← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

"في". وقد سمى حروف الزيادة حشوا ولغوا وصلة١ كما أطلق على الظرف اسم المحل٢. وكان يسمي الاسم المنصرف والآخر الممنوع من الصرف على التوالي: ما يجرى وما لا يجرى, أو المجرى وغير المجرى، وعبر مرارا بالإجراء عن الصرف٣. وكان يسمي التمييز مفسِّرا، يقول تعليقا على قوله سبحانه: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ : "نُصب الذهب لأنه مفسِّر، لا يأتي مثله إلا نكرة، فخرج نصبه كنصب قولك: عندي عشرون درهما، ولك خيرهما كبشا، ومثل قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ . وإنما ينصب على خروجه من المقدار الذي تراه قد ذُكر قبله، مثل ملء الأرض أو عَدْل ذلك، فالعدل مقدار معروف، وملء الأرض مقدار معروف، فانصبْ ما أتاك على هذا المثال ما أُضيف إلى شيء له قدر، كقولك: عندي قدر قفيز٤ دقيقا، وقدر حَمْلَة تبنا، وقدر رطلين عسلا. فهذه مقادير معروفة يخرج الذي بعدها مفسِّرا؛ لأنك ترى التفسير خارجا من الوصف يدل على جنس المقدار من أي شيء هو، كما أنك إذا قلت: عندي عشرون، فقد أخبرت عن عدد مجهول قد تم خبره، وجُهل جنسه، وبقي تفسيره، فصار هذا مفسرا عنه؛ فلذلك نُصب"٥. وسمى المفعول لأجله في بعض المواضع تفسيرا, يقول تعليقا على الآية الكريمة: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ : "نصب ﴿حَذَرَ﴾ على غير وقوع من الفعل عليه، لم يرد يجعلونها حذرا، إنما هو كقولك: أعطيتك خوفا وفرقا، فأنت لا تعطيه الخوف، وإنما تعطيه من أجل الخوف، فنصبه على التفسير ليس بالفعل "أي: ليس مفعولا به" كقوله : ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ , وكقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ "٦. وأكثر من تسمية البدل تكريرا وتبيينا وتفسيرا وترجمة٧، وكأنه بكل ذلك

стр. 212

كان يريد أن يشرح معناه. ويستخدم كلمة الإتباع كثيرا للدلالة على أن الكلمة من التوابع ومثلها كلمة الرد١، وهو أول من اصطلح على تسمية العطف بالحروف: الواو وأخواتها باسم عطف النسق٢, وكذلك هو أول من اصطلح على تسمية النعت باسمه٣, وكان سيبويه والبصريون يسمونه الصفة. وحاول، بجانب هذه المصطلحات الجديدة التي أراد بها أن يسوي لنحو بلدته صورة متميزة، أن يخالف الخليل وسيبويه في تفسيرهما وتحليلهما لكثير من الألفاظ والأدوات، فمن ذلك: "اللهم" إذ كان الخليل يرى أنها لزمتها الميم المشددة عوضا عن "يا" التي كان ينبغي أن تتقدمها؛ ولذلك لا تجتمعان. وذهب الفراء إلى أنها اختزال من كلمة "يا ألله أُمَّنا بخير" حدث ذلك فيها لكثرة دورانها على لسانهم٤, وهو تخريج بعيد. ومن ذلك "هلم" كان الخليل يرى أنها مركبة من ها التنبيهية وفعل لُمَّ، ولكثرة استعمالها حذفت الألف من ها وأصبحت كأنها كلمة واحدة. وكان الفراء يرى أن أصلها: "هل أم" من فعل أم أي: قصد، فخففت الهمزة، بأن ألقيت حركتها على اللام وحذفت، فصارت "هلم"٥. وتخريج الخليل أقرب؛ لأنها تخلو من معاني الاستفهام. ومن ذلك "إياك" ولواحقها كان الخليل يذهب إلى أن إيا اسم مضمر مبهم أضيف إلى الضمير لتخصيصه وذهب غيره من البصريين إلى أن "إيا" ضمير والكاف وأخواتها حروف تبين حال الضمير من التكلم والخطاب والغيبة، بينما ذهب الفراء إلى أن "إيا" حرف زيد دعامة، ولواحقه هي الضمائر التي تكون في موضع نصب حسب مواقعها٦. ومن ذلك "لن" كان الخليل يرى أن أصلها: "لا أن"؛ فحذفت الهمزة تخفيفا والألف لالتقاء الساكنين، وكأنه وصلها بأن حتى يعلل لنصبها المضارع، وذهب الفراء إلى أن أصلها "لا" وأُبدلت الألف نونا فيها

стр. 213

على نحو ما أبدلت ميما في "لم"١. ومن ذلك "لكن" ذهب البصريون إلى أنها بسيطة، وذهب الفراء إلى أن أصلها "أن" زِيدت عليها لام وكاف، وطُرحت الهمزة للتخفيف، كما زيدت عليها اللام والهاء في بعض اللغات، فأصبحت "لَهِنَّك"٢. ومن ذلك" كم" ذهب البصريون إلى أنها بسيطة موضوعة للعدد، بينما ذهب الفراء إلى أنها مركبة من الكاف وما، وكثرت في كلامهم، فحذفت الألف تخفيفا، وسكنت الميم٣. ومن ذلك "أنت" ولواحقها كان الخليل يعد "أن" الضمير والتاء وتوابعها حروف تدل على الخطاب، وكان الفراء يذهب إلى أن "أنت" بسيطة وليست مركبة٤. ومن ذلك "هو" كان يذهب فيها إلى أن الهاء هي الضمير والواو صلة، وكذلك "هي" الهاء الضمير والياء صلة، بدليل سقوطهما جميعا في التثنية تقول: هما وقد ألحقوا بالهاء حينئذ ميما؛ ليقوا بالميم فتحة الألف٥. ومن ذلك "ويحك وويلك" ذهب البصريون إلى أنهما مؤلفان من ويح وويل، بدليل مجيئهما هكذا في الكلام، وذهب الفراء إلى أن أصلهما "وي" ووُصلا بحاء مرة وبلام مرة مع إضافة كاف الخطاب٦. ومن ذلك "مذ ومنذ" ذهب البصريون إلى أنهما بسيطتان ومنذ هي الأصل، وذهب الفراء إلى أنهما مركبتان وأن أصلهما "من ذو" أي: من الجارة وذو الطائية التي تأتي بمعنى الذي، وكأنك حين تقول: "ما رأيته مذ يومان" إنما تقول: "ما رأيته من الزمان الذي هو يومان"٧. وبنفس التفسير فسر "ماذا" في قولك: "ماذا صنعت؟ " فجعلها مركبة من ما الاستفهامية وذا الطائية٨. ومن طرائف تفسيره, تحليله لكلمة "الآن" فقد ذهب إلى أن أصلها "أوان" حذفت منها الألف الوسطى وغُيِّرت واوها إلى الألف وأدخلت عليها الألف واللام. ويعقب

стр. 214

على هذا التفسير بقوله: "وإن شئت جعلت الآن أصلها من قولك: آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام ثم تركتها على مذهب فَعَل "أي: على أصلها الفعلي", فأتاها النصب من نصب فَعَل، وهو وجه جيد"١. وكان يذهب إلى أن أصل "الذي" ذا المشار بها وكذلك أصل "التي" تي المشار بها٢. ومر بنا في ترجمة الخليل توجيهه لمنع الصرف في أشياء, وأنه حدث فيها قلب أتاح لها منع الصرف، إذ وزنها لفعاء لا أفعال كما قد يتبادر، وذهب بعض النحويين إلى أن جمعها أفعال غير أنها أشبهت فعلاء مثل حمراء, فمنعوها من الصرف توهما، وذهب الفراء إلى أنها جمعت على أفعلاء مثل بيِّن وأبيناء، فأصبحت أشيئاء، وحذفت الهمزة من وسطها لكثرتها في الاستعمال، فأصبحت أشياء٣. ومن آرائه الطريفة أن أصل "بلى" التي يُجاب بها في النفي في مثل: أليس معك الكتاب؟ فيقال: بلى للدلالة على الرجوع عن النفي، يقول: أصلها: بل العاطفة في مثل: ما قام زيد بل عمرو، إذ بل تدل في هذا التعبير على الرجوع عن النفي، بالضبط مثل بلى في جواب الاستفهام عن النفي، وكل ما في الأمر أنهم زادوا عليها ألفا حتى تصلح للوقوف عليها٤. ومر بنا في ترجمة الكسائي تفسيره لإلا الاستثنائية. وعلى هذه الشاكلة كان الفراء يحاول -بكل جهده- أن يضع تفسيرا جديدا لبعض الكلمات والأدوات, كما كان يحاول جاهدا أيضا أن يضع في النحو مصطلحات جديدة، مستعينا في ذلك كله بعقله المتفلسف الخصب. وما زال يلح في ذلك حتى استطاع حقا أن يكون للكوفة مدرسة مستقلة في النحو، لا كل الاستقلال، فهي لا تزال تعتمد على ما وضعت البصرة من أسس، ولكنها في الوقت نفسه تحاول التميّز والتفرّد وأن تكون لها شخصيتها المستقلة، وقد أتيح لها ذلك على يد الفراء لا من حيث ما قدمنا من تحليل بعض الأدوات والكلمات وجلب مصطلحات مبتكرة فحسب، بل أيضا من حيث النفوذ إلى

стр. 215

آراء كثيرة في العوامل والمعمولات ومد السماع والقياس حينا وقبضهما حينا آخر، وبذلك كله استوت للنحو الكوفي صورة مختلفة عن صورة النحو البصري اختلافا واضحا.

стр. 216

٣- العوامل والمعمولات: أخذ الفراء يردد النظر في العوامل والمعمولات التي فرضها البصريون على النحو وقواعده، وتحول ذلك عنده إلى ما يشبه سباقا بينه وبينهم، وأحيانا يلتقي بهم وبخاصة بالأخفش على نحو ما مر بنا في ترجمته، وأحيانا يفترق، ويهمنا أن نقف عند مواضع افتراقه؛ لأنها هي التي تفرق النحو الكوفي، كما تصوره، من النحو البصري. ونقف أولا عند العوامل، ومر بنا أنه كان يرى ما رآه الأخفش من أن العامل في رفع المضارع هو تجرده من العوامل، أو كما قال: هو تجرده من الناصب والجازم. وكان البصريون يذهبون إلى أن العامل في المفعول به هو الفعل السابق له أو ما يشبهه من مصدر واسم فاعل، وكان الكسائي يذهب إلى أن العامل فيه هو خروجه عن وصف الفعل. وذهب الفراء إلى أن العامل فيه هو الفعل والفاعل معا، وبذلك عدَّد العامل فيه١، كما عدَّده في مثل: "قام وقعد محمد" إذ جعل لفظة محمد في مثل هذا التعبير فاعلا للفعلين معا، على نحو ما أسلفنا في غير هذا الموضع. وعدده أيضا في مثل: "يا تيمَ تيمَ عدي" إذ جعل كلمتي "تيم" مضافتين معا إلى عدي. وقد يكون هذا الرأي أوجه من رأي سيبويه, إذ ذهب إلى أن "تيم" الأولى هي المضافة إلى عدي والثانية مقحمة بين المضاف والمضاف إليه، والأصل "يا تيم عدي تيمه", فحُذف الضمير من تيم الثانية وأقحمت. وذهب المبرد إلى أن "تيم" الثانية مضافة إلى عدي مقدرة، أي: إنها

стр. 217

على نية الإضافة إلى مقدر مثل المضاف إليه١. وكان يذهب إلى أن "كان" يليها فاعل مرفوع وحال منصوب، وقد يسمي اسمها شبه فاعل وخبرها شبه حال، وقد يقول: إن الخبر نُصب بخلوه من العامل٢. وذهب إلى أن حاشا الاستثنائية في مثل: "جاء القوم حاشا زيدٍ" فعل لا فاعل له، وزيد مجرورة بلام مقدرة، والأصل "حاشا لزيد" وحذفت اللام لكثرة الاستعمال، وكان سيبويه يذهب إلى أنها دائما حرف جر. وجمع المبرد بين الرأيين، فقال: إنها تكون حرف جر كما ذهب سيبويه، وقد تكون فعلا ينصب ما بعده بدليل تصرفه إذ يقال: حاش وأحاشي٣. وكان البصريون وأستاذه الكسائي يذهبون إلى أن نعم وبئس فعلان ماضيان لا يتصرفان، وخالفهما ذاهبا إلى أنهما اسمان مبتدآن لعدم تصرفهما ولدخول حرف الجر عليهما في بعض كلام العرب وأشعارهم, كقول أعرابي بُشِّر بمولودة: "والله ما هي بنعم المولودة"٤. وذهب الكسائي مع البصريين إلى أن صيغة التعجب في مثل: "ما أكرم محمدا" فعل ماضٍ، وذهب الفراء إلى أنها اسم مبني خبر لما الاستفهامية، فما ليست تعجبية بمعنى شيء وإنما هي استفهامية، واحتج لاسمية صيغة التعجب بأنه قد يدخلها التصغير في مثل قول الشاعر: يا ما أميلح غزلانا شدن لنا والتصغير إنما يدخل في الأسماء لا في الأفعال٥. وذهب -كما مر بنا في غير هذا الموضع- إلى أن لولا في مثل: "لولا السفر لزرتك" هي التي تعمل الرفع في كلمة السفر أو بعبارة أخرى: في تاليها، فكلمة السفر مرفوعة بها، وكان الكسائي يذهب إلى أن المرفوع بعدها فاعل لفعل مقدر، وذهب سيبويه إلى أنه مبتدأ محذوف الخبر٦. وكان يذهب إلى أن

стр. 218

"حتى" تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة وجوبا كما ذهب البصريون١. وذهب إلى أن "ليت" كما ترفع الخبر قد تنصبه مع نصب الاسم كقول بعض الشعراء: يا ليت أيام الصبا رواجعا وزعم أن ليت حينئذ تجري مجرى "أتمنى", وأول ذلك الجمهور على أن الخبر محذوف و"رواجعا" حال، وأوله الكسائي على حذف كان مقدرة قبل الخبر, أي: "يا ليت أيام الصبا كانت رواجع"٢. وكان يذهب إلى أن "ما لك، وما بالك، وما شأنك" تنصب الاسم الذي يليها معرفة ونكرة, كما تنصب كان وأظن لأنها نواقص في المعنى وإن ظننت أنهن تامات، فتقول: "ما لك الناظرَ في أمرنا" و"ما لك ناظرا في أمرنا"، وكذلك أختاها. وبذلك وجّه الإعراب في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ , وقوله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ وكأنه جعل كل هذه الحروف أفعالا ناقصة، بل لقد صرح بذلك في تضاعيف كلامه٣. وإذا تركنا العوامل إلى المعمولات لقيتنا له آراء كثيرة وخاصة حين يعمد إلى التقدير والتخريج، من ذلك أنه كان يذهب مذهب الأخفش في أن المرفوع بعد إذا وإن الشرطية في مثل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ , و ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ , و ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ مبتدأ وليس فاعلا لفعل محذوف كما ذهب إلى ذلك سيبويه وجمهور البصريين٤. وكان يجعل الاسم المنصوب في باب الاشتغال في مثل: "محمدا لقيته" منصوبا بالهاء التي عادت عليه من الفعل، بينما ذهب الكسائي إلى أن الضمير ملغى، وذهب البصريون إلى أن "محمدا" في المثال مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور٥. وذكرنا أنه كان يذهب في مثل: قام وقعد محمد, إلى أن محمدا فاعل للفعلين جميعا، بينما كان يذهب الكسائي إلى أن الفعل الأول فاعله محذوف ولا فاعل له، وذهب البصريون إلى أن محمدا

стр. 219

فاعل للفعل الثاني، أما الفعل الأول ففاعله مضمر مستتر فيه١. ومر بنا في ترجمة الفراء أنه كان يذهب إلى أن المنادى مبني على الضم، فليس محله النصب كما ذهب إلى ذلك سيبويه وجمهور البصريين، وليس مرفوعا معربا كما ذهب إلى ذلك أستاذه الكسائي٢. ومر بنا أيضا أنه خالفه في أنه لا يصح العطف على اسم إن بالرفع إلا إذا كان اسمها غير واضح الإعراب كأن يكون مبنيا على نحو ما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ويوضح ذلك قائلا، رادا على أستاذه: "عطف ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ على ﴿الَّذِينَ﴾ ، و ﴿الَّذِينَ﴾ حرف على جهة واحدة في رفعه وخفضه "أي: إنه مبني لا يتغير آخره" فلما كان إعرابه واحدا وكان نصب إنّ نصبا ضعيفا، وضعفه أنه يقع على الاسم ولا يقع على خبره؛ "لأن الخبر عنده مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول إن، وهو المبتدأ الذي أصبح اسمها" جاز رفع الصابئين، ولا أستحب أن أقول: إن عبد الله وزيدٌ قائمان لتبين الإعراب في عبد الله، وقد كان الكسائي يجيزه لضعف إن، وقد أنشدونا هذا البيت رفعا ونصبا: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب وليس هذا بحجة للكسائي في إجازته: إن عمرا وزيد قائمان؛ لأن قيارا قد عُطف على اسم مكني عنه "يريد الضمير" والمكني لا إعراب له, فسهل ذلك كما سهل في ﴿الَّذِينَ﴾ إذ عطفت عليه ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ... وأنشدني بعضهم: وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما حَيِينا في شقاق وقال الآخر: يا ليتني وأنت يا لميس ... ببلد ليس به أنيس٣ وكان يخالف أستاذه أيضا في إعراب الضمير المتصل بأسماء الأفعال في مثل "مكانك" بمعنى قف, و"عندك ولديك ودونك" بمعنى خذ, و"وراءك"

стр. 220

بمعنى تأخر, و"أمامك" بمعنى تقدم, و"عليك" بمعنى الزم, فقد كان الكسائي يذهب إلى أنه مفعول به ومحله النصب، وذهب جمهور البصريين إلى أنه مجرور بالإضافة، بينما ذهب الفراء إلى أنه مرفوع على الفاعلية؛ لأنه قد يليها منصوب مثل: "عليك زيدا"١. ومر بنا أنه كان يوافق أستاذه في أن الأسماء الخمسة تعرب من مكانين، فإذا قلت: "هذا أبوك" كانت علامة الرفع في كلمة "أبوك" الواو والضمة التي قبلها, وإذا قلت: "رأيت أباك" كانت علامة النصب الألف والفتحة التي قبلها، وإذا قلت: مررت بأبيك, كانت علامة الجر الياء والكسرة التي قبلها٢. وذهب سيبويه والبصريون إلى أن تمييز "كم" الخبرية مجرور دائما وإن جاء منصوبا شذوذا، وتمييز "كم" الاستفهامية منصوب دائما إلا إذا جُرت مثل: "بكم درهم اشتريت هذا الكتاب؟ "، وذهب الفراء إلى أنه يجوز في تمييزها جميعا النصب والجر بمن مضمرة٣، وقد علق على كم التكثيرية في الآية الكريمة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ ملاحظا أن ما يليها قد يأتي مجرورا ومنصوبا ومرفوعا, يقول: "من ذلك قول العرب: كم رجلٍ كريم قد رأيت! وكم جيشا جرارا قد هزمت! وأنشدوا قول الشاعر: كم عمةً لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري٤ رفعا ونصبا وخفضا، فمن نصب قال: كان أصل كم الاستفهام وما بعدها من النكرة مفسر "مميز" كتفسير العدد، فتركناها في الخبر على جهتها وما كانت عليه في الاستفهام, فنصبنا ما بعد كم من النكرات كما تقول: عندي كذا وكذا درهما. ومن خفض قال: طالت صحبة مِن للنكرة في كم، فلما حذفناها أعملنا إرادتها فخفضنا، كما قالت العرب: إذا قيل لأحدهم: كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ عافاك الله، فخفض، يريد: بخير، وأما من رفع فأعمل الفعل الآخر ونوى تقديم الفعل, كأنه قال: كم قد أتاني رجل كريم"٥.

стр. 221

وكأنه كان يجوِّز الرفع مع كم التكثيرية على هذا الوجه الذي خرج به الرفع في البيت. ويبدو أنه لم يكن يأخذ بفكرة التقدير في الجار والمجرور والظرف حين يقعان خبرا أو نائب فاعل أو صفة أو حالا، فقد كان البصريون يقدرون أنهما متعلقان بمحذوف تقديره: استقر أو مستقر، أما هو فقد مر بنا أنه كان يعرب الظرف حين يقع مبتدأ في مثل: "محمد عندك" خبرا منصوبا بالخلاف, وطبيعي أن يمد ذلك في مواضعه الأخرى. أما الجار والمجرور فكان يجعل الجار هو الخبر في مثل: الكتاب لك كما كان يجعله في محل نصب في مثل: مر زيد بعمرو، ومن هنا جعله نائب الفاعل مع الفعل اللازم حين يُبنَى للمجهول مثل: "مُر بعمرو"١. ولعله من أجل ذلك كان يسميه الصفة على نحو ما مر بنا آنفا. وبذلك نفهم إعرابه مثل: "كل رجل وصنعته" فقد كان سيبويه والبصريون يقدرون الخبر محذوفا تقديره: مقترنان، وكان يذهب إلى أن الخبر لم يحذف، وإنما أغنت عنه الواو فكأنها هي الخبر، وبذلك تكون هي الرافعة للمبتدأ، إذ هو وخبره يترافعان, أو بعبارة أخرى: كلاهما يرفع صاحبه، يقول تعليقا على قول بعض الشعراء: هلا التقدمُ والقلوبُ صِحاحُ بم رُفع التقدم "أي: المبتدأ"؟ قلت: بمعنى الواو في قوله: "والقلوب صحاح", كأنه قال: "العظة القلوب فارغة" و"الرطب والحر شديد"٢, ومعنى ذلك كله أن الحروف عنده كانت تعرب إعراب الأسماء حين تطلبها العوامل. وكان يذهب إلى أن الفاء العاطفة لا تفيد الترتيب أحيانا كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٣ وفي الوقت نفسه ذهب إلى أن الواو العاطفة قد تفيد الترتيب٤، مما جعل ابن هشام يعمم عنده قائلا: "وقال الفراء: إن الفاء لا تفيد الترتيب مطلقا، وهذا مع قوله: إن الواو تفيد الترتيب غريب"٥. وكان سيبويه والبصريون يرون أن "أو" لا تأتي للإضراب بمعنى بل إلا إذا تقدمها نفي أو نهي، وذهب الفراء إلى أنها تأتي للإضراب مطلقا دون شرط, محتجا بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى

стр. 222

مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ , ويقول بعض الشعراء: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح١ وذهب جمهور البصريين إلى أن الذي تكون دائما اسما موصولا، بينما ذهب الفراء مع يونس إلى أنها قد تكون موصولا حرفيا أو حرفا موصولا، يريد أنها تكون مصدرية مثل ما المصدرية، يقول تعليقا على الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ : "إن شئت جعلت الذي على معنى "ما" تريد: "تماما على ما أحسن موسى", فيكون المعنى: تماما على إحسانه", وتلا ذلك بتوجيه أنه يجوز أن تكون اسما موصولا سواء قرئت "أحسن" بالنصب على أنها فعل والعائد محذوف، أو فرئت بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: "الذي هو أحسن"٢. وكان البصريون يذهبون إلى أن لو تكون شرطية دائما، وقدروا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أن جوابها محذوف يدل عليه ما قبلها، والتقدير: يود أحدهم التعمير لو يعمر ألف سنة لسره ذلك, وهو تكلف واضح في التقدير. وذهب الفراء إلى أنها تأتي شرطية، وقد تأتي حرفا مصدريا، مثل أن المصدرية تماما، فتؤول مع ما بعدها بمصدر يعرب حسب العوامل، ويقع ذلك غالبا بعد وَدّ ويَودّ مثل "يود لو رآك" أي: يود رؤيتك، وقد تأتي بدونهما كقول الأعشى: وربما فات قوما جُنّ أمرهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا٣ وكان سيبويه يذهب إلى أن العامل في كلمة اليوم من مثل: "أما اليوم, فإني ذاهب" هو أما؛ لما فيها من معنى الفعل، وذهب الفراء إلى أن العامل خبر إن٤. وكان البصريون يعربون "غير" في الاستثناء إعراب ما بعد إلا، وذهب الفراء إلى أنها مبنية في الاستثناء لقيامها مقام إلا٥. ومن يرجع إلى توجيهه للإعراب في الآيات القرآنية, يرى نفسه أمام ذهن

стр. 223

سيال بالخواطر التي تَفِد عليه من كل صوب، من ذلك توجيهه لإعراب "أي" في قراءة من رفعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ومعروف أن قراءتها بالنصب واضحة، إذ تكون مفعولا للفعل ننزعن، أما بالرفع فذهب الخليل إلى أنها استفهامية ومفعول الفعل محذوف، والتقدير: لننزعن الفريق الذين يقال فيهم: أيهم أشد. وقال يونس: بل المفعول جملة ﴿أَيُّهُمْ﴾ والفعل معلق عنها كما يعلق في باب ظن حين تدخل هي وأخواتها على جملة استفهامية، وذهب سيبويه إلى أنها أي الموصولة مبنية على الضم وحذف صدر صلتها، والتقدير: لننزعن الذي هو أشد. وقال الكسائي والأخفش: ﴿مِنْ﴾ في الآية زائدة, و ﴿كُلِّ شِيعَةٍ﴾ هي المفعول به، وجملة أي مستأنفة. ثم جاء الفراء فعرض فيها ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يكون الفعل واقعا على موضع ﴿مِنْ﴾ تمشيا مع رأيه في أن الحروف تعرب حسب العوامل التي تطلبها، وكأن ﴿مِنْ﴾ هي مفعول ننزع، ويمثل لذلك بقولهم: "قد قتلنا من كل قوم" و"أصبنا من كل طعام"، ثم تستأنف بعد ذلك جملة: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ بتقدير فعل محذوف عامل فيها هو ننظر أي: ننظر أيهم أشد على الرحمن عتيا. والوجه الثاني: أن يكون تقدير الآية: ثم لننزعن من الذين تشايعوا على هذا، ينظرون بالتشايع أيهم أشد على الرحمن عتيا، فتكون أي في صلة التشايع. والوجه الثالث: أن يكون التقدير: ثم لننزعن من كل شيعة بالنداء، أي: لننادين أيهم أشد على الرحمن عتيا١. ومن ذلك تعليقه على الآية الكريمة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فقد وقف بإزاء ﴿أَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ , ملاحظا أنها تفيد الجزاء مثل إن، ومن هنا كانا يتعاوران الموضع الواحد في الكلام، ويفرق بينهما في الاستعمال على هذا النحو: "إذا كان الجزاء لم يقع عليه شيء قبله, وكان ينوى بأن الاستقبال كسرتَها وجزمت بها فقلت: أكرمك إنْ تأتني، فإن كانت ماضية قلت: أكرمك

стр. 224

أنْ تأتيني، وأبين من ذلك أن تقول: أكرك أنْ أتيتني، كذلك قول الشاعر: أتجزع أن بان الخليط المودع ... وحبل الصفا من عزة المتقطع يريد: أتجزع بأن أو لأن كان ذلك، ولو أراد الاستقبال ومحض الجزاء لكسر إن وجزم بها كقول الله جل ثناؤه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ ١. ومن ذلك الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ فقد قال: إنه يصح دخول أن في قوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ , ولكنها لما حُذفت رُفع الفعل، ثم وقف بإزاء قراءة: "لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ", وقال: إنها مجزومة بالنهي وليست جوابا لأخذ الميثاق الذي يدل على الاستحلاف كأنها جواب ليمين كما ذهب إلى ذلك بعض النحاة؛ لأن الأمر لا يكون جوابا لليمين. وجوز في القراءة الأولى أن يكون الأصل النهي وأخرج الفعل ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ مخرج الخبر، ويؤيده أن بعده ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ . وكان الكسائي يذهب في قراءة: "لا تَعْبُدُوا" إلى أن أصلها: بأن لا تعبدوا، فحذف الجار وأن، وهو تقدير بعيد، ونسب ابن هشام ذلك أيضا إلى الفراء، ولم يذكره في تعليقه على الآية٢. ومن ذلك مخالفته أستاذه في إعراب ﴿خَيْرًا﴾ من قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ , فقد كان الكسائي يذهب إلى أن ﴿خَيْرًا﴾ منصوبة على إضمار يكن، وذهب الفراء إلى أنها مفعول مطلق، إذ التقدير: آمنوا إيمانا خيرا لكم, فهي صفة للمصدر المحذوف، ورد على الكسائي بأن كلامه يبطله القياس لأنك تقول: اتق الله تكن محسنا، ولا يجوز أن تقول: اتق الله محسنا وأنت تضمر تكن، ولا يصلح أن تقول: انصرنا أخانا وأنت تريد: تكن أخانا٣. ومعروف أن ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ بمعنى أخبروني، وكان سيبويه يعرب التاء فيها فاعلا والكاف حرف خطاب. وقال الكسائي: بل الكاف مفعول به. وقال الفراء: إن العرب تطابق في هذا التعبير

стр. 225

بين الكاف والمخاطب، فتقول للواحد: أرأيتكَ بفتح الكاف, وللواحدة: أرأيتكِ, وتقول للرجال: أرأيتكم, وللنسوة: أرأيتكن. ومن هنا ذهب إلى أن التاء حرف خطاب، والكاف هي الفاعل لأنها تطابق المسند إليه. ويضعف رأيه أنه قد يستغنى عنها في التعبير, فيقال: أرأيت وأن الكاف لم تقع قط في موضع رفع١. وعلى هذا النحو كان لا يزال يلح في تحليل صيغ الذكر الحكيم ومواضع كلمه في الإعراب على ذهنه, مستخرجا منه فيضا من الآراء، مخالفا البصريين وسيبويه، وقد يخالف أستاذه، وهو في كل ذلك إنما يريد أن يشكل النحو الكوفي في صيغته النهائية، بحيث تستقر قواعده، ويستقر توجيهه للصيغ العربية، وتستقر مصطلحاته, وتستقر فيه العوامل والمعمولات متخذة كل ما يمكن من أوضاع جديدة.

стр. 226

٤- بسط السماع والقياس, وقبضهما حتى في القراءات: كان الفراء يتوسع مثل أستاذه الكسائي في الرواية عن الأعراب المتحضرين، وإن كنا نلاحظ أنه إنما كان يتتبع فصحاءهم، ممن سميناهم في غير هذا الموضع، أمثال أبي ثروان وأبي الجراح. وتدل كثرة ما رواه عن العرب وقبائلهم أنه كانت له رحلة واسعة إلى الجزيرة، إذ يكثر في كتابه معاني القرآن أن يقول: "وسمعت العرب تقول" أو يقول: "أنشدني بعض بني أسد أو بعض بني كلاب أو بعض بني ربيعة أو بعض بني عامر أو بعض بني حنيفة" إلى غير ذلك من قبائل كثيرة, وأكثر أيضا من الرواية عن المفضل الضبي. أما الكسائي فله الحظ الأوفر من الأشعار التي استشهد بها في معاني القرآن. وقلما يذكر اسم الشاعر الجاهلي والإسلامي الذي ينشد من شعره؛ اكتفاء بأن ذلك كان معروفا متداولا بين

стр. 227

علماء اللغة والنحو في عصره. وكثيرا ما يتوارد مع سيبويه فيما ينشد من أشعار، مما يدل على أنه كان يضع كتابه نصب عينه وبصره١. وقد مضى مثل النحاة البصريين وأستاذه الكسائي لا يستشهد بالحديث النبوي في كتابه "معاني القرآن"، إلا ما جاء عرضا وعفوا٢ بحيث لا يصح التعميم عنده, وأن يقال: إنه كان يستشهد به، فقد كانوا يصطلحون على أن روايته بالمعنى وأنه رواه أعاجم غير ثقات في العربية. أما القراءات فهي محور الكتاب، وقد أدار عليها توجيهاته لها من أساليب العرب، متحدثا عن لغاتهم التي تجري مع القياس, والتي تشذ عنه في رأيه، مما جعله يرد بعضها أحيانا، كما رد بعض القراءات. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يتوسع في السماع من العرب، بل لقد كان يتوسع فيه إلى أقصى حد أمكنه، ملتمسا منه القياس، وخاصة إذا اتفق ذلك مع بعض آي الذكر الحكيم وبعض قراءاته. وقد يمد القياس إلى أحكام لم ترد في القرآن ولا على ألسنة العرب, ونضرب بعض الأمثلة لما بسط فيه القياس, معتمدا على القرآن وقراءاته وأشعار الشعراء. فمن ذلك أنه جوز إذا اجتمع شرط وقسم وتقدم القسم أن يكون الجواب للشرط، والبصريون يوجبون أن يكون الجواب للأول، ويتضح الخلاف في مثل: "لئن قمت أقوم معك", فالبصريون يحتِّمون أن تكون أقوم جوابا للقسم لوجود اللام الموطئة المؤذنة به وبذلك تكون مرفوعة، ويجوز الفراء أن تكون جوابا للشرط، فيقال: "لئن قمت أقم معك" بجزم المضارع في الجواب، واحتج لذلك بقول الأعشى: لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا من دماء القوم ننتفل٣ والبصريون يؤولون مثل ذلك بأن اللام زائدة٤. وقد وقف بإزاء الآية الكريمة:

стр. 228

﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقال: إن الواو معناها السقوط, أي: زائدة في جواب إذا متابعا في ذلك الأخفش, ومثَّل لسقوطها في الجواب بآية الصافات: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ﴾ فإن ناديناه هي الجواب في رأيه، وكذلك بقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ مستدلا بآية مماثلة في نفس السورة, إذ حذفت فيها من نفس العبارة الواو، وتمثل بقول بعض الشعراء: حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا١ وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب٢ فإن "قلبتم" وهي الجواب زادت في أولها الواو. والبصريون يؤولون مثل ذلك بأن الجواب محذوف، والواو عاطفة الجملة المذكورة معها عليه٣. وجوز في الآية الكريمة: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أن يكون كل من الحرفين: اللام ومن وُضع في مكان صاحبه، على طريقة القلب المكاني، وقال: إن ذلك طريقة معروفة للعرب في تعبيرهم، واستشهد له بقول بعض الشعراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تحلى به العين إذا ما تجهره قائلا: "العين لا تحلى, إنما يحلى بها سراج؛ لأنك تقول: حليتَ بعيني، ولا تقول: حليت عيني بك إلا في الشعر"٤. ووقف بإزاء قراءة الآية: "فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لَا تَخَفْ دركا ولا تخشى" ملاحظا أن الفعل الأخير في هذه القراءة: "ولا تخشى" معطوف على فعل مجزوم وأثبتت فيه الألف، ووجه ذلك بأنه قد يكون مستأنفا وقد يكون في موضع جزم وإن كانت فيه الياء, واحتج بأن العرب قد تصنع ذلك، موردا قول بعض بني عبس: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد٥

стр. 229

فأثبتت الياء في "يأتيك" وهي في موضع جزم، وأورد في ذلك أيضا قول بعض الشعراء: هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من سب زبان لم تهجو ولم تدع إذ أثبت الواو في "تهجو" مع وجود لم الجازمة١. وكان البصريون لا يجيزون أن تقع اللام المؤكدة في خبر لكن على نحو ما تقع في خبر إن، وجوز ذلك الفراء محتجا بقول بعض الشعراء: ولكنني من حبها لكميد واحتج البصريون بأن ذلك شاذ لا يعول عليه٢. واشترط البصريون لمجيء كان زائدة أن تكون بلفظ الماضي, وأن تتوسط بين مسند ومسند إليه مثل: "ما كان أجملَ هذا المنظر"، وجوز الفراء زيادتها بلفظ المضارع لقول بعض الشعراء: أنت تكون ماجد نبيل وجوز أيضا زيادتها في آخر الكلام قياسا على إلغاء ظن آخره، فتقول: "زيد مسافر كان" كما تقول: "زيد مسافر ظننت" ومنع ذلك البصريون لعدم وروده في السماع٣. ومر بنا في الفصل الخاص بالكسائي وتلاميذه أنه كان يُعْمل إن النافية عمل ليس لسماع ذلك عن بعض العرب, ولقراءة سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم" بتخفيف النون في إن ونصب عبادا ومنع ذلك الفراء محتجا بأنها من الحروف التي لا تختص، فالقياس فيها أن لا تعمل، وكأنه بذلك قدم القياس على السماع٤. وعلى نحو ما نرى في المثالين الآنفين كان تارة يبسط ظل القياس وتارة يقبضه, غير ملتفت إلى السماع. ومما بسطه فيه دون شاهد يسنده إضافة اسم الفاعل المحلى بالألف واللام إلى العلم قياسا على جواز إضافته إلى المعرف بالألف واللام، فتقول: الضارب زيدٍ كما تقول: الضارب الرجل٥. ومما قبضه فيه مع عدم أخذه بالسماع مجيء مرفوعين بعد كان، وجوز ذلك الجمهور على أن في كان ضمير

стр. 230

شأن محذوفا هو اسمها والجملة خبرها لمجيء ذلك كثيرا على لسان الشعراء, كقول بعضهم: إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع١ وقد يقف لينص على أن العرب قد يغلطون، يقول تعليقا على قراءة الحسن البصري آية يونس: "وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ" في مكان القراءة المشهورة: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ بعد أن صحح قراءته: "وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز، سمعتُ امرأة من طيئ تقول: رثأت "أي: رثيت" زوجي بأبيات، ويقولون: لبَّأت "أي: لبيت" بالحج, وحلأت "أي: حليت" السويق، فيغلطون؛ لأن حلأت قد يقال في دفع العطاش من الإبل، ولبأت: ذهب إلى اللبأ "اللبن عقب الولادة" الذي يؤكل، ورثأت زوجي: ذهبت إلى رَثِيئة اللبن, وذلك إذا حلبت الحليب على الرائب"٢. ولعلنا بكل ما قدمنا نكون قد عرفنا موقف الفراء من كلام بعض العرب، فهو قد يخطئهم. وقد يرد بعض ما سمعه منهم مؤمنا بأنه شاذ لا يقاس عليه ولا يصح طرده في العربية. وإذن فما يتردد في بعض الكتابات من أن البصرة كان تخطئ العرب بينما كانت الكوفة تقبل كل ما يروى عنهم، حتى لربما بنت على الشاهد الواحد قاعدة غير صحيحة. وهي حقا قد تتوسع في القياس على نحو ما رأينا عند الفراء أحيانا من بنائه قاعدة دخول اللام على خبر كأن لشاهد واحد سمعه. ولكن ليس معنى ذلك أنها كانت تصنع ذلك بكل شاهد، بل لقد كانت تتكاثر الشواهد أحيانا، وترفض القاعدة والقياس على نحو ما رفض الفراء إمامها الحقيقي إعمال إن النافية. وأدخل من ذلك في الغلط على الكوفة ونحاتها ما تحدثنا عنه في الفصل الخاص بنشأة نحوها مما يقال عنها من أنها تعتد بالقراءات، بينما كانت البصرة كثيرا ما تعدل عن هذا الاعتداد، وقد أوضحنا هناك خطأ هذا القول وأن سيبويه والخليل جميعا لم يردّا قراءة من القراءات وأن الأخفش احتج في غير موضع لبعض القراءات التي يظن أنها خارجة على

стр. 231

قياس النحو البصري، وصورنا ذلك من بعض الوجوه في حديثنا عنه، وأشرنا إلى أن الكسائي كان يرد بعض القراءات ولا يجوِّزها, وأن البصريين الذين خطئوا بعض القراءات إنما اقتدوا في ذلك بالفراء. ومن يرجع إلى كتابه "معاني القرآن" يجد الآيات التي خطئوا القراء فيها قد سبقهم إلى تخطئة جمهورها الأكبر، فهو الذي فتح لهم هذا الباب على مصاريعه. ونحن نسوق بعض ما قرأناه له من ذلك في الجزأين المطبوعين من الكتاب، ولا بد أن وراءه فيما لم ينشر منه مادة أخرى من هذه التخطئة. وأول ما يلقانا به أنه سقطت في بعض المصاحف ألف الوصل والقطع من كلمة ﴿الْأَيْكَةِ﴾ فكتبوها هكذا: "لَيْكَة" يقول: والقراء يقرءونها على التمام أي: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ ١. وكأنه بذلك ينكر قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: "لَيْكَة" بفتح اللام وسكون الياء, وفتح التاء في آية الشعراء: "كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ الْمُرْسَلِينَ"٢ وهم من أصحاب القراءات السبع المتواترة. ولا يلبث أن يقف عند قراءة حمزة بن حبيب الزيات، أستاذ الكسائي وأحد أصحاب هذه القراءات، للآية الكريمة: ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فقد قرأها "يُخَافَا" بالبناء للمجهول، وأثبت ذلك الفراء قائلا: "ولا يعجبني ذلك" واستشكل عليه بأنه يترتب على قراءته أن يكون الخوف قد وقع على ضمير الاثنين وعلى ﴿أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وكأن الفعل ليس له نائب فاعل واحد بل له نائبان، والنحويون يوجهون ذلك بأن عبارة ﴿أَلاَّ يُقِيمَا﴾ بدل اشتمال من ألف الاثنين٣. ووقف بإزاء قراءة عاصم -وهو من أصحاب القراءات السبع المتواترة- لكلمة "يُؤَدِّهْ" بسكون الهاء في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ وقال: إذا كان قد ظن هو ومن شاكله من القراء أن الجزم في الهاء، وإنما هو فيما قبل الهاء، فهذا وإن كان توهما، خطأ. وكان حريا به أن لا يذكر هذا التوهم والخطأ؛ لأنه عاد فقال موجها للقراءة بأن من العرب من يجزم الهاء، أو بعبارة

стр. 232

أخرى: يسكنها، إذا تحرك ما قبلها فيقول: ضربته ضربا شديدا، وكان ينبغي أن يحمل القراءة على هذه اللغة مباشرة دون تشكيك فيمن قرءوا بها, وأنهم ربما توهموا خطأ أن الجزم على الهاء لا على ما قبلها١. وقرأ القراء: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ برفع ﴿ثَمُودُ﴾ ونصبها، ووجه سيبويه النصب على أن أما أشبهت الفعل فثمود منصوبة بها، أما الرفع فعلى أنها مبتدأ. ورد الفراء قراءة النصب قائلا: "وجه الكلام في ثمود الرفع؛ لأن أما تحسن في الاسم ولا تكون في الفعل"٢. وكان حسبه أن يقول: قراءة الرفع أفصح. ووقف بإزاء الآية الكريمة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ وقال: نصب الأرحام يريد: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ثم ذكر قراءة إبراهيم النخعي لها -وكان يتابعه في ذلك حمزة- بالجر عطفا على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وقال: "في ذلك قبح؛ لأن العرب لا ترد "لا تعطف" مخفوضا على مخفوض, وقد كنيى عنه "أي: أضمر كالهاء في به" ... وإنما يجوز هذا في الشعر لضيقه"٤. وقد حمل صاحب الإنصاف البصريين مسئولية تضعيف هذه القراءة٤, مع أن الفراء -كما رأينا- هو أول من ضعفها، وتبعه في ذلك المبرد٥، فحمل ذلك النحاة على البصريين عامة، ومر بنا في ترجمة الأخفش أنه كان يصحح هذه القراءة مستمدا منها الحكم بجواز العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض. وعرض الفراء لقراءة "وعَبُدَ الطاغوت" بضم الباء، وقال: إن تكن فيه لغة مثل حَذِر بكسر الذال وحَذُر بضمها فهو وجه، وإلا فإنه أراد قول الشاعر: أبني لبينى إن أمكم ... أمة وإن أباكم عبد وهذا "أي: تحريك الحرف المتوسط بالضم" في الشعر يجوز لضرورة القوافي، فأما في القراءة فلا٦. وأنكر قراءة ابن عامر مقرئ أهل الشام للآية الكريمة: "وكذلك زُيِّنَ لكثير من المشركين قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ" بالفصل بين قتل

стр. 233

وشركائهم بكلمة أولادهم, أو بعبارة أخرى: بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به. والنحاة لا يجوزون هذا الفصل بينهما إلا بالظرف والجار والمجرور، ومن هنا استشكل الفراء على القراءة، وحاول أن يجد لجر شركائهم وجها، فقال: "وفي بعض مصاحف أهل الشام: شركائهم بالياء, فإن تكن مثبتة عن "القراء" الأولين فينبغي أن يقرأ "زُيِّن" وتكون الشركاء هم الأولاد لأنهم منهم في النسب والميراث" يريد بذلك أن تقرأ كلمة "أولادهم" بالجر مضافة إلى قتل, وبذلك تكون كلمة "شركائهم" بدلا منها أو صفة. وكان الأخفش كما قدمنا في ترجمته يصحح هذه القراءة ويحتج لها بقول بعضهم فاصلا بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول: فزججتها بمزجة ... زجَّ القلوصَ أبي مزاده فقال رادا عليه في عنف: "وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر "وأنشد البيت" بشيء وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز ولم نجد مثله في العربية"١. وقال في موضع آخر: الصواب في البيت: فزججتها متمكنا ... زج القلوصِ أبو مزاده٢ ووهم صاحب الإنصاف، فحمّل البصريين مسئولية رفض هذه القراءة٣، ولا نعلم بصريا معاصرا للفراء ولا سابقا له رفضها، بل لقد صححها الأخفش البصري معاصره كما قدمنا، واحتج لها من الشعر. ومر بنا في ترجمة المازني أنه كان يرى أن تجمع معيشة على معايش بالياء؛ لأن حرف اللين فيها عين الكلمة وليس حرفا زائدا مثل ياء صحيفة التي تجمع على صحائف، وأنه لذلك أنكر قراءة نافع: "معائش" بالهمزة في قوله تعالى: "ولقد مكناكُمْ فِي الأرْضِ وَجعلنَا لَكم فِيهَا مَعَائِشَ قَلِيلا مَا تشكرون". وهو في هذا الإنكار إنما كان يتابع الفراء فقد ذكر الآية ثم قال بعقبها: "معايش لا تهمز؛ لأنها -يعني الواحدة- مَفْعِلة، فالياء من الفعل، فلذلك لم تهمز، إنما يهمز من

стр. 234

هذا ما كانت الياء فيه زائدة مثل: مدينة ومدائن وقبيلة وقبائل". وهو بذلك يعد أول من أنكر قراءة نافع لمعايش مهموزة، وإن قال العرب: ربما همزت هذا وشبهه يتوهمون أنه على وزن فعيلة لشبهها بها في وزن اللفظ وعدة الحروف على نحو ما صنعوا في جمعهم لمصيبة على مصائب١. ووقف بإزاء الآية الكريمة: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كفروا سبقوا إِنهم لا يعجزون" وقال: إن القراء قرءوها "تحسبن" بالتاء وقرأها حمزة: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء ولم يلبث أن ضعف قراءته قائلا: "ما أُحبها لشذوذها"٢. وعلق على الآية الكريمة: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ بقوله: "وقد قرأها الحسن البصري: "وَشُرَكَاؤُكُمْ" بالرفع، وإنما الشركاء ههنا آلهتهم, كأنه أراد: أجمعوا أنتم وشركاؤكم، ولست أشتهيه لخلافه للكتاب "يريد: كتابة المصحف" ولأن المعنى فيه ضعيف؛ لأن الآلهة لا تعمل ولا تجمع"٣. وتلا قوله جل وعز: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ثم قال قوله: ﴿يَعْقُوبَ﴾ يرفع وينصب أي: يجوز فيه الوجهان، ولم يلبث أن قال: إن حمزة كان يقرأ الكلمة بالخفض, يريد: ومن وراء إسحاق بيعقوب ولا يجوز الخفض إلا بإظهار الباء، وبذلك رد قراءته للكلمة مجرورة على نية إعادة الباء٤. ووقف بإزاء الآية الكريمة: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وذكر قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب ومن تبعهما مثل حمزة: "بِمُصْرِخِيِّ" بخفض الياء، وقال: "لعلها من وهم القراء طبقة يحيى, فإنه قل من سلم منهم من الوهم. ولعله ظن أن الباء في كلمة "بِمُصْرِخِيِّ" خافضة للحرف كله والياء من المتكلم خارجة من ذلك"٥. وتلا آية سورة الشعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ وقال: "جاء عن الحسن: "الشياطونَ" وكأنه من غلط الشيخ ظن أنه بمنزلة المسلمين والمسلمون"٦, أي: إنه جمع تكسير لا جمع مذكر سالم؛ ولذلك لا يجوز فيه: "الشياطون" بالواو. وهذه الحروف التي ردها الفراء إنما هي فيما نُشر من كتابه معاني القرآن،

стр. 235

وقد بقي منه نحو جزء لم ينشر، وأغلب الظن أنه ضمنه حروفا أخرى ردها على القراء منكرا لها, أو مقبحا, أو مضعفا. ولا نعلم بصريا جاء بعده ورد مثل هذا القدر من القراءات، بل لقد كان المازني والمبرد وأضرابهما ممن توقفوا بإزاء بعض القراءات متابعين له, مقتدين به. وبذلك يسقط جل ما نسبه صاحب الإنصاف إلى البصريين دون الكوفيين من إنكار بعض القراءات. وينبغي أن نعرف أن الفراء ومن تابعه من البصريين لم يكونوا يقصدون إلى الطعن على القراء من حيث هو، إنما كانوا يتثبتون ويتوقفون في مواضع التوقف حين يُعييهم أن يجدوا للقراءة الشاذة على عامة القراء ما يسندها من كلام العرب. وقد تمسكوا تمسكا شديدا بصورة كتابة المصحف، ولم يدلوا برأي يخالفها بوجه من الوجوه. ونرى الفراء نفسه يتوقف بإزاء الآية: "فما أتانِ الله" ويقول: إنه لم يثبت الياء في "أتاني" لأنها محذوفة من الكتاب. ويذكر أن بعض القراء كان يستجيز زيادة الياء والواو المحذوفتين في مثل الآية السابقة ومثل: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ فيثبت الياء في "أتاني" والواو في "يدعو" وليست في المصحف، ويقول: إنه لا يأخذ بذلك، بل يتقيد بالمصحف وكتابته المأثورة ما دام لذلك وجه من كلام العرب، وما دام هو الذي قرأ به القراء، ولا يلبث أن يقول: "كان أبو عمرو يقرأ: "إن هذين لساحران" أي: بدلا من القراءة العامة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ولست أجترئ على ذلك وقرأ: "فأصَّدق وأكونَ" "أي: بدلا من القراءة العامة: ﴿وَأَكُنْ﴾ " فزاد واوا في الكتاب ولست أستحب ذلك"١. ولعل في هذا ما يشهد شهادة قاطعة بأنه وأمثاله ممن كانوا يردون بعض القراءات التي لا تعدو حروفا معدودة لم يكن دافعهم إلى ذلك الطعن والتنقص، إنما كان دافعهم الرغبة الشديدة في التحري والتثبت.

стр. 236

الفصل الرابع: ثعلب وأصحابه ١- ثعلب: هو أبو العباس أحمد١ بن يحيى، كان أبوه من موالي بني شيبان، ويغلب أن يكون فارسي الأصل، ولد ببغداد سنة ٢٠٠ للهجرة، وألحقه أبوه منذ نعومة أظفاره بكتاب تعلم فيه الكتابة، وحفظ القرآن الكريم وشدا بعض الأشعار، وما كاد يخطو على عتبة سنته التاسعة حتى أخذ يختلف إلى حلقات العلماء، وخاصة علماء اللغة والعربية، حتى إذا اشتد عوده أخذ نفسه بجهد صارم في التزود باللغة والنحو، أما النحو فلزم فيه حلقات تلامذة الفراء: أبي عبد الله الطوال ومحمد بن قادم وسلمة بن عاصم، وعكف على حلقة الأخير حيث كان يملي على الطلاب كتب الفراء، وكان يؤديها أداء بارعا. وعليه ابتدأ النظر في حدود الفراء، وهو في السادسة عشرة من عمره، وما إن بلغ الخامسة والعشرين حتى كان قد حفظ كل ما للفراء من كتب. وأما اللغة فلزم فيها حلقات ابن الأعرابي بضع عشرة سنة. ولم يلحق الأصمعي وأبا عبيدة وأبا زيد، وإنما لحق تلاميذهم، وأخذ عنهم مادة علمهم اللغوي، أما الأصمعي فأخذ كتبه عن تلميذه أبي نصر أحمد بن حاتم، وأخذ كتب أبي عبيدة عن تلميذه الأثرم وكتب أبي زيد عن تلميذه ابن نجدة، كما أخذ كتب أبي عمرو الشيباني عن ابنه عمرو.

стр. 237

ورأى أن يضم إلى ذلك زادا من القراءات والحديث النبوي والفقه والشعر والأخبار، ووجد عند أستاذه سلمة عتادا من قراءات القراء، وصله بما ثقفه من حلقات القراء الآخرين وما قرأه عند الفراء، مما أتاح له أن يصنف في القراءات كتابا، وأن يكون صاحب قراءة يحملها عنه بعض تلاميذه, وفي مقدمتهم أبو بكر بن مجاهد. واختلف إلى حلقات المحدثين، وخاصة عبيد الله بن عمر القواريري، وفي بعض الروايات عنه أنه سمع منه مائة ألف حديث. وطبيعي أن يختلف إلى حلقات أحمد بن حنبل أكبر المحدثين والفقهاء في عصره، ويظهر أنه حمل عنه مذهبه الفقهي، إذ نجد أصحاب كتب التراجم للحنابلة تسلكه بينهم. وثقف كثيرا عن رواة الأخبار والأشعار، وفي مقدمتهم عمر بن شبة ومحمد بن سلام الجمحي صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء، والزبير بن بكار الراوية الأخباري. وبجانب هذه المادة الغزيرة التي رواها شفاها نجده يعكف على قراءة كتاب سيبويه وكتب الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة. وتتردد قراءته للكتاب في ترجمته ويقال: إنه لم يقرأه على العلماء وإنما قرأه بنفسه، وفي أخباره أنه طلب من أبي حاتم السجستاني أن ينسخ له كتاب المسائل للأخفش فلبى طلبه. وفي محاورة بينه وبين الرياشي لسنة ٢٣٠ للهجرة ما يدل دلالة واضحة أنه كان قد حذق النحو الكوفي والبصري جميعا. ويقول ياقوت: إنه كان متبحرا في مذهب البصريين غير أنه لم يكن مستخرجا للقياس ولا طالبا له. وقد بدأ تصنيف الكتب وسنه لا تتجاوز الثالثة والعشرين، وسرعان ما أخذ يلقي محاضراته على الطلاب، وهو في الخامسة والعشرين، وظل أكثر من ستين عاما يملي عليهم، وهم يقصدونه من كل صوب؛ لما أتقنه من المعرفة بالغريب ورواية الشعر ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين، بل لقد أصبح إمام هذا النحو وعَلَمه المفرد في عصره. وكان طوال حياته في بحبوحة من العيش، إذ أخذ يرعاه بعض ذوي الجاه والثراء -كما حدث عن نفسه- منذ سنة ٢٢٣ للهجرة، وممن تولاه برعايته محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب شرطة بغداد, وقد اتخذه مؤدبا لابنه طاهر، وظل

стр. 238

يرعاه إلى أن توفي، ولم يلبث الموفق أخو الخليفة المعتمد الذي كان يطلق يده في أموال الدولة يدبرها حسب مشيئته أن جعل له راتبا سَنِيا. وكان ثعلب مقترا على نفسه مما جعله يتوفى لسنة ٢٩١ عن ثروة كبيرة. وقد صنف مؤلفات كثيرة في النحو واللغة والقراءات والأمثال، سقط معظمها من يد الزمن، ولم يصلنا منها إلا كتابه "المجالس" وهو كتاب نفيس لما يشتمل عليه من النحو واللغة والأخبار ومعاني القرآن والأشعار الغريبة والشاذة والأمثال والأقوال المأثورة، وكتابه الفصيح وقد طُبع مع شرح للهروي وهو كتاب أراد به تقويم ألسنة المبتدئين على نحو ما أراد الفراء بكتابه "البهاء فيما تلحن فيه العامة". ويقول ابن خلكان: إنه ليس فيه زيادات على كتاب الفراء إلا أشياء يسيرة، ثم كتابه قواعد الشعر وهو رسالة قصيرة يقسم الشعر فيها إلى: أمر ونهي وخبر واستخبار، ويتحدث حديثا قصيرا عن أغراضه ويسلك بينها التشبيه، وعن بعض ما يجري فيه من الصور البيانية والبديعية. ويقول القدماء: إنه صنع طائفة من دواوين الشعراء الجاهليين والإسلاميين بينهم الأعشى والنابغتان وطفيل والطرماح، وقد نشرت له دار الكتب المصرية شرحه لديوان زهير الشاعر الجاهلي المشهور. وإذا أخذنا نستعرض مجالسه وما نسبته كتب النحو له من آراء, وجدناه مطبقا تطبيقا واسعا لآراء الفراء والكسائي وما نهجاه لمدرستهما من أصول وما دار على لسانيهما من مصطلحات وما أخذا به أنفسهما من السماع عن العرب والتوسع في روايته, واستمداد الآراء النحوية منه. ونبدأ باستعراض المصطلحات الكوفية عنده، فمن ذلك التقريب، وهو اسم الإشارة حين يليه مرفوع ومنصوب، فقد كانوا يشبهونه بكان الناقصة، ومعروف أنهم كانوا يعربون خبرها حالا كما مر بنا عند الفراء. ونرى ثعلبا يقول: "هذا تكون مثالا "وهي التي لا يليها مرفوع ومنصوب" وتكون تقريبا، فإذا كانت مثالا قلت: هذا زيد ... وإذا قلت: هذا كزيد قائما فهو حال, كأنك قلت: هذا زيد قائما ولكنك قد قرَّبته,

стр. 239

والتقريب مثل كان"١ ويقول في موضع آخر من مجالسه: "تقول: هذا الخليفة قائما، والخليفة قائم، فتدخل "هذا" وتخرجه فيكون المعنى واحدا، وكلما رأيت إدخال "هذا" وإخراجه واحدا فهو تقريب مثل قولهم: من كان من الناس سعيدا فهذا الصياد شقيا، وهو قولك: فالصياد شقي، فتسقط هذا وهو بمعناه"٢. وواضح أنه يشير بذلك إلى أن دخول اسم الإشارة على عبارة "الصياد شقي" يشبه تماما دخول كان. وكان يسمي اسم الفاعل بالفعل الدائم، يقول: "ولا تجيء عسى إلا مع مستقبل, ولا تجيء مع ماض ولا دائم ولا صفة"٣. ويقول ابن كيسان: قال لي ثعلب: "كيف تقول: مررت برجل قائم أبوه؟ فأجبته بخفض قائم ورفع الأب، فقال لي: بأي شيء ترفعه؟ فقلت: بقائم، فقال: أوليس هو عندكم "يشير إلى أنه بصري المنزع" اسما, وتعيبوننا بتسميته فعلا دائما؟ "٤ وكأنه يريد أن يذكر علة تسميتهم له بفعل دائم، إذ يعمل في الأسماء كما تعمل الأفعال. وكان يصطلح على تسمية الضمير باسم المكنى والكناية، يقول: "الأعداد لا يكنى عنها ثانية فلا أقول: عندي الخمسة الدراهم والستتها, وأقول: عندي الحسن الوجه الجميله فأكني عنه"٥. وكان يتوسع مثل الفراء فيطلق اسم العماد لا على ضمير الفصل في مثل: محمد هو الشاعر, وإن محمدا هو الكاتب, بل أيضا على ضمير الشأن، في مثل: "إنه قام زيد" و"إنه قامت هند"٦. وأكثر في مجالسه من تسمية النفي باسم الجحد، من مثل قوله: "كل استفهام يكون معه الجحد يجاب المتكلم به ببلى ولا، وكل استفهام لا جحد معه فالجواب فيه نعم، وإنما كُره أن يجاب ما فيه جحد بنعم لئلا يكون إقرارا بالجحد من المتكلم"٧, وهو يريد أن يقول: إنك تجيب على مثل: أمعك كتاب؟ بنعم أي:

стр. 240

إنه معك، وأنت حينئذ تقر بطرح الاستفهام وحده، وتجيب على مثل: أليس معك كتاب؟ ببلى, أي: إنه معك كتاب وكأنها خُصصت للرجوع عن الجحد، ولو أنك قلت: نعم في هذه الحالة لكان معنى ذلك أنه ليس معك كتاب؛ لأن نعم تفيد الإقرار في الجواب بما بعد الاستفهام وبعده الجحود, وهو عكس الجواب, وقد سمى لا النافية للجنس باسم التبرئة مرارا١. وكان يكثر من تسمية الجر باسم الخفض مقتديا بالفراء، وكان يطلق الخفض أيضا على الكسر الذي يقع في آخر الأفعال المجزومة عندما تتحرك لالتقاء الساكنين في مثل: لم يذهب الرجل٢. ودارت على لسانه كلمتا ما يجري, وما لا يجري في مقابل كلمتي مصروف, وممنوع من الصرف٣. وتوسع في اصطلاح الصفة الذي مر بنا عند الفراء, فقد كان يطلقها على الظرف، وكان يسميه الفراء المحل بينما كان يجعل الصفة خاصة بالجار والمجرور، أما ثعلب فكان يطلقها عليهما، يقول في تعليقه على الآية الكريمة: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ : "وقعت الصفة في موضع الفعل"٤ يريد: وقع الجار والمجرور متقدما على الخبر, ويقول: "وإذا أفردوا الصفة رفع "مثل": زيد خلف، وزيد قدام، وزيد فوق"٥ وكلها ظروف. وكان يسمي التمييز باسم التفسير٦، وسمى البدل ترجمة، يقول تعليقا على الآية الكريمة: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ : " ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مرافع "خبر" ﴿فَذَلِكَ﴾ ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ترجمة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ "٧, وسمى الصفة نعتا٨. ولعل في هذا كله ما يصور مدى استخدامه للمصطلحات التي وضعها الفراء، وإن كنا نلاحظ أنه لم يأخذ بوجهة نظره في أن المضارع المنصوب بعد الواو والفاء وأو نُصب بالصرف أو الخلاف، فقد كان يذهب إلى أنها جميعا تنصب المضارع لدلالتها على شرط؛ لأن معنى مثل: "هلا تزورني فأحدثك": إن تزرني أحدثك، فلما نابت عن

стр. 241

الشرط ضارعت كي، فلزمت المستقبل وعملت عملها١. وواضح ما في هذا الرأي من ضعف في التعليل، وعقله من هذه الناحية لم يكن مثل عقل الفراء والكسائي، فقد كان يهبط عنهما درجات، ويتضح ذلك في كثير من آرائه وتعليلاته، كرأيه في أن المضارع مرفوع بنفس المضارعة٢ وكأنه مرفوع بنفسه. ومر أن سيبويه كان يذهب إلى أن الألف والواو والياء في المثنى وجمع المذكر السالم هي حروف الإعراب نابت عن حركات الرفع والنصب والجر, وأن الأخفش ذهب إلى أن إعرابهما إنما هو بحركات مقدرة على ما قبل هذه الحروف، وذهب الجرمي إلى أن انقلاب الألف في المثنى والواو في الجمع ياء مع النصب والجر هو الإعراب, أما ثعلب فذهب إلى أن الألف في المثنى بدل من ضمتي زيد وزيد, وأن الواو بدل من الضمات الثلاث في زيد وزيد وزيد وهو توجيه بعيد. ولاحظ الزجاجي ما فيه من بعد، فقال معترضا عليه: "يلزم ثعلبا أن يقال له: كيف صارت الألف بدلا من ضمتين وليست الضمة من حيز الألف ولا تجانسها؟ وإذا كانت الواو في الزيدون بدلا من ثلاث ضمات، فكيف يجمع إذا جمع مائة نفس؟ هل تصير عنده بدلا من مائة ضمة؟ وكذلك إلى ما زاد"٣. وكان الكسائي والفراء وهشام يقولون: "الاسم أخف من الفعل؛ لأن الاسم يستتر في الفعل، والفعل لا يستتر في الاسم" وحاول أن يأتي بعلة أخرى لهذه الخفة، فقال: "الأسماء أخف من الأفعال؛ لأن الأسماء جوامد لا تتصرف والأفعال تتصرف, فهي أثقل منها"٤. ومعروف أن من الأسماء ما يتصرف وهو المشتقات، ونفس التعليل ليس متجها؛ لأن المعقول أن يكون المتصرف أخف، ولذلك تصرف وتحرك في صور مختلفة. وكان القدماء يلاحظون هذا الجانب فيه وأن تعليلاته ضعيفة، مع تمثله الواسع للنحو الكوفي, ومع روايته الضخمة للغة وشوارد صيغها وألفاظها، فقالوا عنه: إنه كان يقول: "قال الفراء: وقال الكسائي: فإذا سُئل عن الحجة والحقيقة لم يأت بشيء"٥.

стр. 242

غير أن ضعف الحجة عند ثعلب ينبغي أن لا يستر عنا قيمته الحقيقية في تاريخ النحو الكوفي، فقد شهد له القدماء بأنه كان من معرفته ومعرفة آراء إماميه الكسائي والفراء على ما ليس عليه أحد لا من معاصريه ولا ممن خلفهم، وقد مضى في إثرهما يستخدم المصطلحات التي جرت على ألسنتهما، واضعا السماع نصب عينه، فهو الحجة القاطعة والبرهان الناصع على القاعدة النحوية، ونراه يعتد -اعتدادهما- بأشعار وأقوال الفصحاء المتحضرين, مضيفا إلى ذلك مادة لا تكاد تنفد من أشعار الجاهليين والإسلاميين والبدو المعاصرين، ومستعينا بما رواه الكسائي والفراء في كتبهما من تلك المادة, وقد ظل أحقابا متطاولة يدرسها لطلابه، وكأنهما كانا علمين منصوبين أمامه، لا بآرائهما النحوية فقط بل أيضا بكل ما أنشداه من نوادر الأشعار. ووجدهما لا يعتمدان على الحديث النبوي في النحو واللغة، فتبعهما في ذلك، كما تبعهما في الاستشهاد بالقراءات، ولكنه لم يتوقف عند حروف منها على نحو ما توقف الشيخان، وكأنه كان يجد في ذلك حرجا، ولعل ذلك ما جعله يقول: "إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضل إعرابا على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى"١. ومر بنا أن الفراء كان ينكر قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائهم" بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وأنكر معها البيت الذي استشهد به الأخفش واتهمه، أما ثعلب فوثقه وأنشده في مجالسه٢، وبذلك وجه الكوفيين إلى اعتماد مثل ذلك في تصاريف العبارات٣. وقد أخذ نفسه بدعم آراء الكسائي والفراء, مستشهدا بما استشهدا به من أشعار ومضيفا إليها عَتَادا جديدا، خاصة إذا تناولت مسألة من المسائل التي اختلفا فيها مع البصريين، من ذلك ما كان يجيزه الكسائي من حذف لام الأمر في المضارع وبقاء جزمه مع تقدم قُلْ، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: ليقيموها، وكان المبرد يذهب إلى أنه لا يصح حذف

стр. 243

هذه اللام حتى في الشعر، مخالفا في ذلك الكسائي وسيبويه١ والفراء، ونرى ثعلبا يستشهد لذلك ببيتين استشهد بهما من قبله الفراء، وهما قول أحد الشعراء: فلا تستطلْ مني بقائي ومدتي ... ولكن يكنْ للخير فيك نصيب بجزم يكنْ، وقول الآخر: فقلت ادعي وأدعُ فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان بجزم أدعُ وحذف حرف العلة٢. ومن ذلك أن الكسائي والفراء جعلا من نواصب المضارع "كما" بشرط أن لا يُفصَل بينها وبينه بفاصل، ونرى ثعلبا يستشهد على إعمالها بقول عمر بن أبي ربيعة: وطرفك إما جئتنا فاحفظنَّه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تصرف بينما يستشهد على إلغائها؛ لوجود فاصل بينها وبين الفعل بقول عدي بن زيد: اسمع حديثا كما يومًا تحدثُه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا وقد عقب على البيتين بقوله: "زعم أصحابنا أن "كما" تنصب، فإذا حِيل بينها رفعت"٣. والبصريون يذهبون إلى أن "كما" في بيت ابن أبي ربيعة أصلها: "كيما" فحُذفت الياء ضرورة، وقالوا في البيت رواية ثانية هي: "لكي يحسبوا"٤. وكان الكسائي يذهب إلى عمل أن النصب في المضارع مع حذفها، وخرّج على ذلك حذف النون من المضارع في قراءة من قرأ الآية: "وإذ أخذنا ميثَاق بني إسْرائِيل لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه" بحذف النون في "لا تعبدوا" وقال: أصلها بأن لا تعبدوا، حذفت الباء وأن٥. وقد حكى ثعلب ذلك عن العرب في مثل قولهم: "خذ اللص قبل يأخذَكَ" بنصب المضارع، واستشهد له بقول طرفة:

стр. 244

ألا أيهذا الزاجري أحضرَ الوغى ... وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي؟ بنصب أحضر وحذف أن، وإن كان جعل ذلك شاذا وقال: إن القياس الرفع١. وقد تابع غيره من الكوفيين الكسائي وجعلوا ذلك قياسا مطردا٢. وكان الفراء يذهب إلى أنه يجوز في أن الناصبة للمضارع أن لا تعمل فيه النصب وأن يرفع بعدها على أن تكون مخففة من أنّ الثقيلة، وبذلك وجه قراءة: "وحسبوا أن لا تكونُ فتنة" برفع تكون، وقول الشاعر: إذا مت فادفنِّي إلى جنب كَرْمة ... تروِّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفننِّي في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقُها برفع أذوقها٣. وتبعه ثعلب في أنها حينئذ لا تعمل النصب، بل اتسع بذلك وقال: إنها تهمل أحيانا ولا تكون مخففة من الثقيلة، بل تكون مثل ما المصدرية التي تؤول مع الفعل بمصدر دون أن تعمل فيه، ومثل لذلك بقول بعض الشعراء: أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلامَ وأن لا تخبرا أحدا٤ وكان الكسائي والفراء يذهبان -كما أسلفنا- إلى أن أسماء المبالغة مثل فَعّال وفَعُول لا تعمل النصب فيما بعدها لضعفها, مخالفين بذلك سيبويه والبصريين، ويقول ثعلب: ""أنت زيدًا ضروبٌ" يأباه أصحابنا لأنه لا يتصرف، ومثله مضراب وضرّاب أيضا وأهل البصرة يجيزونه"٥. وذهب الكسائي والفراء جميعا إلى جواز إبطال عمل إنّ إذا بعد عنها اسمها، ونرى ثعلبا ينشد قول بدوية: فليت ابن جَوَّابٍ من الناس حظنا ... وأن لنا في النار بَعْدُ خلود ويقول بعقبه: وأن لنا في النار بعد خلود رفع على الاستئناف، وحكى

стр. 245

الكسائي والفراء جميعا: "إن فيك زيد راغب" وقالا: بطلت إنّ لما تباعدت"١. وكان الكسائي يذهب إلى أن إلا في مثل: "ما قام القوم إلا زيد" برفع زيد حرف عطف، وكأن زيدا في حقيقته فاعل لقام، وكأن إلا بمنزلة لا العاطفة في أن ما بعدها مخالف لما قبلها مثل: قام محمد لا علي. وقد توقف الفراء بإزاء قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ، وقال: "إن بعض النحويين "يريد الكسائي" ذهب إلى أن "إلا في هذا الموضع بمنزلة الواو كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة ولا للذين ظلموا، وهذا صواب في التفسير خطأ في العربية, إنما تكون إلا بمنزلة الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها فهنالك تصير بمنزلة الواو كقولك: لي على فلان ألف إلا عشرة إلا مائة، تريد إلا الثانية أن ترجع على الألف، كأنك أغفلت المائة فاستدركتها؛ فقلت: اللهم إلا مائة، فالمعنى: له عليّ ألف ومائة، وأن تقول: ذهب الناس إلا أخاك، اللهم إلا أباك، فتستثني الثاني، تريد: إلا أباك وإلا أخاك"٢. وعرض ثعلب رأي الفراء والكسائي دون أن يفضل أحد الرأيين، يقول: ومن التشبيه أيضا أن توضع ألا في موضع واو العطف كما في هذا البيت: أتيت بعبد الله في القد موثقا ... فألا سعيدًا ذا الخيانة والغدر فقد اتفق الكسائي والفراء في نصب "سعيدا" أنه مفعول لفعل محذوف مثل أتيت، ثم اختلفا في جره فاستحسنه الكسائي وضعفه الفراء، قال ثعلب: "ومن خفض "يريد الكسائي" شبه ألا بالنسق والفراء يستقبحه ويجيزه فيعطف "سعيدا" على عبد الله في أول الكلام. ولعل وجه قبح العطف عند الفراء أنه قد فُصل بين المعطوف والمعطوف عليه"٣. ويصرح الرضي بأن ثعلبا لم يكن يجيز أن تعرب "زيد" في مثل: "ما قام القوم إلا زيد" بدلا كما يعربها البصريون, إذ كان يأخذ برأي الكسائي في أنها في مثل هذا التعبير حرف عطف مثل لا٤.

стр. 246

ونراه يقف في صف الكسائي ضد الفراء في جواز حذف الفعل مع الوقت حين يكون قريبا، يقول: "وحكى الكسائي: نزلنا المنزل الذي البارحة والمنزل الذي اليوم والمنزل الذي أمس، فيقولون في كل وقت شاهدوه من قرب ويحذفون الفعل معه، كأنهم يقولون: نزلنا المنزل الذي نزلنا أمس، والذي نزلناه اليوم، اكتفوا بالوقت من الفعل, إذ كان الوقت يدل على الفعل، وهو قريب، ولا يقولون: الذي يوم الخميس ولا الذي يوم الجمعة، وكذا يقولون: لا كاليوم رجلا "بتقدير: لقينا رجلا" ولا كالعشية رجلا ولا كالساعة رجلا، فيحذفون مع الأوقات التي هم فيها، وأباه الفراء مع العلم وهو جائز ... وكل ما كان فيه الوقت فجائز أن يحذف الفعل معه؛ لأن الوقت القريب يدل على فعل لقربه" ومَثَّل ثعلب لذلك من الشعر بقول جرير: يا صاحبيّ دنا الصباح فسيرا ... لا كالعشية زائرا ومزورا أي: لا أرى كالعشية زائرا ومزورا١. على أن وقوف ثعلب مع الكسائي في هذه المسألة لا يعني أنه لم يكن يعتمد على الفراء كل الاعتماد، فقد رأيناه يستظهر جملة المصطلحات النحوية التي وضعها لنحاة الكوفة. ولا أبالغ إذا قلت: إن ثعلبا لم يترك بيتا شاذا في معاني القرآن للفراء إلا أنشده في كتبه، ونفس مجالسه تغص بالأبيات التي اقتبسها من هذا الكتاب. وهو يبدو في كثير من كتاباته كأنه شارح لما أجمله الفراء من آراء نحوية، ونضرب لذلك مثلا: أننا نجد الفراء في الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ يدلي برأيين: أن تكون ﴿مَاذَا﴾ كلمة واحدة بمعنى: أي شيء وهي لذلك تكون مفعولا به لـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ؛ لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إذ له الصدارة وإنما يعمل فيه ما بعده، أو تكون ذا بمعنى الذي, أي: ما الذي ينفقون؟ وإذن تكون خبرا لما و ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلتها، ويسند هذا الرأي بأن العرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: "ومن ذا يقول ذاك؟ " في معنى "من الذي يقول ذاك؟ ". ثم يقف عند ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيقول: "وجه الكلام فيه النصب،

стр. 247

يريد: قل ينفقون العفو"١. وكأنه أبطل أن تكون "ماذا" مبتدأ وخبرا؛ لأنه على تقدير معناها: "ما الذي ينفقون؟ " تكون الإجابة: الذي ينفقون العفو، وتكون العفو خبرا لمبتدأ محذوف. ويوضح ذلك ثعلب، فيقول: "وإنما اختار الفراء النصب؛ لأن معنى ماذا عندنا "أي: عند الكوفيين" حرف "أي: لفظ" واحد كثر في الكلام، فكأنه قال: ما ينفقون؟ فلذلك اختير النصب، ومن جعل ذا بمعنى الذي رفع"٢. ودائما نحس أنه يجري على ما أنهجه الفراء؛ ولذلك كان اسمه يتردد في مجالسه متخذا منه أدلته على ما يذهب إليه من آراء، من ذلك أن سيبويه والبصريين كانوا يذهبون إلى أن "أي" تكون دائما وصلة لنداء ما فيه أل مثل: يا أيها الرجل، ورد ثعلب عليهم هذا الرأي مستدلا بما قاله الفراء من أن "الدليل على أنه ليس كما قالوا أنه يقال: "يا أيهذا أقبلْ" فيسقط الثاني "أي: ما فيه أل مثل الرجل" الذي زُعم أنه وصف لازم"٣. وكان الفراء يذهب -كما مر بنا في الفصل السابق- إلى أن نعم وبئس اسمان, مخالفا بذلك البصريين والكسائي، وتبعه ثعلب محتجا بما نقل عن العرب من دخول حرف الخفض عليها، إذ بُشِّر أعرابي بمولودة فقال: والله ما هي بنعم المولودة، يقول ثعلب: فأدخلوا على نعم وبئس حرف الخفض، ودخول حرف الخفض يدل على أنهما اسمان؛ لأن حروف الخفض لا تدخل إلا على الأسماء٤. وقد يذهب ثعلب إلى بعض الآراء التي يظن أنها من اجتهاده، وهي في الواقع مستمدة من كلام الفراء، من ذلك ما يتردد في كتب النحاة من أنه كان يقول بأن اللام الناصبة للمضارع إنما تنصبه لقيامها مقام أن الناصبة له، أو بعبارة أخرى: لنيابتها عن أن٥، بينما كان الفراء يذهب إلى أن اللام تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة كما ذهب البصريون، وثعلب في الواقع إنما استمد رأيه من قول الفراء, تعليقا على قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ

стр. 248

اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ والعرب تجعل اللام على معنى كي في موضع أن في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب وأردت لتذهب, وأمرتك أن تقوم وأمرتك لتقوم"١. وقال في موضع آخر تعقيبا على قوله عز شأنه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ : "هو في معنى: ما كان هذا القرآن ليفترى, ومثله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: ما كان ينبغي لهم أن ينفروا"٢. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يعدو آراء الفراء والكسائي وما فهمه من كتاباتهما، فقد كان يجتهد أحيانا. ومر بنا أنه لم يكن يأخذ برأي الفراء في أن المضارع يُنصَب بعد واو المعية وفاء السببية وأو التي بمعنى حتى أو إلى على الصرف، إنما ينصب لما يداخل هذه الحروف من معنى الشرط، وكأنه لم يكن يعجب بفكرة الصرف التي كان يذهب إليها الفراء, وكذلك لم يكن يعجب بفكرته في أن الظرف حين يقع خبرا في مثل: محمد عندك منصوب على الخلاف، وأراد أن يتوسط بينه وبين البصريين الذين يذهبون إلى أن مثل عندك السالفة ينصب بفعل مقدر، تقديره: استقر، أو بتقدير اسم فاعل تقديره: مستقر، فذهب إلى أن مثل عندك ينصب بفعل مقدر ولكنه غير مطلوب، فقد اكتُفي بالظرف عنه، فبقي منصوبا على ما كان عليه من الفعل٣. ومن اجتهاداته إضافته على أخوات كاد فعلي نشب٤ وقام٥، بينما ذهب إلى أن عسى حرف وليست فعلا٦، وكان يذهب إلى أن لفظة الاسم مشتقة من الوسم؛ ولذلك كان يقول: "الاسم سمة توضع على الشيء يعرف بها" وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو٧. وربما اختار بعض آراء البصريين وآثرها على بعض آراء مدرسته، فقد كان يذهب مذهبهم في أن إذن يجوز إلغاؤها ورفع المضارع بعدها مع اجتماع الشروط الموجبة للنصب٨، وكان يقف مع البصريين في تجويزهم

стр. 249

مثل: "ما طعامَك أكل إلا زيد" بينما كان الكسائي يمنع مثل هذا التعبير؛ لتقدم المفعول به، بينما الفاعل محذوف، إذ كان لا يعرب "زيد" فاعلا كما يعربه البصريون؛ ولذلك كان يأبى مثل هذه الصيغة١. ولعل في كل ما قدمنا ما يوضح منزلة ثعلب في النحو الكوفي، فقد مضى يطبقه ويصدر عنه في كل ملاحظاته النحوية إلا أشياء طفيفة أداه إليها اجتهاده, وكأنما كان يحمل راية هذا النحو في عصره، مستقصيا استقصاء دقيقا لكل ما قاله إماماه: الكسائي والفراء وكل ما أنشداه من أشعار مع الدفاع الشديد عنهما أمام البصريين دفاعا أساسه الاحتكام إلى السماع والرواية والإحاطة بالشاذ والنادر من اللغة وتصاريفها على ألسنة العرب.

стр. 250

٢- أصحاب ثعلب: اشتهر من تلاميذ ثعلب كثيرون, في مقدمتهم أبو موسى سليمان بن محمد المعروف بالحامض١، وهو المقدَّم من أصحابه إذ جلس مجلسه بعد موته، وكان يتعصب على البصريين، وصب عنايته على قراءته للناس كتب أستاذه ثعلب كما كان يقرأ كتب الفراء وخاصة كتابه "الإدغام" وألّف مختصرا في النحو، وما زال يوالي التدريس حتى توفي سنة ٣٠٥ للهجرة. ومن أصحاب ثعلب غلامه أبو عمر الزاهد محمد٣ بن عبد الواحد، وكان حافظا مكثرا من اللغة وفيها ألف كتابه "الياقوت", وظل يزيد في نسخته حتى
следующие страницы →