ولا يحتاجون إلّا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة وفي غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي, وفي أتمِّ ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يطالب بها غيره, ومن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية, كما أنَّ تعاليم الإسلام تجعل المرء يشعر ويحسّ بمسئوليته أمام الله تعالى, وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى, التي لا تصل إليها أيّ قوة غير قوة مراقبة الله تعالى, التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه ومعاملته لإخوانه المسلمين, بل ومع غير المسلمين في تنظيمٍ بديع لن يصل إليه, بل ولن يقاربه أيّ تنظيم بشري هو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى, وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه, وسلوك ينتج عن غيره, فما مِنْ شخص يزعم أنَّ الديمقراطية هي التي تحقق السعادة للشعوب, أو أنها أرحم من التعاليم الربانية, ما من شخص يزعم ذلك إلّا وتجده إمَّا جاهلًا جهلًا مركبًا, وإمَّا ملحدًا لا يعرف عن حقيقة الإسلام شيئًا, أو مخدوعًا بشعارات الديمقراطية البرَّاقة, لم يتعظ بما يشاهده من حال بلدان دعاة الديمقراطية, كما نجد كذلك أن تعاليم الإسلام لا تجيز الفصل بين الدين والدولة, بل الدين الإسلامي هو الشامل والمهيمن على كل أمور الحياة, وما لم تصدر عنه فإنها تعتبر من الضلال, ومن اتخاذ البشر بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله تعالى, بينما تعاليم الديمقراطية قائمة على الفصل بينهما, فرجال الدين مهمتهم تنحصر في أماكن العبادة والمواعظ الدينية ونحو ذلك, ورجال الدنيا لا حدَّ لمهمَّاتهم, فهم المشرِّعون والمنفِّذون, ومعنى هذا أن الإسلام والديمقراطية الغربية ضدان هنا, فإين التوافق الذي يدعيه المغالطون.
стр. 107
كما أنّ الديمقراطية لا تعتمد الحكم بما أنزل الله وتنفر منه؛ لأنها في الغرب قامت من أوّل يوم على محاربة الأديان, وكل شيء يتصل بها, وأن الحكم فيها يجب أن يتمَّ على تشريع الشعوب والبرلمانات ورؤساء الدول, وقوانينهم مقدَّمة على الحكم بما أنزل الله تعالى, بينما الإسلام يعتبر هذا خروجًا عن الدين وكفرًا ومحادَّة لله وردًّا لشرعه, خصوصًا مِمَّن يعلم هذا الحق ولكنه يرفضه ويفضل حكم الجاهلية عليه, كما أن في الديمقراطية الوصول إلى الحكم مشاع لكل أحد؛ من حق المرأة أن تصل إلى القضاء والتمثيل الدبلوماسي والجندية والرئاسة وغير ذلك, بينما الإسلام يجعل الشخص المناسب في المكان المناسب, فجعل للرجال مجالات وجعل للنساء مجالات أخرى تناسبها, ولهذا فإنّنَا نجده لم يجز للمرأة أن تتولّى الإمامة العظمى لأمور كثيرة تذكر في كتب العلم, ولا يجوز لها مزاحمة الرجال في حق الانتخابات.
- في الديمقراطية لا حرج في أن يتولّى الحكم أفسق الفاسقين وأكفر الناس, لا حرج أن يتولَّى الحكم على المسلمين وغيرهم ما دام قد فاز -كما يصفون- في الانتخابات, بينما الإسلام لا يبيح للكافر أن يحكم المسلم أو يشاركه في الحكم, ولا يجيز كذلك للمسلمين أن يولّوا ابتداءً شخصًا معروفًا بالفسق والفجور, بل عليهم أن يختاروا أصلح الموجودين, وأن يجتهدوا في ذلك ما أمكن.
- في الديمقراطية الشورى تتمَّ عن مشاورة عامَّة الشعب دون تخصيص أهل الرأي والعلم, فتحصل فوضى وتدخلات الأهواء, ويصبح الحق ما نادت به الأكثرية خيرًا كان أم شرًّا، بينما الشورى في الإسلام تعتمد على مجموعة هم أفاضل الناس وفقهائهم -كما سيأتي تفصيل هذا.
стр. 108
- في الديمقراطية لا حدود أخلاقية لحرية الفرد والجماعة, ولا مكان للفضيلة, ولا حاجز عن الفواحش وسوء المعاملات والكفر الصريح في الديمقراطية تحت مسميات عديدة: حرية الكلمة, والحرية الشخصية، حرية الفكر، حرية التملك، حرية التدين ... إلخ.
بينما الإسلام يجعل للحرية طريقًا واضحًا يحقق مصلحة الفرد والمجتمع في آنٍ واحد؛ بحيث لا تختلط الحريات الفوضوية الظالمة بالحرية الحقيقية التي تحقِّق مصلحة الجميع وتؤلف بين القلوب.
- في الديمقراطية الحثّ على تفرق الناس, وقيام الأحزاب المختلفة, ومعارضة بعضهم بعضًا, ونشوب المكائد بعد ذلك, واحتقار وسب بعضهم بعضًا, وصار مثلهم كمثل اليهود والنصارى فيما أخبر الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١.
فإن كان حزب يهوّن شأن الحزب الآخر, ولا يهتم كل حزب إلّا بكيف يكسب أصوات الناخبين, ومن هنا تكثر الوعود الكاذبة والتنجيح بكثرة الإنجازات التي ستتم حينما يتولَّى الحكم فلان، بينما الإسلام لا يأمر بذلك, بل ينهى عن التفرُّق والكذب والخداع, ويأمر بالحب في الله والبغض فيه, والعمل لمصلحة الإنسان لنفسه ولغيره, واحتساب الأجر عند الله في تحمُّل المسئولية وفي أدائها, وهذا ما تفتقده الديمقراطية الغربية.
стр. 109
الفصل السادس: هل المسلمون في حاجة إلى الديمقراطية الغربية ؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير من قِبَلِ أيّ مسلم لم تدنّس فطرته الشبهات، لقد قامت الحياة في الدول الغربية على المناداة بالديمقراطية سلوكًا ومنهجًا في كل شئون حياتهم, وصار كل سياسي يتباهى بتطبيقها, والرغبة في تصديرها, والواقع أنه قد يكون للغرب ما يبرر كل هذا السلوك؛ لأنهم ليسوا على شيء, فلم يعرفوا من النظم إلّا هذا النظام الذي اكتشفوه وفرحوا به لعدم معرفتهم بما هو أفضل منه, وهو الشرع الحنيف الذي أكمله الله ورضيه لنفسه ولعباده دينًا وسلوكًا, وإذا كان للغرب والنظم الجاهلية ما يبرر هذا السلوك, فإنه لا مبرّر لانسياق الكثير من النظم الإسلامية ومن بعض المفكرين من المسلمين إلى اتِّباع أولئك, بعد أن منَّ الله عليهم بأفضل دين وأكمله, وأفضل نظام اجتماعي وأعدله ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢, وإحكامه غاية العدل ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢. يتركون هذا المعنى الفيَّاض ثُمَّ ينساقون إلى نظام ثَبَتَ فَشَلُه, ويتركون نظامًا صالحًا إلى يوم القيامة, مضى عليه سلفهم فكانوا مصابيح الدُّجَى ومشارق الأنوار.
стр. 110
إن الشرع الإسلامي يستهوي بعدله ورحمته وشموله حتى أعداء الإسلام, فإذا بهم ينساقون إليه مذعنين, بل ويصبحون من جنوده البواسل حينما قارنوا بين ما جاء في الإسلام وبين النظم الجاهلية التي تقود البشر من شقاء إلى شقاء؛ لأنها من صنع البشر الذين قصرت أفهامهم, والتبست عليهم الأمور, وهؤلاء حُجَّة على أولئك الهاربين إلى الديمقراطية دون أن يعلموا شيئًا عن الإسلام وعن تعاليمه الشاملة, لقد انبهر الكثير من المسلمين ببريق الحضارة الغربية وصناعاتها المادية, فظنوا أنّ ذلك إنما هو بسبب ما عندهم من الأنظمة, ولم يفطنوا إلى أنَّ سبب ذلك إنما يعود إلى نشاط الغرب وشحذ هممهم وإصرارهم على اكتشاف خيرات الأرض والاستفادة منها, وطرقهم لآلاف التجارب دون كلل أو ملل مهما واجهتهم من المصاعب, كلما فشلوا في تجربة صناعية زادهم ذلك إصرارًا على إعادة الكَرَّة, والله لا يضيع عمل عاملٍ من ذكر أو أنثى, فأعطاهم الله من الدنيا على قدر عزمهم, بينما المنتظرون من المسلمين للحضارة الغربية يغطُّون في سباتهم، فلمَّا أفاقوا على هدير مصانع الغرب وإنتاجهم ألقوا باللائمة على الإسلام ظلمًا وزورًا, وظنُّوا أن هذا التبرير يبقي على ماء وجوههم, فإذا بهم لا ظهرًا أبقوا ولا أرضًا قطعوا, فلا هم بقوا على إسلامهم وتلافوا أخطاءهم، ولا هم لحقوا بالدول الغربية في إنتاجها المادي, وكان يجب عليهم أن يعرفوا أن الإسلام الذي عاش عليه ملايين البشر في القرون الغابرة على أحسن حال وأعدل نظام لا يزال كذلك على مَرِّ الدهور عاش عليه البشر قبل أن يظهر قرن الديمقراطية التي يريدون إحلالها محله, والتي قامت من أوّل أمرها على محاربة الدين وخداع الجماهير للوصول إلى الحكم بأي ثمن يكون, واعتبار ذلك فوزًا أو مغنمًا, بينما الإسلام لا
стр. 111
يجيز الخداع ولا النفاق, ولا يجيز الاحتيال على الناس وابتزازهم, لا في دينهم ولا في دنياهم, بل يعتبر الوصول إلى سدة الحكم أمانة عظيمة حملها ثقيل ومزالقهاخطيرة, ولا يعتبر الوصول إليه فوزًا كما نسمعه في تطالب الديمقراطيين للوصول إلى الحكم, فتذكَّر أخي القارئ ما قاله أبو بكر ﵁ حينما ولي الخلافة: "لقد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم, فإن أحسنت فأعينوني, وإن أعوججت فقومني"، وكان عمر دائم التأوُّه من حمل ثقل الخلافة, وكان أسلافنا من أعلام الإسلام يفِرُّ أحدهم من أخذ الحكم, كما يفِرُّ أحدنا من الأسد أو أشد, لا جهلًا به ولا خوفًا من مشقته, إنما هو الخوف من الله أن يقع فيما لا يوافق الحق, فإذا تَمَّ انتخاب الخليفة أسدوا إليه النصحية وآزروه, راضين مطمئنين بحكمه, لا يجوزون عصيانه ولا الخروج عليه, ولا تشكيل حزب معارض له ما دام يشهد الشهادتين ويطبق أحكام الإسلام, حتى وإن كانت له معاصي وكبائر, فهو محل طاعتهم, وأمره إلى الله مع محاولتهم بيان الحقّ وإسداء النصحية له.
حتى إذا جاءت الديمقراطية فإذا بأقطابها يتهارشون عليها ويخادعون الناس وينافقون, ويعدون بما لا يفعلون -وإذا بالناس غير الناس والقلوب غير القلوب- وكأنَّ حال الإسلام والمسلمين يقول:
ذهب الذين إذا رآوني مقبلًا ... هشوا إليَّ ورحبوا المقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلام تهارشت في المنزل
إن الحاكم في الإسلام مؤتَمَن مصالح المسلمين, وليس له أكثر من كونه منفذًا لا مشرعًا؛ لأن التشريع إنما هو لله , وبذا يضمن الحاكم
стр. 112
والمحكوم على حد سواء الخوف من الوقوع في الجور, أو انتشار الفساد, وتفكك المجتمع, والفرقة التي تنشأ في الغالب من البعد عن هدي الله وهدي نبيه الكريم -صلوات الله وسلامه عليه, وهذا بخلاف الديمقراطية التي يكون الحاكم فيها مشرِّعًا من دون الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٣.
فإذا طبَّق الشعب والحاكم هذه المفاهيم كانوا صخرة قوية تتحطَّم عليها كل آمال الحاقدين وأعداء الملة, وعاشوا في سعادة ووئام كأنَّهم أسرة واحدة.
والحاصل أن ظهور الديمقراطية في الغرب كان أمرًا حتميًّا في مواجهة نظام الإقطاع وصرامة رجال الكنيسة واستعبادهم للشعوب, وإذلالهم لكرامة الإنسان؛ إذ كانت الطبقة الغنيّة تستبعد الطبقة الفقيرة, بل كانوا يعتبرون الفقراء جزءًا من أملاكهم, وحينما جاءت الأنظمة الاشتراكية والشيوعية ازداد الأمر سوءًا, وازداد استعباد الطبقات المسيطرة على المستضعفين
стр. 113
فلما جاءت الديمقراطية الغربية نظرت إليها الشعوب المستعبدة على أنها هي الأمل لخلاصهم مما هم فيه من الشدة, ورأوا أن الالتفاف حول النظام الديمقراطي خير من القبضة الحديدية في النظام الإقطاعي, أو البابوي الجبار, أو الشيوعي البغيض, ولهم عذرهم تجاه ذلك, فإن تلك الأنظمة كانت شرًّا محضًا لا خير فيها, وكان استبدالها أمرًا يفرض نفسه, ومبرراته واضحة, إلّا أنهم لم يهتدوا إلى الحق وإلى النظام الصحيح الذي ينقذهم مما هم فيه من الشقاء.
- أثرها على الأوربيين والحكم عليها:
يتبين الحكم عليها من خلال جانبين هما:
١- الجانب الإيجابي على الأوربيين.
٢- الجانب السلبي عليهم.
أما الجانب الإيجابي:
فقد عرفت حال أهل أوربا حينما كان رجال الدين وزعماء الإقطاع هم المسيطرون، ومدى ما قاسته الشعوب على أيديهم من أنواع الظلم الفادح والغبن الفاحش، وأنَّ أولئك الطغاة لم يستيقظوا إلّا على تلك الأوضاع -وهم على صواب في ذلك- غير ما أخذ عليهم من أنهم لم يتوجَّهوا الوجهة الصحيحة التي تضمن لهم الخروج النهائي عن حكم البشر بعضهم لبعض, واتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله تعالى, كما
стр. 114
تبين من خلال الدراسة السابقة, وقد عرفت أنهم أخذوا ينبشون عن أمجادهم السابقة علَّهم يجدون الخلاص, فكان ذلك الخلاص هو العودة إلى الديمقراطية القديمة التي أماتها رجال الدين النصراني حينما كانت الغلبة لهم, فكان أن استبدلوا بجاهليتهم القديمة جاهليتهم الحاضرة, وتحت هذه الدعوى الخيالية -حكم الشعب نفسه بنفسه- بدءوا يرتِّبون لترقيتها وتطويرها, حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم, بل واجتذبت إلى صفوفها أعداد غفيرة, بعضهم ما كان في حاجة إلى السير في ركابها كما كان الأوربيون في حاجة إليها حقيقة, وأنَّ الأوربيين بدءوا في تنظيم حياتهم من نقطة الصفر, كلما حققوا مكسبًا تطلعوا إلى غيره, ولا يأخذونه إلّا بعد جهاد مرير, وتلك المكاسب استخرجوها بقوتهم لم تمنحهم إياها الديمقراطية ابتداءً كما يتصور البعض أن الديمقراطية مذهب نشأ في صورته الحالية, وأنه لا ينقصه إلّا التطبيق, ومهما كان الأمر, فإن ما وصلت إليه الشعوب الأوربية رغم نقصه يعتبر نصرًا مؤزرًا لهم, وفاتحة طيبة للخلاص من حكم الإقطاع والبابوات الظالمين, وبعض الشر أهون من بعض كما تقدَّم ذكره, وما تقدَّم يمكن أن يعتبر جانبًا إيجابيًّا في الديمقراطية بالنسبة للغرب, رغم ما فيه من سلبيات.
أما بالنسبة للجانب السلبي منها:
فقد تبيَّن من خلال الدراسة السابقة أن الديمقراطية تحمل في ظاهرها بريقًا خلابًا, ولكن في حقيقتها هي عكس ذلك.
١- أما بالنسبة لموقف السلطة وأصحاب الجاه والثراء فقد اتضح أن هؤلاء
стр. 115
عرفوا كيف يحتالون على الشعوب ويوجهونهم لمصالحهم الخاصَّة قبل مصالح الشعوب الحقيقية؛ بحيث يوهمون الشعوب أنَّهم حصلوا على كل ما كانوا يطالبون به, وكان الرابح الحقيقي هم السلطة.
٢- أمَّا ما تحقَّق في ظل الديمقراطية من التشجيع على الفساد الأخلاقي تحت تسمية الحرية الشخصية, وما تحقق لهم من الدعوة إلى الإلحاد تحت تسمية حرية الكلمة, أو حرية الأديان, فإنه لا يعتبر مكسبًا حقيقيًّا, بل الصحيح أنه خسارة فادحة, وإن سموه مكسبًا, وهذا باعتراف عقلائهم.
٣- ما تحقق من الابتعاد التام عن الالتزام بالدين أو التحاكم إليه إنما هو رجوع إلى الجاهلية التي يزعمون أن الإنسان البدائي كان يعيشها في حقبة ما قبل التاريخ كما يسمونها، فأيّ مكسب للشعب في رجوعه إلى تلك الحال.
٤ - ما تحقّق كذلك من نسيان اليوم الآخر, وما أخبر الله به من الثواب والعقاب, وما حلَّ محله من التكالب على المتع الرخيصة, والسير بلهفة للوصول إلى الشهوات, والزخارف الجذابة التي تنتجها مصانع الشرق والغرب, إن هو إلا ضلال وعبادة للدنيا, وإرجاع للإنسان إلى الحيوانية البهيمية.
٥- ما تنادي به الديمقراطية من المبادئ البراقة ينقضه أنها لم تحقق للناس الألفة والمحبة والتراحم الذي جاءت به الشريعة الإسلامية, فلا يزال السلب والنهب والاغتصاب وكثرة الجرائم هي السمة
стр. 116
الظاهرة في الأنظمة التي تحكم بالديمقراطية, فأين المكاسب في مثل هذه الأعمال، وأيّ أمن سيحصل في نظام من أبرز أسسه التي قام عليها تشريع البشر للبشر, المتمثِّل في مجلس النواب وغيرهم من المشرعين من دون الله بقوانينهم التي تقوم على الهوى ومحادَّة الله, فإن الديمقراطية قد كفلت لهم هذا الحق الذي أخذوه بغير حق, والذي يعتبر من اتخاذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله, فأي مكسب للإنسان المكرم في ظل هذه الاتجاهات الباطلة, وأي مكسب سيجنيه الشخص من قانون الحرية الشخصية التي أتاحت كل الفواحش وأنواع الإجرام تحت دعوى حرية الشعب، ومن الغريب أن تضمن الديمقراطية الحرية في كل شيء إلّا حرية التمسك بالدين الإسلامي, ولقد صدق المتظاهرون في بريطانيا حين خرجوا يصيحون في الشورع "لا حرية عندنا إلّا في الجنس", ذلك لأنَّ السفور والزنا واللواط وشرب الخمور والتبجح بالكفر كلها أمور ضمنها قانون حرية الديمقراطية, التي يتبجّح بها الغرب والمعجبون بهم من الدول التي يسمونها "الدول النامية", أو على الأصح "النايمة", تظنُّ أن تلك الجرائم مكاسب.
٦- لم يتحقق في الديمقراطية تكريم الإنسان التكريم اللائق به, وإنما تكريمه يتمّ حسب الأمزجة ومن خلال اعتبارات كثيرة, بينما الإسلام يكرِّمه في كل أحواله, سواء أكان فقيرًا أم غنيًّا قبيحًا أم جميلًا, وهذا هو المكسب الحقيقيّ الذي يجب أن يعض الإنسان عليه بالنواجذ, فإن
стр. 117
الإسلام يكرم الإنسان حيًّا وميتًا, يكرمه في حياته فلا يجوز الاعتداء عليه؛ لا في ماله, ولا في نفسه, ولا في عرضه, إلا بشروط, ولا يجوز تعييره بذنب تاب منه, ويكرمه وهو ميت؛ فلا يجوز أخذ شيء منه, ولا الاستهانة بقبره, بل ولا يجوز مجرَّد الجلوس على قبره, ولا أن يذكر بشرٍّ إلّا لمصلحة راجحة, ولا يجوز إخضاعه واستعباده إلّا لربه سبحانه, ولا أن ينفذ تشريع أحد من البشر لم يرد به تشريع من عند خالق البشر، بينما الديمقراطية قائمة على تشريع الناس بعضهم لبعض, متمثلة في مجموعة من الناس يسمّون ذلك لجهلهم مكاسب ديمقراطية.
٧- ما تمدح به دعاة الديمقراطية من أنَّهم ضمنوا للشعوب حق التعبير عن الرأي مهما كان, فإنه قد اتَّضح من التاريخ الأوربيّ أن هذا الاتجاه لم يتحقق بطريقة صحيحة؛ إذ أنه لا يزال لأصحاب الجاه والحكم والثراء سيطرتهم المباشرة أو غير المباشرة على كل رأي تتخذه الجماهير، فلم يصفو المشرب لهذا المكسب كما يجب له, أو كما يتصور البعض, بدليل عدم جواز وصول المعارضة إلى المساس الحقيقي بمصالح السلطة الحاكمة كذلك, فإن حق التعبير عن الرأي هل ينفذ للجماهير؟ ما أكثر ما يعبرون عن أراء ويتظاهرون من أجلها, ويضربون عن العمل لتنفيذها, ولكنها لا تنفذ لهم, وهو ما نسمعه في كل يوم من إذاعاتهم, وما نقرأه في صحفهم, وهذا الأمر ليس بسرِّ إضافة إلى أن حقَّ التعبير إنما كان بتخطيط ماسونِيٍّ لضرب عقائد من يسمونهم بالجوييم.
стр. 118
الفصل السابع: الديمقراطية والشورى
المقصود بهذا العنوان: هو تفصيل الأمر في قضية العلاقة بين النظام الديمقراطي وبين نظام الشورى في الإسلام، هل هما بمنزلة واحدة أم أنهما يختلفان اختلافًا بعيدًا أو قريبًا, سنرى ذلك من خلال ما يلي:
أما الديمقراطية فقد تقدَّمت دراستها وتفصيل أمرها، وأما بالنسبة للشورى فإليك بيان أهمِّ ما يتعلق بها؛ ليتضح لك من خلاله معرفة الفرق بينهما.
معنى الشورى: تتلخَّص معاني الشورى في أنها محاولة إجماع الآراء حول القضايا المهمة, ومعرفة الصحيح منها من مجموع تلك الآراء, وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم في أكثر من موضع, ولجوانب مختلفة فيها الثناء والامتنان والإرشاد.
- ففي بعض الآيات الثناء من الله تعالى على المؤمنين حينما تتآلف القلوب وتتحد الأهداف ويمثل الجميع جسمًا واحدًا.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ١، أي: لا ينفرد أحد برأي أو يستبدَّ به دون الآخرين، قال ابن كثير ﵀: "أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم"٢.
стр. 119
- وفي بعضها أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بأن يشاور أصحابه, وأن هذه المشاورة منهم له هي رحمة من الله تعالى عليه واصطفائه بالأخلاق الفاضلة, قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١.
- وفي بعضها أمر وإرشاد للمؤمنين في حال الخصومة بينهم أن يلجأوا إلى التشاور فيما بينهم للوصول إلى الأمر الذي يصلح به كلا الفريقين, فقال تعالى في شأن النزاع بين الزوج والزوجة: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ ٢.
كان الرسول ﷺ دائمًا يشاور أصحابه امتثالًا لأمر الله تعالى له, وكان يأخذ بالرأي السديد من أيِّ شخص كان؛ إذ أن طالب المشورة إنما يبحث عن الرأي الذي يبدو أنه يحقق المصلحة, فقد شاور الرسول ﷺ أصحابه في غزوة الخندق، وفي غزوة بدر، وفي أسارى بدر، وفي غزوة أحد، وفي غيرها من المواقف الكثيرة.
والسؤال الوارد هنا هو: هل هذا المفهوم للشورى في القرآن الكريم وفي السنة النبوية هو نفسه المفهوم الذي تحمله الديمقراطية؟ وما هو الدافع لكثير من المسلمين القول بأن الشورى في الإسلام هي نفس مفهوم الديمقراطية؟
стр. 120
والواقع أنه انخدع كثير من المسلمين بنظام الديمقراطية, خصوصًا جانب الانتخابات منها, حين زعموا أن ذلك النظام هو مما دعى إليه الإسلام, بل وفرضه على المسلمين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ، ولا تنس كذبة الاشتراكية الإسلامية حينما افتروا وادَّعَوْا أن لها صلة بالإسلام وكذا الديمقراطية, وسبب وقوعهم في هذا الخطأ هو ظنِّهم أنه لا فرق بين الانتخاب الغربي وبين مسألة الشورى التي دعى إليها الإسلام في قول الله : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ، وهذا يدل على:
١- جهلهم بحقائق الإسلام.
٢- جهلهم بما تحمله الديمقراطية من أخطار على الدين وأهله.
٣- وما تحمله كذلك من مساوئ في طريقة الديمقراطية في الانتخابات.
فإن نظام الانتخاب الديمقراطية هو أقرب ما يكون إلى الفوضى؛ إذ هو قائم على صياح الجماهير لمن يختارونه, بينما الشورى في الإسلام قائمة على اختيار أهل الحل والعقد من المسلمين لأفضل وأكفأ الموجودين في وقت أخذ البيعة, كما أن النظام الديمقراطية قائم على الدعاية والوعود الخلَّابة من قِبَلِ المرشح لنفسه, وما إلى ذلك, دون أن يكون لبعضهم سابقة خير أو شهرة بالعلم والتقوى في كثير منهم, بل يتَّكل على العامة. والعامة -كما يقال: لهم عقل واحد يتتابعون لتشريح الشخص بفعل تأثّر بعضهم ببعض, وبما يقدِّمه من الرشاوي.
стр. 121
أما نظام الشورى في الإسلام فهو خالٍ من ذلك كله, فلا صياح للجماهير, ولا دعايات كاذبة, ولا رشاوي لاختيار المرشح, وإنما يكتفي فيه بموافقة أهل الرأي والصلاح لاختيار أفضل الموجودين للحكم, والبقية يكونون سندًا للحاكم ومستشارين أمناء, وليس له ولا لهم هدف في تقوية حزب على حزب, ولا آراء على آراء, ولا انحياز لفئة دون أخرى, وإنما همهم كله متوجه لجلب مصلحة الجميع ودفع الضرر عن الجميع في حدود الشرع الشريف، بل وقد ورد في السنة النبوية ما يفيد أن طالب الولاية لا يعطاها, وأن من طلبها وُكِّلَ إليها, ومن لم يطلبها وأعطيت له أُعِينَ عليها، فكيف يقال بعد ذلك بأنه لا فرق بين الديمقراطية وبين نظام الشورى في الإسلام؟! ألا يوجد فرق بين نظام يعتبر الوصول إلى السلطة مغنمًا وفوزًا, وبين نظام يعتبر الوصول إلى السلطة همًّا ومسئوليةً كبرى في الدنيا والآخرة, وبين نظام يقوم على الرشوة والوعود الخلَّابة, ونظام لا يجيز ذلك بحال؟
وهنا مسألة أحب أن أنّبه إليها لضرورتها, وهي: هل ما يظهر من التشابه في بعض الأمور بين الديمقراطية وبين بعض المفاهيم في الإسلام يجعلها في درجة واحدة؟
والجواب: إن ما يظهر من التشابه بين النظام الديمقراطي وبين ما جاء به الإسلام في بعض الجوانب, الواقع أن هذا لا يجيز القول بأنه تشابه حقيقي في كل ناحية, ولا يعطي الديمقراطية سبيلًا إلى الاختلاط بمبادئ الإسلام الناصعة, بل هو تشابه ظاهري يصحّ أن نسمي ما جاءت به الديمقراطية قشور بالنسبة لتعاليم الإسلام, أو صدًى من بعيد له, فلا يجوز القول باستواء المكاسب في الديمقراطية وفي الإسلام لبعد حقيقية كلٍّ منهما عن الآخر.
стр. 122
ومن العجب أن تمدح التعاليم الديمقراطية؛ لأنها اكتشفت تلك الجوانب, ولا يمدح الإسلام ويعترف له بالفضل وهو السابق لها بسنين عددًا, أليس الفضل للمتقدِّم؟ ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ١.
لقد قلَّ الإنصاف للإسلام حتَّى عند الكثير ممن ينتسب إليه من العاقلين له, الذين يحاولون أن يقدِّموا تعاليم الديمقراطية على تعاليمه, ملتمسين أنواع الخدع والاحتيال لتنفيذ ذلك في نفاق تامٍّ وأساليب مختلفة في ديار الإسلام وبين ظهراني المسلمين, وقد اتَّضح بصورة جليّة أن أكثر ما يجتذب الناس إلى الديمقراطية الغربية إمَّا الهرب من أحكام الدين وتكاليفه الشرعية إلى الفوضى الجماهيرية التي يجدون فيها الحرية الفوضوية بكامل صورها, وإمَّا بسبب ما تنادي به الديمقراطية من الرجوع إلى الشعب في الأحكام, وهؤلاء يحبُّون هذا الجانب بحجَّة الحد من سلطان الحاكم وجبروته, وهم جادون في ذلك.
أما القسم الأول: فهم الغافلون الفوضويون من الجهال، وأما القسم الثاني: فعللهم لا يعلمون أن الإسلام لا يجعل الحاكم هو السلطان المطلق دون الرجوع إلى أحد. لا يعلمون أنَّ الله تعالى قد أخبر أنه يجب أن يكون أمر المؤمنين شورى بينهم, وكما أسند الله تعالى الحكم في بعض القضايا إلى أهل الرأي والمعرفة كالإصلاح بين الزوجين وما يحكم به الحكمان وكتقدير صيد المحرم، وغير ذلك مما سبق فيه الإسلام الديمقراطية الغربية, على أنه إذا وجد حاكم مسلم يتَّصف بالجور والطغيان وعدم الخوف من الله تعالى, وعدم استطاعة أحد من الناس مراجعته, أو الحدّ من طغيانه, فهذا لا يعني أنه لا حلَّ أمامنا إلى التزام الديمقراطية الغربية، بل الحل هو القيام
стр. 123
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمطالبة بتطبيق الحق جماعة وأفرادًا, والوقوف الجماعي ضد أي تسلُّط بالباطل ببيان الحق وبذل النصح بصدق وإخلاص, وسؤال الله له الهداية, إلى غير ذلك من الوسائل المتاحة حتى يصل التغيير إلى أحسن, أمَّا إذا لم يكن هناك تغيير وإصلاح, فإن المناداة بالديمقراطية لا يعطي الحل لهذه المشكلة أو غيرها, حتى لو زعم القائمون على السلطة بالتزامها, فإنَّ ذلك لا يجدي شيئًا من الإصرار على عدم التطبيق, سواء تطبيق الإسلام وهو الحق الحقيقي, أو تطبيق الديمقراطية وهو الحل الظاهريو وكلا الحلين لا يأتيان تلقائيًّا للناس ما لم يكن هناك قائمون عليه وجادُّون في تطبيقه, كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١.
والله تعالى عادل يحب العدل ولا يرضى بالظلم ولا يحب الصبر عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٢، فأيُّ لوم يمكن أن يوجِّهه الخاملون الكسالى إلى الإسلام مع تفريطهم وعدم يقظتهم للتمسك بدينهم الذي يعيشون في ظله آمنين مطمئنين أخوة متحابين "كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٣، ثم يفضلون عليه الأنظمة الوضعية البشرية التي تفسد أكثر مما تصلح, أو يزعمون أنهما في درجة واحدة مع الإسلام, فإنه يجب على هؤلاء أن يوجِّهوا اللوم إلى أنفسهم لا إلى الإسلام.
стр. 124
الفصل الثامن: حكم من يتمسَّك بالديمقراطية الغربية
أمَّا بالنسبة للحكم على من يتبنَّى الديمقراطية ويعتقدها صوابًا, فالذي يظهر أن المعتقدين بها ليسوا على اتجاه واحد, فقد اتضح أنهم ينقسمون إلى أقسام:
١- منهم من ينادي بها عن طوية فاسدة ونية مبيَّتة كراهية للإسلام وتفضيلًا لها عليه, وهؤلاء أشرارٌ لا خير فيهم لدينهم الإسلامي ولا لأمتهم المسلمة, وإنما هم أعداء مثلهم مثل سائر أعداء الإسلام من المنصِّرين والمتشرقين.
٢- ومنهم من يدعو لها وينادي بالالتزام بها عن جهل وحسن نية في الأغلب, مع اعتقاد أن الإسلام وتعاليمه خير منها, وأن فائدتها حسبما يتصوّر أنها تحطّ من كبرياء الطبقة العليا, وتفسح مجالًا أمام الطبقات كلها لتنادي بآرائها في الإصلاح دون خوف محاسبة أحد لهم, أو غير ذلك, وهؤلاء جهَّال يُبَيَّنُ لهم الحق وأخطار هذا المذهب على الإسلام والمسلمين.
٣- وبعضهم ينادي بها لاعتقاده أنها لا تعارض تعاليم الإسلام, خصوصًا بعد أن قنعته الدعايات الغربية بذلك.
٤- وصنف يعتقد أنها تصلح في إنعاش المجتمعات اقتصاديًّا وثقافيًّا.
стр. 125
٥- وصنف يردِّد ما يسمعه, فإذا سمع مدحًا لها نادى بها دون أية معرفة أو إلمام بمفاهيمها وأهدافها.
وكل هؤلاء يبيَّنُ لهم الحق, ثم يحكم عليهم بعد ذلك حسب مواقفهم منه. ومن هنا يدرك القارئ أن الحكم لا بُدَّ وأن يختلف فيهم على حسب معرفتهم ومعقتداتهم, كلهم يشملهم اسم الإسلام إلّا من أعرض عن شرع الله تعالى وأقيمت عليه الحجة من كتاب الله وسنة نبيه وأقوال علماء الإسلام, فعاند وأصرَّ وردَّ النصوص وفضَّل الأحكام الوضعية على الأحكام الشرعية, فهذا غير مسلم, على أنه يجب الحذر من التساهل في التكفير, فإنه أمر خطير, خصوصًا تكفير المعين, فإن للسلف في التكفير تفصيلات لا بُدَّ من معرفتها, ومعرفة تفريقهم بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي, ففي هديهم واقتفاء طرقهم الخير كله.
стр. 126
الفصل التاسع: نظرية السيادة
المبحث الأول: ما هي نظرية السيادة ؟
١- هذه هي إحدى النظريات التي نشأت في أوربا للتفلُّت من حكم الدين -النصراني- وقبضة القائمين عليه ممن يسمُّونهم رجال الدين.
٢- وهي -حسب تصوري- تصلح أن تكون تفسيرًا وإيضاحًا للمقصود بالديمقراطية الغربية.
٣ قام أصحاب هذه النظرية يطالبون بالسيادة في الحكم حينما أحسّوا ببدء تفكك سلطة البابوات والإقطاعيين وبوجود الفراغ, بل والفوضى في قضية السلطة والمرجع النهائي فيها؛ إذ أصبحت الأوضاع في أوربا في تلك الحقبة التي انتقضت فيها لترويج كابوس الكنيسة وغبارها -أصبحت كالوضع الذي كان يعيشه الجاهليون قبل الإسلام, والذي يعبَّر عنه بشريعة الغاب, أو مَنْ عَزَّ بَزَّ وَمَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ.
٤- قام دعاة السيادة يطالبون بإسناد الحكم والتشريع إليهم بعيدًا عن تدخل الدين أو رجاله في ذلك, وكانت المطالبة في ظاهر الأمر باسم الشعب وحده, وتعاظمت هذه الدعوى إلى الحد الذي جعل من سلطة الشعب إلهًا جديدًا يجب الرضوخ له, وصار الجريئون منهم يقولون: لا حكم إلّا للشعب, ولا إرادة إلّا إرادته, ولا شرع إلّا ما شرعه, بينما يقول المنافقون منهم بنفس العبارات إلّا أنهم يضيفون فيها إرادة الله من إرادة الشعب, وأحيانًا العكس.
стр. 127
٥- وشعر الأوربيون أنهم في حاجة شديدة إلى تحقيق هذا النهج الجديد والسير فيه إلى نهاية الخط علَّهم يجدون ضالتهم المنشودة, ثم راقت هذه النظرية في عيون غيرهم من الناس, بل حتى عند بعض البلهاء من المسلمين الذين يرددون تلك العبارات كما تردد الببغاء صدى الأصوات, وجهل هؤلاء أنهم ليسوا في حاجة إلى تلك النظرية لعدم وجود ما يقتضيها في ظل الإسلام الذي يعتبر الناس كلهم عبيدًا لخالقهم, وبالتالي فلا سيادة لأحد على الحقيقة؛ إذ السيادة كلها لحكم الله تعالى العادل الذي لا تتطرَّق إليه المحاباة أو المصالح أو الظلم.
٦- لقد أراد دعاة السيادة في أوربا أن يخرجوا عن أوضاعهم المتردية والطغيان القائم عليهم -وكانوا على صواب في ذلك وغاية الإنصاف لأنفسهم, ولكنهم لم يهتدوا إلى الحل الصحيح الذي يأمنون معه الانتكاسة مرة أخرى, ولهذا ما أن تَمَّ لهم الوصول إلى تحقيق مطلبهم -وهو تنصيب الشعب- إلّا وكانت أولى ثماره بروز طغيان جديد وطغاة جدد لم تتغير إلّا التسمية فقط, وهم الوجهاء وأصحاب السلطة الجديدة, وهذا أمر بدهي؛ إذ كلا الوضعين الكنسيّ وتأليه الشعب لم يقوما على أساس صحيح وهو التسليم لله والتحاكم إليه وحده, ولم يكن الخلاف بين الطغاة الجدد والقدامى إلّا اختلافًا لفظيًّا؛ القدامى يقولون: الله هو الذي فوَّضهم, والجدد يقولون: الشعب هو الذي فوضهم.
٧- وهذا المنصب الذي حصلت عليه الشعوب لم يكن إلّا مطية للركوب؛ إذ أصبحت الشعوب في واد والمسيرون لهم في وادٍ آخر, وانكمشت
стр. 128
سلطة الشعوب التي نادت بهذه السيادة إلى أن أصبحت في يد قلة يتحكَّمون في الشعوب -باسمهم- في مجالس خاصة بهم تحت تسميات مختلفة, ولم يكن للشعوب منها إلّا الموافقة التامَّة وإظهار السرور أيضًا, وإلا اعتبروا أعداءً للحرية والتقدم وللشعب أيضًا؛ لأن أحكام تلك السلطة التي نشأت بعيدة عن حكم الله وشرعه -زعمت لهم أنها هي التي ستحقق لهم كل ما يريدونه من الكرامة والعيش الرغيد- أي: في ظل حكم الإنسان للإنسان من خلال تطبيق تلك القوانين التي وضعها طغاة يدعون بلسان حالهم الإلوهية والسيادة التامّة بدلّا عن الله , فهل تحققت تلك الوعود البراقة بسيادة الشعوب في ظل انحصار السيادة في طبقة البرلمانات أو المجالس النيابية وما إلى ذلك.
هذا ما سترى الجواب عنه إن شاء الله من خلال الدراسة لهذه النظرية.
стр. 129
المبحث الثاني: أساس قيام نظرية السيادة
لقد تعدَّدت المسالك للوصول إلى إبعاد الدين ورجاله عن السلطة, ومنها مسلك الديمقراطية ونظرية السيادة وحركات أخرى كثيرة تختلف في الأسماء وتتحد في الهدف.
أما بالنسبة للفرق بين نظرية السيادة والديمقراطية فهي في نظر الدكتور صلاح الصاوي "فهما تعبيران عن فكرة واحدة على أساس أن السيادة هي التعبير القانوني، والديمقراطية هي التعبير السياسيي, وعلى هذا فنظرية سيادة الأمة هي التعبير القانوني عن الديمقراطية التي تعتبر نظام الحكم في الدول الرأسمالية"١، ولكن يلاحظ أن نظرية الديمقراطية لم تقف عن حد التعبير السياسي, بل أصبحت تزاحم الدين في كل شئون الحياة الاجتماعة, أمَّا نشأة هذه النظرية فهي كغيرها من النظريات الكثيرة قد نبعت من فرنسا في نهاية العصور الوسطى, وكان يراد بها في البداية الدفاع عن سلطة الملوك وغيرها من السلطات الأخرى, ثم استعملها البابوات في وجوه خصومهم الملوك الذين كانوا يطمحون إلى النيل من سيادة الكنيسة وإخضاعها لهم, ولكن لم يفلح البابوات ورجال الكنيسة, فقد تغلَّبت سلطة الملوك في النهاية على رجال الدين الكنسيّ, وقلبوا الأمر وحاربوهم بنفس سلاحهم, ونادوا بإخضاع الجميع لسيادة القانون أو لسيادة الشعب وحده
стр. 130
لا شريك له, وكانت السيادة في أول نشأتها محدودة بجهة واحدة ممثَّلة في شخص رئيس الدولة, إلّا أنها تطوَّرت بعد ذلك على أيدي الكثير من الفلاسفة والمفكرين لتصبح السيادة هي القوة العليا المهيمنة على الدولة, والتي بيدها صلاحية التغيير والتبديل للقوانين على كل الأفراد المقيمين على إقليم الدولة, وهي لا تتقيد بقانون, بل القانون مصدره السيادة وإرادة أصحابها الذين يتألَّفون من الدولة بجميع أعضائها الذين لا حدَّ لتصرفاتهم, ولا يستطيع أحد أن يحكم عليهم, ولا يتقيدون برأي أحد وإلا لانتفت عنهم صفة السيادة المطلقة, وهذه صفة ثانية في السيادة, فهي تريد أن تكون صاحبة الأمر كله, الحائزة على التفوق المطلق دون أن يكون لها معارض, أو دون أن تكون لها حاجة إلى الخضوع لأحد؛ إذ لو خضعت لأحد لانتفت هذه السيادة, ولو وجد لها مشارك لانتفت أيضًا؛ كأن تكون السيادة مثلًا لجماعة على إقليم أو أكثر, فلو وجد على أحد الأقاليم سيادتان أو أكثر لانتفت السيادة ولحصل الفساد وعدم انتظام الأمور فيه؛ إذ لو تعارضت السيادتان على ذلك الأقليم؛ بحيث تريد أحداهما فعل أمر والأخرى لا تريده, أو تريد ضدَّه؛ فحينئذ إمَّا أن تنفَّذ إرادة السيادتان معًا وهذا محال, وإما أن يمتنع أمرهما معًا وهذا فيه إبطال لسيادتهما معًا, وإما إنفاذ سيادة أحداهما وترك الأخرى, فتكون النافذة هي صاحبة السيادة١، وعلى هذا, فالسيادة هي صاحبة الأمر والنهي والقوة والحكم النافذ, وفوق هذا فقد دعوا لها العصمة من الخطأ باعتبار أن إرادة الأمَّة أو ممثليها من الشعب حكمهم يكون هو الحق والعدل, الذي لا ينبغي أن يقف في طريقه أيّ اعتبار, وهذه حيلة كان الجميع يتظاهرون بها.
стр. 131
وهكذا يتلخَّص مفهوم السيادة في أنها هي السطلة العليا المطلقة التي تنفرد بالأمر والنهي والتكليف والإلغاء وما إلى ذلك, أيًّا كانت تلك السلطة دون أن يكون لها منازع في إرادتها أمرًا ونهيًا أو تكليفًا, ممثَّلة في القانون العام للدولة, أو في سلطة الشعب من خلال ممثليه, بينما كانت السيادة كلها قبل ظهور هذه النظرية في يد الملك, بل هو الدولة كلها كما قال لويس الرابع عشر عبارته المشهورة: "أنا الدولة"١, فلمَّا قامت الثورة الفرنسية انتقلت السيادة إلى الأمة وإلى القانون, فاعتبرت الأمة بأكملها كأنها شخص واحد يملك السيادة, والتي هي في النهاية تتمثَّل في شخض الحكومة كلها لا في شخص المسئول الأعلى, والحكومة هي الأخرى تتكوَّن عن انتخاب عام يشترك فيه جمهور الشعب بصفة عامة حسب إرادة الأمة, ثم يعقبه انتخاب السلطة التشريعة والتنفيذية التي تنحصر بعد ذلك كلَّ السيادة فيها, التي هي عبارة عن إرادة الشعب المطلقة كما يزعمون.
стр. 132
المبحث الثالث: ما مدى صحة نظرية سيادة الشعب ؟
هل تحققت السيادة للشعوب كما تنادي بها نظرية السيادة, أم أنها انحصرت في فئة خاصَّة هي المجالس النيابية والبرلمانية ورئيس الدولة, الواقع أن القضية صارت ذات جانبين هما:
١- سيادة الأمة:
فبالرغم مما صادف نظرية السيادة من الحماس الشعبي وتطلُّع الشعوب إليها بشوق, واعتقادهم أنها المنقذ الوحيد لهم, والمصدر الحتميّ لنيل حرياتهم, فقد وجّهت انتقادات مباشرة إلى هذا النظرية في طور سيادة الأمة, وصدق الله في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ١ فوصفوها بأنها تتسم بتضييق دائرة الحرية؛ إذ لا يجد أفراد الشعب أيّ مجال لإظهار حريتهم إلّا مرة واحدة, وهي المرة التي يحقّ لهم فيها الذهاب إلى صناديق الاقتراع لاخيتار مرشحيهم للسيادة, وبعدها ينتهي دور حرية الشعب السياسية التي تتعلق بعموم مصالح الشعب, كما أن العضو الذي تختاره الجماعة نائبًا عنهم يصبح بحكم عدم تجزأه السيادة موظَّفًا فرديًّا في المجموعة المنتخبة, وبالتالي فلا تستطيع تلك المجموعة التعبير عن كلِّ ما تتطلَّع إليه أممهم من خلال
стр. 133
مرشحيهم لسيادة الأمة, كما أنه لا يبقى في السيادة إلّا الأعضاء الذين لا ارتباط لهم بالمصالح الطبقية أو النزاعات أو الأهواء الأخرى, وكأنَّ هؤلاء سلطة متميزة عن الشعب تمامًا, فلا يفكرون في مصالح أممهم, ولا يشاركونهم في آلامهم وآمالهم.
ولهذه الانتقادات تطوَّرت فكرة السيادة من سيادة الأمة إلى سيادة الشعب.
٢- سيادة الشعب:
وقد راقت هذه الفكرة لكثير من الناس باعتبار أنها تحقِّق مشاركة شعبية أكثر تلاحمًا من سيادة الأمة, التي أدَّت إلى تضييق دائرة الحرية السياسية وحصرها في صفوة مختارة قد لا تهتم بمصالح الشعب كما يجب عليها, فاختاروا سيادة الشعب, وذلك من خلال مشاركة الشعب في أخذ رأيه في أيّ قضية تطرح للاستفتاء على إقرارها أو رفضها, بغض النَّظر عن رأي الصفوة المختارة الممثِّلة للشعب في سيادة الأمة, فهذه السلطة كأنَّها مشاركة بين الدولة وأفراد شعبها, كما أصبح النائب الممثل لدائرته الانتخابية يملك التعبير عن دائرته لتمثيله لذلك الجزء من السيادة الذي يملكه ناخبوه, بعد أن كان في ظل سيادة الأمة لا يملكه إلّا من خلال إجماع أمة السيادة المختارة, كما أتاحت هذه النظرية مشاركة شعبية فعَّالة عن طريق الاستفتاء الشعبي, أو الاعتراض الشعبي, أو طلب إعادة الانتخاب, أو طلب حل الهيئة النيابية ونحوه, ولكن ما مدى صحة هذا الكلام؟
стр. 134
الواقع أنه قد وجدت الفوضى والأحقاد مرتعًا خصبًا في ظلّ هذه السيادة أيضًا، كما وجدت لها الدعاة والمشرعين والمنفذين مكتسحة في طريقها كل نظام يخالفها, وبالأخص أنظمة الكنيسة وتعاليمها وأخلاقها وآدابها إثر ذلك الصراع المرير مع رجال الكنيسة, الذين استأثروا بكل شيء وأذلّوا الأمة من خلال فرض طاعتهم المقدَّسة, فتمردوا على تلك الطاعة المقدَّسة ونسفوا في طريقهم كل شيء يمتُّ بصلة إلى الدين أو القداسة الناشئة عنه, واستبدلوا به قداسة نظرياتهم, وجعلوها هي السيد المطاع المقدَّس صاحبة السلطان المطلق, المكتسبة لقداستها من ذاتها أولًا وأخيرًا, ولها حق التشريع في كل أمور الحياة بعيدًا عن الدين الذي حلَّ محله القانون أو الأمة أو الشعب, وجعلت هذه هي الإله الجديد, وقد وصفوا هذه النظريات بكلِّ صفات الإلوهية وقداستها, ووضعوا ما يحلو لهم من التشريع تحليلًا وتحريمًا وأمرًا ونهيًا دون الرجوع إلى أيّ مصدر كان -غير أهوائهم, فتحوَّل التأليه الذي كان يمارسه الرهبان على الناس, تحوَّل إلى تأليه عامَّة الشعب واعتبار ما يوافق عليه الشعب هو الحق المطاع تحليلًا وتحريمًا دون معارضة، وداروا في حلقات مفرغة ونظريات مضطربة متناقضة, كلما عنَّ لهم سراب مشوا إليه, ورحم الله من قال: "من تتبَّع آراء الرجال كثُرَ تنقله" فلم يتحقق الغرض الذي قامت من أجله حركة السيادة الشعبية على الحقيقة؛ إذ لا يستدعي الشعب لبيان آرائهم إلّا من خلال خطة مدروسة من قِبَلِ السياسيين سلفًا, فكأن التصويب من قِبَلِ الشعب إنما هو لأخذ توقيعاتهم بعد أن هيَّأهم السياسيون لذلك, من حيث تشعر الشعوب أو لا تشعر, ولا تنسى المقولة المشهورة: "رضى الناس غاية لا تدرك".
стр. 135
المبحث الرابع: المسلمون ونظرية السيادة
غير خافٍ على أحد أن العالم الإسلامي كان يحكم بالشريعة الإسلامية في كل قضية, ولا يمكن لحاكم أن يخترع حكمًا لم يكن لديه عليه دليل من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه ﷺ أو من إجماع العلماء، وظل الأمر على ذلك حتى إذا بدأ الضعف يدبُّ في نفوس المسلمين وتراخت قبضتهم على دينهم, وبدأ كثير من حكامهم ينظرون يمينًا وشمالًا للتفلُّت من تطبيق الشريعة من جرَّاء تأثرهم بمختلف النظريات, وإعحابهم بالحضارة الأوربية والأمريكية, حينئذ بدأ شغفهم بتطبيق نظرية السيادة الغربية, وبدأت هذه النظرية تلعب دورها القوي في محاربة الدين وإقصاء أحكامه على الطريقة الأوربية التي قامت عليها نظرية السيادة في الأساس, مختلقين لتنفيذها شتَّى الدعايات, إلى أن تبنَّتها بعض الحكومات الإسلامية رسميًّا, وتَمَّ بموجبها فصل الدين عن الدولة, ونتج عن ذلك التغيير الجذري في التعليم والصحة وكل مرافق الحياة الاجتماعية.
وفوق ذلك في التشريع الربَّاني الذي أقصي لتحلَّ محله القوانين الوضعية البشرية الباطلة؛ حيث ألزم القضاة في المحاكم الشرعية في بعض البلدان الإسلامية أن لا يخرجوا عن قوانين الديمقراطية حتى ولو كانت مخالفة للأحكام الشرعية صراحة.
стр. 136
٤- فدخلت نظرية السيادة في صميم دساتير كثير من الشعوب الإسلامية, وشملت جميع نواحي الحياة اليومية للمواطن, فأصبح الشرع ما سنته قوانينها التي حلّت محل التشريع الإلهي, وأصبح الولاء والتحاكم إليها وحدها باسم القانون أو باسم الشعب أو باسم الأمة, مع بقاء كلمة "دين الدولة هو الإسلام" جسمًا بلا روح, أوكوضع أملته الظروف مؤقتًا, فإن اتَّفقت أحكامه مع القانون فيها وإلّا فإن تنفيذ القانون هو المقدَّم.
وقد نصَّت دساتير أكثر الدول العربية والإسلامية على أنَّ الحاكم العام هو مصدر التشريع مضافًا إليه مجلس النواب أو مجلس الشورى أو البرلمان أو غيرها من المجالس العليا١. وفي بعضها أن لرئيس الدولة في بعض الحالات الاستقلال التامّ بممارسة الوظيفة التشريعية في حال ما إذا تعرَّض الشعب للخطر من أيّ نوع إذا تعذر اجتماع البرلمان, ثم تعرض على الشعب, فإذا وافق عليها صارت تشريعًا ملزمًا ولا تحتاج إلى عرضها على البرلمان, وهناك أيضًا استثناءات لرئيس السلطة العليا تمنحه هذا الوضع في حالة ما إذا لم يكن اجتماع المجلس النيابي, وكان الأمر يستدعي إصدار تشريع على وجه الضرورة, أو في حال ما إذا فوّض البرلمان رئيس تلك السلطة حقّ إصدار التشريع لمدة محدودة، وواقع تلك الحكومات أقوى شاهد.
هذا هو وضع القوانين السيادية, فما هو وضع السيادة في الإسلام؟
стр. 137
المبحث الخامس: حكم السيادة في الإسلام
١- إن من الأمور المسلَّمة والمعروفة ضرورة أن السيادة في الإسلام ليست من اختصاص البشر بعضهم لبعض, بل هم جميعًا في درجة واحدة مهما اختلفت أحوالهم, أمام سيادة واحدة فيها صلاح جميع البشر, وعدم تعالي بعضهم على بعض, إنها سيادة الشرع الشريف المنزَّل من الخالق العليم, ولا عبرة بالسيادات الجاهلية, فإنها من اتخاذ البشر بعضهم لبعض أربابًا من دون الله, وهي سيادات أقلّ وأذلّ من أن تؤلف بين المجتمعات أو تنظم حقوقهم بصفة عادلة غير متحيزة؛ لأنها من صنع البشر الناقصة عقولهم, القاصرة أفهامهم عن إصابة الحق في كل شئونهم على الوجه الصحيح.
وعلى ذلك أجمعت الأمة الإسلامية خلفًا عن سلف لم يخالف منهم أحد على أن الشريعة هي حق الله تعالى على عباده ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ١، أي: الاستسلام التامّ له , فمن لم يستسلم له ويسلّم قيادة نفسه لأمره وعليه, فليس على الإسلام التحاكم إليه, والرضا بما حكم به, والانقياد لأمره والانتهاء عن نهيه, وتحليل ما أحلّه, وتحريم ما حرّمه, وعدم الالتفات إلى التشريعات البشرية, وبغضها وبغض من يلتزم بها.
стр. 138
ويدعو إليها, ويكون على حد قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١، فمن حكَّم رأيه أو قانونه أو شعبه فإنه ممن ينطبق عليه الحكم في الآية؛ لأنه لا طاعة كاملة مستقلة إلا لله ورسوله ﷺ , وكذا ما أجمع عليه علماء الإسلام في المسائل القابلة للاجتهاد على وفق الأدلة الشرعية فقط, لا من العقل الذي هو قاصر عن إدراك الأحكام الشرعية بمفرده, فإنه لا مكان لاجتهاد العقل في الشريعة الإسلامية مع وجود النص الصريح؛ لأنه حينئذ يكون مردودًا كما جاء في الحديث الشريف: "مَنْ أَحْدَثَ فَي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ" ٢.
وليس في الإسلام وجوب الطاعة لأيّ شخص كان ما لم يكن قوله وفق الشرع, وطاعة العلماء في الإسلام إنما هي مقيَّدة بطاعتهم لله تعالى, وأما إذا خلت عن ذلك فإن طاعتهم لا تجوز إلّا فيما أطاع الله تعالى فيه, سواء أكان الشخص حاكمًا أو محكومًا, ذلك أن مصدر السيادة في الإسلام هو الله وما شرعه لعباده هو الدين وهو الحق وهو العدل, بخلاف السيادة في المذاهب الجاهلية الغربية فمصدرها هناك هم الأمة الذين أحلوا أنفسهم محل الإله في النظريات السيادية الغربية, وإذا قارن القارئ بين السيادتين فسيجد تلك الفروق الهائلة, وهي حتمًا ستقع, سيجد أن كل ما قررته السيادة الغربية قابل للنقض والتغيير والتبديل، تحرّم اليوم ما
стр. 139
أحلَّته بالأمس, وتحرم في غدٍ ما أحلته اليوم؛ لأنها من صنع البشر, بخلاف السيادة الشرعية فهي ثابتة أبدًا لا يمكن أن يطرأ عليها قبول التغيير والتبديل؛ لأنها صادرة عن علَّام الغيوب, وقائمة على أساس التدين الذي هو أساس كل المعاملات العادلة, بينما هو في منهج الجاهلية الغربية لا وجود له؛ لأنهم استبدلوا به ما أملته أهواءهم ونظرياتهم, وما قرروه لأنفسهم بدلًا عن أخذه عن الإله الحقِّ الذي أبعدوا أنفسهم عنه وهم لا يخرجون عن قبضته وقهره١.
وخلاصة ما سبق عن مذهب السيادة هو الاعتقاد أن مصدر السيادة أو صاحب السيادة في الإسلام هو شرع الله تعالى، والله تعالى هو الحق وله الأمر وله الحكم, لا يشاركه أحد في الخلق والإيجاد, فكذلك لا يشاركه أحد في السيادة والحكم والتشريع, وأَوْكَلَ الله إلى العلماء الاجتهاد فيما يقبل الاجتهاد على ضوء الكتاب والسنة لا أنه تشريع جديد، أمَّا في المفهوم الغربيّ فإن السيادة ليست لله تعالى, وإنما هي لأفراد من الناس أو لعامَّة الشعب, ثم أضفوا عليها نفس الصفات التي يقولها المؤمنون عن الله تعالى, فصارت في مفاهيمهم بديلًا عن الله تعالى وشرعه وهي أحقر من ذلك, كما اتضح لك مما سبق, كذلك ما يتعلق بقضية الثبات والتغير, فإن الأنظمة الوضعية عمومًا قابلة وبسرعة للتغيير والتبديل؛ لأن من يملك الإنشاء يملك التغيير والإلغاء, وما هو حاصل في البلاد التي جعلت السيادة لغير
стр. 140
الله أقوى شاهد, بخلاف ما إذا كانت السيادة لله , والتشريع من كتابه وسنة نبيه, فإنها تكون ثابتة لا تتغيِّر ولا تقبل التغيير؛ لكمالها الذي يمتد إلى يوم القيامة, ولك في الحدود الشرعية والثواب والعقاب في الإسلام وفي غيره خير شاهد، كذلك ما يتعلق بأمر الدين فإنه حينما تكون السيادة لله ولحكمه, تجد أ، كل قضية من قضايا الحياة مربوطة بحكمها في الدين, وبالتالي تجد حلها في الشرع في أكمل صورة, ولا يخرج مجتمع إلّا فيما فوَّضه الشرع إلى الاجتهاد والمقارنة, وهذا بخلاف السيادة في المجتمعات الغربية التي قامت أساسًا على محاربة الدين وإقصائه في كل مجالات الحياة؛ إذ أن السيادة لا تتجزَّأ, فوجب أقصاء الدين كي تتم سيادة الأمة حسب نظرتهم لها, كذلك الحق في التشريع, فإن التشريع في الإسلام لا يكون إلا لله وحده ولرسله ﵈, ولا يملك حق التشريع أحد من البشر كائنًا مَنْ كان, اللهم إلّا الاجتهاد في فهم النصوص فيما يقبل منها الاجتهاد, وهذا بخلاف حق التشريع في السيادة, فهو بعكس ما قرَّره الإسلام, أي: إن التشريع هو من حق البشر تحليلًا أو تحريمًا, ويتمثَّل في كبار المسئولين ومحبي الغرب من المسلمين الذين أشربت قلوبهم حب الديمقراطية والسيادة, حينما ينصون على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع, أو "الفقه الإسلامي" هو المصدر للتشريع, ونحو ذلك مما يوحي في ظاهره بالتزام هؤلاء بالشريعة الإسلامية.
стр. 141
الواقع:
أن هذه العبارات عند المتعمقين في تطبيق السيادة الوضعية البشرية إنما تكتب من باب ذر الرماد في العيون, أو لأنَّ أكثرية الشعب مسلمون, والدليل على ذلك أنهم لا يجيزون الحكم في أي قضية إلّا بما قررته قوانينهم البشرية, وأن من خالفها يكون قد ارتكب جرمًا وخيانة, ويحاكم في كل قضية لهم فيها قانون, وعلى المحاكم التي تسمَّى "محاكم شرعية" أن تنفذ أحكام القوانين بغض النظر عن موافقتها للشريعة الإلهية, أو مخالفتها بزعم أن تلك القوانين هي التي تكفل أمن وحقوق الشعب وسعادته, فأين صدق تلك العبارات التي يخدعون بها شعوبهم, وأين هم من قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
بل لم يقف الأمر عند بعضهم إلى حد العدول عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية, لم يقف الأمر عند هذا, بل أخذوا ينتقدون الأحكام الشرعية, إمَّا بلسان الحال أو بلسان المقال, مع أنه لم يجربوا تنفيذ أحكام الإسلام, بل لم يعرفوها حق المعرفة, فصار حال أحكام الإسلام عند هؤلاء كحال الذي قيل فيه:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
وقد قتل عمر ﵁ ذلك المنافق الذي أبى أن يتحاكم إلى النبي ﷺ -
стр. 142
وطلب التحاكم إلى عمر ﵁ أو إلى كعب بن الأشرف؛ لأنَّ عمر ﵁ كان يعلم أنَّ من لم يرضى بسيادة الشرع الإسلامي فليس له فيه نصيب, ويجب على المسلم أن لا ينخدع بظاهر الكلام, وإنما يجب عليه أن ينظر إلى الفعل والتطبيق, فإن كان موافقًا للشرع جزمنا أنه شرعي حتى لو لم ينص عليه في الدستور, وإن كان مخالفًا لحكم الشرع عرفنا أنه حكم جاهلي بقوانين بشرية حتى وإن كان النص العام أن الحكم للشريعة الإسلامية, وأما تلبيسهم الحق بالباطل, وإيجاد المبررات والشبهات حوله, فلا يغيّر من الحقيقة شيئًا, فقد سمعنا أنهم أرادوا أن يقربوا الإسلام إلى جميع الجاهليات حينما دعو إلى وحدة الأديان في مواجهة الإلحاد الشيوعي, وإنه لا فارق كبير بين الأديان؛ لأنها كلها أديان سماوية بزعمهم, وهو أمر مرفوض لدى كافَّة الملتزمين بشرع الله تعالى, وجاءوا إلى كل قضية في الإسلام وزعموا أنها لا تختلف عن القضايا الوضعية, وأن السيادة ثابتة للكلِّ على حدٍّ سواء, حتى أنهم وجدوا للاشتراكية -الماركسية أساسًا في الشريعة الإسلامية تبنَّاه الصحابي الجليل أبو ذر ﵁ بزعمهم, وحاشاه من أكاذيبهم, ولهؤلاء جرأة على الكذب على الله تعالى وعلى نبيه الكريم ﷺ وعلى الإسلام, بل لقد حصل ما تقشعر لذكره الجلود في بعض البلدان التي تعترف ببيوت الدعارة, بل وتتقاضى عليها رسومًا؛ حيث سمعنا أنَّهم نسبوا بعض الداعرات في بيوت الدعاراة إلى الإسلام تمييزًا لها عن الداعرات من بقية الديانات, وقد عاقبهم الله بما لا يجهله أحد اليوم بين بعضهم بعضًا, وبينهم وبين اليهود, ولله حكمة في ذلك.
ونسأل الله أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
стр. 143
الباب الثاني عشر: الإنسانية أو العالمية أو الأممية
مدخل
...
الباب الثاني عشر: الإنسانية أو العالمية، أو الأُمَمِيَّة
تمهيد:
الإنسانية هي إحدى الصيحات على الكنيسة ورجالها في الزمن الذي تكاثرت فيه الصيحات للانقضاض على النصرانية المحرّفة البولسية، وقد سلك دعاة الإنسانية فلسفة خاصة بهم, مفادها أن الناس يجب أن يجتمعوا كلهم تحت لواء واحد، وهو الأخوة الإنسانية، القاسم المشترك بينهم، بعيدين عن الدين وكل ما يتصل به, وبعيدين كذلك عن كل التعصبّات التي اخترعها الإنسان، سواء أكانت التعصبات للبلد، أو القوم، أو القبيلة، أو الجنس، أو اللون ... أو غير ذلك، يدخلها الشخص متبرئًا من كل علاقة غير علاقة الإنسانية التي تتسَّع لجميع التناقضات بين الناس، بزعمهم، وسنذكر تفاصيل هذا المذهب ونبين صحته وخطئه من خلال دراسة الفصول الآتية:
تمهيد:
الفصل الأول: المقصود بالإنسانية.
الفصل الثاني: سبب انتشار دعوى الإنسانية.
الفصل الثالث: أماكن انتشار الإنسانية.
الفصل الرابع: هل يحقق مذهب الإنسانية السعادة؟
стр. 144
الفصل الخامس: هل تحققت دعاوى الإنسانية بالفعل؟
الفصل السادس: هل تقبل الدعوى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين؟
الفصل السابع: الإنسانية والمغريات.
الفصل الثامن: الإنسانية والقومية والوطنية.
الفصل التاسع: تناقض دعاة الإنسانية.
الفصل العاشر: زعماء الدعوة الإنسانية.
الفصل الحادي عشر: الإنسانية الحقيقية والرحمة الصادقة هي في الإسلام.
стр. 145
الفصل الأول: بيان المقصود بالإنسانية أو العالمية أو الأممية
الإنسانية مذهب إباحي هدّام، ودعوة خادعة من قِبَلِ دهاة أعداء الدين، وهو مذهب جديد براق من المذاهب الكثيرة التي أنتجتها العقلية الأوربية في الأساس في خِضَمِّ الصراع مع الكنيسة، وفي خِضَمِّ انتشار المذاهب الباطلة في ذلك الوقت، وقيل لها إنسانيةً نسبة إلى الإنسان، وقيل لها عالمية أو أممية لدخول كثير من المفكرين من مختلف البلدان الأوربية وغيرها فيها، قوي أمرها في نصف القرن الثامن عشر، عصر التحرّر في أوربا، ظهرت في إيطاليا، ثم انشرت إلى البلدان الأخرى، ونادى أهلها بأن يتفق ويتآلف جميع الناس تحت اسم الإنسانية, بسبب اشتراك جميع الناس في أصل الخلق, مع إغفال كل الفوارق بينهم مهما كانت تلك الفوارق دينية أو غير دينية، قومية أو وطنية، أو غير ذلك من الروابط، فلا بُدَّ أن يكون التجمُّع على الإنسانية وحدها بدلًا عن الكنيسة وتعاليمها، وأن الدين أمر شخصي بين الله والإنسان كماكانوا يزعمون في بدء أمرهم، فالوطن للجميع، ولا قيمة حقيقية لتجزئة الأرض, أو فصل بعضها عن بعضٍ بححة اختلاف الناس في دينهم وسلوكهم، فإن هذه الأمور تحثُّ على التعالي, وتثير جذوة الخلافات والأحقاد, بخلاف ما لو اتفقوا على أن تكون الأرض وطنًا للجميع, وتجمعهم الإنسانية، وعلى أن يوجد دين موحَّد للكل تحت راية واحدة بعد أن تسقط جميع الأديان, وجميع