← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأما زعيمهم الآخر "هوايت هوك" فقد صرَّح بإلحاده بوضوح, واعتبر الروحانية دينًا جديدًا يجب أن يسود الجميع, فقال في مجلتهم "عالم الروح": "يجب أن نتَّحد في هذه المعركة في هذا الدين الجديد, وأن تسودنا المحبَّة, وأن تكون لنا القدرة على الاحتمال والتفاهم.. رسالتي أن أواسي المحروم وأساعد الإنسان على تحقيقه في نفسه مع الله سبحانه ... الإنسان إله مكسوّ بعناصر الأرض, وهو لن يدرك ما في مقدوره حتى يحسّ بجزئه الملائكي الإلهي"١. وفي هذه المجلة أيضًا: "إن هذه المنظمة ستكون لكلّ البشرية, وعن طريقها سوف يضع لنا سكان العالم الروحي طريقة جديدة للحياة, ويعطوننا فكرة جديدة عن الله ومشيئته, وسوف يحطِّمون الحواجز بين الشعوب والأفراد وبين العقائد والأديان"٢. ويقول هوايت عن رغبته في ترك الناس لأديانهم والاجتماع على الروحية: "الروحية تحتضن ولا تستثني أحدًا, يقول الناس في زمانكم: إن الطقوس والفرائض عديمة النفع، ولكن طقوسي وفرائضي تنحصر في تذويب الناس على تركيز القوة الروحية"٣.

стр. 212

الفصل الثامن: الروحية والملاحدة وإذا كاالروحيون يؤمنون بالروح على الصفة المذكروة فقد قابلهم الملاحدة الماديون, فأنكروا أن يكون للروح حياة بعد الموت, أو حتى وجود مستقل, فضلًا عن الحياة بعد الموت, بل وجودها إنما هو تبع لوجود الجسم, وهو اعتقاد باطل كانوا فيه على طرفي نقيض مع الروحيين، الحق هو مع الذين هداهم الله من المؤمنين الذين يعتقدون أن هذه الحياة الدنيا إنما هي ممرٌّ إلى الحياة الآخرة بعد موت الإنسان وخروج روحه من جسده, وتوجد عشرات الأدلة النقليَّة والعقلية على هذا الاعتقاد, ولسنا بصدد بحث إثبات اليوم الآخر, ولكن المقصود إثبات أن للإنسان روحًا تحلّ في جسمه فيحيا, وتخرج فتنتهي الحياة منه, أي: إنها جسم خارج هذا الجسم المادي, وما يزعمه الماديون أن الروح ليست شيئًا خارجيًّا فهو كلام باطل يدل على قبح معتقداتهم, وما استدلوا به من أنه "كما يحدث تأثير معين من تركيب عدة عقاقير في دواء واحد، وكما تخرج موسيقى معينة بضرب الأوتار بترتيب معين، كذلك يوجد بتركيب العناصر على نمط معين مزاج خاص هو السبب في الإدراك والتخيل الفكري, وهو ما نسميه الروح"١ إن هو إلّا استدلال باطل. وأول ما يدل على بطلانه أمر مسلَّم وهو أن الجسم تحصل عليه عدة تغييرات من الضعف والهزال والصحة والسمن وتغير اللون وغير ذلك

стр. 213

من التغييرات التي نشاهدها تجري على الأجسام, ولو كانت الروح هي نفس الجسم ممتزجة بعناصره التي تكوَّن بمجموعها جسم الإنسان؛ لسرت إلى الروح كل الآفات التي تسري على الجسم, وهذا ما لم يحدث, بل قد يقطع جزء من الشخص, ومع ذلك لا يحصل على الروح أيّ تأثير, وهو دليل على أن الروح جسم مستقل لا يعلم كيفيته إلّا الله تعالى وحده. وأما قياس وجود الروح في الجسم بوجود صوت الأوتار بالضرب عليها فهو استدلال فاسد؛ لأن الأوتار أو الماكينات تتعطّل فور أيّ خلل في جسم تلك الأوتار أو الماكينات, فلو انكسر ترس واحد من الماكينة أو وتر واحد من أوتار الموسيقى التي استدلوا بها على ثباتها مع الجسم لتعطلت تلك الآلة بأكملها, وهو خلاف ما يشاهد في الروح والجسم, فالروح لا تتأثّر لا بالزمان ولا بالمكان عن عملها في الجسم, بل تبقى الروح مع قطع بعض أجزاء الجسم كما تقدَّم, ويبقى لها فهمها وإدراكها ولو تغيَّر الزمان والمكان. وهذا ما قرَّره أيضًا العلم الحديث, ولم تقف الروحية عند هذا الحد, فقد ظهرت بحوث روحية غاية في إثارة الإعجاب "وهذه البحوث الروحية لا تثبت البقاء المحض للروح فحسب, وإنما تثبت بقاء عين الشخصيات التي كنَّا على علم بوجودها قبل موتها"١. إن الإنسان له خواص غير عادية, وقد قام كثير من العلماء بدراسة هذه الجوانب, وأقيمت مراكز بحوث للعناية بالدراسة التجريبية لهذه الخواص

стр. 214

"وقد أقيم أوّل مركز لهذا النوع من الدراسات سنة ١٨٨٢م, وقد بدأ عمله سنة ١٨٨٩م بعد إجراء اتصالات واسعة النطاق شملت سبعة عشر ألف شخص من الإنجليز, وتوجد مراكز مختلفة تتخصَّص في هذا النوع من الدراسات في مختلف البلدان, وقد أثبتت هذه الدراسات أن شخصيَّة الإنسان تظلّ باقية بعد موت جسمه في صورة من الصور التي يكتنفه الغموض"١. وهذه الحقيقة هي التي جعلت الكثير من الباحثين من الملاحدة يوقنون بوجود حياة للإنسان بعد موته, مع أنهم لايؤمنون بأيّ دين, وإنما آمنوا بهذه الجزئية لإثبات العلم الحديث لها, لا لأجل الدين, مثل البروفيسور "دوكاس" وغيره من الملاحدة الذين أقرّوا بوجود هذه الحقيقة في شخص الإنسان بعد دراسات عديدة. وقد استهوت هذه النتائج كثيرًا من الباحثين مسلمين وغير مسلمين, من العرب ومن غيرهم٢. وقولهم ببقاء شخصية الإنسان على صورة ما بعد وفاته, لعل الحديث الذي يفيد أن الإنسان ينفى كله إلّا عجيب الذنب, فإنه منه يركَّب -لعل هذا الحديث يستأنس به للنظر فيما قالوه, أما إن أرادوا ببقاء الشخصية غير هذا فإنهم يطالبون بإقامة البراهين المثبتة لذلك. والله أعلم.

стр. 215

الفصل التاسع: قضية الإلهام قد يستشكل بعض الناس الفرق بين الإلهام لمن صفت نفوسهم بطاعة الله تعالى وكمل إخلاصهم, وبين من يدَّعي تلك الصفة مِمَّن هو متبع لهواه, مُصِرٌّ على المعاصي والفساد, والواقع أن الإلهام الحق الذي يؤمن به المؤمنون هو غير الإلهام الذي يأتي عن طريق الشياطين أو الاحتيال, فقد أخبر ﷺ أن عمر ربما هو من الملهمين, وكذا أوحى الله إلى أم موسى, وإلى النحل كله على سبيل الإلهام الإلهي, أمَّا ما تزخرفه الشياطين لأوليائها فقد أخبر به في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١. وهو إلهام باطل, وإخبار كذاب, والنفث في الروح لا شأن للروح به، وإنما هو شيء يحصل بقدرة الله تعالى وحده دون أن يكون للشخص أيّ أثر في إيجاده.

стр. 216

الباب الخامس عشر: القومية الفصل الأول: المقصود بالقومية ... الفصل الأول: المقصود بالقومية القومية فكرة وضعية نشأت أول ما نشأت في البلاد الأوروبية شأن غيرها من الحركات والأفكار التي تبحث عن التفلُّت من رابطة الدين, ويلاحظ أن دعاتها قد اختلفوا في المفهوم الصحيح لها, هل هي بمعنى تجمُّع أمة من الناس وارتباط بعضهم ببعض هدفًا وسلوكًا وغاية, إمَّا لانتمائهم إلى لغة واحدة -كما يرى القوميون الألمان, وإمَّا لانضوائهم في عيشة مشتركة -كما يرى القوميون الفرنسيون, أم أنها لكليهما, أو أنها لغير ذلك من أمور سياسية واقتصادية؛ كالاشتراك في المعيشة الاقتصادية -كما يرى الماركسيون, أو الاشتراك في التاريخ واللغة في البلد الواحد -كما يرى كثير من دعاة القومية العربية ساطح لحصري ومن سلك سبيله, بحيث يحسون أنهم جميعًا كتلة واحدة, وأن ما يجري على البعض من آلام وآمال هو ما يجري على الكلّ, فتقوم قوميتهم على هذا المفهوم. إنه خلاف مرير بين القوميين على تعريف القومية, ولكنهم جميعًا متفقَّون على أن إبعاد الدين خصوصًا الإسلامي أمر حتميّ لانتعاشها. والقوميون العرب دائمًا يصرخون بأن الدعوة القومية ليس معناها الدعوة إلى الدين؛ لأنَّ كل الناس عباد لله تعالى, وكلهم يريدون الحياة السعيدة في الدنيا, وما بعد الحياة الدنيا, وهذا لا شأن للقومية به, بل

стр. 217

يعتبرون الدعوى إلى الدين دعوى ناقصة عن تحقيق طموحات القوميين, بل إنها رجعية في نظرهم, ويجب فصله عن الدولة أيضًا انسياقًا مع مفاهيم الحركات الأوربية التي قامت في البداية على القومية وحرب الدين, بل وصل طمع دعاة القومية أن تكون بديلًا عن النبوات, وأنَّ نبوة القومية يجب أن يبذل لها كل غالٍ ورخيص, وأن يكون الإيمان بها أقوى من كل الروابط, وجعلوها في الكفة الأخرى مع الإيمان بالله تعالى, وأنها يجب أن تكون هي الديانة لكل عربي, وأخذوا يتباكون على مصير العرب حينما لا يتم تحقيق هذا الدين الجديد الذي سيخلص العرب من كل سيطرة أجنبية, ويرفعون رءوسهم عالية أمام كل أجنبي -ليس بعربي "بزعمهم", ولا ريب أنها دعوات جاهلية ليس وراءها إلّا الخراب, سواء أكانت الدعوة إلى القومية أو إلى الوطنية، فلا عزة للعرب ولا استرجاع لحقوقهم إلّا بالتمسك بالدين الحنيف. إن القومية والوطنية كلتاهما نعرتان جاهليتان خرجتا من أوروبا الجاهلية, وفي هذا يقول فرنارد لويس: "فاللبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشعوبية والاشتراكية كلها أوروبية الأصل مهما أقْلَمَها وعدَّلَها أتابعها في الشرق الأوسط"١ أحلَّها القوميون والوطنيون محل الدين, ورأوا أن الاجتماع عليها خير وأنفع من الاجتماع على الدين, وذلك للاختلاف الواضح بين الناس في قضية التدين -حسب زعمهم, بخلاف القومية والوطنية

стр. 218

التي تضمّ كل أفراد القوم وجماعاتهم ليكونوا مجتمعًا واحدًا لا خلاف فيه لاتحادهم التامّ في الانتساب إلى القومية, أما الوطنية التي تقبل كل تناقضات المذاهب المختلفة, وهي في الواقع لا تقبلها كما يدّعون, بل ترمي بها كلها وتؤخذ بدلًا عنها شعار القومية والوطنية, ومن هنا قدَّسوها ورفعوها فوق كل اعتبار, واجتمعوا على التفاخر والتباهي بها, حتى صار كل قوم يدَّعون أنهم هم أفضل الجنس البشري وغيرهم في الدرجة الدنيا, ولهذا تسمع وتعجب حين يفتخر كل قوم أو كل شعب بأنهم أرقى أمة وأفخرها, فما دام قد انحلَّ الوكاء فما الذي يمنع كل جنس أو قوم من الافتخار بل والتعالي على الآخرين, راكبين كل صعب وذلول في تقرير ذلك, فكثرت تبعًا لذلك القداسات المزيَّفة لهذه الفئات من البشر, كما كثرت الأماكن والأرضي المقدَّسة عندهم, كما يقتضيه شرع القومية والوطنية.

стр. 219

الفصل الثاني: دراستنا للقومية أحب أن أبيِّنَ في بداية دراستنا للقومية أنه لا محذور أن يرتبط الإنسان بقومه أو ببلده؛ لأنَّ هذا الرباط أمر فطري وواقع جُبِلَ عليه البشر, ولهذا كان الأنبياء كلهم كلٌّ ينادي قومه قوله: "يا قومي", وقد ذكر الله ذلك ولم يعبه, وليس غرضنا بحث هذه الجزئية, ولكن الغرض بحث القومية القائمة على الفخر والخيلاء واستعباد الدين وإحلالها محله. وهذا الجانب نأخذه بإيجاز وعلى عجل أيضًا نظرًا للزمن المعطى له في هذه السنة الدراسية. فلا ندرسها دراسة شاملة, أو نتعرّض لتفاصيلها المتشعبة, فإن هذا المسلك طويل جدًّا وتحتاج دراسته إلى وقت وجهد؛ إذ أنَّ كل قومية تحتاج إلى مؤلِّف خاصٍّ بها, كما هو معلوم لطلاب العلم١. وحينما انتشرت القوميات في البلدان الإسلامية وغيرها كان لكل قوم اصطلاحاتهم فيها, وما ضمَّنوها من مفاخرهم وأيامهم نثرًا ونظمًا, مما لا يمكن استقصاء كل ذلك إلّا بدراسة خاصة؛ سواء أكانت القوميات العربية أو غير القوميات العربية, ولأهل الباطل نصيب من زخرف القول غرورًا إلّا أنه أصبح من شروط القوميات العامة الإيمان الراسخ فيها, سواء أكانت

стр. 220

عربية أو غير عربية, وهذا الإيمان يهدفون من وراء اشتراطه أن يحلّ حب القومية ومبادئها التي دوَّنوها محلّ الإيمان بالله تعالى ودينه القويم؛ إذ جعلوها هي الدين الذي يجمعهم بعد توفُّر وجود اللغة المشتركة أو التاريخ المشترك, فمن أخلَّ بعد ذلك بقداسة القومية فإنه يعتبر مجرمًا وغير محب لقومه ووطنه حسب دين القومية, وأعداء الإسلام من النصارى واليهود يعلمون علم اليقين أنَّ في إحلال القومية والوطنية محل الدين الإسلامي هو المنفذ الوحيد لإقصاء الإسلام وإخراجه من قلوب أتباعه, وبالتالي سيطرتهم على الشعوب الإسلامية. وعلى هذا فإن هذه الدراسة إنما وجهت إلى دراسة القومية بصفة عامة, وإعطاء الحكم عليها بصفة عامة أيضًا, معتبرين هذا المسلك جزئية من دراسة القومية الواسعة المفاهيم، والقصد من وراء ذلك هو تعجيل المنفعة للقارئ ببيان ما يجب بيانه حول القوميات وما فيها من مضارٍّ أو منافع, وما فيها من الخدع التي ألحقت بالمسلمين وبغير المسلمين من أضرار فادحة ومصائب لا حدَّ لها, كان في أولها بالنسبة للمسلمين محاربة الدين وإحلال القومية محلّه بكل بساطة, واستمع لهذه الآبيات التي تغلي حقدًا على الدين وجرأة على جهنَّم حيث قال شاعر الوطنية: بِلادَك قَدِّسْها عَلَى كُلّ مِلَّةٍ ... ومِنْ أَجْلِهَا أَفْطِرْ ومِنْ أَجْلِهَا صُمْ هَبُونِي عِيدًا يَجْعَلُ العَرَبَ أُمَّةً ... وسِيرُوا بِجُثْمَانِي عَلَى دِينِ بُرْهَمِ سَلامٌ عَلَى كُفْرٍ يُوَحِّدُ بَيْيَنَا ... وأهلًا وسهلًا بَعْدَه بِجَهنّمِ

стр. 221

وقول الآخر: وهل أنا إلّا من غزيَّة إن غوت ... غويتُ وأن تَرشُد غزيّة أَرْشُد وقد تمت الدعوة إلى القومية وانتشرت انتشار النار في جزل الغضي, وتعدَّدت عوامل التشجيع لانتشارها, وأشرب القوميين حبها، ووعتها قلوبهم, وأعجبوا بها, فكانت مصيبتهم في دينهم وفي وحدتهم التي يتباكون على تحقيقها, وأصمَّوا الآذان بصراخهم عليها, وحينما جاءت القومية والوطنية بالملاحدة حزب البعث العربي المارق, قال شاعرهم: آمنتُ بالبعثِ ربًّا لا شريك له ... وبالعروبة دينًا ما له ثانِ وهو تعبير صدق فيه القائل مع نفسه وهو كذوب, وأبان عن حقيقة القومية وعن حزب البعث ليحقَّ الله الحق ويبطل الباطل.

стр. 222

الفصل الثالث: كيف ظهرت القومية ؟ أساس ظهور القومية في شكل مذهب جماعي وله دعاته المتحمسون له, كان من البلد المضياف لكثير من الآراء والمذاهب المختلفة -أوروبا- كما عرفت, وكان سبب ظهورها هو نفس الأسباب التي أظهرت بقية المذاهب الفكرية فيها, متوخّية الرغبة الشيديدة في هدم سلطة الكنيسة الطاغية التي سامتهم سوء العذاب -كما تقدَّم, إضافة إلى ما كان يعيشه الأوربيون من شريعة الغاب والظلم والعدوان وسوء الأخلاق في معاملة بعضهم بعضًا, وعدم وجود الدين الصحيح الذي ينير لهم الحياة، فكان ظهور القومية هناك مظهرًا مشاركًا لبقية مظاهر الخروج والانفلات عن سلطة الكنيسة وقبضة رجالها, وكانت القومية هي إحدى معاول الهدم التي تكاثرت على الكنيسة بعد أن بدأت الكنيسة تترنَّح للسقوط النهائي إثر إفاقة الشعوب الغربية الأوربية على واقعهم الشنيع من الذل والخوف والتنكيل والقتل الجماعي والجهل المركَّب والأحكام الجائرة على أيدي فئة تزعم أنها تمثل الرغبة الإلهية في كل ما تأتي وتذر, فظهرت القومية كغيرها من الأفكار الأخرى وقفت من الدين وأهله نفس المواقف للنظريات الإلحادية الأخرى, ويظهر أنه لم يكن لديهم أيّ جامع أو رابط يقدّمونه لشعوبهم غير هذا الرابط الجديد الذي داروا حوله بكل جد, وقدسوه إلى أن أوصلوه قريب الأولهية؛ علَّهم يجدون فيه عزاءً عن الالتجاء إلى الإله الذي كان هو السبب

стр. 223

في إذلالهم على أيدي رجال الكنيسة الذين كانوا يمثلونه في الأرض كما قرره زعماء الكنيسة الرهبان لهم؛ لتحقيق شهواتهم وافتراءً على الله تعالى، وعلى هذا فإن ظهور القومية في أوروبا وعامة دول العالم المسيحي إنما كان لتلك الأسباب الظاهرة وغيرها, وكان لهم ما يبرر ذلك الخروج فيما ظهر من أحوالهم -وإن لم يكن مبررًا حقيقيًّا- وبعد خروجهم, ذلك الهوى كل ما راق لهم منها القومية التي قدسوها وزينوا أمرها لكل الشعوب؛ لتكون العزاء والبديل عن الدين النصراني ورجاله, يقول الندوي: "ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية ويطرون أدبها ولسانها وثقافتها وتهذيبها, ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانه بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء وتدل بنفسها, وتظن أنها مانعتها حصونها, وما أعدت للحرب, وتنقطع عن العالم وتتحرّش أحيانًا بالدول الكبيرة غرورًا بنفسها, أو تهجم عليها الدول فلا تلبث إلّا عشية أو ضحاها, وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة, ولا يغني أولئك المسئولون عنها شيئًَا ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.

стр. 224

ومن الجدير بالذكر أن القومية كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلّا إلى الخلاص من قبضة رجال الدين وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم, ولكن ما أن تَمَّ لهم ذلك الخلاص المنشود حتى انتقلوا نقلة أخرى فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص, إنما تطلّعوا إلى ظلم الآخرين والبغي عليهم واستعمار الضعفاء من الناس واستعبادهم, وحصل من وراء ذلك شر عظيم وفتن عريضة وحروب, ثم انقلب السحر على الساحر فأصبحوا في دوامة القومية التي لا تعقل ولا ترحم, ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين, كلٌّ ينوح على ليلاه, وكل فتاة بأبيها معجبة, فانتعش بينهم فنّ المفاخرات لضرورة الحاجة إليه في ظل القومية التي لم يقم بناؤها في الأساس إلّا على هذا المسلك البغيض في بداية تكوينها في أوروبا. وبعد أن سار ركب القومية في أوروبا يحطّم بعضه بعضًا كثرت الحروب بينهم نتيجة التعصبات القومية الشعوبية الهوجاء عاد الأسد إلى عرينه, فقام مفكروهم وقادتهم بالدعوة الجادة إلى نبذ القومية وأنها رجعية وليست تقدمية حضارية ويجب نبذها, وإنها تمثل أفكار "هتلر" النازي حين قسَّم العالم على أساس عرقي أفضلهم ألمانيا. ولأن مسلك التقدم والحضارة لا يتماشى مع مسالك القومية الضيقة, فلفظتها أوروبا لتقبع في أيدي المخادعين والماكرين من النصارى العرب وغيرهم؛ ليتموا حاجة في نفس يعقوب بعد أن بيتوا النية لحرب الإسلام, كما سنذكر ذلك في موضعه.

стр. 225

يقول د. صلاح الدين المنجد: "تنبَّه العرب إلى فكرة القومية في أوائل هذا القرن بعد أن مضى على موتها في أوروبا فترة طويلة بتأثير الغرب"١. ومما يذكره الباحثون عن القوميات الأوروبية وسبب ظهورها أنَّ البدايات الأولى لظهور القوميات هناك. كان أثر النزعات التي احتدمت بين رجال الدين الكنسيّ والملوك حول الأحقية بالسيطرة والأمر والنهي, هل هم الملوك فقط, أم رجال الدين فقط, وكاد أن يتمّ الحل بينهم على أن تكون السلطة الأمنية للملوك, والسلطة الروحية للبابوات, إلّا أنَّ الأمور انحدرت إلى هاوية سحيقة كانت هي ثالثة الأثافي, وهو النزاع الشرس الذي نشب بين رجال الدين أنفسهم, وما وقع بين الكنائس من عداوات خرجت تبعاعًا عن الكنيسة الأمّ في روما, وتعصَّبت كل كنيسة لآرائها: كاثوليك, بروتوستانت, إصلاحيات ... إلخ, وانفلت الأمر وصار الحبل على الغارب, فقام كل فريق بتكوين نفسه ومذهبه, فانتشرت المذاهب والأفكار ومنها قيام القوميات٢ على ذلك النحو, وأخذ النزاع طابعًا قوميًّا.

стр. 226

الفصل الرابع: متى ظهرت القومية ؟ لا يعرف على وجه الدقة تحديد نشأة الحركات والأفكار في الغالب, أما بالنسبة للقومية فإن الباحثين يذكرون أن ظهورها في أوروبا كان في الفترة التي كان رجال الفكر والتحرر -كما يسمون أنفسهم- يبحثون عن بديل للعقيدة النصرانية الخرافية الجائرة, والانفلات من قبضة رجال ذلك الدين الجامد المتخلف, وكان ذلك في حدود القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين, واشتدَّ عودها في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد أثنى دعاة القومية على الثورة الفرنسية التي كانت هي البداية الأولى لظهور القوميات؛ حيث عرف بعدها أنَّ الحكم يجب أن يكون للشعوب وليس لفئة من الناس وهم الحكام, وأن الحرية يجب أن تشمل جميع الأمة بالتساوي, وشعار الجميع الإخاء, وأصبح هذا المبدأ الثلاثي: الحرية، المساواة، والإخاء, هو مصدر إلهام الجماهير في زعم دعاة القومية, وقد زعموا أن القومية العربية إنما أثارها التوجُّه الأوربي للقومية؛ حيث نشأ دعاة القومية العربية متأثرين بذلك التيار في أوروبا, فأصحبوا يلهثون للحاق بركبهم. والواقع أن الذي أثار القومية العربية وكان لهم اليد الطولى في الدعوة إليها في بلاد المسلمين إنما هم النصارى العرب؛ لإدراكهم فائدة التفاف العرب المسلمين على القومية بدلًا من الدين الذي لا يتوافق مع دمج المسلم وغير المسلم في حظيرة واحدة, فجاء القوميون العرب من

стр. 227

النصارى وغيرهم, وأخذوا يكيلون لمديح لهذه القومية, وأن العرب في حاجة شديدة إلى قيامها إن أرادوا العزَّة والمنعة واحترام سائر الأمم لهم, بزخرف من القول غرورًا, وظلّت تستعر نارها وتشتد تدريجيًّا من معين الحقد على الدولة العثمانية.

стр. 228

الفصل الخامس: كيف تسربت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية ... الفصل الخامس: كيف تسرتبت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية؟ البلدان العربية والإسلامية أعزَّها الله بالإسلام الذي يجعل أتباعه كالجسد الواحد, وقد عاش المسلمون ردحًا من الزمن ما كانوا يعيرون القومية الجاهلية أدنى اهتمام, سواءً كانوا حكامًا أو محكومين, إلى أن بدأ المسلمون في الضعف والتقهقر فنفَّذ أعداء الإسلام مخططاتهم بتفريقهم على أيدي القوميين, وحينئذ مدوا أيديهم إلى فتات الغرب القذر، فإذا بهم أمام القوميات فدخلها الكثير من أوسع أبوابها مصدقين الدعايات الغربية أنها ثقافة وعلم مادي, وأوصلت الغرب إلى ما هو عليه من التقدم والرقي بزعمهم, ولم يفطن إلّا القليل جدًّا إلى خطر القوميات, وأبى الكثير بسبب ما كان عالقًا بأذهانهم من وجوب استعادة الأمجاد السابقة للآباء والأجداد, يساعدهم في هذا الاتجاه كل أعداء الإسلام من الصليبيين الذين تكبَّدوا في حروبهم مع المسلمين أفظع الهزائم التي لم يعرف في التاريخ لها أيّ مثيل, ومستغلين كذلك الحملة ضد الحكم العثماني التركي على أيدي الصليبيين العرب في لبنان وسوريا. يقول محمد قطب: "وقد كانت دعاوي القومية والوطنية والمصدَّرة عن عمد إلى العالم الإسلامي من بين وسائل الغزو الفكري الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في غزو العالم الإسلامي"١.

стр. 229

وكان أوسع الأبواب لدخول القومية إلى بلدان المسلمين هو المناداة بإقامة الأمجاد والمفاخر -الزائفة- بالتراث الجاهلي الذي سلبه الأتراك ممثَّلًا في الدولة العثمانية بزعمهم, وكان الذي فتح هذا الباب الواسع هم اليهود الذين هم وراء كل جريمة, فقد أشعلوا الخلاف الشديد بين الأتراك الذين ما كانوا يعيرون القومية التركية أدنى اهتمام, وبين العرب الذين كان ولاؤهم للإسلام, فجاء دعاة القومية وحرَّضوا الأتراك على إقامة قوميتهم الطورانية, كما حرضوهم على تتريك العرب أيضًا؛ ليتمَّ التصادم بين الجميع, وأنه يجب على الجميع احترام القومية الطورانية، ورمز الزئب الأغبر الذي تجتمع عليه قومية الأتراك, وتَمَّ لجمعيات اليهود أن ينادوا بتمجيد القومية الطورانية بالنسبة للأتراك؛ حيث جعلها عدو الله أتاتورك بديلًا عن الدين الإسلامي, وعرفوا كيف ينفخون في أذهان العرب بإيجاد أنفة شديدة في نفوسهم من خضوعهم للأتراك, وقامت الدعايات والمؤامرات, والكُتَّاب وكلّ وسائل الأعلام المسموعة والمقروءة قامت كل تلك الوسائل كالصاعقة لإحياء تلك النعرات الجاهلية القومية والوطنية عند العرب والأتراك جميعًا, وما تبع ذلك من الرغبة الشديدة في إشعال الثورات المتلاحقة للتخلُّص من الحكم العثماني بفعل دسائس أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في ردِّ فعلٍ عارم على القومية الطورانية. وكان ذلك كله بمرأى ومسمع من دهاة البشر وخبثائهم الدول الغربية المؤيِّدة لليهودية العالمية, إلى أن سقطت الخلافة العثمانية جسمًا هامدًا, وجاء الحكام الجدد الذين لا همَّ لهم إلّا تثبيت كراسيهم في الحكم على مفهوم

стр. 230

القومية والوطنية ثم البعثية, وصاروا يرددون كالببغاوات كلَّ ما يسمعونه من مختلف الشعارات البراقة, وكان أول بلد نجم عن قرن القومية لبنان وسوريا بزعامة نصارى هذين البلدين -عيون الغرب الصليبي في بلاد المسلمين, ومنهما انتشرت الدعوة إلى القومية والوطنية بتاثير الدعايات والدراسات في الغرب وشراء الضمائر, وما إلى ذلك من الوسائل الكثيرة التي استخدمت لإيصال هذه الأفكار وإخراجها كأمر واقع لا بُدَّ منه لإيجاد الأمجاد العربية. ولقد كان الليهود نصيب الأسد في إيحاء القومية الطورانية لحقدهم الشديد على الدولة العثمانية التي أبت أن تمنحهم موضع قدم يمتلكونه في فلسطين وغيرها من بلدان المسلمين, فكان من الطبيعي أن يستغلَّ اليهود تلك النعرة الجاهلية ليحقِّقوا من ورائها أهدافهم في الإطاحة بالخلافة الإسلامية ممثَّلة في السلطان عبد الحميد ﵀, الذي قال: "لن أبيع ولو قدمًا واحدًا من البلاد, وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منها, وليحتفظ اليهود ببلايينهم"١. ومنها هنا قرر اليهود إنشاء جمعية "الاتحاد والترقي", والحقيقة أنها عكس هذا الاسم تمامًا, وكل أعضائها فيما يذكر الباحثون أنهم غير أتراك وغير مسلمين حقيقة, وكانت المساعدات المالية تأتيهم كلها من الدول الغربية النصرانية ومن يهود الدونمة.

стр. 231

الفصل السادس: نتيجة ظهور القومية بين المسلمين تبيَّن من الحوادث التاريخية أن دخول القومية إلى البلاد الإسلامية والعربية بخصوصها, إنما كان بدافع الحقد الصليبي واليهودي, والرغبة في تمزيق الوحدة الإسلامية والانتماء إلى الإسلام؛ لأن الانتماء إلى العربية سيسهّل عليهم مهمّة استعمارهم لبلدان المسلمين بعد أن يفرقوا فرقًا وأحزابًا لا يلوي بعضهم على بعض في عنجهية جاهلية قومية, فتمكَّن المستعمرون أعداء الإسلام منهم حين عرفوا من أين تؤكل الكتف, فتخطَّفوهم وأخرجوم من دينهم الإسلامي إلّا من حفظه الله تعالى, وأخذوا أطرفًا كثيرة من بلادهم -وفلسطين أقوى شاهد- على ما وقع فيه المسلمون العرب من ضياع وهزيمة, والعراق الذي يعيش اليوم مرارة هزيمته على أيدي الصليبيين, ومن قبل ذلك أسبانيا والبرتغال والهند وغيرها. ومن الجدير بالذكر أن ظهور القوميات لم يستفد منها أحد مثلما استفاد منها اليهود حين نادوا بالتعصّب لقوميتهم اليهودية المتمثلة في الصهيونية, ولذلك لأنَّ اليهود -وهو أمر مهم- قد مزَّقهم الله تعالى وشتَّتهم بسبب خبثهم ورعونة أخلاقهم, وهذا الشتات يشكّل خطرًا عليهم أن يذوبوا في المجتمعات التي يعيشون فيها, وأقوى ضمان لبقاء تماسكهم هو تعزيز

стр. 232

القومية في نفوسهم؛ لكي يتم ربطهم بها, فكانت القومية مفيدة لهم بقدر ما هي ضارة بأمة تربطهم عقيدة واحدة مهما اختلفت قومياتهم, وواقع الجميع أقوى شاهد على ذلك١ على حد ما قاله أحد الشعراء: وتفرقوا شيعًا فكل قبيلة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر أما بالنسبة لاستفادة النصارى ومن وراء قيام القوميات فحدِّث ولا حرج, فلقد غرسوها بين المسلمين وتعهدوها بكل ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه, حتى أتت ثمارها الخبيثة التي كانوا يتوقعونها, وقد ملئوا الدنيا صياحًا ونياحًا على عودة العرب إلى القومية العربية وإلى التراث المجيد الذي كان للعرب قبل مجيء الإسلام, وإلى حضارات الفينيقيين والآشوريين والفراعنة ... إلخ. فكم ألَّفوا من الكتب نثرًا ونظمًا لملأ عقول الناس بتقبل القومية التي ستكون هي المنقذ الوحيد للعرب من الذل وسيطرة غيرهم عليهم, والتي أيضًا ستكون هي النبتة الجميلة لبدايات التطور والتقدم ونبذ الماضي البغيض -وهو الإسلام- الذي أخَّر عجلة تطور الدول الإسلامية ... إلى آخر الدعايات التي أجادوا حبكها والتخطيط لها, وتكاتفت جهود الأقليات النصرانية واليهودية المبثوثة بين المسلمين, وجهود الدول الاستعمارية الصليبية التي كانت تتربَّص بالمسلمين الدوائر متمثِّلة في أمريكا وبريطانيا وأسبانيا والبرتغال وغيرها من دول النصارى, صارت كل هذه القوى الهائلة تحت تنظيم دقيق وخطط أعدّت في غاية من الدهاء والخبث؛ لإدخال فكرة القومية إلى عقل كل مسلم, وأن العرب بخصوصهم لا منقذ لهم غير هذه القومية المباركة التي ستجمعهم

стр. 233

تؤلف بين قلوبهم وتجعلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. وكانت دعوة القومية كعملة ذات وجهين: الوجه الأول منها هو تلك الصورة الوردية والحلم السعيد, والوجه الآخر هو ذلك الباب الذي ظاهره من قِبَلِه العذاب, والذي صُمِّمَ لتفريق وتشتيت الداخلين فيه تلقائيًا, وقد تمثَّل نشاط النصارى في الإرساليات التبشيرية والاستشراقية, وفي إقامة نقاط التواصل القوي والتخطيط المشترك بين النصارى المنبثِّين في المجتمعات الإسلامية وبين النصارى الخارجين عنهم, مستخدمين تلك الأساليب والوسائل التي تقدَّمت دراستها, والنصارة على يقين من أن القومية لو انتصرت فإنَّ انتصارها سيكون نصرًا لكلّ نصراني في بلاد العرب, فهي قوة في حقيقتها لهم حيث يكن شأنهم مثل شأن كل المسلمين وكل أصحاب الأديان؛ لأن الرابط الجديد: القومية والوطنية, تعطيهم هذا الحق الذي لا يمنعه إلّا الدين؛ إذ لا يجتمع الحق والباطل, وقد تأكَّد لدى كل نصراني أن إحلال القومية محل الدين هو السبيل لاستحمار المسلمين واستعمارهم, ومن هنا نجد أن نصارى العرب كانوا الجواسيس الناصحين للنصرانية الغربية, ومن أوفى المؤازرين لها, ومن أكثر الناس نشاطًا وأكثرهم اجتماعات ومؤمرات ومؤتمرات لدراسة كل الوسائل التي يستفيدون منها لإبعاد الإسلام وإحلال القومية محله.

стр. 234

الفصل السابع: ماذا يراد من وراء دعوى القومية ؟ من البدهي أنه لا يراد من وراء هذه الدعوة وجه الله , ولا إقامة شرعه ليكون للناس نورًا يمشون به, ولا يراد بها كذلك إعلاء شأن المسلمين وإقامة مجدهم وعزهم؛ لأن مسلك القومية ونهايتها لا تؤدي إلى هذه النتيجة, وعلى الافتراض البعيد نقول: لو كان الهدف من وراء نشر القومية هي تلك الأهداف النبيلة -بزعمكم؛ لكان في تعاليم الإسلام والتمسُّك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يغني ويكفي عن تعاليم القومية المخالفة لهما بل المضادة لهما, ولو كان الهدف من ورائها إعلاء شأن المسلمين لكان في السير على نهج سلفنا الصالح ما لا يحتاج معه الشخص إلى أيّ شعار جديد يدعو إلى الالتفاف حوله والنضال في سبيله. وما زعمه القوميون -كذبًا وزورًا- من أنَّ القومية العربية ستكون فجرًا جديدًا على العرب كافَّة, إن هي إلّا منكر من القول وزور, بل كانت ظلمة وجهالة وتفريقات وتمزيقًا لا يزال المسلمون يتجرَّعون غصصها إلى اليوم, وكانت على -الحقيقة- فجرًا جديدًا وعهدًا زاهرًا فقط على اليهود والنصارى الذين برزت قرونهم عالية تحت مظلة القومية الجاهلية؛ بحجة أنّ القومية العربية لا تفرق بين مسلم ويهودي ونصراني أو غيرهم, وأن الجميع يشتركون في القومية والوطنية, وكلهم من حقهم أن يصلوا إلى الحكم على حد سواء.

стр. 235

وإذا كان الأوروبيون قد نادوا بفصل الدين عن الدولة؛ للأسباب التي اضطرتهم إلى ذلك, فإن الإسلام ليس فيه أيّ نزاع أو صراع بين الحكام والمحكومين؛ لأنه ليس فيه طبقات, كل طبقة تمثّل جانبًا في الحياة العامة, بل إنه يعتبر المسلمين كلهم على درجة متساوية في المعاملات والقيام بالتكاليف الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكلهم يجب عليهم الخضوع لشرع الله تعالى دون أن تستبدّ فئة بأخرى, والحكام في الإسلام ليسوا في طبقة خاصّة, بل هم مثل سائر أفراد المسلمين لم تكن له مزية إلّا تحمُّل الأمانة وتنفيذ شرع الله تعالى, وأوجب لهم الإسلام السمع والطاعة في مقابل هذا العمل, فأين هذا السلوك الذي تحقَّق به سعادة الناس من سلوك الجاهليات الأوروبية وشرائعها القومية, وإذا كان بعض المسلمين حكامًا ومحكومين قد خالفوا هذا النهج الواضح, فإن تبعه هذا الخلاف عليهم لا على الإسلام؛ إذ الإسلام قد تبرأ من كل الجاهليات الوضعية وأبان حكمه في كل أمر, فلا يجوز أن يحمل تبعة أي أمر لم يكن من تعاليمه.

стр. 236

الفصل الثامن: هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية ؟ من البدَهي أن يأتي الجواب بالنفي مطلقًا والأمر واضح تمام الوضوح, فقد أغنى الله المسلمين عن التجمع حول أي فكرة جديد أو شعار أو حزب, بل أنه حارب كل تجمُّع يقوم على غير هديه القويم, معتبرًا المسلمين كلهم أخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١, "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ٢, "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٣. ونصوص أخرى كثيرة في كتاب الله وسنَّة نبيه كلها تحث المسلمين على أن يكون تجمعهم وتفرقهم وحربهم سلمهم ومعاداتهم وموالاتهم كلها قائمة على هدي الله , لا إلى العرب أو العروبة أو القومية أو الوطنية, فهي وغيرها شعارات جاهلية يبغضها الإسلام ويحاربها, وكل دعوى لا تلتزم هدي الله فهي دعوى جاهلية يجب الحذر منها, ولقد أعلنها المصطفى ﷺ صريحة حيث قال للأنصاري الذي قال: يا للأنصار, واللمهاجري حين قال: يا للمهاجرين, قال ﷺ : "ما بال دعوى أهل الجاهلية" , وفي رواية٤ "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم".

стр. 237

وفي بعض الروايات قال لمن افتخر بعروبته: "دعوها فإنها خبيثة" ١, وفي رواية "فإنها منتنة" ٢, وفي بعضها "دعوها فإنها ليست لكم بأم ولا أب" ٣؛ لأن الإسلام أراد أن تجتث شجرة التعصُّب الخبيثة من أساسها؛ لأن ثمارها لا خير فيها لأحد, بل فيها العداوة والبغضاء والكبرياء والأحقاد وكل المساوئ والرذائل, وأنها لا تؤلف القلوب بل تنفرها وتثير فيها كوامن حب التعالي والبغي بغير الحق, فلا تفيدهم لا في دينهم ولا في دنياهم. ولقد جُرِّبَت هذه الفكرة قديمًا وحديثًا فكانت فاشلة تافهة, ما أن يحصل خلاف وخصام بين أصحابها إلّا رموا بها عُرْضَ الحائط, وصار بعضهم لا يخالف في الآخر إلًّا ولا ذمَّة, فهو لا يخالف من اختراقها نارًا حامية, ولا يرجوا من تطبيقها جنة عالية, فتكون النتيجة كما قال أبو فراس: إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر٤. وقد وضح لكلِّ عاقل أن القومية لم تقدِّم أي نفع للناعقين بها, بل إنها كانت معول هدم وتخريب وبغي, فأي حاجة للمسلمين إلى النعرات الجاهلية بعد أن أعزَّهم الله بالإسلام الذي أكمله الله لهم ورضيه لهم إلى يوم القيامة، وجعل أحكامه شاملة كاملة وافية بجميع ما يحتاج إليه البشر لسعادتهم في الدراين ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٥.

стр. 238

إن الدعوة إلى القومية دعوة إلى الفرقة والفخر والتعالي؛ حيث يدخل التعصُّب بجميع أشكاله من جميع الأبواب, فما الذي يمنع في شرع القومية أن يفتخر العربي بأنه عربي ومن بلد كذا وكذا, والعجمي بأنه عجمي ومن بلد كذا وكذا, سيفتخر حتمًا في شرع القومية العربي بعربيته, والفارسي بفارسيته, والهندي بهنديته, والصيني بصينيته. وهكذا كل قوم أو بلد سيجدون ما يفتخرون به بالحق وبالباطل, فالقومية ستلهمهم جميعًا صواب ما يريدون, وستعطي كل حزب أدلته على أنه أفضل عناصر البشر, وأن وطنه أفضل الأراضي, وأن كل ذرة منه مقدَّسة, ومعلوم أنه لم يحتج المسلمون في تاريخهم الطويل -قبل انحرافهم عن الجادَّة- إلى قومية تجمعهم ولا أيّ رابط يربطهم غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ , ومعلوم أنه لا يصلح آخر هذه إلّا بما صلح به أولها. يقول د. جمعه الخولي بعد أن ذكر أن دول أوروبا تحوَّلت إلى شتات من البشر لا رابطة بينهم بعد أن أبعدوا عنهم النصرانية ورجال دينها, وأنهم لجأوا إلى القوميات كوسيلة لربط الشعوب كالقومية الألمانية والقومية الفرنسية والنمساوية ... إلخ, وأنهم لم ينتفعوا بها, بل كانت فتنة لهم وسببًا من أسباب الحروب بينهم. ثم جاء يوم تحاربت فيه على أساس هذه القوميات في الحربين العالميتين الأولى والثانية, فلما أحسَّت بلعنة القومية أخذت تتخلَّى عنها

стр. 239

وعدَّ كثير من مفكريها العودة للدعوة لها دليلًا على الرجعية والتخلُّف وعنصرًا هدامًا للإنسانية, واعتبروها نوعًا من التجارب التي لجأت إليها أوروبا في ظروف خاصَّة وفي وقت محدود, ثم نقل عن المؤرخ الشهير "أرنولد توينبي" قوله: "القومية لا تستطيع أبدًا أن توحِّد الإنسانية, بل إنها توزعها وتشتت شملها, ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل, وأنها لا تستطيع إلّا أن تدفن الإنسانية في ركامها, وأننا إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك والدمار فينبغي أن تحتضن الإنسانية كلها من غير استثناء, ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة"١. ثم ألَا يعلم القوميون العرب بخصوصهم أن العرب قبل الإسلام كانوا في غاية الأنفة والحمية والفصاحة العجيبة, فما الذي أغنت عنهم, وهل جنَّبتهم غضب الله, أو جنَّبتهم الذل لغيرهم من سائر الأجناس, أليس كان الفرس ينظرون إلى العرب كما ينظرون إلى الحشرات, لا يقيمون لهم وزنًا ولا قيمة, فلماذا لم تدافع عنهم القومية, وهل ستدافع عن المسلمين والعرب اليوم لولا ذوابها؟! وكم دعوا لها وكم لاذوا بها فكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من تفرقهم وتشتتهم وذلهم الذي بلغ ذورته مع وصول القومية إلى ذورتها على أيدي ملاحدة البعث ونصارى العرب وغيرهم من مغفلي المسلمين وأصحاب المصالح, الذين أذلّتهم بطونهم ومطامعهم, الذين هم أشبه ما يكونون بالقطط الذين يشبعون, والنمور جياع، ثم أليست شريعة القوميين هي نفسها الشريعة التي كانت في الجاهلية من التعصُّب القبلي -انصر أخاك ظالمًَا أو

стр. 240

مظلومًا- ومن الدعوة إلى الفجور والفواحش, ومن التعالي والبغي على الناس بغير الحق, ومن تقديس رءوس الكفر واحترامهم, وعدم وجود العزَّة والأنفة التي يتميّز بها المسلم أمام أعداء الإسلام من اليهود والنصارى, حتى أصبح راضيًا مطمئنًا بأن يتولّى عليه من لا يساوي شراك نعله من ضلال اليهود والنصارى وغيرهم من كبار الفساق؛ لأنَّ شريعة القومية توجب ذلك لأنَّ العروبة حين تجمع بين هؤلاء جميعًا لا يبقى أيّ مزية للمسلم على الآخرين, وهذا المفهوم منطقي مع استبدال الدين بالقومية. ألم يعلم الأشرار دعاة القومية أنّ المسلمين كانت لهم بالإسلام عزة طأطأ الجبابرة لها جباههم ذلًّا وانكسارًا, وملكوا بها الشرق والغرب, ودخل الناس في الإسلام أفواجًا راهبين وراغبين, فاغتبطوا به وفازوا في الدنيا والآخرة, وأصبح المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحمَّى, وكانوا قلبًا واحدًا, هدفهم واحد, وتفكيرهم واحد, وعبادتهم واحدة, نشروا الإسلام رغبةً في الأجر العظيم من الله لا حبًّا في التملُّك ولا رغبة في السيطرة, حتى أدوا ما أوجبه الله عليهم من نشر دينه وقمع الفساد والمفسدين. وإذا كنا ننكر الدعوة إلى القوميات عمومًا والقومية العربية بخصوصها, فما ذاك إلّا من شدة الحرص على أن لا تفوت البقية الباقية من عز العرب المسلمين, وليس تجاهلًا لفضل العرب والعربية, وليس ما نذكره هنا في فضل العرب بمبرِّر للافتخار به على طريقة القومية الجاهلية, وإنما هو تبيان للحقيقة.

стр. 241

فالعرب هم أول من أبلوا في سبيل الله: جاهدوا بأموالهم وأنفسهم, وأسدوا إلى البشرية عامَّة ما صلح به أمر دينهم ودنياهم, ولا ننسى كذلك أفذاذًا من غير العرب كانوا إلى جانب الرعيل الأوّل من المهاجرين والأنصار, وقد اختار الله نبيه من العرب, وأرسله ورحمة للعالمين, وفضَّله على جميع البشر, كما أنَّ الأماكن التي كان ينزل وحي الله فيها لا شكّ أنها محطّ الأنظار ومهوى الأفئدة. وقد شرَّف الله اللغة العربية وكرَّمها بنزول القرآن بها, وهو معجزة المسلمين الخالدة, كما لا ننسى ما امتاز به العرب من صفات حميدة سجَّلها لهم التاريخ من الوفاء والكرم وحفظ حقوق الجار والشجاعة والفصاحة, وغير ذلك من الصفات, ولكن يجب أن نتفطَّن لأمر مهم جدًّا وهو أنَّ العربية والعرب ما كانوا شيئًا يذكر لولا الإسلام, فالعربية هي إحدى اللغات في هذه الأرض, والعرب هم أحد الأجناس من هذه الأمم, فلا مزيَّة لهم إلّا بالدين الإسلامي, ولنا أن نسأل الذين يتشدقون بأمجاد العرب قبل الإسلام ما هي, ألم يعترف فضلاء الصحابة بأنَّهم كانوا جهالًَا وفقراء وقاتلين قبل الإسلام, وأن الله رفعهم بالإسلام وأعزّهم به. والآن تريد القومية العربية إرجاع العرب إلى حالتهم تلك السابقة, إبعادهم عن دينهم ومصدر مجدهم الحقيقي, فأي جريمة سيرتكبونها بحقّ العرب وسائر المسلمين لو تَمَّ لدعاة القومية ما يهدفون إليه, وليت تلك الدعوات إلى القومية الجوفاء كانت دعوة موجَّهة إلى لَمِّ شَعْثِ

стр. 242

المسلمين عمومًا والعرب خصوصًا في ظل ما يحدق بهم من أخطار تتهددهم على طول تاريخهم, وإلى أن يتكاملوا فيما بينهم في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية, وإلى أن يكونوا منهم عالمًا قويًّا ثابت الأقدام كما كان أسلافهم, ثم لتكن تسمية هذا المسلك أيّ ما تكون ما دام الهدف واضح المعالم؛ لأنه إذا كانت كلمة الإسلام تجمعهم سيصبحون قلبًا واحدًا وهدفًا واحدًا, ويصبح العربي وغير العربي المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى, وكم ضحى العربي بنفسه في سبيل نجاة أخيه المسلم غير العربي, وكم ضحى غير العربي عن أخيه العربي المسلم بنفسه في ميادين القتال, وكم سجَّلوا جميعًا أروع الانتصارات وأروع الإيثار. وليتذكر العرب والمسلمون جميعًا تلك المواقف التي سجَّلها المماليك في ردّ الصليبيين عن بلاد العرب والمسلمين, وليتذكروا صلاح الدين الأيوبي وهو من الأكراد, ماذا سجَّل للمسلمين في إرجاع القدس وبلاد الشام ودحره النصارى, وكم كانت من المواقف العظيمة التي خاضها المسلمون من أجناس شتَّى في آسيا وإفريقيا وفي أوروبا دفاعًا عن الإسلام والمسلمين, فكم كان المسلمون سيخسرون لو كانت الدعوة قومية من أول يوم؟

стр. 243

الفصل التاسع: هل تحققت السعادة المزعومة في ظل القومية ؟ لقد نادى القوميّون وملؤا الدنيا صياحًا بأن الدعوة القومية ستحقِّق لمعتنقيها كل السعادة, وأنهم سيعيشون في جنة عالية وعزٍّ لا يرام إذا طبّقت الشعوب القومية, سواء أكانت تلك الشعوب عربية أم غير عربية, فالسعادة تنتظر الجميع, وأنها تجمع ولا تفرق, وتؤلف القلوب وتوحّد الأحوال الاقتصادية, وتحقق القوة على الأعداء أيًّا كانوا, إلى غير ذلك من أنواع المديح والتزكية للقومية والقوميين. ولكن هل تحقَّقت تلك المزاعم لأي قومية من القوميات عربًا أو عجمًا؟ لقد قال بعضهم: إن النَّاس بطبيعتهم فيهم غرائب لؤم, فإن الشخص يبغض الآخرين؛ لأنهم لا يتكلمون بلغته, فإذا تكلموا بلغته فإنه يبغضهم؛ لأنهم ليسوا من وطنه, فإذا كانوا من وطنه بغضهم؛ لأنهم ليسوا من قبيلته, فإذا كانوا من قبيلته بغضهم حسدًا على ما عندهم. والعرب بحدِّ ذاتهم حينما مالوا إلى القومية ووالوا وعادوا من أجل العروبة, ماذا كانت نتيجتهم, لقد ازدادوا فرقة وفقرًا وعداوةً فيما بينهم, وكاد بعضهم للبعض الآخر, بل ودرات بينهم حروب شرسة حين بغى بعضهم على بعض ببركات حب القومية, وافتخار كلٌّ بقومه, فقامت الأحزاب والتكتلات الصغيرة والكبيرة على حمية القومية الجاهلية, فازدادت المسافة بينهم وبين الوصول إلى السعادة المنشودة في ظل القومية, وليت هؤلاء الهاربون عن طريق

стр. 244

السعادة الحقيقية يرجعون بذاكرتهم إلى تاريخهم المشرق, ويتذكرون حين قال رسول سعد بن أبي وقاص لرستم حينما سأله: ما الذين أخرجكم علينا؟ فقال له: أُمِرْنَا أن نخرج الناس من عبادة العبادة إلى عبادة رب العباد. وفي نهاية اجتماعهم قال له: "واعلم أن لكم عندنا ثلاث خصال, إمَّا الإسلام أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو القتال". وهو كلام ما كان يحلم به العرب في يوم من الأيام أن يواجهوا به سادة الفرس الذين كانوا يعتبرون العرب أذلَّ البشر قبل أن يعزهم الله بالإسلام, وقبل أن يصبحوا خير أمة أخرجت للناس, حينما نبذوا جميع الخرافات الجاهلية وافتخروا بدينهم, فوجدوا السعادة الحقيقية فيه، تراحموا بعد أن كانوا أشدَّ الناس عداءً فيما بينهم, يقهر القوي الضعيف, ويستعبد الأغنياء الفقراء, تراحموا حتى أصبحوا كالجسد الواحد يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, يقول الشخص منهم للآخر: تعال أقاسمك مالي وأهلي, فيقول له صاحبه: بارك الله في مالك وأهلك, دلني على السوق, تراحموا حتى مدحهم رب العالمين بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١. ولقد نجوا من الهلاك الذي كان ينتظرهم باستمرارهم على الشرك؛ حيث امتنَّ الله عليهم بذلك فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.

стр. 245

وصاروا ينظرون إلى الشرك وأهله بعين الاحتقار والازدراء والرحمة لحال المشركين أن يموتوا على شركهم, فكانوا يذهبون إلى القباب وإلى الأصنام فيهدمونها ويكسرونها دون خوف أو وَجَلٍ, يا عزَّى لا عزَّى لك, إني رأيت الله قد هانك، واتجهوا إلى عبادة خالقهم وحده, فارتاحت نفوسهم من تشتت الفكر وعبادة الأرباب المتشاكسين, والخوف من أصحاب القبور والجن والسحرة والمشعوذين, وحقَّقوا التوكُّل على الله فكفاهم الله كل ما يخيفهم أو يحزنهم, لا تزيدهم الشدائد إلّا صلابة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١. وصار فخرهم بالإسلام وحده بعد أن كان فخرهم بأمجادهم الجاهلية وبآبائهم وقبائلهم, وغير ذلك من المفاخر الجاهلية, وصار شعارهم: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وصارت مراقبة الله تعالى نصب أعينهم في بيعهم وشرائهم وجميع معاملاتهم, لا ربا ولا غش ولا فجور ولا ظلم ولا سوء خلق. فهل توجد هذه الأخلاق في القوميات؟ هيهات هيهات, وهل يتصور القوميون أنَّ العودة إلى تلك الحال المظلمة للجاهلية هو الذي سيجمع شمل المسلمين -والعرب خصوصًا- وأنه سيكون منهم أمة ذات حضارة وسيادة تحت مظلة القومية البالية؟!

стр. 246

وأما غير العرب فإن الأتراك أقرب مثال لنكسة القومية لهم حينما فشت فيهم نخوة القومية الجاهلية, ماذا كانت النتيجة؟ لقد تفرَّقوا وفَتُرَ نشاطهم في حرب أعداء الإسلام, بل وضعفوا واستكانوا وهانوا على الدول الغربية إلى يومنا الحاضر؛ حيث يطلب حكامها الدخول في المنظمة الأوربية, ومع ذلك يتجاهل الغرب مطالبهم في احتقار لا يحتمله الأحرار, دون أن يتذكَّروا ماضيهم في ظل الإسلام, وكيف كانوا سادة كثيرة من بلدان العالم وقادتهم يحسب له أعداؤهم ألف حساب قبل التفكير في التنغيص عليهم ولو بأدنى اعتداء.

стр. 247

الفصل العاشر: خداع القوميون ... الفصل العاشر: خداع القوميين ذهب بعض دعاة القومية إلى ابتكار حيلٍ وتلفيق شبهات كاذبة مفادها أنه لا فرق بين الالتزام بالقومية والالتزام بالدين؛ ولأنه لا تعارض بينهما ما دام الشخص متمسكًا بدينه وبعروبته أيًّا كان دينه, مسلم أو نصراني؛ إذ اسم العروبة يجمعهم. ثم زعموا أنَّ النبي ﷺ وحَّد العرب تحت راية العروبة, وأوجب على كل مسلم أن يستشعر القومية العربية قبل كل شيء, وأن جهاده في نشر الإسلام هو نشر كذلك لسيادة القومية العربية. ومن أدلتهم الباطلة على هذا الزعم الكاذب قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ١؛ لأن واجب العروبة يحتم عليهم الوفاء لهذا النبي العربي, ومثلها الآيات الأخرى التي فيها التشهير بالمتخلفين من الأعراب عن الجهاد في سبيل الله, الذي هو جهاد في سبيل رفع راية العروبة أيضًا. ومما استدلوا به كذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٤.

стр. 248

وكل هذه الآيات في خيالهم السقيم دعوة إلى تمجيد العربية والعروبة, ويجعلون جهاد أولئك الميامين إنما كان لنصرة العروبة لإيمانهم بها, ومعنى كلامهم أنَّ انتصار الإسلام هو انتصار للعروبة, بل هي هدف من الأهداف المهمَّة التي كانت في ذهن الرسول ﷺ وأصحابه -حسب زعم دعاة القومية العربية المفترين. واستدلالهم بما تقدَّم إنما هو من باب أن الغريق بكل حبل يمسك, فالنصوص في وادٍ وفهمهم لها في وادٍ آخر, وهل يليق وصفهم للرسول -صلى الله عليه سلم- وأصحابه الكرام بأنهم كانوا يهدفون إلى تقوية العرب؟ فلماذا حاربوهم إذا كان كلام دعاة القومية صحيحًا.

стр. 249

الفصل الحادي عشر: إبطال فكرة القومية إنَّ أوَّل ما يدل على بطلان فكرة القومية وأنها شرٌّ لا خير فيها, أن وراء قيامها اليهود والنصارى وسائر الملاحدة, فماذا ننتظر أن تأت به من الخير للبشرية أو للمسلمين بخصوصهم بعد هذه التيارات المنشئة لها. ألم يكن غرض القوميين هو تفتيت أيّ مجتمع متماسك, والانفراد بكل تجمُّع لا يتَّفق وأهدافهم؟ ألم يتفرَّق المسلمون بعد دخول القوميات بينهم, واعتزاز كل قطر بقوميته ومآثره الجاهلية؟ وأصبح المسلمون بصفة عامَّة لا يلوي بعضهم على بعض, بعد أن تقطَّعت الدولة الإسلامية إلى أوصال ممزَّقة يقاتل بعضهم بعضًا في حروب أهلية تأخذ الأخضر واليابس, والقومية تمدُّهم بكل المبررات لهذا السلوك الذي حذَّر منه الإسلام؟ وبالرغم من تلك المناداة الجوفاء التي أطلقها دعاة الفكرة القومية من أنَّ الناس سيعيشون في منتهى السعادة حينما يطبقون تعاليم القومية بحذافيرها, وأن كل قطر يلتزم بها سيصبح محترمًا, فكانت النتيجة أن حلَّ بهم الشقاء والذلّ؛ سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم, بل لقد شقي بها من كان مهَّد نشأتها من الدول الأوروبية ونداءات من ينتسبون إلى العرب بخصوصهم, إنما هي دلالات على حمقهم ورعونتهم, وإلّا فأي مستند لهم

стр. 250

أفي القرآن الكريم؟ أم في السنة النبوية؟ هل وجدوا نصًّا فيهما يمجِّد العروبة أو يدعو إليها؟ كلّا. نعم ورد في القرآن الكريم ما يفيد نسبة الشخص إلى قومه, وهذا معروفٌ, فإنَّ لكل شخص قومًا, فهي نسبه بحسب الواقع, وهي أمر معروف وبدهي, وليس في القرآن الكريم الافتخار بالقومية أو الدعوة إلى التجمع حولها, أو جعلها بديلًا عن الدين, بل ما ورد في السنة يدل على عكس ذلك؛ حيث وصفها الرسول ﷺ بأنَّها دعوى جاهلة, وأنها خبيثة يجب الانتهاء منها١. ودعاة القومية تجدهم في تلمُّسهم لأيّ أمر يمدحون به القوميات الجاهلية يذكرون بعض الصفات الحميدة من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار ونحو ذلك, ويجعلونها حضارة عريقة لهم ويهولون من أمرها ليحببوا الناس إلى الرجوع إليها، ويذكرون كذلك بعض الآثار من العمران والتحف, ثم يقفون أمامها خاشعين ذليلين زاعمين أن أهل العصور المتأخرة لا يمكنهم بحالٍ عمل ذلك أو ما يقاربه, وذلك ليملأوا فراغ قلوب من يصغون لكلامهم ممن قصر فهمهم للإسلام. ومن غرائب الأمور أن ينادي القوميون سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بأنَّ في التمسك بالقومية تحقيق للوحدة والتآلف, فهل تَمَّت الوحدة الشاملة التي ينادي بها زعماء القومية العربية أو غيرهم, أم أن القومية كانت هي المعول الهدّام للوحدة في كل بلد حلَّت به من بلدان العرب أو من
следующие страницы →