← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ونراه يقف في صف الكسائي ضد الفراء في جواز حذف الفعل مع الوقت حين يكون قريبا، يقول: "وحكى الكسائي: نزلنا المنزل الذي البارحة والمنزل الذي اليوم والمنزل الذي أمس، فيقولون في كل وقت شاهدوه من قرب ويحذفون الفعل معه، كأنهم يقولون: نزلنا المنزل الذي نزلنا أمس، والذي نزلناه اليوم، اكتفوا بالوقت من الفعل, إذ كان الوقت يدل على الفعل، وهو قريب، ولا يقولون: الذي يوم الخميس ولا الذي يوم الجمعة، وكذا يقولون: لا كاليوم رجلا "بتقدير: لقينا رجلا" ولا كالعشية رجلا ولا كالساعة رجلا، فيحذفون مع الأوقات التي هم فيها، وأباه الفراء مع العلم وهو جائز ... وكل ما كان فيه الوقت فجائز أن يحذف الفعل معه؛ لأن الوقت القريب يدل على فعل لقربه" ومَثَّل ثعلب لذلك من الشعر بقول جرير: يا صاحبيّ دنا الصباح فسيرا ... لا كالعشية زائرا ومزورا أي: لا أرى كالعشية زائرا ومزورا١. على أن وقوف ثعلب مع الكسائي في هذه المسألة لا يعني أنه لم يكن يعتمد على الفراء كل الاعتماد، فقد رأيناه يستظهر جملة المصطلحات النحوية التي وضعها لنحاة الكوفة. ولا أبالغ إذا قلت: إن ثعلبا لم يترك بيتا شاذا في معاني القرآن للفراء إلا أنشده في كتبه، ونفس مجالسه تغص بالأبيات التي اقتبسها من هذا الكتاب. وهو يبدو في كثير من كتاباته كأنه شارح لما أجمله الفراء من آراء نحوية، ونضرب لذلك مثلا: أننا نجد الفراء في الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ يدلي برأيين: أن تكون ﴿مَاذَا﴾ كلمة واحدة بمعنى: أي شيء وهي لذلك تكون مفعولا به لـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ؛ لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إذ له الصدارة وإنما يعمل فيه ما بعده، أو تكون ذا بمعنى الذي, أي: ما الذي ينفقون؟ وإذن تكون خبرا لما و ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلتها، ويسند هذا الرأي بأن العرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: "ومن ذا يقول ذاك؟ " في معنى "من الذي يقول ذاك؟ ". ثم يقف عند ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيقول: "وجه الكلام فيه النصب،

стр. 247

يريد: قل ينفقون العفو"١. وكأنه أبطل أن تكون "ماذا" مبتدأ وخبرا؛ لأنه على تقدير معناها: "ما الذي ينفقون؟ " تكون الإجابة: الذي ينفقون العفو، وتكون العفو خبرا لمبتدأ محذوف. ويوضح ذلك ثعلب، فيقول: "وإنما اختار الفراء النصب؛ لأن معنى ماذا عندنا "أي: عند الكوفيين" حرف "أي: لفظ" واحد كثر في الكلام، فكأنه قال: ما ينفقون؟ فلذلك اختير النصب، ومن جعل ذا بمعنى الذي رفع"٢. ودائما نحس أنه يجري على ما أنهجه الفراء؛ ولذلك كان اسمه يتردد في مجالسه متخذا منه أدلته على ما يذهب إليه من آراء، من ذلك أن سيبويه والبصريين كانوا يذهبون إلى أن "أي" تكون دائما وصلة لنداء ما فيه أل مثل: يا أيها الرجل، ورد ثعلب عليهم هذا الرأي مستدلا بما قاله الفراء من أن "الدليل على أنه ليس كما قالوا أنه يقال: "يا أيهذا أقبلْ" فيسقط الثاني "أي: ما فيه أل مثل الرجل" الذي زُعم أنه وصف لازم"٣. وكان الفراء يذهب -كما مر بنا في الفصل السابق- إلى أن نعم وبئس اسمان, مخالفا بذلك البصريين والكسائي، وتبعه ثعلب محتجا بما نقل عن العرب من دخول حرف الخفض عليها، إذ بُشِّر أعرابي بمولودة فقال: والله ما هي بنعم المولودة، يقول ثعلب: فأدخلوا على نعم وبئس حرف الخفض، ودخول حرف الخفض يدل على أنهما اسمان؛ لأن حروف الخفض لا تدخل إلا على الأسماء٤. وقد يذهب ثعلب إلى بعض الآراء التي يظن أنها من اجتهاده، وهي في الواقع مستمدة من كلام الفراء، من ذلك ما يتردد في كتب النحاة من أنه كان يقول بأن اللام الناصبة للمضارع إنما تنصبه لقيامها مقام أن الناصبة له، أو بعبارة أخرى: لنيابتها عن أن٥، بينما كان الفراء يذهب إلى أن اللام تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة كما ذهب البصريون، وثعلب في الواقع إنما استمد رأيه من قول الفراء, تعليقا على قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ

стр. 248

اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ والعرب تجعل اللام على معنى كي في موضع أن في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب وأردت لتذهب, وأمرتك أن تقوم وأمرتك لتقوم"١. وقال في موضع آخر تعقيبا على قوله عز شأنه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ : "هو في معنى: ما كان هذا القرآن ليفترى, ومثله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: ما كان ينبغي لهم أن ينفروا"٢. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يعدو آراء الفراء والكسائي وما فهمه من كتاباتهما، فقد كان يجتهد أحيانا. ومر بنا أنه لم يكن يأخذ برأي الفراء في أن المضارع يُنصَب بعد واو المعية وفاء السببية وأو التي بمعنى حتى أو إلى على الصرف، إنما ينصب لما يداخل هذه الحروف من معنى الشرط، وكأنه لم يكن يعجب بفكرة الصرف التي كان يذهب إليها الفراء, وكذلك لم يكن يعجب بفكرته في أن الظرف حين يقع خبرا في مثل: محمد عندك منصوب على الخلاف، وأراد أن يتوسط بينه وبين البصريين الذين يذهبون إلى أن مثل عندك السالفة ينصب بفعل مقدر، تقديره: استقر، أو بتقدير اسم فاعل تقديره: مستقر، فذهب إلى أن مثل عندك ينصب بفعل مقدر ولكنه غير مطلوب، فقد اكتُفي بالظرف عنه، فبقي منصوبا على ما كان عليه من الفعل٣. ومن اجتهاداته إضافته على أخوات كاد فعلي نشب٤ وقام٥، بينما ذهب إلى أن عسى حرف وليست فعلا٦، وكان يذهب إلى أن لفظة الاسم مشتقة من الوسم؛ ولذلك كان يقول: "الاسم سمة توضع على الشيء يعرف بها" وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو٧. وربما اختار بعض آراء البصريين وآثرها على بعض آراء مدرسته، فقد كان يذهب مذهبهم في أن إذن يجوز إلغاؤها ورفع المضارع بعدها مع اجتماع الشروط الموجبة للنصب٨، وكان يقف مع البصريين في تجويزهم

стр. 249

مثل: "ما طعامَك أكل إلا زيد" بينما كان الكسائي يمنع مثل هذا التعبير؛ لتقدم المفعول به، بينما الفاعل محذوف، إذ كان لا يعرب "زيد" فاعلا كما يعربه البصريون؛ ولذلك كان يأبى مثل هذه الصيغة١. ولعل في كل ما قدمنا ما يوضح منزلة ثعلب في النحو الكوفي، فقد مضى يطبقه ويصدر عنه في كل ملاحظاته النحوية إلا أشياء طفيفة أداه إليها اجتهاده, وكأنما كان يحمل راية هذا النحو في عصره، مستقصيا استقصاء دقيقا لكل ما قاله إماماه: الكسائي والفراء وكل ما أنشداه من أشعار مع الدفاع الشديد عنهما أمام البصريين دفاعا أساسه الاحتكام إلى السماع والرواية والإحاطة بالشاذ والنادر من اللغة وتصاريفها على ألسنة العرب.

стр. 250

٢- أصحاب ثعلب: اشتهر من تلاميذ ثعلب كثيرون, في مقدمتهم أبو موسى سليمان بن محمد المعروف بالحامض١، وهو المقدَّم من أصحابه إذ جلس مجلسه بعد موته، وكان يتعصب على البصريين، وصب عنايته على قراءته للناس كتب أستاذه ثعلب كما كان يقرأ كتب الفراء وخاصة كتابه "الإدغام" وألّف مختصرا في النحو، وما زال يوالي التدريس حتى توفي سنة ٣٠٥ للهجرة. ومن أصحاب ثعلب غلامه أبو عمر الزاهد محمد٣ بن عبد الواحد، وكان حافظا مكثرا من اللغة وفيها ألف كتابه "الياقوت", وظل يزيد في نسخته حتى

стр. 251

كانت آخر عَرْضاته له سنة ٣٣١ للهجرة، وله وراءه مصنفات لغوية كثيرة منها: شرح كتاب أستاذه "الفصيح", وكتاب فائت معجم العين, وكتاب فائت الجمهرة والرد على ابن دريد، وقد توفي سنة ٣٤٥ للهجرة. ولا يقل عن هذين الصاحبين أو التلميذين تأثرا بثعلب واقتداء بمباحثه تلميذه أبو بكر محمد بن الحسن المقرئ النحوي العطار المعروف باسم ابن مِقْسم١، وكان يعنى بدراسة النحو الكوفي وله فيه بعض المصنفات غير أنه ركز نشاطه في القراءات, فألف فيها كتبا ومصنفات مختلفة، منها كتاب السبعة الكبير, وقد تأخرت وفاته حتى سنة ٣٥٤ للهجرة. وكل هؤلاء التلاميذ لا تدور لهم آراء في كتب النحو، وكأنما كانوا امتدادا لمباحث ثعلب اللغوية، وقد اتسع بها ابن مقسم في الاحتجاج للقراءات السبع وكان يقصر عليها نشاطه، وربما كان أنبه تلاميذ ثعلب في المباحث النحوية أبو بكر بن الأنباري؛ ولذلك نخصه بكلمة مفردة. أبو بكر بن الأنباري: هو أبو بكر محمد٢ بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، وُلد سنة ٢٧١ للهجرة، وأكب منذ نشأته على حلقات العلماء في عصره، وخاصة حلقة ثعلب، وكانت له حافظة قوية، حتى قالوا: إنه كان يحفظ من شواهد القرآن ثلاثمائة ألف بيت. وصنف كتبا كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث والمشكل والوقف والابتداء، كما صنف في اللغة والنحو كتاب الأضداد وهو منشور، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكر والمؤنث، وكتابي الكافي والموضح في النحو.

стр. 252

ونراه يعنى بتعليم الناشئة صور أساليب العربية في بعض أقاصيص كان يرويها. وصنع عدة دواوين قديمة، في مقدمتها ديوان الأعشى والنابغة وزهير والراعي. ومن أهم آثاره شرحه للمفضليات، وهو منشور، ويكتظّ بمعارفه الواسعة في اللغة والأشعار وأيام العرب. ولم يمتد عمره طويلا، فقد توفي سنة ٣٢٨ للهجرة. ومن يرجع إلى كتاب الإيضاح في علل النحو للزجاجي لا يشك في أنه كان أحد من دعموا النحو الكوفي بالعلل المنطقية, دعما لم يتوافر لأستاذه ثعلب، وكأنما كان عقله أكثر منطقية وأقدر على التعليل والبرهنة والإدلاء بالحجج البينة، على نحو ما يتضح في تعليله لاشتقاق المصدر من الفعل، إذ يقول: "الدليل على أن المصادر بعد الأفعال, وأنها مأخوذة منها أن المصادر تكون توكيدا للأفعال كقولك: ضرب زيد ضربا وخرج خروجا وقعد قعودا وما أشبه ذلك، ولا خلاف في أن المصادر ههنا توكيد للأفعال، والتوكيد تابع للمؤكَّد ثانٍ بعده، والمؤكَّد سابق له، فدل ذلك على أن المصدر تابع للفعل مأخوذ منه وأن الفعل هو الأصل الذي أُخذ منه"١. ونرى الزجاجي يذكره في مواضع مختلفة حين يتحدث عن علل الكوفيين٢، مما يجعلنا نؤمن بأنه كان في مقدمة من توسعوا فيها وحاولوا إحكامها إحكاما دقيقا. ولأبي بكر بن الأنباري آراء مختلفة تدور في كتب النحاة، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "إلى" قد ترد اسما, فيقال: "انصرفت من إليك" كما يقال: "غدوت من عليك٣. وكان يجعل من معاني "كأن" الشك مثل: "كأنك بالشتاء مقبل" أي: أظنه مقبلا٤. وذهب إلى أن "بين الظرفية" قد تقع شرطية إذا جاءت في أول الكلام مثل: "بينما أنصفتني ظلمتني"٥. ومعروف أن "كلا" تضاف دائما إلى اثنين أو إلى ضمير الاثنين مثل: كلا محمد وعلي وكلاهما، وذهب ابن الأنباري إلى جواز إضافتها إلى المفرد بشرط تكرارها، فتقول: "كلاي

стр. 253

وكلاك محسنان"١. وكان يجيز في تابع المنادى العَلَم إذا كان مضافا الرفع، فتقول: يا زيدُ ذُو المعرفةِ, ويا محمد أبو عمرو, ويا تميم كلُّكم بالرفع، والجمهور لا يجيز سوى النصب٢.

стр. 254

٣- كوفيون متأخرون: لم تنحسر ظلال المدرسة الكوفية بعد أبي بكر بن الأنباري، فقد ظلت تنقبض، وتمتد في الحين بعد الحين. وكان مما هيأ لامتدادها أحيانا أن المدرسة البغدادية التي خلفتها عُني الأولون منها لا بالمزج بين آرائها والآراء الكوفية فحسب، بل أيضا بتوجيه آرائها وفتق العلل التي تؤيدها على نحو ما سنرى في غير هذا الموضع. وظل الخالفون لهذه المدرسة يستظهرون تلك الآراء، ويجلبون منها إلى مصنفاتهم بعض دررها. وكان من أهم ما أتاح لهذه المدرسة أن تعيش في ذاكرة الأجيال التالية, أن المتنبي أكبر شعراء العربية عني -كما صورنا ذلك في كتاب: الفن ومذاهبه في الشعر العربي- بالتصنع للغات الشاذة في التراكيب، مما جره في شعره إلى الاحتذاء على أكثر ما روته المدرسة الكوفية منها، حتى ليقول ابن يعيش: إنه "كان يميل كثيرا إلى مذهب الكوفيين"١, ويكفي أن نذكر هنا بعض أمثلة تصور تشيعه لهم، من ذلك الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وكان البصريون يمنعون ذلك منعا باتا٢، يقول: حملتُ إليه من ثنائي حديقة سقاها الحِجَى سَقْيَ الرياضَ السحائبِ فقد فصل بين السقي والسحائب بالمفعول به للسقي وهو الرياض. ومثال ثانٍ هو استخدامه التفضيل في الألوان مثل قوله في الشيب: ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسودُ في عيني من الظُّلَم

стр. 255

فقد قال: إن الشيب "أسود" من الظلم، والبصريون لا يجيزون ذلك بينما يجيزه الكوفيون١. ولا يتسع المقام لعرض مثل هذه الشذوذات الكوفية عنده، وشعره يزخر بها، حتى لكأنما رأى أن يكون ديوانه معرضا واسعا لها. ويلقانا في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري أبو الحسين أحمد٢ بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ للهجرة, وفيه يقول القفطي: "طريقته في النحو طريقة الكوفيين" غير أن أكثر عنايته إنما صبها على المباحث اللغوية, ومن أشهر كتبه: معجم مقاييس اللغة وهو منشور، وفيه يرد معاني مفردات المادة اللغوية إلى معنى واحد. وقد جمع كثيرا من المسائل اللغوية في كتابه الصاحبي الذي صنفه للصاحب بن عباد وزير البويهيين بالري. ويقول مترجموه: إن له مصنفا في النحو سماه المقدمة، ومصنفا آخر باسم "اختلاف النحويين", وأكبر الظن أنه ناقش فيه كثيرا من المسائل النحوية التي اختلف فيها البصريون والكوفيون, موردا على الأولين كثيرا من الحجج والبراهين التي تؤيد رأي الأخيرين، ويقول القفطي: إنه كان كثير الحجاج والجدال، مما يؤكد أنه أسهم بقوة في احتجاجات الكوفيين. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن آخر النحاة الذين استظهروا آراء المدرسة الكوفية في مصنفاتهم ابن آجروم٣ الصنهاجي المغربي صاحب المتن المشهور باسم الآجرومية، وفيه نراه يذهب إلى أن السكون في فعل الأمر سكون جزم لا سكون بناء، بالضبط كما كان يذهب الكوفيون. وذهب مذهبهم في عده "كيفما" بين أدوات الشرط الجازمة. وجعل -مثلهم- حتى وأو والفاء والواو تنصب المضارع مباشرة دون تقدير أن المصدرية كما ذهب إلى ذلك الخليل والبصريون, وتابع الكوفيين أيضا في بعض المصطلحات مثل النعت وعطف النسق. وسنرى المدرسة البغدادية منذ أبي علي الفارسي تمزج بين النحويْنِ البصري

стр. 256

والكوفي مؤثرة في الجملة آراء البصريين، واحتذتها في ذلك مدرسة الأندلسيين ومدرسة المصريين وكذلك احتذاها في هذا النهج كبار النحاة التالين في الشام والعراق وإيران من أمثال الزمخشري وابن يعيش. وهيأ ذلك لأن تظل آراء المدرسة الكوفية حية نابضة في كتب النحاة المتأخرين.

стр. 257

القسم الثالث: مدارس مختلفة الفصل الأول: المدرسة البغدادية ١- نشوء المدرسة البغدادية: اتبع نحاة بغداد في القرن الرابع الهجري نهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية جميعا، وكان من أهم ما هيأ لهذا الاتجاه الجديد أن أوائل هؤلاء النحاة تتلمذوا للمبرد وثعلب، وبذلك نشأ جيل من النحاة يحمل آراء مدرستيهما ويعنى بالتعمق في مصنفات أصحابهما والنفوذ من خلال ذلك إلى كثير من الآراء النحوية الجديدة. وكان من هذا الجيل من يغلب عليه الميل إلى الآراء الكوفية ومن يغلب عليه الميل إلى الآراء البصرية، فاضطرب كُتَّاب التراجم والطبقات إزاءه، فمنهم من حاول تصنيف أفراده في المدرستين الكوفية والبصرية على نحو ما صنع الزبيدي في طبقاته, ومنهم من أفردهم بمدرسة مستقلة كما صنع ابن النديم في الفهرست، وإن كان قد أدخل فيهم نفرا ليس لهم نشاط نحوي مذكور مثل ابن قتيبة, وأبي حنيفة الدينوري. وحاول بعض الباحثين المعاصرين أن ينفي وجود المدرسة البغدادية، معتمدا على من ينظمون أفرادها في البصريين والكوفيين, وأن علمين من أعلام جيلها الثاني ينسبان أنفسهما في البصريين، وهما أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني، إذ يعبران في تصانيفهما عنهم كثيرا بكلمة أصحابنا١، وينتصران في أغلب الأمر للآراء البصرية وكثيرا ما يطلق ابن جني على الكوفيين اسم البغداديين٢، وكأنهم مدرسة واحدة.

стр. 258

ولا يكفي أن ينسب ابن جني وأبو علي الفارسي أنفسهما في البصريين، لنعدهما حقا منهم، فإنهما اتبعا في مصنفاتهما المذهب البغدادي الانتخابي، وإن كانت قد غلبت عليهما النزعة البصرية، وهي لا تخرجهما عن دوائر الاتجاه البغدادي القائم على الانتخاب من آراء البصريين والكوفيين. وعلى غرارهما الزجاجي آخر الجيل الأول من البغداديين. أما إطلاق ابن جني اسم البغداديين على الكوفيين أحيانا, فيرجع إلى أن جمهور الجيل الأول من البغداديين كانت تغلب عليه النزعة الكوفية، فسماهم الكوفيين تارة، وتارة سماهم البغداديين، وأهمهم ثلاثة: ابن كيسان المتوفى سنة ٢٩٩ للهجرة, وابن شُقَيْر١ المتوفى سنة ٣١٥, وابن الخياط٢ المتوفى سنة ٣٢٠, وفيهم يقول الزجاجي: "من علماء الكوفيين الذين أخذت عنهم: أبو الحسن بن كيسان وأبو بكر بن شقير وأبو بكر بن الخياط؛ لأن هؤلاء قدوة أعلام في علم الكوفيين، وكان أول اعتمادهم عليه، ثم درسوا علم البصريين بعد ذلك فجمعوا بين العلمين"٣.ويصرح الزجاجي في موضع آخر بأن هؤلاء الأعلام ومعهم ابن الأنباري الكوفي الخالص, هم الذين ينقل عنهم احتجاجات الكوفيين لآرائهم، فهم الذين ضبطوا هذه الاحتجاجات ووثقوها وأحكموها، يقول في كتابه الإيضاح بعد أن أورد جملة وجوه الاحتجاج لآراء الكوفيين التي سردها في الكتاب سردا: "وإنما نذكر هذه الأجوبة عن الكوفيين على حسب ما سمعنا مما يحتج به عنهم من ينصر مذهبهم من المتأخرين وعلى حسب ما في كتبهم إلا أن العبارة عن ذلك بغير ألفاظهم والمعنى واحد؛ لأنا لو تكلفنا حكاية ألفاظهم بأعيانها لكان في نقل ذلك مشقة علينا من غير زيادة في الفائدة، بل لعل أكثر ألفاظهم لا يفهمها من لم ينظر في كتبهم، وكثير من ألفاظهم قد هذبها من نحكي

стр. 259

عنه مذهب الكوفيين مثل ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط وابن الأنباري، فنحن إنما نحكي علل الكوفيين على ألفاظ هؤلاء ومن جرى مجراهم، مع أنه لا زيادة في المعنى عليهم ولا بخس حظ يجب لهم"١. ومعنى ذلك أن ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط الذين جمعوا بين علمي البصرة والكوفة كما يقول الزجاجي, هم الذين اشتقوا احتجاجات الكوفيين في جملتها، وهم الذين انتزعوا مقاييسها وعللها، مع ما أمدهم به الكوفيون من الكسائي إلى ابن الأنباري. وكان تثقفهم بالنحو البصري وما بُسط فيه من العلل والمقاييس ووجوه الاحتجاج مادة صاغوا منها عملهم. وبذلك تتضح لنا صحة ما رواه صاحب الإنصاف من احتجاجات الكوفيين بإزاء احتجاجات البصريين, فإن من يبحث عن هذه الاحتجاجات فيما وصلنا من كتابات الفراء وثعلب قلما يجد لها أصلا عندهما، مما قد يدعو إلى الشك في صحتها وأنها قد تكون من عمل بصريين متأخرين كما ظن ذلك فايل في مقدمته للإنصاف، وهو ظن واهم، إنما هي من عمل أوائل البغداديين ممن سميناهم وأمثالهم، ممن حاولوا -كما لاحظ الزجاجي- الاحتجاج للآراء الكوفية والاحتيال لها والتلطف في بيانها. وهم أنفسهم الذين يطلق عليهم ابن جني تارة اسم الكوفيين مدمجا فيهم سابقيهم من أمثال الكسائي والفراء، وتارة يطلق عليهم اسم البغداديين، يقصدهم وحدهم دون من تقدموهم من الكوفيين، وهو الاسم الصحيح الذي يتطابق مع ما أكدته كتب التراجم من خلطهم بين آراء المدرستين الكوفية والبصرية. وكان يعاصرهم من يخلط بين آراء المدرستين نازعا نزعة بصرية قوية، على نحو ما يلقانا عند الزجاجي، وخلفه أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وكانا أشد منه نزوعا إلى آراء المدرسة البصرية، ولعلهما من أجل ذلك كانا ينسبان أنفسهما إلى تلك المدرسة، مما جعل الأمر يغم على بعض المعاصرين، فيضيفهما إلى البصريين٢، وهما -كما سنرى عما قليل- بغداديان، يقفان غالبا مع

стр. 260

البصريين وقد يقفان مع الكوفيين حسب ما يقتضيه اجتهادهما، وقد يخالفانهما جميعا حسب ما صح عندهما من الرأي الصائب. وتلك هي المنازِع العامة للمدرسة البغدادية، وكأنما اتجهت اتجاهين: اتجاها مبكرا عند ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط نزع فيه أصحابه إلى آراء المدرسة الكوفية وأكثروا من الاحتجاج لها، مع فتح الأبواب لكثير من آراء المدرسة البصرية، وأيضا مع فتح باب الاجتهاد لبعض الآراء الجديدة، واتجاها مقابلا عند الزجاجي ثم عند أبي علي الفارسي وابن جني، نزع فيه أصحابه إلى آراء المدرسة البصرية وهو الاتجاه الذي ساد فيما بعد لا في مدرسة بغداد وحدها، بل في جميع البيئات التي عُنيت بدراسة النحو. ولعل من الخير أن نقف وقفة قصيرة عند أهم من مثلوا المنزعين في نشأة تلك المدرسة، وهما: ابن كيسان والزجاجي، ثم نتلوهما بالحديث عن أبي علي الفارسي وابن جني ومن جاء في إثرهما من نحاة إيران والعراق والشام ممن استضاءوا بمنهجهما النحوي في نشاطهم العلمي. ابن كيسان ١: هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان، وسلكه بروكلمان وبعض كتاب التراجم في المدرسة البصرية، وهو يعد أول أئمة المدرسة البغدادية، فقد توفي سنة ٢٩٩ للهجرة، وكان قد أخذ عن المبرد وثعلب وأتقن مذهبي البصريين والكوفيين في النحو، وكان أبو بكر بن مجاهد إمام القراء في عصره يقول: هو أنحى من ثعلب والمبرد، وصنف كتبا كثيرة منها: كتاب اختلاف البصريين والكوفيين, وكتاب الكافي في النحو, وكتاب التصاريف، وكتاب المختار في علل النحو في ثلاث مجلدات, وقد أشار إليه الزجاجي في الإيضاح، ولعله هو الذي عُني فيه بوضع احتجاجاته لآراء المدرسة الكوفية.

стр. 261

وفي كلام الزجاجي عنه ما يدل على أنه كان يعنى بحدود النحو، فقد نقل عنه حد الاسم بقوله: "الأسماء: ما أبانت عن الأشخاص وتضمنت معانيها نحو: رجل وفرس", ثم قال: "ولابن كيسان في كتبه حدود للاسم غير هذا هي من جنس حدود النحويين، وحدّه في الكتاب المختار بمثل الحد الذي ذكرناه من كلام المنطقيين"١ يريد: حدهم له بقولهم: "الاسم: صوت موضوع دالّ باتفاق على معنى غير مقرون بزمان"٢. ولعل في ذلك ما يدل على أن ابن كيسان كان يأخذ نفسه بثقافة منطقية عميقة، ويقول مترجموه: إنه كان يمتاز بحدة خاطره وبعد غوصه وغرائب قياساته، ويضربون مثلا لذلك أنه سئل عن قراءة آية سورة طه: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ما وجهها من الإعراب؟ فقال: نجعلها مبنية "أي: تلزم الألف في حالتي النصب والجر" فسئل عن علة بنائها فقال: لأن المفرد منها مبني وهو هذا, وكذلك الجمع هؤلاء مبني، فنجعلها مبنية مثلهما. ويقول مترجموه أيضا: إنه مزج النحوين: البصري والكوفي، فأخذ من كل واحد منهما ما غلب على ظنه صحته، واطرد له قياسه، وترك التعصب لأحد الفريقين على الآخر. وتدور له في كتب النحو آراء كثيرة، منها ما وافق فيه البصريين ومنها ما وافق فيه الكوفيين ومنها ما وصل إليه باجتهاده وبعد غوره، فمما وافق فيه البصريين ذهابهم إلى أن الناصب للمضارع بعد لام التعليل أن مضمرة مثل: جئت لأكرمك، وإنما قدروا بعدها أن لأنها قد تظهر في مثل قولك: جئت لأن أكرمك. ومع ارتضائه هذا الرأي البصري أضاف إليه أنه يجوز أن يكون الناصب بعد لام التعليل كي محذوفة لمجيئها أيضا في مثل قولك: جئت لكي أكرمك، ومعروف أن الكوفيين يذهبون إلى أن لام التعليل تنصب المضارع بنفسها دون حاجة إلى تقدير أن كما ذهب البصريون٣. وكان يذهب مذهب المبرد وابن السراج تلميذه في أن العامل في التابع من النعت والتأكيد وعطف البيان هو العامل في المتبوع ينصبّ عليهما انصبابة واحدة، وكان الخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن العامل فيها جميعا هو التبعية٤. وكان يرى رأي الزجاج في أن الضمير

стр. 262

من "هو وهي" الهاء فقط والواو والياء زائدتان لحذفهما في المثنى والجمع، بينما كان يرى بقية البصريين أن هو وهي جميعا أصلان١. وكان يتابع يونس في أن "إما" في مثل قولك: جاء إما زيد وإما عمرو ليست عاطفة، وإنما العطف بالواو التي قبلها٢. ومما كان يوافق فيه الكوفيين جواز تقديم خبر "ما زال" عليها، فتقول: قائما ما زال زيد، بينما كان البصريون لا يجيزون مثل هذا التعبير٣. وكان يوافقهم في أن "إيا" عماد في "إياك وإياي وإياه وأخواتها" والضمير ما يتلوها، بينما ذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمازني إلى أن الاسم المضمر هو "إيا" وما بعده حرف يدل على أحوال المرجوع إليه من الخطاب والتكلم والغيبة٤. ووافقهم في أن الاسم المؤنث علما لرجل مثل طلحة يجوز أن يجمع جمع مذكر سالما فيقال: طلحون، وكان الكوفيون يوجبون سكون عينه، بينما جوز فتحها قياسا على الجمع بالألف والتاء، إذ يقال: طلحات بفتح اللام وكان البصريون لا يجيزون جمع هذا العلم إلا جمع مؤنث سالما٥. ومما وافقهم فيه جواز التوكيد بأكتع وأبصع وأبتع دون ذكر لكلمة جميع، فيقال: جاءوا أكتعون، واشترط البصريون سبق كلمة أجمع لها فلا يقال عندهم إلا: "جاءوا أجمعون أكتعون"، واستدل ابن كيسان والكوفيون بسماع مثل قول بعض الشعراء: تحملني الذلفاء حولا أكتعا٦ وكان يذهب مذهبهم في أن مثل ثلاث ورباع ممنوع من الصرف للعلمية والعدل، بينما ذهب البصريون إلى أن المانع الوصفية والعدل، بدليل وقوعه حالا في مثل: جاءني القوم مثنى٧. ومنع الفراء الفصل بين اسم إن وخبرها في مثل: "إن زيدا لأظن قائم, وإن زيدا لغير شك قائم, وإن زيدا لئن شاء الله قائم", واحتج لذلك ابن كيسان بقوله: إنما امتنع ذلك؛ لأنه كلام معترض به من إخبارك عن نفسك كيف وصفت الخبر عن زيد شكا كان عندك أو يقينا،

стр. 263

والتوكيد إنما هو لخبر زيد لا لخبرك عن نفسك؛ لأن "إن" لا تتعلق بخبرك وهي متجاوزة إلى الخبر١. ولابن كيسان بجانب ذلك آراء اجتهادية كثيرة انفرد بها، فمن ذلك أنه كان يجوِّز تذكير الفعل مع المبتدأ المؤنث المجازي مثل: "الشمس طلع" لمجيء ذلك على لسان الشعراء في مثل: ولا أرض أبقل إبقالها كما جوز تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث الحقيقي بدون فاصل لقول بعض الشعراء: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما واستدل أيضا بأن سيبويه حكى عن بعض العرب: "قال فلانة"٢. وكان يعتل بأن الحال سدت مسد الخبر في مثل: "كتابتي الشعر قائما" لشبهها بالظرف فكأنما قيل: كتابتي الشعر في حال قيام٣. وذهب الجمهور إلى أن أمس بُنيت لتضمنها معنى لام التعريف، بينما ذهب ابن كيسان إلى أن علة بنائها تضمنها معنى الفعل الماضي، وأُعربت "غد" لأنها في معنى الفعل المستقبل وهو معرب٤. وكان يذهب إلى جواز تقدم الحال على صاحبها المجرور, مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ بينما كان سيبويه وكثير من البصريين يمنعون ذلك٥. وذهب الجمهور في مثل: ما قام زيد ولكن عمرو إلى أن الواو هي العاطفة ولكن حرف ابتداء، بينما ذهب ابن كيسان إلى أن لكن هي العاطفة والواو زائدة٦. ومنع الجمهور جمع مثل أحمر جمع مذكر سالما وكذلك جمع حمراء جمع مؤنث سالما ومثلهما سكران وسكرى، وجوز ذلك ابن كيسان، فيقال في رأيه: أحمرون وحمراوات وسكرانون وسكرايات٧. ولعل في كل ما قدمنا ما يدل على براعة ابن كيسان وكيف ابتدأ المدرسة البغدادية، فهو يعكف على آراء الكوفيين والبصريين دارسا فاحصا، منتخبا لنفسه طائفة من الآراء البصرية وأخرى من الآراء الكوفية ومشتقا لنفسه آراء جديدة مبتكرة.

стр. 264

الزجاجي١: هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق، من أهل الصيمرة الواقعة بين ديار الجبل وديار خوزستان، نشأ بنهاوند جنوبي همذان، وانتقل إلى بغداد ينهل من حلقات العلماء، ولزم الزجاج البصري وقرأ عليه النحو، ومنه لزمه لقبه الزجاجي. ورحل إلى الشام فأقام بحلب مدة، ثم تركها إلى دمشق واتخذها دار مقام له، وأكب على تصانيفه فيها وإملاءاته للطلاب، وحدث أن خرج إلى طبرية، فمات بها سنة ٣٣٧ للهجرة، وقيل: بل سنة ٣٤٠. وقد خلّف مصنفات كثيرة نشر منها أماليه الوسطى مع تعليقات للشنقيطي وهي تزخر باللغة والأخبار ومجالس العلماء, وهي تحكي محاورات لطائفة كبيرة منهم أكثرها في مسائل لغوية ونحوية. ونشر له أيضا كتاب الإيضاح في علل النحو، وكتاب الجمل وهو مختصر في قواعد النحو نال شهرة مدوية في العصور الوسطى، إذ عكف عليه العلماء بالدرس والشرح حتى قالوا: إن شروحه زادت عن مائة وعشرين شرحا. وقد استقصى في كتابه الإيضاح علل النحو البصري والكوفي، ونص كما مر بنا آنفا على أن الذين حرروا العلل الكوفية هم ابن الأنباري وأوائل البغداديين: ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط، وأضاف أن له في ذلك نصيبا إذ قال: "وأكثر ما أذكره من احتجاجات الكوفيين إنما أعبر عنه بألفاظ البصريين"٢ فهم الذين نهجوا التعبير عن العلل وذللوه ومهدوه. وكان أكثر علم الكوفيين عند الكسائي وثعلب بدون علل، حتى جاء ابن كيسان وخالِفوه، فاستعاروا من البصريين لغتهم وطريقتهم في الاحتجاج وغمسوا فيهما النحو الكوفي. ومن يقرأ الكتاب يرى الفلسفة والمنطق وعلم الكلام والفقه, أو بعبارة أدق: عللها جميعا

стр. 265

تمس جوانب التعليل والاحتجاج فيه. وهو يستهله بالحديث عن تقسيم سيبويه الكلام إلى: اسم وفعل وحرف, محتجا لصحة هذا التقسيم. وما يلبث أن يتحدث عن حدود الاسم والفعل والحرف، ويلتمس عند المناطقة تعريفهم للحد، ويقف بإزاء اختلاف النحاة في حدودهم، ويقول: إنه ليس اختلاف تضاد بل هو كاختلاف الفلاسفة في حدهم للفلسفة، ويقابل بين تعريف المناطقة للاسم وتعريف النحاة، بادئا بسيبويه ثم الأخفش ثم ابن كيسان ثم المبرد, ويرتضي تعريفه ناقضا ما يرد عليه من بعض الاعتراضات, وكذلك يصنع بحد الفعل وحد الحرف. ثم يقف عند اختلاف البصريين والكوفيين في المصدر والفعل: أيهما مأخوذ من صاحبه؟ ويفيض في بيان احتجاجات كل فريق، محاولا إضعاف الحجج الكوفية. ويفتح فصلا لدراسة العلل النحوية ويقسمها إلى: تعليمية مثل نصب "زيدا" في قولنا: "إن زيدا قائم" وتعليل ذلك بأنه اسم إن، وقياسية مثل التعليل لعمل إن النصب والرفع في معموليها بالفعل المتعدي لواحد، وجدلية مثل التعليل لتقدم منصوبها على مرفوعها مخالفة بذلك الفعل الذي شبهت أو قيست في عملها به. ويستظهر هنا قاعدة فقهية أصولية، فقد قيست إن على الفعل الذي تقدم مفعوله على فاعله وهو فرع للفعل الذي يتقدم عادة فاعله على مفعوله، والأصل المعروف في الفقه أن يقاس على الأصول لا على الفروع. ويتلو ذلك بفصول عن الإعراب والكلام: أيهما أسبق؟ ولم دخل الإعراب في الكلام؟ وهل الإعراب حركة أو حرف؟ وهل هو أصل في الأسماء والأفعال جميعا، أو هو أصل في الأسماء فرع في الأفعال المضارعة؟ وهل حقا نشأت الأسماء قبل الأفعال وتبعتها الحروف؟ وأي الأفعال أسبق في التقدم؟ وما حقيقة المضارع؟ وما الفرق بين النحو واللغة؟ وما معنى الرفع والنصب والجر؟ وما علة دخول التنوين في الكلام؟ ولماذا ثقل الفعل وخف الاسم؟ وما علة امتناع الأسماء من الجزم؟ وما علة امتناع الأفعال من الخفض؟ وما معنى التثنية والجمع؟ وهل الألف والياء والواو فيهما إعراب أو حروف إعراب؟ وكل مسألة يرى فيها جدالا أو حجاجا بين البصرين والكوفيين يوردها مفصلا القول فيها، وقد يضيف من عنده وجوها من العلل والأقيسة، وهي جميعا تغمس

стр. 266

في اصطلاحات المناطقة والمتفلسفة والمتكلمين وأصحاب علم الأصول. ونحس في وضوح أنه يقف مع البصريين مناضلا مدافعا، مما يؤكد نزعة بصرية قوية في مباحثه وكأنه كان استهلالا لانصراف البغداديين عن النزعة الكوفية إلى النزعة البصرية التي سادت بعده إلا قليلا. وكتاب الجمل أفرده لقواعد النحو والصرف، وحظي بشهرة مدوية لدقته ووضوح عبارته واستيعابه لدقائق النحو البصري التي يحتاجها الناشئة, وقد ألحق به فصلا عن الخط والإملاء, وهو فيه بعامة يتبع نظام النحو البصري؛ لأنه فعلا النظام السديد الذي أحكم بناؤه، ومع ذلك نراه يستعير من الكوفيين بعض مصطلحاتهم، فقد سمى -متابعا لهم- نائب الفاعل باسم ما لم يسم فاعله، وسمى الصفة النعت والشركة عطف النسق. وإذا أخذنا نتعقب آراءه التي تدور في كتب النحاة وجدناه يتابع البصريين غالبا، وقد يتابع الكوفيين على نحو ذهابه مذهبهم في أن كأن إذا كان خبرها اسما جامدا كانت للتشبيه مثل: كأن زيدا أسد، وإذا كان مشتقا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت مثل: كأن زيدا قائم، وقد تأتي للتحقيق مثل قول الحارث بن خالد المخزومي: فأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام وكان البصريون يذهبون إلى أنها للتشبيه دائما ولا معنى لها سواه١. وكان يكثر من التوقف بإزاء آراء الكوفيين والبصريين جميعا, محاولا استنباط رأي جديد، من ذلك أن سيبويه كان يذهب إلى أن سوى ظرف مكان دائما، وذهب الكوفيون إلى أنها ظرف متمكن يستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا، أما هو فذهب إلى أنها ليست ظرفا ألبتة وأنها تقع فاعلا في مثل: جاء سواك, ومفعولا به في مثل: رأيت سواك، وبدلا أو استثناء في مثل: ما جاءني أحد سواك أي: إنه يجوز فيها حينئذ الرفع على البدلية والنصب على الاستثناء٢. وكان جمهور البصريين يذهب إلى أنه إذا وُصلت إن وأخواتها بما بطل عملها ما عدا ليت،

стр. 267

فيجوِّز فيها الإعمال والإهمال، وأضاف إليها الزجاج لعل وكأن، أما الزجاجي فعمم الإلغاء والإعمال حينئذ لما حكي عن بعض العرب من قولهم: إنما زيدا قائم١. وهو هنا يصدر عن منهج الكوفيين إذا سمعوا لفظا شاذا, قاسوا عليه وعمموا الحكم. ولعل في كل ما قدمنا ما يصور بغدادية الزجاجي, على الرغم من أنه كان يسلك نفسه في البصريين٢، فقد كان يحيط بآراء المدرستين ووجوه اعتلالاتها واحتجاجاتها على خصائصها، ومع الوفاء بحقوقها، وكان حين يجد الحجة الكوفية تنقصها الدقة المنطقية الشائعة في حجج البصريين لا يزال يداويها ويصلحها حتى تسبك في الصورة البصرية. ومضى في تصانيفه وآرائه النحوية يتوقف بإزاء كثير من المصطلحات والآراء البصرية مختارا لنفسه ما يقابلها عند الكوفيين، وكثيرا ما نفذ إلى آراء جديدة.

стр. 268

٢- أبو علي ١ الفارسي: هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي أبا، أما أمه فعربية سدوسية من سدوس شيبان، ولد لها بفسا من أرض فارس بالقرب من شيراز حوالي سنة ٢٨٨ للهجرة. وكان فطنا ذكيا فأكب على التعلم منذ نعومة أظفاره، وما تقبل سنة ٣٠٧ حتى يرحل إلى بغداد، ويعكف على حلقات البصريين مثل ابن السراج والأخفش الصغير والزجاج وابن دريد ونفطويه ومبرمان، كما يعكف على حلقات البغداديين الأولين وخاصة حلقة ابن الخياط، وأكب على حلقة أبي بكر بن

стр. 269

مجاهد تلميذ ثعلب وشيخ القراء في عصره. ولم يخالط الكوفيين والبغداديين والبصريين في حلقات من استظهروا مذاهبهم فحسب، فقد مضى يخالط سابقيهم في كتاباتهم متمثلا ما كتبه سيبويه وغير سيبويه من مصنفات مختلفة. ويظهر أنه اتسع بثقافته، فشملت كتابات المتكلمين، إذ يقول مترجموه: إنه كان يعتنق مذهب المعتزلة، والاعتزال من قديم يجر إلى قراءة المنطق والفلسفة، وأغلب الظن أنه كان شيعيا؛ لغلبة التشيع حينئذ على أهل العراق وفارس. ونظن ظنا أنه قعد للتدريس والإملاء في مساجد بغداد مبكرا، وكان فيه حب للرحلة، فتنقل يملي ويدرس للطلاب في "عسكر مكرم" وبعض مدن الموصل، ويدخل حلب في سنة ٣٤١ ومعه تلميذه ابن جني الذي شُغف به حبا، ويتحول إلى بعض مدن الشام، ويعود إلى بغداد سنة ٣٤٦ وتطير شهرته، فيستدعيه إلى شيراز عضد الدولة البويهي، ويأخذ عنه هو وبعض أفراد أسرته، ويفتخر عضد الدولة بذلك حتى ليقول: إنه غلامه. ويظل عنده، حتى إذا دخلت بغداد في حوزته عاد إليها ثانية وظل بها إلى وفاته سنة ٣٧٧ للهجرة. واتبع عادة هي أن ينسب إملاءاته في كل بلدة إليها، وهي نسبة تعين رحلاته وأماكن دراساته، فمن ذلك المسائل العسكرية نسبة إلى عسكر مكرم، والمسائل القصرية نسبة إلى "قصر ابن هبيرة" بنواحي الكوفة، والمسائل الحلبية، والمسائل الدمشقية, والمسائل البصرية, والمسائل البغدادية, والمسائل الكرمانية نسبة إلى كرمان في إيران, والمسائل الشيرازية. ومن مصنفاته: الإيضاح والتكملة والعوامل المائة والمقصور والممدود، ومن أهمها كتاب الحجة في القراءات السبع، وفيه يحتج لكل قراءة من تلك القراءات من اللغة والشعر, ناثرا آراء النحاة البصريين والكوفيين، منتصرا تارة للأولين وتارة للأخيرين مع نزعة قوية فيه إلى الأخذ بالآراء البصرية مما جعل الزبيدي في طبقاته وابن النديم في فهرسته يسلكانه في البصريين، ويقول أبو حيان فيه: "أبو علي أشد تفردا بالكتاب "كتاب سيبويه" وأشد إكبابا عليه وأبعد من كل ما عداه من علم الكوفيين"١. وسنرى أنه كان ممن خلط بين آراء المدرستين في

стр. 270

وضوح. وهو بذلك بغدادي ينتخب من المدرستين ما يراه أولى بالاتباع، وإن غلب عليه النزوع إلى المذهب البصري؛ لأنه كان المذهب الذي حُرِّرت أصوله وفروعه وعلله. وكان عقل أبي علي من الخصب بحيث ملأ نفس ابن جني تلميذه، حين ألم بالموصل، من جميع أقطارها، وهو يكثر من ذكر آرائه في كتابه الخصائص وغيره، حتى ليبدو كأنه كان كنزا سائلا بمسائل اللغة والنحو وما يجري فيها من ضبط الأصول وضبط الأقيسة والعلل، وقد استضاء به في كثير من الأصول الكلية التي حررها في كتابه الخصائص، فمن ذلك "السلب" يقول: "نبهنا أبو علي ﵀ من هذا الموضع على ما أذكره وأبسطه؛ لتتعجب من حسن الصنعة فيه"١. ويأخذ في بيان أن الأصل في الفعل الإثبات مثل: قام فهي لإثبات القيام، ثم يقول: إنهم قد استعملوا ألفاظا في السلب ابتداء مثل مادة "عجم" فهي للإبهام، ولتوضيح ذلك يعرضها في استعمالاتها المختلفة، ثم يبين أنهم قد يدخلون الهمزة على الفعل لإفادة السلب مثل: أشكيت الرجل, إذا زُلت له عما يشكوه، وقد يضعفون ثانيه لنفس الغاية مثل: مرضت الرجل أي: داويته من مرضه، وقد يأتي السلب بدون زيادة. ويفيض ابن جني نقلا عن أستاذه في أمثلة كثيرة. ونراه ينقل عنه في باب تعارض القياس والسماع أمثلة خالف فيها العرب القياس, مبينا أن ما استقر على لسانهم هو الأساس٢. وبالمثل ينقل عنه في باب الاستحسان وهو ما تكون علته ضعيفة غير مستحكمة مثل قولهم: رجل غديان والقياس: غدوان لأنه من قولهم: عدوت٣. ومن ذلك باب نقض المراتب إذا عرض عارض كتقديم المفعول به على الفاعل٤. ومن ذلك باب تلاقي اللغة، يقول: "هذا موضع لم أسمع فيه لأحد شيئا إلا لأبي علي ﵀"٥, ويذكر مما جاء على لسانه منه: أجمع وجمعاء وأكتع وكتعاء وأخواتهما, فإن هذه الصيغة لا تأتي إلا صفة، بينما هي في تلك الأمثلة معارف.

стр. 271

ومن ذلك باب ما قِيس على كلام العرب فإنه يصبح من كلامهم١، وباب الامتناع من تركيب ما يخرج عن السماع٢. ومما نقله عنه باب الاشتقاق الأكبر، يقول: "هذا موضع لم يسمه أحد من أصحابنا غير أن أبا علي ﵀ كان يستعين به ويخلد إليه"٣, ويريد به "أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن تباعد شيء من ذلك عنه رُد بلطف الصنعة والتأويل إليه ... نحو: ك ل م، ك م ل، م ل ك، م ك ل، ل ك م، ل م ك". ومن ذلك باب مشابهة معاني الإعراب معاني الشعر، إذ يقول: "نبهنا أبو علي ﵀ من هذا الموضع على أغراض حسنة"٤. ويقول في باب تعليق الأعلام على المعاني دون الأعيان: "هذا باب من العربية, غريب الحديث أراناه أبو علي"٥. وقد بنى باب محل حركات الإعراب من الحروف على كلام لأبي علي٦، واكتفى في حديثه عن الحرف المبتدأ به أيمكن أن يكون ساكنا على توجيه أستاذه؟ ٧, ويقول في باب إضافة الاسم إلى المسمى والمسمى إلى الاسم: "هذا موضع كان يعتاده أبو علي ﵀ كثيرا ويألفه ويأنق له ويرتاح لسماعه"٨. ويعقد بابا للاكتفاء بالسبب دون المسبب وبالمسبب من السبب قائلا: "هذا موضع من العربية شريف لطيف وواسع لمتأمله كثير، وكان أبو علي ﵀ يستحسنه ويعنى به"٩. ومن ذلك قوله في فاتحة باب نقض الأصول وإنشاء أصول غيرها: "رأيت أبا علي ﵀ معتمدا هذا الفصل من العربية, ملما به, دائم التطرق له والفزع فيما يحدث إليه"١٠. ويقول في باب تجاذب المعاني والإعراب: "هذا موضع كان أبو علي ﵀ يعتاده، ويلم كثيرا به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه"١١.

стр. 272

ولعلنا لا نغلو إذا قلنا بعد ذلك: إن أكثر الأصول التي اعتمدها ابن جني في كتابه الخصائص إنما استمدها من إملاءات أبي علي أستاذه وملاحظاته. وإذا رجعنا إلى آرائه النحوية وجدناه في طائفة منها ينصر الخليل وسيبويه، وغيرهما من البصريين، وفي طائفة أخرى ينتصر للكوفيين، ويكفي أن ندل على ذلك ببعض الأمثلة، فمما انتصر فيه للخليل أن لا النافية قد تأتي زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١. وانتصر له ولسيبويه في تحليل ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ في قوله جل شأنه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ إذ كانا يذهبان إلى أن "ويْ" مفصولة بمعنى أعجب, وذهب الأخفش إلى أنها موصولة بالكاف, أي: "ويك أنه لا يفلح الكافرون" وويك عنده بمعنى أعجب، وعلق أن وما بعدها بما في ويك من معنى الفعل. ووقف أبو علي مع الخليل وسيبويه مؤكدا أن "كأن" قد تأتي كالزائدة، وأنشد في ذلك بيت عمر بن أبي ربيعة: كأنني حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغية يشتهي ما ليس موجودا أي: أنا كذلك٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن "إذ ما" حرف شرط مثل إن، وذهب المبرد وابن السراج -وتابعهما أبو علي- إلى أنها ظرف مثل إذ٣. وقد أجاز مع الأخفش والكوفيين ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر٤. وعلى نحو ما كان ينتخب لنفسه من الآراء البصرية كان ينتخب من الآراء الكوفية ما صح في قياسه، من ذلك أنه كان يقف مع الكوفيين في إعمال الفعل الأول في باب التنازع, مستدلا بقول امرئ القيس: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال٥ وكان يتابعهم في إعمال إِنِ النافية عمل ليس لما رووا عن بعض أهل العالية في نجد من قولهم: "إن أحدٌ خيرا من أحد إلا بالعافية"٦. وتابعهم في أن

стр. 273

عطف البيان ومتبوعه قد يكونان نكرتين، وقد استدلوا بمثل قوله جل شأنه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ وكان البصريون يؤولون مثل ذلك على أنه بدل ذاهبين إلى أن عطف البيان ينبغي أن يكون دائما معرفة١. وذهب البصريون إلى أن لو شرطية دائما، بينما ذهب الفراء -وتابعه أبو علي- إلى أنها قد تكون حرفا مصدريا بمنزلة أنْ إلا أنها لا تنصب، وأكثر وقوع ذلك بعد ود ويود مثل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ و ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ وقال البصريون: إنها في مثل ذلك شرطية وإن مفعول ﴿يَوَدُّ﴾ وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، والتقدير: يود أحدهم التعمير لو يعمر ألف سنة لسره ذلك. ويقول ابن هشام: لا خفاء بما في هذا التقدير من التكلف٢. وكان يجيز -مثل الكوفيين- إعمال الضمير العائد على المصدر في الظرف مثل: "قيامك أمسِ حسن وهو اليوم قبيح" فهو عنده تعمل في اليوم عمل المصدر العائدة عليه٣. وتابعهم في أن "أو" تأتي للإضراب مطلقا بدون اشتراط تقدم نفي أو نهي كما اشترط سيبويه، محتجا بقول جرير: ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أُحْصِ عدتهم إلا بعداد؟ كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي٤ ومما تابعهم فيه أن الباء الجارَّة قد تأتي بمعنى التبعيض مثل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ , وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ٥. وكان سيبويه يذهب إلى أن خلا إذا تقدمتها ما كانت فعلا، وذهب الكسائي وتبعه أبو علي الفارسي، إلى أنها قد تكون حرف جر وما زائدة٦. وليس كل ما يشكِّل بغدادية أبي علي أنه كان ينتخب لنفسه من المذهبين

стр. 274

الكوفي والبصري، بل يشكلها أيضا أنه كان يجتهد وينفرد بآراء لم يسبق إليها، من ذلك أن سيبويه وجمهور البصريين كانوا يذهبون إلى أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه, فمثل: كلمت محمدا وعليا انتصب محمد وعلي جميعا بكلمت. وذهب ابن السراج إلى أن حرف العطف هو العامل، أما أبو علي فرأى أن العامل في المعطوف فعل محذوف بعد أداة العطف؛ لأن الأصل في مثل: كلمت محمد وعليا: كلمت محمدا وكلمت عليا، فحُذف الفعل بعد الواو لدلالة الأول عليه، بدليل أنه يجوز إظهاره١. وكان سيبويه يذهب إلى أن ناصب المنادى فعل محذوف تقديره: أنادي أو أدعو، وذهب المبرد إلى أن ناصبه حرف النداء يا وأخواتها لنيابتها عن الفعل، وذهب أبو علي الفارسي إلى أن أدوات النداء ليست حروفا وإنما هي أسماء أفعال٢، وأن المنادى مشبه بالمفعول به٣. ومر بنا في غير هذا الموضع اختلاف النحاة في إعراب الأسماء الخمسة، فقد كان سيبويه يرى أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف، وقال الكوفيون: إنها معربة بالحركات على ما قبل حروف العلة، ووافقهم المازني إلا أنه قال: إن تلك الحروف ناشئة عن إشباع الحركات، وقال قطرب من البصريين وهشام من الكوفيين: إن حروف العلة نابت عن الحركات، وقال الجرمي: انقلاب تلك الحروف هو الإعراب، وذهب أبو علي الفارسي إلى أنها حروف إعراب دالة عليه٤. وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى أن الأفعال الخمسة ترفع بالنون وتنصب وتجزم بحذفها، وقال الأخفش: هي معربة بحركات مقدرة على ما قبل الألف في مثل يكتبان, والواو في مثل يكتبون, والياء في مثل تكتبين، وقيل: إعراب هذه الأفعال بالألف والواو والنون، وقال أبو علي: هي معربة ولا يوجد بها حرف إعراب، لا النون لأنها تسقط في النصب من الجزم ولا الألف والواو والياء لأنها ليست في آخرها، ولأنها ضمائر متصلة بها٥. وكان سيبويه يذهب إلى أن "حتى" يتعين نصب المضارع بعدها إذا وليت فعلا غير موجب مثل: "ما سرت حتى أدخل

стр. 275

المدينة" وجوز الفارسي الرفع بعدها في جميع الأحوال بدون استثناء١. وذهب البصريون إلى أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا تعلق بفعل أو اسم فاعل محذوف هو الخبر، ومر بنا أن الكوفيين كانوا يرون أن الظرف في مثل: محمد عندك, منصوب بالخلاف، وذهب أبو علي الفارسي مستضيئا برأي ابن السراج الذي مر بنا إلى أن الجار والمجرور والظرف هما الخبر -وليس هناك عامل محذوف- معلقان به٢. وكان الجمهور يمنع العطف على محل المجرور في مثل: مررت بزيد وعمرو فلا يقال: عمرا بالنصب، وأجاز ذلك الفارسي٣. ومنع الجمهور إتباع فاعل نعم وبئس بالنعت مثل: لنعم الفتى المدعو للحرب علي، وأجازه الفارسي٤. وكان سيبويه يذهب إلى أن ما في مثل: غسلته غسلا نِعِمَّا معرفة بمعنى الشيء, فهي فاعل لنعم، وذهب الفارسي إلى أنها نكرة تامة بمعنى شيء وأنها تمييز لفاعل نعم المستتر٥، وكان يذهب إلى أن "مَنْ" أيضا في باب نعم نكرة تامة تمييز لفاعل نعم المستتر مثل: "نعم من هو في سر وإعلان" ولم يوافقه أحد من النحاة في هذا الرأي، إذ يجمعون على أنها موصولة فاعل لنعم٦. وذهب سيبويه والجمهور إلى أن أمّا في قول بعض الشعراء: أبا خراشة أَمَّا أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع مركبة من أن المصدرية وما المزيدة والأصل: لأن كنت، فحُذف الجار وكان للاختصار فانفصل الضمير لحذف ما يتصل به وزِيدت ما عوضا عن كان، وأدغمت النون في الميم للتقارب، وبذلك يكون المرفوع بعدها اسما لكان المحذوفة والمنصوب خبرها، وذهب أبو علي إلى أن ما الزائدة هي الرافعة الناصبة لكونها عوضا من الفعل فنابت منابه٧. ولم يثبت النحاة ما الزمانية وأثبتها أبو علي مستدلا بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم٨. وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى أن الدار والمسجد في مثل: دخلت الدار والمسجد منصوبان على الظرفية، وهذب الأخفش -كما مر بنا- إلى أنهما

стр. 276

مفعولان به، وتوسط الفارسي ذاهبا إلى أن "في" حُذفت، فنُصبا على المفعولية اتساعا وتجوزا١. وذهب الجمهور إلى أن "غير" محمولة في الاستثناء على ما بعد إلا فحكمها حكمه، وذهب الفارسي إلى أنها منصوبة على الحال في مثل: جاء القوم غيرَ علي٢. والجمهور يذهب إلى أن لا في مثل: "لا سيما محمد" نافية للجنس وسي اسمها بمعنى مثل وما زائدة والخبر محذوف، وذهب الأخفش إلى أن ما خبر لا وذهب أبو علي في كتابه "الهيتيات" نسبة إلى هيت بلدة بالعراق إلى أن لا في مثل: قام القوم لا سيما محمد, مهملة وسي حال أي: قاموا غير مماثلين لزيد في القيام٣. وذهب الجمهور في مثل: لا أبا لك ولا أخا لك إلى أن أبا اسم لا النافية للجنس واللام في لك زائدة وأبا مضاف إلى الكاف ومثلها أخا والخبر محذوف، وذهب هشام من الكوفيين وابن كيسان من البغداديين إلى أن أبا وأخا غير مضافين ولكنهما عُوملا معاملة المضاف في الإعراب، ولك في موضع الصفة لهما والخبر محذوف، بينما ذهب الفارسي إلى أن أبا وأخا في العبارتين جاءتا على لغة القصر وإلزام الأب والأخ الألف، ولك هي الخبر٤. وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى أن لام الاستغاثة في مثل: "يا لزيد" متعلقة بفعل أنادي المحذوف في النداء، وذهب أبو علي إلى أنها متعلقة بيا٥. وذهب سيبويه والجمهور إلى أن اللام الداخلة على الخبر مع إن المهملة في مثل: إنْ محمد لقائم "وإن كانت لكبيرة" هي لام الابتداء، وذهب أبو علي إلى أنها ليست لام الابتداء وإنما هي لام فارقة بين إن المؤكدة وإن النافية، وكان يحتج بدخولها على الماضي في مثل: "إن زيد لقام" وعلى منصوب الفعل المؤخر في مثل: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ وكلاهما لا يجوز دخول اللام عليه مع إن المشددة٦. وكان أبو علي يسند آراءه دائما بالأدلة التي اصطلح عليها النحاة البصريون والكوفيون، وهي السماع والقياس والتعليل ومواد السماع عنده هي نفسها المواد المستخدمة قديما من القرآن وقراءاته والشعر ورواياته، وقد يتمثل بالحديث النبوي

стр. 277

أحيانا، لا لغرض استنباط القواعد وإنما للاستئناس. ويتعجب ابن جني كثيرا من مهارته في القياس حتى ليقول: "ما كان أقوى قياسه ... فكأنه كان مخلوقا له"١. ويروي عنه أنه كان يقول: "أخطئ في خمسين مسألة في اللغة ولا أخطئ في واحدة من القياس"٢, ويدل دلالة واضحة على اتساعه في القياس ما قاله عنه ابن جني في الإلحاق، إذ ذكر أنه قال: "لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق اللام اسما وفعلا وصفة لجاز له, ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خَرْجَج أكرمُ من دخلل، وضرببَ زيدٌ عمرا، ومررت برجل ضربب وكرمم ونحو ذلك. قال ابن جني: فقلت له: أفتُرتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ليس بارتجال، ولكنه مقيس على كلامهم، فهو إذن من كلامهم"٣. وعلى نحو ما يتعجب ابن جني من سداد أقيسته, يتعجب من قدرته على التعليل وكثرة ما كان يدلي به من تعليلات في مسائل النحو والتصريف حتى ليقول: "أحسب أن أبا علي قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا"٤. ويكفي أن نذكر مثالين من تعليلاته, أولهما: أن سيبويه كان يذهب إلى أن حركة الإعراب حادثة بعد الحروف النهائية في الكلمات، وذهب أبو علي إلى أنهما حدثتا معا مستدلا بأن النون الساكنة مخرجها من الأنف ومخرج النون المتحركة من الفم، ولو كانت الحركة حادثة بعد الحرف لوجب أن تكون النون المتحركة أيضا من الأنف٥. والتعليل الثاني ما رواه ابن جني من أنه سأله عن رد سيبويه كثيرا من أحكام التصغير إلى أحكام جمع التكسير وحمله إياها عليها، فقال: سُرَيْحين في تصغير سرحان لقولهم: سراحين, وعُثَيْمين في تصغير عثمان لقولهم: عثامين، فقال أبو علي: "إنما حُمل التحقير في هذا على التكسير من حيث كان التكسير بعيدا عن رتبة الآحاد، فاعتد ما يعرض فيه لاعتداده

стр. 278

بمعناه، والمحقَّر هو للمكبر، والتحقير فيه جارٍ مجرى الصفة فكأنْ لم يحدث بالتحقير أمر يحمل عليه غيره كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد"، ويعلق ابن جني على هذا التعليل بقوله: "هذا معقد معناه، وما أحسنه وأعلاه"١. وواضح أن تعليلاته لم تكن تقف عند آرائه، بل كانت تمتد إلى آراء سيبويه وغيره من النحاة السابقين.

стр. 279

٣- ابن جني ١: هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، كان أبوه مولى روميا، وربما كان اسمه جني تعريبا لكلمة gennaius اليونانية، وقد ولد له ابنه عثمان حوالي سنة ٣٢٠ للهجرة، ويبدو أنه رأى فيه مخايل ذكاء فدفعه إلى التعلم، ولم يلبث أن منح عنايته لعلوم اللغة، فأكب على دروس أحمد بن محمد الموصلي النحوي مواطنه. وأغلب الظن أنه نزل بغداد مبكرا، ففي تصانيفه ترداد لذكر بعض تلاميذ المبرد مثل محمد بن سلمة وبعض تلاميذ ثعلب مثل ابن مقسم، غير أنه سرعان ما عاد إلى الموصل، وأخذ يدرس للطلاب في مسجدها، وهو في أثناء ذلك يتعرض للأعراب الفصحاء ويأخذ عنهم مثل أبي عبد الله الشجري الذي يتردد ذكره في الخصائص. وحدث أن مر بحلقته في سنة ٣٣٧ للهجرة أبو علي الفارسي إمام النحاة في عصره، فأعجبه ذكاؤه، وتعجب من قعوده للدرس والإملاء قبل نضجه، فقال له: لقد أصبحت زبيبا وأنت حِصْرِم، وكأنما دلعت هذه الكلمة نارا في قلبه، ليستكمل أداته، ولم يجد خيرا من ملازمة هذا الإمام الفذ، فلزمه أربعين سنة متنقلا معه في رحلاته، مشغوفا بآرائه, مبهورا بفطنته

стр. 280

ودقة أقيسته وتعليلاته، ومن يقرؤه في كتبه المطبوعة وخاصة الخصائص يحس أن مادة علمه مستمدة من أستاذه، وكأنه كان قلما في يده يسجل كل خواطره ولفتاته النحوية والصرفية، وهي لفتات وخواطر اندفع ينميها ويضيف إليها من عقله الخصب النادر ما جعله يتقن ظواهر التصريف والنحو علما وفقها وتأويلا وتحليلا، بل ما جعله يرث إمامة أستاذه، بل لعله بذَّه وخاصة في وضع أصول التصريف على نحو ما يتضح في الخصائص. وأتاحت له رفقته بأبي علي أن يتعرف في بلاط سيف الدولة على المتنبي وأن تنعقد بينهما صداقة رفيعة، فيشرح ديوانه، حتى إذا توفي رثاه رثاء رائعا احتفظ به القفطي في إنباه الرواة. وأتاحت له تلك الرفقة أيضا أن يحظى برعاية البويهيين وأن تعلو مكانته عندهم. وقد خلف أستاذه في التدريس ببغداد حين لبى نداء ربه، وظل يوالي التصنيف والتأليف، حتى توفي سنة ٣٩٢ للهجرة. وهو ممن أكثروا من التصنيف حتى بلغت مصنفاته نحو الخمسين، وبينها مصنفات وَقَفَها على تسجيل كلام أستاذه الفارسي مثل: "اللمع وذي القدّ وتأييد تذكرة أبي علي". وله مصنفات مختلفة حول المتنبي تفسيرا لشعره ودفاعا عنه أمام خصومه. ومن أهم مصنفاته كتاب "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها", وقد نشر منه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة الجزء الأول. والقسط الأكبر من نشاط ابن جني إنما كان في علم التصريف، ودفعته رغبته في التعمق فيه إلى أن يقرأ على أستاذه الفارسي كتاب التصريف للمازني الذي كان يعد أنفس ما أُلف في هذا العلم حتى عصره، وعمد إلى شرحه في كتابه المنصف الذي نشرته الإدارة العامة للثقافة بالقاهرة في ثلاثة أجزاء، وفيه يناقش مادته مناقشة واسعة، مضيفا ما لا يحصى من ملاحظاته الطريفة كملاحظته أن الأفعال قد تُشتق من أسماء الأعيان, وقوله: إننا إذا اشتققنا فعلا من سفرجل قلنا: سفرج يُسفرج سفرجة، فهو مسفرج١، ومثل ملاحظته أن الأفعال

стр. 281

قد تُشتق من الحروف كاشتقاق قوَّف من القاف وكوَّف من الكاف ودول من الدال، فيقال: "قوَّفت قافا وكوفت كافا ودولت دالا"١. ونُشر لابن جني أيضا في القاهرة الجزء الأول من سر صناعة الإعراب، وهو دراسة صوتية واسعة لحروف المعجم ومخارجها وصفاتها، وما يحدث في صوت الكلمة من إعلال وإبدال وإدغام ونقل وحذف، وما يجري في حروفها من تلاؤم يؤدي إلى جمال الجرس. وطبع له كتاب التصريف الملوكي، وهو كتاب يتناول هذا العلم بمعناه الدقيق، فيتحدث عن المجرد والمزيد والإبدال والتغيير بالحركة والسكون والحذف والإعلال، مع تدريبات صرفية كثيرة. وأهم كتبه في هذا العلم الخصائص الذي حاول فيه محاولة رائعة هي وضع القوانين الكلية للتصريف، وحقا إنه أفاد في كثرة هذه القوانين من ملاحظات أستاذه الفارسي على نحو ما مر بنا منذ قليل، ولكن من الحق أيضا أنه أضاف إليها من ملاحظاته واستقصاءاته للأمثلة اللغوية وحسه الدقيق بأبنية اللغة وتصاريفها ما شخَّصها وجسَّمها تمام التجسيم, وقد مضى يستخلص قوانين كلية أخرى لم يقف عندها أستاذه، وبذلك استطاع أن يضع للتصريف أصولا على المذهب الذي سبقه إليه علماء الكلام والفقه في وضع أصولهم، وهي أصول يصدق منها جانب كبير على النحو ومسائله وقضاياه العامة كالإعراب والبناء وعلله، وقد ذهب إلى أنها أقرب من علل الفقهاء إلى علل المتكلمين، إذ تتعرض لمسائل ميتافيزيقية في طبيعة العرب وسلائقهم. وأفاض في بيان العلل النحوية, منكرا تقسيم ابن السراج وتلميذه الزجاجي لها إلى علل أولى وثوانٍ وثوالث, ذاهبا إلى أن العلل الأخيرة تتميم للعلل الأولى، وليس هناك علة للعلة ولا علة لعلة العلة٢. ويعرض في تفصيل للاطراد والشذوذ في التصريف والنحو كما يعرض لعوامل الإعراب في الكلم, وأن النحاة قسموها إلى معنوي مثل الابتداء, ولفظي مثل عمل المبتدأ في الخبر، ويقول: إن العامل الحقيقي في إعراب الكلم إنما هو المتكلم٣، ويتحدث عن تعارض السماع والقياس أحيانا قائلا: "اعلم أنك إذا أدَّاك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت

стр. 282

العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره, فدَعْ ما كنت عليه إلى ما هم عليه"١. ويطبق قاعدة الاستحسان في الفقه الحنفي على بعض الأبنية. ونحس أثر المباحث الفقهية حين يتحدث عن حمل الفرع على الأصل والعكس٢, والحمل على الظاهر٣، وغلبة الفروع على الأصول٤, واختلاف اللغات وكلها حجة على نحو ما يختلف الفقهاء٥، ويعود مرارا إلى مراجعة الأصول والفروع٦ ويتحدث عن تركيب المذاهب وعن وجوب الجائز. ويستعير من المتكلمين حديثهم عن السبب والمسبب٧ والمستحيل٨. ولعل في ذلك كله ما يدل في وضوح على أنه تأثر في وضع أصول التصريف والنحو بأصول الفقهاء والمتكلمين جميعا. ويرد ابن جني في الخصائص وغيره حديثه عن البصريين باسم أصحابنا كما مر بنا في غير هذا الموضع، وكثيرا ما يضعهم مقابل البغداديين٩، وكأنما ينزع نفسه منهم نزعا، وقد أسلفنا أنه يريد بالبغداديين أوائلهم ممن كانوا ينزعون إلى الكوفة مثل ابن كيسان، وهم حقا من ذوق غير ذوقه ومن هوى غير هواه، فهو بغدادي من طراز آخر، طراز أستاذه أبي علي الفارسي والزجاجي، طراز كان ينزع إلى البصريين، وهو الطراز الذي عم وساد منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وكان هو وأستاذه من أهم الأسباب في شيوعه، إذ كانا ينتخبان من المذهبين البصري والكوفي مع نزعة شديدة إلى البصريين، ومع الفسحة وفتح الأبواب على مصاريعها للاجتهاد ومخالفة البصريين والكوفيين بقدر ما يؤديهما النظر وتسعفهما الحجة. ونستطيع أن نرجع إلى الآراء المنثورة لابن جني في كتاباته المنشورة وفي المراجع النحوية، فسنراه يطبق هذا المنهج تطبيقا دقيقا، إذ كان يوافق البصريين في

стр. 283

مسائل كثيرة، من ذلك أن يأخذ برأيهم في أن المصدر أصل والفعل مشتق منه١, وأن المبتدأ رافعه الابتداء٢، وأن ناصب المفعول به الفعل السابق له٣، وأن المضارع منصوب بعد حتى بأن مضمرة وجوبا٤، وكذلك بعد أو وفاء السببية وواو المعية٥، وأن العامل في باب التنازع هو الفعل الثاني٦، وأن نعم وبئس فعلان، وكذلك فعل التعجب٧، وأن المفعول معه منصوب بالفعل مع توسط واو المعية٨، وأن الاسم المرفوع بعد إذا الشرطية في مثل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فاعل لفعل محذوف، وكذلك بعد همزة الاستفهام في مثل: أزيد قام؟ ٩, وأن علة بناء الاسم شبهه بالحرف أو تضمنه معناه١٠، وأن الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال, وإنما أعرب المضارع لشبهه باسم الفاعل١١. وبجانب ذلك كان يأخذ بوجهة النظر الكوفية في مسائل مختلفة، من ذلك إعمال إِنِ النافية عمل ليس, متابعا في ذلك أستاذه الفارسي والكوفيين، كما مر بنا منذ قليل، وإن لاحظ أن إعمالها يشوبه غير قليل من الضعف، يقول تعليقا على قراءة سعيد بن جبير الآية الكريمة: "إِنِ الذين تدعون من دون الله عِبَادًا أَمْثَالكُمْ": "ينبغي أن تكون إِنْ هذه بمنزلة ما، فكأنه قال: ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم، فأعمل إنْ إعمال ما "العاملة عمل ليس" وفيه ضعف؛ لأن إن هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص ما به، فتجري مجرى ليس في العمل"١٢. وكان الكسائي -كما مر بنا في غير هذا الموضع- يجيز وجود الفعل بدون فاعل، على نحو ما أجاز ذلك في مثل: قام وقعد عمرو، إذ ذهب إلى أن عمرا فاعل قعد، وقام لا فاعل لها، وتبعه أبو علي الفارسي يحتم ذلك في قلّ حين تتصل بها ما، ويقول ابن جني: "إن "قلما يقوم زيد" دخلت فيه ما على قلّ كافة لها عن عملها، ومثله: كثر ما وطالما"١٣. وكان يتابع أستاذه والكوفيين في أن أو تأتي

стр. 284

للإضراب مطلقا١. كما تابعهما في إعمال المصدر مضمرا في الظرف مثل: "قيامك أمسِ حسن، وهو اليوم قبيح" فأعمل هو العائد على القيام في اليوم٢. وتابع الكوفيين في أن ﴿حَاشَ﴾ في مثل: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ فعل، بينما ذهب الجمهور إلى أنها اسم مرادف للبراءة من كذا٣. وكان يتابع الكسائي وأستاذه أبا علي في أن خلا حين تتقدمها ما في مثل: قام القوم ما خلا زيدا ليس من الضروري أن تكون فعلا حتما، فقد يجوز الجر بها على تقدير ما زائدة٤. وتابع الكوفيين في جواز: "ضرب غلامُه محمدا" لمجيء ذلك في النظم كثيرا مثل: جزى ربُّه عني عدي بن حاتم وكان الجمهور يمنع ذلك لعود الضمير المتصل بالفاعل على متأخر لفظا ورتبة٥. وكان يقف مع الكوفيين في أن حذف خبر إنّ إنما يحسن إذا كان اسمها نكرة، يقول تعليقا على قول الأعشى: إنَّ محلا وإن مرتحَلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا أراد: إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة؛ ولهذا وجه حسن عندنا، وإن كان أصحابنا "البصريون" يجيزونه مع المعرفة٦. ومر بنا في ترجمة الفراء أنه كان يضعف قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم" بالفصل بين المضاف وهو قتل, والمضاف إليه وهو شركائهم بالمفعول به, وأنه أنكر البيت الذي أنشده الأخفش دعما لذلك، وهو قول بعض الشعراء في وصف ناقته: فزججتها بمزجة ... زجَّ القلوصَ أبي مزاده وقد خالفه في ذلك جمهور الكوفيين مجوزين الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به٧، وانتصر لهم ابن جني محتجا بقدرة الشاعر على أن يقول: زجَّ القلوصِ أبو مزاده، ويعلق على ذلك بقوله: "في هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم, وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى

стр. 285

المفعول ... ومن ذلك قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائهم""١. ووقف في "المحتسب" مرارا إزاء تحريك ما فيه حرف حلقي مثل جَهْرة وجَهَرة بتحريك الهاء قائلا: إن الكوفيين والبغداديين -ويقصد أوائلهم النازعين منزعهم- يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه، أي: إنهم يجعلونه قياسا مطردا، بينما يقتصر البصريون على ما سمع منه سالكين له في باب اللغات، ونراه ينتصر للكوفيين والبغداديين جميعا، يقول في التعليق على قراءة ﴿جَهْرَةً﴾ في الآية رقم ٥٥ من سورة البقرة بفتح الهاء: "مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ساكن بعد حرف مفتوح أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه ... ومذهب الكوفيين أنه يحرك الثاني لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه كالبحْر والبحَر والصخْر والصخَر، وما أرى القول من بعدُ إلا معهم والحق فيه إلا في أيديهم، وذلك أنني سمعت عامة عقيل تقول ذلك ولا تقف فيه، سائغا غير مستكره"٢. ويعلق على قراءة محمد بن السميفع ﴿قَرْحٌ﴾ بفتح الراء في الآية رقم ١٤٠ من سورة آل عمران قائلا: "ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرْح وقرَح كالحلب والحلب والطرد والطرد.. ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفا حلقيا يُفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنا من حروف الحلق نحو قولهم في: الصخْر الصخَر والنعل والنعل، ولعمري إن هذا عند أصحابنا "يريد البصريين" ليس أمرا راجعا إلى حرف الحلق، لكنها لغات. وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح أثرا معتدا معتمدا، فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم يحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدا لولا حرف الحلق ... وهذا ما لا توقف في أنه أمر راجع إلى حرف الحلق لأن الكلمة بُنيت عليه ألبتة.. ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق، والحمد لله"٣.
следующие страницы →