبها بالشلل لمجرد وجود بيت شاذ عليها أو كلام محفوظ بأسانيد ضعيفة. وكأنه كان يرى أنه يكفي أن ينص على شذوذه، وأن لا يحاول أحد تأويله أو تخريجه كما كان يصنع أساتذته البصريون، ويشبه صنيعهم بصنيع القصاص وضعفة أصحاب الحديث في تصحيح ما يقوم كذبه, أو على الأقل شذوذه بالقياس إلى القواعد الفقهية المقررة. وله آراء نحوية وصرفية كثيرة تداولتها كتب النحو التي جاءت بعده، منها أنه كان لا يرى ما يراه الجمهور من أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا أو حالا أو نعتا يتعلقان بمحذوف تقديره: مستقر أو استقر، إذ كان يذهب إلى أنهما قسم مستقل بنفسه يقابل الجملتين الاسمية والفعلية٢. وكان جمهور البصريين يذهب إلى أن "ليس" فعل ناقص لاتصالها بالضمائر مثل: ليست ولستما ولسن، وذهب ابن السراج إلى أنها حرف لأنها لا تتصرف، أي: لا يأتي منها المضارع والأمر٣. ومثلها عسى، كان يرى أنها حرف لعدم تصرفها كليس، بينما كان يرى الجمهور أنها فعل لاتصالها بالضمائر مثل عساك وعساه٤. وكان يصحح جواز تقديم خبر كان ولو كان جملة, وكذلك توسطه بينها وبين اسمها، وكان الجمهور يمنع ذلك، غير أن ابن السراج كان يحتج بتقدم المعمول للخبر في قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ , ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ , وكان يقول: تقديم المعمول يؤذن بتقدم العامل٥. وكان يجوز حذف مفعولي ظن وأخواتها ولو لم يكن هناك دليل على حذفهما، محتجا بقوله جل وعز: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ أي: يعلم وقوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٦. وكان الجمهور يرى تعليق ظن وأخواتها عن العمل إذا تقدم المفعولين أداة استفهام أو ما وإن النافيتان

стр. 151

أو لام الابتداء, وأضاف ابن السراج لا النافية في مثل: ظننت لا يقوم زيد١. ولم يكن الجمهور يصحح استعمال لا مكان ليس في مثل قولهم: قرأت كتابا ليس غير، بينما ذهب ابن السراج إلى أنها تستخدم مثلها في هذا الموضع, فيقال: قرأت كتابا لا غير، أي: إنه لم يكن يشترط في غير المبنية على الضم أن تكون تالية لليس وحدها دون لا٢. وكان الجمهور يعرب مثل القرفصاء في قولهم: قعد القرفصاء مفعولا مطلقا، أما هو فكان يعربه صفة لموصوف محذوف هو المفعول المطلق، وتقديره: عنده قعد القعدة القرفصاء٣. وذهب الجمهور إلى أن لما في مثل: "لما جاءني أكرمته" حرف وجود لوجود، بينما ذهب ابن السراج إلى أنها ظرف بمعنى حين٤. ومر بنا أن الأخفش كان يجوز العطف على العائد المنصوب المحذوف وتوكيده والبدل منه، مثل: جاءني الذي ضربت وعمرا, ولقيت الذي كلمت نفسه، وكان ابن السراج يمنع ذلك منعا باتا٥. وزاد على ما ذكره سيبويه من أبنية الأسماء وصيغها اثنين وعشرين بناء٦، ونوه القدماء طويلا بكتابه الذي صنفه في الاشتقاق، وفيه يقول السيوطي: "هو أصح ما وُضع في هذا الفن من علوم اللسان", وكان يقول: "من اشتق اللفظ الأعجمي المعرب من العربي, كان كمن ادعى أن الطير من الحوت"٧.

стр. 152

٤- السيرافي ١: هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، وُلد بسيراف سنة ٢٨٠ للهجرة، وكان أبوه مجوسيا يسمى بهزاد، فأسلم وتسمى باسم عبد الله. ويظهر أنه دفع ابنه إلى التعلم منذ نعومة أظفاره، ولم يلبث التلميذ الناشئ أن أكبّ على دروس اللغة والدراسات الدينية ببلدته، ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى خرج إلى عمان وتفقه على شيوخها، ثم تحول عنها إلى بغداد، فدرس اللغة على ابن دريد والنحو على ابن السراج والقراءات علي أبي بكر بن مجاهد، وتعمق في الفقه تعمقا جعله يُختار لتولي منصب القضاء في الجانب الشرقي لبغداد، ولم يلبث أن ولي قضاء الجانبين: الشرقي والغربي جميعا، وهو في أثناء ذلك يتولى تدريس الفقه الحنفي للطلاب بمسجد الرصافة نحو خمسين عاما. وبلغ من إجلال الناس له أن كانوا يخاطبونه بإمام المسلمين وشيخ الإسلام. وبجانب ذلك كان يعنى بالنحو ويفزع إليه الطلاب في تفسير عويصه وحل مشاكله ومستغلقاته. وكان يعتنق الاعتزال مما جعله شديد الصلة بالمنطق والمباحث الفلسفية، وهي صلة سلّحته بقوة الحجة وسلامة البرهان، مما أضرم فيه نار الجدل، وجعله يظفر دائما بمناظريه. ومناظرته التي أفحم فيها متى بن يونس مشهورة، وكان موضوعها النحو والمنطق أيهما أدق في معرفة صحيح الكلام من سقيمه وسديده من مدخوله، وكان يدافع فيها عن لنحو، وأغصه بريقه. وكان يشغف شغفا شديدا بكتاب سيبويه، فألف عليه شرحه المطول الذي لم يطبع إلى اليوم، وهو يضم فيه آراء مخالفيه من البصريين والكوفيين جميعا،

стр. 153

متوقفا دائما للرد على الأخيرين. وألف مصنفا في شرح شواهد سيبويه ومصنفا ثانيا سماه المدخل إلى الكتاب. وترجم لنحاة البصرة في كتابه "أخبار النحاة البصريين". ومن مصنفاته كتاب ألفات الوصل والقطع وكتاب شرح مقصورة ابن دريد وكتاب الإقناع في النحو لم يتمه وكتاب صناعة الشعر والبلاغة وكتاب جزيرة العرب. وما زال يوالي نشاطه في التأليف والتصنيف, حتى توفي سنة ٣٦٨ للهجرة. وتوجد من شرحه للكتاب نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية، كتبها عبد اللطيف البغدادي العالم الفيلسوف المعروف. وهو لا يتخذ في هذا الشرح منهجا ثابتا، إذ تارة يتقدم كلام سيبويه بموجز يوضحه، وتاره يبدأ بكلام سيبويه ويأخذ في شرحه وتوضيحه، وإذا كان كلام سيبويه واضحا لم يتعرض لشرحه، ومن أجل ذلك قد يترك فقرات وصفحات في الكتاب دون شرح وتفسير؛ لأنها في رأيه لا تحتاج تفسيرا ولا شرحا. وقد بذل جهدا خصبا في شرح كل ما غمُض أو استغلق في الكتاب. وهو يسوق شرحه في لغة بيّنة واضحة، ويفيض في الشرح عارضا بالتفصيل آراء من خلفوا سيبويه من نحاة البصرة والكوفة، وكثيرا ما يستخدم مع الأولين كلمة: قال أصحابنا، معلنا بصريته, ودائما يقف معهم مناصرا لهم ضد الكوفيين. واستقر في نفسه إلى أقصى حد أن سيبويه هو الإمام المتبوع وأن كتابه هو العَلم المنصوب، مما جعله يتصدى في مواطن كثيرة للرد على مخالفيه من الكوفيين، ومن البصريين أمثال الأخفش والمبرد. ومر بنا أن المبرد صنف كتابا في شبابه حاول فيه أن يتعقب سيبويه فيما سماه مسائل الغلط, وأن ابن ولاد تصدى له في كتابه "الانتصار" يرد عليه. وكثيرا ما نرى السيرافي يذكر تغليط المبرد لسيبويه، ويعمد إلى نقضه، وقد يقول في أثناء ذلك: وذكر الراد عليه، ويسوق رد ابن ولَّاد دون ذكر اسمه. وهو يخالف نحاة البصرة من أمثال المبرد في قبوله للقراءات الشاذة دون تغليطها على نحو ما صنع ذلك الأخفش من قبله. وقد اتسع السيرافي في كثرة ما أضافه من شواهد في شرحه للكتاب، كما

стр. 154

اتسع في بيان وجوه الإعراب الممكنة لها ولما يسوقه سيبويه من شواهد، وأيضا لبعض ما يجري في كلام سيبويه من ألفاظ، وتبدو الصورة الأخيرة واضحة منذ الخطوات الأولى في الشرح, إذ يقف عند لفظة "ما" في أول عنوان بالكتاب وهو "هذا باب علم ما الكلم من العربية" ويذكر لها خمسة عشر وجها من وجوه الإعراب. ونراه دائما يرد كل اعتراض يوجه إلى سيبويه في عباراته، فمن ذلك قوله في أوائل كتابه: "هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية" وهي عنده ثمانية مجارٍ, ويقصد بالمجاري حركات أواخر الكلم، واعترض عليه بعض المتعقبين بأن الحركات تجري والمجاري لا تجري وإنما يُجْرَى فيهن، وأجاب السيرافي على هذا الاعتراض بجوابين؛ أولهما: أن أواخر الكلم تنتقل من حركة إلى حركة، فجعل سيبويه كل حركة مجرى لذلك وجمعها على مجارٍ، وثانيهما: أن مجرى في معنى جرى، فهو مصدر والمصادر قد تجمع. ولا يلبث السيرافي أن يورد اعتراض المازني على سيبويه، لعده حركات البناء، وهي الفتح والكسر والضم والوقف أو السكون, مجاري؛ لأن الحركات في أواخر المبنيات كالحركات في أوائلها، والجري إنما يكون لما يحدث في شيء مرة ثم يزول عنه، والمبني لا يزول عن بنائه، فكان ينبغي أن يقتصر سيبويه على أربعة مجارٍ، وهي حركات الإعراب من الرفع والنصب والجر والجزم ويترك الأربعة الأخرى الخاصة بالبناء. وأجاب السيرافي على هذا الاعتراض بأن أواخر الكلم هي مواضع التغيير، ومن هنا يجوز إطلاق كلمة "مجاري" على حركات البناء، وإن كان بعضا لازما١. وكان السيرافي يتوسع في التعليل توسعا أسعفه فيه عقله الجدلي الخصب، فليس هنا شيء علله النحاة إلا وتذكر عللهم فيه، وتضاف إليها علل جديدة، وما لم يعللوه حاول جاهدا أن يجد له علة أو عللا تسنده, من ذلك أن نراه يعلل لعدم جر المضارع كما جر الاسم بسبع علل٢، ويقف عند نصب جمع المذكر السالم بالياء دون الألف، ويذكر لذلك أربع علل، كما يذكر لعدم نصبه بالواو أربع علل أخرى، وأيضا فإنه يذكر لاختيار الألف دون الواو في

стр. 155

رفع المثنى ثلاث علل١. وتتكاثر أمثال هذه العلل الميتافيزيقية في كل جوانب الشرح. وينبغي أن نعرف أن وقوفه مع سيبويه لم يمنعه من مخالفته أحيانا والأخذ بآراء غيره أو برأي من عنده، من ذلك أنه كان يرد رأي سيبويه في أن كيف ظرف، ويذهب مذهب الأخفش في أنها اسم غير ظرف٢. وكان سيبويه والخليل يريان أن الجزم في مثل: "ائتني أكرمْك" بنفس الطلب لتضمنه معنى إن الشرطية، وذهب السيرافي إلى أن المضارع مجزوم بالطلب لنيابته مناب الجازم الذي هو الشرط المقدر كما أن النصب بضربا في قولك: "ضربا زيدا" لنيابته عن اضربْ, لا لتضمنه معناه٣. ومر بنا أن الخليل وتابعه سيبويه، كان يرى أن الجزم في فعل أكن في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ للعطف على معنى ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾ أي: إن أخرتني، وكان السيرافي يذهب إلى أن "أكن" معطوفة على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ ٤. وكان سيبويه يذهب إلى أن خفض خَرِب في قولهم: "هذا جُحر ضَبٍّ خربٍ" للجوار؛ لأن الكلمة نعت للجحر وجرت بملاحظة ما يجاورها، وقال السيرافي: بل هي نعت لضب، حذفت بقيته، إذ أصل العبارة: هذا جحر ضب خرب الجحر منه، ثم حذف الضمير في "منه" للعلم به، وحول الإسناد إلى ضمير الضب، وخفض الجحر, كما تقول: مررت برجل حسن الوجه، بالإضافة، والأصل "حسنٍ الوجهُ منه" ثم أُتي بضمير الجحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر٥, وهو تأويل فيه تكلف بيّن. وكان يذهب إلى أن كان الزائدة في مثل: "ما كان أحسن زيدا" تامة وفاعلها المصدر الدالة عليه أي: كان الكون٦. وكان يمنع -خلافا للمبرد- دخول لام الابتداء بعد إن على معمول خبرها ما دامت قد دخلت على الخبر نفسه٧. وكان يجعل لفظة الشر في مثل: "إياك والشر" معطوفة على إياك, لا معمولة لفعل

стр. 156

مضمر على تقدير من قدّر عبارتها: إياك باعدْ من الشر واحذر الشر١. ولم يكن يجيز في "غير" المبنية على الضم أن يقال بجانب "ليس غير" في مثل: "قرأت كتابا ليس غير" لم يكن غير٢. وكان يجيز دخول لام الابتداء على السين في مثل "لسأقوم" كما تقول: لسوف أقوم٣. وقد أكثر من تخريجاته لوجوه الإعراب في الصيغ والعبارات، من ذلك نصب ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ في الآية الكريمة: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وكان الخليل كما قدمنا يجعلها منصوبة على المدح بتقدير: واذكر "المقيمين الصلاة", وجوز السيرافي أن تكون مجرورة بالعطف على ما, فيكون معناه "يؤمنون بما أنزل إليك" وبالمقيمين الصلاة أي: بمذاهبهم وبدينهم٤. وواضح أنه تخريج بعيد. وكان الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن ليت إذا اتصلت بها "ما" جاز عملها وإلغاؤها، وإلغاؤها أحسن كقول بعض الشعراء: قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد وواضح أن الشاعر ألغى ليت وجعل هذا مبتدأ ولنا خبرا. وجوز السيرافي أن تكون ما اسما موصولا بمنزلة الذي، وهذا الحمام خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ألا ليت الذي هو هذا الحمام لنا٥، وهو تخريج بعيد. وكان المبرد يعرب: "من لي إلا أبوك صديقا" من مبتدأ وأبوك خبره وصديقا حال، وجوز السيرافي أن تكون من مبتدأ ولي خبره وأبوك بدلا من مَنْ٦، وهو أيضا تخريج بعيد. على أن كثرة تخريجاته لوجوه الإعراب جعلته يدلي بطائفة من الآراء الطريفة، من ذلك أنه كان يرى أن عبارة "مذ يومان" في قولك: "ما رأيته مذ يومان" في موضع الحال٧، وكان يرى أن جملة أفعال الاستثناء مثل ليس ولا يكون وخلا وعدا في موضع نصب حال، وجوز فيها أن تكون مستأنفة٨. وكان يقول: إن

стр. 157

ما في مثل "ما خلا" مصدرية، وتقدير الحال في كل هذه الأفعال حين تقول: قام القوم ليس زيدا أو ما خلا زيدا ونحوهما هو: خالين عن زيد١. وبالسيرافي تنتهي مدرسة البصرة، وتصل إلى غايتها من تأصيل القواعد ومد الفروع المتشابكة, وكانت تقابلها منذ الكسائي وما ألهمه به الأخفش من الخلاف على سيبويه مدرسة الكوفة. ومن الحق أن مدرسة البصرة هي التي شادت، كما أسلفنا، بناء النحو الشاهق، وقد تسلمت منها مدرسة الكوفة، ثم المدرسة البغدادية وما خلفها من المدرستين الأندلسية والمصرية هذا البناء كاملا، ومضت كل مدرسة تحاول أن تدخل على هذا البناء من الإضافات ما يتيح لها أن تكون ذات منهج جديد.

стр. 158

القسم الثاني: المدرسة الكوفية الفصل الأول: نشأة النحو الكوفي وطوابعه ١- النشأة: تركت الكوفة للبصرة وضع نقط الإعراب في الذكر الحكيم ووضع نقط الإعجام، والأنظار النحوية والصرفية الأولى التي تبلورت عند ابن أبي إسحاق والتي أقام عليها قانوني القياس والتعليل، إذ كانت في شغل عن كل ذلك بالفقه ووضع أصوله ومقاييسه وفتاواه وبالقراءات وروايتها رواية دقيقة، مما جعلها تحظى بمذهب فقهي هو مذهب أبي حنيفة وبثلاثة من القراء السبعة الذين شاعت قراءاهم في العالم العربي، وهم: عاصم وحمزة والكسائي. وعُنيت بجانب ذلك عناية واسعة برواية الأشعار القديمة وصنعة دواوين الشعر، وإن كانت لم تعن بالتحري والتثبت فيما جمعت من أشعار، حتى ليقول أبو الطيب اللغوي: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة, ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بيّن في دواوينهم"١. وعادة تذكر كتب التراجم أولية للنحو الكوفي مجسدة في أبي جعفر الرواسي ومعاذ الهراء. أما الرواسي فيقول مترجموه٢: إنه أخذ النحو عن عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، وعاد إلى الكوفة فتتلمذ عليه الكسائي، وألف لتلاميذه كتابا في النحو سماه "الفيصل"٣. وكان يزعم أن كل ما في كتاب سيبويه من قوله: "وقال الكوفي" إنما يعنيه، غير أن الكتاب يخلو خلوا تاما من هذه

стр. 159

الكلمة وإن كان قد ذكر أهل الكوفة مع بعض القراءات في ثلاثة مواضع١. ومن المؤكد أنه لم يدل في النحو بآراء ذات قيمة، بدليل أن اسمه لم يدر في كتب النحاة التالية لعصره، وفيه يقول أبو حاتم: "كان بالكوفة نحوي يقال له: أبو جعفر الرواسي، وهو مطروح العلم ليس بشيء"٢. وكان يعاصره معاذ٣ الهراء المتوفى سنة تسعين ومائة، ويظهر أنه اختلف مثل سالفه إلى نحاة البصرة، فتلقن عنهم النحو والصرف، ثم رجع إلى الكوفة، وقعد للإملاء، وأخذ عنه فيمن أخذوا الفراء، وكل ما أثر عنه أنه كان يعرض لبعض مسائل التصريف, وأنه سأل يوما بعض مناظريه: "كيف تقول من "تؤزهم أزا": يا فاعل افعل؟ وصلْها بيا فاعل افعل من "إذا الموءودة سئلت""٤. وبنى السيوطي على هذا الخبر أنه واضع علم الصرف، والخبر لا يسنده كتاب وضعه في هذا العلم، وهو لا يعدو معرفته بالتصريف، وكتاب سيبويه زاخر به وبما لا يكاد يحصى من أمثلته وأبنيته، ومنه خلصها المازني ووضع فيها كتابه "التصريف". ومما يؤكد وهم السيوطي فيما ادعاه أنه ليس لمعاذ في كتب التصريف آراء تنسب إليه ذات قيمة، وكأن علمه بالصرف مثل علم الرواسي في النحو كان علما محدودا لا غناء فيه ولا شيء يميزه من علم البصرة. إنما يبدأ النحو الكوفي بدءا حقيقيا بالكسائي وتلميذه الفراء. فهما اللذان رسما صورة هذا النحو ووضعا أسسه وأصوله، وأعداه بحذقهما وفطنتهما لتكون له خواصه التي يستقل بها عن النحو البصري، مرتبين لمقدماته، ومدققين في قواعده، ومتخذين له الأسباب التي ترفع بنيانه.

стр. 160

٢- النحو الكوفي يشكل مدرسة مستقلة: أجمع القدماء على أن نحو الكوفيين يشكل مذهبا مستقلا, أو كما نقول بلغة العصر مدرسة مستقلة سواء منهم أصحاب كتب الطبقات والتراجم مثل ابن النديم في كتابه الفهرست والزبيدي في كتابه طبقات النحويين واللغويين أو أصحاب كتب المباحث النحوية، إذ نراهم دائما يعرضون في المسائل المختلفة وجهتي النظر المتقابلتين في المدرستين: الكوفية والبصرية. وقد أفرد أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري مجلدا ضخما عرض فيه الخلاف بين المدرستين في إحدى وعشرين ومائة مسألة، وهو إنما عرض أهم ما اختلفتا فيه من مسائل في رأيه, ووراءها مسائل أخرى كثيرة مبثوثة في الكتب النحوية لم ير التوسع بذكرها. ونعجب أن نرى "فايل" ناشر هذا الكتاب لأول مرة, يزعم في مقدمته له أن الكوفة لم تؤسس لنفسها مدرسة نحوية خاصة وأن خلافات نحاتها وخاصة الكسائي والفراء مع الخليل وسيبويه إنما هو امتداد لما سمعاه من أستاذهما البصري يونس بن حبيب الذي نص القدماء على أن له قياسا في النحو خاصا به ومذاهب ينفرد بها. واستدل على ذلك بأن جميع المواضع التي ذكر ابن الأنباري اسمه فيها بكتابه يذكر معه فيها الكوفيين متابعين له في آرائه، وهي لا تعدو أربعة آراء! واستدل أيضا بأن الزمخشري قرن به الكوفيين في خمس مسائل بكتابه المفصل. وهو استدلال واضح الضعف، إذا قسنا ما وقف فيه الكوفيون معه إلى ما وقفوه مع الخليل وسيبويه، فالكتب النحوية إنما تذكر خلافهم لهما ولا تذكر مواضع اتفاقهم معهما، وهي أكثر من أن يحاط بها. ونفس سيبويه نقل عن يونس في كتابه نحو مائتي رواية تتخللها آراؤه التي كان يتفرد بها دونه ودون أستاذه الخليل. والحق أننا إذا أردنا أن نبحث بين البصريين عن موجِّه للكسائي والفراء في إنشاء المذهب الكوفي مَثَل توا أمامنا الأخفش الأوسط الذي روى عنه الكسائي

стр. 161

إمام الكوفة الأول كتاب سيبويه، فهو الذي فتح له وللفراء أبواب الخلاف مع سيبويه والخليل على مصاريعها، وبذلك أعدهما للخلاف عليهما وتنمية هذا الخلاف بحيث نفذا إلى مذهبهما النحوي الجديد. وإذا كان فايل لاحظ أن بعض الكتب النحوية ذكرت اتفاق يونس والكوفيين في مسائل لا تعدو أصابع اليد الواحدة, فقد مر بنا في ترجمة الأخفش اتفاق الكسائي والفراء والكوفيين معه في نحو ثلاثين مسألة. وليس ذلك فحسب، فإنه هو أيضا الذي ألهم -كما مر بنا- الكوفيين المتأخرين الاعتداد بالقراءات الشاذة للذكر الحكيم، مما يجعله بحق الموجه الحقيقي للكوفيين في إحداث مدرستهم سواء من حيث أخذها بالقراءات الشاذة, أو من حيث التوسع في الرواية والاعتماد على الشواذ في مخالفة سيبويه وأستاذه الخليل. أما ما زعمه فايل من أن الكوفة لم تكن لها مدرسة نحوية خاصة, فقد بنى زعمه فيه على كثرة الخلافات بين أئمتها على نحو ما سيلقانا بين الكسائي وتلميذه الفراء، وكأنها لا تؤلف جبهة علمية موحدة، إنما كل ما هناك اتجاه للخلاف على البصرة تمادوا فيه. وهو دليل منقوض، فقد كان نحاة الكوفة يكونون جبهة طالما تناظر أفرادها مع أفراد جبهة البصرة، وأكثر ابن جني وغيره من ذكر آرائها، بل لقد أفرد لها العلماء المصنفات على نحو ما مر بنا آنفا عند أبي البركات بن الأنباري في كتابه الإنصاف. على أن فايل نفسه يعود فيثبت للفراء مذهبا في النحو خالف به الكسائي ومعاصريه، وليس هذا المذهب إلا مذهب المدرسة الكوفية التي أنكرها، تكامل تشكله عنده. أما أنه خالف أستاذه الكسائي في بعض المسائل فهذا من حقه، على نحو ما خالف سيبويه أستاذه الخليل، وعلى نحو ما خالفهما معا تلميذهما الأخفش في كثير من المسائل، وهم جميعا أئمة المدرسة البصرية. وسنرى في غير هذا الموضع أن الفراء يقوم في الكوفة مقام سيبويه في البصرة، فهو الذي أعطى المدرسة الكوفية تشكلها النهائي إلا بعض إضافات زادها الكوفيون بعده وفي مقدمتهم ثعلب. وغلا بعض المعاصرين في كتاب له عن الفراء فأخرجه من المدرسة الكوفية, وجعله إمام المدرسة البغدادية التي تكونت بعده بنحو مائة عام, والتي أقامت

стр. 162

مذهبها النحوي على عُمُد الانتخاب من آراء المدرستين الكوفية والبصرية. وإنما أوقعه في ذلك أنه رأى الفراء يتأثر بالمدرسة البصرية في بعض آرائه ومنازعه١، كأن يعمد أحيانا في الإعراب إلى تقدير العوامل المحذوفة، أو يرفض بعض اللغات الشاذة، أو يأخذ بالقياس وضبط القواعد، أو يخطئ شاعرا في تعبير. وكل ما رواه من ذلك ليس فيه شيء انتخبه الفراء من آراء المدرسة البصرية وأقوال أئمتها النحويين، وإنما هو فيه يدلي بآرائه الخاصة. وأبعد في الغلو فقال: إنه تأثر بالبصريين في تخطئة بعض القراءات متورطا في ذلك مع بعض الباحثين، ورأينا في ترجمة الأخفش كيف كان يوجه القراءات التي لا تجري على مقاييس مدرسته، وليس في كتاب سيبويه تخطئة واحدة لقراءة من القراءات مع كثرة ما استشهد به منها, وقد صرح بقبولها جميعا مهما كانت شاذة على مقاييسه، إذ قال: إن "القراءة لا تخالف؛ لأنها سنة"٢. ويظهر أن الكسائي هو الذي بدأ تخطئة القراء, إذ نرى الفراء يتوقف في كتابه معاني القرآن مرارا ليقول: إن الكسائي كان لا يجيز القراءة بهذا الحرف أو ذاك، يقول تعليقا على قراءة يكون بالرفع والنصب في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ , وقول جل وعز في سورة يس: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فَيَكُونَ": بالنصب "لأنها مردودة "أي: معطوفة" على فعل قد نُصب بأن، وأكثر القراء على رفعهما، والرفع صواب، وذلك أن تجعل الكلام مكتفيا عند قوله "في سورة النحل": إذا أردنا أن نقول له كن، فقد تم الكلام، ثم قال: فيكون ما أراد الله. وإنه لأحب الوجهين إلي، وإن كان الكسائي لا يجيز الرفع فيهما ويذهب إلى النسق "أي: العطف على الفعل المنصوب بأن""٣. وكأن الفراء هنا يخطئ أستاذه ويصحح القراءة، وسنرى في ترجمته أنه أنكر عدة قراءات. ومن هنا كنا نؤمن بأنه هو وأستاذه اللذان فتحا للبصريين التالين لهما تخطئة بعض القراءات من أمثال

стр. 163

المازني والمبرد والزجاج، بينما أغلق الكوفيون الذين خلفوهما هذا الباب، بل لقد مضوا يتوسعون في الاحتجاج بالقراءات الشاذة مقتدين بالأخفش. ولعل في ذلك ما يسقط التهمة التي اتهم بها بعض المعاصرين نحاة البصرة عامة، إذ زعموا أنهم كانوا يطعنون على القراءات، كما زعموا أن الكوفيين عامة كانوا يقبلونها ويحتجون بها. وسنرى أن الفراء الكوفي هو الذي بدأ بقوة تخطئة القراء. وينبغي أن نعرف أن حروفا معدودة هي التي وقف عندها الكسائي والفراء ومن تلاهما من البصريين بحيث يكون من الإسراف أن يقال: إنهم كانوا يخطِّئون القراء، إنما الذي ينبغي أن يقال: إنهم وقفوا عند بعض حروف في قراءات القرآن الكريم، رغبة منهم في التحري الدقيق للفظ الذكر الحكيم ونطقه. على كل حال ليس الفراء بصريا ولا بغداديا، إنما هو كوفي، بل إن المدرسة الكوفية في النحو لم يتم تشكلها إلا به وبآرائه ومقاييسه وما اعتمده من تفسير لبعض الظواهر اللغوية وما وضعه من مصطلحات نحوية خالف بها مصطلحات البصريين، مما يجعله الإمام الحقيقي لهذه المدرسة. وحقا سبقه فيها أستاذه الكسائي، ولكن لم يكن له دقة عقله وغور ذهنه، بحيث يرسي قواعد المدرسة ويرفع أركانها. وإذا أخذنا نحقق هذه القواعد والأركان وجدنا ثلاثة طوابع كبيرة تشيع فيها هي: طابع الاتساع في الرواية، بحيث تفتح جميع الدروب والمسالك للأشعار واللغات الشاذة، وطابع الاتساع في القياس بحيث يقاس على الشاذ والنادر دون تقيد بندرته وشذوذه، ثم طابع المخالفة في بعض المصطلحات النحوية وما يتصل بها من العوامل. وينبغي أن يستقر في الأذهان أن المدرسة الكوفية لا تباين المدرسة البصرية في الأركان العامة للنحو، فقد بنت نحوها على ما أحكمته البصرة من تلك الأركان، التي ظلت إلى اليوم راسخة في النحو العربي، غير أنها مع اعتمادها لتلك الأركان استطاعت أن تشق لنفسها مذهبا نحويا جديدا، له طوابعه وله أسسه ومبادئه. وإذن فمن الخطأ أن يرى معاصرٌ الكسائيَّ أو الفراء يتأثر بالنحو البصري، فيظن أنهما ليسا كوفيين وأنهما مقدمة المذهب البغدادي أو المدرسة البغدادية، فإن هذا التأثر عندهما وعند جميع أئمة الكوفة شيء طبيعي، ومعروف أن

стр. 164

الكسائي تتلمذ للخليل بن أحمد وأنه قرأ كتاب سيبويه على الأخفش، وقد رحل الفراء إلى البصرة وتتلمذ على يونس بن حبيب وأكب على كتاب سيبويه يقرؤه ويدرسه، كما أكب عليه جميع أئمة الكوفة من بعده. ومعنى ذلك أن الصلة بين المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية في النحو ظلت قائمة على مدار الزمن, وأن من الطبيعي أن نجد دائما عند نحاة الكوفة تأثرات مختلفة بالمذهب البصري، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يتبينوا شخصياتهم إزاءه، وأن ينفذوا إلى مذهب مستقل بهم، له طوابعه وخصائصه التي تفرده عن المذهب البصري إفرادا متميزا واضحا.

стр. 165

٣- الاتساع في الرواية والقياس: لعل أهم ما يميز المدرسة الكوفية من المدرسة البصرية اتساعها في رواية الأشعار وعبارات اللغة عن جميع العرب بدويهم وحضريهم، بينما كانت المدرسة البصرية تتشدد تشددا جعل أئمتها لا يثبتون في كتبهم النحوية إلا ما سمعوه من العرب الفصحاء الذين سلمت فصاحتهم من شوائب التحضر وآفاته، وهم سكان بوادي نجد والحجاز وتهامة من "قيس وتميم وأسد, فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمه وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم"١. وليس معنى ذلك أن أئمة الكوفة لم يكونوا يرحلون إلى هذه القبائل الفصيحة، فقد كانوا يكثرون من الرحلة إليها، على نحو ما يحدثنا الرواة عن الكسائي، فقد قالوا: إنه خرج إلى نجد وتهامة والحجاز "ورجع وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ"٢. ولكن معناه أن الكوفيين وفي

стр. 166

مقدمتهم إمامهم الكسائي كانوا لا يكتفون بما يأخذون عن فصحاء الأعراب، إذ كانوا يأخذون عمن سكن من العرب في حواضر العراق، وكثير منهم كان البصريون لا يأخذون عنهم ولا عن قبائلهم المقيمة في مواطنها الأصلية مثل تغلب وبكر؛ لمخالطتهما الفرس ومثل عبد القيس النازلة في البحرين لمخالطتها الفرس والهند١. وقد حمل البصريون على الكوفيين حملات شعواء حين وجدوهم يتسعون في الرواية على هذه الشاكلة، وخصوا الكسائي بكثير من هذه الحملات، قائلين: "إنه كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز، من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة والضرورات، فيجعل ذلك أصلا، ويقيس عليه حتى أفسد النحو"٢. وقالوا: إنه لقي عشيرة من بني عبد القيس تسمى الحطمة كانت نازلة ببغداد، فأخذ عنها كثيرا من الخطأ واللحن٣، مما اتضح أثره في مناظرته المشهورة لسيبويه، فإن سيبويه تمسك فيها بما سمعه عن العرب الفصحاء في مثل: "قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور, فإذا هو هي" حتى إذا قال الكسائي: إنه يجوز "فإذا هو إياها" أنكر ذلك إنكارا شديدا. وسرعان ما استعان عليه الكسائي بأعراب عشيرة الحطمة، فأيدوه, وتأييدهم لا قيمة له في رأي سيبويه ومدرسته؛ لأنهم ليسوا من الفصحاء المتبدين في قيعان نجد وتهامة والحجاز، ممن يؤخذ عن لسانهم النحو واللغة. وكان ذلك بدءا لخلاف واسع بين المدرستين، فالبصرة تتشدد في فصاحة العربي الذي تأخذ عنه اللغة والشعر، والكوفة تتساهل، فتأخذ عن الأعراب الذين قطنوا حواضر العراق، مما جعل بعض البصريين يفخر على الكوفيين بقوله: "نحن نأخذ اللغة عن حرشة "أكلة" الضباب وأكلة اليرابيع "أي: البدو الخلص", وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز٤ وباعة الكواميخ٥ "أي: عرب المدن"". ولم تقف المسألة عند حد الاتساع في الرواية، بل امتدت إلى الاتساع

стр. 167

في القياس وضبط القواعد النحوية، ذلك أن البصريين اشترطوا في الشواهد المستمد منها القياس أن تكون جارية على ألسنة العرب الفصحاء, وأن تكون كثيرة بحيث تمثل اللهجة الفصحى, وبحيث يمكن أن تُستنتج منها القاعدة المطردة. وبذلك أحكموا قواعد النحو وضبطوها ضبطا دقيقا، بحيث أصبحت علما واضح المعالم بيِّن الحدود والفصول. وجعلهم ذلك يرفضون ما شذ على قواعدهم ومقاييسهم لسبب طبيعي، وهو ما ينبغي للقواعد في العلوم من اطرادها وبسط سلطانها على الجزئيات المختلفة المندرجة فيها. ولم يقفوا عند حد الرفض أحيانا، إذ وصفوا بعض ما شذ على قواعدهم مما جرى على ألسنة بعض العرب بأنه غلط ولحن، وهم لا يقصدون اتهامهم بذلك حسب المدلول الظاهر للكلمتين، إنما يقصدون أنه شاذ على القياس الموضوع وخارج عليه فلا يلتفت إليه. وتوقف كثير من المعاصرين الذين يخوضون في المباحث النحوية عند هذين اللفظين, وحاولوا الرد على البصريين غير متنبهين لمدلول الكلمتين عندهم ومقصدهم منهما. وكل من يعرف كيف توضع القواعد في العلوم يدرك دقة البصريين في وضعهم لقواعد النحو والتمكين لما ينبغي لها من صحة وسلامة وسداد، بحيث يطرد سلطانها وينبسط على جميع الألسنة، وبحيث تصبح هي المتحكمة إزاء جميع العيون وتجاه جميع الأسماع، وبحيث لا يفسدها شذوذ قد يندّ على بعض الأفواه. وقد وقف الكوفيون من هذا البناء العلمي المحكم موقفا يدل على نقص فهمهم لما ينبغي للقواعد العلمية من سلامة واطراد، إذ اعتدوا بأقوال وأشعار المتحضرين من العرب، كما اعتدوا بالأشعار والأقوال الشاذة التي سمعوها على ألسنة الفصحاء، مما خرج على قواعد البصريين وأقيستهم ومما نعتوه بالخطأ والغلط. ولم يكتفوا بذلك, فقد حاولوا أن يقيسوا عليها وقاسوا كثيرا، مما أحدث اختلاطا وتشويشا في نحوهم، لما أدخلوه على القواعد الكلية العامة من قواعد فرعية قد تنقضها نقضا، مع ما يئول إليه ذلك من خلل في القواعد وخلل في الأذهان، بحيث لا تستطيع فهم ذلك إلا بأن يُعكَس عليها مرارا وتكرارا؛ لاختلاط القواعد وتضاربها، وأحس ذلك القدماء في وضوح فقالوا: "لو سمع الكوفيون بيتا واحدا

стр. 168

فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا, وبوبوا عليه"١ وقالوا: "عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظا في شعر, أو نادر كلام جعلوه بابا أو فصلا"٢. ولعلنا بذلك نستطيع أن نفهم السر في أن نحو المدرسة البصرية هو الذي ظل مسيطرا على المدارس النحوية التالية, وعلى جميع الأجيال العربية التي جاءت من بعدهم؛ لأن قواعدهم هي القواعد المطردة مع الفصحى، ونقصد الكثير فيها الذي استُخرجت منه تلك القواعد استخراجا مصفى مروقا أروع ما يكون الترويق والتصفية. على أنه ينبغي أن نعرف أن المدرسة البصرية حين نحّت الشواذ عن قواعدها لم تحذفها ولم تسقطها، بل أثبتتها، أو على الأقل أثبتت جمهورها، نافذة في كثير منها إلى تأويلها، حتى تنحي عن قواعدها ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن خللا يشوبها، وحتى لا يغمض الوجه الصحيح في النطق على أوساط المتعلمين، إذ قد يظنون الشاذ صحيحا مستقيما، فينطقون به ويتركون المطرد في لغة العرب الفصيحة وتصاريف عباراتهم وألفاظهم. ومن هنا يتضح خطر قواعدهم بالقياس إلى ما زاده الكوفيون من قواعد استنبطوها من الشواذ النادرة، إذ إن ذلك يعرض الألسنة للبلبلة، لما يعترضها من تلك القواعد التي قد تخنق القواعد العامة. وقد ينجذب إليها بعض من لم يفقه الفرق بين القاعدة الدائرة على كثرة الأفواه, بل على كثيرها الأكثر, والقاعدة التي لم يرد منها إلا شاهد واحد، مما قد يئول إلى اضطراب شديد في الألسنة. وكأنما غاب غور هذا العمل وما أُرسي به من علم النحو على بعض المعاصرين, فإذا هو يطعن على البصريين لذلك الموقف بينما يحمد للكوفيين موقفهم, مطريا لهم, زاعما أنهم كانوا أدق من البصريين في فقه طبيعة العربية والإحساس بدقائقها التي لا تخضع دائما لمنطق العقل. وهو كلام لا يقوله إلا من لا يعرف كيف توضع القواعد في العلوم, وأنه ينبغي أن يرفع عنها كل ما يعترضها من اضطراب، بحيث تبسط سلطانها على جميع العناصر والجزئيات بسطا تاما كاملا. وما

стр. 169

أعرف كتابا يعلم دقة الحس اللغوي على نحو ما يعلمها كتاب سيبويه، بحيث لا أغلو إذا قلت: إنه يلقن قارئه سليقة العربية, والحس بها حسا دقيقا مرهفا, والشعور بها شعورا رقيقا حادا. ونحن نخلص من ذلك كله إلى أن المدرسة الكوفية توسعت في الرواية وفي القياس توسعا جعل البصرة أصح قياسا منها؛ لأنها لم تقس على الشواذ النادرة في العربية وطلبت في قواعدها الاطراد والعموم والشمول، كما جعلها أكثر تحريا منها للرواية عن الأعراب وأكثر تثبتا؛ لأنها لم ترو إلا عمن خلصت عربيتهم من شوائب التحضر، ولم تفسد طبائعهم بل ظلت مصفاة منقاة، ولا فسدت ألسنتهم، بل ظلت تجري على عرق العروبة الأصيل وإرثها القديم. والحق أن المدرسة البصرية كانت أدق حسا من المدرسة الكوفية في الفقه بدقائق العربية وأسرارها, فقد تعمقت ظواهرها وقواعدها النحوية والصرفية تعمقا أتاح لها أن تضع نحوها وضعا سديدا قويما، بل لقد بلغ من تعمقها أن أخذت تصحح ما ندَّ عن بعض الشعراء عن طريق التأويل والتخريج والتحليل الدقيق البصير، لا على أسس عقلية فحسب، بل أيضا على أسس سليقية، مما سال في فِطَر عباقرتها من أمثال الخليل واضع العروض, وسيبويه مشرع النحو وصائغ قواعده وقوانينه. ويكفي أن نرجع إلى الكتاب ونقرأ فيه تحليلات هذين العَلَمين البصريين؛ لنرى كيف تمثلا العربية تمثلا رائعا، وكيف كانا يتذوقان صياغاتها تذوقا بارعا. والكتاب يزخر بملاحظاتهما التي لا تقف عند الإحاطة بالخصائص اللغوية والنحوية، بل تمتد أيضا إلى الخصائص البيانية والأدبية مع ما يتناثر في أثناء ذلك من خواطر ما كانت لترد لهما على بال, لو لم يكونا قد استوعبا طبيعة اللغة وأتقنا العلم بجواهرها وأعراضها وخفاياها وظواهرها إتقانا يبلغ حد الكمال. وكل من يحاول أن يرفع أحدا من معاصريهما عليهما في البصر بالعربية وتذوقها والحس بها يكون مجانبا للصواب، بل متورطا في خطأ عظيم. وينبغي أن نعرف أن الكوفيين لم يقفوا بقياسهم عند ما سمعوه ممن فسدت سلائقهم من أعراب المدن, أو ما شذ على ألسنة بعض أعراب البدو،

стр. 170

فقد استخدموا القياس أحيانا بدون استناد إلى أي سماع، ونضرب لذلك مثلا قياسهم العطف بلكن في الإيجاب على العطف ببل في مثل: "قام زيد بل عمرو", فقد طبقوا ذلك على لكن وأجازوا: "قام زيد لكن عمرو" بدون أي سماع عن العرب، يجيز لهم هذا القياس١. وربما كان من أهم ما يدل على أنهم كانوا يرفضون السماع أحيانا؛ وبالتالي يرفضون ما يُبنى عليه من قواعد وأحكام, أنهم رفضوا الاعتداد بما رواه سيبويه في الكتاب من إعمال أسماء المبالغة في أقوال العرب الفصحاء وأشعارهم، فقد روى قولهم في الاختيار: "أما العسلَ فأنا شرَّاب" بنصب العسل مفعولا به لشراب، كما روى طائفة من الأشعار، عملت فيها صيغ: فعول ومفعال وفعيل وفعل، وعلى الرغم من ذلك كان الكسائي والفراء ينكران عمل هذه الأسماء محتجين هم وأصحابهم بأنها فرع عن أسماء الأفعال, وأسماء الأفعال فرع عن الفعل المضارع؛ ولذلك ضعف عملها٢. ومما رفضوا فيه السماع لا سماع أبيات قد تكون شاذة، بل سماع إحدى القراءات إعمال إن المخففة من الثقيلة النصب، فقد زعموا أن الثقيلة إنما عملت لشبهها بالفعل الماضي في بنائها على ثلاثة أحرف وأنها مبنية على الفتح مثله، فإذا خففت زال شبهها به فوجب أن يبطل عملها، ولم يلتفتوا لاحتجاج البصريين عليهم بقراءة نافع وابن كثير، وهي من القراءات السبع: "وإِنْ كُلًّا لما ليوفينَّهم ربُّك أعمالهم"٣. وكأنما حجبهم التعليل المنطقي الخالص، سواء في هذه المسألة أو في سابقتها، عن منطق اللغة وتصاريف عباراتها الفصيحة السليمة. وفي هذا ونحوه ما يردّ أقوى رد على من يزعمون أن الكوفيين كانوا أكثر بصرا بروح اللغة وأدق حسا, وأنهم لم يخضعوا -مثل البصريين- للمنطق والفلسفة، فقد كانوا يخضعون بدورهم لهما، بل ربما زادوا عنهم خضوعا أحيانا على نحو ما تصور ذلك المسألتان السالفتان. ومعروف أن الفراء، وهو الواضع الحقيقي للنحو الكوفي، كان معتزليا ومتكلما متفلسفا، بل قال المترجمون له: إنه كان

стр. 171

يتفلسف في تصانيفه ويصطنع فيها ألفاظ الفلاسفة. ومن يرجع إلى كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين, يجد فيه عتادا غزيرا من الحجج المنطقية العقلية التي أدلى بها الكوفيون في حوارهم وجدالهم الواسع مع البصريين, مما ينقض الزعم السالف نقضا. ومعنى ذلك أنه ينبغي أن نحذر مبالغات المتشيعين للكوفيين حين يزعمون أنهم كانوا يبنون قياسهم دائما على السماع، فقد كانوا يجافونه أحيانا ويضربون عنه صفحا, مهتدين بالمنطق العقلي الخالص. ومن يرجع إلى كتاب سيبويه يجده مع ما يمتلئ به من حجج منطقية رائعة لا يدلي بقياس ولا قاعدة نحوية عامة دون سماع من أفواه الفصحاء الخلص, وما يخوضون فيه من الشعر والكلام.

стр. 172

٤- المصطلحات, وما يتصل بها من العوامل والمعمولات: لعل مما يدل أكبر الدلالة على أن الكوفيين كانوا يقصدون قصدا إلى أن تكون لهم في النحو مدرسة يستقلون بها, أنهم على الرغم من تلمذة أئمتهم الأولين على أيدي البصريين وعكوفهم جميعا على كتاب سيبويه ينهلون منه ويعلون, حاولوا جاهدين أن يميزوا نحوهم بمصطلحات تغاير مصطلحات البصريين والنفوذ إلى آراء خاصة بهم في بعض العوامل والمعمولات. ونحن نعرض لأهم مصطلحاتهم التي تداولوها على ألسنتهم وسُجلت في تصانيفهم وتصانيف من خلفوهم من النحاة، فمن ذلك اصطلاح "الخلاف" وهو عامل معنوي كانوا يجعلونه علة النصب في الظرف إذا وقع خبرا في مثل "محمد أمامك"١, بينما كان البصريون يجعلون الظرف متعلقا بمحذوف خبر للمبتدأ السابق له. ومن ذلك اصطلاح الصرف جعله الفراء علة لنصب المفعول معه. مثل "جاء محمد وطلوعَ الشمس" بينما ذهب جمهور البصريين إلى أنه

стр. 173

منصوب بالفعل الذي قبله بتوسط الواو١، كما جعله علة نصب المضارع بعد واو المعية وفاء السببية وأو في مثل: "لأستسهلن الصعب أو أدركَ المنى", و"ما تأتينا فنتحدثَ معك", و"لا تنهَ عن خلق وتأتيَ مثله" بينما ذهب جمهور البصريين إلى أن المضارع بعد هذه الحروف منصوب بأن مضمرة وجوبا٢. ومن ذلك اصطلاح التقريب، وقد اختصوا به اسم الإشارة "هذا" في مثل: "هذا زيد قائمًا" وجعلوه من أخوات كان أي: إنه يليه اسم وخبر منصوب٣، بينما يعرب البصريون قائما حالا ويجعلون ما قبلها مبتدأ وخبرا. ومن ذلك اصطلاح الفعل الدائم ويقصدون به اسم الفاعل، وهو يقابل عندهم الفعل الماضي والفعل المستقبل الشامل لفعلي المضارع والأمر في اصطلاح البصريين. وكأنما دفعهم إلى ذلك أنهم وجدوه يعمل عمل الفعل كما وجدوا الأخفش الأوسط يجيز عمله معرفا بالألف واللام، وغير معرف بدون أي شرط من الشروط التي اشترطها جمهور البصريين، وهي: اعتماده على نفي أو استفهام أو أن يكون نعتا أو خبرا أو حالا, فنفذوا من ذلك إلى أنه فعل وسموه فعلا دائما٤. ومن ذلك اصطلاح المكني والكناية ويقصدون به الضمير٥. وكانوا يصطلحون على تسمية ضمير الشأن باسم المجهول في مثل: "إنه اليوم حار"٦, وتسمية ضمير الفصل باسم العماد في مثل: محمد هو الشاعر٧. وكانوا لا يطلقون كلمة المفعول إلا على المفعول به، أما بقية المفاعيل، وهي: المفعول فيه والمفعول المطلق والمفعول لأجله والمفعول معه, فكانوا يسمونها أشباه مفاعيل٨، وسموا الظرف "الصفة والمحل"٩ والبدل "الترجمة"١٠ والتمييز

стр. 174

"التفسير"١. وسموا لا النافية للجنس في مثل: "لا رجل في الدار" باسم "لا التبرئة", والصفة في مثل: "محمد الشاعر أقدم" باسم النعت٢, وكان يطلقه سيبويه كما مر في ترجمته على عطف البيان، وأخذ المتأخرون باسمهم كما أخذوا بتسميتهم للعطف بالحروف "عطف النسق"٣. وسموا حروف النفي باسم حروف الجحد٤ أي: الإنكار، كما سموا حروف الزيادة مثل إن في قولك: "ما إنْ أحد رأيته" باسم حروف الصلة والحشو٥. وسموا المصروف والممنوع من الصرف باسم "ما يجري وما لا يجري"٦. وسموا لام الابتداء في مثل: "لمحمد شاعر" لام القسم زاعمين أن الجملة جواب لقسم مقدر٧. وواضح أن هذه المصطلحات ظلت لا تسود في النحو العربي، إذا نحن استثنينا اصطلاح النعت وعطف النسق؛ لأن نظامه الذي وضعه البصريون هو الذي عم بين العلماء والناس في جميع الأمصار والأعصار، وهو لم يعم عفوا، إنما عم لدقته المنطقية، وكأن عقول البصريين كانت أكثر خضوعا وإذعانا لسلطان المنطق، ومناهجه الصارمة، لما قدمنا في غير هذا الموضع من صلة البصرة المبكرة بالدراسات المنطقية والفلسفية، وما هي إلا أن يكب بعض عباقرتها على النحو فإذا هم يصوغونه صياغة نهائية، ملائمين بين قواعده ومقاييسه ملاءمة دقيقة إلى أبعد حدود الدقة، ملاءمة تخلو من أي عوج أو نقص أو انحراف، وكأنما كان بأيديهم قسطاس مستقيم وضع كل قاعدة نحوية في موضعها بحيث لا تجور قاعدة على قاعدة. وارجع إلى مصطلح الخلاف الذي وضعه الكوفيون فستراه يشتمل على صياغات متباعدة، وأين الظرف الواقع خبرا من المفعول معه ومن الفعل المضارع المنصوب بعد فاء السببية مثلا؟ ومثل هذا الاصطلاح في اضطرابه اصطلاح التقريب الذي أدخلوا به اسم الإشارة في كان وأخواتها التي تتصرف تصرف الأفعال. وليست بقية المصطلحات بأكثر من محاولات لمخالفة

стр. 175

مدرسة البصرة في بعض مصطلحاتها؛ ولذلك رفضها نحاة العصور التالية فيما عدا اصطلاح النعت وعطف النسق كما قدمنا، على أن كلمتي العطف والنعت دارتا عند سيبويه في حديثه عن التوابع في الكتاب. والحق أنها مصطلحات أُريد بها أو على الأقل بأكثرها إلى مجرد الخلاف على مدرسة البصرة، ومما يدل على ذلك أوضح الدلالة موقف هؤلاء النحاة من ألقاب الإعراب والبناء التي وضعتها المدرسة البصرية، إذ ميزت بين حركات أواخر الكلمات المعربة والمبنية، فجعلت الرفع والنصب والجر والجزم للمعربة، وجعلت الضم والفتح والكسر والوقف أو السكون للمبنية، وفكر الكوفيون طويلا: هل يمكن أن يضعوا لهذه الألقاب أسماء جديدة؟ حتى إذا أعياهم ذلك لجئوا إلى قلبها، فجعلوا ألقاب الإعراب للمبني من الكلمات وألقاب البناء للمعرب١، وطبعا تلقَّى النحاة من حولهم ومن بعدهم ذلك بالرفض الباتّ؛ لأنه لا تدعو إليه حاجة، ولأنه يئول إلى إفساد ما بأيديهم من كتب النحو البصري الذي اتخذوه إمامهم، بل كان أيضا إماما للكوفيين وعلما مرفوعا، يهتدون به ويستمدون منه مَدَدا لا ينضب معينه. وعلى نحو ما حاولوا الخلاف على المدرسة البصرية في بعض مصطلحاتها النحوية, حاولوا الخلاف عليها في جوانب من العوامل والمعمولات، من ذلك إعراب المبتدأ والخبر، فقد ذهب البصريون إلى أن العامل في المبتدأ الرفع هو الابتداء، أما الخبر فذهب جمهورهم إلى أنه مرفوع بالمبتدأ، وقال قوم منهم: إنه مرفوع بالابتداء، مثله في ذلك مثل المبتدأ. وذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ، فهما مترافعان٢. وهو رأي واضح الضعف؛ لأنه ينتهي بالكوفيين إلى الدور المحال، كما يئول إلى أن يرتفع المبتدأ بشيء يجري على اللسان قبل النطق به. وقد لا يكون الخبر اسما مرفوعا بل يكون فعلا في مثل: "محمد كلمته" وقد ذهبوا في هذه العبارة إلى أن رافع المبتدأ هو الضمير المنصوب العائد على المبتدأ والمتصل بالفعل، وهو إبعاد في تقدير العامل في المبتدأ، بل هو تكلف شديد، ومر بنا في ترجمة الجرمي مناظرته مع الفراء في مثل هذا

стр. 176

التعبير, وكيف أسكته وأفحمه. ومن ذلك إعراب الفعل المضارع المرفوع؛ فقد ذهب سيبويه وجمهور البصريين إلى أنه ارتفع بوقوعه موقع الاسم, فإن كلمة يقوم في مثل: "زيد يقوم" تقع موقع قائم، وذهب الأخفش إلى أنه مرفوع لتعريه من العوامل اللفظية. واضطرب الكوفيون في علة إعرابه والعامل فيه، فذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بحروف المضارعة، فأقوم مثلا مرفوع بالهمزة، وواضح أنه يجعل جزءا من أجزاء الفعل عاملا فيه وكأن الشيء يعمل في نفسه. ولم يرتض هذا الرأي الفراء، فاختار رأي الأخفش ولكنه حاول التغيير والتحريف والتبديل فيه، فقال: إنه مرفوع بتجرده من النواصب والجوازم، وواضح أنه نفس رأي الأخفش بصيغة جديدة، ولعل ذلك ما جعل ثعلبا يذهب إلى أنه مرفوع بالمضارعة, محاولا بذلك النفوذ إلى رأي جديد١. ومن ذلك إعراب الفعلين المضارعين المجزومين في الجملة الشرطية مثل: "من يقم أقم معه", فقد ذهب الخليل وجمهور البصريين إلى أن أداة الشرط هي التي تعمل في فعل الشرط الجزم، وهما معا يعملانه في الجزاء. وذهب الأخفش في الجزاء إلى أنه مجزوم بفعل الشرط وحده. بينما ذهب الكوفيون إلى أن الجزاء مجزوم بالجوار، أي: لجواره فعل الشرط المجزوم٢، وفاتهم أن فعل الشرط قد يكون ماضيا, ولا يتضح فيه الجزم إلا تقديرا. وكانوا يذهبون إلى أن "إن وأخواتها" تعمل النصب في اسمها فقط، أما الخبر فإنها لا تعمل فيه شيئا، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها، بينما ذهب البصريون إلى أنه مرفوع بها، مثله مثل اسمها٣ طردا للباب على وتيرة واحدة, وهو أدخل في القياس وإحكام القواعد. وكان البصريون وجمهور الكوفيين يرون أن رافع الفاعل هو الفعل، وذهب

стр. 177

هشام الضرير من الأخيرين إلى أن رافعه العامل فيه هو الإسناد لا الفعل، وكأنه نفذ إلى هذا الرأي حين رأى الكسائي يقول: إن رافعه كونه داخلا في وصف فعله١. وكان الفراء يذهب في مثل: "قام وقعد علي" إلى أن عليا فاعل للفعلين جميعا، فهما يعملان فيه معا٢، وذهب الكسائي إلى أن الفاعل حذف مع أحد الفعلين، فعلي فاعل لقام وقعد حُذف فاعلها. ويتضح ذلك أكثر في باب التنازع، فقد كان يرى أن كلمني في مثل "كلمني وكلمت محمدا" محذوف معها الفاعل لا مضمر٣. والبصريون يضمرون الفاعل في الفعل الأول ويرفضون رأي الفراء؛ لأنه يترتب على ذلك إخلال بالقاعدة النحوية العامة التي تجعل لكل فاعل فعلا، مما قد يُحدث تشويشا في أذهان المتعلمين؛ لعدم اطراد القاعدة، وكذلك يرفضون رأي الكسائي لذلك, ولأن الأخذ برأيه يئول إلى اعتبار الفاعل محذوفا في مثل: زيد قام، وهو ما لا يقول به نحوي. ونضرب بعض الأمثلة التي تصور مدى بعد الكوفيين في التأويل, والتقدير شغفا بالخلاف على المدرسة البصرية، أما المثال الأول فهو الاستثناء بإلا في مثل: قام القوم إلا محمدا, فقد كان جمهور البصريين وفي مقدمتهم سيبويه يرون أن ناصب المستثنى هو الفعل قبله بواسطة إلا. وذهب قوم منهم إلى أنه "إلا" نفسها. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب بإنّ مقدرة بعد إلا محذوفة الخبر، فتقدير "قام القوم إلا محمدا" عنده: "قام القوم إلا أن محمدا لم يقم". ولا يخفى ما في هذا التقدير من تمحل بعيد. وذهب الفراء إلى أن إلا مركبة من إن ولا، وحذفت من إن النون الثانية تخفيفا، وأدغمت الأولى في لام "لا" بعد شيء من التقديم والتأخير, إذ زعم أن أصل العبارة: "قام القوم إن محمدا لا قام" وهو تمحل أشد من تمحل أستاذه. ويظهر فساده في الاستثناء المفرغ في مثل: ما قام إلا محمد، فإن كلمة محمد مرفوعة بعد إلا وليست منصوبة٤. والمثال الثاني المنادى في مثل: "يا محمد", فقد ذهب جمهور البصريين إلى أنه مبني على الضم في محل نصب،

стр. 178

وناصبه فعل مقدر تقديره: أدعو, وحذف الفعل حذفا لازما لكثرة الاستعمال ولدلالة حرف النداء عليه. وذهب المبرد إلى أنه منصوب بيا لسدّها مسد الفعل. وذهب الكسائي إلى أنه مرفوع لتجرده من العوامل اللفظية، وفاته أنه مسبوق بيا، وأنه غير منون. أما الفراء فذهب مذهبا بعيدا، إذ زعم أن أصل "يا زيد" مثلا: يا زيدًا، ثم اكتُفي بيا وحُذفت الألف الملحقة به، فبني على الضم. وهو بعد واضح في التقدير١. والمثال الثالث كلمة حتى حين تجر ما بعدها من الأسماء مثل: "قرأت الكتاب حتى الصحيفة الأخيرة منه", فقد جعلها البصريون حرفا جارا بنفسه، وأبى الكسائي إلا أن يجعل ما بعدها مجرورا لا بها وإنما بإلى الجارة مضمرة٢، دون حاجة إلى هذا الإضمار والتقدير، إلا تصور أن الأصل فيها أن يليها الأفعال! والمثال الرابع "لولا" في مثل: "لولا محمد لجئت", فإن البصريين يعربون الاسم المرفوع بعدها مبتدأ رافعه الابتداء وخبره محذوف، وذهب الفراء إلى أن لولا هي التي عملت الرفع فيه وأنها نابت مناب فعل محذوف تقديره: يمتنع٣، وليس في حروفها ولا في مادتها ما يشير إلى هذا الفعل، وكأنه أوجد بين الحروف أداة تعمل الرفع في الأسماء، وهو إبعاد واضح في التقدير. وعلى هذه الشاكلة كان الكوفيون يحاولون النفوذ إلى آراء جديدة في العوامل والمعمولات، كما كانوا يحاولون النفوذ إلى بعض المصطلحات التي يخالفون بها ما اصطلح عليه البصريون، حتى يفترق نحوهم على الأقل بعض الافتراق من نحو البصرة. وبذلك كله وبما سنفصل فيه الحديث عند أعلامهم, استطاعوا أن يكوِّنوا لهم مدرسة نحوية مستقلة، لا ترقى حقا إلى منزلة المدرسة البصرية، ولكنها على كل حال مدرسة بينة المعالم, واضحة القَسَمَات والملامح.

стр. 179

الفصل الثاني: الكسائي وتلاميذه ١- نشاطه العلمي: هو علي١ بن حمزة، من أصل فارسي، وُلد بالكوفة في سنة تسع عشرة ومائة للهجرة، ونشأ بها، وأكب منذ نشأته على حلقات القراء مثل سليمان بن أرقم راوي٢ قراءة الحسن البصري، وأبي بكر شعبة بن عياش راوي٣ قراءة عاصم بن أبي النجود إمام قراء الكوفة في الجيل السابق للكسائي، وسفيان بن عيينة راوي٤ قراءة عبد الله بن كثير إمام قراء مكة. ولزم حلقة حمزة بن حبيب الزيات المتوفى سنة ١٥٦ للهجرة إمام قراء الكوفيين لعصره، حتى حذق قراءته، ويقال: إنه لقب بلقبه الكسائي في مجالسه؛ لأنه كان يلبس كساء أسود ثمينا، ويقال: بل لقب بذلك لأنه أحرم في كساء. وكان فطنا ذكيا، فرأى أنه لن يبرع في قراءة الذكر الحكيم إلا إذا عرف إعرابه، فاختلف إلى حلقات أبي جعفر الرواسي وإلى كتابه الفيصل ولم يجد عنده ما يريد، فرحل إلى البادية رحلته الأولى٥، ثم عاد إلى الكوفة, وكأنه رأى أنه لن يحسن العربية إلا إذا استمع إلى معلميها بالبصرة فرحل إليهم، وأخذ ينتقل بين حلقات عيسى

стр. 180

ابن عمر المتوفى سنة ١٤٩ للهجرة وأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب. وعكف على حلقة الخليل بن أحمد، وراعته روايته لأشعار العرب وأقوالهم، فسأله يوما عن ينابيع هذه الرواية، فقال له: إنها من ملابسة أهل البوادي في نجد والحجاز وتهامة، فمضى إليهم في رحلة ثانية، ومعه خمس عشرة قنينة حبر، وظل يكتب ما يسمعه من أفواههم ويدونه في صحفه، حتى أنفد كل ما حمله من حبر. ورجع إلى مسقط رأسه، وقد بُسط له لسانه وذُلِّل له منطقه واستقامت فصاحته وعربيته، وأخذ يستغل ذلك استغلالا حسنا في قراءته للذكر الحكيم بقراءة أستاذه حمزة الذي كان قد لبى نداء ربه. فكان يتلو القرآن على الناس من أوله إلى آخره، والناس من حوله يسمعون ويكتبون مصاحفهم. وذاعت شهرته فطلبه المهدي ليتخذه مؤدبا لابنه هارون الرشيد، حتى إذا ولي الخلافة بعد أبيه اتخذه مؤدبا لابنيه الأمين والمأمون. وظل مدة يقرئ الناس في بغداد بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، صارت إحدى القراءات السبع المتواترة، وأقرأ بها خلقا كثيرا. وكان يجلس بالمسجد الجامع على مقعد مرتفع، والناس من حوله يكتبون المصاحف بقراءته وينقطونها ويضبطونها ويرسمون مقاطع الآيات ومبادئها. وكان الرشيد يجله ويوقره ويفسح له في مجالسه، وكثيرا ما كان يتخذه إمامه في صلواته ورفيقه في غزواته ومقامه بالرقة. ويظهر أنه لم يكفه حينئذ ما أخذه من اللغة وشواردها عن البدو الخلص في الجزيرة العربية, فقد مضى يكثر من سماعه عن أعراب الحطمة، وهم عشيرة من بني عبد القيس نزلت بغداد، وأقامت بها، وكأنه لم يكن يجد بأسا في الأخذ عن هؤلاء الأعراب، بينما كان البصريون لا يروون اللغة عن أمثالهم من العرب المتحضرين الذين يمكن أن يكون قد دخل الفساد على ألسنتهم، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في مناظرته١ لسيبويه حين قدم بغداد على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع، فقد سبقه إليه تلاميذه: الفراء والأحمر وهشام بن معاوية الضرير ومحمد بن سعدان، وسأله الأحمر عن مسائل، وكلما أجابه بجواب قال له: أخطأتَ يا بصرى. ووافى الكسائي ومعه طائفة من عرب الحطمة،
следующие страницы →