الفصل الثالث: ظهور الوجودية وأبرز زعمائها
لقد قامت الوجودية في الغرب في فرنسا كما قام غيرها من المذاهب الفكرية الضَّالة التي تنادي بالانفلات والتحرر من تلك الأوضاع البائسة التي خيَّمت على أهل أوربا بثقلها الثقيل طول سنوات عديدة, وما إن تنفَّس أهل أوربا الصعداء ووجدوا نوعًا من الحرية إلّا وهاموا في كل وادٍ؛ إذ أصبح الحبل على الغارب, وعملت الأفكار أعمالها بعد أن كانت مكبوتة في عهد البابوات الإقطاعيين والسلطات الجبارين, إلّا أنه ليس هذا هو السبب الوحيد في قيام الوجودية, بل كانت هناك أسباب أخرى سيأتي ذكرها, وحينما قام مذهب الوجودية جرف في طريقه كل مظاهر الولاء لله تعالى وللأديان وللأخلاق, وجعل الإنسان إله نفسه, يجب أن يفعل كل ما يروق له بمفرده وباختياره, له مطلق الحرية في أن يعيش كما يشاء, كما أكَّده الملحد اليهودي جان بول سارتر زعيم الوجودية الملحدة الذي أشاعها وروَّج لاعتناقها, وإن كان قد سبق إليها الفيلسوف الفرنسي "جبريل مارسيل" المولود سنة ١٨٨٩م, وقبله الدانمراكي "سورين كير كجورد" سنة ١٨١٣م, الذي كان متأثرًا بالمسيحية البروتستانتية, ومن مشاهير الوجودية "سيمون دي بوفوار "عشيقة "سارتر" التي قضت حياتها معه دون زواج شرعيّ, كما يذكر الباحثون, ومن زعمائها قبل "سارتر" الألمانيان "مارتن هيدجر" ١٨٨٩م، و"كارك يسبرز" ١٨٨٣م١, ولكنهما أقلّ منه إلحادًا.
стр. 177
ومن المشاهير أيضًا في ورسيا "بيرديائيف" و"شستوف" و"سولوفيف", وغيرهم ممن عاش الأحداث المؤلمة والأحزان المتوالية والعقائد الباطلة التي لا تتفق مع العقل ولا الواقع أيضًا, التي تزخر بها الديانة النصرانية المحرّفة في عصورها المختلفة.
ويذكر الباحثون أن الوجودية قد عُرِفَت منذ زمن بعيد -قبل سارتر- إلّا أنها لم تقم في البداية على الإلحاد أو إنكار وجود الله تعالى أو محاربة الأخلاق والفضائل، بل إن زعماءها من فلاسفة اليونان مثل سقرط ما كانوا يحاربون الدين -المسيحي- فيما يذكر عنهم, إلّا أن الوجوديين بعد أولئك قد أوغلوا في بعض الأفكار التي استفادوا من إشارتها, وبنوها على الإلحاد تحقيقًا للتضليل اليهودي بزعامة سارتر, الذي أقام وجوديته -كما أسلفنا- على أنَّ الإنسان هو الخالق لحياته وتفكيره بتطوره المستمر حسب إرادته وميوله, دون أن يكون له مشارك مدبِّر خارج ذاته -نفي وجود الله- فهو الذي يخلق الخير والشر والطيب والخبيث باختياره وإرادته, ولكن عند التدقيق في النتيجة حول هل يحاسب الإنسان بفعله إن خيرًا أو شرًّا, ويتحمّل مسئوليته أم لا؟ نجد سارتر قد تناقض في الجواب؛ إذ زعم أن الإنسان قد لا يتمكّن من فعل كل ما يريد, وقد يفعل أمورًا يستحق عليها الجزاء؛ لأنه هو المسئول عنها, وكان الأولى على مذهبه أن لا يقول بمسئولية الإنسان عن أي فعل يفعله أويتركه, وأن لا يقال لأيّ أمر إنه خير أو شر, بحكم ما قرره سارتر من وجوب بحث الإنسان عن نفسه دون أي مبالاة أو رقيب؛ ولأنَّ كل فاعل لأي فعل سيفسّره على أنه عمل خير, حتى وإن كان ذلك الفعل هو ارتكاب أفظع الجرائم, ومن هنا فإنه لا يتبقَّى أي حقيقة مسلَّمة, ولا يصح أن يقال هذا حلال وهذا حرام, أو هذا خلق فاضل أوغير فاضل, فالأمر كله من حق الشخص.
стр. 178
الفصل الرابع: من هو سارتر ؟
ونظرًا لشهرة سارتر في الوجودية, ولرغبة البعض في معرفة هذه الشخصية, فنخصه بالترجمة الآتية:
هذا الشخص هو الفيلسوف "جان بول سارتر", وهو يهودي صهيوني فرنسي, وُلِدَ سنة ١٩٠٥م, في باريس، ومات بها ١٩٧٩م, كانت له عدة أدوار في حياته, وله مؤلفات أحرزت نجاحًا جعلته الممثِّل الأول للوجودية في فرنسا, وكان من أنصار إسرائيل, ومن أكثر الملحدين إيغالًا في اللامعقول, وفي هدم حياة الناس كما هي نزعة سائر اليهود.
كانت الوجودية قبل سارتر مذهب الفلاسفة الذين يؤمنون بالله تعالى, وبعضهم دينون مسيحيون، ولم يكن هو المؤسس الأول للوجودية, بل هو عالة على من سبقه فيها, ولكنه نال شهرة فيها بسبب انتشار كتبه, وكثرة مواقفه في إيضاحها١.
وقد كان للفيلسوف "هيدجر" الألماني المولود ١٨٨٩م, والفيلسوف اليهودي "جان بول سارتر" أكبر الأثر في تحوّل الوجودية إلى الإلحادية, وقد أقام سارتر فلسفته الوجودية الإلحادية على نوعين:
- النوع الأول: ما هو موجود في الخارج بذاته ووجوده, حينئذ يكون
стр. 179
بالفعل لا بالقوة حسب زعمه, فالخشبة مثلًا هي خشبة تامّة وكاملة, لا يمكن أن تكون بابًا أو نافذةً حسب زعمه, وهذا باطل وإنكار للواقع.
- والنوع الثاني: يريد به وجود الأشياء في الذهن, وسمَّاها الموجودات لذاتها, أي: التي تريد أن تحقق ذاتها فقط, وليس ثَمَّ شيء خارجًا عنها, وهو غير مستقر, بل دائم التغير, وهذا هو السبب في أن حرية الإنسان هي صميم وجوده الشعوري المشتمل على مختلف النوازع في الإنسان لكي يحقق ذاته بنفسه "لأنه يخلق نفسه بنفسه كل لحظة", ومن هنا أنكر سارتر وجود الله تعالى, وأنكر الرسل؛ لأن وجود الإنسان قائم على ذاته فقط, وليس هناك رقيب عليه, أو لا يجب أن يكون عليه أي رقيب؛ إذ هو الخالق لذاته وما يعمله, وكذلك لا خير ولا شر في هذا الوجود, وإنما مرد ذلك إلى نفس الإنسان ومزاجه في الحكم على الأمور؛ من حيث يعتبرها خيرًا أوشرًّا, وليس عليه أية مسئولية تجاه أحد, ولكنه هنا أدرك استحالة هذا الأمر, فقرر أن الإنسان مسئول عن عمله, وهذا تناقض منه واضح, شأن أهل الباطل -كما تقدَّم, ونظرية سارتر قامت أساسًا على عدم الاعتراف بموجِدِ هذا الكون, وإن وجود ما في هذا الكون هو الوجود ذاته, القائم بنفسه دون أي تأثير, ومعنى هذا أن كل موجود في الخارج يكون هو الذي أوجد ذاته بنفسه, هو كلام متناقض أشنع التناقض, حمله عليه رغبته في تضليل الناس وإبعادهم عن الإقرار بالله تعالى؛ لتكون نظريته رافدًا آخر للماركسية, قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١.
стр. 180
حارب سارتر صفة الإمكان في الموجودات, وزعم أن كل موجود لا يمكن أن يصدر عنه وجود آخر على أية صفة, فالحجر يبقى حجرًا دائمًا, والخشبة تبقى خشبة دائمًا, وهكذا سائر الأشياء, وكابر العقل في هذا وأنكر الواقع فما يكذبه أن الحجر قد يكسر ويبني به, ويعمل منه أشياء كثيرة, والخشبة قد تقطع ويمكن أن يستفاد منها في عدة أغراض فتكون عصًا وتكون بابًا وتكون غير ذلك حسب إرادة الإنسان, والحديد يمكن أن يكون بابًا وسلاحًا, وقطعة القماش يمكن أن تكون ثوبًا أو عمامةً وغير ذلك, فنفي الإمكان في الأمور مكابرة وخيال سخيف منه, وزعمه أن لا خالق لهذا الكون وأن الفكر يجب أن يقتصر على النظر إلى الموجودات بحدِّ ذاتها لا على أن لها موجودًا آخر هو زعم كاذب ترده النصوص الإلهية والعقول السليمة؛ لأن الذي يتأمَّل الموجودات ويفكر فيها لا بُدَّ أن يصل إلى نتيجة حتمية, وهي أن لكل موجود موجِد لا بُدَّ, وفلسفة سارتر تريد أن يقطع الإنسان مثل هذا التفكير لئلَّا يجره إلى الإيمان بالله تعالى, وأنه هو الموجِدُ لهذه الموجودات المختلفة١.
стр. 181
الفصل الخامس: الوجودية هي الفوضى
لأن حينما دعت الوجودية إلى التجرد التام من كل القيم والمثل والأخلاق والأعراف, فإن معناها يعادل معنى الفوضية والفراغ بأكمل صوره, فهي تتمثَّل في عبادة الإنسان لذاته, وذلك بأن يمتّعها بكل ما يستطيع الوصول إليه من المتع الدنيوية, فلا وجود فيها للإله ولا للدين ولا للأخلاق, ولا مكان فيها للحشمة أو العيب؛ لأن هذه الأمور في نظر الوجودية قيود تكبّل صاحبها عن انتهاب اللذات في وجوده الذي لا يعود إليه إذا فارق الحياة حسب اعتقاده. فالوجودي يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء دون أي اعتبار إلّا رغبته هو, وبالتالي فلا خير ولا شر ولا وطن ولا زوجة ولا مجتمع, كل هذه قيود يجب حذفها عند الوجودي, ولهذا وجدت هذه الوجودية القذرة طريقها إلى قلوب يجب حذفها عند الوجودي, ولهذا وجدت هذه الوجودية القذرة طريقها إلى قلوب الشباب والشابات في أوربا وأمريكا وغيرها, فأنشأت لها نوادي العراة والهيبز والخنافس الذين يهيمون في هذه الحياة, لا يدرون إلى أين يسيرون ولا إلى أي مكان ينتهون إليه, بل إنَّ الوجوديين يعيبون على أهل الدين أنهم جبناء, وأنهم يهربون من واقعهم إلى واقع آخر لا وجود له وهي الآخرة وما فيها, وأن الشجاع هو الذي لا يلقي بالًا لما تذكره الأديان من بعث وحساب وجزاء.
إن الوجودية غزو فكري من أخطر دعوات الهدم والإباحية, وقد تلقفها اليهود عن اليهودي سارتر وأشاعوها وأذاعوها لما يرون من فائدتها في تحطيم حياة الجويم, وانشغالهم بها عن مخططات اليهود لاستعمار العالم كله.
стр. 182
الفصل السادس: أسباب انتشار الوجودية
ولسائل أن يسأل بالحاح فيقول: إذا كانت آراء الوجودية بهذه الضحالة والسخافة, فكيف انتشرت وكيف تقبلها الناس؟ والجواب: إنه بالتأكيد أن آراء الوجودية في غاية السخافة والبطلان, ولكن لا يغيب عن ذهن السائل أن لكلِّ صائح صدًى, أو كما قال الشاعر:
لكل ساقطة ... في الحي لاقطة
وبداهة يعلم أن الذين تقلبوها ونشروها إنما يريدون من ورائها ما أراد مؤسسوها الأوائل من إشاعة الإلحاد وهدم الأخلاق والأديان ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ١.
وأول ما يدل على بطلانها وسخافتها موقف دعاتها من وجود رب العالمين, الذي يدل على وجوده جميع ذرات هذا الكون عما يقول الظلمون علوًّا كبيرًا, لكنه خفي في أذهانهم حين استبعدهم إبليس وجنوده, وقد حدثت أمور خطيرة استفاد منها الوجوديين في ترويج أفكارهم, وذلك أن بشاعة الحروب العالمية وغيرها وأخطارها, وما كانوا ينتظرونه من ظهور الفتن المتتابعة, وتسلط الكنيسة وطغيانها, وكذا ما تدعو إليه الوجودية من الانطلاق واهبتال الشهوات وتهوين أمر
стр. 183
الفواحش, وأنها المنقذ الوحيد من الشقاء, فتلقفها الشباب والشابات والمراهقين والمراهقات على أنها حقيقة يجب أن تطبق, فانتشرت الفوضى الجنسية والإباحية التي لا حدود لها, ضاربين بكل القيم والمثل الدينية والاجتماعية عرض الحائط، كما أن اليأس الذي كان يعيشه الأوربيون, والبطالة الشديدة, والاستغلال الجشع من قِبَلِ أصحاب الأموال, مع جهلٍ مطبق بالدين الحق, كل هذه كانت روافد لتقبل المحرومين والمترفين على حد سواء للأفكار الوجودية.
стр. 184
الفصل السابع: الرد على الوجوديين
لقد أقام سارتر وجوديته على غاية التناقض "فزعم أن الشيء يوجد أولًا ثم يصنع الشعور الإنساني له ماهية"١.
فبأي عقل يتصوّر الإنسان أن الشيء يوجد من غير موجِد, ويكون أيضًا في غاية الإتقان إن لم يكن هناك خلّاق عالم أوجده على الماهية التي يريدها؟ ومعلوم أن الذي أضطره إلى هذا الزعم هو قيام فلسفته على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى, وتصديق الأوهام والأفكار الفارغة.
ولقد هاجم سارتر كل القيم الاجتماعية وفنَّدها وقلب الأمور فيها رأسًا على عقب, بدافع حقده اليهودي وخلاعته ورغبة اليهود في استحمار العالم كله, حينما يصبح العالم مثل الحيوانات لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا, ولقد ابتكر سارتر أفكاره من محض خياله دون أن يستند على أيّ دليل لا عقلي ولا نقلي, مزخْرِفًا كلامه بشتَّى المغالطات والأساليب الفلسفة التي يحسبها الجاهل ماءً, فإذا هي سراب أضافه إلى ما تلمَّسه من الفلسفات التي سبقته, كما أن دعواه أن الإنسان ليس له إلّا هذه الحياة التي يجب على حدِّ زعمه أن يتمتَّع بكل ما تريده نفسه, هي حياة حيوانية لا تليق بالإنسان الذي كرمه الله تعالى, كما أن الحرية التي نادى بها هي حرية فوضوية لا تليق كذلك بالإنسان.
стр. 185
يقول أبو جمعة: "ولقد عارض النظرية الوجودية مفكرون غربيون كثيرون, وحصروا أخطارها في عدة نقاط أساسية هي:
١- أنها تجعل الإنسان في عزلة عن الجماعة.
٢- أنها تستطيب إبراز القبيح من جوانب الطبيعة الإنسانية وتدعو إلى الانحلال.
٣- أنها تبطل الأوامر الإلهية وتنكر القيم الخالدة.
٤- أنها تدعو إلى اليأس المطلق والتشاؤم الكلي, وتدعو إلى هدم الحياة.
٥- أنها دعوة إلى التمرد على الواقع والقيم جميعًا, وترفض كل ما يتصل بالمغيبات والنفس الإنسانية, وتقف عند الإيمان باللحم والدم.
٦- أنها تنكر محصول البشرية من القيم والتجارب, وتدعو إلى أن يبدأ الإنسان من جديد.
٧- تحتقر الدين والعلم والأخلاق.
٨- ليس فيها نقطة واحدة تفتح الطريق أمام التقدُّم أو بناء الحياة, أو العمل من أجل مجتمع أفضل.
٩- هي فلسفة موغلة في الفردية تنكر الحقيقة الموضوعية للواقع الإنساني.
١٠- الأخلاق الوجودية هي أخلاق: المرض، القلق، القنوط، التشاؤم، الأنانية المفرطة.
стр. 186
١١- تعمل على تقويض المجتمعات وهدم الأمل والخلق والغيرة ومعارضة الشجاعة والتضحية١.
إن الوجودية فوضوية بكل ما تحمله الفوضوية من معانٍ آخذة من دعوى الحرية الشخصية ستارًا, مع أنَّ هذه الدعوى تعادل بالتعبير الصحيح الفوضى, وليست الحرية التي يفهمها العقلاء، وإنما هي حرية حيوانات لا حدَّ لجماحها ونزواتها, حرية انحطاط وتخلف شائن واستعباد للشهوات دون أدنى تمييز أو تفكير, فإن من تأمَّل مذهب الوجودية سيتضح له تمامًا أنها تدعو إلى الحياة البهيمية, وأن يعيش الإنسان مكبًّا على وجهه لا يرتبط بأية فضيلة أو سلوك, بعيدًا عن تكريم الله للإنسان ورفعه فوق كثير من الخلق, وهي دعوى إلى عبادة الإنسان لنفسه وهواه، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وفي حديث يرويه حذيفة أن عمر ﵁ قال لجلسائه: "أيكم سمع قول رسول ﷺ في الفتن التي تموج موج البحر، فسكت القوم, وظننت أنه إياي يريد. قلت: أنا سمعته. قال: أنت سمعته!! قال: "أنت لله أبوك. قال: قلت: "تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير, فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء, ونِصْفُ قلبٍ
стр. 187
أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء, حتى تصير القلوب على قلبين؛ أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض, والآخر أسود مربدًا كالكوز مجخيًّا" وآمال كفه "لا يعرف معروف ولا ينكر منكرًا إلّا ما أشرب منه هواه" ١.
الحديث، وهكذا تفعل الفتن بأصحابها, وفي الفتن كما قال الشاعر:
يقضي على المرء في أيام منحته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
стр. 188
الباب الرابع عشر: الروحية
مدخل
...
الباب الرابع عشر: الروحية
تمهيد:
يعرف كل عاقل أن الإنسان مكوّن من جسم مشاهد معروف بتفاصيله وأشكاله وألوانه وقوته وضعفه وغذائه, وأن الله سخَّر له جميع أعضائه ليساعد بعضها بعضًا, تتألم كلها لألم بعضها رحمة من الله تعالى بعباده؛ ليفطن الشخص إلى مكان الألم فيعالجه قبل أن يستحفل الداء به, ولولا وجود الألم في تلك الأعضاء لربما تلف العضو دون أن يفطِن له الشخص.
أما تكوينه الآخر فهي الروح, وهي أهمَّ من الجسد وأشرف، ببقائها في الجسد يكون الإنسان حيًّا, وبمفارقتها له يكون ميتًا، يتمّ عليها الثواب والعقاب, قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ١.
ولقد كثر الخلاف واشتدَّ بين سائر الطوائف في حقيقة الروح, ولكنهم لم ولن يدركوا حقيقتها أبدًا. هذه الروح جعلها الله في غاية الظهور وفي غاية الخفاء، فإن ظهورها يتمثَّل في بقاء حركات الجسم؛ إذ لولاها لسكن الجسم واضمحلَّ, وأما خفاؤها فيتمثَّل في أنه لا أحد على الإطلاق -غير الله تعالى- يعلم مكانها, أو يرى حقيقتها, فهي غيب مجهول للإنسان, وقد بيَّنَ الله تعالى ذلك في كتابه الكريم إثر سؤال وجهه المشركون للنبي ﷺ بتحريض من اليهود قائلين له: أين الروح؟ فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا﴾ ٢.
стр. 189
وفي هذا الجواب قطع لكل طامع في معرفة سر الروح, وهذا بخلاف ما جاء في التوارة المحرَّفة التي تذكر أن الروح هي الدم, ولهذا يحرّم اليهود أكله١.
ولكن هذا التفسير باطل, ويكذبه الواقع, فلو كانت الروح هي الدم لأمكن تلافي الموت بكل بساطة, خصوصًا في عصرنا الحاضر الذي أمكن فيه نقل الدم من شخص إلى آخر في أسهل عملٍ وأتقنه.
وقد استقصى أخبار الروح الإمام العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- في كتاب الروح المنسوب إليه, فصَّل فيه تفصيلات كثيرة ليست من أهداف هذه الدراسة هنا, فذكر أن الأرواح تعرف زيارة الأحياء لهم, وتسلِّم على من يسلِّم عليهم في القبور, وتعرف كل ما يجري على الأحياء من أهلها, وأن التقلين ينفع الميت, وذكر قصصًا مناميَّة كثيرة, الله أعلم بصحتها, وأكثرها يبدو عليه الضعف وعدم قبول العقل لها, وذكر أن أرواح الأموات وأرواح الأحياء تتلاقى بقدرة الله تعالى حينما ينام الحي, وأن الأموات قد يرشدون الأحياء إلى أمور يجدونها فعلًا كما أخبرتهم به أرواح الموتى, وقد حصل هذا فعلًا لبعض الصحابة والصالحين, وهل تموت الروح أم البدن وحده؟ اختلف العلماء في هذا, وقد جمع بين ذلك الاختلاف بقوله: "والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها. فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت, وأن أريد أنها تنعدم وتحفل وتصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار"٢.
стр. 190
وثبت أن الروح ترجع إلى الميت في قبره عند سؤال الملكين له, وأنها ترفع إلى السماء ثم تعاد إلى الميت في قبره, في روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران, كما جاءت بذلك السنة المطهرة, كما ثبت عند أهل الحق أن الروح مخلوقة لله تعالى, أوجدها بعد أن لم تكن، وأنه على الصحيح أن الروح توجد بعد تكوين الجسد, وأنها تفارقه إذا مات, وأنها جسم في داخل جسم الإنسان, ومن قال أنها عَرَض أو غير ذلك فقد أخطأ الحق.
كما أن الروح لا تعود بعد موتها على ما كانت عليه في الحياة الدنيا, فقد أخبر الله في كتابه الكريم, وأخبر نبيه ﷺ أن الميت عليه برزخ إلى يوم القيامة, وأنه بعد الموت لا يمكنه أن يعمل, فقد انتهى زمن العمل في الدنيا, ولم يبق أمامه إلّا ما قدَّم في حياته الدنيوية من خير أو شر, ولم يقل برجعة الروح إلى جسدها قبل يوم القيامة أحد من المسلمين, ولا اعتبار لقول ابن سبأ ومن يتَّبعه من الرافضة, فهو قول خارج عن أقوال المسلمين ومعتقداتهم.
وما زعمه الروحيون من أنها ترجع إلى الدنيا وتحضر وقت طلبهم لها, وأنها تتجوّل بين الأحياء وتشاركهم أعمالهم , وأن لها نفعًا ملموسًا أو ضررًا ملموسًا, إن هو إلّا افتراء وتكذيب بجميع الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه الكرام, وهذا هو الثابت الذي يجب اعتقاده, وترك أقوال الخرافيين من الصوفية وغيرهم من دعاة الروحية الضالين.
стр. 191
الفصل الأول: تعريف الروح
وقف البشر حائرين في معرفة هذه الروح أو التعريف بها؛ فمنهم من أدلى بدلوه في التعريف بها, ومنهم من أمسك مطلقًا عن الخوض فيها, مرجعًا الأمر إلى الله تعالى وحده؛ حيث إنه سبحانه لم يرد أن يبين للناس شيئًا عنها أكثر من أنها من أمره , فكيف نعرفها أو نعرف شيئًا عنها, فأراحوا واستراحوا, ومنهم من ذهب يعرِّفها بتعريفات اجتهادية كثيرة كلها تحتاج إلى أدلة لإثباتها, وقد ذكر ابن القيم ﵀ أقوالًا كثيرة في التعريف بها, إلّا أنه رجَّح قولًا واحدًا وانتصر له, وأورد أدلة كثيرة على تصويبه, وهذا التعريف هو أحد الأقوال التي أوردها الرازي أيضًا في ذكره لاختلاف الناس في مفهوم الروح فقال: "والسادس أنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس, وهو جنس نوراني علويّ خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد, وسريان الدهن في الزيتون, والنار في الفحم, فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف, بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء, وأفادها من الآثار من الحسِّ والحركة والإرادية, وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها, وخرجت عن قبول تلك الآثار, فارقت الروح البدن وانفصلت إلى عالم الأرواح"، قال ابن القيم: "وهذا القول هو الصواب في المسألة, وهو الذي لا يصح غيره, وكل الأقوال سواه باطلة, وعليه دلّ الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة"١، ثم أورد الأدلة على تقويته بلغت أكثر من مائة دليل.
стр. 192
وعرَّفها بعض العلماء بأنها هي الوجود الذي يدرك بالتصوّر العقلي ولا يدرك بالحواس؛ كالمُثُل والقيم والمبادئ والعدل والرحمة والتعاون والخير والبرِّ؛ ولأنَّ هذه لا تدرك بالحواس, وكذا الدين نفسه؛ لأن مصدره الوحي الإلهي وهو لا يدرك بالحواس١.
وأعتقد أن كل تعريف للروح يحتاج إلى إثباته بنص صحيح, والأولى الوقوف على ما ذكره الله في كتابه, وفي الموسوعة العربية الميسَّرة وصفوا البحوث الروحية بأنها نسبة إلى علم النفس الغيبي, أو الهامشي, يطلق على بعض الظواهر السلوكية أو الذهنية التي تقع خارج نطاق ما تفسره القوانين الطبيعية, وهي ظواهر غريبة وخارقة للعادة"٢.
وهذا الوصف لتضحير الأرواح بأنه علم النفس الغيبي يظهر أنه غير صواب, فليس هناك علم نفس غيبي؛ إذ الغيب لله تعالى وحده لا يصل إليه أحد بالتعلم, إلّا ما أخبر الله به أنبياءه ورسله.
ووصفها بأنها خارقة للعادة ليس كذلك, فإن علم تحضير الأرواح -كما يسمونه- ليس من الأمور الخارقة للعادة, بل هو كذب وشعوذة يموّهون به على من لا معرفة له بمسالكهم الشيطانية, ونسبة المذهب إلى الروح إنما هو للإغراء والدعاية وظلم الروح حينما ينسب الروحيون مذهبهم إلى الروح وهي منهم ومن آرائهم براء, إلّا أن تكون النسبة إلى أرواح الشياطين.
стр. 193
الفصل الثاني: ظهور الروحية
ظهرت الروحية على أيدي بعض الكذَّابين الذين انتسبوا إلى الروح في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي, وزخرفوا أقوالهم بالكذب, وانجذب إليهم كثير ممن يطمحون إلى العلوّ في الأرض ونهب أموال الناس بالباطل للإثراء على حساب المغفلين, وبالتالي فقد انخدع بهم كثير من الجهلة في أوروبا, ثم امتدَّ ذلك إلى البلاد الإسلامية, وقد ظهر هذا المذهب في أوروبا كغيره من المذاهب الضالَّة التي وجِّهت لحرب طغات الكنيسة, والانفلات منهم ومن سائر التعاليم الإلهية, والتطلع إلى استكشاف المجهولات, فأصبحت الروحية جماعة خطيرة على الأديان يغذيها الخبث اليهودي والإلحادي في تشويه الأديان والعقائد, وعدم الاعتداد بما يقال في الدين من العذاب أو النعيم أو الأخلاق والأمور الغيبية.
واهتمَّت هذه الجماعة بخرافة تحضير الأرواح الموتى, وقد نشطت هذه الدعوى في بداية أمرها في أمريكا, ولم يعرف لها مؤسس على التحديد فيما يذكر الباحثون, ثم امتدت إلى العالم الإسلامي, تلقَّفها المتصوفة الخرافية وغيرهم, وأصبح لها علماء مشاهير, ومؤلفات ومؤسسات وجمعيات, مثل: "المعهد الدولي للبحث الروحي بأمريكا"، وجمعية "مارلبورن الروحية" بانجلترا.
стр. 194
يزعمون أنهم يستحضرون روح أي شخص متى شاءوا, ويتباحثون معها كل مشاكلها, وأنها أجساد تحس بطريقتهم الغامضة التي تستند إلى الجن والسحر, ويزعمون أنهم يأتون بمثل ما تأتي به الأنبياء, وأن معجزات الأنبياء جاءت على طريقتهم, ويسخرون من الأنبياء والمتدينين, ويمجِّدون الملاحدة, ويدعون إلى نبذ الأديان والانصهار في دين واحد, وغير ذلك من مبادئهم الكثيرة التي تدلُّ على أنها دعوة ملحدة.
стр. 195
الفصل الثالث: إنتشار هذا المذهب
...
الفصل الثالث: انتشار هذه المذهب
وقد انتشرت هذه الدعوى في عدة أماكن -بمساعدة الماسونية واليهودية العالمية- انتشرت في أمريكا وأوربا, ثم سرت إلى مصر وبعض الأماكن المتفرقة في العالم الإسلامية والعربي١.
ومدَّعين أن الروح تأتي طوع أمرهم وإرادتهم حينما يتقدَّمون إليها وفق طقوسهم في ذلك، وهذا الكذب على الروح لم يكن الوحيد, فقد كذبوا عليها كثيرًا, حتى إنهم أطلقوا على بعض المسكرات مشروبات روحية من باب الخداع وتحبيبها إلى النفوس, وقد أخبر الرسول ﷺ عن هذا الصنف من الناس, وأنهم في آخر الزمان يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها, وهو ما حصل بالفعل, وكما أكلوا الربا وسموه فوائد, ولا أدري نسبة الخمور إلى الروح, هل هي نسبة إلى مذهب الروحية الذي يجيزها, أم نسبة إلى الروح التي هي منها براء.
стр. 196
الفصل الرابع: منزلة فكرة "تحضير الأرواح "
لقد اجتذبت فكرة تحضير الأرواح الكثير من الناس في الشرق وفي الغرب, مثقفين وغير مثقفين, فذهبوا في تثبيتها كل مذهب ظانِّين أن وراءها نفعًا عاجلًا وحلًّا جاهزًا لما يدور في رءوسهم من حب الاطِّلاع على المغيبات, فإذا بهم يلهثون وراء سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
ولقد كان لفكرة الكشف والتعلق به أقوى حافز عند بعض جهلة المسلمين إلى الولع بفكرة تحضير الأرواح, ثم جاء الدافع القوي وهو القول بوحدة الوجود فزاد الطين بلة, ورغم أن كثيرًا من الكُتَّاب قد أسمهوا بإسهام وافر في تثبيت هذه الفكرة من العرب ومن غير العرب.
أما من العرب فمن أمثال د. علي عبد الجليل راضي١، ومحمد فريد وجدي, ود. رءوف عبيد, الذي أصدر مجلة "عالم الروح"، وأحمد فهمي أبو الخير, أمين عام الجمعية المصرية للبحوث الروحية, وأما زعماؤها في الغرب فهم "سلفر برش" و"هوايت هوك"، حيث أقامها هؤلاء على القول بوحدة الوجو, ورغم ذلك كله فقد رفضها أهل العقول وسخروا منها, ورَوَوْا فيها الفكاهات المضحكة والتناقضات الواضحة في أفعال وأقوال
стр. 197
وسلوك زعماء هذه الفكرة الضالَّة الخرافية, وعلموا يقينًا أن الهدف الأكبر من وراء دعوى تحضير الأرواح إنما هو استجلاب الناس إليهم, وخصوصًا العوامِّ منهم؛ ليحصلوا على أمور الواحد منها يعتبر مكسبًا كبيرًا يجوزه هؤلاء, أهمها: رفع مكانة أقطاب دعاة الروحية وتعظيم أمرهم في نفوس الناس, والحصول على الأموال بدون مشقَّة, وإضعاف التديُّن في النفوس, والإسهام في خدمة اليهودية الحاقدة من وراء ستار.
ولذلك فهم يحاولون بشتَّى الوسائل ونشر أقوى الدعايات لتقوية قضيتهم في تحضير الأرواح, زاعمين أن هذه الأمور إنما حصلت لهم على سبيل الكرامة الإلهية؛ لوصولهم إلى حدِّ معرفة الحقائق والاطلاع عليها مباشرة بدون واسطة أحد, أو لأنهم عرفوا بزعمهم كيفية الوصول إلى استحضار الأرواح, فلم يعد للغيب مكانة خارجة عن إرادتهم.
وحينما لهث النَّاس إلى معرفة بعض المغيبات -وخصوصًا بعد هذه الحركة العلمية والتطور المادي وظهور التنويم المغناطيسي وجمعيات تحضير الأرواح- استغلَّ هؤلاء هذه الكشوفات وزعموا أنها أدلة لهم على صحة ما يذهبون إليه، ومما ينبغي التنبُّه له أنه قد يحصل لبعض الصالحين ممن صفت نفوسهم نوع من الكشف بمعنى الإلهام والنفث في الروع، ولكن ليس ذلك صفة مستمرة كما يدَّعي الروحيون في زعمهم أن الرُّوح جسم مادي شفَّاف يستحضرونه متى أرادوا, وأن الموتى بعد الموت مباشرة يكونون في عالمنا هذا ومن حوالينا, ثم ينتقلون إلى درجة أرفع في
стр. 198
هذا العالم, وأنه يمكن مكالمة الروح بعد خروجها من الجسم ورؤيتها مجسَّمة بواسطة شخص يكون فيه الاستعداد لذلك عند إرادة تحضير الروح, فتستفيد الروح من استعداده فتكلم النّاس بلغات يجهلونها, وتنبئ عن أمور الحاضرين من أقاربها, ولا شكَّ أن هذا كله دجل وكذب وهوس فارغ, وتلك اللغات التي تخاطبهم بها تلك الأرواح إنما هي لغات الشياطين لا أرواح الموتى من بني آدم, وهذا جزء من مكر إبليس بأتباعه.
стр. 199
الفصل الخامس: أدلة دعاة تحضير الأرواح
من الإفك أن يستدلَّ الذين يؤمنون بتحضير الأرواح من المتصوِّفة وغيرهم من الروحيين ببعض الآيات القرآنية من مثل قوله تعالى:
١ - ﴿إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
أي: إن روح الميت حضرت في صورة تلك البقرة وتكلَّمت.
٢- ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
أي: إن إبراهيم ﵇ استدلَّ بتحضير الأرواح وازداد طمأنينة وإيمانًا بحضورهم عنده حينما استحضرهم.
نعم نؤمن ببقاء الأرواح بعد الموت؛ إذ الموت للجسد فقط لا للروح, وهي إمَّا أن تكون في نعيم, وإما في عقاب, وقولهم: إن الأرواح تعمل بعد
стр. 200
الموت لترتفع في الدرجات غير مسلم؛ إذ لا عمل بعد الموت كما قرَّره الإسلام, بل إن الروح إمَّا أن تكون في نعيم أو في عقاب فقط.
أما استدلالهم بالآيات فهو خطأ فاحش وسوء فهم, فإن قتيل بني إسرائيل وكذا طيور إبراهيم قامت بأرواحها وأجسادها معًا معجزةً من الله تعالى لنبيه موسى وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وبدون وسيط.
وهؤلاء المشعوذون الكاذبون إنما يحضرون قرين الميت من الجنِّ الذي عاش معه طوال حياته, وعرف كل شيء عنه, فإنَّ كل إنسان له قرين. فهؤلاء يظنون أنهم يخاطبون تلك الروح التي أرادوا تحضيرها, ولا يعلمون أنهم إنما يخاطبون قرينه من الجن, هذا إن صدَّقناهم أنهم يخاطبون أحد أو يسمعون كلامه.
ومما يدل كذلك على كذبهم ما زعموه من تحضير أرواح بعض الكفار فوجدوهم في نعيم مقيم, وهو ما كذَّبه الله في القرآن الكريم من دخول الكافرين النار, ثم ما يعمل من المنكرات التي تفعل في مجالس التحضير مما يوافق هوى الشيطان ولا يَمُتُّ إلى الدين بصلة.
وما عرف كذلك من التصرفات الباطلة لتلك الأرواح, فإن "منها من يفتري على الله الكذب وعلى أنبيائه وكتبه وملائكته ورسله, ومنها من يضلل الناس ويحقِّر الأديان, ومنها من يذكر ويأمر بالفجور والشرك والكفر والعصيان, وهي أعمال يرفض العقل السليم والدين الحنيف أن تكون صادرة عن أرواح بين يدي الله"١.
стр. 201
٣- ومن أدلتهم التي يتناقلها الروحيون ما نقله الشيخ مجدي محمد الشهاوي عن محمد شاهين حمزة أحد دعاة الروحية في كتاب له١, يدافع عن الروحية ويثبت أنها صحيحة, وأن تلك الأرواح ليست أرواح جنٍّ أو شياطين وإنما هي أرواح حقيقية آدمية طاهرة -حسب زعمه, وذكر من أدلته على طهارتها ونقائها أنه حضر جلسة روحية حضرت فيها روح الدكتور٢ حندوسة ذات مرة, فسألوها سؤالًا طبيًّا عن حالة أحد الحاضرين, فطلبت منهم الانتظار دقيقة واحدة ريثما تجري الكشف عليه, ثم أعطتهم تشخيصًا دقيقًا للمرض, وأحاله في علاجه إلى طبيب معروف في القاهرة.
ومنها أنه كان في إحدى الجلسات فحضرت روح صديق له ونصحته بالانضمام إلى الطريقة الشاذلية!! ٣
وحضرت روح محمد فريد وجدي في أسوان ونهتهم عن بعض الأمور الخطيرة, كما حضرت مرة روح طنطاوي جوهري ونفت بشدة أن يكون المسيح قد صُلِبَ٤.
وذكر أنه في إحدى الجلسات تكلَّمت إحدى الأرواح في حفلة المولد النبوي, وذكرت كلامًا لم يعجبه شيء مثله٥.
стр. 202
وفي جلسة أخرى قالت لهم أحدى الأرواح: إننا نحن الأرواح نحتفل في عمالنا بالمولد النبوي الشريف مثلكم, وكانت جلسة اشترك فيها بعض أساتذة الجامعات وبعض كبار رجال التربية والتعليم في دار أحدهم بالجيزة, وقد عقَّب عليه الشيخ الشهاوي بالرد العام بإبطال أن تكون تلك الأرواح أرواحًا طيبة, بل إنَّها أرواح جن١.
وأضيف إليه أن أمر تلك الأرواح بالتزام الطريقة الشاذلية البدعية الخرافية وأمرها بالاحتفال بالمولد يكفي دليلًا على تلاعب الشياطين بهؤلاء واجتهادهم في إضلال الناس.
وقد ظهرت وقائع كثيرة من بعض محضِّري الأرواح اكتشفوا فيها أن الروح المحضَّرة إنما هي قرين الميت من الشياطين أو من غير قرينة؛ إذ أنهم يعترفون بذلك حينما يقرأ عليهم القرآن آية الكرسي وغيرها, إما بانصرافهم فور سماع القرآن الكريم, وإما باعترافهم أنهم شياطين أتوا إلى المحضِّرين ليضلوهم وليتلاعبوا بهم٢.
стр. 203
الفصل السادس: مجمل عقائد الروحيين
وقد لخَّص كتاب الموسوعة الميسرة -الندوة العالمية للشباب الإسلامي- الأفكار التي قامت عليها الروحية الحديثة, نقلتها بتمامها لما فيها من الفوائد في اطّلاع القارئ على كل مزاعم الروحية.. وقد أضفت إلى كلّ عنصر ليس عليه تعليق في الموسوعة تعليقًا خفيفًا لإيضاح محتوى الفكرة، فقد أعلنت مجلة "سينتفك أمريكان" عن جائزة مالية ضخمة لمن يقيم الحجَّة على صدق الظواهر الروحية, ولكنها لا تزال تنتظر من يفوز بها، وكذلك الحال بالنسبة للجائزة التي وضعها الساحر الأمريكي "دنكر" لنفس الغرض, وهذا من أكبر الأدلة على بطلانها؛ إذ لا يستطيع إثبات هذا أبدًا، وتتلخَّص مزاعم الروحيين فيما يلي:
١- يقولون بأنهم يحضرون الأرواح ويستدعون الموتى لاستفتائهم في مشكلات الغيب ومعضلاته, والاستعانة بهم في علاج مرضى الأبدان والنفوس, والإرشاد عن المجرمين, والكشف عن الغيب, والتنبؤ بالمستقبل, ومعلوم أن هذه الأمور لا يقدرون عليها وهم أحياء, فكيف تطلب منهم بعد موتهم؟
٢- يزعمون أن الروح يمكن إدراكها بأنها تتجسَّد وتُلْمَس كما يدعون بأنَّ بعض الأرواح تظن أن أصحابها لا يزالون أحياء، وهذا مجرد تخرُّص منهم لا يستطيعون إثباته بحال.
стр. 204
٣- الأرواح عندهم بمثابة الخدم تستجيب لأي إشارة منهم, وهذا كذب قد تناقضوا فيها؛ فمرَّة يجعلونها خدمًا, ومرة يزعمون أنها تعلم الغيوب.
٤- يعتقدون أن هذه الأرواح التي يستحضرونها مرسَلة من عند الله إلى البشر كما أرسل المرسلون من قبل, وأن تعاليمهم أرقى من تعاليم الرسل، فكيف يتمُّ هذا وهم ينكرون الله تعالى ورسله؟
٥- يزعمون أن هذه الأرواح تساعدهم في كشف الجرائم والدلالة على الآثار القديمة, كما يدَّعون أنهم يعالجون مرضى النفوس من هذه الأرواح كذلك، هذه دعاوي كاذبة لا يستطيعون إثباتها.
٦- يدعون أنهم يستطيعون التقاط صور لهذه الأرواح في الأشعة تحت الحمراء, فلماذا لا يفعلون ذلك!!؟
٧- يحاولون إضفاء الجانب العلمي على عملهم, وهو في الواقع لا يخرج عن كونه شعوذة وخداعًا وتأثيرًا مغناطيسيًّا على الحاضرين، واتصالًا بالجن.
٨- لا تتوفر في عملهم الشروط الواضحة, ولا يمكن إعادته من كل شخص بخلاف التجارب العلمية.
٩- يقومون بهذا التحضير في حجرات خاصة شبه مظلمة وفي ضوء أحمر خافت, وكل ما يدّعونه من التجسيد للأرواح ومخاطبتها لا يراه الحاضرون, وإنما ينقله إليهم الوسيط وهو أهمّ شخص في العلمية,
стр. 205
وهذا الوسيط هو الخادم الجديد لذلك الشيطان الذي يتمثَّل بالورح التي يزعمون تحضيرها, وتتكلم من أيّ ناحية من الغرفة.
١٠- الوسيط عندهم يرى غير المنظور, ويسمع غير المسموع, ويتلقى الكتابة التلقائية, وله قدرة على التواصل عن بعد "التلباثي", وهي مزاعم خرافية وشعوذة ظاهرة.
١١- لا يثبتون للأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إلّا هذه الوساطة فقط؛ لأنهم يدَّعون أنه لا فرق بينهم وبين الأنبياء.
١٢- يتحكَّمون في حضور جلسة التحضير من حيث الكم والنوع, وإذا وجد نساء يكن الجلوس: رجل، امرأة.. كما يعزفون الموسيقى أحيانًا, وكل هذا لصرف أذهان الحضور عن حقيقة ما يجري، ويزعمون أنَّ لكل جلسة روحًا حارسًا يحرسها.
١٣- يعتقدون أن معجزات الأنبياء هي ظواهر روحية كالتي تجري في غرفة تحضير الأرواح, ويقولون أن بإمكانهم إعادة معجزات الأنبياء, ونقول لهم: هيهات تفعلون ذلك أو تستيطعونه.
١٤- يعرضون أفكارهم لكل شخص وفق ما يناسبه, ولذلك نجدهم أحيانًا يدعمون تلك الدعاوي بنصوص من الكتب السماوية بعد أن يلووا أعناقها كما يريدون؛ لأنهم لا يتورَّعون عن النفاق والكذب على الله تعالى.
١٥- يرفضون الوحي ويقولون: إنه ليس في الأديان ما يصح الركون إليه, ويسخرون من المتدينين, وهذه شهادة على كفرهم.
стр. 206
١٦- يقولون بأن إلههم أظهر من إله الرسل, وأقل من صفات بشرية, وأكثر من صفات إلهية, وهذه عقيدة اليهود كما في التوراة.
١٧- يلوحون بشعارات برَّاقة كالإنسانية والإخاء والحرية والمساواة للتمويه على السذَّج والبسطاء, وهذا هو شعار اليهودية العالمية "الماسونية".
١٨- كل عملهم منصَبٌّ على زعزعة العقائد الدينية والمعايير الأخلاقية, وكلامهم صريح في أنَّ الروحية دين جديد يدعو إلى العالمية وإلى نبذ كل الأديان، وطقوسه وفرائضه تنحصر في تدريب الناس على تركيز القوة الروحية، وأنَّها جاءت بطريقة جديدة للحياة, وفكرة جديدة عن الله؛ لأنهم ملاحدة ويعملون لصالح الماسونية.
١٩- يدَّعون أن الأرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها كافرة؛ ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء, ويقولون: إن باب التوبة مفتوح بعد الموت كذلك، وأن الجنة والنار حالة عقلية يجسِّمها الفكر ويصنعها الخيال, وهذه أقوال كفرية وتناقضات شنيعة وكذب صريح, فالكفَّار في النار, وإذا كانوا قد أنكروا الجنَّة والنار فما فائدة التوبة, ولماذا تطالب بها.
٢٠- عندهم نصوص كثيرة تمجِّد الشيوعيين والوثنيين والفراعنة والهنود الحمر, ويقولون: إنهم أقوى الأرواح لأنَّ المؤسِّسين كلهم من هذه الطوائف.
стр. 207
٢١- يبررون الجرائم بأنَّ أصحابها مجبورون عليها, وبالتالي لا يعاقبون, أي: في الدنيا؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.
٢٢- يسعون لضمان سيطرة اليهودية على العالم؛ لتقوم دولتهم على أنقاض الخراب الشامل, وهذا دليل واضح على انتماء أصحاب هذا المذهب إلى الماسونية اليهودية.
إذا أمعن القارئ النظر في هذه العقائد تبيَّن له بكل وضوح بُعْدُ أصحابها عن الإسلام, حتى وإن تظاهروا به, فإنَّ أقل ما يجب أن يوصفوا به أنهم من كبار المنافقين.
стр. 208
الفصل السابع: حقيقة الروحية وأشهر زعمائها
يتضح من كل ما تقدَّم أنَّ الروحية دعوة هدَّامة قائمة على القول بوحدة الوجود والتناسخ, وإنكار الحياة الآخرة وما ذكره الله عنها مما يقع فيها, وتذكيب الرسل, وإنكار الدين, إلى غير ذلك من عقائدهم الشريرة.
بل هي ديانة جديدة كما صرَّح بذلك زعماؤهم.
ومن أكبر زعماء الروحية "سلفر برش"، و"هوايت هوك", فأما "سلفر برش" فله كتاب "الحكمة العالية" أبان فيه تعاليم الروحية واتجاهاتها, ومن أقوله: "إن صوتي منبعث من السماء ينادي أهل الأرض أن آمنوا بالله ... إني أحمل هداية من السماء أعد خطواتها بدقة عباد مخلصون لله, تجمعوا في ملكوته الأعلى ... إن دوري هذا دور رسول يبلغ الرسالة"١.
وعن عقيدة وحدة الوجود يقول: "نحن جميعًا جزء من الروح الأعظم, وأنتم في مجموعكم مع بقايا الحياة الأخرى تكوّنون الروح الأعظم, ولا وجود لله خارج هذه المجموعة, ولو أن هذا القول لا يمكنني البرهنة عليه إلّا أنه يحسن قبول كلمتي في هذا الصدد"٢.
وقال أيضًا عن استبشاره باليوم السعيد الذي تنتشر فيه الروحية, وبالتالي يلتقي العالم كلهم عليها: "إن اليوم الذي تنتشر فيه التعاليم
стр. 209
الروحية في عالمكم سيكون فجر اليوم سعيد؛ إذ ستزول الفوارق بين الشعوب, وتهدم الحواجز بين الأجناس, وتذوب الفوارق بين الطبقات, وتتلاقى الأديان حول حقيقة واحدة كما نبعت من حقيقة واحدة"١.
وقال أيضًا في مقاومته للأديان وأنها سبب في وجود التعصب بين الناس, وأن الروحية ستجمعهم في بوتقة واحد بزعمه: "إذا كان التعصُّب للأديان في وهم إقامة المناسك معطّلًا عن التلاقي في صعيد واحد, وهو معطلٌ فعلًا, فإن الأديان ليست في المناسك, فلتترك البشرية هذا جانبًا ولتتلاقى في مقابلة هذا الأمر الجديد من الاتصال الروحي"٢.
ويقول عن الدعوة إلى التناسخ وإنكار الآخرة وما فيها, ومحرفًا لشرائع الأنبياء والمرسلين ورادًّا لها: "إن القصص الديني عن آدم ونشأته وزوجه وولده ليس تاريخًا من وجهة النظر العلمي كما يتوهم بعض المتعصبين للأديان, إنه تكييف تقريبي للعقل البشري عن النشأة بدءًا من الفرد ذكرًا كان أم أنثى عن تكرار هذه النشأة في عوالمها سواء على هذه الأرض, ومنها كانت النشأة ابتداءً ومظهرًا, أو بالارتداد من عالم الروح بعثًا، فآدم الحقيقة عليها, وآدم الخليفة منها, أمران تصويريان للعقول لا يدرك لهما أول ولا يعلم لهما كنه, ولا ينطقع لهما فعل أو وجود"٣.
وقد أنكر سلفر برش نبوة محمد ﷺ , وزعم كذلك أن عيسى ﷺ وُلِدَ لأبوين يهوديين وأنه صلب, فقال معبرًا عن هذا الإلحاد: "كان عيسى آخر
стр. 210
الأنبياء والمعلمين ذاك الذي وُلِدَ من أبوين يهوديين"١، وأنه صُلِبَ لأنه بشَّر بتعاليم تخالف كنيسة عهده٢.
ويقول في إنكاره للجنة وللنار وللقرآن الكريم ولنبي الله ﷺ : "لا توجد جنَّة ذهبية ولا جنهم نارية, إنما هو تصوّر هؤلاء المحدودي النظر، لا تقيدوا أنفسكم بكتاب واحد, ولا معلم واحد, ولا مرشد واحد, فولاؤنا لا لكتاب ولا لعقيدة, ولكن للروح الأعظم وحده".
ويقول في هجومه على الأخلاق الفاضلة ورغبته في التحلُّل والانفلات: "لا يهم إذا كان الرجل مسيحيًّا أو كافرًا, المهم هو ما يفعله في حياته, أعطي الرجل الذي لا يعتنق أيّ دين, الذي لا يركع لذكر اسمًا لله, ولكنه أمين ويحاول أن يخدم ويمد يده للضعيف, ويساعد الكلب الأعرج. والرجل المملوء شفقةً للمنكوبين, والذي يعاون من هُمْ في ضائقة بحرارة, ذلكم أكثر تدينًا ممن ينتسب إلى أي دين"٣.
وهذا الكلام يريد به محاربة الأخلاق الفاضلة على طريقة اليهود, وهو بهذا يصوّر أهل الدين بأنهم لا أخلاق لهم, وقساة القلوب, وقد نسي هذا المغفَّل أن المتدين هو الذي يعمل تلك الأعمال ابتغاء مرضاة الله تعالى, لا يريد بها جزاءً ولا شكورًا.
وهل الدين يمنع من فعل تلك الأشياء التي مثَّل بها ذلك المغفَّل الذي لا يعرف الدين ولا تعاليمه ولا رأفته بكل المخلوقات, إنه الحقد اليهودي الذي دفع سارتر إلى هذا الهذيان والتهجُّم على الأديان وعلى الأنبياء.
стр. 211
وأما زعيمهم الآخر "هوايت هوك" فقد صرَّح بإلحاده بوضوح, واعتبر الروحانية دينًا جديدًا يجب أن يسود الجميع, فقال في مجلتهم "عالم الروح": "يجب أن نتَّحد في هذه المعركة في هذا الدين الجديد, وأن تسودنا المحبَّة, وأن تكون لنا القدرة على الاحتمال والتفاهم.. رسالتي أن أواسي المحروم وأساعد الإنسان على تحقيقه في نفسه مع الله سبحانه ... الإنسان إله مكسوّ بعناصر الأرض, وهو لن يدرك ما في مقدوره حتى يحسّ بجزئه الملائكي الإلهي"١.
وفي هذه المجلة أيضًا:
"إن هذه المنظمة ستكون لكلّ البشرية, وعن طريقها سوف يضع لنا سكان العالم الروحي طريقة جديدة للحياة, ويعطوننا فكرة جديدة عن الله ومشيئته, وسوف يحطِّمون الحواجز بين الشعوب والأفراد وبين العقائد والأديان"٢.
ويقول هوايت عن رغبته في ترك الناس لأديانهم والاجتماع على الروحية:
"الروحية تحتضن ولا تستثني أحدًا, يقول الناس في زمانكم: إن الطقوس والفرائض عديمة النفع، ولكن طقوسي وفرائضي تنحصر في تذويب الناس على تركيز القوة الروحية"٣.
стр. 212
الفصل الثامن: الروحية والملاحدة
وإذا كاالروحيون يؤمنون بالروح على الصفة المذكروة فقد قابلهم الملاحدة الماديون, فأنكروا أن يكون للروح حياة بعد الموت, أو حتى وجود مستقل, فضلًا عن الحياة بعد الموت, بل وجودها إنما هو تبع لوجود الجسم, وهو اعتقاد باطل كانوا فيه على طرفي نقيض مع الروحيين، الحق هو مع الذين هداهم الله من المؤمنين الذين يعتقدون أن هذه الحياة الدنيا إنما هي ممرٌّ إلى الحياة الآخرة بعد موت الإنسان وخروج روحه من جسده, وتوجد عشرات الأدلة النقليَّة والعقلية على هذا الاعتقاد, ولسنا بصدد بحث إثبات اليوم الآخر, ولكن المقصود إثبات أن للإنسان روحًا تحلّ في جسمه فيحيا, وتخرج فتنتهي الحياة منه, أي: إنها جسم خارج هذا الجسم المادي, وما يزعمه الماديون أن الروح ليست شيئًا خارجيًّا فهو كلام باطل يدل على قبح معتقداتهم, وما استدلوا به من أنه "كما يحدث تأثير معين من تركيب عدة عقاقير في دواء واحد، وكما تخرج موسيقى معينة بضرب الأوتار بترتيب معين، كذلك يوجد بتركيب العناصر على نمط معين مزاج خاص هو السبب في الإدراك والتخيل الفكري, وهو ما نسميه الروح"١ إن هو إلّا استدلال باطل.
وأول ما يدل على بطلانه أمر مسلَّم وهو أن الجسم تحصل عليه عدة تغييرات من الضعف والهزال والصحة والسمن وتغير اللون وغير ذلك
стр. 213
من التغييرات التي نشاهدها تجري على الأجسام, ولو كانت الروح هي نفس الجسم ممتزجة بعناصره التي تكوَّن بمجموعها جسم الإنسان؛ لسرت إلى الروح كل الآفات التي تسري على الجسم, وهذا ما لم يحدث, بل قد يقطع جزء من الشخص, ومع ذلك لا يحصل على الروح أيّ تأثير, وهو دليل على أن الروح جسم مستقل لا يعلم كيفيته إلّا الله تعالى وحده.
وأما قياس وجود الروح في الجسم بوجود صوت الأوتار بالضرب عليها فهو استدلال فاسد؛ لأن الأوتار أو الماكينات تتعطّل فور أيّ خلل في جسم تلك الأوتار أو الماكينات, فلو انكسر ترس واحد من الماكينة أو وتر واحد من أوتار الموسيقى التي استدلوا بها على ثباتها مع الجسم لتعطلت تلك الآلة بأكملها, وهو خلاف ما يشاهد في الروح والجسم, فالروح لا تتأثّر لا بالزمان ولا بالمكان عن عملها في الجسم, بل تبقى الروح مع قطع بعض أجزاء الجسم كما تقدَّم, ويبقى لها فهمها وإدراكها ولو تغيَّر الزمان والمكان.
وهذا ما قرَّره أيضًا العلم الحديث, ولم تقف الروحية عند هذا الحد, فقد ظهرت بحوث روحية غاية في إثارة الإعجاب "وهذه البحوث الروحية لا تثبت البقاء المحض للروح فحسب, وإنما تثبت بقاء عين الشخصيات التي كنَّا على علم بوجودها قبل موتها"١.
إن الإنسان له خواص غير عادية, وقد قام كثير من العلماء بدراسة هذه الجوانب, وأقيمت مراكز بحوث للعناية بالدراسة التجريبية لهذه الخواص
стр. 214
"وقد أقيم أوّل مركز لهذا النوع من الدراسات سنة ١٨٨٢م, وقد بدأ عمله سنة ١٨٨٩م بعد إجراء اتصالات واسعة النطاق شملت سبعة عشر ألف شخص من الإنجليز, وتوجد مراكز مختلفة تتخصَّص في هذا النوع من الدراسات في مختلف البلدان, وقد أثبتت هذه الدراسات أن شخصيَّة الإنسان تظلّ باقية بعد موت جسمه في صورة من الصور التي يكتنفه الغموض"١.
وهذه الحقيقة هي التي جعلت الكثير من الباحثين من الملاحدة يوقنون بوجود حياة للإنسان بعد موته, مع أنهم لايؤمنون بأيّ دين, وإنما آمنوا بهذه الجزئية لإثبات العلم الحديث لها, لا لأجل الدين, مثل البروفيسور "دوكاس" وغيره من الملاحدة الذين أقرّوا بوجود هذه الحقيقة في شخص الإنسان بعد دراسات عديدة.
وقد استهوت هذه النتائج كثيرًا من الباحثين مسلمين وغير مسلمين, من العرب ومن غيرهم٢.
وقولهم ببقاء شخصية الإنسان على صورة ما بعد وفاته, لعل الحديث الذي يفيد أن الإنسان ينفى كله إلّا عجيب الذنب, فإنه منه يركَّب -لعل هذا الحديث يستأنس به للنظر فيما قالوه, أما إن أرادوا ببقاء الشخصية غير هذا فإنهم يطالبون بإقامة البراهين المثبتة لذلك. والله أعلم.
стр. 215
الفصل التاسع: قضية الإلهام
قد يستشكل بعض الناس الفرق بين الإلهام لمن صفت نفوسهم بطاعة الله تعالى وكمل إخلاصهم, وبين من يدَّعي تلك الصفة مِمَّن هو متبع لهواه, مُصِرٌّ على المعاصي والفساد, والواقع أن الإلهام الحق الذي يؤمن به المؤمنون هو غير الإلهام الذي يأتي عن طريق الشياطين أو الاحتيال, فقد أخبر ﷺ أن عمر ربما هو من الملهمين, وكذا أوحى الله إلى أم موسى, وإلى النحل كله على سبيل الإلهام الإلهي, أمَّا ما تزخرفه الشياطين لأوليائها فقد أخبر به في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وهو إلهام باطل, وإخبار كذاب, والنفث في الروح لا شأن للروح به، وإنما هو شيء يحصل بقدرة الله تعالى وحده دون أن يكون للشخص أيّ أثر في إيجاده.