التعبير, وكيف أسكته وأفحمه.
ومن ذلك إعراب الفعل المضارع المرفوع؛ فقد ذهب سيبويه وجمهور البصريين إلى أنه ارتفع بوقوعه موقع الاسم, فإن كلمة يقوم في مثل: "زيد يقوم" تقع موقع قائم، وذهب الأخفش إلى أنه مرفوع لتعريه من العوامل اللفظية. واضطرب الكوفيون في علة إعرابه والعامل فيه، فذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بحروف المضارعة، فأقوم مثلا مرفوع بالهمزة، وواضح أنه يجعل جزءا من أجزاء الفعل عاملا فيه وكأن الشيء يعمل في نفسه. ولم يرتض هذا الرأي الفراء، فاختار رأي الأخفش ولكنه حاول التغيير والتحريف والتبديل فيه، فقال: إنه مرفوع بتجرده من النواصب والجوازم، وواضح أنه نفس رأي الأخفش بصيغة جديدة، ولعل ذلك ما جعل ثعلبا يذهب إلى أنه مرفوع بالمضارعة, محاولا بذلك النفوذ إلى رأي جديد١.
ومن ذلك إعراب الفعلين المضارعين المجزومين في الجملة الشرطية مثل: "من يقم أقم معه", فقد ذهب الخليل وجمهور البصريين إلى أن أداة الشرط هي التي تعمل في فعل الشرط الجزم، وهما معا يعملانه في الجزاء. وذهب الأخفش في الجزاء إلى أنه مجزوم بفعل الشرط وحده. بينما ذهب الكوفيون إلى أن الجزاء مجزوم بالجوار، أي: لجواره فعل الشرط المجزوم٢، وفاتهم أن فعل الشرط قد يكون ماضيا, ولا يتضح فيه الجزم إلا تقديرا.
وكانوا يذهبون إلى أن "إن وأخواتها" تعمل النصب في اسمها فقط، أما الخبر فإنها لا تعمل فيه شيئا، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها، بينما ذهب البصريون إلى أنه مرفوع بها، مثله مثل اسمها٣ طردا للباب على وتيرة واحدة, وهو أدخل في القياس وإحكام القواعد.
وكان البصريون وجمهور الكوفيين يرون أن رافع الفاعل هو الفعل، وذهب
стр. 177
هشام الضرير من الأخيرين إلى أن رافعه العامل فيه هو الإسناد لا الفعل، وكأنه نفذ إلى هذا الرأي حين رأى الكسائي يقول: إن رافعه كونه داخلا في وصف فعله١. وكان الفراء يذهب في مثل: "قام وقعد علي" إلى أن عليا فاعل للفعلين جميعا، فهما يعملان فيه معا٢، وذهب الكسائي إلى أن الفاعل حذف مع أحد الفعلين، فعلي فاعل لقام وقعد حُذف فاعلها. ويتضح ذلك أكثر في باب التنازع، فقد كان يرى أن كلمني في مثل "كلمني وكلمت محمدا" محذوف معها الفاعل لا مضمر٣. والبصريون يضمرون الفاعل في الفعل الأول ويرفضون رأي الفراء؛ لأنه يترتب على ذلك إخلال بالقاعدة النحوية العامة التي تجعل لكل فاعل فعلا، مما قد يُحدث تشويشا في أذهان المتعلمين؛ لعدم اطراد القاعدة، وكذلك يرفضون رأي الكسائي لذلك, ولأن الأخذ برأيه يئول إلى اعتبار الفاعل محذوفا في مثل: زيد قام، وهو ما لا يقول به نحوي.
ونضرب بعض الأمثلة التي تصور مدى بعد الكوفيين في التأويل, والتقدير شغفا بالخلاف على المدرسة البصرية، أما المثال الأول فهو الاستثناء بإلا في مثل: قام القوم إلا محمدا, فقد كان جمهور البصريين وفي مقدمتهم سيبويه يرون أن ناصب المستثنى هو الفعل قبله بواسطة إلا. وذهب قوم منهم إلى أنه "إلا" نفسها. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب بإنّ مقدرة بعد إلا محذوفة الخبر، فتقدير "قام القوم إلا محمدا" عنده: "قام القوم إلا أن محمدا لم يقم". ولا يخفى ما في هذا التقدير من تمحل بعيد. وذهب الفراء إلى أن إلا مركبة من إن ولا، وحذفت من إن النون الثانية تخفيفا، وأدغمت الأولى في لام "لا" بعد شيء من التقديم والتأخير, إذ زعم أن أصل العبارة: "قام القوم إن محمدا لا قام" وهو تمحل أشد من تمحل أستاذه. ويظهر فساده في الاستثناء المفرغ في مثل: ما قام إلا محمد، فإن كلمة محمد مرفوعة بعد إلا وليست منصوبة٤. والمثال الثاني المنادى في مثل: "يا محمد", فقد ذهب جمهور البصريين إلى أنه مبني على الضم في محل نصب،
стр. 178
وناصبه فعل مقدر تقديره: أدعو, وحذف الفعل حذفا لازما لكثرة الاستعمال ولدلالة حرف النداء عليه. وذهب المبرد إلى أنه منصوب بيا لسدّها مسد الفعل. وذهب الكسائي إلى أنه مرفوع لتجرده من العوامل اللفظية، وفاته أنه مسبوق بيا، وأنه غير منون. أما الفراء فذهب مذهبا بعيدا، إذ زعم أن أصل "يا زيد" مثلا: يا زيدًا، ثم اكتُفي بيا وحُذفت الألف الملحقة به، فبني على الضم. وهو بعد واضح في التقدير١. والمثال الثالث كلمة حتى حين تجر ما بعدها من الأسماء مثل: "قرأت الكتاب حتى الصحيفة الأخيرة منه", فقد جعلها البصريون حرفا جارا بنفسه، وأبى الكسائي إلا أن يجعل ما بعدها مجرورا لا بها وإنما بإلى الجارة مضمرة٢، دون حاجة إلى هذا الإضمار والتقدير، إلا تصور أن الأصل فيها أن يليها الأفعال! والمثال الرابع "لولا" في مثل: "لولا محمد لجئت", فإن البصريين يعربون الاسم المرفوع بعدها مبتدأ رافعه الابتداء وخبره محذوف، وذهب الفراء إلى أن لولا هي التي عملت الرفع فيه وأنها نابت مناب فعل محذوف تقديره: يمتنع٣، وليس في حروفها ولا في مادتها ما يشير إلى هذا الفعل، وكأنه أوجد بين الحروف أداة تعمل الرفع في الأسماء، وهو إبعاد واضح في التقدير.
وعلى هذه الشاكلة كان الكوفيون يحاولون النفوذ إلى آراء جديدة في العوامل والمعمولات، كما كانوا يحاولون النفوذ إلى بعض المصطلحات التي يخالفون بها ما اصطلح عليه البصريون، حتى يفترق نحوهم على الأقل بعض الافتراق من نحو البصرة. وبذلك كله وبما سنفصل فيه الحديث عند أعلامهم, استطاعوا أن يكوِّنوا لهم مدرسة نحوية مستقلة، لا ترقى حقا إلى منزلة المدرسة البصرية، ولكنها على كل حال مدرسة بينة المعالم, واضحة القَسَمَات والملامح.
стр. 179
الفصل الثاني: الكسائي وتلاميذه
١- نشاطه العلمي:
هو علي١ بن حمزة، من أصل فارسي، وُلد بالكوفة في سنة تسع عشرة ومائة للهجرة، ونشأ بها، وأكب منذ نشأته على حلقات القراء مثل سليمان بن أرقم راوي٢ قراءة الحسن البصري، وأبي بكر شعبة بن عياش راوي٣ قراءة عاصم بن أبي النجود إمام قراء الكوفة في الجيل السابق للكسائي، وسفيان بن عيينة راوي٤ قراءة عبد الله بن كثير إمام قراء مكة. ولزم حلقة حمزة بن حبيب الزيات المتوفى سنة ١٥٦ للهجرة إمام قراء الكوفيين لعصره، حتى حذق قراءته، ويقال: إنه لقب بلقبه الكسائي في مجالسه؛ لأنه كان يلبس كساء أسود ثمينا، ويقال: بل لقب بذلك لأنه أحرم في كساء. وكان فطنا ذكيا، فرأى أنه لن يبرع في قراءة الذكر الحكيم إلا إذا عرف إعرابه، فاختلف إلى حلقات أبي جعفر الرواسي وإلى كتابه الفيصل ولم يجد عنده ما يريد، فرحل إلى البادية رحلته الأولى٥، ثم عاد إلى الكوفة, وكأنه رأى أنه لن يحسن العربية إلا إذا استمع إلى معلميها بالبصرة فرحل إليهم، وأخذ ينتقل بين حلقات عيسى
стр. 180
ابن عمر المتوفى سنة ١٤٩ للهجرة وأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب. وعكف على حلقة الخليل بن أحمد، وراعته روايته لأشعار العرب وأقوالهم، فسأله يوما عن ينابيع هذه الرواية، فقال له: إنها من ملابسة أهل البوادي في نجد والحجاز وتهامة، فمضى إليهم في رحلة ثانية، ومعه خمس عشرة قنينة حبر، وظل يكتب ما يسمعه من أفواههم ويدونه في صحفه، حتى أنفد كل ما حمله من حبر.
ورجع إلى مسقط رأسه، وقد بُسط له لسانه وذُلِّل له منطقه واستقامت فصاحته وعربيته، وأخذ يستغل ذلك استغلالا حسنا في قراءته للذكر الحكيم بقراءة أستاذه حمزة الذي كان قد لبى نداء ربه. فكان يتلو القرآن على الناس من أوله إلى آخره، والناس من حوله يسمعون ويكتبون مصاحفهم. وذاعت شهرته فطلبه المهدي ليتخذه مؤدبا لابنه هارون الرشيد، حتى إذا ولي الخلافة بعد أبيه اتخذه مؤدبا لابنيه الأمين والمأمون. وظل مدة يقرئ الناس في بغداد بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، صارت إحدى القراءات السبع المتواترة، وأقرأ بها خلقا كثيرا. وكان يجلس بالمسجد الجامع على مقعد مرتفع، والناس من حوله يكتبون المصاحف بقراءته وينقطونها ويضبطونها ويرسمون مقاطع الآيات ومبادئها. وكان الرشيد يجله ويوقره ويفسح له في مجالسه، وكثيرا ما كان يتخذه إمامه في صلواته ورفيقه في غزواته ومقامه بالرقة. ويظهر أنه لم يكفه حينئذ ما أخذه من اللغة وشواردها عن البدو الخلص في الجزيرة العربية, فقد مضى يكثر من سماعه عن أعراب الحطمة، وهم عشيرة من بني عبد القيس نزلت بغداد، وأقامت بها، وكأنه لم يكن يجد بأسا في الأخذ عن هؤلاء الأعراب، بينما كان البصريون لا يروون اللغة عن أمثالهم من العرب المتحضرين الذين يمكن أن يكون قد دخل الفساد على ألسنتهم، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في مناظرته١ لسيبويه حين قدم بغداد على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع، فقد سبقه إليه تلاميذه: الفراء والأحمر وهشام بن معاوية الضرير ومحمد بن سعدان، وسأله الأحمر عن مسائل، وكلما أجابه بجواب قال له: أخطأتَ يا بصرى. ووافى الكسائي ومعه طائفة من عرب الحطمة،
стр. 181
فلما جلس قال له: كيف تقول: "خرجت, فإذا زيد قائم"؟ فنطق بها سيبويه، فقال له الكسائي: أيجوز: "فإذا زيد قائما"؟ فقال سيبويه: لا؛ لأن العرب الفصحاء الذين أخذ عنهم هو وأستاذه الخليل لا ينطقون مثل "قائما" في هذا المثال ونحوه إلا مرفوعة، وفي القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ , ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ أي: على أن ما بعد إذا في هذه الأمثلة مبتدأ وخبر مرفوعان. وأظهر الكسائي تعجبه من رفضه لنصب كلمة "قائم", وقال: فلنرجع إلى من يحضرنا من العرب، وكانوا من عرب الحطمة كما ذكرنا، وسألهم: كيف تقولون: "قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزنبور, فإذا الزنبور إياها"؟ فقال نفر منهم: "فإذا الزنبور هي", وقال آخرون: "فإذا الزنبور إياها". ويبالغ رواة هذه المناظرة، فيقولون: إن سيبويه حصر وأفحم، وفي رأينا أنه لم يفحم ولم يحصر، لأنه كان لا يعتد بما قد يفد على ألسنة مثل هؤلاء العرب المتحضرين، مما يخالف استخدام الفصحاء ويشذ على القياس المبني على استعمالهم وما يدور في ألسنتهم. والمهم أن هذه المناظرة أرست أصلا من أصول المدرسة الكوفية، وهو الأخذ باللغات الشاذة المخالفة للأقيسة البصرية من جهة وللشائع المتداول على أفواه العرب من جهة ثانية.
ومن المؤكد أن هذه المناظرة أقنعت الكسائي بأن ما بيده من النحو وقوعده قليل وأنه ينبغي أن يتزود من نحاة البصرة وعلمهم الغزير، وتصادف أن توفي سيبويه عقب المناظرة، غير أنه علم أن الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة حمل كتابه النفيس عنه، وأنه يمليه على الطلاب ويدرسه لهم، وأنه إليه انتهى علم البصرة بالنحو، ولم تُعْيه الأسباب في الاتصال به ورواية الكتاب عنه. ووجده يكثر من الخلاف على صاحبه وعلى الخليل مستضيئا بمعرفته الواسعة بلغات العرب، فاستقر في نفسه أن يتابعه في هذا الاتجاه، وبذلك أعده الأخفش إعدادا حسنا لكي ينمي رغبته الملحة في مخالفة النحو البصري مخالفة تقوم على الاتساع في الرواية والقياس، بل لقد نفذ إلى تأسيس مدرسة نحوية جديدة، يعينه في ذلك تلاميذه وخاصة الفراء.
والحق أن الأخفش لم يبعث هذا الاتجاه في نفسه لأول مرة، فقد كان
стр. 182
اتجاها قديما في صدره منذ قعوده للقراءة والتعليم في الكوفة، ورأينا آثاره في مناظرته مع سيبويه، ولكنا نؤمن بأن الأخفش هو الذي دفعه دفعا في هذا الاتجاه، ولم يدفعه وحده، بل دفع معه تلاميذه ومن خلفوهم على المدرسة الكوفية. ونرى الكسائي ينشط لا في تأليف كتب تتصل بالقرآن الكريم وقراءاته ومعانيه فحسب، بل يؤلف أيضا في النحو كتابين هما مختصر النحو وكتاب الحدود في النحو. وألف في أغلاط العامة كتابا سماه "ما تلحن فيه العوام" وهو مطبوع. وما زال يوالي هذا النشاط العلمي حتى خرج مع الرشيد في مسيره إلى خراسان سنة ١٨٩ للهجرة واعتل علة شديدة لم يلبث أن توفي منها بقرية رنبويه بالقرب من الري، وتوفي معه الفقيه المشهور محمد بن الحسن الشيباني، فحزن الرشيد عليهما حزنا شديدا، وقال: "دفنا الفقه والنحو بالري".
стр. 183
٢- تأسيسه للمدرسة الكوفية:
لا ريب في أن الكسائي يعد إمام مدرسة الكوفة، فهو الذي وضع رسومها ووطّأ منهجها، وفيه يقول أبو الطيب اللغوي: "كان عالم أهل الكوفة وإمامهم، إليه ينتهون بعلمهم، وعليه يعولون في روايتهم" وينبغي أن لا نلتفت إلى ما يقوله أبو حاتم بدافع العصبية للبصرة, إذ يزعم أنه "لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب، ولولا أن الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا من ذكره لم يكن شيئا، وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل إلا حكايات عن الأعراب مطروحة؛ لأنه كان يلقنهم ما يريد، وهو على ذلك أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن وهو قدوتهم وإليه يرجعون". وكأن أبا حاتم نقض بنهاية كلامه طعنه في الكسائي، وهو قد طعنه في خُلقه وأنه كان يلقن الأعراب ما يريد من نحو شاذ، وهو طعن لا يعبأ به، إذ كان معروفا بالثقة والأمانة والصدق فيما يروى، وعنه حمل معاصروه ومن تلاهم إحدى القراءات السبع الوثيقة، أما أن علمه ليس منظما، وأنه يفتقر إلى الحجج والعلل فقد يكون ذلك صحيحا إذا قسناه إلى
стр. 184
سيبويه، ولكن من المؤكد أنه تلقن عنه وعن الخليل وعيسى بن عمر معرفة العلل والأقيسة، بل لقد كان يؤمن بأن النحو إنما هو ضروب من القياس وما يطوى فيه من علل وحجج تشده, وتقيم أَوَده، حتى ليقول:
إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع
وحقا إنه توسع في القياس، فلم يقف به عند المستعمل الشائع على الألسنة ولا عند أعراب البدو, بل مده ليشمل ما ينطق به العرب المتحضرون ممن يمكن أن يكون قد دخل اللحن على ألسنتهم في رأي البصريين، ولعله من أجل ذلك ألف كتابه في لحن العوام؛ ليدل على أنه كان يفرق بين لغات العرب وبين هذا اللحن. وأهم من ذلك أنه مد النحو ليشمل الشاذ النادر من تلك اللغات مما لم يكن سيبويه والخليل يحفلان به، ولا يريان له قدرا، لسبب طبيعي تحدثنا عنه في الفصل الماضي، وهو أنهما كانا يريدان أن يضعا في صورة حازمة صارمة قوانين النحو، بحيث لا يعتريها الاضطراب والخلل، وبحيث تطرد ولا تتأرجح بين موازين مختلفة.
وأكبر الظن أن الذي دفع الكسائي إلى هذا الموقف من نحوهما, وأن يفسح في العربية للغات الشاذة النادرة أنه كان -كما عرفنا- من القراء للذكر الحكيم، وكانت تجري في قراءاته حروف تشذ على قواعد النحو البصري، فخشي أن يظن بهذه الحروف أنها غير جائزة, وأنها لا تجري على العربية السليمة، وربما خشي اندثارها، وهي جميعا مروية عن الرسول ﷺ غير أن منها ما هو متواتر وهو القراءات السبع, ومنها ما هو غير متواتر، وهو ما وراءها من قراءات، وجميعها صحيح، وينبغي أن نتوسع في قواعد النحو والصرف حتى تشمله. ومر بنا أن سيبويه والخليل جميعا لم يوهنا من قراءة، بل قال سيبويه: إن القراءة سنة، يريد أنه لا يصح التعرض لها بتصويب أو تخطئة، وكأنما تنبه الأخفش للقضية، فوجه -كما لاحظنا في ترجمته- ما اصطدم من بعض القراءات بقواعد مدرسته، وهو اصطدام في الظاهر؛ لأن سيبويه احتفظ في كتابه بمادة وفيرة من الأشعار والأقوال الشاذة على مقاييسه، يريد أن ينص على أنها جرت على ألسنة بعض الأعراب الفصحاء ولكنها لا تجري على القواعد
стр. 185
الكلية العامة للنحو، كما تصوره هو وأستاذه، أو بعبارة أدق: يريد أن يبعدها عن ألسنة الناس، حتى تستقيم لألسنتهم عربيتهم في أفصح هيئة ممكنة.
غير أن الكسائي -فيما يظهر لنا- رأى أن يعاد النظر في هذا التأصيل العام لقواعد النحو, وأن يفسح فيها للقراءات واللغات الشاذة، وبذلك خرج إلى صورة جديدة من النحو، صورة لا تتفق والمناهج الدقيقة في وضع العلوم التي تقتضي في قواعدها الاطراد والتعميم والشمول، ولكنها على كل حال فتحت الأبواب لا للاحتفاظ بالحروف الشاذة في قراءات الذكر الحكيم, فهذه كانت ستحتفظ بها الأجيال العربية لتعلقها بالدين الحنيف، وإنما للاحتفاظ بشواذ اللغات واللهجات وصونها وحمايتها من الضياع. ولا أظننا في حاجة إلى أن نبدئ ونعيد في أن البصريين عُنوا بهذه الشواذ وتسجيلها، ولكنها عناية من باب آخر، إذ أرادوا أن يوضحوا الهجنة في استخدامها وأن يحصنوا قواعدهم وألسنة الناس منها, وبذلك تعاون الطرفان المتعارضان على إثباتها، مع اختلاف الغاية.
ونبدأ بما وقف عنده الكسائي من بعض حروف في القراءات، فمن ذلك الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فقد لاحظ أن كلمة ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ عطفت بالرفع على اسم إن المنصوب قبل تمام الخبر، وهو ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فوضع قاعدة عامة: أنه يجوز العطف على موضع إن واسمها، وموضعهما الابتداء وهو مرفوع، قبل مجيء الخبر، فيقال: إن محمدا وعلي مسافران. ومنع ذلك البصريون، وأجابوا عن الآية جوابين: أحدهما: أن خبر إن محذوف تقديره: مأجورون أو آمنون أو فرحون، والصابئون مبتدأ وما بعده خبره، واستشهدوا لذلك بقول بعض الشعراء:
خليليَّ هل طِب فإني وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان
أي: فإني دنف كما تدل على ذلك بقية العبارة. والجواب الثاني: أن الخبر المذكور في الآية خبر إن، أما ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ فخبرها محذوف، تقديره: كذلك، واستشهدوا لهذا الجواب بقول ضابئ بن الحارث البرجمي:
стр. 186
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
فغريب خبر إن بدليل دخول لام التوكيد عليه وخبر "قيار" محذوف تقديره: كذلك. وكأنما أحس الفراء تلميذ الكسائي أن البصريين مصيبون في موقفهم لعدم جريان ذلك على ألسنة العرب، فرأى أن يتوقف عند نص الآية وأن يخصص القاعدة بما يماثلها، فقال: إنه لا يجوز ذلك إلا فيما لم يظهر فيه عمل إن، وهو الاسم المبني مثل ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية, وضمير المتكلم في بيت ضابئ١.
ومن ذلك الآية الكريمة: "إن الذين تدعون من دون الله عِبَادًا أمثالكم" في قراءة سعيد بن جبير بنصب كلمة "عبادا" مما جعل الكسائي يضع قاعدة عامة، وهي أنّ إِن النافية إذا دخلت على الجملة الاسمية عملت عمل ليس، فرفعت الاسم ونصبت الخبر. وهي -في رأي سيبويه- لا تعمل بل تهمل دائما، وكأن قراءة سعيد بن جبير في رأيه شاذة فذة لا يصح أن تتخذ منها قاعدة. ولعل من الطريف أن نعرف أن الفراء كان يتابع سيبويه في رأيه، بينما كان يتابع المبرد البصري الكسائي فيما ارتآه من عملها٢. وفي ذلك ما يشهد بأن مدار الاختلاف بين المدرستين الكوفية والبصرية وأئمتهما لم يكن يراد به إلى المناقضة، وإنما كان يراد به إلى تبين وجه الصواب في إخلاص؛ ولذلك كثر بينهم الالتقاء في الآراء وأن يتابع الكوفي البصريين والبصري الكوفيين، وكأنهم جميعا أغصان من دوحة واحدة.
ومن ذلك الآية الكريمة: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ فقد لاحظ أن اسم الفاعل ﴿بَاسِطٌ﴾ مع أنه بمعنى الماضي في الآية؛ لأنه يحكي قصة أهل الكهف، عمل النصب في كلمة ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾ ، فوضع قاعدة عامة، هي أنه يعمل النصب بمعنى الماضي وبمعنى الحال والاستقبال، بينما كان يمنع البصريون عمله النصب فيما بعده على المفعولية وهو بمعنى الماضي، وتأولوا ﴿بَاسِطٌ﴾ في الآية على حكاية الحال الماضية،
стр. 187
بدليل حكايتها بالمضارع في الفعل السابق: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ وكأن التقدير: وكلبهم يبسط ذراعيه. غير أن الكسائي تمسك بالآية واتخذ منها قاعدة كلية مجوزا مثل: "زيد معطٍ عمرا أمس درهما" وتابعه في ذلك تلميذه هشام, بينما ظل الفراء مع جمهور البصريين لا يجيز إعمال اسم الفاعل في المفعول به إذا كان بمعنى الماضي١.
ومن ذلك الآية الكريمة: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فقد رأى المضارع فيها محذوف النون، فقال: إنها حُذفت على تقدير لام الأمر، واتخذ من ذلك قاعدة عامة، هي حذف لام الأمر من المضارع بشرط تقدم "قل" عليه كما في الآية، بينما كان البصريون يرون أن الفعل المضارع مجزوم في جواب الأمر مثله في نحو: "ائتني أكرمْك"٢.
وعلى نحو ما كان يتخذ من بعض الحروف في القراءات قواعد يخالف فيها سيبويه والخليل, كان يصنع ذلك تلقاء الأقوال والأشعار الخارجة على مقاييسهما، بل لقد وجد فيها مادة أوسع وأغزر، فمن ذلك أنه رأى بعض العرب يقول: "لا عبدَ الله في الدار" بإعمال لا عمل إن ونصب عبد الله، ومعنى العبارة: أن أحدا من الناس لا يوجد في الدار؛ لاستعمال عبد الله هنا في أي رجل كان، غير أنه قاس على عبد الله بقية الأعلام, منتهيا إلى قاعدة عامة، هي أن لا النافية للجنس يجوز أن يليها العَلَم فيقال: "لا زيدَ في الدار". وواضح ما في قياسه من خطأ؛ ولذلك رفض تلميذه الفراء قاعدته؛ لأن لا النافية للجنس تتطلب أن يكون اسمها نكرة أو كالنكرة حتى تفيد النفي العام الشامل كما لاحظ البصريون. ولعل في ذلك ما يلفت إلى أن الكسائي كانت تفلت منه أحيانا العلة السديدة التي توجب القاعدة النحوية، وكأنه لم يكن يَسْبر الشواهد التي يشتق منها أحكامه النحوية دائما سبرا دقيقا٣.
ومن ذلك أن البصريين منعوا تقديم المستثنى في أول الكلام, موجبا كان أو
стр. 188
منفيا، فلا يقال: "إلا زيدا قام القوم", ولا: "إلا زيدا ما أكل أحد طعاما", ولا: "ما -إلا زيدا- قام القوم" وسمع الكسائي:
خلا الله لا أرجو سواك وإنما ... أعد عيالي شعبة من عيالكا
فلم يلتفت إلى أن ذلك ضرورة شعرية دفعت الشاعر إلى المخالفة المنطقية لترتيب الكلام، فسوغه لا في "خلا" وحدها بل أيضا مع "إلا"، بحجة أنها الأصل في الباب وخلا فرع لها، والأصل أولى بما يجوز في الفرع، وبذلك وضع قاعدة عامة هي جواز تقديم المستثنى في أول الكلام سواء أكان موجبا أم منفيا١. ورأي الأخفش يجيز تأخير المعمول للفعل إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا وتقدم المستثنى عليه لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فقد تأخر الجار والمجرور ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ وتقدم المستثنى ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ ووقع له في بعض الشعر:
فما زادني إلا غراما كلامُها
بتوسط المستثنى بين الفعل والفاعل، فوضع قاعدة عامة خالف بها جمهور البصريين، وهي أنه يجوز تقديم المستثنى على المعمول للفعل مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا٢. وذهب سيبويه والبصريون وجمهور الكوفيين إلى أن "خلا" إذا تقدمتها ما المصدرية تعين نصب المستثنى بعدها، وجوز الكسائي فيه الجر على أن تكون ما زائدة فتقول: "قام القوم ما خلا محمدا بالنصب" وما خلا محمدٍ بالجر. وعلق ابن هشام على ذلك في المغني بأن القياس يمنع ذلك؛ لأن "ما" لا تزاد قبل الجار والمجرور، إنما تزاد بعد حرف الجر مثل: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ وقال: إن احتج بالسماع فهو من الشذوذ الذي لا يصح القياس عليه٣. وربما كان أغرب ما ذهب إليه الكسائي من أحكام في باب الاستثناء, أنه جوز في مثل: "ما قام إلا محمدٌ" نصب محمد على الاستثناء، مستدلا بقول بعض الشعراء:
لم يبق إلا المجدَ والقصائدا ... غيرَك يابن الأكرمين والدا
بنصب المجد وغيرك. ورد عليه جمهور النحاة بأن غيرك هي الفاعل وفتحتها
стр. 189
ليست فتحة إعراب, وإنما هي فتحة بناء لإضافتها إلى مبني. وقد اندفع في هذا الحكم تمشيا مع قاعدته التي أشرنا إليها في الفصل الماضي، وهي أنه قد يحذف الفاعل مع الفعل، وكأنه لم يلاحظ في مثل: "ما قام إلا محمد" ما لاحظه البصريون وجمهور الكوفيين من أن الفاعل مذكور بعد إلا, وأن الاستثناء مفرغ. وربما كان أشد في الغرابة أنه أعرب لفظة محمد في حالة الرفع بدلا من الفاعل المحذوف١.
وجوز النحاة في التمييز توسطه بين الفعل ومرفوعه مثل: "طاب نفسا محمد", أما تقدمه على معموله مثل: "نفسا طاب محمد" فمنعه سيبويه وجمهور البصريين وجوزه الكسائي وتبعه في ذلك المازني والمبرد؛ لوروده على لسان بعض الشعراء في قوله:
أتهجر سلمى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب
واحتج البصريون بأن ذلك لم يرد في نثر، وإنما جاء على لسان الشاعر ضرورة، ولا يحتج بالضرورة لأنها تبيح ما لا يباح٢.
وكان سيبويه يذهب هو وجمهور البصريين إلى أن "حيث" تلزم الإضافة إلى جملة اسمية أو فعلية, وأنه لا يجوز إضافتها إلى المفرد، وذهب الكسائي إلى جواز ذلك، بل جعله قياسيا لقول بعض الشعراء:
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم ... ببيض المواضي حيث ليّ العمائم٣
وقول آخر:
أما ترى حيث سهيلٍ طالعا ... نجما يضيء كالشهاب لامعا
والبصريون يجعلون ذلك من النادر الذي لا يصح أن يتخذ منه القياس والأحكام النحوية الكلية العامة٤.
стр. 190
وله في نواصب المضارع أحكام كثيرة لا تسندها الشواهد ولا القياس، من ذلك أن سيبويه كان لا يجوز الفصل بين "لن" والفعل المضارع المنصوب بعدها، وتابعه في ذلك البصريون وهشام، وخالفه الكسائي، فجوز الفصل بين لن والفعل بالقسم وبمعموله، فتقول: "لن والله أقرأ الكتاب", و"لن الكتاب أقرأ", وأحس الفراء ما في المثال الأخير من النبوّ، فلم يوافقه إلا على الفصل بالقسم، غير أنه عاد فجوز الفصل بكلمة أظن مسيغا أن يقال: "لن أظن أزورك" بالنصب، وكذلك بالشرط مثل: "لن -إن تزرني- أزورك" وهما صيغتان نابيتان وليس هناك ما يؤيدهما من الشواهد١. ومن هذا الباب أن البصريين وهشاما ومن تابعه من الكوفيين كانوا لا يجيزون الفصل بين كي ومعمولها إلا بما ولا الزائدتين، مثل: "جئت كيما أتعلم" و ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ وجوز الكسائي الفصل بينها وبين الفعل بمعموله مطلقا. وأغرب من ذلك أنه جوز أن يتقدم عليها المعمول للفعل مثل: "جئت الرياضةَ كي أتعلم"٢. ومن ذلك أن جمهور البصريين كان يجيز الفصل بين إذن ومعمولها بلا النافية وبالقسم؛ لورود ذلك في الاختيار وفي الشعر مثل:
إذن والله نرميَهم بحرب
وتوسع الكسائي -وتبعه هشام- فجوز الفصل بمعمول الفعل مطلقا مثل: "إذن صاحبك أكرم" ويبقي الكسائي لإذن عملها، ويلغيه هشام رافعا للمضارع. وكان سيبويه والبصريون يشترطون لنصبها المضارع أن تكون في صدر العبارة، وسمع الكسائي بعض الرجاز يقول:
لا تتركنِّي فيهم شطيرا ... إني إذن أهلك أو أطيرا٣
فذهب إلى إلغاء هذا الشرط بعد إنّ، وقاس عليها كان، تقول: "كان عبد الله إذن يكرمك" وتوقف تلميذه الفراء، فوافقه في إنّ وخالفه في كان، رافضًا ما ارتآه أستاذه من هذا القياس٤.
وواضح مما قدمنا أن الكسائي كان يتوسع أحيانا في القياس, وأنه كان يدلي
стр. 191
أحيانا بأحكام دون شواهد تسندها من اللغة ومما جرى في الندرة على ألسنة بعض العرب. ومما نسوقه أيضا من توسعه في القياس حكمه بأن صلة الموصول يجوز أن تكون طلبية، محتجا بقول الفرزدق:
وإني لراج نظرة قبل التي ... لعلي وإن شطّت نواها أزورُها
والصلة في البيت -إن صحت- إنشائية لا طلبية، وقد تأول البيتَ البصريون بأحد توجيهين؛ إما أن الصلة محذوفة على إضمار القول، أي: "قبل التي أقول: لعلي" أو على أن الصلة هي جملة "أزورها" في آخر البيت وخبر لعل محذوف تقديره: "لعلي أفعل ذلك". وإنما منع البصريون أن تكون الصلة إنشائية؛ لأنها معرفة للموصول، فلا بد من تقدمها عليه وأن تكون معهودة مما يستلزم خبريتها، وما خالف ذلك ينبغي تأويله. ولسلامة هذا المنطق في استعمال العرب للموصول والصلة توقف تلميذه هشام، فلم يرتض أن تكون الصلة طلبية، بحيث يفسح لمثل: "الذي كلمْه أو لا تخاطبْه محمد" كما ذهب الكسائي، وارتضى فقط طبقا للبيت السالف أن تكون إنشائية مصدرة بلعل، وقاس عليها ليت وعسى، فيقال: "الذي -ليته يأتي أو عساه أن يأتي- زيد"١.
وتدور للكسائي في كتب النحو وراء ذلك آراء كثيرة لا تسندها الشواهد، فمن ذلك أنه كان يجيز الفصل بين فعل الشرط وأداته بمعموله مثل: "من زيدا يكرمْ أكرمه", والفصل أيضا بعطف وتوكيد، ومنع ذلك الفراء لعدم وروده في السماع٢. وكان يجوز تقديم معمول فعل الشرط والجواب على الأداة مثل: "خيرا إن تفعل تكرم" و"خيرا إن أتيتني تُصِبْ" ومنع ذلك أيضا الفراء، إذ لا يؤيده شيء من السماع عن العرب٣.
ومن ذلك أنه جوّز في المصدر الواقع مبتدأ وخبره حال سدت مسده مثل: "قراءتي الكتاب نافعةً" بنصب نافعة, أن ينعت، فيقال مثلا: "قراءتي الكتابَ الدقيقة نافعة" ومنع ذلك الجمهور؛ لأنه لم يرد فيه سماع٤. ومن ذلك أن البصريين كانوا يوجبون
стр. 192
في إنّ الكسر حين تقع جوابا لقسم مثل: "والله إن محمدا مسافر" لكثرة ذلك في السماع عن العرب، وخالفهم الكسائي، فجوز الكسر والفتح واختار فتحها مع ندرته في السماع١. ومن ذلك أنه جوز العطف بالرفع على المفعول الأول لظن إذا كان المفعول الثاني فعلا، فيقال: "أظن محمدا وعلي سافرا" ولم يسند ذلك بأي سماع أو أي شاهد عن العرب، ولعل ذلك ما جعل الفراء تلميذه يقف في صفوف البصريين منكرا هذا الحكم الغريب٢. ومن ذلك أنه كان يجيز في الاختيار تقديم الحال على صاحبها مثل: "زيد طالعةً الشمس" وهو حكم لا يتفق ومنطق التعبير وسياقه٣. وربما كان أغرب ما انتهى إليه هو وتلميذه الفراء من حكم لا يسنده أي سماع, ولا أي شاهد ما ذهبا إليه من بناء فعلي "كان وجعل" للمجهول, فيقال: "كين قائم وكين يقام وجُعل يُفعل" بنيابة الخبر عن الاسم مع الفعلين الناقصين، إذ يريدان "جعل" التي تدخل في أفعال المقاربة, وهي صياغات غريبة؛ ولذلك أنكرها الرضي في شرحه على الكافية إنكارا شديدا٤.
ولعل في ذلك وأمثاله مما نجده عند الكسائي ونحاة الكوفة ما يدل أكبر الدلالة على خطأ من يحاولون رفع المدرسة الكوفية فوق المدرسة البصرية في الحس اللغوي وتبين روح اللغة, زاعمين أنهم لم يكونوا يتعدون الرواية والسماع وهم قد تعدوهما كثيرا، كما تعدوا حدود القياس السديد. وقد حاولوا -جاهدين- أن يخالفوا سيبويه وغيره من نحاة البصرة في كثير من وجوه الإعراب والتقدير في العبارات، مما جرهم في كثير من الأمر إلى صور مختلفة من التعقيد والبعد في التأويل، فمن ذلك إعراب الأسماء الخمسة: "أبوك وأخواتها", فقد كان سيبويه وجمهور البصريين يرون أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف, أي: في الواو رفعا والألف نصبا والياء جرا، وذهب الأخفش إلى أنها معربة بحركات مقدرة على ما قبل تلك الحروف، بينما ذهب الكسائي -وتبعه الفراء- إلى أنها معربة من مكانين بالحروف والحركات السابقة لها معا، غير ملتفتين إلى أن علامات الإعراب إما أن تكون
стр. 193
بالحركات كما في المفردات, وإما أن تكون بالحروف كما في المثنى وأنه كان ينبغي لذلك أن يختارا إعرابا لها, إما بالحروف كما ذهب سيبويه، وإما بالحركات كما ذهب الأخفش١. ومن ذلك أن سيبويه والبصريين كانوا يعربون ضمير الفصل في مثل: "محمد هو الشاعر" على أنه لا محل له من الإعراب، وذهب الكسائي إلى أن محله محل ما بعده رفعا أو نصبا كالمثال السابق, ومثل: "كان محمد هو المسافر" وكأنما تنبه الفراء إلى ما في هذا الرأي من خلل، إذ تعرب "هو" بتاليها قبل النطق به، فذهب إلى أن إعرابها هو إعراب ما قبلها، ففي مثل: "كان محمد هو المسافر" محلها الرفع, وفي مثل: "إن محمدا هو المسافر" محلها النصب، بينما محلها الرفع في تقدير الكسائي. وكل ذلك أعفانا منه سيبويه والبصريون؛ لأنه لا يترتب عليه شيء في النطق فضلا عن البعد في تقدير المحل المزعوم٢. ومن ذلك إعراب صيغة الاشتغال في مثل: "الكتابَ قرته" بنصب الكتاب, فإن سيبويه والبصريين يجعلون الكتاب وما يماثله مفعولا به لفعل يفسره المذكور، وذهب الكسائي إلى أنه مفعول للفعل التالي والضمير المتصل به ملغى، ورده البصريون بأن الفعل قد يكون لازما مثل: "الكتابَ نظرت فيه" فلا يصح تعديه المفعول السابق. وكأنما أحسّ الفراء ما في رأي أستاذه من خلل لا من هذه الناحية, ولكن من ناحية إلغاء الضمير، فقال: إن الفعل عامل في الضمير والمفعول المتقدم معا، ورُد بتعدي الفعل اللازم وأن الفعل المتعدي لواحد يصبح متعديا لمفعولين في مثل: "الكتابَ قرأته" وهو نقض للقواعد المقررة في لزوم الأفعال وتعديها إلى واحد أو أكثر٣.
ولعل في كل ما قدمنا ما يصور إمامة الكسائي لمدرسة الكوفة النحوية والأسس التي وضعها لقيامها، وهي أسس تقوم على الاتساع في الرواية والقياس والنفوذ إلى أحكام وآراء لم تقع في خاطر البصريين، سواء سندتها الشواهد أو لم تسندها، مع كل ما يمكن من مخالفتهم في توجيه الإعراب في الصيغ والعبارات.
стр. 194
٣- تلاميذ الكسائي:
كان الكسائي متعدد الجوانب، إذ كان من أئمة القراء واللغويين والنحاة؛ ولذلك كثر تلاميذه وتعددوا حسب الجوانب التي كان يتقنها ويحاضر فيها ويملي، فمنهم من أخذ عنه القراءات واللغة، ولعل أشهرهم أبو عبيد القاسم١ بن سلام، وقد جمع من إملاءاته كثيرا في كتابه "معاني القرآن" وصور قراءاته في كتابه عن القراءات. وكانت له عناية شديدة باللغة ورواية غريبها على نحو ما هو معروف في كتابه الغريب المصنف. وتذكر له كتب النحو أنه كان يذكر أن بين العرب قوما ينصبون بإن وأخواتها الاسم والخبر جميعا، كقول بعض الشعراء:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خِفافا إن حراسنا أسدا
والجمهور يتأولون ذلك ومثله على الحال, وأن الخبر محذوف٢. ومنهم من شدا عنه اللغة والشعر وأطرافا من النحو، وهم جماعة من المؤدبين، لعل أشهرهم علي٣ بن المبارك الأحمر مؤدب الأمين، وكان يحفظ كثيرا من القصائد وأبيات الغريب، وروى السيوطي أنه كان يزعم -مع الفراء- أن ما قد تكون أداة استثناء، بدليل قول بعض العرب: "كل شيء مَهَهٌ "سهل" ما النساءَ وذكرَهن" أي: إلا النساء وذكرهن. وتأوله النحاة بأن فعل الاستثناء بعد ما حذف، والتقدير: ما خلا أو ما عدا النساء وذكرهن٤.
وممن قرأ عليه اللغة والنحو وقراءة حمزة محمد٥ بن سعدان الضرير وكان
стр. 195
له كتاب كبير في القراءات، وألف في النحو مختصرا، وكان يجوِّز نداء الجنس المعرف بالألف واللام المشبه به مثل: "يا الأسد" أي: يا مثل الأسد١. ومعروف أن الجمهور لا يجيز ذلك إلا مع أي, تقول: "يا أيها الأسد" ولا يجوز: "يا الأسد" ألبتة.
وممن غلبت عليه اللغة من تلاميذه علي٢ بن حازم اللحياني، وكان يتصدر للإملاء في زمن الفراء، واشتهر بكتاب في اللغة يسمى "النوادر". ودارت في كتب النحو له روايتان شاذتان شذوذا شديدا, أما الأولى فروايته أن من العرب من يجزم بأن الناصبة للمضارع، إذ ذكر أن بعض بني صباح من ضبة أنشده قول امرئ القيس:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتِنا الصيد نحطب
وقول بعض الرجاز:
أحاذر أن تعلمْ بها فتردها ... فتتركها ثقلا علي كما هيا
ويروى البيت الأول: "إلى أن يأتي الصيد" وإذن تسقط رواية اللحياني، أما البيت الثاني فقال ابن هشام: فيه نظر؛ لأن الراجز عطف على الفعل المسكن أفعالا منصوبة مما يدل على أنه مسكن للضرورة لا مجزوم٣. وأما الرواية الثانية فما ذكره من أنه سمع بعض العرب ينصب بلم الجازمة مثل لن تماما كقول بعض رجازهم:
في أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يُقْدَرَ أم يوم قدر
وكقراءة بعض القراء شذوذا: "أَلَمْ نَشْرَحَ لك صدرك" بفتح الحاء. وخرّج ذلك بعض النحاة على أن الأصل: "لم يُقْدرَنْ" و"أَلَمْ نَشْرَحن" ثم حُذفت نون التوكيد الخفيفة وبقيت الفتحة دليلا عليها٤. وهي على كل حال صيغ شاذة لا يعوَّل عليها في القواعد المطردة.
على كل حال, ليس بين من سميناهم من تلاميذ الكسائي من يمكن أن يقال
стр. 196
عنه: إنه نمَّى النحو الكوفي، وكأن هؤلاء التلاميذ تركوا هذه المهمة لعَلَمين هما الفراء، وسنفرد له فصلا خاصا، وهشام بن معاوية الضرير، وحري أن نخصه بكلمة مستقلة.
стр. 197
٤- هشام ١ بن معاوية الضرير:
هو أنبه تلاميذ الكسائي بعد الفراء، ويظهر أنه كان يتصدر للتدريس والإملاء على الطلاب كما كان يؤدب بعض أبناء الأثرياء وذوي الجاه، ففي أخباره أن الرخجي كان يجري عليه في كل شهر عشرة دنانير، وأن إسحاق بن إبراهيم بن مصعب القائم على شرطة بغداد في عهد المأمون لزمه وقرأ النحو عليه. وما زال مشغولا بالتأديب والتعليم حتى توفي سنة ٢٠٩ للهجرة. ونراه يعنى بالتصنيف في النحو، فيؤلف فيه ثلاثة كتب هي: الحدود والمختصر والقياس.
ويقول مترجموه: "له في النحو مقالة تعزى إليه". ومن يرجع إلى كتب النحاة يجد له آراء كثيرة تدور فيها، وهي لا تفصله عن مدرسته الكوفية، بل تجعله منميا لها، باعثا على نشاطها. وهو فيها تارة يتفق مع أستاذه، وتارة يعدل في آرائه، وكثيرا ما ينفرد بآراء يختص بها وحده. فمما اتفق فيه مع أستاذه القول بأن الفاعل قد يحذف على نحو ما يلقانا في باب التنازع في مثل: "قام وقعد علي" ففي رأيهما أن لفظة علي فاعل للفعل الثاني وأن الفعل الأول حذف فاعله، حتى لا يكون هناك إضمار قبل ذكر الفاعل. ويتضح ذلك أكثر في حالتي التثنية والجمع، فمذهب سيبويه فيهما أن يقال في التثنية: "ضرباني وضربت الزيدَينِ", وفي الجمع: "ضربوني وضربت الزيدِينَ" أما في مذهب الكسائي وهشام, فيقال في التثنية: "ضربني وضربت الزيدَين" وفي الجمع:
стр. 198
"ضربني وضربت الزيدِين" فتوحَّد الفعل الأول معهما؛ لخلوه من الضمير١. ومما اتفقا فيه أيضا إعمال اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي في المفعول به مثل: "علي ناظمٌ قصيدتَهُ أمس"٢. واتفقا في أن الفعل اللازم إذا بني للمجهول مثل "مُرَّ بِهِ" كان نائب الفاعل ليس الجار والمجرور كما يذهب جمهور النحاة، وإنما ضمير المجهول؛ لأنه يعود إما على المصدر أو الوقت أو المكان، مما يعمل فيه الفعل عادة٣. وكذلك اتفقا في أن الماضي المجرد من قَدِ الواقعة جملته خبرا لإن يصح دخول لام الابتداء عليه مثل: "إن محمدا لقام" على إضمار قد، ومنع ذلك الجمهور٤. وذهب الأخفش إلى أن صيغة التعجب تصاغ من العاهات فيقال: "ما أعوره", وقاس على ذلك الكسائي -وتبعه هشام- صياغته من الألوان مثل: "ما أحمره", و"ما أبيضه", و"ما أسوده", و"ما أخضره"٥.
ومما وافق فيه أستاذه مع شيء من التعديل تقدم المفعول به على المبتدأ في مثل: "زيدا أخوه ضارب", و"زيدا أخوه ضرب", فقد كان الكسائي يجيز الصورة الأولى ولا يجيز الصورة الثانية، وأجازهما معا هشام٦. وكان يجيز مع أستاذه الفصل بين إذن والمضارع المنصوب بها بمعموله مطلقا، غير أن الكسائي كان يرجح النصب، أما هو فكان يرجح الرفع٧. وصورنا فيما أسلفنا خلافه مع أستاذه في وقوع الجملة الطلبية صلة، وقد خالفه في طائفة من الآراء، فمن ذلك ذهاب الكسائي -كما مر بنا- إلى أن الأسماء الخمسة معربة من مكانين بالحركات والحروف معا، بينما ذهب هشام إلى أن الأحرف: الواو والألف والياء هي الإعراب, وأنها نابت عن الحركات٨. ومر بنا أن الكسائي كان يجوز الفصل بين لن والمضارع الناصبة له بالقسم ومعمول الفعل مطلقا، وخالفه في ذلك هشام آخذا بوجهة نظر البصريين٩. وكان الكسائي يرى رفع لفظة اليوم في مثل: "اليومُ الأحد" وجوز هشام في كلمة "اليوم" النصب على الظرفية؛ لأنها
стр. 199
حينئذ بمعنى الآن١. وله آراء كثيرة انفرد بها ودارت في كتب النحاة، من ذلك أنه كان يرى -كما مر بنا في غير هذا الموضع- أن عامل الرفع في الفاعل هو الإسناد أي: إسناد الفعل له، وذهب إلى أن العامل في المفعول به هو الفاعل، فمثل: قرأت الكتاب, العامل في الكتاب النصب هو التاء. وزعم في مثل: "ظننت زيدا قائما" أن التاء نصبت زيدا، أما "قائما" فنصبها الظن٢. وكان يذهب إلى أن المعتل حين يُجمع جمع مؤنث سالما مثل عِدة وعِدات وثُبَة وثبات ينصب بالفتحة مستدلا على ذلك بحكايته عن العرب "سمعت لغاتَهم" بالنصب٣, وجاء عن العرب: "كلمته فاه إلى فيَّ" ومر بنا أن سيبويه كان يعرب كلمة "فاه إلى في" حالا على تقدير: مشافهة، وأعربها الأخفش منصوبة بتقدير "من" أي: على نزع الخافض، وأعربها الكوفيون مفعولا به على تقدير: "جاعلا فاه إلى في". وذهب الجمهور إلى أنه لا يقاس على هذا التركيب, فلا يقال: "كلمته وجهه إلى وجهي, ولا عينه إلى عيني", وذهب هشام إلى القياس عليه، فأجاز مثل: "ماشيته قدمه إلى قدمي، وجاوزته بيته إلى بيتي، وناضلته قوسه عن قوسي" ونحو ذلك٤. وكان يذهب مذهب قطرب في أن واو العطف تفيد الترتيب في مثل: قام زيد وعمرو٥. ومعروف أن الجمهور كان يعرب: "لا أبالك" على أن أبا اسم مضاف إلى الضمير المجرور باللام, واللام زائدة لا اعتداد بها, والخبر محذوف. وذهب هشام في إعرابها إلى أن الجار والمجرور صفة لأب والخبر محذوف٦. وكان يجيز أن يقال: "زيد وحده" لسماع ذلك عن العرب، وكان يعرب "وحده" على أنه منصوب انتصاب الظرف مثل عنده، وزعم في مثل "جاء زيد وحده" أن وحده ليست حالا كما ذهب سيبويه مؤولا لها بكلمة "منفردا", إنما هي منصوبة على الظرفية٧. وذهب إلى أن الفاء العاطفة قد تستعمل بمعنى إلى, مستدلا بقول امرئ القيس:
стр. 200
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وهو إبعاد في الفهم والتقدير١. وعلى شاكلته ذهابه إلى أن كيف قد تأتي حرف عطف، وأنشد على ذلك قول بعض الشعراء:
إذا قل مال المرء لانت قناته ... وهان على الأدنى فكيفَ الأباعد
وهو خطأ واضح لاقترانها -كما قال ابن هشام- بالفاء، وقد خرجها على مضاف محذوف، تقديره: فيكف حال الأباعد. ويمكن أن يكون جر الأباعد ضرورة شعرية, وأن البيت من قصيدة مكسورة الدال٢. وله من هذا القبيل آراء يغرب فيها إغرابا بعيدا، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن الفاعل ونائب الفاعل قد يكونان جملة مثل: "يعجبني تقوم", والجمهور يؤول ما قد يظن فيه ذلك من صور الكلام٣. وكان يذهب في مثل: "مؤدبني" إلى أن النون فيها تنوين لا نون، حتى يفسح لإعمال اسم الفاعل في الياء النصب، ورد ذلك ابن هشام بأنها لو كانت تنوينا لما دخلت على اسم الفاعل الألف واللام في مثل: "الموافيني" من قول الشاعر:
وليس الموافيني ليُرْفَدَ٤ خائبا٥
ومن ذلك أن البصريين وجمهور النحاة كانوا لا يجيزون الجمع بين الفاعل والمفعول في نعت واحد، فلا يقال: "ضرب زيد عمرا الظريفان" وجوز ذلك هشام مع اختيار الرفع٦.
وكان يذهب إلى أن الواو العاطفة للجمل تغني غناء الضمير في الربط بين المبتدأ وخبره, فيقال مثلا: "زيد جاءت هند وأكرمها" ومنع ذلك الجمهور؛ لأنه لم يرد به سماع, ولأن الواو إنما تكون للجمع في المفردات لا في الجمل بدليل جواز "هذان: قائم وقاعد" دون: "هذان يقوم ويقعد"٧.
ولعل في كل ما أسلفنا ما يوضح نشاط هشام في درس النحو على ضوء الأشعة التي سالت من آراء الكسائي وأصوله التي وضعها لنحاة الكوفة من بعده، وقد مضى في إثره يُكثر من الاتساع في الرواية والقياس والخلاف على البصريين والنفوذ إلى آراء جديدة، يداخلها كثير من البعد والإغراب.
стр. 201
الفصل الثالث: الفراء
١- نشاطه العلمي:
هو يحيى١ بن زياد بن عبد الله، من أصل فارسي من الديلم، ولد بالكوفة سنة ١٤٤ للهجرة، ونشأ بها، وأخذ يكبّ منذ نشأته على حلقات المحدثين والقراء أمثال أبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة، واختلف إلى حلقات الفقهاء ورواة الأشعار والأخبار والأيام. وأكثر من الاختلاف إلى حلقة أبي جعفر الرواسي وكأنه لم يجد عنده كل ما يريد من علم العربية، مما جعله يرحل إلى البصرة ويتتلمذ على يونس بن حبيب ويحمل كثيرا عنه مما كان يرويه من لغات الأعراب وأشعارهم. ونظن ظنا أنه اختلف حينئذ إلى حلقات المعتزلة التي كانت مهوى قلوب الشباب والمثقفين والأدباء في البصرة، وأنه تلقن حينئذ مبادئ الاعتزال، وظل مؤمنا بها حفيا، مما جعل مترجميه يقولون: إنه كان متكلما يميل إلى الاعتزال، وآثار اعتزاله واضحة في كتابه معاني القرآن, إذ نراه فيه يتوقف مرارا للرد على الجبرية. ولعل صلته بالاعتزال والمعتزلة هي التي دفعته إلى قراءة كتب الفلسفة والطب والنجوم، فقد كان المعتزلة يحرصون على قراءة هذه الكتب حتى ليقول الجاحظ كما مر بنا: "لا يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام, متمكنا في الصناعة حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة، والعالم عندنا "يريد المعتزلة" هو الذي يجمعهما".
стр. 202
ومعنى ذلك كله أن الفراء عُني منذ نشأته في الكوفة والبصرة بالوقوف على ثقافات عصره الدينية والعربية والكلامية والفلسفية والعلمية، ويشهد بذلك معاصروه، فيقول ثمامة بن أشرس وقد جلس إليه بأخرة من حياته: "جلست إليه، ففاتشته عن اللغة، فوجدته بحرا، وفاتشته عن النحو، فوجدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم، وبالنجوم ماهرا، وبالطب خبيرا، وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها حاذقا". ويصفه مترجموه بالتفلسف في تصانيفه, وأنه كان يستعمل فيها ألفاظ الفلسفة.
وقد تعمقه ميل شديد لإتقان العربية، والعناية بالقرآن الكريم وقراءاته وتفسيره, وعاد إلى مسقط رأسه بعد أن حمل من ذلك أزوادا كثيرة. وكانت شهرة مواطنه الكسائي قد أخذت تدوي في بلدته، فرحل إلى بغداد، ولزمه منذ عصر المهدي١، وأخذ كل ما عنده. ويظهر أن أستاذه عرَّف الرشيد به، إذ نراه يحضر مجالسه. ومضى يفرغ للنحو واللغة والقرآن، حتى إذا وجد أستاذه يطلب كتاب سيبويه ويمليه عليه الأخفش انقض على هذا الكتاب يلتهمه التهاما، ويلتهم معه كتابات الأخفش في النحو، ومن طريف ما يروى عنه أنه مات وتحت رأسه الكتاب، وكأنه لم يكن يفارقه. وأكبر الظن أن هذه النسخة للكتاب التي وُجدت تحت رأسه هي نفسها النسخة التي أهداها الجاحظ إلى ابن الزيات وزير المعتصم والواثق، إذ ذكر الرواة أنه أهداه كتاب سيبويه بخط الفراء وعرض الكسائي ومقابلته، فتقبله قبولا حسنا، شاكرا مثنيا٢.
وقد مضى في إثر أستاذه يكثر من الرواية عن الأعراب الذين نزلوا بغداد، غير ملتفت لطعن البصريين فيهم وفي أمثالهم ممن اختلطوا بأهل الحضر. وتدور في كتابه معاني القرآن روايات كثيرة عن جماعة, منهم في مقدمتها: أبو دثار الفقعسي وأبو زياد الكلابي وأبو ثروان وأبو الجراح العقيلي، فقد وجد عندهم مادة وفيرة من الشعر واللغة.
ونظن ظنا أنه تصدر للمحاضرة والإملاء على الطلاب في مسجد كان بجوار
стр. 203
منزله، وأستاذه الكسائي لا يزال على قيد الحياة. وإنما يدفعنا إلى هذا الظن أننا لا نجد أحاديث عنه تدل على كثرة مخالطته للقصر في عصر الرشيد والأمين ورجال دولتهما، وكأنما وجد في الحياة العلمية الخالصة عالمه الذي شغف به وملك قلبه وفؤاده ملكا صرفه عن العالم الخارجي وكل ما كان يجري فيه. وقد مضى ينفق أيامه في مراجعة كتاب سيبويه وتسجيل ملاحظاته عليه, كما مضى يحاول التصنيف لطلابه في اللغة والنحو والدراسات المتصلة بالقرآن الكريم، وكثرت تصانيفه، من مثل كتاب لغات القرآن وكتاب المصادر في القرآن وكتاب الجمع والتثنية في القرآن وكتاب اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف وكتاب الوقف والابتداء في القرآن, ومثل كتاب آلة الكتاب وكتاب الفاخر وكتاب النوادر وكتاب مشكل اللغة وكتاب الأيام والليالي والشهور وكتاب الواو وكتاب يافع ويافعة وكتاب المقصور والممدود وكتاب فعل وأفعل وكتاب في النحو سماه الكتاب الكبير.
ويظل في هذه الحياة العلمية الخصبة حتى سنة ٢٠٢ للهجرة، ويحدث أن يكتب إليه عمر بن بكير الراوية الأخباري النسابة، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل في أثناء نيابته عن المأمون ببغداد حين كان لا يزال بمرو قبل تحوله منها إلى عاصمته: بأن الحسن بن سهل يسأله عن الشيء بعد الشيء من القرآن الكريم فلا يحضره فيه جواب، والتمس منه أن يكتب للناس كتابا، يرجع معهم إليه، وكأنه أثار في نفسه عزيمة كان قد اعتزمها في تصنيف كتاب جامع في القرآن، وسرعان ما عقد للناس مجالس أملى فيها كتابه الرائع "معاني القرآن" وامتدت هذه المجالس من رمضان في السنة المذكورة حتى شهور من سنة ٢٠٤ للهجرة، وهو فيه لا يفسر الذكر الحكيم بالطريقة المعروفة، وإنما يتخير من الآيات على ترتيب السور ما يُدير حوله مباحثه اللغوية والنحوية. وبذلك يحل مشكلها ويوضح غامضها، مدليا دائما بآرائه النحوية، ومعبرا بما اختاره للنحو من مصطلحات جديدة، ناثرا من حين إلى حين آراء أستاذه الكسائي, وآراء النحويين البصريين.
ويقدم المأمون بغداد، ويعقد للعلماء من كل صنف مجالس بحضرته
стр. 204
يتحاورون فيها ويتناقشون، ولا يكاد يترك له مستشاروه من مثل ثمامة بن أشرس المعتزلي عالما إلا ويشخصونه إلى مجالسه، ويطلب ثمامة الفراء، ويلقاه، ويعجب به وبثقافته -كما مر بنا- إعجابا شديدا، ويقدمه إلى المأمون، فيحظى بإعجابه. وربما أعجبهما فيه بالإضافة إلى علمه الغزير باللغة والنحو والقرآن اعتزاله، إذ كان المأمون يعتنق الاعتزال مثل مستشاره ثمامة, ولم يلبث أن اختاره مؤدبا لابنيه. وبعثه على تأليف كتاب يجمع أصول النحو، ويقال: إنه أفرد له حجرة في الدار ووكل به من يقومون بكل حاجاته، وصير له جماعة من الوراقين ليملي عليهم الكتاب. ويقال: إنه ظل يمليه ويصنف فصوله ومواده في سنتين، وهو كتاب الحدود، وفي فهرست ابن النديم تعريف دقيق بما تشمل الحدود فيه من فصول النحو وعَتَاده.
وفي هذه الأثناء نراه يتصل بطاهر بن الحسين قائد المأمون المشهور الذي قضى له قضاء مبرما على أخيه الأمين. وكان يعنى بابنه عبد الله وبفصاحته، ويظهر أنه لحظ عليه بعض اللحن والخطأ في كلامه أو في بعض كتابته، فطلب إلى الفراء أن يكتب له كتابا يقفه فيه على اللحن المتفشي على ألسنة العوام، فصنف كتابه البهاء أو البهي فيما تلحن فيه العامة. وصنف لعبد الله كتابا ثانيا هو كتابه "المذكر والمؤنث" وهو مطبوع. وما زال يتابع هذا الجهد العلمي المثمر حتى لبى نداء ربه في طريقه إلى مكة سنة ٢٠٧ للهجرة.
стр. 205
٢- وضعه النهائي للنحو الكوفي ومصطلحاته:
رأينا الكسائي يرسم منهج النحو الكوفي على أسس ثلاثة هي: الاتساع في الرواية بحيث تفتح الأبواب على مصاريعها لرواية الأشعار والأقوال والقراءات الشاذة، والاتساع في القياس بحيث يعتد في قواعد النحو بالشاذ والقليل النادر، والاتساع في مخالفة البصريين اتساعا قد يئول إلى مد القواعد وبسطها بآراء لا تسندها الشواهد اللغوية، بل قد يئول أحيانا إلى رفض المسموع
стр. 206
الشائع على نحو موقفه وموقف الفراء من إعمال أسماء المبالغة على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع.
وقد مضى الفراء -في أثر أستاذه- يتسع بهذه الجوانب، وكان عقله أدق وأخصب من عقل الكسائي، إذ كان مثقفا -كما أسلفنا- ثقافة كلامية فلسفية، فكانت قدرته على الاستنباط والتحليل والتركيب واستخراج القواعد والأقيسة والاحتيال للآراء وترتيب مقدماتها لا تُقْرَن إليها قدرة أستاذه، وقد تحول بها إلى تنظيم واسع لما تركه من أسس بانيا عليه من اجتهاده ما أعطى النحو الكوفي صورته النهائية، وهي صورة تقوم على الخلاف مع نحاة البصرة في كثير من الأصول، مع النفوذ إلى وضع مصطلحات جديدة والخلاف مع الخليل وسيبويه في تحليل بعض الكلمات والأدوات وفي كثير من العوامل والمعمولات، ومع مد القياس وبسطه ليشمل كثيرا من اللغات، والإبقاء مع ذلك على فكرة الشذوذ ومخالفة القياس حتى في القراءات.
أما الأصول, فقد خالف البصريين فيها في أربع مسائل أساسية، أما المسألة الأولى فعدم تفرقته بين ألقاب الإعراب والبناء، على نحو ما مر بنا في حديثنا عن مدرسة الكوفة، وكان حريا به أن يفصل بينهما كما فصلت مدرسة البصرة؛ تمييزا للألقاب التي يتبعها التنوين من الأخرى التي لا يتبعها. والمسألة الثانية هي أن المصدر مشتق من الفعل، لا كما ذهب إليه البصريون من أن المصدر هو الأصل والفعل مشتق منه، وكان يؤيد رأيه هو والكوفيون بأن المصدر يصح بصحة الفعل ويعتل باعتلاله، فتقول: قِوام من قاوم وقيام من قام، وأن الفعل يعمل فيه النصب، تقول: كتب كتابة، وأنه يؤكده كالمثال المذكور، والمؤكد يتلو ما يؤكده، وأيضا فإنه توجد أفعال لا مصادر لها مثل نعم وبئس وليس، إلى غير ذلك من حجج تحاور معهم فيها البصريون طويلا, مؤيدين رأيهم ببراهين كثيرة١. والمسألة الثالثة هي إعراب الأفعال، وأنه أصل فيها كالأسماء لا أنه أصل في الأسماء
стр. 207
فرع في الأفعال، وكان سيبويه والبصريون يذهبون إلى الرأي الثاني؛ لأن الاسم تتعاوره معانٍ مختلفة، هي الفاعلية والمفعولية والإضافة, ولولا الإعراب ما استبانت هذه المعاني في صيغة الاسم ولوقع اللبس، بخلاف الفعل فإن اختلاف صيغه في التركيب يؤمن من اللبس فيه. وذهب الفراء إلى أن الإعراب أصل في الأفعال كالأسماء، واحتج بأنها هي الأخرى تختلف معانيها الزمنية، فقد تدل على الحال، وقد تدل على الاستقبال، وقد تدل على المضي، ومعروف أن المضارع قد يدل على الاستمرار في مثل "يشعر", إذ تقوم مقام شاعر، وفي هذه الحالة يصبح المضارع مثل الاسم الذي يلزم المسمى ولا يزايله١.
والمسألة الرابعة مسألة الأفعال وأقسامها، أما البصريون فيقسمون الفعل القسمة المعروفة إلى: ماض ومضارع وأمر، وأما الفراء وتبعه الكوفيون، فقسمه إلى: ماض ومضارع ودائم، وهو لا يريد بالدائم فعل الأمر، وإنما يريد اسم الفاعل كما مر بنا في فصل المدرسة الكوفية٢. أما فعل الأمر فمقتطع عنده من المضارع المجزوم بلام الأمر، يقول: "العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجَه لكثرة الأمر خاصة في كلامهم، فحذفوا اللام كما حذفوا التاء من الفعل "المضارع في مثل: لتضربْ" وأنت تعلم أن الجازم أو الناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف. فلما حذفت التاء ذهبتَ باللام، وأحدثتَ الألف في قولك: اضرب وافرح؛ لأن الضاد ساكنة، فلم يستقم أن يُستأنف بحرف ساكن فأدخلوا ألفا خفيفة "يريد ألف الوصل" يقع بها الابتداء، كما قال: ﴿ادَّارَكُوا﴾ و ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ . وكان الكسائي يعيب قولهم: "فلتفرحوا"؛ لأنه وجده قليلا فجعله عيبا، وهو الأصل "يريد أصل الأمر" ولقد سمعت عن النبي ﷺ أنه قال في بعض المشاهد: "لتأخذوا مصافَّكم"، يريد به: خذوا مصافكم٣. وبذلك يكون الأمر عنده
стр. 208
مجزوم الآخر لا مبنيا، فهو معرب إعراب أصله المقتطع منه١. وعلى ضوء ما هو معروف عند المعتزلة من أن المسلم الفاسق في منزلة وسطى بين المؤمن والكافر, ذهب إلى أن "كِلا" التي يضعها الخليل والبصريون في باب الأسماء ليست اسما ولا فعلا, بل هي في مرتبة متوسطة بينهما، واحتج لذلك بأنها لا تنفرد أي: إنه ليس لها مفرد، وأنها كالفعل الماضي المعتل الآخر المنقلبة ألفه عن ياء، إذا وليها اسم ظاهر لزمتها الألف، وإذا وليها ضمير قُلبت ياء فتقول: رأيت كلا الرجلين ورأيت كليهما، كما تقول: قضى الحق وقضيته٢.
وأكثر من التبديل والتغيير في المصطلحات النحوية التي وضعها الخليل وسيبويه، وأضاف إليها بعض المصطلحات الجديدة، ونحن نعرض ذلك عنده من كلامه ومن كتب النحاة، وأول ما نعرض اصطلاح التقريب ويريد به اسم الإشارة حين يليه الخبر وحال منصوبة في مثل: "هذا زيد شاعرا", و"هذا الأسد مخوفا", فإنه لم يكن يعرب الجملة على هذا النحو الذي ذكرناه، أو بعبارة أخرى: على نحو ما كان يعربها سيبويه، بل كان يجعل اسم الإشارة كأنه مشبه لكان إذ يليه -مثلها- مرفوع ومنصوب، ويقول: إن المنصوب ينصب بخلوه من العامل، كما نصب خبر كان، أي: لعدم وجود رافع له يرفعه٣، ولعل ذلك ما جعل بعض خالفيه من الكوفيين يجعل هذا من أخوات كان، وما وراءها اسمها وخبرها، أما "هذا" فيعرب تقريبا٤.
وما نتقدم في قراءة كتابه "معاني القرآن" كثيرا حتى نجده يتحدث عن مصطلح ثانٍ له وضعه, هو مصطلح الصرف, ويقصد به النصب في بابين هما: باب الفعل المضارع المنصوب بعد الواو والفاء وأو، وباب المفعول معه، إذ يصرف المضارع والمفعول معه عما قبله، فلا تكون الواو فيهما عاطفة، بل تكون واو صرف
стр. 209
لهما عما قبلهما، ومثلها الفاء وأو، ويشرح ذلك مع الواو١ وأو, فيقول: الصرف "أن تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة, لا تستقيم إعادتها على ما عُطف عليها ... كقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلتَ عظيم
ألا ترى أنه لا يجوز إعادة لا في "تأتي مثله"؛ فلذلك سمي صرفا, إذ كان معطوفا ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع قولهم: "لو تُركت والأسدَ لأكلك" و"لو خُلِّيتَ ورأيَك لضللتَ" ... والعرب تقول: "لستُ لأبي إن لم أقتلك, أو تذهبَ نفسي" ويقولون: "والله لأضربنَّك أو تسبقَنِّي في الأرض" فهذا مردود "معطوف" على أول الكلام ومعناه الصرف؛ لأنه لا يجوز على الثاني إعادة الجزم بلم, ولا إعادة اليمين على والله لتسبقني، وتجد ذلك إذا امتحنتَ الكلام"٢. ويقول في موضع ثانٍ: "الصرف: أن يجتمع الفعلان بالواو أو ثم أو الفاء أو أو, وفي أولهما جحد "نفي" أو استفهام, ثم ترى ذلك الجحد أو الاستفهام ممتنعا أن يُكر في العطف, فذلك الصرف"٣.
ونرى هذا الاصطلاح عند الفراء يقرن باصطلاح آخر ينسب إليه أيضا هو الخلاف، إذ يقول الرضي: إن الأفعال المضارعة تنصب بعد الواو والفاء وأو عند الفراء على الخلاف، ويشرح رأيه فيقول: "أي: إن المعطوف بها صار مخالفا للمعطوف عليه في المعنى، فخالفه في الإعراب كما انتصب الاسم الذي بعد الواو في المفعول معه لما خالف ما قبله، وإنما حصل التخالف ههنا بينهما؛ لأنه طرأ على الفاء معنى السببية وعلى الواو معنى الجمعية وعلى أو معنى النهاية والاستثناء"٤. ولعله كان يتداول الاصطلاحين في كتاباته، ومن هنا كنا
стр. 210
نظن أنه هو أيضا الذي ذهب إلى أن الظرف الواقع خبرا في مثل: "محمد عندك" منصوب على الخلاف١.
وتتردد في كتاب معاني القرآن تسمية الفعل المتعدي باسم الفعل الواقع، كما تتردد "أوقعتَ عليه الفعل" بدلا من "عديت إليه الفعل"٢, ويسمي الفعل المبني للمجهول باسم "الذي لم يُسم فاعله"٣ كما يسمي الضمير المكني والكناية٤. وكان يصطلح على تسمية ضميري الشأن والفصل باسم العماد في مثل: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ أي: الحال والشأن أن الإخراج محرم عليكم٥. وفي مثل: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يقول: "في ﴿الْحَقَّ﴾ النصب والرفع إن جعلت هو اسما رفعت الحق بها وإن جعلتها عمادا بمنزلة الصلة "أي الحشو" نصبت الحق، وكذلك فافعل في أخوات كان وظن وأخواتها كما قال الله ﵎: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ تنصب ﴿الْحَقَّ﴾ ؛ لأن رأيت من أخوات ظننت"٦.
واصطلح على تسمية النفي باسم الجحد، كما مر آنفا في بعض حديثه، ويقول: "وُضعت بلى لكل إقرار في أوله جحد "أي: نفي" ووضعت نعم للاستفهام الذي لا جحد فيه، فبلى بمنزلة نعم إلا أنها لا تكون إلا لما في أوله جحد"٧. وسمى لا النافية للجنس باسم التبرئة، يقول تعليقا على قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ : "القراء على نصب ذلك كله بالتبرئة"٨. وكان يسمي حرف الجر الصفة، يقول تعليقا على قوله : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ : "يريد: فلا جناح عليهما في أن يتراجعا و ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب إذا نُزعت الصفة"٩. وواضح أنه يقصد بالصفة حرف الجر
стр. 211
"في". وقد سمى حروف الزيادة حشوا ولغوا وصلة١ كما أطلق على الظرف اسم المحل٢. وكان يسمي الاسم المنصرف والآخر الممنوع من الصرف على التوالي: ما يجرى وما لا يجرى, أو المجرى وغير المجرى، وعبر مرارا بالإجراء عن الصرف٣.
وكان يسمي التمييز مفسِّرا، يقول تعليقا على قوله سبحانه: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ : "نُصب الذهب لأنه مفسِّر، لا يأتي مثله إلا نكرة، فخرج نصبه كنصب قولك: عندي عشرون درهما، ولك خيرهما كبشا، ومثل قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ . وإنما ينصب على خروجه من المقدار الذي تراه قد ذُكر قبله، مثل ملء الأرض أو عَدْل ذلك، فالعدل مقدار معروف، وملء الأرض مقدار معروف، فانصبْ ما أتاك على هذا المثال ما أُضيف إلى شيء له قدر، كقولك: عندي قدر قفيز٤ دقيقا، وقدر حَمْلَة تبنا، وقدر رطلين عسلا. فهذه مقادير معروفة يخرج الذي بعدها مفسِّرا؛ لأنك ترى التفسير خارجا من الوصف يدل على جنس المقدار من أي شيء هو، كما أنك إذا قلت: عندي عشرون، فقد أخبرت عن عدد مجهول قد تم خبره، وجُهل جنسه، وبقي تفسيره، فصار هذا مفسرا عنه؛ فلذلك نُصب"٥. وسمى المفعول لأجله في بعض المواضع تفسيرا, يقول تعليقا على الآية الكريمة: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ : "نصب ﴿حَذَرَ﴾ على غير وقوع من الفعل عليه، لم يرد يجعلونها حذرا، إنما هو كقولك: أعطيتك خوفا وفرقا، فأنت لا تعطيه الخوف، وإنما تعطيه من أجل الخوف، فنصبه على التفسير ليس بالفعل "أي: ليس مفعولا به" كقوله : ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ , وكقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ "٦.
وأكثر من تسمية البدل تكريرا وتبيينا وتفسيرا وترجمة٧، وكأنه بكل ذلك
стр. 212
كان يريد أن يشرح معناه. ويستخدم كلمة الإتباع كثيرا للدلالة على أن الكلمة من التوابع ومثلها كلمة الرد١، وهو أول من اصطلح على تسمية العطف بالحروف: الواو وأخواتها باسم عطف النسق٢, وكذلك هو أول من اصطلح على تسمية النعت باسمه٣, وكان سيبويه والبصريون يسمونه الصفة.
وحاول، بجانب هذه المصطلحات الجديدة التي أراد بها أن يسوي لنحو بلدته صورة متميزة، أن يخالف الخليل وسيبويه في تفسيرهما وتحليلهما لكثير من الألفاظ والأدوات، فمن ذلك: "اللهم" إذ كان الخليل يرى أنها لزمتها الميم المشددة عوضا عن "يا" التي كان ينبغي أن تتقدمها؛ ولذلك لا تجتمعان. وذهب الفراء إلى أنها اختزال من كلمة "يا ألله أُمَّنا بخير" حدث ذلك فيها لكثرة دورانها على لسانهم٤, وهو تخريج بعيد. ومن ذلك "هلم" كان الخليل يرى أنها مركبة من ها التنبيهية وفعل لُمَّ، ولكثرة استعمالها حذفت الألف من ها وأصبحت كأنها كلمة واحدة. وكان الفراء يرى أن أصلها: "هل أم" من فعل أم أي: قصد، فخففت الهمزة، بأن ألقيت حركتها على اللام وحذفت، فصارت "هلم"٥. وتخريج الخليل أقرب؛ لأنها تخلو من معاني الاستفهام. ومن ذلك "إياك" ولواحقها كان الخليل يذهب إلى أن إيا اسم مضمر مبهم أضيف إلى الضمير لتخصيصه وذهب غيره من البصريين إلى أن "إيا" ضمير والكاف وأخواتها حروف تبين حال الضمير من التكلم والخطاب والغيبة، بينما ذهب الفراء إلى أن "إيا" حرف زيد دعامة، ولواحقه هي الضمائر التي تكون في موضع نصب حسب مواقعها٦. ومن ذلك "لن" كان الخليل يرى أن أصلها: "لا أن"؛ فحذفت الهمزة تخفيفا والألف لالتقاء الساكنين، وكأنه وصلها بأن حتى يعلل لنصبها المضارع، وذهب الفراء إلى أن أصلها "لا" وأُبدلت الألف نونا فيها
стр. 213
على نحو ما أبدلت ميما في "لم"١. ومن ذلك "لكن" ذهب البصريون إلى أنها بسيطة، وذهب الفراء إلى أن أصلها "أن" زِيدت عليها لام وكاف، وطُرحت الهمزة للتخفيف، كما زيدت عليها اللام والهاء في بعض اللغات، فأصبحت "لَهِنَّك"٢. ومن ذلك" كم" ذهب البصريون إلى أنها بسيطة موضوعة للعدد، بينما ذهب الفراء إلى أنها مركبة من الكاف وما، وكثرت في كلامهم، فحذفت الألف تخفيفا، وسكنت الميم٣. ومن ذلك "أنت" ولواحقها كان الخليل يعد "أن" الضمير والتاء وتوابعها حروف تدل على الخطاب، وكان الفراء يذهب إلى أن "أنت" بسيطة وليست مركبة٤. ومن ذلك "هو" كان يذهب فيها إلى أن الهاء هي الضمير والواو صلة، وكذلك "هي" الهاء الضمير والياء صلة، بدليل سقوطهما جميعا في التثنية تقول: هما وقد ألحقوا بالهاء حينئذ ميما؛ ليقوا بالميم فتحة الألف٥. ومن ذلك "ويحك وويلك" ذهب البصريون إلى أنهما مؤلفان من ويح وويل، بدليل مجيئهما هكذا في الكلام، وذهب الفراء إلى أن أصلهما "وي" ووُصلا بحاء مرة وبلام مرة مع إضافة كاف الخطاب٦. ومن ذلك "مذ ومنذ" ذهب البصريون إلى أنهما بسيطتان ومنذ هي الأصل، وذهب الفراء إلى أنهما مركبتان وأن أصلهما "من ذو" أي: من الجارة وذو الطائية التي تأتي بمعنى الذي، وكأنك حين تقول: "ما رأيته مذ يومان" إنما تقول: "ما رأيته من الزمان الذي هو يومان"٧. وبنفس التفسير فسر "ماذا" في قولك: "ماذا صنعت؟ " فجعلها مركبة من ما الاستفهامية وذا الطائية٨. ومن طرائف تفسيره, تحليله لكلمة "الآن" فقد ذهب إلى أن أصلها "أوان" حذفت منها الألف الوسطى وغُيِّرت واوها إلى الألف وأدخلت عليها الألف واللام. ويعقب
стр. 214
على هذا التفسير بقوله: "وإن شئت جعلت الآن أصلها من قولك: آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام ثم تركتها على مذهب فَعَل "أي: على أصلها الفعلي", فأتاها النصب من نصب فَعَل، وهو وجه جيد"١.
وكان يذهب إلى أن أصل "الذي" ذا المشار بها وكذلك أصل "التي" تي المشار بها٢. ومر بنا في ترجمة الخليل توجيهه لمنع الصرف في أشياء, وأنه حدث فيها قلب أتاح لها منع الصرف، إذ وزنها لفعاء لا أفعال كما قد يتبادر، وذهب بعض النحويين إلى أن جمعها أفعال غير أنها أشبهت فعلاء مثل حمراء, فمنعوها من الصرف توهما، وذهب الفراء إلى أنها جمعت على أفعلاء مثل بيِّن وأبيناء، فأصبحت أشيئاء، وحذفت الهمزة من وسطها لكثرتها في الاستعمال، فأصبحت أشياء٣. ومن آرائه الطريفة أن أصل "بلى" التي يُجاب بها في النفي في مثل: أليس معك الكتاب؟ فيقال: بلى للدلالة على الرجوع عن النفي، يقول: أصلها: بل العاطفة في مثل: ما قام زيد بل عمرو، إذ بل تدل في هذا التعبير على الرجوع عن النفي، بالضبط مثل بلى في جواب الاستفهام عن النفي، وكل ما في الأمر أنهم زادوا عليها ألفا حتى تصلح للوقوف عليها٤. ومر بنا في ترجمة الكسائي تفسيره لإلا الاستثنائية.
وعلى هذه الشاكلة كان الفراء يحاول -بكل جهده- أن يضع تفسيرا جديدا لبعض الكلمات والأدوات, كما كان يحاول جاهدا أيضا أن يضع في النحو مصطلحات جديدة، مستعينا في ذلك كله بعقله المتفلسف الخصب. وما زال يلح في ذلك حتى استطاع حقا أن يكون للكوفة مدرسة مستقلة في النحو، لا كل الاستقلال، فهي لا تزال تعتمد على ما وضعت البصرة من أسس، ولكنها في الوقت نفسه تحاول التميّز والتفرّد وأن تكون لها شخصيتها المستقلة، وقد أتيح لها ذلك على يد الفراء لا من حيث ما قدمنا من تحليل بعض الأدوات والكلمات وجلب مصطلحات مبتكرة فحسب، بل أيضا من حيث النفوذ إلى
стр. 215
آراء كثيرة في العوامل والمعمولات ومد السماع والقياس حينا وقبضهما حينا آخر، وبذلك كله استوت للنحو الكوفي صورة مختلفة عن صورة النحو البصري اختلافا واضحا.