وأخذت العاقلات منهنَّ بندبن حظَّهن حين جرفهنَّ تيار العلمانية، لقد تمنَّت كاتبة ألمانية أن تعيش مع رجل ناجح, ولو كان عنده عشر زوجات، وتمنَّت امرأة إنجليزية عجوز حينما اطَّلعت على وضع المرأة والأولاد في الإسلام, ومعاملة الزوج لزوجته وأولاده في الإسلام, تمنَّت لو أنَّها قضت حياتها من أولها مع رجل مسلم.
إن فطرة المرأة السليمة كانت تحتِّم عليها أن تكون مطلوبة للرجل لا أن تكون طالبة له، ولكن بسلوك العلمانية ودعاة تحرير المرأة, اضطرت المرأة هناك أن تبدأ هي بمغازلة الرجل واسترضائه, بعد أن عرف الرجل كيف يجرَّها إلى هذا المصير بدهاءٍ شيطانيٍّ, وصار حالها كما قال الشاعر:
أمرتمهوا أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستجيبوا النصح إلَّا ضحى الغد
وعسى أن تستبينه النساء اليوم قبل غد، وعسى أن يضعن حدًّا رادعًا للمستهترين بهنَّ المتاجرين بأعراضهن.
فالمرأة الأوربية لو نظرت إلى حالها بعين الإنصاف لهالها الأمر, ورجف قلبها خيفةً؛ إذ أصبحت مثل الدابة التي تقوم بكفالة أولادها الغير شرعيين، وأصبحت بمفردها تعاني آلام الحمل والولادة, وطلب المعيشة, وتربية أطفالها, في الوقت الذي ترى فيه تكالب الناس على المادَّة واقتناصها دون أدنى رحمة بالفقراء والمحتاجين.
فلا تستبعد حينما تسمع الإقدام على الانتحار بين الناس في الغرب
стр. 72
مذهلة رغم بهرجة الحياة هنا، إنه احتجاج صارخ على سوء أوضعاهنَّ وعلى المجتمع الذي يعشن فيه.
أفلا تتعظ المسلمات بها وصلت إليه المرأة الغربية في ظلِّ حضارة مادية زائفة، أفلا تتعظ بذلك وتبقى ملكية في بيتها, ومسئولة عن رعيتها في هدوء واستقرار, كما أراد لها الإسلام؟ وتحافظ على حشمتها وكرامتها أن تداس وتهان في غفلة منها.
وعن التضجُّر والشكوى من انفلات المرأة واستهتارها الواضح اقرأ ما جاء في جريدة الشرق الأوسط تحت هذا العنوان "حظر التنورات القصيرة في إقليم روسي": "مسوك رويترز، طالبت حكومة أحد أقاليم روسيا موظَّفَاتها بالتوقُّف عن ارتداء التنورات القصيرة, وتخفيف مساحيق التجميل على وجوههن, على أساس أنَّهن يثرن بذلك غرائز حيوانية لدى زملائهن الذكور"، وهذا طلب وجيه نابع عن بقية حياة في الفطرة، ولكن انظر بماذا قوبل هذا الطلب, حسب ما جاء في هذه جريدة: "وأثار الأمر الذي أصدره "أوليج شليك" نائب رئيس بلدية كاليننجراد على ساحل البطليق بروسيا, حالة سخط بين كثيرين في الإقليم, بما فيهم الرجال، وقال "شيليك" لشبكة تلفزيون "إن تي في": "بالطابع يتعيِّن على المرأة لفت نظر الرجل، لكن ليس لدرجة كبيرة تتجاوز العرف, وتثير أمورًا لا علاقة لها بالعمل، بل غرائز حيوانية فقط", وقال معلق "إن تي في": "إن أمر شليك يعني أنَّ النساء في مقارِّ إدارة كاليننجراد سيتعيِّن عليهنَّ التخلي عن ارتداء تنورات قصيرة, وتفصيل بدلات عملية عليهنَّ، والابتعاد عن ارتداء مجوهرات غير مألوفة, ووضع مساحيق تجميل بسيطة", وقال "يوري ماتوشكين" النائب في البرلمان الإقليمي بسخط: "إن الأمر يلحق الخزي بشيك نفسه"، وأوضح ماتوشكين: "إذا كان هذا يحوّل انتباهه, فقد اختار إذن وظيفة خطأ، وإذا لم يكن بمقدوره السيطرة على نفسه لتوجيه طاقته بشكل صحيح, فإنه يتعين عليه تغيير وظيفته"١.
وتوجد عشرات الأمثلة للشكوى من حال انفلات النساء وقلة الحياء لديهن, ممن تربَّيْنَ تلك التربية، وما أكثرهن.
стр. 73
٩- العلمانية والآداب:
لم يكن أمام أصحاب الفن والآداب -كما سموا أنفسهم- وهم هاربون من كل ما يتَّصل بالكنيسة من خيار لإشباع هذا الجانب إلّا أن يعودوا لنبش الماضي, الذي يتَّفق مع ميولهم التحرُّرية من كل ماضي الكنيسة وسيطرتها.
ولم يكن أمامهم -بسبب إعراضهم عن طلب الدين الصحيح- إلّا الحضارات السابقة, والتي تتمثَّل في الوثنيات اللادينية بذوقها الهابط, وإباحيتها, واستهتهارها بكل الفضائل التي دعت إليها الأديان، فقام الفنَّ والآدب على العلمانية اللادينية التي ليس فيها دعوة إلى الحشمة أو الفضائل أو مراقبة الله أو الحياة بعد الموت, وما يحصل للإنسان هناك من عقاب أو ثواب.
لأنَّ الإله الجديد الذي هو الطبيعة أو الإنسان نفسه, لم يعد في حاجة إلى تلك الفضائل الدينية, بعد أن انطلق من أغلال الكنيسة, ودخل عصر
стр. 74
التنوير, وعصر العقلانية, وعبادة الإنسانية التي داستها الكنيسة حينًا من الدهر, بحجة الترفُّع والتقرُّب إلى رضى الله تعالى، فلم يعد تدنيس الأعراض في إباحيةٍ جامحةٍ عارًا، بل هو الطريق السليم؛ لأنَّ الذي يترك هذه المتع واللذائذ الدنيوية التي يعيشها خوفًا من عقاب أخروي, هو شخص خيالي وغير متقدِّم، والذي يطرق برأسه حياءً من سماع الأغاني الفاجرة, أو الشعر الماجن, أو القصص الغرامية, أو الجنس, هو شخص ليس له ذوق ومتأخِّر عن الركب الناشئ، والذي لا يستطيع مشاهدة العري الفاضح؛ سواء في كان الأجهزة أو على الطبيعة, هو شخص متخلف.
وعلى المتحرر أن يستلهم الإبداع الجماليّ والحب والعاطفة الجياشة من الطبيعة التي أبدعت كل ما في هذا الكون من صور الجمال من جامدةٍ ومتحركة، ولا شكَّ أن هذا الانحراف الشائن سببه الأول انحراف الكنيسة، ولم يهتد هؤلاء الهاربون من طاغوت رجال الكنيسة إلى سلَّم النجاة الحقيقي، بل هربوا من طاغوت إلى طاغوت، وبدلًا من توجه هؤلاء الأدباء إلى نقد رجال الين فقط, تمادوا فنفذوا إلى نقد الدين, وحمَّلوه تبعة أفعال رجال الكنيسة وخرافاتهم التي لا يقبلها العقل ولا الفطرة، وتفنَّنوا في حربهم له شعرًا ونثرًا وقصصًا وفكاهات، وفي المقابل نشطت الدعوات الهدامة التي تبحث في أصل الإنسان والكون والإله، وتدلل على أن الإنسان أوجدته الطبيعة، وأن عقله هو إلهه، وتبين أن كثيرًا من أسرار هذا الوجود التي لا ترجع إلى إيجاد إله خاصٍّ لها، وبالتالي, فلا دين ولا أخلاق, ولا شيء يجب أن يحجب الإنسان عن التمتُّع بكل ما يستطيع
стр. 75
الوصول إليه من متع الدنيا وشهواتها التي لا نهاية لها، ولهذا نشط الأدباء والفنَّانون والكُتَّاب في إخراج القصص الغرامية والعري الفاضح, وتلقَّفها المتلهفون على الطلاع على كل جديد, وسمَّوْا تلك القذارات كلها أدبًا وفنًّا، وصارت الوقاحة والعهر فنًّا يجب الاطلاع على خباياه وخفايا أساليبه، وبيوت الدعارة والسهرات المريبة ووصف ما فيها, وما يجري فيها كله يجب أن يكون داخلًا تحت الأدب الحرِّ والفنِّ الذي يراد به متعة القارئين والسامعين، فأصبح الشاعر منهم, والمغني والممثل, وكثير من الكُتَّاب يقدمون كلامًا ماجنًا بكلِّ وقاحة, دون أن يجدوا في أنفسهم أدنى وازع من ضمير أو حياء, بعد أن طبع الله على قلوبهم فشابهوا البهائم، بل أصبحوا أضلَّ منها، كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
стр. 76
١٠- علمنة الإعلام:
أما عن علمنة الإعلام فحدِّث ولا حرج، لقد أمسك دعاة العلمانية بزمام معظم وسائل الإعلام، وعاثوا فيها فسادًا، مثل: التلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات والسينما والفيديو، وقد ظهرت أضرار تلك الوسائل في تحطيم الأخلاق والسلوك الطيب، واستمع إلى ما قاله أعضاء المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة, المنعقِد في المدينة المنورة سنة ١٣٩٦هـ، فقد قالوا في مناشدتهم المسلمين جميعًا: "ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة
التي تردَّى إليها إعلامنا ولا يزال إلى اليوم يتردَّى، فبدلًا من أن يكون منبر دعوة إلى الحق, ومنار إشعاع للخير، صار صوت إفساد وسط عذاب، وخفت صوت الدعوة وسط ضجيج الإعلام الفاسد، وسكت القادة فأقرُّوا بسكوتهم أو أجاوزوا ذلك فشجعوا وحملوا, وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم ... ولم يعد الأمر يحمل السكوت عليه من الدعاة إلى الحق"١.
فما أحرى بالمسلمين أن يستمعوا لهذه النصيحة الصادقة الشجاعة, ويرجعوا إلى الحقِّ، فإنه خير من التمادي في الباطل.
стр. 77
- تعقيب على ما سبق:
لقد خرجت أوربا عن الدين واعتبرته العدو اللدود للحكم والاقتصاد وللعلم وللحياة الاجتماعية بأسرها، وللأخلاق وللآداب والفنون، بل في كل مجالات الحياة.
وتضافرت جهود علماء اللادينية وتعالت أصواتهم يصدِّق بعضها بعضًا في حملتهم على الدين والتدين والقائمين عليه، يصفونهم بالجهل والغباء والتزمُّت والتطرُّف ومعاداة الحياة السعيدة ... إلى آخر ما جادت به قرائحهم من فنون السباب للدين وأهله, وللمتمسِّكين بالحشمة والحياء.
ثم ظهر نفاق جديد لدعاة اللادينية مفاده أن التمتُّع بالحريِّة كاملة يستوجب حرية التدين أو تركه، ويتظاهر هؤلاء أنهم حتَّى وإن كانوا ينادون باللادينية، إلّا أنهم ليسوا ضد الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فهذا هو شرع التمدُّن الجديد الذي لا حجر فيه على أيّ معتقد، فمن شاء أن يذهب إلى الكنيسة فليذهب, ثم ليخرج إلى حوانيت الخمَّارة, وأماكن الدعارة, ويمارس الفواشح كيفما يحلو له، كل هذا يتفق تمامًا مع التطور الجديد، وعلى أصحاب العقول أن يغطّوا نور عقولهم, ويصدقوا بإمكان وقوع هذا كله، أي أن يكون الإنسان دينيًّا وهو في نفس الوقت لا دين له، بل ومعادٍ للدين، ولا يكون تناقضًا!!
وهذا من غرائب ما اهتدى إليه اللادينيون بعقولهم التي انفلتت عن الأديان، بل عن الله ، وأحلَّت محل الله شركاءهم، فجعلوهم محلَّ التقديس والإكبار, تحت مسمَّى إنسانية الإنسان والطبيعة والصدفة
стр. 78
والقوانين الأخرى التي اكتشفوها وأحلَّوها محل الله ، وغير ذلك من الشركاء الذين جادوا بإيجاد هذا الكون وما فيه حسب تصوراتهم السقيمة.
ولقد ساعد هرب هؤلاء عن الدين ما يمارسه رجال الكهنوت في الكنائس الذين أصبح كلامهم ووعظهم حملًا ثقيلًا على كواهل الحاضرين, الذين لم يجدوا في تلك التراتيل الدينية ما يحرّك أدنى عاطفة نحو الخوف من الله والرغبة في التديُّن، وكيف يوجده أولئك الوعَّاظ في قلوب النَّاس, مع أنه مفقود تمامًا من قلوبهم أولًا، ولذلك فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه.
مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى يعيها قلبه أوَّلا
وما الذي سيجده طالب الدين من كنيسة تبارك فيها الرقص والاختلاط والقبلات والخلوة في الزوايا المظلمة, والدعوة إلى الاستمتاع علنًا وبصورة فاضحة لا تختلف كثيرًا عن دور الدعارة، ومن هنا فضَّل بعضهم البقاء في بيته على الذهاب إلى الكنيسة التي تزيد قلبه قساوة باسم الدين، فأيُّ دين هذا، وأيُّ مصير كالحٍ ينتظر هؤلاء، وأيُّ مبرِّر يدعو الشخص إلى حبِّ الدين ما دام هذا حال الدين والقائمين عليه؟!!
هذا إلى جانب ضجيج دعاة الحرية والفنّ والانطلاق، وبعد أن كان الشر منثورًا بين الناس أصبح منظَّمًا, وله قوانين ودعايات وكُتَّاب ملئوا الدنيا ضجيجًا بواسطة هذه الأجهزة التي أصبحت مصدر خطر، وأيَّما خطر على كل الفضائل؛ لأنَّهم أساءوا استعمالها, واستبدلوا فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير، وشبَّت أجيال على هذا الانحراف, ولا يدري إلّا الله تعالى أين سيقف دعاة العلمانية بالبشرية.
стр. 79
الباب الحادي عشر: الديمقراطية والشورى ونظرية السيادة
مدخل
...
الباب الحادي عشر: الديمقراطية والشورى ونظرية السيادة
تمهيد:
قبل البدأ بتفاصيل دراسة الديمقراطية, أحب أن أذكِّر القارئ بشيء مهم عن طريقة من كتب عن الديمقراطية؛ إذ أنه سيجد نفسه أمام أقوال وآراء متضاربة؛ إذ أخذ كل مَنْ يكتب عنها إنما يعبر عن موقف منها؛ فبعضهم تجده يدرسها من جانب تحسينها وتحبيبها إلى الناس, وبيان المزايا التي اشتملت عليها الديمقراطية، وبعضهم تجده يكتب عنها من جانب تقبيحها وتنفير الناس عنها ببيان ما تنطوي عليه في النهاية من أخطار, فكانوا على حدِّ قول الشاعر.
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبيد المساويا
والذي يتوجَّب في البداية هو دراستها دراسة محايدة, وأقصد بهذه المحايدة أن يبيَّن دارسها الإيجابيات التي فيها, والتي أفادت منها الشعوب الأوربية في تحطيم الأغلال التي كانت عليهم من قِبَلِ البابوات والإقطاعيين والوجهاء والأثرياء, ثم دراسة ذلك على ضوء الإسلام, وهل تلك الإيجابيات موجودة في الإسلام, أو غير موجودة فيه بالأدلة الواضحة فيه, ثم يبين أيضًا السلبيات التي فيها, والخدع المعروفة التي وصفت بها, ومدى استفادت الشعوب منها حقيقة أو وهمًا, ثم مقارنتها بالتعاليم الإسلامية, فبضدها تتميز الأشياء, وأن يكون القصد في كل ذلك هو الوصول إلى ثمرة يستفيد منها القارئ دون انفعالات ودون مجرَّد دفاع أو هجوم, فإن القضية جَدّ, وتحتاج إلى رزانة في الحكم, ورؤية واضحة يبين من خلالها هذه القضية الهامة, فقد أخذ كثير من
стр. 80
الناس يتكلَّم عنها بمعرفة أو بغير معرفة, وإنه من اليقين الذي لا مرية فيه ولا جدال أن الديمقراطية مذهب بشري, وأن تعاليمها وضعية, ومع ذلك فقد وجد فيها أهل أوربا عزاءً ما لما حلَّ بهم على أيدي رجال دينهم الوضعي كذلك, ومع ذلك فإن هذا العزاء لم يكن على ما يريدونه -كما سيأتي تفصيله بالنسبة لأهل أوربا, ولكن هل المسلمون في حاجة إلى تلك التعاليم؟ وهل بهم كذلك حاجة إلى أن يرددوا مثل هذه الكلمات الجوفاء, ومنها كلمة -الديمقراطية- وغيرها من الألفاظ التي غزت مفاهيم المسلمين وتأثروا بها, وردَّدوها عن نية حسنة في بعضهم, وعن نية باطلة في آخرين, حتَّى أصبحت كأنها لفظة شرعية وتسمية محبَّبَة لكثرة ورودها على الألسنة من غير المسلمين ومن بعض المسلمين.
وهذا الوضع هو ما ستجد الجواب عنه -أخي القارئ- أثناء دراسة هذه الظاهرة في هذه العجالة إن شاء الله تعالى.
стр. 81
الفصل الأول: منزلة الديمقراطية في الحضارة الغربية
لقد علا نجم الدعوة إلى الديمقراطية في الغرب, وأصبحت هي كل الشغل الشاغل لهم؛ هي السياسة وهي الدين وهي النظام الاجتماعي بأكمله, هي التقدم بحذافيره, بل جعلوها هي الممثلة للحضارة الغربية وتقدمها الصناعي بكل ثقله, ولم يكتفوا بوقوعهم تحت تأثير هذا النظام الذي ألَّهُوه, بل إنهم يحاولون أن يعمِّموه على جميع سكان الأرض, على زعم أنه هو البديل عن الظلم وطغيان الطغاة, وأن الحياة السعيدة لا تَتِمُّ للشعوب إلا بتطبيقه كما تراه أمريكا وأوربا, بل وأقنعوا كثيرًا من الناس أنَّ من لم يحكم بالديمقراطية فهو ظالم مهما كان حكمه دون أي اعتبار آخر, وفي الجانب المقابل تجد كثيرًا ممن انتهزوا الفرص للاستيلاء على الحكم مِمَّن لم تكن لهم قدم رساخة في ذلك ولا خبرة كافية, تجدهم يصحيون ليلًا ونهارًا بأنَّ الديمقراطية هي شعارنا, وهي قدرنا، هي سبيلنا إلى الرقي ... إلخ، لكي يكسبوا عطف رعاة الديمقراطية من جاب, ومن جانب آخر يريدون التشدُّق أمام شعوبهم بترديدهم لهذا الاسم الذي لا يعرف ما وراءه إلّا القليل جدًّا منهم, بل إنَّ كثيرًا من طلاب العلم يجهلون حقيقة الديمقراطية, فما هو الحال بغيرهم من العوام؟ وقد اتضحت الحقيقة تمامًا أن الغرب -أمريكا- يريدون أن تحل الديمقراطية التي اخترعوها محلّ الإسلام في كل مجال, وهم لهذا يعملون بكل جَدٍّ ونشاط
стр. 82
وقد انحرف من المسلمين مَنْ انحرف, ووقف مَنْ وقف, وتحير من تحيَّر, ولا أحد يدري إلّا الله ماذا ستكون النهاية, وعلي أيِّ منقلب ينقلبون, إلّا أن بوادر هزيمة المسلمين ممثَّلة في عمالة الحكم البعثي الخبيث في العراق, قد أتت ثمارها المشئومة على المسلمين, والجيدة بالنسبة للغرب لتصدير ديمقراطيتهم.
стр. 83
الفصل الثاني: معنى الديمقراطية ونشأتها
الديمقراطية كلمة يونانية١ في أصلها, ومعناه: سلطة الشعب, والمقصود بها بزعمهم: حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق اختيار الشعب لحكامه, وهي الكذبة التي كان يرددها النظام الشيوعي.
ويذكر الباحثون أن أوَّل من مَارَسَ هذه النظرية هم الإغريق في مدينتي أثنيا وإسبرطة, ولكنها ارتبط في الغرب بالنظام السياسي والاقتصادي بخلاف نشأتها عند الإغريق, وكانت طريقتهم تتمثَّل في أنهم كانوا يشكلّون حكومة من جميع رجال المدينة, وأطلقوا عليها اسم "حكومة المدينة" حيث يجتمع رجال المدينة لبحث كل أمورهم, ينتخبون لهم حاكمًا, ويُصْدِرُون القوانين في كل قضية تعرض عليهم, ويتخذون لها حلًّا يكون حاسمًا, ويشرفون جميعهم على تنفيذه بكل دقة وحزم, واستمروا على هذه الصورة الفريدة إلى أن انتهت حكومة المدينة في كل من أثينا وإسبرطة حينما غلبهم المدّ النصراني, وبرز رجال الكنيسة, وقد بقيت تلك الحكومة في ذاكرة الناس، ثم كان لطغيان رجال الكنيسة فيما بعد الأثر الحافظ على الرغبة في العودة إلى تلك الحكومة الغابرة, وظلَّ أهل أوربا يتوقون إلى الخلاص من قبضة رجال
стр. 84
الكنيسة تحت أيّ تيار يسوقهم, علَّهم يجدون متنفسًا من أوضاعهم المخزية تحت سلطة الإقطاع والنبلاء والأشراف من البابوات, وكبار الملاك الظالمون لجميع طبقات الشعوب. ونجم عن كثرة الشغط الانفجار الذي تمثَّل في الثورة الفرنسية؛ حيث أخذ زعماؤها في التفتيش عن مصدر يحلّ محل ذلك الحكم البغيض, ولم يكن أيام حكم المدينة غائبًا عن أذهانهم, خصوصًا وقد اتَّصل كثير من الأوربيين بالمسلمين, وتفهَّموا كثيرًا من تصوارت المسلمين ونظامهم الإلهي العادل, الذي منعهم من الانقياد له حقدهم الشديد على الدين والمتدينين, ثم رغبتهم في الانفلات من كل قيد وغير ذلك, فوقع اختيارهم على ذلك الماضي الجاهلي الإغريقي ونادوا بتجديده والسير على نهجه؛ كي يبعدهم عن شبح البابوات والأباطرة والإقطاعيين ومن جاء بعدهم من الجشعين الرأسماليين, فاتَّخذوه شعارًا -بِغَضِّ النَّظَرِ عن تحقيقه- يحاربون تحته, ومع طموح الشعوب إلى تحقيق هذا الحلم, فقد وجد الدعاة له من المشقَّة والتَّنكيل والسجن على أيدي أصحاب السلطة المستأثرين بها, وعلى أيدي البابوات والوجهاء والأثرياء في ذلك الوقت ما لا يوصف, وهو أمر بدهي, إلّا أنَّ دعاة تلك الديمقراطية لم يضعف عزمهم ولم تخنهم شجاعتهم, فكانوا كما قيل:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلج
وتَمَّ له بعد الكفاح المرير الوصول إلى كراسيّ السلطة, وإخضاع أمراء الإقطاع والمستأثرين بالسلطة إلى الرضوخ للأمر الواقع, وزحزحت البساط
стр. 85
من تحت أقدام البابوات, أصحاب الحق الإلهي المقدَّس بزعمهم, ومن تحت أمراء الإقطاع الذين كانوا لا يسألون عمَّا فعلوا والناس يسألون، وصدق الله تعالى حينما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١ وابتلى الله الظالمين بعضهم ببعض, ولا يزال بأسهم بينهم شديدًا وقلوبهم شتَّى.
стр. 86
الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية
وبعد أن تَمَّت الغلبة لرجال الديمقراطية, وهيجان الشعوب من ورائهم, للإفلات التامّ من الماضي البغيض المتمثِّل في الإقطاعيين والرأسماليين والبابوات, والدين الذي أحلَّهم تلك المنازل حسب تصورهم التامّ عن الدين, واصل الأوربيون مسيراتهم القوية, فما إن يتحقق لهم مكسب إلّا وتطلعوا إلى ما وراءه في خطوات ممتابعة لم تمهل طبقات السيادة أن يلتقطوا أنفاسهم, وبدأ الأمر في ظاهره أن د عاة الديمقراطية قد حقَّقوا كل شيء, وأن الشعوب قد نالت كل ما تتمناه, وأن مجموع تلك المكاسب قد أصبحت تشكل مذهبًا متكاملًا لا ينقصه إلّا التطبيق والتصدير اسمه "الديمقراطية".
فما هي المكاسب التي تحقَّقَت لهم؟ وهل هي كذلك مكاسب حقيقية أبعدت الشعوب عن شبح ذلك الطغيان القديم حقيقة؟ وأنهم وصلوا إلى تلك الأحلام السعيدة التي كانت تراودهم في أنفسهم؟ أم لم يتحقق ذلك؟ سوف تتضح إن شاء الله أهم الجوانب لتلك الأمور فيما يلي:
- المكاسب التي حققها دعاة الديمقراطية في أوربا:
لقد تحقَّقَ لدعاة الديمقراطية في أوربا مكاسب ثمينة جدًّا وكانت بالنسبة لهم أفضل مما كانوا عليه فيما سبق, ووجدوا فيها عزاء ما تبدو للناظر السطحي, ومن أهمِّ تلك المكاسب التي ظهت إثر تلك الصراعات المريرة للشعوب ضد زعمائهم ووجهائهم الأمور الآتية:
стр. 87
١- تَمَّ لهم الهرب بعيدًا عن قبضة طغاة الكنيسة وجبروتهم, وإخضاعهم لسلطة وضعية ليس لها علاقة بالقداسة الإلهية التي كانت يمارس باسمها رجال الكنيسة كل ما يريدونه من أنواع الظلم والعلوّ, وتم الأمر بقيام سلطة وضعية لا تدَّعي القداسة الإلهية, بل ولا تعترف بها أيضًا.
٢- حصلوا على حقِّ إخضاع تصرفات الحكومة لرقابة المجالس النيابية عليهم؛ إذ لم يعد من حق الحكومة الاستئثار بالسلطة دون منازع أو رقيب كما كان الحال سابقًا.
٣- تحقَّق لهم الأمن من إصدار السلطات العليا أوامر الضرائب دون مبرر حقيقي, وهو ما كان يعاني منه الفقراء وسائر طبقات المجتمع الويلات؛ لعدم إحساس السلطات والبابوات بالرحمة نحو شعوبهم, ثم تمكَّنت الشعوب في أوربا من إبطاله؛ إذ لم يعد ذلك حقًّا تملكه السلطة دون موافقة ممثلي الشعب, وبعد قيام الديمقراطية التي طالبوا بها, فحصل التخفيف عن الفقراء قدر الإمكان, وبالتالي إيقاعها على الأغنياء الذين كانوا في زمن الإقطاع على النقيض من ذلك, حيث كانوا يسيرون حسبما أفاده كتابهم المقدس عندهم "الغني يزاد له والفقير يؤخذ منه".
٤- تراخي قبضة السلطة العليا على المواطنين؛ إذ توزَّعت تلك السلطة بين السلطة العليا وبين ممثلي الشعب في المجالس النيابية والبرلمانية
стр. 88
الذين يحاولون جاهدين إرضاء منتخبيهم عنهم بما يبذلون من الدفاع عن أيّ ضرر يلحقهم أو بناحيتهم, وما يقومون به من المطالبة بتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية.
٥- تحقَّق لهم الإشراف المباشر على مصارف موارد الدولة ومعرفة ميزانيتها وكيفية إنفاقها في المرافق العامة, وبمعرفة ممثلي الشعب بعد أن كانت تلك الموارد من اختصاص الدولة تنفقها حيث تشاء في رغباتها وشهواتها المختلفة, دون أيّ سؤال لهم من أيّ شخص, في حين غاب الخوف من الله تعالى في قلوب أصحاب السلطة, وغاب أيضًا الخوف من الشعب، فلمَّا ثارت الشعوب وتمكَّن أصحابها من الوصول إلى محاسبة الدولة أصبحت تلك الموارد تصرف على النفع العام, والمشروعات التي تعود فائدتها على الشعب, مما يُسمَّى بالبنية الأساسية والمرافق العامة؛ كبناء المدارس والمستشفيات وسفلتة الطرق وغير ذلك، إلّا أنه احتدم الخلاف بين مجالس النواب, هل يجب أن يكون التعليم حقًّا لكل أفراد الشعب أم لا, وعلى القول بتعميمه نتجت مشكلة أخرى, وهي من الذي سيقوم بالأعمال في المصانع والخدمة في البيوت والمزارع بعد أن يصبح الجميع متعلمين, وبالتالي مستكبرين عن مزاولة تلك الأعمال التي سيترفَّعون عنها حتمًا بعد شمول التعليم وحمل الشهادات, ولكن الوجهاء لم ينجحوا في إيقاف ذلك رغم هذا الاحتجاج وغلبتهم العامة.
٦- تحقق لهم الحصول على الضمانات التي تجعل كل أفراد الشعب
стр. 89
متساوين أمام القانون, لا امتياز للغني على الفقير, بينما كان الأغنياء والوجهاء طبقة عالية لا يصل إليها الفقراء, وقد تحقق هذ العامل إثر صراعات وشغب مرير ضدَّ السلطة صاحبة الامتياز الأول١.
٧- كما شملت تلك الحقوق جوانب عدة مثل: حق كل فرد من أفراد الشعب في التنقُّل أين يشاء داخل الوطن السياسي, وكان هذا ممنوعًا في ظل الإقطاع, فلا يستطيع العامل أن ينتقل إلّا برخصة من سيده الإقطاعي, وإلا كان محل تهمة يجب القبض عليه حتى يأتي بالمبرر الكافي.
٨- ومثل حق كل فرد في أن يعمل أين يشاء, في حين أنه لم يكن مقررًا من قبل في عصر الإقطاع الذي كان يعتبر الأرض ومن عليها ملكًا للإقطاعي, سار الآباء على ذلك ونشأ الأولاد عليه؛ إذ لا مفرَّ لهم من أن يعملوا إذا أرادوا الحفاظ علي حياتهم من الموت جوعًا, وكان يعين صاحب الأرض للفلاح القدر الذي يريده قلَّ أو كَثُر, وما علي العامل إلّا الرضى به، وما أن تحطَّم الإقطاع وأفلت المغلوبون على أمرهم إلّا وكان نصب أعينهم البحث عن العمل أينما وُجِدَ في المدينة أو في الريف, بحريته وبموافقته الشخصية في نوع العمل وفي مقدار الأجرة, إلّا أن مشكلة الحاجة والفقر بقيت دون حلٍّ جذري لها, فالدولة
стр. 90
لم تكن قد اهتمَّت بهذا الجانب؛ لأنه ليس من لوازمها حسب ما كان معروفًا, ولا شأن لها بالعاطلين عن العمل؛ إذ أن ذلك مسئوليتهم عن أنفسهم, ولا تسأل بعد ذلك عمَّا كان يحلّ بهم من الفقر والحاجة والبطالة, وفي الوقت الذي لم يجدوا فيه من يعطف عليهم, لا الحكومة ولا الأغنياء ولا أصحاب المصانع الأثريا, فوقعوا مرةً أخرى تحت سيطرة أصحاب المال من أهل الجاه والمال, فاضطر أولئك البؤساء إلى أن يعملوا شيئًا ما للفت النظر إلى حالهم التعيس, فاهتدوا إلى القيام بين فترة أخرى بالمظاهرات والشغب, واستمرَّ حالهم بين مَدٍّ وجَزْرٍ إلى أن وجدوا خيوط أمل النجاة تقع في أيديهم, فاضطر أصحاب التجارة والمصانع والأثرياء, وأيقنوا أن عليهم الرضوخ لمطالب أولئك البؤساء، استمرَّ الحال ينمو تدريجيًّا وببطء شديد الضعف من جانب العاطلين وأصحاب الأجور البسيطة, والتنازل رويدًا رويدًا من جانب الأثرياء والوجهاء, إلى أن وصل أولئك الفقراء إلى تحقيق أنه يجب أن تدفع الأجرة لكل عامل من قبل صاحب العمل حسب الاتفاق.
٩- ثم بدأ الجميع يعملون رجالًا ونساء, إلّا أنَّ المرأة كانت تعطى نصف أجرة الرجل, ومع مرور الوقت تنبَّهت المرأة لهذا الغبن, ووجدت من يصيح إلى جانبها بمنع هذا الظلم والجور, ومن هنا نشأت الدعوى لمساواة المرأة بالرجل, ومعنى هذا أن هذه الدعوى للمساواة لم تنشأ عن رحمة أو ضمير حيٍّ, وإنما نشأت عن ظلمٍ ظاهرٍ واقع على المرأة
стр. 91
يستلزم رفعه عنها, ولم يهدأ طلب العمال للمزيد من الديمقراطية في حق تشغليهم من قِبَلِ الدولة, إلى أن حصلوا على مطلبهم في حده الأدنى, وهو إحساس الدولة بمسئوليتها عن حق العمل لكل مواطن.
وبعد أن حقَّق العمال الفقراء ذلك الحد الأدنى من إيجاد الاهتمام من قِبَلِ الدولة بشئونهم, التفتوا إلى جانب من أهم الجوانب ومن أكثرها حرمانًا لهم منه, ألَا وهو حق التعليم؛ إذ كان هذا الجانب كغيره من الجوانب الأخرى نسيًا منسيًّا في أذهان الحكومات, ومن هنا فقد حُرِمَ الفقراء وأبناؤهم من التعليم في ظلِّ سيطرة الإقطاعيين الذين كانوا ينظرون إلى مَنْ دونهم كأدوات استهلاكية للقيام بخدمتهم, والقيام على مصالحهم, فكان أولاد الأثرياء هم الذين ينالون حظوظهم من التعليم, وكان لهذا الحرمان أثره القوي في دفع أولئك المحرومين إلى الثورة في وجوه الطبقات الحاكمة والأثرياء, وكان لقيام الثورة الفرنسية أيضًا متنفسًا لهم والتفاتة منهم إلى الحكومات, فتعالت الصيحات والاحتجاجات لإجبار الحكومة على فتح باب التعليم للجميع١، ولم يجد هؤلاء الثائرون الطريق مفروشًا بالورود أمامهم, بل عانوا مشقَّات ومصاعب جمَّة, كان في أولها وقوف طبقة الأثرياء والوجهاء في طريقهم كما أشرنا إلى ذلك؛ إذ كان هؤلاء هم المستفيدون من تجهيل الشعب كي يخدموهم ويقوموا بمصالحهم, فلو انضمُّوا إلى المتعلمين لبقي فراغ كبير بالنسبة لهم, ومن هنا وضعوا العراقيل المختلفة في طريق دعاة تعميم التعليم, متذرِّعين بالتكاليف المالية الباهظة, واستمرَّ هؤلاء وهؤلاء بين مَدٍّ وجَزْرٍ إلى أن تَمَّتْ الغلبة للفقراء بجعل التعليم عامًّا وعلى نفقة الدولة أيضًا.
стр. 92
وتطلَّع الفقراء بعد ذلك إلى ما هو أبعد, وهو حقهم في المشاركة في الحكم, فانفتح للعمل والفقراء نفقًَا ضيقًا؛ فألغي اشتراط الثراء لدخول الانتخابات, ثم خرجوا من ذلك النفق منتصرين في النهاية ليجدوا طلبهم, مشاركة أيّ شخص في الانتخابات من عامَّة الشعب حقًّا مكفولًا إذا بلغ السن القانونية, وأن من حق الشعوب أن تصل إليه بواسطة البرلمانات والانتخابات المباشرة -ولكن يجب أن تعرف كيف يتمّ هذا الحق- ثمّ استطاعت الشعوب في أوربا أن تصل أيضًا إلى اعتراف الحكومات بحقّ حرية التعبير عن الرأي تأييدًا أو معارضة عن طريق وسائل الإعلام وغيرها, ولا تسأل بعد ذلك عمَّا انتجه تحقيق هذا المبدأ من شتات المفاهيم, ثم تحقَّق لهم كذلك حقّ المعارضة والاحتجاج بأية وسيلة بالإضراب عن العمل أو بالمظاهرات, وهذه المظاهرات إمَّا أن تتمَّ بالإذن المسبَّق لها, أو تتمَّ بدون إذن, وبالتالي تتصرَّف الحكومة حسبما تراه لقمع تلك المظاهرات وتفريق المتظاهرين أو تركهم بما لا يصل إلى تجريد السلاح والتنكيل، كما ضمن لهم القانون -بفعل جهادهم ويقظتهم- حرية الاجتماعات الجماعية في مقارِّ أحزابهم, أو في غيرها بعد أخذ الإذن من الحكومة إذا كانت الاجتماعات في غير مقارّ الأحزاب.
ومعنى هذا أن الأوضاع قد تغيَّرت في أوربا بعد أن أفاقت الشعوب على الظلم الواقع والفقر المدقع الجاثم عليها, واستطاعت بعده أن تحصل على ما تريد رويدًا رويدًا, وتغيَّرت الأحوال تمامًا فلم يعد بوسع الوجهاء والأثرياء أن يكبتوا تلك الطبقات التي كانت لا قيمة لها ولا وزن, بل ولا
стр. 93
حرج في القاء القبض على الشخص منهم دون إبداء المبرِّر الكافي, خصوصًا في حق اللفقراء الذين كانت تلهب ظهورهم من قِبَلِ الطبقات العليا بسبب أو بغير سبب؛ لكي يضمنوا ولاءهم واحترامهم لهم دائمًا.
أما مواجهة الحكومة بأدنى ما يغضبهم فقد كانت جريمة لا تغتفر, ولا بُدَّ من العقاب الرادع ليبقى تفكير الفقراء في النيل منهم بعيدًا عن مجرَّد تفكيرهم, ولكن بعد إفاقة الشعوب المظلومة تغير الحال جذريًّا, وبدأ عامَّة الشعب يرفعون رءوسهم ويصيحون بأعلى أصواتهم ضد كل الظملة, ووضعت القوانين لحماية المتهم فأصبح بريئًا حتى تثبت إدانته, ولا يحق سجنه إلّا بتهمة ظاهرة واضحة, وفوق هذا فمن حقه أن يطلب محاميًا عنه, وأن لا يتعرَّض لأيّ إكراه أثناء التحقيق معه, وأن يكون محاميه إلى جانبه متنبهًا لأي مزلق قد يصادفه المتَّهم من قِبَلِ المحقِّقِ فينبهه إليه, وقد يشير عليه بعدم إجابة المحقق إذا كان السؤال فيه حيف أو استثارة أو استدراج, كما أن من حقِّ المتَّهم أن يستدعي الشهود الذين يظن أن شهادتهم تنفعه, وحق المحامي في تأجيل الجلسة لمزيد من التحرِّيات ومشاورة المتَّهم, كما وجد حق المتَّهم في استئناف الحكم إذا تصوّر أن فيه جورًا عليه, كما وجدت الضمانات التي تنظم إيقاع العقوبة على المتَّهم دون زيادة أو نقص, مع وجود الضمانات الكافية لحسن معاملة السجين في فترة وجوده في السجن, فلا يهان ولا يعاقب جسديًّا إلّا إذا أخلَّ بنظام السجن, وأصبح من حقه أن توفَّر له الرعاية الطبية إذا مرض, ومن حقه أن يشكو إدارة السجن, وأن يطلب مقابلة محاميه في السجن, وأن يزروه أهله في السجن
стр. 94
بل ووصل الحال في بعض السجون أن يعطى السجين الحق في زيارة أهله في بيته في فترة محدودة تحت الحراسة, ثم يعود إلى السجن إلى أن تنتهي قضيته١.
تعقيب:
علمت مما سبق كيف ظهرت الديمقراطية في العصر الحاضر, وكيف طالب العمَّال والفقراء بكل حقوقهم طلبًا متواصلًا وبشتَّى الأساليب, فما أن يحصلوا على شيء إلّا وتطلَّعوا إلى ما بعده تحت راية تجديد الديموقراطية التي نمت بفعل تلك المطالبات المستمرّة لدخول عامَّة المجتمع في المشاركة الفعلية في الحكم, وتَمَّ لهم ذلك بفعل المناداة بحق الانتخابات؛ إذ لم تكن الشعوب قبل إقامة الديمقراطية تحلم بأن لهم سبيلًا إلى الوصول إلى الحكام البابوات, أو التأثير عليهم, فضلًا عن مشاركتهم في يومٍ ما, فقد كانت الطبقات الحاكمة كلهم من ذوي الثراء, وليس للفقراء حتَّى مجرد المناداة للعدالة والحرية والمساواة وبناء الديمقراطية أن يصلوا, فلم يتمَّ كل ذلك من مبدأ الديمقراطية
стр. 95
تلقائيًّا, بل انتزعت الشعوب من الإقطاعيين والوجهاء البابوات انتزاعًا, حتَّى أصبح في أوربا أمرًا مألوفًا أن يوجّه الشخص الانتقاد للمسئولين علنًا بلسانه أو بقلمه, عن طريقه هو أو عن طريق الصحافة, ولقد تَمَّ ذلك إثر صراع مرير وصبر طويل جعل الحكومات في أوربا ترضخ للأمر الواقع نتيجة للظلم الذي وقع على الطبقات الفقيرة في سالف عصورهم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ١.
وهكذا فقد وصل الفقراء والعمال المتدنية أجورهم بسبب مطالبتهم المستمرة وتصديهم بكل بسالة لما من شأنه تحسين أوضاعهم, والشغب المتواصل للنظر في أمورهم, لا أنَّ مذهب الديمقراطية هو الذي أوجد هذا الحال, ولم تقم المديمقراطية بدافع الرحمة أو بقيام منهج أو دراسة, وإنما قامت إثر صراعات متواصلة بين أفراد الشعوب وبين أصحاب الجاه والأثرياء والسلطات, وعلى الذين يتصورونها وكأنها وحي أن يعلموا ذلك؛ إذ لا رحمة من داخل القلب في النظم البشرية الوضعية, وربما يصدق عليهم قول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
стр. 96
الفصل الرابع: هل حقق الأوربيون مطالبهم في الديمقراطية حقيقة ؟
لا شكَّ أن ما سبق ذكره يعتبر مكاسب هائلة وفي غاية الروعة -لو طبقت كما قيل عنها, ولكن الواقع أن المتسلِّطين من الجبابرة لم يكونوا ليسمحوا بتحقيق كل ذلك طواعيةً وعطفًا لو لم توجد الصحوة الأوربية على استبداد مظالم جبابرة الإقطاع والبابوات التي هزتهم هزًّا عنيفًا, على أنهم في الواقع وصلوا إلى خير مما كانوا عليه, مع أنهم لم يصلوا إلى المدى الذي كان يجب أن يقفوا عنده, فلازالت المظالم, ولا زال للجاه حكمه؛ لأن هذا الأمر لا بُدَّ من وقوعه حينما يعتقد المسيطرون القوة الذاتية التي تراقب الله تعالى, تعلم أنها ستحاسب أمامه عن كل ما يصدر عنها من قول أو فعل؛ إذ أن قوة القانون لا تصل إلى الضمير ولا تحُدّ من الطغيان إلّا قليلًا ظاهرًا, وحسب المصالح ووجود القوة الرادعة, فإن طبيعة الإنسان -لو لم تهذب بالدين- دائمًا تجنح إلى الاستعلاء وجمع المال وإحاطة النفس بأقصى الحماية, حتى ولو تَمَّ ذلك على حساب الغير, وهو ما وقع فعلًا في الديمقراطية الغربية, رغم تلك المظاهر السابقة كلها أن الديمقراطية لم تستطع محاسبة الجشعين المنتفعين بالأموال الربوية على حساب الكادحين, ولم تستطع أن تجعل من الرأسمالي محسنًا كريمًا يبذل ما يبذله لوجه الله, لا يريد جزاءً ولا شكورًا, وهؤلاء المرابون يمثلون الإقطاعيين بكل المقاييس, فلا فرق بينهم إلّا في التسمية والأشخاص.
стр. 97
كذلك لم تستطع الديمقراطية أن توجد نظامًا اقتصاديًّا يتكافل فيه جميع أفراد الشعب, فلا يبقى فيه حاسد أو محسود، وأن توجد عدلًا وإحسانًا لذاتهما لا لأجل المنافع كما في الديمقراطية الغربية, ولا أن توجد نظامًا يكفل للأخلاق بقاءها, وللطهارة رونقها, وللنفوس سعادتها الاقتصادية والنفسية.
كما أنَّ الشعب وهو الذي أوجد الديمقراطية في الظاهر, وألقى نظام الإقطاع والسيادة الإلهية التي مثَّلها البابوات, إلّا أنه من جانب آخر إنما تَمَّ له ما يشبه عملية الاستبدال فقط, فقد أصبحت الشعوب تحكم بإقطاعيين جُدُد, ليسوا هم طبقة الإقطاعيين ولا البابوات الذين كانوا في العصر السابق, وإنما جماعة أصحاب الثراء يمثِّلون الشعب في مجالسهم, لم يختلف أكثرهم عن الإقطاعيين والبابوات إلّا في التسمية الجديدة المغرية, أمَّا في السيطرة وفي حفظ مصالحهم الاقتصادية وثراءهم المتنامي دائمًا -هم حماة الشعب وحماة حريته واقتصاده، ولهذا فلا يجوز أن تتطرَّق إليهم الشبهة؛ لأن زمن الإقطاعيين والبابوات قد ولَّى وجاء حكم الشعب نفسه بنفسه بواسطة هؤلاء الجدد المنتخبين بكل نزاهة وحرية, الساهرين على مصالحه دائمًا؟!
ومن خدع الرأسمالية وأصحاب الجاه والسلطة في السيطرة على الشعوب باسم الديمقراطية وباسم الحرية التي منحتها لهم الديمقراطية في ظاهر الأمر, أنهم يوحون إلى شعوبهم أن الشعوب هم الذين يختارون ما يريدون, ويتركون ما يريدون, ويصوتوا لمن يريدون, ويسقطون من يريدون, دون أن تدخل من السلطة العليا التي بيدها الحكم النهائي.
стр. 98
هكذا صوروا الأمور لشعوبهم, ولكن يبقى السؤال الذي غاب جوابه, وخفي على عامَّة شعوبهم, وهو من أين تأتي هذه الأصوات, ومن أين تاتي هذه التوجيهات الفكرية التي تتلقَّفها الشعوب فتثور أو تهدأ بفعل تأثيرها, لقد غاب عن الكثيرين أنَّ الذين يوجِّهون الشعوب هم السلطة العليا التي تتظاهر ببعدها عن التدخل في إرادة الشعب واختياره، نعم, هم الذين يوجّهونهم كما يوجّه السائق سيارته إلى الجهة التي يريدها، وهذا التوجيه يتمُّ عبر الوسائل الكثيرة التي تملكها السلطة العليا من صحافة وإذاعة مرئية ومسموعة, ومن مفكرين يعملون لحسابها, ومن دعايات تصنع وتنشر بمعرفتها, ومعلوم أن تلك الوسائل كلها تقع تحت إشراف السلطة العليا, إمَّا بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر, فإذا كان القائمون على تلك الوسائل من موظفي الدولة فالأمر واضح, وإذا كانوا مستقلين فإنهم لا يستطيعون الاستقلال التامِّ بها إلّا بمساعدة الدولة لهم وحمايتها لهم، ومن السَّهل بعد هذا أن تتحكَّم الدولة في اتجاهاتهم, فإذا أرادت الدولة أن تنفذ أمرًا من الأمور مهَّدت له تلك الوسائل بعدة طرق رويدًا رويدًا, حتَّى يتمَّ لفت نظر الشعب لذلك, ثم يأخذ في متابعة الأمر حتى يتخيل الشعب أنهم هم أصحاب تلك الفكرة, وأن على الدولة أن تستجيب لهم وتحقق رغبتهم فقط, وقد لا يعلم إلّا النزر اليسير من الناس أنهم إنما يحققون رغبة أصحاب السلطة أو النفوذ, ولا يعلمون أن مصدر تلك الفكرة وذلك الهياج الشعبي إنما كان ممن بأيديهم الفكر والتوجيه، كما أن لوسائل الإعلام من الحيل والخداع ما لا يدركه الشخص العادي, فإنهم لا يأتون إلى ما
стр. 99
يريدونه وينتزعونه من قلوب الناس انتزاعًا أو يثبتونه فورًا, وإنما يمهدون له بطرق كثيرة وفي خط مدروسة مبيَّتة, إلى أن تتبناه الجماهير من الناس, حتى أصبح وكأنَّه أمر فطري مسلَّم لا يجوز رده أو الشك فيه١.
ومن العجيب أن تتوّج تلك المكائد كلها بأنها نابعة عن إرادة الشعب واختياره, بينما يكون عامَّة الشعب -إلّا النزر اليسير- في بعد تامٍّ عن حقيقة ما يجري, وأنَّى لرجل يفكر بلقمة العيش فقط فلا يجدها إلّا بصعوبة بالغة, أو لرجل يفكر في ما حوله من الملهيات المتأثرة أمامه في كل اتجاه, أنَّى له أن يدرك الغايات البعيدة لأصحاب الخطط البارعة.
نعم, أنَّى لمثل هؤلاء أن يفكروا بعمقٍ ليصلوا إلى معرفة حقائق الأمور, ومعرفة مَنْ الذي يسيِّرُ هذه الجماهير الصاحبة, ومعرفة ما هي المكاسب التي ستعود عليهم من جرَّاء ذلك, وما هو دور أصحاب التوجيه من خلف الستار في تلك القضايا, إنهم بطبيعة الحال لا يجدون الوقت الكافي للتفكير حتى من كان منهم أهلًا لذلك, وذلك بسبب ملأ فراغ وقت الجميع في آنٍ واحد مَنْ كان مشتغلًا بالكدِّ والجد, ومن كان مشتغلًا باللهو والفجور, فكل شخص يمشي مكبًّا على وجهه لا يفكر إلّا في نفسه, وبالتالي يجد أصحاب الكواليس الفرص الكثيرة للتأثير في الشعوب وفي اتجاهاتهم وسهولة قيادتهم, وما دام هؤلاء المنتفعون قد فقدوا الرحمة والإحساس بالآخرين, ولا توجد مخافة الله ومراقبته الكافية فيهم, فأي مكاسب سيحصل عليها الغوغاء, وأيّ تفكير
стр. 100
سيستقلون به وبتنفيذه, اللهمَّ إلّا بقدر ما يسد رمقهم, ويلهيهم عن طغيان السلطات المتقنعة بالمديمقراطية التي تتظاهر بأن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه دون تدخُّل من أحد, وهو بالأصح يحكم من أصحاب النفوذ والجاه في كل صغيرة وكبيرة تحت ذلك الغطاء السميك الشرعية الشعبية المزعومة.
أما بالنسبة للبرلمانات المنتخبة عن طريق شعار الديمقراطية, فلا تسأل عن الحيل والخدع التي تجري سرًّا وجهرًا في أماكن الانتخابات, فمن المعروف أن النَّاس لا يذهبون إلّا إلى مَنْ عنده ذهب, كما قال أحد الشعراء:
رأيت الناس قد ذهبوا ... إلى من عنده ذهب
ومن لا عنده ذهب ... فعنه الناس قد ذهبوا
إذ يحتاج العضو الذي ينتخب إلى مال يتودَّد به إلى ناخبيه, وإلى إظهار بعض الإصلاحات التي سيفعلها في حال فوزه, ومتى لم يكن عنده مال انقشع الناس عنه وتناسوه؛ لأنَّ العامّة لا تنظر إلى الكفاءة الحقيقة من المعرفة والجرأة والنصح والإخلاص؛ لأنها غير منظورة, وإنما ينظرون إلى الإنجاز المادي المشاهد, فكم من شخص عنده من الكفاءة ولم ينتخب, بما لا يقارن به الكثير ممن تَمَّ انتخابهم.
وإذا كان المنتخبون من ذوي الجاه والثراء, فما الذي يشغل قلوبهم على عامَّة الشعب الفقراء والمساكين, وقد فقدوا مراقبة الله تعالى أولًا وأحسوا
стр. 101
أنهم أصحاب سلطة وتوجيه يجب على الشعب السمع والطاعة لهم, وإلّا كانوا عصاة يجب تأديبهم وزجرهم عن التفكير في الوصول إلى مصالح السلطات الحقيقية, أو الامتيازات الممنوحة لهم بفضل القوانين التي دوَّنوها هم أيضًا, كما أنَّه على افتراض أنَّه وجد شخص مخلص لشعبه, وجرئ في محاجة أصحاب السلطة والجاه, فليس أمامه إلّا خيارين: إمَّا أن يمشي مع المجموعة العامَّة للنواب في الصحيح وفي الغلط, وإمَّا أن يعتزل ويذهب بنفسه, أو هم يذهبون به تحت أيّ مبرر من المبررات الكثيرة التي يجيدون طبخها في الظلام.
أما الحرية التي كفلتها الديمقراطية فإنها تظهر أكثر وضوحًا في حرية الإلحاد وإظهار الفجور, وحرية معارضة ما لا يتفق ورغبات أصحاب التوجيه, وبحيث لا يمس مصالحهم أبدًا, ولا تسأل بعد ذلك عن حرية الجنس وما ضمنته قوانين الديمقراطية الجديدة خليفة الإقطاع والبابوات بعد الإطاحة بهم ظاهرًا, وقد عبَّر المتظاهرون في الصين ضد الحكم الشيوعي الملعون بلافتات كتبوا عليها "ليس عندنا من الحرية إلّا حرية الجنس" كما سمعته من إذاعة لندن، ولأنَّ إغراق العامة في متاهاته وفي انتشار الخمور والمخدرات والملهيات بجميع أنواعها, هو أقوى ضمان لبقاء أصحاب الجاه والتوجيه المنحرف في الحكم واستعباد الشعوب التي لا تملك حولًا ولا قوة إزاء تلك الأوضاع البائسة.
стр. 102
تعقيب:
بغَضِّ النظر عن الدعاية الرنَّانة للديمقراطية نقول: نعم بكل وضوح أن الديمقراطية لم تحقق العدالة الاجتماعية, ولم تحقق كذلك الحيلولة دون استعباد الأغنياء للفقراء, ولم تلحقهم بالطبقة العليا أصحاب الجاه والنفوذ, بل إنها أصبحت الوجه الآخر للدكتاتورية القديمة, ولكنها تحت ثوب ناعم, أو كالنار تحت الرماد.
كما أنَّ طريقتهم للانتخابات تدل على أن الفقراء والضعفاء لا يزالون كما كانوا في عهود الإقطاع, فهم لا يستطيعون بذل تلك الأموال الضخمة لدعاية الانتخابات وشراء الضمائر بسبب فقرهم, فيبقى المجال مفتوحًا للأغنياء وأصحاب الجاه والمال وحدهم, وليس للفقير إلّا السير في ركاب رؤساء الحزب الذي يؤيده, وقد يغلب هذا الحزب أو ذلك لمجرد الهوى, أو الأغراض النبيلة أو الفاسقة, فالكل قابل لذلك, فيعود نظام الاحتكار والإقطاع في داخل الحزب الواحد, ولكنه لا يسمَّى بتلك التسمية في عهد فن الدعاية.
وإذا كان البرلمان وهو ممثِّل الشعب, فإنه يمكن الالتفاف عليه بكل بساطة, ثم انتخاب الشعب لبرلمان آخر, وبعد العناء المضني فإنه من السهل حلَّه من قبل رئيس الدولة بأيَّ سبب كان حقًّا أو باطلًا وأحيانًا يتمَّ حله إذا كان أعضاؤه من ذوي الطموح والرغبة في خدمة الشعب, دون النظر إلى خزينة الدولة أو توفير المال, فيحصل النزاع القوي بين وجهاء الدولة ومؤسساتها, وبين طموح البرلمان وبين وزارة الاقتصاد والمال, أو بين البرلمان والبلديات, أو بين البرلمان وأيَّة مؤسسة ولو كان دعاية, بل وأحيانًا يكون القصد الخلاف
стр. 103
التهريج وذرّ الرماد في العيون وفق خطط مدرسة سلفًا, فتعود السلطة في النهاية إلى حكم الفرد الإقطاعي الجديد, وهو رئيس الدولة أو البابا في الزمن القديم، وتحت عنوان "حصاد الديقراطية" في مقالة الشيخ "خالد فوزي آل حمزة" في كتيبه "الديمقراطية في العراء" يذكر أنه في عام ١٧٠٠م كانت النسبة بين الدول الفقيرة والدول الغنية هي ١: ٣, وهذه النتيجة كانت قبل أن يعرف الناس الديمقراطية ذات النفاق والخداع المشروع في وسائل الوجهاء والساسة، ولكنَّها بعد مجيء الديمقراطية كانت النسبة هي "١: ١٠٠" بفضل الديمقراطية, فيما ذكره أحد مفكري الغرب وهو "لستر براون"١.
وذكرت مجلة غربية عن ضابط شرطة في أمريكا اسمه فريد نيكسون في ولس أنجلوس إحصائية الجرائم لعشرة أشهر في عام ١٩٩٠من وحتى أكتوبر منه, فإذا هي ٨٠٥ جريمة قتل, ١٦٣٣ جريمة اغتصاب بُلِّغَ عنها, والعادة أن أكثر النساء لا يبلغن عنها, ٢٨١١٥ اعتداء مسلح, ٣٦٠٦٥ اعتداء إشارة, ٢٥٩٨٨٣ سرقة سيارات وسرقات عامة ومخدارات، أي: إنها بمعدل ٣٠ جريمة كل ساعة, وبمعدل ٧٢٠ جريمة يوميًّا في مدينة واحدة أمريكية, والفضل للديمقراطية؟! بل وأصبح التخويف من اللصوص وقطّاع الطرق أمرًا معترفًا به رسميًّا؛ حيث أصبح من المألوف مشاهدة لوحات يكتب عليها في أول الطريق هذا التحذير "ننصحك ألّا تبتعد في هذا الطريق لئلَّا تعرض نفسك للخطر"٢ أضف إلى هذا ما يئن منه المجتمع الغربي الديمقراطي من
стр. 104
ظهور الناس على طبقات تسودها الأحقاد ومبادئ "مَنْ عَزَّ بَزَّ, ومن غلب استلب" لخواء ضمائرهم من مراقبة الله , فأين المكاسب في هذا؟ كما أن الحرية التي كلفتها الديمقراطية إمَّا تظهر بوضوح كما تقدَّم في إشاعة الجنس والانحراف والخمور وكل ما من شأنه عدم المساس بالمصالح الحقيقية لأصحاب السلطة والتوجيه المنحرفين, كما اتضح أن الحرية التي يتباهى بها دعاة الديمقراطية ليست هي الحرية ذات الاتجاه السليم, التي ليس فيها ضرر ولا ضرار؛ لأن الحرية الحقيقية هي التي تضمن للإنسان كرامته وسعادته, وتجعل عمله كله صالحًا نافعًا, وهي الحرية التي فطر الله الناس عليها من الحياء والعفة والرحمة والعدل, فلا ضرر فيها ولا ضرار, يسلم فيها الإنسان من ظلم غيره, سواء أكان ظلمًا باللسان فلا غيبة ولا نميمة ولا شهادة زور ولا قذف.
أو كان ظلمًا باليد, فلا بطش بها بغير حق واضح, ولا كتابة فيها بظلم الآخرين, وهي الحرية التي تضمن لنفسك حقها عليك, وتضمن لأهلك حقوقهم عليك, وتضمن حقوق الجميع وصيانة أعراضهم وأنسابهم ونفوسهم وعقولهم وأموالهم, وليعلم كل من له عقل أن تلك الحرية لا وجود لها إلّا في ظل الإسلام, وأمَّا تلك الحرية التي تمنحها الديمقراطية فهي حرية البهائم الجامحة, لا حرية الإنسان الذي كرَّمه الله وشرَّفه على جميع موجودات الأرض.
стр. 105
الفصل الخامس: الحكم على الديمقراطية
الحكم على الديمقراطية -حسب ما ظهر من خلال دراستها- أنَّها اشتملت على جوانب مختلفة, وبالتالي فإن الحكم سيختلف تبعًا لتلك الجوانب, وسنذكر الحكم عليها من الناحية الإسلامية ومن الناحية الاجتماعية لأوربا.
أما منزلتها في الإسلام: فقد ظهر أن بعض المنخدعين بها قد تصوَّر أنه لا فرق بين الديمقراطية وبين الإسلام, بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام, ولا شكَّ أنَّ من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحًا لا خفاء فيه, والقائل بعدم الفرق إما أن يكون جاهلًا أو مخادعًا أو ملحدًا مغالطًا, ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها؛ سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك, هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولا بُدَّ أن يحصل الاختلاف, بكل بساطة ووضوح حلول الإسلام دائمة وعامّة, وحلول الديمقراطية مؤقَّتة ولمصالح، كما أنَّ تعاليم الإسلام جاءت من رب العالمين عالم الغيب والشهادة, بينما تعاليم الديمقراطية لم تقم إلّا بتجارب البشر بالاحتجاجات ضد طغيان السلطات الرأسمالية وقلبها الإقطاع, وبالمظاهرات الصاخبة والاضطرابات المتوالية, إلى أن ترقَّوا بمفهوم الديمقراطية إلى ما وصلوا إليه في ظاهر الأمر, بينما الأمر في الإسلام يختلف تمامًا, ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى سلوك مثل تلك المهامة,
стр. 106
ولا يحتاجون إلّا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة وفي غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي, وفي أتمِّ ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يطالب بها غيره, ومن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية, كما أنَّ تعاليم الإسلام تجعل المرء يشعر ويحسّ بمسئوليته أمام الله تعالى, وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى, التي لا تصل إليها أيّ قوة غير قوة مراقبة الله تعالى, التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه ومعاملته لإخوانه المسلمين, بل ومع غير المسلمين في تنظيمٍ بديع لن يصل إليه, بل ولن يقاربه أيّ تنظيم بشري هو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى, وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه, وسلوك ينتج عن غيره, فما مِنْ شخص يزعم أنَّ الديمقراطية هي التي تحقق السعادة للشعوب, أو أنها أرحم من التعاليم الربانية, ما من شخص يزعم ذلك إلّا وتجده إمَّا جاهلًا جهلًا مركبًا, وإمَّا ملحدًا لا يعرف عن حقيقة الإسلام شيئًا, أو مخدوعًا بشعارات الديمقراطية البرَّاقة, لم يتعظ بما يشاهده من حال بلدان دعاة الديمقراطية, كما نجد كذلك أن تعاليم الإسلام لا تجيز الفصل بين الدين والدولة, بل الدين الإسلامي هو الشامل والمهيمن على كل أمور الحياة, وما لم تصدر عنه فإنها تعتبر من الضلال, ومن اتخاذ البشر بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله تعالى, بينما تعاليم الديمقراطية قائمة على الفصل بينهما, فرجال الدين مهمتهم تنحصر في أماكن العبادة والمواعظ الدينية ونحو ذلك, ورجال الدنيا لا حدَّ لمهمَّاتهم, فهم المشرِّعون والمنفِّذون, ومعنى هذا أن الإسلام والديمقراطية الغربية ضدان هنا, فإين التوافق الذي يدعيه المغالطون.
стр. 107
كما أنّ الديمقراطية لا تعتمد الحكم بما أنزل الله وتنفر منه؛ لأنها في الغرب قامت من أوّل يوم على محاربة الأديان, وكل شيء يتصل بها, وأن الحكم فيها يجب أن يتمَّ على تشريع الشعوب والبرلمانات ورؤساء الدول, وقوانينهم مقدَّمة على الحكم بما أنزل الله تعالى, بينما الإسلام يعتبر هذا خروجًا عن الدين وكفرًا ومحادَّة لله وردًّا لشرعه, خصوصًا مِمَّن يعلم هذا الحق ولكنه يرفضه ويفضل حكم الجاهلية عليه, كما أن في الديمقراطية الوصول إلى الحكم مشاع لكل أحد؛ من حق المرأة أن تصل إلى القضاء والتمثيل الدبلوماسي والجندية والرئاسة وغير ذلك, بينما الإسلام يجعل الشخص المناسب في المكان المناسب, فجعل للرجال مجالات وجعل للنساء مجالات أخرى تناسبها, ولهذا فإنّنَا نجده لم يجز للمرأة أن تتولّى الإمامة العظمى لأمور كثيرة تذكر في كتب العلم, ولا يجوز لها مزاحمة الرجال في حق الانتخابات.
- في الديمقراطية لا حرج في أن يتولّى الحكم أفسق الفاسقين وأكفر الناس, لا حرج أن يتولَّى الحكم على المسلمين وغيرهم ما دام قد فاز -كما يصفون- في الانتخابات, بينما الإسلام لا يبيح للكافر أن يحكم المسلم أو يشاركه في الحكم, ولا يجيز كذلك للمسلمين أن يولّوا ابتداءً شخصًا معروفًا بالفسق والفجور, بل عليهم أن يختاروا أصلح الموجودين, وأن يجتهدوا في ذلك ما أمكن.
- في الديمقراطية الشورى تتمَّ عن مشاورة عامَّة الشعب دون تخصيص أهل الرأي والعلم, فتحصل فوضى وتدخلات الأهواء, ويصبح الحق ما نادت به الأكثرية خيرًا كان أم شرًّا، بينما الشورى في الإسلام تعتمد على مجموعة هم أفاضل الناس وفقهائهم -كما سيأتي تفصيل هذا.
стр. 108
- في الديمقراطية لا حدود أخلاقية لحرية الفرد والجماعة, ولا مكان للفضيلة, ولا حاجز عن الفواحش وسوء المعاملات والكفر الصريح في الديمقراطية تحت مسميات عديدة: حرية الكلمة, والحرية الشخصية، حرية الفكر، حرية التملك، حرية التدين ... إلخ.
بينما الإسلام يجعل للحرية طريقًا واضحًا يحقق مصلحة الفرد والمجتمع في آنٍ واحد؛ بحيث لا تختلط الحريات الفوضوية الظالمة بالحرية الحقيقية التي تحقِّق مصلحة الجميع وتؤلف بين القلوب.
- في الديمقراطية الحثّ على تفرق الناس, وقيام الأحزاب المختلفة, ومعارضة بعضهم بعضًا, ونشوب المكائد بعد ذلك, واحتقار وسب بعضهم بعضًا, وصار مثلهم كمثل اليهود والنصارى فيما أخبر الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١.
فإن كان حزب يهوّن شأن الحزب الآخر, ولا يهتم كل حزب إلّا بكيف يكسب أصوات الناخبين, ومن هنا تكثر الوعود الكاذبة والتنجيح بكثرة الإنجازات التي ستتم حينما يتولَّى الحكم فلان، بينما الإسلام لا يأمر بذلك, بل ينهى عن التفرُّق والكذب والخداع, ويأمر بالحب في الله والبغض فيه, والعمل لمصلحة الإنسان لنفسه ولغيره, واحتساب الأجر عند الله في تحمُّل المسئولية وفي أدائها, وهذا ما تفتقده الديمقراطية الغربية.
стр. 109
الفصل السادس: هل المسلمون في حاجة إلى الديمقراطية الغربية ؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير من قِبَلِ أيّ مسلم لم تدنّس فطرته الشبهات، لقد قامت الحياة في الدول الغربية على المناداة بالديمقراطية سلوكًا ومنهجًا في كل شئون حياتهم, وصار كل سياسي يتباهى بتطبيقها, والرغبة في تصديرها, والواقع أنه قد يكون للغرب ما يبرر كل هذا السلوك؛ لأنهم ليسوا على شيء, فلم يعرفوا من النظم إلّا هذا النظام الذي اكتشفوه وفرحوا به لعدم معرفتهم بما هو أفضل منه, وهو الشرع الحنيف الذي أكمله الله ورضيه لنفسه ولعباده دينًا وسلوكًا, وإذا كان للغرب والنظم الجاهلية ما يبرر هذا السلوك, فإنه لا مبرّر لانسياق الكثير من النظم الإسلامية ومن بعض المفكرين من المسلمين إلى اتِّباع أولئك, بعد أن منَّ الله عليهم بأفضل دين وأكمله, وأفضل نظام اجتماعي وأعدله ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢, وإحكامه غاية العدل ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢. يتركون هذا المعنى الفيَّاض ثُمَّ ينساقون إلى نظام ثَبَتَ فَشَلُه, ويتركون نظامًا صالحًا إلى يوم القيامة, مضى عليه سلفهم فكانوا مصابيح الدُّجَى ومشارق الأنوار.
стр. 110
إن الشرع الإسلامي يستهوي بعدله ورحمته وشموله حتى أعداء الإسلام, فإذا بهم ينساقون إليه مذعنين, بل ويصبحون من جنوده البواسل حينما قارنوا بين ما جاء في الإسلام وبين النظم الجاهلية التي تقود البشر من شقاء إلى شقاء؛ لأنها من صنع البشر الذين قصرت أفهامهم, والتبست عليهم الأمور, وهؤلاء حُجَّة على أولئك الهاربين إلى الديمقراطية دون أن يعلموا شيئًا عن الإسلام وعن تعاليمه الشاملة, لقد انبهر الكثير من المسلمين ببريق الحضارة الغربية وصناعاتها المادية, فظنوا أنّ ذلك إنما هو بسبب ما عندهم من الأنظمة, ولم يفطنوا إلى أنَّ سبب ذلك إنما يعود إلى نشاط الغرب وشحذ هممهم وإصرارهم على اكتشاف خيرات الأرض والاستفادة منها, وطرقهم لآلاف التجارب دون كلل أو ملل مهما واجهتهم من المصاعب, كلما فشلوا في تجربة صناعية زادهم ذلك إصرارًا على إعادة الكَرَّة, والله لا يضيع عمل عاملٍ من ذكر أو أنثى, فأعطاهم الله من الدنيا على قدر عزمهم, بينما المنتظرون من المسلمين للحضارة الغربية يغطُّون في سباتهم، فلمَّا أفاقوا على هدير مصانع الغرب وإنتاجهم ألقوا باللائمة على الإسلام ظلمًا وزورًا, وظنُّوا أن هذا التبرير يبقي على ماء وجوههم, فإذا بهم لا ظهرًا أبقوا ولا أرضًا قطعوا, فلا هم بقوا على إسلامهم وتلافوا أخطاءهم، ولا هم لحقوا بالدول الغربية في إنتاجها المادي, وكان يجب عليهم أن يعرفوا أن الإسلام الذي عاش عليه ملايين البشر في القرون الغابرة على أحسن حال وأعدل نظام لا يزال كذلك على مَرِّ الدهور عاش عليه البشر قبل أن يظهر قرن الديمقراطية التي يريدون إحلالها محله, والتي قامت من أوّل أمرها على محاربة الدين وخداع الجماهير للوصول إلى الحكم بأي ثمن يكون, واعتبار ذلك فوزًا أو مغنمًا, بينما الإسلام لا