← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قد تُشتق من الحروف كاشتقاق قوَّف من القاف وكوَّف من الكاف ودول من الدال، فيقال: "قوَّفت قافا وكوفت كافا ودولت دالا"١. ونُشر لابن جني أيضا في القاهرة الجزء الأول من سر صناعة الإعراب، وهو دراسة صوتية واسعة لحروف المعجم ومخارجها وصفاتها، وما يحدث في صوت الكلمة من إعلال وإبدال وإدغام ونقل وحذف، وما يجري في حروفها من تلاؤم يؤدي إلى جمال الجرس. وطبع له كتاب التصريف الملوكي، وهو كتاب يتناول هذا العلم بمعناه الدقيق، فيتحدث عن المجرد والمزيد والإبدال والتغيير بالحركة والسكون والحذف والإعلال، مع تدريبات صرفية كثيرة. وأهم كتبه في هذا العلم الخصائص الذي حاول فيه محاولة رائعة هي وضع القوانين الكلية للتصريف، وحقا إنه أفاد في كثرة هذه القوانين من ملاحظات أستاذه الفارسي على نحو ما مر بنا منذ قليل، ولكن من الحق أيضا أنه أضاف إليها من ملاحظاته واستقصاءاته للأمثلة اللغوية وحسه الدقيق بأبنية اللغة وتصاريفها ما شخَّصها وجسَّمها تمام التجسيم, وقد مضى يستخلص قوانين كلية أخرى لم يقف عندها أستاذه، وبذلك استطاع أن يضع للتصريف أصولا على المذهب الذي سبقه إليه علماء الكلام والفقه في وضع أصولهم، وهي أصول يصدق منها جانب كبير على النحو ومسائله وقضاياه العامة كالإعراب والبناء وعلله، وقد ذهب إلى أنها أقرب من علل الفقهاء إلى علل المتكلمين، إذ تتعرض لمسائل ميتافيزيقية في طبيعة العرب وسلائقهم. وأفاض في بيان العلل النحوية, منكرا تقسيم ابن السراج وتلميذه الزجاجي لها إلى علل أولى وثوانٍ وثوالث, ذاهبا إلى أن العلل الأخيرة تتميم للعلل الأولى، وليس هناك علة للعلة ولا علة لعلة العلة٢. ويعرض في تفصيل للاطراد والشذوذ في التصريف والنحو كما يعرض لعوامل الإعراب في الكلم, وأن النحاة قسموها إلى معنوي مثل الابتداء, ولفظي مثل عمل المبتدأ في الخبر، ويقول: إن العامل الحقيقي في إعراب الكلم إنما هو المتكلم٣، ويتحدث عن تعارض السماع والقياس أحيانا قائلا: "اعلم أنك إذا أدَّاك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت

стр. 282

العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره, فدَعْ ما كنت عليه إلى ما هم عليه"١. ويطبق قاعدة الاستحسان في الفقه الحنفي على بعض الأبنية. ونحس أثر المباحث الفقهية حين يتحدث عن حمل الفرع على الأصل والعكس٢, والحمل على الظاهر٣، وغلبة الفروع على الأصول٤, واختلاف اللغات وكلها حجة على نحو ما يختلف الفقهاء٥، ويعود مرارا إلى مراجعة الأصول والفروع٦ ويتحدث عن تركيب المذاهب وعن وجوب الجائز. ويستعير من المتكلمين حديثهم عن السبب والمسبب٧ والمستحيل٨. ولعل في ذلك كله ما يدل في وضوح على أنه تأثر في وضع أصول التصريف والنحو بأصول الفقهاء والمتكلمين جميعا. ويرد ابن جني في الخصائص وغيره حديثه عن البصريين باسم أصحابنا كما مر بنا في غير هذا الموضع، وكثيرا ما يضعهم مقابل البغداديين٩، وكأنما ينزع نفسه منهم نزعا، وقد أسلفنا أنه يريد بالبغداديين أوائلهم ممن كانوا ينزعون إلى الكوفة مثل ابن كيسان، وهم حقا من ذوق غير ذوقه ومن هوى غير هواه، فهو بغدادي من طراز آخر، طراز أستاذه أبي علي الفارسي والزجاجي، طراز كان ينزع إلى البصريين، وهو الطراز الذي عم وساد منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وكان هو وأستاذه من أهم الأسباب في شيوعه، إذ كانا ينتخبان من المذهبين البصري والكوفي مع نزعة شديدة إلى البصريين، ومع الفسحة وفتح الأبواب على مصاريعها للاجتهاد ومخالفة البصريين والكوفيين بقدر ما يؤديهما النظر وتسعفهما الحجة. ونستطيع أن نرجع إلى الآراء المنثورة لابن جني في كتاباته المنشورة وفي المراجع النحوية، فسنراه يطبق هذا المنهج تطبيقا دقيقا، إذ كان يوافق البصريين في

стр. 283

مسائل كثيرة، من ذلك أن يأخذ برأيهم في أن المصدر أصل والفعل مشتق منه١, وأن المبتدأ رافعه الابتداء٢، وأن ناصب المفعول به الفعل السابق له٣، وأن المضارع منصوب بعد حتى بأن مضمرة وجوبا٤، وكذلك بعد أو وفاء السببية وواو المعية٥، وأن العامل في باب التنازع هو الفعل الثاني٦، وأن نعم وبئس فعلان، وكذلك فعل التعجب٧، وأن المفعول معه منصوب بالفعل مع توسط واو المعية٨، وأن الاسم المرفوع بعد إذا الشرطية في مثل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فاعل لفعل محذوف، وكذلك بعد همزة الاستفهام في مثل: أزيد قام؟ ٩, وأن علة بناء الاسم شبهه بالحرف أو تضمنه معناه١٠، وأن الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال, وإنما أعرب المضارع لشبهه باسم الفاعل١١. وبجانب ذلك كان يأخذ بوجهة النظر الكوفية في مسائل مختلفة، من ذلك إعمال إِنِ النافية عمل ليس, متابعا في ذلك أستاذه الفارسي والكوفيين، كما مر بنا منذ قليل، وإن لاحظ أن إعمالها يشوبه غير قليل من الضعف، يقول تعليقا على قراءة سعيد بن جبير الآية الكريمة: "إِنِ الذين تدعون من دون الله عِبَادًا أَمْثَالكُمْ": "ينبغي أن تكون إِنْ هذه بمنزلة ما، فكأنه قال: ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم، فأعمل إنْ إعمال ما "العاملة عمل ليس" وفيه ضعف؛ لأن إن هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص ما به، فتجري مجرى ليس في العمل"١٢. وكان الكسائي -كما مر بنا في غير هذا الموضع- يجيز وجود الفعل بدون فاعل، على نحو ما أجاز ذلك في مثل: قام وقعد عمرو، إذ ذهب إلى أن عمرا فاعل قعد، وقام لا فاعل لها، وتبعه أبو علي الفارسي يحتم ذلك في قلّ حين تتصل بها ما، ويقول ابن جني: "إن "قلما يقوم زيد" دخلت فيه ما على قلّ كافة لها عن عملها، ومثله: كثر ما وطالما"١٣. وكان يتابع أستاذه والكوفيين في أن أو تأتي

стр. 284

للإضراب مطلقا١. كما تابعهما في إعمال المصدر مضمرا في الظرف مثل: "قيامك أمسِ حسن، وهو اليوم قبيح" فأعمل هو العائد على القيام في اليوم٢. وتابع الكوفيين في أن ﴿حَاشَ﴾ في مثل: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ فعل، بينما ذهب الجمهور إلى أنها اسم مرادف للبراءة من كذا٣. وكان يتابع الكسائي وأستاذه أبا علي في أن خلا حين تتقدمها ما في مثل: قام القوم ما خلا زيدا ليس من الضروري أن تكون فعلا حتما، فقد يجوز الجر بها على تقدير ما زائدة٤. وتابع الكوفيين في جواز: "ضرب غلامُه محمدا" لمجيء ذلك في النظم كثيرا مثل: جزى ربُّه عني عدي بن حاتم وكان الجمهور يمنع ذلك لعود الضمير المتصل بالفاعل على متأخر لفظا ورتبة٥. وكان يقف مع الكوفيين في أن حذف خبر إنّ إنما يحسن إذا كان اسمها نكرة، يقول تعليقا على قول الأعشى: إنَّ محلا وإن مرتحَلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا أراد: إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة؛ ولهذا وجه حسن عندنا، وإن كان أصحابنا "البصريون" يجيزونه مع المعرفة٦. ومر بنا في ترجمة الفراء أنه كان يضعف قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم" بالفصل بين المضاف وهو قتل, والمضاف إليه وهو شركائهم بالمفعول به, وأنه أنكر البيت الذي أنشده الأخفش دعما لذلك، وهو قول بعض الشعراء في وصف ناقته: فزججتها بمزجة ... زجَّ القلوصَ أبي مزاده وقد خالفه في ذلك جمهور الكوفيين مجوزين الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به٧، وانتصر لهم ابن جني محتجا بقدرة الشاعر على أن يقول: زجَّ القلوصِ أبو مزاده، ويعلق على ذلك بقوله: "في هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم, وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى

стр. 285

المفعول ... ومن ذلك قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائهم""١. ووقف في "المحتسب" مرارا إزاء تحريك ما فيه حرف حلقي مثل جَهْرة وجَهَرة بتحريك الهاء قائلا: إن الكوفيين والبغداديين -ويقصد أوائلهم النازعين منزعهم- يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه، أي: إنهم يجعلونه قياسا مطردا، بينما يقتصر البصريون على ما سمع منه سالكين له في باب اللغات، ونراه ينتصر للكوفيين والبغداديين جميعا، يقول في التعليق على قراءة ﴿جَهْرَةً﴾ في الآية رقم ٥٥ من سورة البقرة بفتح الهاء: "مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ساكن بعد حرف مفتوح أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه ... ومذهب الكوفيين أنه يحرك الثاني لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه كالبحْر والبحَر والصخْر والصخَر، وما أرى القول من بعدُ إلا معهم والحق فيه إلا في أيديهم، وذلك أنني سمعت عامة عقيل تقول ذلك ولا تقف فيه، سائغا غير مستكره"٢. ويعلق على قراءة محمد بن السميفع ﴿قَرْحٌ﴾ بفتح الراء في الآية رقم ١٤٠ من سورة آل عمران قائلا: "ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرْح وقرَح كالحلب والحلب والطرد والطرد.. ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفا حلقيا يُفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنا من حروف الحلق نحو قولهم في: الصخْر الصخَر والنعل والنعل، ولعمري إن هذا عند أصحابنا "يريد البصريين" ليس أمرا راجعا إلى حرف الحلق، لكنها لغات. وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح أثرا معتدا معتمدا، فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم يحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدا لولا حرف الحلق ... وهذا ما لا توقف في أنه أمر راجع إلى حرف الحلق لأن الكلمة بُنيت عليه ألبتة.. ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق، والحمد لله"٣.

стр. 286

ولعل في ذلك ما يدل دلالة واضحة على أنه كان ينزع غالبا إلى البصريين لكن لا عن حمية ولا عن عصبية، وإنما عن طول النظر والتبصر تبصرا كان يدفعه في كثير من الأحيان إلى الوقوف في صف الكوفيين وأوائل البغداديين حين يجد السداد في جانبهم. وهو ما يؤكد بغداديته وأنه كان يقيم مذهبه النحوي والصرفي على الانتخاب من المذهبين البصري والكوفي وما انبثق عنهما من المذهب البغدادي عند أوائل البغداديين، وعند أستاذه أبي علي الفارسي وقد تبعه في كثير من آرائه الاجتهادية، من ذلك أن الظرف والجار والمجرور هما الخبر في مثل: محمد عندك ومحمد في الدار وليسا متعلقين بمحذوف هو الخبر١. وكان يجوز مثله العطف على محل المجرور بالنصب في مثل: مررت بزيد وعمرو، فيقال: مررت بزيد وعمرا٢، كما كان يجوز مثله إتباع فاعل نعم وبئس بالنعت مثل: نعم الفتى المدعو بالليل علي٣. وجوز متابعا له تقديم خبر كان ومعموله عليها مستدلين بقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ فقد تقدمت كان ﴿إِيَّاكُمْ﴾ معمول ﴿يَعْبُدُونَ﴾ ، وما يجوز وقوع المعمول فيه يجوز وقوع العامل٤. وجوز مثله أن تكون لك في قولهم: "لا أبا لك" و"لا أخا لك" خبر لا، و"أبا وأخا" اسمي "لا" مقصورين تامين على لغة من يقول: هذا أبا ورأيت أبا ومررت بأبا٥. وكان يذهب مثله إلى أن اللام الداخلة على خبر إِنِ المهملة في مثل: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ ليست لام الابتداء كما زعم سيبويه، وإنما هي لام فارقة بين إن المؤكدة والنافية٦. وذهب مذهبه في أنه لا يصح تأكيد العائد المحذوف في مثل: "الذي رأيت نفسه زيد" على أن تكون نفسه تأكيدا للضمير المحذوف في رأيت على تقدير: رأيته٧. وكان يتابعه في أن اللام في مثل: "يا لزيد" متعلقة بيا٨، وأن أما في قول بعض الشعراء: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع

стр. 287

هي عاملة الرفع والنصب فيما يتلوها١. وجعله ذلك يضع قاعدة عامة كانت مصدر خلاف بينه وبين أستاذه في بعض المسائل، وهي أن ما ينوب عن شيء يعمل عمله، فما في أما المكونة من أن المصدرية وما الزائدة عملت لنيابتها مناب كان الرفع والنصب فيما تلاها. وينبغي طرد ذلك في الصور المماثلة، فمن ذلك أن أستاذه -كما مر بنا- كان يذهب إلى أن العامل في المعطوف في مثل: جاء محمد وعلي عامل مقدر من جنس العامل في المعطوف عليه، وذهب ابن جني إلى أن حرف العطف نفسه هو العامل لنيابته مناب العامل المحذوف٢. ومن ذلك أدوات النداء, فقد كان أبو علي الفارسي يذهب إلى أنها أسماء أفعال عملت في المنادى، وذهب ابن جني إلى أنها حروف تعمل فيه لنيابتها مناب الأفعال٣. ولابن جني آراء اجتهادية مختلفة انفرد بها عن أستاذه والمدرستين البصرية والكوفية، فمن ذلك أنه كان يجيز تقديم المفعول معه على المعمول قبله، فيقال: جاء وثيابَ الصوف البردُ٤. وكان يذهب إلى أن العامل في الخبر هو الابتداء والمبتدأ معا، وبذلك سوغ تقدمه على المبتدأ في مثل: شاعر محمد؛ لأنه إنما تقدم على أحد عاملي الرفع فيه وهو المبتدأ٥. وذهب إلى أن إلا تأتي زائدة مستدلا بقول ذي الرمة في وصف النوق: حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قَفْرا٦ وكان الجمهور يذهب إلى أن لا العاملة عمل ليس لا تعمل إلا في النكرات, وذهب إلى أنها تعمل أيضا في المعارف لقول النابغة: وحلت سواد القلب لا أنا باغيًا ... سواها ولا عن حبها متراخيا٧ ومعروف أن الأسباب المانعة للاسم من الصرف هي العلمية والعدل وزيادة الألف والنون والوصفية ووزن الفعل والتأنيث وموازنة جمعي مفاعل ومفاعيل والعجمة

стр. 288

والتركيب المزجي. وكان الجمهور يذهب إلى أنها تنقسم إلى معنوية هي العلمية والوصفية، ولفظية وهي البقية. وذهب ابن جني إلى أنها جميعا معنوية ما عدا وزن الفعل في مثل: أحمد ويزيد١. وذهب الجمهور إلى أن اللام تزيد في جواب لو ولولا ولوما مثل: "لو جئت لأكرمتك" و"لولاك لأسرعت"، وذهب ابن جني إلى أنها ليست واقعة في جواب هذه الأدوات، بل هي لام جواب قسم مقدر٢. ومر بنا رأي أستاذه أن ما قد تكون ظرفية زمانية، وأشرك ابن جني معها في ذلك أَنْ بفتح الهمزة، مستشهدا بقول بعض الشعراء: وتالله ما إن شهلة أم واحد ... بأوجد مني أن يهان صغيرها٣ وكان سيبويه يذهب إلى أن كلمة خرب في قولهم: "هذا جحر ضب خرب" مجرورة على الجوار لضب؛ لأنه كان ينبغي أن ترفع، إذ هي صفة لجحر. وقال ابن جني: بل هي مجرورة على الأصل، إذ أصل التعبير: "هذا جحر ضب خرب جُحْره" فحُذف المضاف وأُنيب المضاف إليه في "جحره" وهو الضمير، فارتفع واستتر في خرب، فهو صفة لجحر على تقدير حذف المضاف، وهو تأويل بعيد٤. ومن طريف ما هدته إليه بصيرته النافذة أن الأصل في ظهور اللغات إنما هو اشتقاق كلماتها من الأصوات المسموعة، يقول في فواتح كتابه الخصائص: "ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدويّ الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشَحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونَزيب "صوت" الظبي ونحو ذلك، ثم وُلدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل"٥. وقد مضى في الخصائص يثبت ذلك من حين لآخر كقوله عن الأفعال: إنه كثُر اشتقاقها من الأصوات الجارية مجرى الحروف مثل "هاهيت" من قولهم في زجر الإبل: هاها، و"عاعيت" في زجر الغنم من قولهم: عاعا, و"حأحأت" في زجر الكبش من قولهم: حاحا، و"شأشأت" في

стр. 289

زجر الحمار من قولهم: شأشأ. ويقول: هذا كثير في الزجر، وقد صنفت فيه كتابا١. ويذكر في موضع آخر أن العرب قد تسمي الأشياء بأصواتها كالخازِ بازِ "الذباب" لصوته، والبط لصوته، والواق للصرد "طائر فوق العصفور" لصوته، وغاق للغراب لصوته، والشيب لصوت مشافر الإبل٢. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إنه هو الذي عمل على تثبيت قانوني الاشتقاق الأكبر والتضمين، ومر بنا أنه كان يريد بالأول التقاليب الستة للأصل الثلاثي لأي كلمة, وبيان أنه يجمعها هي ومشتقاتها معنى واحد، وحقا سبقه الخليل -كما مر بنا في ترجمته- إلى بناء معجم العين على تقليب الأصل الثلاثي للكلمة في صوره الست، ولكنه لم يفكر في أنها هي واشتقاقاتها يمكن أن يجمعها معنى واحد. وقد اعترف في فاتحة حديثه عنه بأن الفارسي كان يستعين به، ولكنه لم يحاول تسميته ولا تأصيله وتطبيقه، إنما هو الذي نهض بذلك، فهو الذي سماه، وهو الذي جسمه في أمثلة مختلفة، منها "ك ل م" وتقليباتها ومشتقاتها وقد رجعها إلى معنى القوة والشدة، ورجع "ق ول" وتقليباتها ومشتقاتها إلى معنى الإسراع والخفة، كما رجع تقليب "ج ب ر" إلى معنى الشدة والقوة، ومثلها مشتقاتها، ورجع تقليب "ق س و" ومشتقاتها إلى معنى القوة والاجتماع، كما رجع تقليب "س ل م" ومشتقاتها إلى معنى الإصحاب والملاينة٣, وتوقف في كتابه المحتسب ليطبق ذلك على "حجر" وتقليبها ومشتقاتها مبينا أنها تعود جميعا إلى الشدة والضيق والاجتماع٤, وأوضح أيضا أن "ج د ل" وتقليباتها ومشتقاتها تعود إلى القوة٥. وعلى نحو ما عُني بالاشتقاق الأكبر وتطبيقاته على بعض الأبنية، عُني بالتضمين، وهو أن تشرب لفظا معنى لفظ وإذا كان فعلا أو مصدرا أُعطي حكمه، فعُدي بما يعدى إليه. وحقا لاحظ ذلك سيبويه والكسائي في بعض الأمثلة بشهادته، كما لاحظه أبو علي الفارسي٦، ولكنه هو الذي كشفه وأوضحه في أمثلة كثيرة من مثل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يقول: الرفث يتعدى

стр. 290

بالباء غير أنه ضُمِّن في الآية معنى الإفضاء؛ ولذلك يتعدى بإلى كما يتعدى بها الإفضاء، ومثل ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مع الله؛ لأنه في معنى من يضاف في نصرتي إلى الله، ومثل: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ وُضعت إلى موضع في؛ لأن ما قبلها في معنى: أدعوك وأرشدك١. وابن جني يسند كلامه دائما بقراءات القرآن والسماع عن العرب، وقد يستشهد بالحديث النبوي، ولكن لا للاستنباط ووضع القواعد وإنما للائتناس٢. وكان مثل أستاذه يعنى بالقياس عناية شديدة حتى ليمكن أن يقال: إن كتابه الخصائص إنما هو مجموعة كبيرة من الأقيسة السديدة، وبلغ من عنايته بالقياس أن كان يقول: "إن مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس"٣. وقد عقد في جزئه الأول فصلا طويلا لبيان أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم وإن لم ينطقوا به. واتسع في ثنايا مصنفاته في صور التدريب على الأقيسة، ومن يرجع إلى كتابه المنصف في شرح تصريف المازني يجده يختمه بنحو ستين صحيفة في تمارين صرفية أبنيتها كلها من صنعه. ودائما يدعم آراءه وآراء سابقيه من النحاة بالحجج البينة والأدلة الناصعة، ووصف بعض أدلته بأنها كالأدلة الهندسية في الوضوح والبيان٤.

стр. 291

٤- بغداديون متأخرون: كان ظهور الإمامين النحويين الكبيرين أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني, إيذانا بأن تنزع المدرسة البغدادية نزعة بصرية قوية, وأن يسود اتجاهها في الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية والاجتهاد في استنباط آراء جديدة، وأن يتأثر بهما النحاة النابهون الذين خلفوهما في العراق والشام وإيران، ويتخذوا

стр. 292

نفس المنهج الذي أصَّلَاه، فلا بد من تمثُّل الآراء البصرية والكوفية وآراء البغداديين الأولين الذين كانوا ينزعون نزعة كوفية، ولا بد من تمثل آراء أبي علي وابن جني، وهو تمثل جعلهم يعكفون على مصنفات جميع أئمة النحو المتقدمين وخاصة مصنفات أبي علي وابن جني، مما جعلهم يسيرون في نفس الطريق الذي نهجاه وذللاه، ولن نستطيع استقصاءهم؛ ولذلك سنكتفي بالحديث عن أعلامهم حديثا موجزا يتفق وغايتنا من صنع هذا الكتاب، وفي رأينا أن أنبههم وأوسعهم شهرة الزمخشري وابن الشجري وأبو البركات الأنباري وأبو البقاء العكبري وابن يعيش والرضي الإسترابادي، وسنخص الزمخشري بكلمة أكثر تفصيلا. وابن الشجري١ كان نقيب الطالبيين بالكرخ في بغداد، ولد سنة ٤٥٠ وتوفي سنة ٥٤٢ للهجرة، وهو أحد أئمة النحاة، ويقال: إنه لم يكن أنحى منه في عصره، وإنه ظل يدرس النحو لطلابه نحو سبعين عاما، وفي أخباره ما يدل على أنه موصول النسب العلمي فيه بأبي علي الفارسي، فقد أخذه عن ابن طباطبا، وأخذه ابن طباطبا عن علي بن عيسى الربعي تلميذ أبي علي. ويذكر ابن خلكان من تصانيفه شرح كتابي ابن جني: اللمع والتصريف. وطبع له بحيدر آباد أماليه في النحو واللغة والأدب، وهو فيها يُكثر من ذكر كتب أبي علي مثل الإيضاح والتذكرة والحجة في علل القراءات السبع, ناقلا عنها آراءه. ونراه منذ فاتحة أماليه معجبا بالبصريين على شاكلة الفارسي وابن جني وهو إعجاب جعله يقول في حجج الكوفيين: "ولنحاة الكوفيين في أكثر كلامهم تهاويل فارغة من الحقيقة"٢. ومن آرائه التي خالف فيها جمهور النحاة, ذهابه إلى أن لو الشرطية تجزم المضارع حين تدخل عليه لقول بعض الشعراء: لو يَشَأْ طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل٣ ورُد بأن ذلك ضرورة شعرية, أو لعل الشاعر خفف نهاية الفعل يشأ, ونطقه

стр. 293

بألف مقصورة١. وذهب إلى أن "إذ" في مثل: "فبينما العسرُ إذ دارت مياسيرُ" زائدة، وكان سيبويه يذهب إلى أنها بعد بينا وبينما نفس إذ الفجائية، وقد اختلف النحاة فيها: هل هي حرف أو ظرف؟ ٢. ويظهر أنه كانت تنقصه الدقة، فقد تعقبه ابن هشام في عدة مواضع من كتابه المغني مغلطا له٣، ومثبتا عليه عدم التحري في نقل آراء الفارسي وسيبويه والأخفش والكسائي٤. وأبو البركات٥ بن الأنباري بغدادي، ولد سنة ٥١٣ وتوفي سنة ٥٧٧ للهجرة، وهو تلميذ ابن الشجري، وبذلك يتصل نسبه النحوي بأبي علي الفارسي، ويظهر أنه كان يعكف على مصنفاته، ويدرسها لتلاميذه في المدرسة النظامية، إذ نجد بين مؤلفاته كتاب حواشي الإيضاح، وهو من أهم مصنفات الفارسي. وتوفر على دراسة وجوه الخلاف بين البصريين والكوفيين في مسائل النحو، وصنف في ذلك كتابين هما: الإنصاف الذي نشره فايل لأول مرة وكتابه أسرار العربية المنشور بدمشق، ولاحظ فايل أنه ينزع في أولهما نزعة بصرية واضحة، وهي نزعة استمدها من أبي علي الفارسي ومنهجه الذي وصفناه. وقد وقف مع البصريين في جمهور المسائل التي أحصاها، ورجح -كما لاحظ فايل- مذهب الكوفيين في سبع مسائل هي: العاشرة والثامنة عشرة والسادسة والعشرون والسبعون والسابعة والتسعون والواحدة والسادسة بعد المائة. وبذلك يصبح بغداديا على شاكلة أبي علي، فهو يجري في جمهور آرائه مع البصريين، ويفتح الأبواب لاختيار بعض آراء الكوفيين. وله في علم الجدل النحوي مصنف غير منشور، ومصنف آخر في أصول النحو سماه لُمَع الأدلة، منشور بدمشق، فصَّل القول فيه في النقل والقياس والعلة، ونُشر معه مصنف له باسم الإغراب في جدل الإعراب، وهو يدور على أسئلة في الإعراب وأجوبة مسندة بالأدلة, وكتابه نزهة الألباء في تراجم النحاة معروف.

стр. 294

وأبو البقاء١ العكبري النحوي الضرير، بغدادي مثل سالفيه، ولد سنة ٥٣٨ وتوفي سنة ٦١٦ للهجرة، وصلته بالشيخين أبي علي الفارسي وابن جني تتضح في شرحه لإيضاح الأول ولمع الثاني، وأيضا في مصنفاته: "الإفصاح عن معاني أبيات الإيضاح" و"تلخيص أبيات الشعر لأبي علي" و"تلخيص التنبيه لابن جني" و"المنتخب من كتاب المحتسب". وله مؤلفات مختلفة في النحو وعلله ومسائل الخلاف فيه. وكان يعنى بقراءات الذكر الحكيم ونُشر له في مصر كتاب إعراب القرآن والقراءات في جزأين، وهو من صفحاته بل سطوره الأولى يجري في إعراب الألفاظ على المذهب البصري فالمبتدأ مرفوع بالابتداء وهلم جرا، ويتوقف مرارا ليرد على الكوفيين بعض وجوههم في الإعراب، وإذا رجعنا إلى آرائه المنثورة في كتب النحو وجدناه يتبع الفارسي في كثير منها، فقد كان يرى رأيه ورأي الفراء قبله في أن "لو" تأتي مصدرية غير عاملة في مثل: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ويشهد لهم قراءة بعضهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا﴾ بحذف نون الفعل الأخير؛ لعطفه بالنصب على ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ وكأنها في مكان: أن تدهن٢. ورأى رأي الفارسي أيضا في أن ما قد تأتي زمانية على نحو إتيانها في الآية الكريمة: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم٣. وتابعه في إعراب ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ صفة للباس، والمشهور أنها بدل أو بيان٤. وكان يختار لنفسه أحيانا من آراء الكوفيين، فقد كان يمنع مثل ثعلب أن تكون منذا مركبة تركيب ماذا بحيث يمكن إعرابها في مثل: "منذا لقيت" مفعولا به، وهي عندهما مبتدأ وخبر، وذا اسم موصول، ولقيت صلته، وكان يعلل لذلك بأن ما أكثر إبهاما من أختها مَنْ، فحسن أن تُجعل مع غيرها كشيء واحد، ولأن التركيب خلاف الأصل٥. وهو بذلك بغدادي من مدرسة أبي علي الفارسي، التي كانت تعول على الاختيار والانتخاب من آراء النحاة السابقين، ومن ثم كان الدكتور مصطفى جواد محقا حين اتهم نسبة شرح ديوان المتنبي المطبوع

стр. 295

باسم التبيان في شرح الديوان إليه؛ لما يردد شارحه فيه من أنه كوفي وعلى مذهب الكوفيين١. ويعيش٢ بن علي بن يعيش موصلي الأصل حلبي الدار والمولد، وكان مولده سنة ٥٥٦ وأقبل على تعلم العربية منذ نعومة أظفاره، ورحل إلى بغداد ودمشق يتلقى عن الشيوخ، وعاد إلى حلب فتصدر الإقراء بها إلى أن توفي سنة ٦٤٣ للهجرة. وصلته بالمدرسة البغدادية تتضح في شرحه كتاب التصريف الملوكي لابن جني. وأهم مصنفاته النحوية شرحه على مفصل الزمخشري، وهو مطبوع بالقاهرة في عشرة مجلدات, صنَّفه -كما يقول في مقدمته- في سن السبعين، وهو أشبه بدائرة معارف لآراء النحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين، حتى كأنه لم يترك مصنفا لعَلَم من أعلامهم إلا استوعبه وتمثل كل ما فيه من آراء تمثلا منقطع القرين. ويلقانا منذ الصفحات الأولى منتصرا للبصريين، فقد انتصر لرأيهم في أن الاسم مشتق من السموّ لا من السمة كما قال الكوفيون٣، ولا يلبث أن نراه يعرض آراء سيبويه والأخفش والجرمي والمازني والكوفيين في إعراب الأسماء الخمسة، ويوهن في صراحة آراء الكوفيين والمازني والجرمي زاعما أنه خُولف في هذه الأسماء القياس بحذف لاماتها في حال إفرادها؛ لأنك إذا قلت: أخ, فأصله: أخو وأب فأصله: أبو، والذي يدل على ذلك قولهم في التثنية: أبوان وأخوان ... وكان مقتضى القياس أن تقلب الواو فيها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، إلا أنهم حذفوها تخفيفا٤. ويعرض لرأي سيبويه والكسائي في التنازع وما ذهب إليه الأول من أن في ضربني في مثل: ضربني وضرب زيدا, فاعلا مضمرا دل عليه مفعول ضربت، وما ذهب إليه الكسائي من أن ضربني لا فاعل لها، بل فاعلها محذوف، ويعلق على ذلك بأن رأي سيبويه هو الصحيح ويحتج له٥. وينتصر لرأي البصريين في

стр. 296

أن عامل المبتدأ هو الابتداء لا الخبر كما قال الكوفيون١. ويهاجم رأي الكوفيين القائل بأن عندك في مثل: محمد عندك, منصوب بالخلاف٢، ويضعف رأيهم في أن الاسم الواقع بعد لولا يرتفع بها لنيابتها عن الفعل٣، كما يضعف رأيهم في أنّ إنّ وأخواتها لا تعمل الرفع في الخبر وإنما هو مرفوع على حاله قبل دخول إن وصواحبها٤. وعلى هذا النحو لا يزال ابن يعيش يضعف آراء الكوفيين ويقوي آراء البصريين، ويلقانا من حين إلى حين استحسانه لبعض آراء الكوفيين كاستحسانه تخريجهم لقراءة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ على أن إن نافية واللام بمعنى إلا، والتقدير: ما هذان إلا ساحران، يقول: وهو تقدير حسن٥. وجوز رأي الكسائي في أن "حيث" قد تضاف إلى المفرد وقال: إنها لغة كقول بعضهم: "حيث ليّ العمائم"٦. وذهب مع الفراء والزمخشري إلى أن لو تأتي للتمني وحينئذ تكون مصدرية مثل أن٧, وكان يجوز مع الكوفيين صرف ما لا ينصرف في ضرورة الشعر٨, وكان يستحسن رأي أبي علي الفارسي في أن المعطوف في مثل: قام محمد وعمر معمول لفعل محذوف من جنس الفعل الأول٩، وكذلك رأيه في أن اللام الداخلة أو اللازمة مع إن الملغاة فارقة بينها وبين إن النافية١٠. واحتج لرأيه في أن إما في مثل: جاء إما علي وإما عمر ليست عاطفة١١. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إنه كان أكثر البغداديين المتأخرين انتصارا وحماسة للبصريين. والرضي١٢ الإسترابادي هو نجم الدين محمد بن الحسن، مولده ومرباه في إستراباد من أعمال طبرستان، وليس بين أيدينا أخبار واضحة عن حياته،

стр. 297

واختلف الرواة في تاريخ وفاته، ويغلب أن يكون حوالي سنة ٦٨٦ للهجرة، واشتهر له شرحه على الكافية في النحو لابن الحاجب، وشرحه على مقدمته الصرفية المسماة بالشافية، وانتهاجه نهج البغداديين واضح منذ الصفحات الأولى في شرحه على الكافية، إذ نراه يقف تارة مع الكوفيين وتارة مع البصريين، وكثيرا ما يختار ما انفرد به بعض أعلامهما، وقد يختار بعض آراء البغداديين. ونحن لا نصل إلى الصفحة الثامنة عشرة من الجزء الأول في شرحه للكافية حتى نراه يذكر رأي البصريين في أن عامل الرفع في المبتدأ هو الابتداء، ويضعفه مؤثِرا عليه مذهب الكسائي والفراء في أن عامل الرفع فيه هو الخبر، إذ كل منهما صار عمدة بصاحبه. ويذكر رأي البصريين في أن عامل النصب في المفعول هو الفعل، ويضعفه مصوبا رأي الفراء في أن عامل النصب فيه هو الفعل والفاعل معًا، إذ إسناد أحدهما إلى الآخر هو السبب في كون المفعول فضلة فيكونان السبب في علامة الفضلة وهي النصب١. ويعرض لما نُسب إلى الخليل من أن أصل المرفوعات الفاعل، والمبتدأ فرع عنه وما نسب إلى سيبويه من أن أصلها المبتدأ والفاعل فرع عنه، ويختار رأي الأخفش وابن السراج القائل بأن المبتدأ والفاعل جميعًا أصلان في الرفع وليس أحدهما محمولا على الآخر ولا فرعا عنه. ويمد ذلك في المفعول به وما قيل من أن بقية المفعولات محمولة عليه، فجميعها هي الأخرى أصول وليست فروعا للمفعول به٢. وما يلبث أن يذكر المذاهب التي مرت بنا لسيبويه والكوفيين والمازني والجرمي والفارسي في إعراب الأسماء الخمسة، ويضعف الأربعة الأولى منها منتصرا للفارسي٣. ونمضي معه فنراه يرجح رأي البصريين في باب التنازع واختيارهم لإعمال الفعل الثاني٤، وكذلك رأيهم في أن ما بعد لولا في مثل: لولا محمد لجئت مبتدأ٥، وأن الخبر محذوف في مثل: "كل عامل وعمله"٦، وأن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بواسطة حرف العطف٧. وعلى هذا النحو لا يزال

стр. 298

الرضي يقارن بين آراء النحاة من البصريين والكوفيين والبغداديين, مختارا لنفسه منها ما تتضح علله، وكثيرا ما يضم إلى مختاره عللا جديدة، وقد ينفرد ببعض الآراء على نحو ما مر بنا آنفا من ذهابه إلى أن كل مرفوع أصل بنفسه, وكذلك كل منصوب. الزمخشري ١: هو محمود بن عمر، وُلد سنة ٤٦٧ بزمخشر قرية من قرى خوارزم، فنُسب إليها، وبها كان منشؤه ومرباه، وقد أقبل منذ نعومة أظفاره على العلوم اللغوية والدينية، ورحل في سبيل طلب العلم إلى بخارى وإلى بغداد، وجاور بمكة حقبة طويلة، نشط فيها لتصنيف تفسيره للقرآن المسمى بالكشاف ودرس حينئذ كتاب سيبويه على أحد علماء الأندلس النابهين على نحو ما سنعرف في حديثنا عن نحاة الأندلس، وتكاثرت تصانيفه منذ هذا الحين. وعاد إلى موطنه، وشهرته قد ملأت الآفاق، والطلاب يَفِدون عليه من كل صوب وحدب يأخذون عنه معجبين مُكْبرين، حتى اختاره الله لجواره في سنة ٥٣٨ للهجرة. وهو يسلك في المعتزلة وفي علماء التفسير الأفذاذ وأئمة اللغة والنحو، ومعجمه "أساس البلاغة" مشهور. ومن مصنفاته الفائق في غريب الحديث، وصنف في اللغة والأدب والعروض والنحو مصنفات مختلفة، ومن أشهر مصنفاته النحوية النموذج والمفصل, وعنيبصنع حاشية له، وشرحه ابن يعيش شرحا ضافيا على نحو ما قدمنا. وقد جعله في أقسام أربعة: قسم للأسماء تحدث فيه عن المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والنسب والتصغير والمشتقات، وقسم للأفعال وضروبها وأنواعها المختلفة، وقسم للحروف وأصنافها من حروف عطف وغير حروف عطف، وقسم للمشترك أراد به الإمالة والزيادة والوقف والإبدال والإعلال والإدغام.

стр. 299

وإذا أخذنا نتعقب آراءه وجدناه يمثل الطراز البغدادي الذي رأيناه عند أبي علي الفارسي وابن جني، فهو في جمهور آرائه يتفق ونحاة البصرة الذين نهجوا علم النحو ووطئوا الطريق إلى شعبه الكثيرة، ومن حين إلى حين يأخذ بآراء الكوفيين أو بآراء أبي علي أو ابن جني، وقد ينفرد بآراء خاصة به لم يسبقه آحد من النحاة إليها. ويكفي أن نرجع إلى المفصل فسنراه يضع كتاب سيبويه نصب عينيه، حتى ليصبح ملخصا له أحيانا على نحو ما يلقانا في باب المفعول المطلق وصوره الكثيرة، وغالبا ما يتابعه في آرائه النحوية، ونضرب لذلك بعض الأمثلة من القسم الأول من كتابه ومن صُحُفه الأولى التي شرحها ابن يعيش، فمن ذلك متابعته له في أن الفعل الثاني هو العامل في باب التنازع١ وأن مثل: "هل زيد قام؟ " تعرب فيه زيد فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور لا مبتدأ كما ذهب الكوفيون٢، وكذلك متلوّ إن الشرطية في مثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ٣. واختار رأيه في أن متلو لولا في مثل: "لولا علي لسافرت" مبتدأ خبره محذوف٤, وفي أن خبر إن وأخواتها مرفوع بها لا بما كان مرتفعا به قبل دخول إن كما زعم الكوفيون٥، وفي أن الناصب للمنادى ما ينوب عنه حرف النداء وهو الفعل مثل: أريد وأدعو٦. وجعله تشرب روحه للمذهب البصري يعبر عن البصريين كما عبر عنهم أبو علي الفارسي وابن جني باسم أصحابه، فهو في أغلب أحواله إما أن ينزع عن قوسهم جميعا، وإما أن ينزع عن قوس بعضهم كأخذه برأي الخليل في أن الفاعل أصل المرفوعات والمبتدأ محمول عليه، وكان سيبويه -كما أسلفنا منذ قليل- يذهب إلى العكس٧، وكأخذه برأي الأخفش في أن الكاف تأتي في النثر كثيرا مرادفة لمثل، فتعرب إعرابها وتخرج عن حرفيتها، وبذلك جوزا أن تعرب في مثل: "زيد كالأسد" خبرا لزيد مضافا للأسد٨، وكأخذه برأي المبرد في أن لفظ "الآن" مبني؛ لأنه استعمل من أول وضعه بالألف واللام، ولم يستعمل نكرة٩، وكأخذه

стр. 300

برأي الزجاج في أن مثل: "أكرمْ بزيد" أمر على حقيقته لكل أحد أن يصف زيدا بالكرم والباء زائدة، وكان سيبويه يذهب إلى أن الفعل في مثل هذه الصيغة ماضٍ أخرج بلفظ الأمر والباء زائدة مثلها في ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ ١. وعلى شاكلة أضرابه من البغداديين كان يختار رأي الكوفيين أحيانا في بعض المسائل، من ذلك أنه زاد معهم في الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل فعل حدَّث كقول الحارث بن حلزة اليشكري: إن منعتم ما تسألون فمن حُـ ... ـدِّثْتموه له علينا العلاء٢ ومما اختاره من مذهبهم جواز أن يكون البدل والمبدل منه نكرة كما قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ , وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ ٣. واختار -على غرارهم- أن تكون جملة البسملة متعلقة بفعل محذوف تقديره: أقرأ لا باسم كما ذهب البصريون٤. واختار مثلهم أن تكون أن وما بعدها في مثل: "لو أنك جئت" فاعلا لفعل محذوف تقديره: ثبت؛ لأن لو تتطلب أن يتلوها فعل٥. ومما وافق فيه أبا علي الفارسي أن ما في مثل: "نعما محمد" نكرة تامة منصوبة على التمييز٦، وأن الجملة تنقسم إلى اسمية وفعلية وشرطية وظرفية. واعترض ابن يعيش على هذا التقسيم؛ لأن الجملة الشرطية ترد إلى الفعلية لأنها تتألف من فعل الشرط وفعل الجواب، وكذلك الظرفية لأنها تقدر متعلقة بفعل٧. ومما وافق الفارسي فيه أن الباء إنما تزاد مع ما الحجازية العاملة ولا تزاد مع ما التميمية المهملة، فمثل: ما محمد بقائم يتحتم أن تكون ما فيها حجازية٨. ووافق ابن جني في مجيء أنْ ظرفية على غرار ما الزمانية مثل: "جئتك أن تصلي العصر" أي: زمن صلاة العصر، وخرج الزمخشري على هذا المعنى قول جل شأنه: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي: وقت أن آتاه٩. ووافقه أيضا في أن الجملة تبدل من المفرد، كما جاء في قول بعض الشعراء:

стр. 301

إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ فكيف يلتقيان بدل من حاجة وأخرى, كأنه قال: أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما١. وللزمخشري بجانب اختياراته من المذاهب البغدادية والكوفية والبصرية آراء كثيرة ينفرد بها، من ذلك ذهابه إلى أن "إذ" قد تقع مبتدأ، وخرَّج على ذلك قراءة بعضهم آية آل عمران: "لَقَدْ مَنِّ الله على الْمؤمنِين إذ بعث فيهِم رَسولا" أي: وقت بعثه فيهم رسولا٢، وأن أما في مثل: "أما زيد فذاهب" تعطي الكلام فضل تأكيد٣، وأن واو العطف قد تفيد الإباحة في مثل: جالس محمدا وعليا٤، وأن رافع الخبر هو الابتداء فقط، وكان ابن جني كما أسلفنا يرى أن رافعه الابتداء والمبتدأ٥، وأنه قد يلي إلا نعت لما قبلها مفرد مثل: "ما مررت برجل إلا شجاعٍ" وجملة مثل: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه٦، وجعل الجملة بعد إلا في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ صفة لقرية، وقال: إن الواو للصوق الصفة، وجعلها غيره واو الحال٧. وفرق بين التعدية بالهمزة والتضعيف، فجعل التضعيف يفيد التكرار. فمثل نزّل تفيد تكرار النزول بخلاف أنزل٨. وجوز أن يكون الفاعل جملة، وبذلك خرج آية السجدة: "أوَلم يَهْدِ لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون" فجعل جملة كم وما بعدها فاعل الفعل المجزوم "يهد", ورأى ابن هشام أن الفاعل مستتر راجع إلى الله سبحانه وتعالى٩. وذهب إلى أن "لن" تفيد تأكيد النفي، بل تأبيده مثل: لن أجبن١٠. وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى أن همزة الاستفهام إذا جاءت في جملة معطوفة بالواو أو الفاء أو ثم تأخرت حروف العطف بعدها لما لها من الصدارة مثل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ , ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ وذهب الزمخشري إلى أن

стр. 302

الهمزة في مكانها الأصلي, غير أن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقول: التقدير في الآية الأولى: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ وفي الآية الثانية: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا؟ ١.

стр. 303

الفصل الثاني: المدرسة الأندلسية ١- النشاط النحوي في الأندلس: لا نكاد نمضي في عصر بني أمية بالأندلس "١٣٨-٤٢٢هـ" حتى تنشأ طبقة كبيرة من المؤدبين الذين كانوا يعلمون الشباب في قرطبة وغيرها من الحواضر الأندلسية مبادئ العربية عن طريق مدارسة النصوص والأشعار، ويدفعهم إلى ذلك حفاظهم على القرآن الكريم وسلامة لغته وتلاوته، وبذلك كان أكثرهم من قُرَّاء الذكر الحكيم، وكان كثير منهم يرحلون إلى المشرق فيتلقون هذه القراءات، ويعودون إلى موطنهم فيرسمونها للناس بجميع شاراتها كما يرسمون لهم العربية بمقوماتها اللغوية. ومن أجل ذلك لا نعجب إذا وجدنا مشهوري هؤلاء المؤدبين يُعنون بالتأليف في القراءات يتقدمهم أبو موسى الهواري، وهو كما يقول الزبيدي: "أول من جَمَعَ الفقه في الدين وعلم العرب بالأندلس، رحل في أول إمارة عبد الرحمن الداخل "١٣٨-١٧٢هـ" فلقي مالكا ونظراءه من الأئمة ولقي الأصمعي وأبا زيد ونظراءهما، وداخل الأعراب في محالّها، وله كتاب في القراءات"١. وكان يعاصره الغازي بن قيس الذي احترف تأديب الناشئة بقرطبة، وقد رحل مثله إلى المشرق وأخذ عن مالك الفقه وعن نافع بن أبي نعيم مقرئ أهل المدينة قراءته للذكر الحكيم، وأقرأ بها في قرطبة، ولقي الأصمعي ونظراءه٢. وأول نحاة الأندلس بالمعنى الدقيق لكلمة نحوي, جودي٣ بن عثمان المَوْروري

стр. 304

الذي رحل إلى المشرق وتتلمذ للكسائي والفراء، وهو أول من أدخل إلى موطنه كتب الكوفيين، وأول من صنف به في النحو، وما زال يدرسه لطلابه حتى توفي سنة ١٩٨ للهجرة. وكان يعاصره أبو عبد الله١ محمد بن عبد الله الذي رحل مثله إلى المشرق، وأخذ عن عثمان بن سعيد المصري المعروف باسم وَرْش قراءته، وأدخلها إلى الأندلس، وكان بصيرا بالعربية. ويتكاثر هؤلاء القراء والمؤدبون في القرن الثالث الهجري، ويتميز من بينهم عبد الملك٢ بن حبيب السلمي المتوفى سنة ٢٣٨ للهجرة، وكان إماما في الفقه والحديث والنحو واللغة، وبين مصنفاته كتاب في إعراب القرآن. ويعنى في نفس القرن مفرج٣ بن مالك النحوي بوضع شرح على كتاب الكسائي، كما يعنى معاصره أبو بكر٤ بن خاطب النحوي المكفوف بوضع كتاب في النحو كانت له شهرة في موطنه. ويذكر الزبيدي كثيرين كانوا يعنون بالشعر القديم والعباسي وشرحه للطلاب. ويبدو أن الأندلس تأخرت في عنايتها بالنحو البصري, وأنها صبَّت عنايتها أولا على النحو الكوفي مقتدية بنحويِّها الأول جودي بن عثمان، حتى إذا أصبحنا في أواخر القرن الثالث الهجري وجدنا الأفُشْنيق٥ محمد بن موسى بن هاشم المتوفى سنة ٣٠٧ يرحل إلى المشرق ويلقى بمصر أبا جعفر الدينوري، ويأخذ عنه كتاب سيبويه رواية ويقرؤه بقرطبة لطلابه. ويأخذ غير نحوي في مدارسة الكتاب مثل أحمد٦ بن يوسف بن حجاج المتوفى سنة ٣٣٦, وكان يضع دائما كتاب سيبويه بين يديه ولا يَنِي عن مطالعته في حال فراغه وشغله وصحته وسقمه.

стр. 305

ولا يلبث محمد١ بن يحيى المهلبي الرباحي الجياني المتوفى سنة ٣٥٣ للهجرة أن يفتتح عصر الاهتمام البالغ في موطنه بكتاب سيبويه، وكان قد ثقف الفلسفة والمنطق والكلام، ورحل إلى المشرق فلقي بمصر نحويها النابه أبا جعفر بن النحاس، وأخذ عنه كتاب سيبويه رواية، وعاد إلى قرطبة يفرغ له ولقراءته على الطلاب، شارحا له ومفسرا تفسيرا مبينا، تسعفه دقة نظره ومنطقه وقدرته على الاستنباط وتحليل العبارات والغوص على العلل. ولم يكن يكتفي بقراءته لطلابه، فقد كان يعقد لهم مجلسا في كل جمعة للمناظرة في مسائلة، ويقول الزبيدي في بيان مكانته في تاريخ النحو بالأندلس: "لم يكن عند مؤدبي العربية ولا عند غيرهم ممن عُني بالنحو كبير علم "بالعربية" حتى ورد محمد بن يحيى عليهم، وذلك أن المؤدبين إنما كانوا يعانون إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها وتقريب المعاني لهم في ذلك. ولم يأخذوا أنفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها والاعتلال لمسائلها، ثم كانوا لا ينظرون في إمالة ولا إدغام ولا تصريف ولا أبنية، ولا يجيبون في شيء منها، حتى نهج لهم سبيل النظر وأعلمهم بما عليه أهل هذا الشأن في المشرق من استقصاء الفن بوجوهه واستيفائه على حدوده, وأنهم بذلك استحقوا الرياسة". ويقول القفطي: "لما ورد محمد بن يحيى "على قرطبة" أخذ في التدقيق والاستنباط والاعتراض والجواب وطرد الفروع إلى الأصول، فاستفاد منه المعلمون طريقه، واعتمدوا ما سنَّه من ذلك". وكان يعاصره في قرطبة أبو علي٢ القالي البغدادي الذي نزل الأندلس في سنة ٣٣٠ للهجرة لعهد عبد الرحمن الناصر وقاد فيها نهضة لغوية ونحوية خصبة، كان معوَّله فيها على قراءة ذخائر اللغة والشعر والنحو التي حملها معه من المشرق، وكان مما حمله كتاب سيبويه أخذه عن ابن درستويه عن المبرد، وكان يجنح إلى المذهب البصري وينافح عنه مناظرا مجادلا.

стр. 306

وخلفه هو والرباحي جيل من تلاميذهما, مضى يعكف على مدارسة كتاب سيبويه وكتب غيره من البصريين والكوفيين، من أهمهم: أبو بكر١ بن القوطية المتوفى سنة ٣٦٧ للهجرة تلميذ القالي وصاحب كتاب الأفعال وتصاريفها المنشور في ليدن، ومحمد٢ بن الحسن الزبيدي المتوفى سنة ٣٧٩ تلميذ القالي أيضا ومؤلف كتاب طبقات النحويين واللغويين الذي يتردد ذكره في هوامش هذا الكتاب، وله مصنف في النحو سماه "الواضح", وأبو عبد الله٣ محمد بن عاصم العاصمي المتوفى سنة ٣٨٢ تلميذ الرباحي وحامل روايته لكتاب سيبويه وكان لا يقل عن أصحاب المبرد بصرا بالعربية ودقائقها الخفية, وأحمد٤ بن أبان المتوفى سنة ٣٨٢، وله شرحان على كتابي الكسائي والأخفش. ولعل في ذكر الكسائي ما يدل على أن الأندلس ظلت تعنى بالنحو الكوفي بجانب عنايتها بالنحو البصري. ومن هذا الجيل هارون٥ بن موسى القرطبي النحوي المتوفى سنة ٤٠١, وله تصنيف في تفسير عيون كتاب سيبويه. ويلقانا في أوائل عصر ملوك الطوائف نحاة مختلفون، من أشهرهم ابن الإفليلي٦ المتوفى سنة ٤٤١, وكان متصدرا بقرطبة لإقراء الطلاب، وكان يُقرئهم فيما يقرئ كتاب سيبويه، رواية عن العاصمي تلميذ الرباحي. وأشهر منه وأنبه ابن سِيده٧ الضرير

стр. 307

المتوفى سنة ٤٤٨ "ولم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها". وله أكبر معجم مؤلف حسب المعاني هو المخصَّص المطبوع بالقاهرة في سبعة عشر مجلدا، وقد صبغ مباحثه فيه بصبغة نحوية وصرفية واسعة، ويعلن ذلك في أوائله، إذ يقول: "ومن طريف ما أودعته إياه بغاية الاستقصاء ونهاية الاستقراء وإجادة التعبير والتأنق في محاسن التحبير, الممدود والمقصور والتأنيث والتذكير وما يجيء من الأسماء والأفعال على بناءين وثلاثة فصاعدا, وما يُبْدَل من حروف الجر بعضها مكان بعض". وتعنى الجامعة العربية الآن بنشر معجمه المسمى بالمحكم المرتب حسب مخارج الحروف على طريقة معجم العين للخليل، وهو في نحو عشرين مجلدا، ويصرح في فواتحه بما أضاف إليه من مواد نحوية كثيرة، يقول: "أما ما نثرت عليه من كتب النحويين المتأخرين المتضمنة لتعليل اللغة, فكتب أبي علي الفارسي: الحلبيات والبغداديات والأهوازيات والتذكرة والحجة والأغفال والإيضاح ... وكتب أبي الفتح عثمان بن جني كالمُعرب والتمام وشرحه لشعر المتنبي والخصائص وسر الصناعة والتعاقب والمحتسب". وفي ذلك الدلالة البينة على أننا لا نصل إلى ابن سيده حتى ينغمس نحاة الأندلس في النحو البغدادي بجانب انغماسهم في النحو البصري والكوفي، ويكون ذلك إيذانا بأن تتضح شخصيتهم في النحو ودراساته، فقد تعمقوا في مصنفاته على مر العصور وتعمقوا في اتجاهاته.

стр. 308

٢- في اتجاه المدرسة البغدادية, وكثرة التعليلات والآراء: أخذت دراسة النحو تزدهر في الأندلس منذ عصر ملوك الطوائف، فإذا نُحاتها يخالطون جميع النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، وإذا هم ينتهجون نهج الأخيرين من الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة، ويضيفون إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين وخاصة أبا علي الفارسي وابن جني. ولا

стр. 309

يكتفون بذلك، بل يسيرون في اتجاههم من كثرة التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة، وبذلك يتيحون لمنهج البغداديين ضروبا من الخصب والنماء. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن الأعلم١ الشنتمري المتوفى سنة ٤٧٦ للهجرة هو أول من نهج لنحاة الأندلس في قوة هذا الاتجاه، فقد كان لا يكتفي في الأحكام النحوية بالعلل الأولى التي يدور عليها الحكم مثل أن كل مبتدأ مرفوع، بل كان يطلب علة ثانية لمثل هذا الحكم يوضح بها لماذا رُفع المبتدأ ولم ينصب، يقول ابن مضاء: "وكان الأعلم ﵀ على بصره بالنحو, مولعا بهذه العلل الثواني، ويرى أنه إذا استنبط منها شيئا فقد ظفر بطائل"٢. وكان ما يزال يختار لنفسه من آراء البصريين والكوفيين والبغداديين، من ذلك اختياره رأي السيرافي البصري في أن "مِنْ" تأتي مرادفة لربما إذا اتصلت بما، وبذلك خرّجا عبارة سيبويه في الكتاب: "واعلم أنهم مما يحذفون كذا"٣. ومن ذلك اختياره رأي الفراء إمام الكوفة في أن الفاء قد تزاد في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا فقط مثل: "زيد فكلمْه" و"زيد فلا تكلمْه"٤. وكان يخِّرج ما ذهب إليه الكسائي من أن العرب تقول: "فإذا هو إياها" في مثل العبارة: "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور, فإذا هو هي" على أن إياها مفعول مطلق، والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ثم حذف الفعل كما تقول: "ما زيد إلا شُرْبَ الإبل" ثم حذف المضاف٥, وواضح ما في ذلك من تقدير بعيد. وكان بعض النحاة يذهب إلى أن رَحْمانا في مثل: "تبارك رحمانا" تمييز، وذهب الأعلم إلى أنه عَلَم منصوب بإضمار أخص، وصوب رأيه ابن هشام٦. وكان يذهب إلى أن الاستئناف مع الفاء العاطفة قد يكون على معنى السببية، فينتفي الثاني لانتفاء الأول، وبذلك خرّج قراءة السبعة: ﴿لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فالفاء فاء الاستئناف والفعل وراءها منفي لا مثبت٧. وكان سيبويه -وتبعه المبرد وابن السراج وهشام

стр. 310

من الكوفيين- يمنع العطف على معمولي عاملين مثل: "في الدار زيد والحجرةِ عمرو", و"في الدار زيد وعمرو الحجرةِ" بعطف الحجرة على الدار بالجر وعمرو على زيد بالرفع. وأجاز ذلك الأخفش والكسائي والفراء والزجاج من البصريين. وفصَّل القاعدة الأعلم، فقال: إن ولي المخفوض حرف العطف كالمثال الأول جاز؛ لمجيئه في السماع، ولأن المتعاطفات تعادلت فيه، وإلا امتنع كما في المثال الثاني١. ونرى الأعلم يشرح كتاب الجمل للزجاجي البغدادي، وروايته للدواوين الستة الجاهلية: دواوين امرئ القيس, وزهير، والنابغة، وعلقمة، وطرفة، وعنترة مسندة إلى الأصمعي مشهورة. وأهم من ذلك أنه روى كتاب سيبويه عن ابن الإفليلي، وأقرأه لطلابه مبصرا لهم بدقائقه، مذللا صعابه، محللا مشاكله تحليلا واسعا. ويتوافر الأندلسيون من حوله ومن بعده على هذا الكتاب حتى يشتهر في العالم العربي أن بيئة عربية لا تبلغ بيئة الأندلس في تحرير نصه وكشف غوامضه، مما جعل الزمخشري يرحل في شبيبته من خوارزم إلى مكة لقراءته على نحوي أندلسي كان مجاورا بها هو عبد٢ الله بن طلحة المتوفى سنة ٥١٨ للهجرة. وكان يعاصره ثلاثة من أعلام النحاة الأندلسيين عاشوا جميعا في عصر المرابطين، وهم: أبو محمد بن السيد, وابن الباذش, وابن الطَّرَاوة. أما ابن٣ السيد فهو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوس النحوي المتوفى سنة ٥٢١, كان يقرئ الطلاب في قرطبة ثم في بلنسية النحو، وعُني بكتاب الجمل للزجاجي، فكتب كتابا في إصلاح الخلل الواقع فيه بسبب إيجازه الشديد وآخر في شرح أبياته. وصنف في النحو كتابا سماه "المسائل والأجوبة"٤. وتدور له في كتب النحاة آراء مختلفة، منها ما يتابع فيه سيبويه مثل أن ما إذا

стр. 311

اتصلت بقلّ كفَّتْها عن العمل ولا تدخل حينئذ إلا على جملة فعلية، أما ظهور الفاعل بعدها في بعض الأشعار فضرورة١. ومنها ما يتابع فيه الكوفيين مثل أن "كأنّ" لا تفيد التشبيه إلا إذا كان خبرها جامدا مثل: كأن محمدا أسد٢. وكان يتابع الكسائي في أن زيدا في مثل: "أنا زيد ضربته" يجوز فيها الرفع والنصب على الاشتغال٣. وتابع ابن جني في أن الرجل في مثل: "مرت بهذا الرجل" عطف بيان لا نعت٤. ومما انفرد به عن سابقيه من النحاة أن "حتى" لا تعطف المفردات فقط بل تعطف أيضا الجمل مثل: "سَرَيْت حتى تكلُّ المطايا" برفع تكل٥. ومن آرائه الدقيقة أن "ما" تقع صفة للتعظيم كقولهم: "لأمر ما يسود من يسود" أي: لأمر عظيم, ومنه: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٦. وكان يكثر من التخريجات في الإعراب، من ذلك ذهابه إلى أن ما بعد إلا في مثل: "ما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا خالدا أحد" يجوز فيه أربعة أوجه: النصب على الاستثناء كما نص عليه النحويون، والنصب على الحال، وجعل الأول حالا وما يليه استثناء، والعكس٧. وخطّأ من يعرب ﴿أَنِ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مصدرية وهي وما بعدها عطف بيان من الضمير في ﴿بِهِ﴾ ؛ لأن الضمير لا ينعت ولا يعطف عليه عطف بيان، إنما هي في الآية تفسيرية للقول على تأويله بالأمر٨. وابن٩ الباذش هو علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي المتوفى سنة ٥٢٨هـ, كان ذا معرفة واسعة بعلم العربية، وصنف شروحا على كتب مختلفة للبصريين والبغداديين مثل كتاب سيبويه وكتاب المقتضب للمبرد وأصول ابن السراج وجمل الزجاجي وإيضاح الفارسي. ومما ذهب فيه مذهب سيبويه أنه

стр. 312

لا يجوز حذف المفاعيل الثلاثة في باب أعلم لغير دليل١. وكان يذهب مذهب السيرافي البصري في أن "غير" في مثل: "قام القوم غير علي" منصوبة على التشبيه بظرف المكان٢. وذهب مذهب أبي علي الفارسي في أن ناصب المفعول معه في مثل: "قمت وطلوعَ الشمس" هو الفعل معدى إليه بواسطة الواو٣. وكان يأخذ برأي ابن جني في أن "إذ" في مثل: "فبينما العسر إذ دارت مياسيرُ" ظرف عامله الفعل التالي له، وعامل بينما محذوف يفسره الفعل المذكور٤. وذهب كثير من النحاة إلى أن المخصوص في مثل: "نعم الرجل محمد" يجوز أن يكون خبرا ومبتدؤه محذوف، وحتم أن يكون المخصوص مبتدأ وما قبله خبرا، ويقول ابن هشام: إنه ظاهر قول سيبويه٥. ومما خالف فيه سابقيه من النحاة ذهابه إلى أن لام المستغاث لأجله في مثل: "يا لزيد لعمرو" متعلقة باسم محذوف تقديره: مدعوًّا لعمرو، وكان ابن جني يذهب إلى أنها متعلقة مع مجرورها بيا٦. وكان يذهب إلى أن المضارع في مثل: "الهندان هما تفعلان" يجوز فيه التذكير والتأنيث, أو بعبارة أخرى: أن يبدأ بالتاء أو الياء حملا على اللفظ أو المعنى٧. أما ابن٨ الطراوة فهو سليمان بن محمد بن الطراوة, المتوفى سنة ٥٢٨هـ, وهو نحوي مدينة المرية وتلميذ الأعلم الشنتمري، كان علما في العربية لعصره وتجوَّل في مدن الأندلس معلما يقبل عليه الطلاب من كل فج، ومن مصنفاته في النحو المقدمات على كتاب سيبويه. ويبدو أنه كان يقابله كثيرا على كتب الكوفيين والبغداديين منحازا إليهما، أو بعبارة أدق: متوسعا في الاختيار من آرائهما. ومما اختاره من مذهب الكوفيين أن المعرفة أصل والنكرة فرع، وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى العكس٩. وذهب البصريون إلى أنه إذا تصدرت في الجملة ظن وأخواتها لا يجوز إلغاء عملها بدون موجب للإلغاء، وجوز ذلك الكوفيون والأخفش

стр. 313

وتابعهم ابن الطراوة, إلا أن الإعمال عنده أحسن، واستدلوا بمثل قول القائل: وما إخال لدينا منك تنويل١ واشترط البصريون تنكير التمييز وذهب الكوفيون وتابعهم ابن الطراوة إلى أنه يجوز أن يكون معرفة؛ لمجيء ذلك في الشعر والنثر، مثل: "وطبتَ النفسَ يا قيس بن عمرو" وقول العرب: سفه زيد نفسه٢. وذهب البصريون إلى أن "رب" حرف تقليل، وذهب الكوفيون وتابعهم ابن الطراوة، إلى أنها اسم مبني؛ لأنها في التقليل مثل "كم" في التكثير وهي اسم بالإجماع٣. ومما اختاره من آراء الفارسي أن أبا في قولهم "لا أبا لك" مفردة جاءت على لغة القصر والمجرور باللام هو الخبر٤، وأن "على" التي ذهب الجمهور إلى أنها حرف جر هي اسم معرب؛ لأنه لا يظهر فيها علامة البناء من شبه الحرف، إذ لا حرف في معناها٥. وعلى ضوء من فكرة التضمين التي أطال ابن جني القول فيها وجّه مجيء استغفر متعدية إلى مفعول واحد في قولك: "استغفرت الله من الذنب" لتضمنها معنى استتبت٦. وله آراء مختلفة تفرد بها مخالفا النحاة، من ذلك أن ضمير الشأن في مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و"إنه محمد مسافر" حرف وليس اسما٧، وأن أيا في مثل قوله جل شأنه: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ مبنية لاقتطاعها عن الإضافة، و"هم أشد" مبتدأ وخبر، والنحاة يجمعون على أن أيا إذا اقتُطعت عن الإضافة أُعربت٨. ومما خالف فيه النحاة أن قعودا في مثل "قعد قعودا" ليست مفعولا مطلقا، وإنما هي مفعول به لفعل محذوف لا يجوز إظهاره٩، وأن جواب لولا في مثل: "لولا علي لسافرت" هو خبر المبتدأ التالي لها١٠. وكان يذهب إلى أن عسى ليست من النواسخ١١. ويكثر في عصر الموحدين النحاة الذين عُنُوا بشرح كتاب سيبويه

стр. 314

وإقرائه للطلاب وفكّ معميّاته مثل ابن١ الرماك المتوفى سنة ٥٤١ لأول عهد الموحدين بالأندلس، وهو تلميذ ابن الطراوة، ومثل الأقليشي٢ المتوفى سنة ٥٥٠ تلميذ أبي محمد بن السيد، ومثل جابر٣ الإشبيلي الحضرمي المتوفى سنة ٥٩٦ تلميذ ابن الرماك، وتلميذه أبي بكر محمد٤ بن طلحة المتوفى سنة ٦١٨ وكان يميل إلى آراء ابن الطراوة ويحتجّ لها. وأنبه من هؤلاء أبو بكر بن طاهر وأبو القاسم السهيلي والجزولي وابن خروف، ولا نمضي في القرن السابع الهجري طويلا حتى يظهر عمر بن محمد الشلوبين, وابن هشام الخضراوي. وابن٥ طاهر هو محمد بن أحمد بن طاهر المتوفى في عشر الثمانين وخمسمائة، وهو تلميذ ابن الرماك، اشتهر بتدريسه لكتاب سيبويه، وله عليه حواشٍ اعتمدها تلميذه ابن خروف في شرحه للكتاب، وله أيضا تعليق على كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي. وله اختيارات مختلفة من مذاهب النحاة السابقين، من ذلك اختياره رأي سيبويه وابن الباذش في أنه لا يجوز حذف أحد مفاعيل أعلم بدون دليل٦، واختار رأي السيرافي والأعلم الشنتمري في أن "مما" قد تأتي مرادفة لربما٧، وكذلك رأي السيرافي في أنه يجوز أن يعمل الفعل في مصدرين: مؤكد ومبين مثل: "ضربت ضربتين ضربا شديدا"٨. وكان الكوفيون يذهبون إلى أنه لا تقدير مع الظرف في مثل: "محمد عندك" وأنه منصوب على الخلاف بينما قدره البصريون متعلقا بفعل أو اسم محذوف، وذهب ابن طاهر إلى أنه لا تقدير فيه إلا أنه جعل ناصبه المبتدأ لا المتعلق المحذوف٩. وكان يذهب مذهب أبي علي الفارسي في أن نون المثنى وجمع المذكر السالم عوض عن التنوين والحركة في المفرد١٠،

стр. 315

وكذلك في أنه إذا اجتمع معرفتان في باب كان فأيتهما شئت جعلتها الاسم والثانية الخبر١. ومما انفرد به أن الشر في مثل: "إياك والشرَّ" منصوب بفعل محذوف تقديره: احذر الشر٢، وأنه إذا أضيفت "ويح" لزمت النصب، وإذا أفردت في مثل: "ويح له" جاز فيها الرفع والنصب مع قوة الأول وضعف الثاني؛ لأنها مصدر لا فعل له٣. أما السهيلي٤ فهو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الضرير صاحب كتاب الروض الأنف في شرح السيرة النبوية المتوفى سنة ٥٨١ للهجرة، وهو تلميذ ابن الطراوة وابن طاهر. وكان بارعا في العربية والتفسير وعلم الكلام. ومن كتبه المتصلة بالدراسات النحوية كتابه "نتائج الفكر" واشتهر بأنه صاحب استنباطات دقيقة, وأنه كان يشغف بالعلل النحوية واختراعها على شاكلة الأعلم الشنتمري حتى ليقول ابن مضاء: إنه كان يولع بها ويخترعها ويعتقد ذلك كمالا في الصنعة وبَصَرا بها٥. وتدور له في كتب النحو اختيارات مختلفة من مذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين، من ذلك أنه كان يرى رأي المبرد في أن التعدية بالباء الجارة تخالف التعدية بالهمزة، فإذا قلت: "ذهبت بزيد" كنت مصاحبا له في الذهاب بخلاف قولك: "أذهبت زيدا" معديا للفعل ذهب بالهمزة٦. وكان يذهب مذهب ابن درستويه البصري في أن نائب الفاعل في مثل: "مر بزيد" ليس الجار والمجرور وإنما هو ضمير مستتر عائد على المصدر المفهوم من الفعل والتقدير "مر هو" أي: المرور٧. وكان يذهب مذهب الكسائي وهشام في أن فاعل الفعل الأول في مثل: "ضربني وضربت زيدا" محذوف٨, وكان ينكر مع الفراء أن تأتي الحال مؤكدة وأنها في مثل: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ مبنية لا مؤكدة٩. ومما ذهب

стр. 316

فيه مذهب الكوفيين أن إِنَّ وأخواتها لا تعمل في الخبر، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها عليه، وكان يحتج لذلك بأنها أضعف من الأفعال فلا تعمل عملها١. وكأن يأخذ برأي الكوفيين والبغداديين جميعا في أن النكرة لا يجوز أن تبدل من المعرفة إلا إذا وُصفت مثل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ محتجا بأنها إن لم توصف لم تُفِد أي فائدة مثل: "مررت بزيد برجل"٢. ومن آرائه التي كان يتابع فيها سيبويه أن "أَنَّ" المفتوحة وما بعدها لا تؤول بمصدر وإنما تؤول بالحديث بخلاف أن الناصبة للمضارع فإنها تؤول معه بمصدر٣. وكان ينكر أن مفعولي ظن وأخواتها أصلهما مبتدأ وخبر٤، وكان يذهب إلى أن مهما قد تأتي حرفا كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفَى على الناس تعلم مستدلا بأنها في البيت لا محل لها لأن "تكن" معها اسمها وخبرها٥. وذهب إلى أن "لا" العاطفة إنما تقع بين متعاندين مثل: "جاء رجل لا امرأة"، بخلاف: "جاء رجل لا زيد" لصدق اسم الرجل عليه٦، كما ذهب إلى أن الاستفهام التقريري في مثل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ خبر موجب٧. وكان يرى أنه يحسن عطف الاسم على الفعل مثل: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ويقبح العكس أي: عطف الفعل على الاسم٨, وذهب إلى أن لا الناهية في مثل: لا تضربْ هي النافية والفعل مجزوم بلام مقدرة٩، وهو تكلف واضح، كما ذهب إلى أن أصل "الذي" ذو بمعنى صاحب، يقول السيوطي: "قدر لذلك تقديرات في غاية التعسف والتكلف"١٠. وعيسى١١ الجزولي المتوفى سنة ٦٠٧, مغربي من قبيلة جزولة البربرية، حج

стр. 317

فلزم ابن بري نحوي مصر وعاد فنزل الأندلس وتصدَّر للإقراء بالمرية وغيرها من مدن الأندلس وتتلمذ عليه هناك جماعة منهم الشلوبين. وله المقدمة المشهورة في النحو وهي حواشٍ على كتاب الجمل للزجاجي أفادها من مباحث كانت تثار في مجلس أستاذه ابن بري، ومن أجل ذلك كان لا ينسبها إلى نفسه. وكان يذهب مع ابن السراج البصري إلى أنه لا يجوز تقدم المفعول به على الفاعل إذا حصل لبس مثل: "كلم موسى عيسى"١. وذهب مع أبي علي الفارسي وابن طاهر إلى أن نون المثنى والجمع المذكر عوض عن الحركة والتنوين في المفرد٢. وكان يرى أنه يجب أن يتحول المفعول الأول إلى نائب فاعل ولا تصح نيابة المفعول الثاني٣، كما كان يرى أنه يصح حذف نون الوقاية في من وعن، فيقال: "منِي وعنِي" بالتخفيف٤. أما ابن٥ خروف فهو علي بن يوسف بن خروف القرطبي المتوفى سنة ٦٠٩ للهجرة، كان إماما في العربية, أخذ النحو عن ابن طاهر وأقرأه في موطنه، ورحل عنه إلى المغرب، وأخذ يطوف في البلدان العربية حتى ألقى عصاه بحلب. واشتهر بمناظراته في العربية مع السهيلي، وبشرحه لكتاب سيبويه وكتاب الجمل للزجاجي. وله اختيارات كثيرة وخاصة من مذاهب البصريين. من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "ما" تأتي معرفة تامة ونقله عن سيبويه، وبذلك كان يجعلها فاعلا لنعم في مثل: "دققته دقا نِعمَّا" والتقدير: نعم الدق٦. وكان يذهب مذهب سيبويه وأستاذه ابن طاهر وابن الباذش في أنه لا يجوز حذف أحد مفاعيل أعلم وأرى بدون دليل٧. وذهب مذهب سيبويه والمبرد في أن نباتا في مثل: "أنبت الزرع نباتا" منصوب بفعل المصدر الجاري عليه وهو نبت مضمرا والفعل الظاهر دليل عليه٨. وكان يذهب مذهب المبرد في أن لام المستغاث زائدة بدليل صحة إسقاطها فتقول: "يا لزيد لعمرو" و"يا زيد لعمرو"٩.

стр. 318

وذهب مذهب السيرافي في أن "كان" إذا بُنيت للمجهول حُذف اسمها وخبرها وأُقيم مقام مرفوعها ضمير مصدرها١، واختار رأيه في أن "ماذا" في مثل: "انظر ماذا صنعت؟ " اسم موصول بمعنى الذي٢. وتبع الكوفيين وأستاذه ابن طاهر في أن ناصب الظرف في مثل: "زيد عندك" هو المبتدأ لا عامل محذوف٣. وكان يذهب إلى أن "أما" التي بمعنى حقا في مثل: "أما أنه شاعر" حرف٤، وجوز أن تكون الجملة التعجبية صلة للموصول مثل: "جاء الذي ما أكرمه"٥. وكان يرى أن عامل الحال في الجملة الاسمية المبتدأ نحو: "هو علي شاعرا"٦ وأن موضع ما خلا في مثل: "قام القوم ما خلا محمدا" نصب على الاستثناء مثل غير٧، وأنه يجوز في "لا سيما زيد" أن تكون ما نكرة موصوفة، وزيد خبرا لمبتدأ محذوف والجملة صفة٨ لها، كما يجوز في التمييز التالي لكأين في مثل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ أن يكون منصوبا أو مجرورا بمن كما في الآية أو بغيرها٩. أما الشلوبين١٠ فهو عمر بن محمد المكنى بأبي علي المتوفى سنة ٦٤٥ للهجرة, تلميذ السهيلي والجزولي. كان إمام عصره في العربية غير مدافع، أقرأ نحو ستين سنة، وبرع في تلاميذه جِلَّة من النحاة، وله تعليق على كتاب سيبويه وشرحان على الجزولية ومصنف في النحو سماه التوطئة. وهو مثل أسلافه تارة يقف مع سيبويه والبصريين وتارة يقف مع النحاة الآخرين من موطنه وغير موطنه. ونراه يحتجّ لرأي سيبويه في أن النكرة أصل والمعرفة فرع قائلا: إنه نظر إلى حال الوجود إذ الأجناس هي الأُوَل ثم الأنواع١١، أو بعبارة أخرى: النكرات تكون أولا ثم تكون المعارف. وكان يأخذ برأي الرماني في أن خبر المبتدأ بعد لولا إذا كان

стр. 319

كونا عاما حذف، وإذا كان كونا خاصا وجب ذكره كما جاء في الأثر: "لولا قومكِ حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة"١. وكان يذهب مذهب يونس في أن ما بعد إلا في مثل: "محمد إلا قائم" يجوز فيه النصب مطلقا٢. واختار رأي الأعلم الشنتمري في أن إياها في مثل: "فإذا هو إياها" مفعول مطلق على نحو ما مر بنا من توجيه الشنتمري٣، كما اختار رأي ابن خروف في أن "ما خلا" الاستثنائية موضعها نصب على الاستثناء لا حال كما ذهب السيرافي٤. وله آراء كثيرة انفرد بها، من ذلك أن إذ في مثل: "فبينما العسر إذ دارت مياسير" ظرف زمان وعاملها محذوف يدل عليه الكلام٥. وكان يذهب إلى أن عيونا في مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ليست تمييزا، وإنما هي حال٦. وذهب إلى أن "لو" لا تفيد الامتناع بوجه٧، وأن مثل ميل وفرسخ ليس ظرفا مبهما لأن المبهم ما ليست له حدود محصورة٨. وكان يرى أن الجملة المفسرة محلها محل الجملة التي تفسرها؛ لأنها عطف بيان منها أو بدل٩، كما كان يرى أن أصل ليس وما لنفي الحال ما لم يكن الخبر مخصوصا بزمان, فإنهما يكونان حينئذ بحسبه من المضي والحال والاستقبال مثل: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ , ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١٠. وابن١١ هشام الخضراوي هو أبو عبد الله محمد بن يحيى الخزرجي الأندلسي المتوفى بتونس سنة ٦٤٦ تلميذ ابن خروف، كان إماما مقدما في العربية عاكفا على تعليمها. وله شرح على إيضاح الفارسي وشرح على أبياته، وصنف فصل المقال في أبنية الأفعال، كما صنف النقض على الممتع لابن عصفور. وله آراء نحوية مختلفة في المغني والهمع يتفق في طائفة منها مع البصريين أو الكوفيين أو سابقيه

стр. 320

من الأندلسيين وفي طائفة أخرى يستقل عنهم جميعا، فمن ذلك استظهاره أن تكون "حتى" الناصبة للمضارع مرادفة أحيانا لإلا، أخذا من قول سيبويه في تفسير "والله لا أفعل إلا أن تفعل": المعنى: حتى أن تفعل١. ومن ذلك موافقته الكوفيين في تثنية المركب المزجي مثل بعلبك وجمعه٢. وكان يتفق مع الشلوبين في أن "لو" الشرطية لا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب، إنما تدل على التعليق في الماضي كما دلت "إن" على التعليق في المستقبل٣. وكان يذهب إلى أن لو التي للتمني في مثل: "لو تأتيني فتحدثني" ليست شرطية، وإنما هي قسم برأسها ولا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت٤. وذهب إلى أن "حتى العاطفة" يتحتم أن يكون معطوفها ظاهرا لا مضمرا كما أن ذلك شرط مجرورها٥. وكان يرى أن ما في "لا سيما" زائدة لازمة لا تحذف ألبتة٦. وحري بنا الآن أن نخص نحويين كبيرين هما ابن مضاء وابن عصفور بكلمتين أكثر تفصيلا. ابن ٧ مضاء: هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي المتوفى سنة ٥٩٢ للهجرة، أخذ عن ابن الرماك كتاب سيبويه، وكان حجة في الفقه الظاهري والحديث النبوي، فولاه الموحدون قضاء فاس، ثم ولوه قضاء الجماعة، وكان طبيعيا أن يحمل حملتهم على أصحاب المذاهب الفقهية: المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية لما ملئوا به كتبهم من فروع، بل لقد تحولوا بحملتهم إلى ما يشبه ثورة عنيفة. فإذا هم يأمرون بإحراق كثير من تلك الكتب وحمل الناس في دولتهم بالمغرب والأندلس على المذهب الظاهري الذي يرفض
следующие страницы →