← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الواقع: أن هذه العبارات عند المتعمقين في تطبيق السيادة الوضعية البشرية إنما تكتب من باب ذر الرماد في العيون, أو لأنَّ أكثرية الشعب مسلمون, والدليل على ذلك أنهم لا يجيزون الحكم في أي قضية إلّا بما قررته قوانينهم البشرية, وأن من خالفها يكون قد ارتكب جرمًا وخيانة, ويحاكم في كل قضية لهم فيها قانون, وعلى المحاكم التي تسمَّى "محاكم شرعية" أن تنفذ أحكام القوانين بغض النظر عن موافقتها للشريعة الإلهية, أو مخالفتها بزعم أن تلك القوانين هي التي تكفل أمن وحقوق الشعب وسعادته, فأين صدق تلك العبارات التي يخدعون بها شعوبهم, وأين هم من قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١. بل لم يقف الأمر عند بعضهم إلى حد العدول عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية, لم يقف الأمر عند هذا, بل أخذوا ينتقدون الأحكام الشرعية, إمَّا بلسان الحال أو بلسان المقال, مع أنه لم يجربوا تنفيذ أحكام الإسلام, بل لم يعرفوها حق المعرفة, فصار حال أحكام الإسلام عند هؤلاء كحال الذي قيل فيه: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء وقد قتل عمر ﵁ ذلك المنافق الذي أبى أن يتحاكم إلى النبي ﷺ -

стр. 142

وطلب التحاكم إلى عمر ﵁ أو إلى كعب بن الأشرف؛ لأنَّ عمر ﵁ كان يعلم أنَّ من لم يرضى بسيادة الشرع الإسلامي فليس له فيه نصيب, ويجب على المسلم أن لا ينخدع بظاهر الكلام, وإنما يجب عليه أن ينظر إلى الفعل والتطبيق, فإن كان موافقًا للشرع جزمنا أنه شرعي حتى لو لم ينص عليه في الدستور, وإن كان مخالفًا لحكم الشرع عرفنا أنه حكم جاهلي بقوانين بشرية حتى وإن كان النص العام أن الحكم للشريعة الإسلامية, وأما تلبيسهم الحق بالباطل, وإيجاد المبررات والشبهات حوله, فلا يغيّر من الحقيقة شيئًا, فقد سمعنا أنهم أرادوا أن يقربوا الإسلام إلى جميع الجاهليات حينما دعو إلى وحدة الأديان في مواجهة الإلحاد الشيوعي, وإنه لا فارق كبير بين الأديان؛ لأنها كلها أديان سماوية بزعمهم, وهو أمر مرفوض لدى كافَّة الملتزمين بشرع الله تعالى, وجاءوا إلى كل قضية في الإسلام وزعموا أنها لا تختلف عن القضايا الوضعية, وأن السيادة ثابتة للكلِّ على حدٍّ سواء, حتى أنهم وجدوا للاشتراكية -الماركسية أساسًا في الشريعة الإسلامية تبنَّاه الصحابي الجليل أبو ذر ﵁ بزعمهم, وحاشاه من أكاذيبهم, ولهؤلاء جرأة على الكذب على الله تعالى وعلى نبيه الكريم ﷺ وعلى الإسلام, بل لقد حصل ما تقشعر لذكره الجلود في بعض البلدان التي تعترف ببيوت الدعارة, بل وتتقاضى عليها رسومًا؛ حيث سمعنا أنَّهم نسبوا بعض الداعرات في بيوت الدعاراة إلى الإسلام تمييزًا لها عن الداعرات من بقية الديانات, وقد عاقبهم الله بما لا يجهله أحد اليوم بين بعضهم بعضًا, وبينهم وبين اليهود, ولله حكمة في ذلك. ونسأل الله أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

стр. 143

الباب الثاني عشر: الإنسانية أو العالمية أو الأممية مدخل ... الباب الثاني عشر: الإنسانية أو العالمية، أو الأُمَمِيَّة تمهيد: الإنسانية هي إحدى الصيحات على الكنيسة ورجالها في الزمن الذي تكاثرت فيه الصيحات للانقضاض على النصرانية المحرّفة البولسية، وقد سلك دعاة الإنسانية فلسفة خاصة بهم, مفادها أن الناس يجب أن يجتمعوا كلهم تحت لواء واحد، وهو الأخوة الإنسانية، القاسم المشترك بينهم، بعيدين عن الدين وكل ما يتصل به, وبعيدين كذلك عن كل التعصبّات التي اخترعها الإنسان، سواء أكانت التعصبات للبلد، أو القوم، أو القبيلة، أو الجنس، أو اللون ... أو غير ذلك، يدخلها الشخص متبرئًا من كل علاقة غير علاقة الإنسانية التي تتسَّع لجميع التناقضات بين الناس، بزعمهم، وسنذكر تفاصيل هذا المذهب ونبين صحته وخطئه من خلال دراسة الفصول الآتية: تمهيد: الفصل الأول: المقصود بالإنسانية. الفصل الثاني: سبب انتشار دعوى الإنسانية. الفصل الثالث: أماكن انتشار الإنسانية. الفصل الرابع: هل يحقق مذهب الإنسانية السعادة؟

стр. 144

الفصل الخامس: هل تحققت دعاوى الإنسانية بالفعل؟ الفصل السادس: هل تقبل الدعوى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين؟ الفصل السابع: الإنسانية والمغريات. الفصل الثامن: الإنسانية والقومية والوطنية. الفصل التاسع: تناقض دعاة الإنسانية. الفصل العاشر: زعماء الدعوة الإنسانية. الفصل الحادي عشر: الإنسانية الحقيقية والرحمة الصادقة هي في الإسلام.

стр. 145

الفصل الأول: بيان المقصود بالإنسانية أو العالمية أو الأممية الإنسانية مذهب إباحي هدّام، ودعوة خادعة من قِبَلِ دهاة أعداء الدين، وهو مذهب جديد براق من المذاهب الكثيرة التي أنتجتها العقلية الأوربية في الأساس في خِضَمِّ الصراع مع الكنيسة، وفي خِضَمِّ انتشار المذاهب الباطلة في ذلك الوقت، وقيل لها إنسانيةً نسبة إلى الإنسان، وقيل لها عالمية أو أممية لدخول كثير من المفكرين من مختلف البلدان الأوربية وغيرها فيها، قوي أمرها في نصف القرن الثامن عشر، عصر التحرّر في أوربا، ظهرت في إيطاليا، ثم انشرت إلى البلدان الأخرى، ونادى أهلها بأن يتفق ويتآلف جميع الناس تحت اسم الإنسانية, بسبب اشتراك جميع الناس في أصل الخلق, مع إغفال كل الفوارق بينهم مهما كانت تلك الفوارق دينية أو غير دينية، قومية أو وطنية، أو غير ذلك من الروابط، فلا بُدَّ أن يكون التجمُّع على الإنسانية وحدها بدلًا عن الكنيسة وتعاليمها، وأن الدين أمر شخصي بين الله والإنسان كماكانوا يزعمون في بدء أمرهم، فالوطن للجميع، ولا قيمة حقيقية لتجزئة الأرض, أو فصل بعضها عن بعضٍ بححة اختلاف الناس في دينهم وسلوكهم، فإن هذه الأمور تحثُّ على التعالي, وتثير جذوة الخلافات والأحقاد, بخلاف ما لو اتفقوا على أن تكون الأرض وطنًا للجميع, وتجمعهم الإنسانية، وعلى أن يوجد دين موحَّد للكل تحت راية واحدة بعد أن تسقط جميع الأديان, وجميع

стр. 146

القوميات والوطنيات في يومٍ ما، حسب تقديراتهم، فتأتي حينئذ الحياة السعيدة القائمة على المحبة الإنسانية, وتتوحد العواطف والأفكار, ويعيش الناس كلهم على قلبٍ واحد, تعمهم الألفة والمحبة والترفُّع عن كل شيء يعرقل ظهور الحب بين جميع أفراد البشر حسب خداع الماسونية، والإنسانيون ينتظرون اليوم الذي يجتمع فيه الناس كلهم على مبادئ الإنسانية, ويعيشون في ألفة ومودة بعيدين عن أيّ مؤثر آخر من الوطنية أو القومية أو الدين, حين تسمو أفكار المجتمعات البشرية, ويتوحدون على أساس هذه الأخوة الإنسانية، وهي آراء جذابة، ولكنها دعوة خداعة, وأنَّى لها أن تتحقق، والواقع يكذبها ليلًا ونهارًا بهذه الحروب الأهلية والدولية, والنزاعات المستمرَّة مما يشكل صفعة في وجوه دعاة الإنسانية والقومية والوطنية وسائرالدعوات الجاهلية، وإنها وهمية وخيالات فارغة كما سنذكره في الرد عليهم.

стр. 147

الفصل الثاني: سبب انتشار دعوى الإنسانية لقد تبين أن ما يجذب الناس إلى قبول الإنسانية جهلهم بدينهم، ثم جهلهم بما تهدف إليه الدعوة الإنسانية، ثم انخداعهم بذلك الشعار الأجوف الذي ينادي به دعاة الإنسانية، وهو الاجتماع على الإنسانية بغضِّ النظر عن أي اعتبار من دين أو لون أو وطن، فالكل تتسع لهم مظلَّة الحرية والإخاء والمساواة التي يوفِّرها لهم مذهب الإنسانية. وإن الذين يعتنقونها سيعيشون عيشة راضية، فانخدع الكثير بمثل هذه الدعايات البرّاقة، وقد عرفت أنها دعايات الماسونية الماكرة التي تتربَّص للقضاء على كل الأديان تحت شعارهم "اخلع عقيدتك على الباب كما تخلع نعليك"١ فمن المعلوم أن خلع العقيدة ووضعها على الباب إلى جانب النعال إنما يراد بها عقيدة من يسمونهم بـ"الجوييم" أو "الأمميين"، أما عقديتهم هم فهي التي يقوم عليها مذهب الإنسانية, وهي التي يجب أن تبقى بعد أن ينسلخ الداخلون في الإنسانية عن عقائدهم, ويتنازلون عنها لكي يتم دخولهم في مذهب الإنسانية. ومنها أن دعاة الإنسانية يزعمون أنه يجب أن يكون الهدف الذي يصل إليه الإنسان ويضحي بفرديته من أجله هو خدمة الآخرين, وإخضاع نزعاته الفردية كلها لخدمة النوع الإنساني أجمع تحت شعار "الحياة لأجل الغير"، قد صاغه "كونيت", وسماه الموجود الأعظم، وأحلَّه محل الإله في التقديس،

стр. 148

وجعل لمذهبه كهنة وطقوسًا تقدِّم للرجال الذين أسمهوا في خدمة الإنسانية في أعياد، وتخصص لهم تلك الأعياد ليشعرهم بأنهم على شيء. ويجب التنبيه إلى أنَّ بعض الكُتَّاب يفسِّرون الإنسانية على أنها هي العطف والرحمة ومساعدة المحتاجين، والتمسُّك بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، ويذكرون على كل ذلك أدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة. ودراستنا هنا لا تتعلق بهذا المفهوم للإنسانية، فهو حقٌّ مؤكَّد، ولكنَّا بصدد بحث الإنسانية التي تخفي وراءها مخطَّطات خطيرة لتدمير تراث الإنسانية، وبالأخص تراث المسلمين. شعارات خادعة طالما نادى بها اليهود, وخدعوا بها الناس سرًّا وجهرًا, مثل: الحرية والإخاء والمساواة بين الأفراد والشعوب, ووحدة الأسرة البشرية ومجتمع الإنسان المتعاون, وحق الجميع في الحياة الكريمة, إلى آخر تلك الألفاظ البرَّاقة الخادعة التي هي للاستهلاك ولسد فراغ أذهان الفارغين، وقد قال أحد دعاتها وهو الفرلي: "حينما يصبح الجميع أحرارًا في تفكيرهم, لهم من الشجاعة ما يجعلهم يتقبَّلون ما هو خير وعدل وجميل, عندئذ يكون من المحتمل أن يسود العالم دين واحد, وإني سأكون سعيدًا باتباع دين عالمي موحَّد تنبع مصادره من حقائق التاريخ, وتشمل مبادئه العدالة الاجتماعية, وتقوم بفضله مظاهر الحب والإخاء على أنقاض الكراهية والخصومة"١.

стр. 149

ومما سبق يتبين بوضوح أن الدعوة إلى الإنسانية هي شرارة انشطرت عن جمرة الماسونية الحاقدة ودعاياتها الخادعة التي تجيد حبكها المؤامرات اليهودية, وأن ما يبدو للبعض من الفارق بين كلتا الدعوتين فإنما هو فارق لظفي, أو من باب التفنُّن في التقديم, فالماسونية ظاهرة قوية في الدعوة إلى الانسلاخ من كل دين أو طاعة إلّا دين اليهود وطاعتهم, بينما الإنسانية ظاهرها فيه الرحمة والترفع عن التجبُّر والبغض, وأن الدين لا يجب أن يكون حائلًا بين محبَّة البشر بعضهم البعض, وخدمة بعضهم بعضًا؛ لأن الدين أمر شخصي وحسب مزاج الشخص وتوجهه، إضافة إلى أنه يضيق الدائرة على أتباعه, ويمايز بين الناس حينما يلتزمونه, وبالتالي فالبديل الأنسب هو الإنسانية التي تعمّ الجميع دون تمييز أو تفريق بين الجميع.

стр. 150

الفصل الثالث: أماكن انتشارها شاعت ديانة الإنسانية هذه في الغرب, وصار لها في كل بلد كاهن أكبر, وجعلوا لها معابد وطقوسًا وسدنة, وقد برزت عند الأمريكان بوضوحٍ حيث جعلوا الإنسانية دينًا, وقد صيغ المذهب الإنساني في أمريكا في ١٩٣٣م في بيان الإنسانيين الذي تضمَّن إنكار وجود الله تعالى وخلقه لهذا الكون, وإنكار النبوّة والرسالة, والتعليل لنشأة الإنسان وثقافته الدينية, وما يتعلق بحياة الإنسانية كلها, مستندين إلى تعليلات الشيوعية الماركسية. وفيما يلي بيان الإنسانيين المشهور, مع تعليق خفيف يوضِّح الغرض من كل فقرة منه: ١- "الكون موجود بذاته وليس مخلوقًا". والإلحاد والكفر بالله تعالى ظاهر في هذا, وهذا المعتقد كافٍ في كفر من تمسَّك به. ٢- "الإنسان جزء من الطبيعة, وهو نتيجة علميات مستمرة فيها". وهذا إنكار لوجود الله أيضًا, وإنكار لحقيقة وجود الإنسان, وإسناد خلقه إلى الطبيعة حسب تعليلهم السخيف, ولو سئلوا عن تلك العمليات المستمرة لانقطعوا وأجابوا بما يدل على جهلهم وحمقهم. ٣- "ثقافة الإنسان الدينية ليست إلّا نتاج التطور التاريخي الناشئ من التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبعية والوراثة الاجتماعية".

стр. 151

وهذا كفر بالأنبياء والمرسلين, وزعم باطل وهضم لنعمة التفكير التي خصَّ الله بها الإنسان, ورَجْمٌ بالغيب. ٤- "لقد ولّى الزمن الذي كان يعتقد الناس فيه بالدين وبالله". ونقول لهم: بل لا يزال جديدًا على مرِّ الدهور رغم أنوفهم, وسيبقى إلى يوم القيامة. ٥- "يتركَّب الدين من الأفعال والتجارب والأهداف التي لها دلالات في نظر الإنسان, ومن هنا زال التمييز بين المقدَّس والمادي". ويقال لهم: إذا كان الدين يتركَّب من تجارب, فيكف لم يدعوا النبوة كلهم, وكيف قام على أشخاص معدودين تحوطهم عناية الله وتأييده, وهل يعرف الدين بالتجارب. ٦- "إن التحقيق التام للشخصية الإنسانية هدف الإنسان". نقول: نعم, ولكنه لا يصل إليه إلّا بالتبيُّن الصحيح وبتيسير الله وتوفيقه له. ٧- "يعبر عن الانفعالات الدينية بالإحساسات الشخصية والجهود الجماعية التي تحقق الرفاهية الاجتماعية"، وهذا الكلام محض دعيّ لا دليل عليه, مع أنهم ينفون أيّ دليل صحيح للتدين. ٨- "لا توجد انفعالات دينية ومواقف للناس تربطهم بوجود خارق للطبيعة". ونقول لهم: إن الفطرة في الإنسان والواقع كليهما شاهدان بهذا الرباط.١

стр. 152

وقد أمضى هذا البيان جون ديوي وآخرون من كبار دعاة الإنسانية. وعلى حسب ما تقدَّم فإن الإنسانية في جوهرها العام هي دعوة للإنسان إلى أن يعيش حياته ابن يومه مهما صادفته من الأمور التي يرضاها والتي لا يرضاها, قوي الأمل صامدًا في مواجهة الأخطار, جاعلًا نصب عينيه أن يعيش حياته المادية بكلِّ ما يجده, ضاربًا بالقوانين التي تحدُّ من ارتكاب الشهوات جانبًا, وأن لا ينظر إلى الأمور الروحية الغيبية, ولا يتأثر بما يقال له من أنه سيحاسب على كل أعماله الدنيوية أمام الله تعالى, فليس لك إلّا ما تمتعت به قبل موتك, فلا بعث ولا حساب ولا جزاء في مفاهيم دعاة الإنسانية, وهم حينما يقررون هذا الكلام نقول لهم: بكل تأكيد أنهم يغالطون أنفسهم, وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم في فراغ, وأن الأمر جد, ولا يمكن أن تكون الحياة كذلك, قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. وهم متأكدون أن حياتهم هذه لا تختلف عن حياة سائر البهائم, ولولا الظلم وحب العلوِّ لرجعوا إلى الحق, ولنظروا إلى ما هم فيه بأنه عبث وفوضى, ولا تقرها العقول ولا الفطرة السليمة, ولكنه العناد والاستهتار والبغي.

стр. 153

الفصل الرابع: هل يحقق مذهب الإنسانية السعادة ؟ ما أكثر الدعايات الكاذبة, وما أكثر الخدع التي يتفنَّن فيها الناس لخداع بعضهم بعضًا. ولن تجد صاحب هوًى ينادي باتباعه إلّا وهو يضمن للناس أنهم سيعيشون تحت ظله بالسعادة الغامرة والعيش الكريم, فيدخل من كُتِبَ عليه الشقاء في تلك التجارب المضطربة, وفي ظلماتها الحالكة, ثم تنجلي عنه الغمّة بعد فترة قد تطول وقد تقصر, فإذا به يلعن تلك المبادئ, ويعض أنامله من الندم على ما ضاع منه في خدمتها. وهذا أمر بدهي؛ لأن السعادة والوصول إليها من الأمور الغيبية الخاضعة لمشيئة الله , وقد أخبر الله تعالى أنه لا يهدي القوم الظالمين, وأن من أعرض عن ربه فإنه سيعيش هذه الحياة عيشة ضنكًا لا يشعر معها بأيّ طعم للسعادة -كما هو حال أعداء الإسلام؛ حيث تجد الأغنياء في غاية القلق على مستقبل أموالهم, وتجد الفقراء في غاية الغيظ على الأغنياء, وتجد كل شخص يعيش غاية القلق على نهاية حياته, وأين سيكون مصيره بعد موته، وأمور أخرى تجعله في غاية الحزن والكآبة, خصوصًا وهو يرى تلك الفوارق الهائلة بين الناس في الدين وفي العيش وفي السلوك وفي الثقافات، بل وفي كل نواحي الحياة. فإذا دخل باب الإنسانية وجد أنَّ ما تنادي به من أنَّ الناس سيصبحون

стр. 154

أخوة متحابين لا فوارق بينهم ولا أحقاد, إنما هي كذبة صريحة وأمان فارغة يكذبها الواقع بكل وضوح, وأنها لم تحقق شيئًا منذ أن نادى أقطاب الإنسانية بالتجمُّع على مبدائها؛ ليعيشوا الحرية والإخاء والمساواة والحياة الكريمة بأجلى مظاهرها -كما يفترون, وبان لكل ذي عينين كذبهم في أن العائق الوحيد أمام وصول الناس إلى تلك الرفاهية إنما هو الدين وتعاليم الأنبياء فقط, فإذا خرجوا عن ذلك عاشوا حياتهم دون رقيب, لا دين ولا خلق ولا أمر ولا نهي, أي: إن الشخص يمشي مكبًّا على وجهه لا يبالي بأيّ سلوك في سبيل أن يعيش متعة حياته كيفما استطاع, وتعمق بعضهم في دخول هذه الدعايات, فإذا بهم يجدون أنفسهم يعيشون حياة بهيمية منطلقة لا فرق بينهم وبين سائر الحيوانات البهيمية, يجمعهم الخروج على الأديان, وعلى كل ما تنادي به من الأخلاق الرفيعة والسلوك المهذَّب المؤدَّب, فلا يعرف الحق من الباطل, ولا الكفر من الإيمان, ولا السلوك المحمود من السلوك المذموم. وأنت ترى من كل أهداف دعاة الإنسانية أنهم يسعون لتمييع الفوارق بين الناس, ولتخديرهم تمامًا ليتسنَّى بعد ذلك تحميرهم لليهود الذين هم وراء كل جريمة, ووراء قيام دعوى الإنسانية, وإبعاد الناس عن كل دين غير الدين اليهودي, وما قيام كارل ماركس، ولينين، وستالين، وسائر الحركات الشيوعية في العالم إلّا بتخطيط حكماء اليهود, وبغضِّ النظر عن مزاعم دعاة الإنسانية في إسعادها للناس, نقول: هل تحقَّقت في يوم من الأيام تلك الأحلام الإنسانية؟ أو يمكن أن تتحقق؟

стр. 155

الفصل الخامس: هل تحققت دعاوَى الإنسانية بالفعل ؟ والجواب عن هذا السؤال هو أن نسأل دعاة الإنسانية: هل يمكن أن يحققوا تلك الدعاوى الكاذبة؟ وهل يمكن أن يقبل الناس كلهم تلك الحياة التي يدعون إليها؟ إن من السهولة بمكانٍِ أن يتخيل الشخص أشياء كثيرة وتحقيق أماني عديدة فيما يشبه الأحلام السعيدة في عالم الخيال, ولكن من الصعوبة جدًّا أن يراها مطبَّقة أمامه حقيقةً, فإن ما شاء الله أن يجمعه لا يستطيع أحد أن يفرقه, وما شاء الله أن يفرقه فلا أحد يستطيع أن يجمعه, من المعلوم بداهة أن الله تعالى شاء أن يختلف الناس في لغاتهم وفي سلوكهم, وبل وفي دينهم, وأن يختلفوا في أوطانهم "ولذلك خلقهم". فكيف يتمكَّن أولئك الملاحدة أن يغيِّروا ما أراده الله؟ هيهات ذلك, ومتى سيقبل الناس أفكار دعاة الإنسانية ويتناسون أديانهم وأوطانهم ويوحدون سلوكهم ولغاتهم؟ إنها دعوة ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ١. إن دعوى الإنسانية دعوى ضالة مخدِّرة لأتباعها, وأرخت لهم زمام الآمال الفارغة, وجمدتهم على ترقب ما تخيلوه على أنَّ ما نادوا به من إماتة الوطنيات والقوميات وسائر الفوارق الخاطئة أمر مستحسن, ولكن في حدود الشرع الشريف, وليس بحسب ما تصوروه أو تصوره القوميون

стр. 156

أو الوطنيون, فإن تصوراتهم هي عودة إلى الجاهلية، وتعصب مذموم, فإن التعصُّب حولهما لا ينتج مجتمعًا صحيحًا متماسكًا متحابًّا, بل ينتج أمة قابلة للتمزق والأحقاد والتعالي بالباطل, والواقع أقوى شاهد, فما أن تنشب حرب أهلية إلّا وتناسى الناس فيها كل الروابط الجاهلية من قومية ووطنية وإنسانية وغيرها, وراحوا لا يرقب أحدهم في الآخر إلًّا ولا ذمَّة؛ لأن هذه الروابط ليس وراءها ما يرغب فيها من جزيل الثواب عند الله تعالى, ولا خوف منه في يوم الحساب, بل فيها ما يثير الأحقاد والتعصبات القبلية, واغتنام المصالح ولو على حساب الغير "إذ مت ظمآنًا فلا نزل القطر"١. وهذه الدعوة الحمقاء لجمع العالم كلهم على فكرة واحدة من وضع البشر, قد جربها كثير من الناس آخرهم البهائية, ولكنهم كلهم باءوا بالفشل الذريع, وظهرت حماقاتهم واضحة للعيان, ولم يستطيعوا هم أنفسهم تطبيق هذه الدعوة الفارغة؛ لأنها غير قابلة للتطبيق العملي, فإن أمامها عوائق لا يمكن تخطِّيها بمثل تلك الأفكار البرَّاقة الضحلة, فهي لم تطبق على حقيقتها لا في أوربا ولا في أمريكا ولا في بلدان العالم الإسلامي ولا في غيرها, ولهذا نجد أن الله لم يأمر الناس أن يتكلموا لغة واحدة, ولا أن يتنكروا لشعوبهم وقبائلهم.

стр. 157

ومن المدهش حقًّا أن يتبارى دعاة الإنسانية في تقديمها في الوقت الذي يتفنَّون فيه في سفك دماء الإنسانية وامتصاص خيراتهم,/ والتخويف والتجويع وافتعال الأزمات, ووصف كل من يخالفهم بأنه إرهابي ومتخلف وعدو للحضارة ... إلى آخر أوصافهم, وتشجيع كل فريق على الفتك بالآخر في مؤامرات وخطط جهنَّمية لا تفعلها الوحوش الكاسرة. ولعل ذلك يعود إلى لطف الله بالبشر؛ ليعود إليه حينما يرون ما يفعله الجهل بأهله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ١، كما أنَّ الشَّرَه قد وصل بأولئك إلى حَدِّ انتزاع الرحمة من قلوبهم حينما يؤججون نار الفتن لتنشب الحروب ليربحوا من ورائها بيع الأسلحة الفتَّاكة التي ملئت بها مخازنهم, ولتجربتها فوق رءوس المخالفين لهم, وبالتالي فإنهم يرمون عصفورين بحجر, وأين غاب دعاة الإنسانية والرحمة بالإنسان في الوقت الذي تسفك فيه دماء المسلمين, وتنتهك أعراضهم, وتؤخذ أموالهم في أكثر الأقطار الإسلامية, والبوسنة والهرسك وكشمير والفلبين, بل وفلسطين, والآن العراق أكبر شاهد على كذب دعاة الإنسانية, وأين دعوى الإنسانية في الوقت الذي يعامل فيه الغرب الكلب أحسن من معاملة الإنسان, وقد سمعت من إذاعة لندن أن كلبًا في هندوراس وصل إلى رتبة وزير أمن, فاتضح أن دعوى الإنسانية

стр. 158

إنما يراد بها هدم الأديان واستعمار البلدان ونشر الضلال وإعلاء رايات المساونية, وكم في السجون من البائسين المظلومين تتناساهم تقارير دعاة الرحمة والإنسانية كما يسمون أنفسهم, لا لشيء إلّا لأن هؤلاء البائسين يتمسَّكون بدينهم الإسلامي, أو لم يباركوا ظلم الطغاة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل إن الظالمين يصرخون بعزمهم على إذلال المسلمين وتقطيع أوصالهم, ويتبعون القول بالعمل دون أن يوجّه الإنسانيون كلمة رحمة أو عتاب من أجلهم، بينما أي حركة يتحركها المسلم ولو دفاعًا عن نفسه فإنه يوصف فورًا بالإرهابي والمشاغب والمتشدد, وغير ذلك من الألقاب الجاهزة التي يضعونها على من يشاءون في أية لحظة. وتحت هذا البنز يقع للإنسان من التعذيب والتخويف ما تتنزه عن فعله الحيوانات المفترسة في الغابات, فأين دعاة الإنسانية من النصارى -وهم الأغلبية, وغيرهم من سائر من يتشدق بهذا الاسم, ويزعم أنه سيحقق السعادة للبشرية, وأن الإنسانية في زعمهم ستكون عليهم بردًا وسلامًا حينما تقصى الأديان, وفي أولها الدين الصحيح الذي لا يقبل الله غيره, وهو الدين الإسلامي الذي قرَّر الرحمة في أكمل صورها, دعا إليها دون خداعٍ أو نفاق منذ مئات السنين, حين دعى إلى المحبة والتعاون ونبذ كل شعارات الجاهلية وخرافاتها, وأن يكون البشر كالجسد الواحد عقيدةً وحبًّا وصفاءً, ولهذا فإن دعاة الإنسانية إنما هم صدًى لتلك التعاليم الإسلامية المشرقة, وإن كانوا لا يطبقونها على حقيقتها التي جاء بها الإسلام, بل ولا يعترفون له بفضل السبق إليها, سواء كان ذلك تجاه

стр. 159

الإنسان أو تجاه الحيوان, وهكذا فإن الدعوة إلى الإنسانية قد لا يفطن الكثير من الناس إلى أنها دعوة تقوم على الاحتيال والمغالطة, إلّا لمن يتتبع نتائجها وبتعمُّقٍ في معرفة الوصول إلى ضحاياها من المسلمين, ويرى مدى الإجحاف في حقِّ الشعوب المسلمة على أيدي دعاة تلك الإنسانية, بل وفي غير البلدان التي تحكم بغير الإسلام, ومدى ما يفعلونه بمضايقة المسلمين في دينهم وفي أعراضهم وفي ثقافتهم, والعمل على تفريق كلمتهم بكل ما يستطيعون من الوسائل وما يخترعونه ضدهم من الأسماء الظالمة لضربهم تحت تلك الأسماء؛ كتسميتهم متمردين وعصاة وخارجين عن القانون, وما إلى ذلك, ثم التنكيل بهم بكلِّ وحشية دون أن يحرك دعاة الإنسانية نحوهم أي التفاتة, بل يلقون التأييد والدعم السخي بأنواع الأسلحة والمساعدات المادية والمعنوية, وفي مقابل اعتزاز المسلم بدينه حيث يشار إليه بأنه عدو الحضارة متعصب جامد, ويجب أن يتنازل عن غيرته على حرمه, وأن يتنازل عن كل عاداته التي لا يمكن بسببها أن يذوب في خِضَمِّ الماسونية الجارف, وإسرائيل وأمريكا أقوى الأدلة على صحة هذا.

стр. 160

الفصل السادس: هل تقبل الدعوى إلى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين ؟ يجب على كل مسلم أن يتذكر في البداية قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١، ثم ينظر مصداقها في الواقع في حال التعايش بين النصارى واليهود من جانب, وبين المسلمين من جانب آخر, وكيف أن دعاة الإنسانية شمس العداوة لكل مسلم حتى يلين ويرجع إلى أقوالهم ويسايرهم في سلوكهم, ثم كيف بعدها يكيلون له المدائح المختلفة, ويحكمون عليه الشبكة بأنواع المساعدات المادية والمعنوية ليبقى أسيرًا لهم. لقد أظهر أدعياء الإنسانية بغضهم للدين, والمقصود به الدين الإسلامي في المقام الأوَّل, وهم دائمًا يشكون من انتشاره في مجتمعاتهم ويتخوَّفون من عودة المسلمين إلى سباق مجدهم أيام الفتوحات الإسلامية, ولهذا فقط رَمَوْهُ بكل سهم من سهامهم المختلفة, ومن ضمنها رمية بسهم الإنسانية كي تكثر السهام؛ لعلَّ واحدًا منها يصيب مقتلًا للرمية، أمَّا أن يرمي المسلمون أعداءهم ولو بخرقة الحرير فإنه يعتبر إرهابًا وهمجيَّة وعودة إلى فكرة

стр. 161

الجهاد التي أقلقهم اسمها, وأرق نومهم ذكرها, حتى أصبح الكثير من المسلمين مع الأسف الشديد يستحي من ذكر كلمة الجهاد, ويعتذر للإسلام عن ورودها فيه, حتى يجعله كالمجرم في قفص الاتهام, وهي الشبكة التي يريد أعداء الإسلام أن يوقعوا فيها مثل هؤلاء الأغبياء الذين يدَّعون أنهم يدافعون عن الإسلام, ويردون كيد أعدائه عنه, فإذا بدفاعهم يجعل الإسلام ظالمًا همجيًّا ومائعًا في نفس الوقت, ولا شكَّ أنه لا خير في مثل هؤلاء المدافعين, ولا خير في مثل جدالهم الذي يفتقد إلى وجود العزة الإسلامية في النفس أولًا, فمتى يستفيق المسلمون لخدع دعاة الإنسانية وأساليبيهم الماكرة, ومتى يعرفون أنه لا يمكن أن يتوافق دين رضيه الرحمن وطغيان يدعو إليه الشيطان, وأنه لا يمكن أن يسير الحق والباطل في طريق واحد.

стр. 162

الفصل السابع: الإنسانية والمغريات كل المذاهب الباطلة إنما تقوم على الدعايات البراقة والمغريات المختلفة, ومن ذلك القول بأن العالم خصوصًا في هذا العصر قد وصلوا في التقدُّم إلى طور بعيد جدًّا, وصناعات مذهلة, وأن الناس بإمكانهم أن يعيشوا في حرية مطلقة وسعادة لا تحدها حدود ولا تقف دونها عوائق, خصوصًا إذا التزموا بمذهب الإنسانية, ولكن أليس بالإمكان أن يقول الناس لهم: إنه بالرغم مما تزعمونه من التقدم والتطور فإنه لا زال -ولن يزال- التأخر والظلم والقهر جاثمًا على صدور الناس. مما يدل على أن دعوة الإنسانية إلى التآلف والمحبة بدون دين دعوى ساذجة لا يمكن أن تتحقق في الواقع, بل الذي تحقق إنما هو انتشار الرذائل والفواحش من أوسع الأبواب، بل لقد انصرف الناس عن ما تدعوا إليه الإنسانية من أحلام سعيدة بعد أن عرفوا ضحالة أفكارها, ولكنهم انصرفوا أيضًا إلى سوء آخر وهو التزاحم على جمع الأموال واقتطاع الأراضي, وإلى انتشار الأخلاق الرذيلة بكلِّ وسائل الإغراء التي يزخر بها هذا العصر. حيث صارت الرذائل تباع بأرخص الأسعار, فإنه بعد انصرافهم عن الدين لا يمكن أن تتحقق الألفة والاجتماع على عقيدة الإنسانية الخيالية, ولا على غيرها, اللهم إلّا على الانكباب على الآلات الصناعية الحديثة, والاستغناء بها عن النظر إلى الآخرين والاهتمام بهم، ومن هنا تدرك يقينًا ان كل الدعوات الجاهلية لا بُدَّ أن تفلس.

стр. 163

ذلك أن الإصلاح للنفوس وتهذيبها إن لم ينبع من عقيدة راسخة تؤمن بالله تعالى وثوابه وعقابه وتصديق رسله, فإنها لا يمكن أن تؤلّف بين القلوب, كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١، فالعقيدة الصحيحة هي التي تؤلف بين القلوب, وأما الدعوات الجاهلية فهي فاقدة لدعائم وأسس المحبة، وفاقد الشيء لا يعطيه، وبهذا صارت وعود الإنسانية والسعادة التي تنادي بها لا يمكن أن تكون واقعًا ملموسًا يعيشه الناس, بل إنهم يعيشون في ظل الأنظمة المادية اليوم بما تحمله من إغراءات لا حدَّ لها, تعيش أتعس حال وأمرَّه، ورابطة الإنسانية أوهى الروابط مثلًا, مثل: رابطة الحيوانية التي تتعايش بها البهائم التي لا تعير الأنظمة والأخلاق أدنى اهتمام عند تحقيق رغباتها, وإذا أبي الناس إلّا التمسك بالإنسانية هذه, فإن الراعي لهم سيكون هم اليهود الحاقدون على البشر وحضاراتهم.

стр. 164

الفصل الثامن: الإنسانية والقومية والوطنية من أساليب دعاة الإنسانية أنهم يقولون في تقديمهم لها: إنه يجب محو فكرة اختلاف الأوطان؛ لأن الجميع يعيشون في أرض واحدة, وأن الإنسان هو الذي اختلق تجزءتها, وجعل لها حدودًا سياسية مصطنعة, في حين أن الذين يعيشون فوقها هم أيضًا جنس واحد, ومن أصل واحد, فلماذا لا نعود إلى الأصل الصحيح, وهو أن الأرض وطن الجميع, ومن عليها أخوة كلهم في الإنسانية, ونضرب صفحًا عن كل الاعتبارات الأخرى من الجنس واللون والدين والعادات، والقوميات والوطنيات التي طرأت على الإنسان في شكلها البدائي, ثم أخذت تتوسَّع ويتوسَّع الانتماء إلى القومية والوطنية قليلًا قليلًا, إلى أن أصبح في وضع أكبر مما كان في البداية, ولهذا فإنهم يحبون توسيع الدعوة القومية إلى أن يصل الأمر بالجميع إلى قومية واحدة, وإلى وطن واحد, ثم يعيش الجميع تحت ظلِّ الإنسانية التي ستظل الجميع, وتنمحي كل الفوارق الأخرى بعد ذلك, ومن هنا فإن دعاة الإنسانية قد يتفاؤلون بانتشار القومية حين تكون قومية عالمية تسودها الإنسانية, حينما يلبي الجميع واجب الدعوة إلى الإنسانية وحدها, فلماذا لا نطوي المسافة ونأخذ مبادئ الإنسانية اليوم قبل غد, لتحل السعادة وتنتشر الرحمة ويعم الخير.. إلى آخره. إنها أحلام سعيدة ودعوة خلابة براقة حينما يسمعها الشخص لأول وهلة, ولكن وكما تقدَّم هل يمكن تحقيق هذه الأحلام, وهل يمكن أن يتنازل الناس بأجمعهم عن قومياتهم وأديانهم وأوطانهم ليدخلوا تحت لواء الإنسانية الذي أقلّ ما سيواجهه معضلة من سيتولى قيادة هذا المنهج الجديد, ولمن تكون القيادة والأمر والنهي؟ وما هو الوطن المفضل؟

стр. 165

الفصل التاسع: تناقض دعاة الإنسانية ظهر جليًّا أن الإنسان دائمًا يتنكر لمن يجهله, ولا يأنس به إلّا بعد وقت, ثم يزول هذا الأنس فورًا عندما يحس أن مصالحه مهدَّدة من قِبَلِ الآخرين, وإلا فأين الإنسانية حينما تحتدم الحرب الأهلية التي تأكل الأخضر واليابس في غياب العقيدة الدينية المشتركة التي تشعر كل شخص بمسئوليته عن كل تصرفاته أمام الله تعالى, التي تجعل الناس كلهم عبيدًا لخالقهم على الدوام, وتجعل محبتهم قائمة على أسس لها أيضًا صفة الدوام؛ إذ لم تقم على المصالح المؤقتة, أو تبادل المناقع المادية الناتجة عن المحبة الزائفة العارضة, أو الاستئناس بسبب ظروف مختلفة. إن دعاة الإنسانية اليوم هم الذين يقصفون المسلمين في أفغانستان منذ أكثر من شهر ونصف ليلًا ونهارًا في طلعات جوية تملأ الأفق بطائرات حربية متقدمة, وقنابل متنوعة, مرةً يسمونها قنابل ذكية, وأخرى يسمونها قنابل غبية, وصواريخ تجرَّب لأول مرة على رءوس المسلمين١. فهل يعتبرون المسلمين هناك جمادًا لا تشملهم كذبة الإنسانية؟ أليس دعاة الإنسانية هم الذين يقتلون كل يوم وكل ليلة أعدادًا من الفلسطينيين دون تمييز, ويجرِّفون مزارعهم, ويهدمون بيتوتهم بكل كبرياء؟ أليس دعاة

стр. 166

الإنسانية هم الذين يحكمون على الإسلام والمسلمين بأنَّهم إرهابيين يجوز قتلهم وسجنهم وتشريدهم دون رحمة, وأمثلة أخرى في كل العالم تقول: أين الإنسانية؟ وأين دعاتها الكاذبون؟ وأين حقوق الإنسان حينما تقدم أمريكا للمساكين في حرب أفغانستان الأكل عن طريق إسقاطه من الجو في مزارع الألغام؟ أو تسقط بعض القنابل التي تشبه في ظاهرها بعض كراتين الأكل زيادة في التمويه وإغراء الجائع بحيث لا يستطيع التمييز بين كون هذا أكلًا أم قنبلة؟ فحصدت أرواح كثيرة دون أن يحس أولئك الإنسانيون بزعمهم أدنى تأنيب من ضمير أو خلق. إن الإنسانية حقيقة سلاح يهودي ونصراني ومجوسيّ ووثنيّ موجَّه ضد المسلمين, وضد كل المستضعفين في الأرض, ويجب على كل مسلم أن يكون مستيقظًا لهذه الأخطار, وأن لا يلدغ من جحر مرتين. وقد اتضح جليًّا من خلال بيان الإنسانيين السابق أنها دعوة ماكرة يراد من ورائها في الدرجة الأولى سيطرة اليهود ومحاربة أديان الجوييم, وتذويب الأوطان في ديانتهم الإنسانية القائمة على أهوائهم ومفاهيمهم اليهودية الحاقدة برعاية الماسونية العالمية. قال أحد الماسون: "إن ما تبغيه الماسونية وهو وصول الإنسانية شيئًا فشيئًا إلى النظام الأمثل الذي تتحقق فيه الحرية بأكمل معانيها, وتزول فيه الفوارق بين الأفراد والشعوب, ويسود فيه العلم والجمال والفضيلة"١.

стр. 167

فانظر إلى هذه المغالطة, بل الصحيح أن هذا المذهب والدعوة إليه كفيل لو نجح دعاته في إفساد البشرية وقلب الأمور رأسًا على عقب, حينما تتغلَّب ديانة الإنسانية وتتمّ وفق مفاهيم أقطابها -لا قدر الله, وينتصر اليهود فتلغي كل الأديان, وخصوصًا الإسلام الذي هو الهدف الأكبر في حملتهم لمحوه, ومحو أنه الدين الذي نسخ الله به كل الأديان التي قبله, كما تهدف كذلك إلى تمييع مفهوم الأديان حتَّى تشب الأجيال الجديدة وهي لا تفرق بين الأديان, ولا تعرف الصحيح من المزيف, والمستقيم من المعوَّج منها. فيختلط الكفر بالإيمان, فلا يعرف بعد ذلك الحق والباطل في خِضَمِّ هذا التيار الجارف, ومن هنا نجد أن هؤلاء الدعاة تتكاتف جهودهم على ذم الأديان وتجهيلها, وأنها لم تحقق للإنسان الحرية والعدل والمساواة التي يدَّعون أنهم يريدون الوصول إليها بحسب آرائهم الخيالية. وحينما يزعم الإنسانيون أنهم رحماء بالإنسان والحيوان وهم يقاتلون بين الحيوانات حتى يقتل بعضهم بعضًا وهم يتفرجون ويضحكون, أين الإنسانية منهم؟ أو الرحمة بالخلق؟ وهل ستجد الإنسانية مثل الإسلام في إعطاء تلك الأمور حقها الذي تصلح به الحياة, وتستقيم به الأمور, ويأخذ كل ذي حق حقه؟ كلَّا, ولكن لجلهلهم بالإسلام يظنون أنهم هم الذين سبقوا إلى تلك الدعوى, بل وكثير منهم يعرفون ذلك, ولكن لحقدهم على الإنسانية ورغبتهم في استعباد البشر والسيطرة عليهم جحدوا بها واستقينتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا.

стр. 168

الفصل العاشر: زعماء الدعوة الإنسانية أقيمت هذه الدعوة على أكتاف مجموعة من الكُتَّاب الفلاسفة من دول أوروبية مختلفة, كان من أبرزهم: - أراسمس, المولود في روتردام, والكاتب الفرنسي فرانسيس بوتر, والأديب الإنجليزي إليوت, والفيلسوف الألماني شيلر, والفيلسوف الإنجليزي جون لوك, والفيلسوف الألماني كونت, والفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت, والفيلسوف الهولندي سبينوزا, وغيرهم من الفلاسفة. ويظهر أن هؤلاء الفلاسفة مهمتهم في البداية هي الرغبة في الإطاحة بالكنيسة, والخروج عن سلطة رجالاتها تحت أيّ مبرر, ثم تطورت لتشمل بعد ذلك محاربة كل الأديان, وفي أولها الدين الإسلامي, بالإضافة إلى العدو اللدود النصرانية, وقد استغتلها اليهودية العالمية كما هو شأنهم في تبنِّي كل الحركات المناوئة لديانة الجوييم, كما أفادت منها أيضًا النصرانية فيما بعد كأحد أسلحتها الموجهة ضد الإسلام, وغيرهم من أصحاب الأهواء. كما يلاحظ أن أولئك الفلاسفة لم يكونوا كلهم في الأصل على عقيدة واحدة قبل أن تتوجه أنظارهم إلى بناء مذهب الإنسانية, وبعد ظهور هذا المهذب كانت نقطة الانطلاق لهم تنبع من الدعوة إليه وتطويره وتجديد مفاهيمه, وتقديمها إلى الناس جذابة براقة في ظاهرها، وجهنَّمية بائسة في باطنها.

стр. 169

الفصل الحادي عشر: الإنسانية الحقيقية, والرحمة الصادقة هي في الإسلام لن يجد العالم دعوة إلى الإنسانية الحقيقية مثل الإسلام إلى يوم القيامة, ولا يمكن أن يوجد نظام أرحم بالبشر من نظام الإسلام, وهذا معروف بالضرورة والبداهة, فهو نظام إلهي صادر عن عالم السر وأخفى, دعا إلى الرحمة وإلى الرفق وإلى مكارم الأخلاق, وجعل الإنسان أكرم مخلوق وأفضل من على ظهر الأرض، إذا أطاع مولاه وأدَّى ما أمره به, في القرآن الكريم من الدعوات إلى حسن المعاملة والسلوك الحسن ما لا يجهله أي مسلم, فقد قال الله تعالى: ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ١، وقال لنبيه موسى ﷺ : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ٢، ومع أنّ فرعون أكفر من عُرِفَ على وجه الأرض، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣، وقال عن صفات المؤمنين: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ٤، وقال عنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٥، إلى آخر ما ذكره الله تعالى عن أوصاف المسلمين وسلوكهم, الذي يعتبر نقطة مضيئة في ظلمات هذه الأرض, وغرة في جبين الدهر.

стр. 170

أما نبيُّ الإسلام وما جاء به في تحقيق الإنسانية الخيرة فحدِّث ولا حرج, فقد كان هو نفسه ﷺ مثال الإنسان الكامل قولًا وعملًا وسلوكًا, لا يكاد التاريخ يعرف له مثيلًا في الرحمة بالإنسانية، والعطف على جميع البشر, رأي ذات يوم يمامة تحوم على رءوس الصحابة فقال لهم: من فجع هذه في أفراخها, فقال رجل منهم: أنا, وهي معي, فقال له: أرجع إليها أفراخها, ودنا إليه جمل مسنّ يشكو أهله أنهم يجيعون بطنه ويتعبون ظهره, فرقَّ له ﵇, وأمر أصحابه بحسن معاملته, فقال صحابه: هو حر لوجه الله تعالى, وجاءت جارية تشكو إليه أن سيدها لطمها على وجهها, فسأل سيدها فأخبره أنه لطلمها حين رأى الذئب أخذ شاة من الغنم, وأنه بشر يغضب, وندم أشد الندم, ورأى ذلك الرجل أنه لا يكفر عنه إلّا أن يعتقها, فتأكد الرسول -صلى لله عليه وسلم- من إسلامها وأمره بعتقها، وكان ﷺ يفرح لفرح الصحابة ويحزن لحزنهم, ولا يبخل بشيء في يده عن أي سائل, قال ذات يوم لأصحابه: "من له مظلمة عندي فليقتصها مني الآن" , فقام رجل وقال: يا رسول الله, إنك ضربتني بسوط في بطني وأنت تسوي الصفوف يوم بدر, وأريد القصاص, فكشف الرسول ﷺ عن بطنه, وقال: "اقتص" , فقام الرجل وأخذ يقبل بطن الرسول ﷺ ويبكي, فقال الرسول ﷺ : "ما شأنك" , فقال: أحببت أن يكون آخر عهدي في الدنيا بجسمك، وكان ﷺ يحنو على الصغير ويحترم الكبير, ويستشير أصحابه في كل ما يهمهم, إلى آخر تاريخه المشرق الذي تتضاءل أمام جزء من عظمته عباقرة العالم. وقد اقتفى المسلمون أثره وتأسَّوا به وحقَّقوا الإنسانية الصحيحة خير تحقيق في أنفسهم وفي أموالهم وفي كل تصرفاتهم.

стр. 171

كان أحدهم لا يشبع وجاره جائع, ولا يشرب وصاحبه ظمآن, كانوا كلهم أمناء لا يقربون الغش, صادقين لا يتعمَّدون الكذب, رحماء يرجون رحمة الله تعالى, أوفياء في أقوالهم وفي أفعالهم, الضعيف فيهم قوي حتى يأخذ حقه, والقوي ضعيف حتى يؤخذ منه الحق, والمظلوم كلهم أنصاره حتى ينتصف ممن ظلمه, كانوا يطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا, لا يريدون من أحد جزاءً ولا شكورًا, وإنما يريدون مغفرة الله تعالى ورضوانه. إن دعاة الإنسانية اليوم هم أقلّ وأذلّ من أن يوحِّدوا القلوب ويؤلفوا بينها في سعادة كالتي عاشها المسملون, بل شبه تلك الحياة؛ لأن أولئك كانوا يهتدون بهدى الله تعالى, وهؤلاء قد اتخذوا الشياطين أولياء لهم, أهدافهم خبيثة استعمارية, ووسائلهم قذرة قائمة على الاستمتاع بكل أنواع الفجور, والاستهتار بكل القيم, وجحود برب العالمين الذي تشهد كل ذرة من ذرات هذا الكون بوجود وخلقه وقهره, ومصيرهم إليه في يوم تشخص فيه الأبصار. وعلى المسلم أن يكون يقظًا مبتعدًا عن معضلات الفتن ودعاة جهنم, وأن لا يصغي إلى هذا التيارات التي يموج بها العالم, فهي ضلالات مدمرة لكل تراث الإنسانية؛ في دينهم, ودنياهم, وآخرتهم.

стр. 172

الباب الثالث عشر: الوجودية الفصل الأول: التعريف بالوجودية ... الباب الثالث عشر: الوجودية وتشمل دراستها الفصول الآتية: الفصل الأول: التعريف بالوجودية. الفصل الثاني: أقسام الوجودية. الفصل الثالث: ظهور الوجودية وأبرز زعمائها. الفصل الرابع: من هو سارتر؟ الفصل الخامس: الوجودية هي الفوضى. الفصل السادس: أسباب انتشار الوجودية. الفصل السابع: الرد على الوجوديين. الفصل الأول: التعريف بالوجودية الوجودية مذهب ظهر في أوربا إثر الصراع مع الكنيسة, اتخذ طابعًا مختلفًا في التفلت والعصيان, يتلخص في تقديس الإنسان لنفسه أولًا وأخيرًا, وأن يرتع في المعاصي واقتناص الشهوات كما يحلو له دون الخوف من حسيب ولا رقيب, أو عرف ينطلق صاحبه كما تنطلق البهائم، ولهذا فقد مثل هذا المذهب الفوضوية في أكمل صورها.

стр. 173

الفصل الثاني: أقسام الوجودية قبل أن ندخل في تفاصيل الوجودية نتطرق أولًا لما يذكره بعض العلماء حول قضية الوجود والعدم التي هي من الوضوح بحيث لا تخفى على أحد, إلّا أن عبث الفلاسفة وخيالاتهم التي تسرح هنا وهناك لم تقف بهم عند حدٍّ في إيراد الشبهات, وهؤلاء يبحثون الواضح حتى يجعلونه غامضًا بما يخترعونه من أفكارمتضاربة واستنتاجات بعيدة وافتراضات خيالية، وحينما كان الناس على فطرتهم السليمة ما كانوا بحاجة إلى أن يشرح لهم قضية الوجود والعدم؛ لأنهم كانوا يحكمون على الموجود بأنه موجود, وعلى المعدوم بأنه معدوم, وأنَّ الموجود هو مقابل المعدوم, والمعدوم يقابله ضده الموجود، في بداهة لا تعرف التعقيد. كما أن كلمة "الوجود" لم يذكرها الله في القرآن الكريم, ولا ذكر كذلك فكرة العدم بالمعنى الذي ذهب إليه الفلاسفة، وبتتبع الموجودات فإنك ستجد أن أوَّل ما يظهر لك أنها تنقسم إلى قسمين: ١- موجودات مشاهدة ومحسوسة. ٢- موجودات غير مشاهدة, وإنما هي في الأذهان تسمَّى الموجودات العقلية أو المنطقية. وسارتر يرى أن العدم لا معنى له إلّا من جهة ما هو نفي شيء أو فقدان

стр. 174

شيء, فلا وجود للعدم بذاته, وإنما يعود إلى تصوّر الإنسان له, والقصد هو إنكار الحياة الأخروية, والإسلام يقرر أن فكرة العدم المحض بالنسبة للإنسان غير صحيحة, بل إنه سيحيى حياة أخرى بعد نهاية حياته الدنيوية, ويؤكد الله هذا في كثير من آيات القرآن الكريم, ويؤكد نبيه ﷺ في أكثر من نصٍّ في السنة النبوية١. وقد يقسم بعض العلماء الفلاسفة الوجودية المعاصرة إلى: ١- الوجودية المسيحية: ويمثلها "كيركجارد" المسيحي، ومفادها أن قلق الإنسان يزول بالإيمان بالله تعالى, وهذه الوجودية هي إحدى المراحل التي مرت بالمفاهيم الأوربية. ٢- الوجودية الإلحادية: ومثَّلها "هيدجر" و"سارتر" ومفادها أن الإنسان له مطلق الحرية في اختيار ما يريده, ويوجده مما يترتب عليه قلقه وبأسه٢. ٣- الوجودية التي يمثلها "جاك مارتيان" المسيحي: والتي أقامها على فلسفة "تومالاكويني" الفيسلوف الإيطالي, أشهر ممثلي الفكر الكاثوليكي, الذي كان يرى أن الفلسفة تعتمد على العقل وحده, أما اللاهوت فهو يعتمد على الوحي, دون أن ينكر العقل, وزعم أن الإيمان بالله يحدُّ من الرغبة في الوجود, ويحد من الخوف من العدم٣.

стр. 175

وأساس مفهوم الوجودية عند أقطابها وخصوصًا سارتر: هو أن يحقق الإنسان ذاته, ويسبر غور نفسه, وأن لا يرد نفسه عن أي شيء تشتهيه؛ ليحقق الشخصية التي ينتهي إليها دون رقيب, ليشعر بوجوده حرًّا طليقًا. ويجب أن نفهم أن الوجودين بينهم فوارق كبيرة بالنسبة لنظرتهم إلى أنفسهم, أو إلى الله تعالى, أو الدين, أو أشدهم شرًّا سارتر الملحد.

стр. 176

الفصل الثالث: ظهور الوجودية وأبرز زعمائها لقد قامت الوجودية في الغرب في فرنسا كما قام غيرها من المذاهب الفكرية الضَّالة التي تنادي بالانفلات والتحرر من تلك الأوضاع البائسة التي خيَّمت على أهل أوربا بثقلها الثقيل طول سنوات عديدة, وما إن تنفَّس أهل أوربا الصعداء ووجدوا نوعًا من الحرية إلّا وهاموا في كل وادٍ؛ إذ أصبح الحبل على الغارب, وعملت الأفكار أعمالها بعد أن كانت مكبوتة في عهد البابوات الإقطاعيين والسلطات الجبارين, إلّا أنه ليس هذا هو السبب الوحيد في قيام الوجودية, بل كانت هناك أسباب أخرى سيأتي ذكرها, وحينما قام مذهب الوجودية جرف في طريقه كل مظاهر الولاء لله تعالى وللأديان وللأخلاق, وجعل الإنسان إله نفسه, يجب أن يفعل كل ما يروق له بمفرده وباختياره, له مطلق الحرية في أن يعيش كما يشاء, كما أكَّده الملحد اليهودي جان بول سارتر زعيم الوجودية الملحدة الذي أشاعها وروَّج لاعتناقها, وإن كان قد سبق إليها الفيلسوف الفرنسي "جبريل مارسيل" المولود سنة ١٨٨٩م, وقبله الدانمراكي "سورين كير كجورد" سنة ١٨١٣م, الذي كان متأثرًا بالمسيحية البروتستانتية, ومن مشاهير الوجودية "سيمون دي بوفوار "عشيقة "سارتر" التي قضت حياتها معه دون زواج شرعيّ, كما يذكر الباحثون, ومن زعمائها قبل "سارتر" الألمانيان "مارتن هيدجر" ١٨٨٩م، و"كارك يسبرز" ١٨٨٣م١, ولكنهما أقلّ منه إلحادًا.

стр. 177

ومن المشاهير أيضًا في ورسيا "بيرديائيف" و"شستوف" و"سولوفيف", وغيرهم ممن عاش الأحداث المؤلمة والأحزان المتوالية والعقائد الباطلة التي لا تتفق مع العقل ولا الواقع أيضًا, التي تزخر بها الديانة النصرانية المحرّفة في عصورها المختلفة. ويذكر الباحثون أن الوجودية قد عُرِفَت منذ زمن بعيد -قبل سارتر- إلّا أنها لم تقم في البداية على الإلحاد أو إنكار وجود الله تعالى أو محاربة الأخلاق والفضائل، بل إن زعماءها من فلاسفة اليونان مثل سقرط ما كانوا يحاربون الدين -المسيحي- فيما يذكر عنهم, إلّا أن الوجوديين بعد أولئك قد أوغلوا في بعض الأفكار التي استفادوا من إشارتها, وبنوها على الإلحاد تحقيقًا للتضليل اليهودي بزعامة سارتر, الذي أقام وجوديته -كما أسلفنا- على أنَّ الإنسان هو الخالق لحياته وتفكيره بتطوره المستمر حسب إرادته وميوله, دون أن يكون له مشارك مدبِّر خارج ذاته -نفي وجود الله- فهو الذي يخلق الخير والشر والطيب والخبيث باختياره وإرادته, ولكن عند التدقيق في النتيجة حول هل يحاسب الإنسان بفعله إن خيرًا أو شرًّا, ويتحمّل مسئوليته أم لا؟ نجد سارتر قد تناقض في الجواب؛ إذ زعم أن الإنسان قد لا يتمكّن من فعل كل ما يريد, وقد يفعل أمورًا يستحق عليها الجزاء؛ لأنه هو المسئول عنها, وكان الأولى على مذهبه أن لا يقول بمسئولية الإنسان عن أي فعل يفعله أويتركه, وأن لا يقال لأيّ أمر إنه خير أو شر, بحكم ما قرره سارتر من وجوب بحث الإنسان عن نفسه دون أي مبالاة أو رقيب؛ ولأنَّ كل فاعل لأي فعل سيفسّره على أنه عمل خير, حتى وإن كان ذلك الفعل هو ارتكاب أفظع الجرائم, ومن هنا فإنه لا يتبقَّى أي حقيقة مسلَّمة, ولا يصح أن يقال هذا حلال وهذا حرام, أو هذا خلق فاضل أوغير فاضل, فالأمر كله من حق الشخص.

стр. 178

الفصل الرابع: من هو سارتر ؟ ونظرًا لشهرة سارتر في الوجودية, ولرغبة البعض في معرفة هذه الشخصية, فنخصه بالترجمة الآتية: هذا الشخص هو الفيلسوف "جان بول سارتر", وهو يهودي صهيوني فرنسي, وُلِدَ سنة ١٩٠٥م, في باريس، ومات بها ١٩٧٩م, كانت له عدة أدوار في حياته, وله مؤلفات أحرزت نجاحًا جعلته الممثِّل الأول للوجودية في فرنسا, وكان من أنصار إسرائيل, ومن أكثر الملحدين إيغالًا في اللامعقول, وفي هدم حياة الناس كما هي نزعة سائر اليهود. كانت الوجودية قبل سارتر مذهب الفلاسفة الذين يؤمنون بالله تعالى, وبعضهم دينون مسيحيون، ولم يكن هو المؤسس الأول للوجودية, بل هو عالة على من سبقه فيها, ولكنه نال شهرة فيها بسبب انتشار كتبه, وكثرة مواقفه في إيضاحها١. وقد كان للفيلسوف "هيدجر" الألماني المولود ١٨٨٩م, والفيلسوف اليهودي "جان بول سارتر" أكبر الأثر في تحوّل الوجودية إلى الإلحادية, وقد أقام سارتر فلسفته الوجودية الإلحادية على نوعين: - النوع الأول: ما هو موجود في الخارج بذاته ووجوده, حينئذ يكون

стр. 179

بالفعل لا بالقوة حسب زعمه, فالخشبة مثلًا هي خشبة تامّة وكاملة, لا يمكن أن تكون بابًا أو نافذةً حسب زعمه, وهذا باطل وإنكار للواقع. - والنوع الثاني: يريد به وجود الأشياء في الذهن, وسمَّاها الموجودات لذاتها, أي: التي تريد أن تحقق ذاتها فقط, وليس ثَمَّ شيء خارجًا عنها, وهو غير مستقر, بل دائم التغير, وهذا هو السبب في أن حرية الإنسان هي صميم وجوده الشعوري المشتمل على مختلف النوازع في الإنسان لكي يحقق ذاته بنفسه "لأنه يخلق نفسه بنفسه كل لحظة", ومن هنا أنكر سارتر وجود الله تعالى, وأنكر الرسل؛ لأن وجود الإنسان قائم على ذاته فقط, وليس هناك رقيب عليه, أو لا يجب أن يكون عليه أي رقيب؛ إذ هو الخالق لذاته وما يعمله, وكذلك لا خير ولا شر في هذا الوجود, وإنما مرد ذلك إلى نفس الإنسان ومزاجه في الحكم على الأمور؛ من حيث يعتبرها خيرًا أوشرًّا, وليس عليه أية مسئولية تجاه أحد, ولكنه هنا أدرك استحالة هذا الأمر, فقرر أن الإنسان مسئول عن عمله, وهذا تناقض منه واضح, شأن أهل الباطل -كما تقدَّم, ونظرية سارتر قامت أساسًا على عدم الاعتراف بموجِدِ هذا الكون, وإن وجود ما في هذا الكون هو الوجود ذاته, القائم بنفسه دون أي تأثير, ومعنى هذا أن كل موجود في الخارج يكون هو الذي أوجد ذاته بنفسه, هو كلام متناقض أشنع التناقض, حمله عليه رغبته في تضليل الناس وإبعادهم عن الإقرار بالله تعالى؛ لتكون نظريته رافدًا آخر للماركسية, قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١.

стр. 180

حارب سارتر صفة الإمكان في الموجودات, وزعم أن كل موجود لا يمكن أن يصدر عنه وجود آخر على أية صفة, فالحجر يبقى حجرًا دائمًا, والخشبة تبقى خشبة دائمًا, وهكذا سائر الأشياء, وكابر العقل في هذا وأنكر الواقع فما يكذبه أن الحجر قد يكسر ويبني به, ويعمل منه أشياء كثيرة, والخشبة قد تقطع ويمكن أن يستفاد منها في عدة أغراض فتكون عصًا وتكون بابًا وتكون غير ذلك حسب إرادة الإنسان, والحديد يمكن أن يكون بابًا وسلاحًا, وقطعة القماش يمكن أن تكون ثوبًا أو عمامةً وغير ذلك, فنفي الإمكان في الأمور مكابرة وخيال سخيف منه, وزعمه أن لا خالق لهذا الكون وأن الفكر يجب أن يقتصر على النظر إلى الموجودات بحدِّ ذاتها لا على أن لها موجودًا آخر هو زعم كاذب ترده النصوص الإلهية والعقول السليمة؛ لأن الذي يتأمَّل الموجودات ويفكر فيها لا بُدَّ أن يصل إلى نتيجة حتمية, وهي أن لكل موجود موجِد لا بُدَّ, وفلسفة سارتر تريد أن يقطع الإنسان مثل هذا التفكير لئلَّا يجره إلى الإيمان بالله تعالى, وأنه هو الموجِدُ لهذه الموجودات المختلفة١.
следующие страницы →