← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وأما غير العرب فإن الأتراك أقرب مثال لنكسة القومية لهم حينما فشت فيهم نخوة القومية الجاهلية, ماذا كانت النتيجة؟ لقد تفرَّقوا وفَتُرَ نشاطهم في حرب أعداء الإسلام, بل وضعفوا واستكانوا وهانوا على الدول الغربية إلى يومنا الحاضر؛ حيث يطلب حكامها الدخول في المنظمة الأوربية, ومع ذلك يتجاهل الغرب مطالبهم في احتقار لا يحتمله الأحرار, دون أن يتذكَّروا ماضيهم في ظل الإسلام, وكيف كانوا سادة كثيرة من بلدان العالم وقادتهم يحسب له أعداؤهم ألف حساب قبل التفكير في التنغيص عليهم ولو بأدنى اعتداء.

стр. 247

الفصل العاشر: خداع القوميون ... الفصل العاشر: خداع القوميين ذهب بعض دعاة القومية إلى ابتكار حيلٍ وتلفيق شبهات كاذبة مفادها أنه لا فرق بين الالتزام بالقومية والالتزام بالدين؛ ولأنه لا تعارض بينهما ما دام الشخص متمسكًا بدينه وبعروبته أيًّا كان دينه, مسلم أو نصراني؛ إذ اسم العروبة يجمعهم. ثم زعموا أنَّ النبي ﷺ وحَّد العرب تحت راية العروبة, وأوجب على كل مسلم أن يستشعر القومية العربية قبل كل شيء, وأن جهاده في نشر الإسلام هو نشر كذلك لسيادة القومية العربية. ومن أدلتهم الباطلة على هذا الزعم الكاذب قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ١؛ لأن واجب العروبة يحتم عليهم الوفاء لهذا النبي العربي, ومثلها الآيات الأخرى التي فيها التشهير بالمتخلفين من الأعراب عن الجهاد في سبيل الله, الذي هو جهاد في سبيل رفع راية العروبة أيضًا. ومما استدلوا به كذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٤.

стр. 248

وكل هذه الآيات في خيالهم السقيم دعوة إلى تمجيد العربية والعروبة, ويجعلون جهاد أولئك الميامين إنما كان لنصرة العروبة لإيمانهم بها, ومعنى كلامهم أنَّ انتصار الإسلام هو انتصار للعروبة, بل هي هدف من الأهداف المهمَّة التي كانت في ذهن الرسول ﷺ وأصحابه -حسب زعم دعاة القومية العربية المفترين. واستدلالهم بما تقدَّم إنما هو من باب أن الغريق بكل حبل يمسك, فالنصوص في وادٍ وفهمهم لها في وادٍ آخر, وهل يليق وصفهم للرسول -صلى الله عليه سلم- وأصحابه الكرام بأنهم كانوا يهدفون إلى تقوية العرب؟ فلماذا حاربوهم إذا كان كلام دعاة القومية صحيحًا.

стр. 249

الفصل الحادي عشر: إبطال فكرة القومية إنَّ أوَّل ما يدل على بطلان فكرة القومية وأنها شرٌّ لا خير فيها, أن وراء قيامها اليهود والنصارى وسائر الملاحدة, فماذا ننتظر أن تأت به من الخير للبشرية أو للمسلمين بخصوصهم بعد هذه التيارات المنشئة لها. ألم يكن غرض القوميين هو تفتيت أيّ مجتمع متماسك, والانفراد بكل تجمُّع لا يتَّفق وأهدافهم؟ ألم يتفرَّق المسلمون بعد دخول القوميات بينهم, واعتزاز كل قطر بقوميته ومآثره الجاهلية؟ وأصبح المسلمون بصفة عامَّة لا يلوي بعضهم على بعض, بعد أن تقطَّعت الدولة الإسلامية إلى أوصال ممزَّقة يقاتل بعضهم بعضًا في حروب أهلية تأخذ الأخضر واليابس, والقومية تمدُّهم بكل المبررات لهذا السلوك الذي حذَّر منه الإسلام؟ وبالرغم من تلك المناداة الجوفاء التي أطلقها دعاة الفكرة القومية من أنَّ الناس سيعيشون في منتهى السعادة حينما يطبقون تعاليم القومية بحذافيرها, وأن كل قطر يلتزم بها سيصبح محترمًا, فكانت النتيجة أن حلَّ بهم الشقاء والذلّ؛ سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم, بل لقد شقي بها من كان مهَّد نشأتها من الدول الأوروبية ونداءات من ينتسبون إلى العرب بخصوصهم, إنما هي دلالات على حمقهم ورعونتهم, وإلّا فأي مستند لهم

стр. 250

أفي القرآن الكريم؟ أم في السنة النبوية؟ هل وجدوا نصًّا فيهما يمجِّد العروبة أو يدعو إليها؟ كلّا. نعم ورد في القرآن الكريم ما يفيد نسبة الشخص إلى قومه, وهذا معروفٌ, فإنَّ لكل شخص قومًا, فهي نسبه بحسب الواقع, وهي أمر معروف وبدهي, وليس في القرآن الكريم الافتخار بالقومية أو الدعوة إلى التجمع حولها, أو جعلها بديلًا عن الدين, بل ما ورد في السنة يدل على عكس ذلك؛ حيث وصفها الرسول ﷺ بأنَّها دعوى جاهلة, وأنها خبيثة يجب الانتهاء منها١. ودعاة القومية تجدهم في تلمُّسهم لأيّ أمر يمدحون به القوميات الجاهلية يذكرون بعض الصفات الحميدة من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار ونحو ذلك, ويجعلونها حضارة عريقة لهم ويهولون من أمرها ليحببوا الناس إلى الرجوع إليها، ويذكرون كذلك بعض الآثار من العمران والتحف, ثم يقفون أمامها خاشعين ذليلين زاعمين أن أهل العصور المتأخرة لا يمكنهم بحالٍ عمل ذلك أو ما يقاربه, وذلك ليملأوا فراغ قلوب من يصغون لكلامهم ممن قصر فهمهم للإسلام. ومن غرائب الأمور أن ينادي القوميون سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بأنَّ في التمسك بالقومية تحقيق للوحدة والتآلف, فهل تَمَّت الوحدة الشاملة التي ينادي بها زعماء القومية العربية أو غيرهم, أم أن القومية كانت هي المعول الهدّام للوحدة في كل بلد حلَّت به من بلدان العرب أو من

стр. 251

غير العرب ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١. لقد ظنَّ دعاة القومية -إن أحسنَّا بهم الظن- أنّها رابطة حقيقية لتوحيد من يتعصَّبون لهم أيًّا كانت تلك القومية, إمَّا وطنية, أو اللغة بعينها, أو تاريخًا مشتركًا, ولكنها في الحقيقية سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. فقد ثبت بتجارب الأمم على مرِّ التاريخ أن الذي يوحِّد الناس حقيقةً ويؤلِّف بين قلوبهم ويجعلهم كالجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا, إنما هو الالتزام بمنهج الله تعالى ودينه القويم, وما عدى ذلك فإنه خداع وتضليلات يُرَاد من ورائها مصالح بشرية تزول بزوال تلك المصالح, شأن التشرعيات والاجتماعات الجاهلية التي أبت شرع الله تعالى, وروضوا بالتحاكم إلى الطاغوت والاجتماع على ما يمليه عليهم. وعلى القوميين أن يتفهَّموا مقاله الناس "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل", أو قولهم: "الاعتراف بالحق فضيلة".

стр. 252

الفصل الثاني عشر: نقض الأسس التي قامت عليها القومية لم يكن لدعاة القومية أسس خاصة في الدعوة إليها, وأنَّى يجدون ذلك وهم مختلفون فيما بينهم اختلافًا كثيرًا, فلم يجدوا غير آراء تصوروها لبناء القومية, ثم اختلفوا أيضًا فيها -شأن الباطل دائمًا, وقد عرفت فيما سبق أن من القوميين من ذهب إلى أن أساس القومية هو الاتحاد في اللغة, ومنهم من قال: الاتفاق في التاريخ, ومنهم من جعلها الأرض, ومنهم من قال: هي المصلحة المشتركة بين أفراد الأمة، ولعل سبب اختلافهم يعود إلى أنَّ هذه الآراء لا تركن إليها النفس تمامًا ولا تصل إلى حدِّ القناعة التامَّة, فلهذا كل أدلى بدلوه أو رمى بحجره علَّه يصيب. أ- أما اللغة: فالقول بأنها رباط قومي كذب ينقضه واقع حياة الناس, فقد وقع أنَّ أممًا كثيرة تتكلَّم لغة واحدة ولكن بينهم من التفاوت بل والعداوة ما لا يخفى, وأقرب مثال على ذلك العرب أنفهسم, فهم يتكلمون لغة واحدة, ولكن كم الفرق بين العربي اليهودي, والعربي النصراني, والعربي المسلم, والعربي المشرك؟ بل وأين المسلم من غير العرب ومن غيره أيضًا ممن يتكلّم بلغته؟ ولماذا لم تتحد أمريكا وبرطانيا في قومية واحدة ما دامت اللغة الإنجليزية تجمعهم؟

стр. 253

وبالتالي يقال لهم: كيف تجمَّع أهل سويسرا واتحدوا مع أنهم يتكلمون ثلاث لغات ددون تمييز بينها١؟ وكثير من الأمم على هذا النحو لم يكن للغة أيّ تأثير في سير حياتهم وانتماءاتهم, وإنما هي لإتمام مصالحهم الدنيوية. ب- وأما التاريخ: فإن التاريخ مراحل تمرّ بها البشرية تشتمل على صعودٍ وانحدارٍ على خير وشر, وتقدُّم وتأخُّر في جميع نواحي الحياة, ويحوي كذلك اختلافات كثيرة, أما بالنسبة للمسلمين فإنّ تاريخهم الحقيقي المشرق إنما يبدأ بظهور الإسلام, يحنِّون إليه خلفًا عن سلف, إلّا من أفسدت الحضارة الأوربية فطرته منهم حين يحنّ إلى الحضارات الجاهلية السابقة, ويتباكى عليها ويفتخر بها, ويودّ بجدع الأنف لو عاد عهدها, وهي حضارات قديمة عاشها أهلها بخيرها وشرها, ولم يعد لها في حياتنا الإسلامية أيّ أثر, وبالتالي تكون المناداة بإقامة القومية على تلك الحضارات إمّا بسبب الجهل المطبق, وإما لأغراض أخرى, وفي أولها الانفلات من الشريعة الإسلامية وربط المسلمين بالغرب أو بالشرق بعيدًا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم؛ لأن هؤلاء الدعاة قد تشبَّعوا بثقافات تاريخ تلك الأمم المعادية للإسلام, فلا يعرفون بعد ذلك مسلكًا إلّا الانضواء تحت تلك الرايات الجاهلية, وكل إناء بما فيه ينضح.

стр. 254

وأنَّى للتاريخ المشترك أن يوجد الألفة الحقيقية بين المتخلفين فكريًّا وعقديًّا, فليس وراءه لا ثواب ولا عقاب يرجى بعد الموت, فأي مبرر يجعل الإنسان يؤثر غيره على نفسه ولو أدَّى إلى موته هو؟ ج- أما الأرض: فقد صادف دعاة القومية في بناء قومياتهم على الأرض المشتركة متاعب وتناقضات جمَّة, وذلك أن الذين يتكلمون لغة واحدة وفوق أرض واحدة ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم من جنس واحد وعلى لغة واحدة من البداية إلى النهاية, في أيّ أرض, فقد تنشأ لغة جديدة في بلد وتنتهي عن بلد لأمور كثيرة اعتقادية أو سياسية؛ إذ لا يمكن لأي أمَّة أن تدَّعي أنه لا يوجد لأيّ شخص بينهم انتماء إلى غيرهم, ومن الأمثلة القريبة على ذلك الأمة العربية قبل الإسلام وبعده؛ إذ إنه قبل الإسلام كانت الأرض العربية هي شبه الجزيرة, ولكن بعد مجيء الإسلام دخلت أمم أخرى في الإسلام؛ وحيث إن الإسلام لا يشعر أحد بأنه غريب عنه, وأن الأرض كلها مخلوقة لأجله, فقد دخلت تلك الأمم في الإسلام وأحبوه وأحبوا لغته, وصارت هي اللغة الأساسية بينهم؛ كمصر والمغرب وغيرهما من البلدان التي أصبحت عربية تعتز بدينها ولغتها, فهل يقال: إن الأرض هي التي وحَّدت بينهم وبين سائر إخوانهم العرب المسلمين, إن قالوا هذا فقد ظهر كذبهم، وإن قالوا: إنه الإسلام, فقد قالوا بالحقيقة التي تناقض دعواهم صلاحية التجمع القومي على الأرض بدلًا عن الإسلام.

стр. 255

بل كان الجاهليون العرب أفقر منهم؛ لأنَّ هؤلاء ما كانوا ينادون لا بالقومية العربية ولا بالتحزب والتعصب لها, وحينما جاء الإسلام لم يذمّهم على عدم شعورهم بأنهم على أرض العروبة, وإنما أخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم وعزهم, وهو الشعور بالفخر بالإسلام وتعاليمه, وأنّ العرب قد جاءهم ما يحفظ وحدتهم في اللغة والأرض والتاريخ وسائر الاتجاهات, فكانوا في جهادهم يدعون الناس إلى الدخول في الإسلام لا إلى الانضمام إلى العربية أو إلى شبه الجزيرة العربية. ولو أنَّ دعوة الرسول ﷺ كانت موجَّهة من أول يوم إلى التعصُّب للعروبة والقومية وما إلى ذلك؛ لسارع كلُّ العرب إلى الالتزام بذلك والترحيب بها, بسبب ما كانوا يحسُّون به من ضعف عام وتشتُّت وتمزُّق في الآراء والأفكار والأنظمة. فكانوا في حاجة إلى أيّ شخص يتزعَّمهم على أيّ نعرة جاهلية؛ ليحققوا به مبادئهم: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا, وليحققوا به شيم النفوس حينما توغل في الظلم كما قال شاعرهم: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذاع عفة فلعلة لا يظلم فكانوا لا ينقصهم إلّا الشخصية المؤهلة لتتزعمهم؛ لأن الشجاعة موجودة, والإحساس بالفوضى في حياتهم موجود, وكذا الإحساس بالظلم الفادح, بل إنَّ الإحساس ببعدهم عن ربهم كان موجودًا, وما عبادتهم للأصنام إلّا لتقربهم إلى الله زلفى بشفاعتها لهم؛ لشعورهم بالذنوب والتقصير في جنب

стр. 256

الله تعالى, وكثير منهم كان يعلم أن شريعة "مَنْ عَزَّ بَزَّ ومَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ" ليست هي الطريق الصحيح, وأن ما هم فيه من الذل لغيرهم والفقر الشديد والحروب المستعرة. وأحيانًا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلّا أخانا كانوا يشعرون بأنها أوضاع فاسدة لا يمكن أن تصلحها لا القومية ولا الوطنية ولا سائر النعرات الجاهلية، وإنما يصلحها أمر لا يمكن أن يأتي من قِبَلِ الإنسان الظلوم الجهول, وحينما عرفوا الإسلام وجدوا الحقيقة التي كانت تنقصهم ولا يعرفون الطريق إليها.

стр. 257

الفصل الثالث عشر: الإسلام والقومية ذكرنا في البداية أن الإسلام لا يقف في طريق الشخص إذا انتسب لقومه أو لوطنه أو أهله, بل إنه يشجِّع هذا المسلك ويحبِّذه؛ إذ كان على أساس التواصل وصلة الرحم, بل أخبر الله تعالى أنَّ انقسام الناس إلى شعوب وقبائل هو أمر منه , وأن الحكمة من وراء هذا بيَّنَها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١. وقد نهى الرسول ﷺ أن ينتسب الشخص إلى غير أبيه, أو ينتمي إلى غير مواليه٢, ولا يمنع كذلك أن ينتسب الإنسان إلى الوطن الذي يعيش فيه, ولا لوم عليه إذا أحبَّه لا على أساس الفخر الجاهلي, وإنما لأنه وطنه أواه, فإن تلك الأمور كلها لا حرج فيها, وواقع تعيشه البشرية كلها, ولا يمنعها الإسلام إلّا في حالة واحدة, وهي الحالة التي يصبح ولاء الناس ومعاداتهم ومحبته واجتماعهم وافتراقهم كله قائم على دعوى القومية والتعصب لها, وتقديمها على الأخوة الإسلامية؛ لأن هذا الوضع منحرف؛ لأنه يصبح تشريعًا جديدًا لا تستند فيه مشروعية إلّا على الحكم الوضعي البشري لا إلى حكم الله تعالى, وما أجمل أن يترك الإنسان كل علاقة خارجة عن الإسلام محاكيًا

стр. 258

في ذلك قول سلمان ﵁ حينما سمع بعض الناس يفتخر بنسبه وبقومه, فقال عن نفسه: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وأمَّا حينما يصل التعصُّب للقومية إلى أن يقدِّم الشخص ولاءه ومحبته للآخر لأنه من قومه, بينما يبتعد عن الآخر من غير قومه حتى وإن كان صالحًا تقيًّا, فهذا لا يعترف به الإسلام, بل تعترف به القومية الجاهلية, وما أكثر ما ورد عن سير السلف الصالح -رضوان الله عليهم- من الصحابة, ومن بينهم إحسان ما أكثر ما ورد عنهم تقديم أخوة الإيمان على أخوة النسب أو الدم, ولنا في مؤاخاة الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار في أوّل الإسلام خير شاهد على ذلك, فإن قصصهم العطرة وسيرتهم المرضية لا تزال تضيء نورًا وهاجًا وعبيرًا فواحًا إلى يومنا ذا, تخليدًا من الله تعالى لهم وإكرامًا لأوليائه. وأما القومية العربية التي دعى إليها ساطع الحصري, فهي قومية جاهلية مفرضة لها نفس الأهداف التي كانت نصبَ أعين المتربصين بالإسلام, كما أنه هو نفسه أحد أولئك وإن ظهر بمظهر الغيور على مجد العرب كما يزعم, فإن العرب لا مجد لهم بغير الإسلام, بل هم أمة كانوا في حمئة الجاهلية كسائر الأمم حتى أنقذهم الله بالإسلام, ورفع شأنهم به, ومن زعم غير هذا فقد جانب الحقيقة, وكذب على التاريخ وتشبَّع بما ليس فيه, ولا قيمة لأمجاده التي يزعمها قبل الإسلام, فإن زعمه هذا هو من جنس مزاعم هذا العصر

стр. 259

المعكوسة التي تسمّي الأشياء بغير اسمها, فتستحل الحرام وتحرم الحلال بذلك؛ حيث أضحت الخمر مشروبات روحية, والربا فائدة, والزنا حرية شخصية, وعداوة الآخرين من غير وطنه وطنية, والآراء الفاجرة حرية الكلمة, واحترام الماديات والعلامات وبعض الأماكن واجب وطني لا يجوز الخروج عليه والمساس به وكأنه جزء من الدين, فما الذي يبقى لله تعالى في قلب اقتنع بترهات القوميين, ونسي أن المجد الحقيقي إنما هو في اتباع النور الذي أنزله الله. أما الخدع التي يرددها القوميون بتوافق الإسلام والقومية على أساس التسامح في الإسلام, فإنه كذب محض, وكذا دعوى أن القومية تتَّسع لكل الخلافات الدينية, واستمع لما يقوله مصطفى الشهابي١ من أن المسلم والنصراني كلّ واحد يؤدي عبادته في المسجد أو في الكنيسة ما دام يجمعهما حب القومية العربية؛ لأن الإسلام سمح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, والنصرانية كذلك تأمر بالمحبة, وكذلك سائر الملل والفرق لا لوم على أيّ واحد منهم ما دام يتوجّه إلى القومية ويتخذها رباطًا جامعًا؛ لأن القومية قابلة لكل اختلافات الأديان, وتذوب في القومية كل الاختلافات الدينية, وهؤلاء الدعاة الذين لا يفرِّقون بين الإسلام وبين غيره من الملل والنحل هم أعداء الدين الإسلامي حقيقة, وهم طلائع الاستعمار الشرقي والغربي, وهم المفرقون بين الناس, والمثيرون للعداوة والبغضاء بين الشعوب المتجاورة والمتعايشة على حسن المعاملة فيما بينهم مع اختلافهم أحيانًا في المعتقدات.

стр. 260

واستمع أخي القارئ كذلك إلى مزيد من أكاذيب القوميين فيما يزعمه د. علي حسن الخربوطلي١ من أن النبي ﷺ حاول أن يتحرَّر عن القومية العربية, ويعلن نفسه لجميع البشر, ولكنه لم يستطع؛ إذ غلبت عليه القومية العربية وصار يتعصَّب لها ويدافع عنها. وهذا من أشدِّ الكذب والبهتان, فإن النبي ﷺ كان من أشدِّ أعداء الدعوات الجاهلية ومنها القومية, والنصوص في هذا أشهر من أن تذكر. ومن الأمور البدهية أن الإسلام ودعوى القومية لا يتفقان؛ لأنَّ مصدر الإسلام هو الله -جل وعلا, ومصدر القوميِّات هي الجاهليات وعقول البشر القاصرة, كذلك فإن إعراض القومية عن الدين وعدم تحكيمه والرجوع إليه والاستغناء عنه بشعار تلك الجاهليات أمر لا يقره الإسلام ولا يسايره بحال. كما أنَّ تقديم الأخوة القومية على الأخوة على الدين هو كذلك أمر يرفضه الإسلام, وكذا الموالاة يجب أن تكون بين المسلمين لا أن تكون على أساس قومي ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢. كذلك فإن الإسلام يدعو إلى التآلف والتراحم والتساوي في الحقوق والواجبات, وأن أكرم الناس هو أتقاهم لله تعالى, بينما القومية لا تقوم على هذه المفاهيم المشرقة الجميلة, بل تقوم على بغض الآخرين والتعالي عليهم والفخر بالأحساب والأنساب, وغيرها من مخازي الجاهلية التي حاربها الإسلام.

стр. 261

بل إن القومية إضافة إلى أنها رجوع إلى الجاهلية هي كذلك قدح في كمال الإسلام وردٌّ لما تفضَّل الله تعالى به على هذه الأمة من إكمال الدين ورضاه به, وإخراجهم بالإسلام من الظلمات إلى النور, وإخراج العرب بخصوصهم من حياتهم الجاهلية وخمول ذكرهم بين الأمم, بالرغم من كل ذلك وغيره نجد الكثير من الكُتَّاب السفهاء والكاتبات السفيهات يقلدون أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في ذمِّ الإسلام, والإلحاح في طلب العودة إلى الجاهلية التي كانت قبل الإسلام, والعودة إلى حضارتها العظيمة, وقوانينها التي هي في غاية العدالة, وإلى تاريخها المجيد.. إلى آخر الأكاذيب التي تخيَّلوها وسجَّلوها في شكل كتب ونشرات وتمثيليات ومسرحيات, وكلها توحي بصراحة إلى أنَّ العرب وكل الأمم كانوا قبل الإسلام على خير عظيم, وأنهم كانوا على جانب عظيم من الحضارة والقوة والمنعة, ويمجّدون ذلك مما يوحي إلى أنّ الإسلام هو الذي عطَّل مواصلة تلك الحضارات, وأن في الرجوع عنه التقدم والرقي والألفة, ضاربين بكل ما عرفه الناس من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ , ومما عرفه العقل والمشافهة عن من سبق من أخبار العرب بخصوصهم قبل الإسلام, ضاربين بذلك كله عرض الحائط, فمتى يدرك المنخدعون والمخادعون أن الخير كله في هذا الدين الذي أخبر عنه رب العالمين وشهد له بالخير والحق والكمال.

стр. 262

الفصل الرابع عشر: مصادر دعم القومية لقد انهالت على القوميين مصادر دعم كثيرة من جهات معروفة بالكيد للإسلام وأهله, بل والكيد للعربية والعروبة ودعمهم لهم، ومن أكبر الأدلة على عمالة هؤلاء لهم، ومن أولئك الداعمين للقومية: ١- اليهود: واليهود كما وصفهم الله وراء كل جريمة ومؤامرة, فقلَّما تنشأ فكرة ضد البشرية إلّا ووقفوا لتقويتها, ولا طائفة تتربَّص بالدين إلّا ووقفوا إلى جانبهم, وهذا الإجرام منهم هو ما أوصتهم به كتبهم التي يقدّسونها, وحاخاماتهم الذين اتخذوهم أربابًا من دون الله تعالى. ولقد حافظ اليهود على تماسكهم وتضامنهم طوال تاريخهم في الاعتزاز بجنسهم وقوميتهم وعقائدهم التي ورَّثها لهم أكابرهم قديمًا، فلم يذوبوا في أيّ مجتمع مهما امتدت بهم السنوات, ومهما كانت أعدادهم, ومهما كان تفرقهم, وبالإضافة إلى تعصبهم لقوميتهم فهم يتعصَّبون أيضًا للغتهم العبرية, وكان من مكاسب اليهود في انتشار القومية اليهودية والتديُّن بها هو الحفاظ على أفرادهم من الذوبان في أيّ مجتمع يكونون فيه, وبالتالي فإن في انتشار القومية بين مخالفيهم أيضًا مكسب لهم من حيث تمزّق هؤلاء وتشرذمهم؛ وانطواء كل جماعة على قوميتهم, وما يتبع ذلك من التنافس بينهم, واستعلاء

стр. 263

بعضهم على بعض بحكم شريعة القومية, وحينئذ يكونوا لقمة سائغة لليهود؛ لينفردوا بمن يشاءون منهم حتى يكتمل الدور عليهم جميعًا, وقد ظهر هذا واضحًا في مكائدهم الكثيرة بالشعوب حكامًا ومحكومين, وما فعلوه تجاه الدولة العثمانية بالخصوص حين عملوا على تشجيع قيام القوميات والنعرات الجاهلية أقوى مثال, ووصل الأمر حتَّى إلى قصور الخلفاء أنفسهم في آخر دولتهم, فنسي الكثير منهم أن عزَّتهم إنما هي بالإسلام والتعصُّب له, فاستخذوا أمام الضغوط اليهودية والنصرانية في كثير من المواقف بسبب تأثرهم بمختلف التيارات من ناحية, ومن ناحية أخرى لخذلان المسلمين لهم. وقد أقامت اليهودية العالمية روافد عدة لإحياء القوميات في النفوس؛ من ماسونية وعلمانية وجمعيات أخرى, وثورات عارمة للشعوب ضد حكامها, ودعاوي الحرية والإخاء والمساواة, وغيرها من الشعارات, فكانت أكبر كارثة حلَّت بالمسلمين هي سقوط الدولة العثمانية بمؤمرات اليهود؛ حينما ركن إليهم سلاطين هذه الدولة, فكانوا كالذي يفقأ عينه بيده في سماحتهم وتساهلهم ضد أهداف اليهود ومطالبهم المتتابعة, وما يتبع ذلك من استفحال العلمانية جنبًا إلى جنب, مع نعرات القومية التركية التي كان يذكي نارها جمعية الاتحاد والترقي التركية اليهودية الماسونية المعتقد, أو كما يسمونها "تركيا الفتاة". وكل هؤلاء أخذوا يرجعون إلى الوراء بصورة حثيثة لجعل القومية الطورانية هي كل الأمجاد والمعتقدات عليها يلتقون, وعليها يتفرقون, مدَّعين أن الإسلام هو الذي أخفت صوتها وحضارتها.

стр. 264

ومن الجدير بالذكر أن جمعية الاتحاد والترقي - أو تركيا الفتاة- ليسوا أتراكًا حقيقيين, ولا هم مسلمين أيضًا, وإنما وفدوا من عدَّة أقطار متظاهرين بالإسلام -وهم يهود في جملتهم- كما يذكر الباحثون تظاهروا بالتباكي والحنين إلى القومية الطورانية لجمع الأتراك كلهم عليها. وقد علمت مما سبق أن اليهود قد عملوا على إثارة كل القوميات, وضرب بعضها بالبعض الآخر, فإنهم حينما أنشأوا حركة الطورانيين كان عليهم أن يثيروا الحركة العربية والاعتزا بها في مقابل اعتزاز الأتراك بقومياتهم القديمة, وأخذت تلك الحركات تشتعل, لا تلوي على شيء في الوقت الذي نسي فيه الجميع الرجوع إلى الحق والدين, واشتطَّ الأتراك وبدؤا في التعصب وإجبار الناس على اعتناق اللغة التركية وإحلالها محل كل لغة, وهم يعرفون أن النتيجة ستكون فوضى وحمية جاهلية, وهو ما حصل بالفعل؛ حيث استطاع اليهود أن يثيروا حميَّة العرب لعربيتهم لجعلها مصدر إلهمامهم بدلًا عن الإسلام والاعتزاز به؛ ليبقى الكاسب الوحيد لهذا التمزُّق والتفاخُر الأجوف هم اليهود, ولا شكَّ أن النصارى سينالهم نصيبهم من هذه المكاسب أيضًا, فالكل عدو للمسلمين وللإسلام وتعاليمه, وهو ما حصل بالفعل, ولقد عرف العالم ويلات الحروب التي وقعت بين العرب والأتراك, وتدخلات الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا العدو اللدود للمسلمين قديمًا وحديثًا. ب- النصارى: لقد قام النصارى على مختلف عقائدهم واتجاهاتهم بالمؤمرات المستمرّة لتمزيق وحدة المسلمين وإبعادهم عن دينهم بكل ما يستطيعون من جدٍّ واجتهاد

стр. 265

وكان أشد هؤلاء النصارى إيغالًا في المؤامرات هم نصارى العرب في لبنان وفلسطين, وغيرها من بلاد العرب, بدعم مباشر من دول النصارى الكبيرة, وكان أكثر تركيزهم يتمثّل في استجلاب الشباب العربي إلى الدراسة في الدول النصرانية, وفي المحاضرات والمراسلات بينهم وبين ممثّلي النصرانية الحاقدة ومجيء المنصِّرين إلى بلاد العرب مدرسين وكُتَّابا ووعَّاظًا, وفتحوا المدراس والمستشفيات, وجادوا بشتَّى مطبوعاتهم من المقررات الدراسية إلى الموسوعات, فأنشأوا أجيالًا من دعاة القومية من شتَّى المراحل الدراسية, وكانوا من ورائهم دعمًا وتوجيهًا, وأصبحت تلك الأجيال من دعاة القومية المخلصين لها, وكان للجامعة الأمريكية في بيروت حظّ الأسد في نشر القومية العربية ولا تزال, ولم ينس هؤلاء الدعاة إنشاء الجمعيات والمنظَّمات تحت هدف إحياء العربية وإيقاظ العرب بغضِّ النظر عن الدين, وأنَّ الالتفاف على القومية يغني عنه, ونشروا المقالات والأشعار يتغنَّون فيها بماضي العرب, ويحضونهم على عداة كل من ليس عربي, وخصوصًا الأتراك, وكان أبرز القادة في هذا الميدان هم نصارى لبنان وسوريا الذين كانوا يتلقَّون الدعم السخيّ من دول النصارى الكبرى أمريكا وبريطانيا وفرنسا, تملؤهم الغطرسة بإحياء القومية العربية وإحلالها محل الدين, متباكين على حقوق العرب الضائعة ولغتهم المظلومة وحقوقهم المهضمومة -حسب مزاعم هؤلاء, ومن مشاهير هؤلاء الدعاة ناصيف اليازجي اللبناني، وبطرس البستاني اللبناني، وإبراهيم بن ناصيف اليازجي، وعبد الرحمن الكواكبي، ونبيه فارس، وكان هؤلاء الزعماء يعرفون أنهم في حاجة ماسَّة إلى وقوف المسلمين إلى جانبهم في حربهم -خصوصًا- مع الدولة العثمانية, وحيث إنهم على اختلاف في الدين فإنَّ القومية العربية هي القاسم المشترك والموحّد بينهم.

стр. 266

ج- الحرب على الدين: وهو مصدر هامّ من مصادر قيام القوميات, ومحاولة من جملة المحاولات لتشجيع القومية وقيامها على البعد عن الدين, وأن أوروبا لم يمكنها التخلّص من الجهل والحال الذي هم فيه -حسب زعمهم- إلّا بإعلان الحرب على الدين ومن يمثله, بدعوى أن الذي جرَّهم إلى هذا المصير هو الدين والبابوت الذين كانوا يزعمون للناس أنهم مفوضون من قِبَلِ الربّ المسيح, ونادى أولئك الهاربون من الدين بأن البديل عنه موجود, وهو الرجوع إلى القوميات السابقة وأمجادها الغابرة, أما الدين فهو طغيان واستبداد واستعلاء بعض البشر على البعض الآخر, ولم تكن الحرب على الدين من قِبَلِ النصارى والملاحدة فقط, وإنما جدَّ من بعض المغفَّلين المسلمين الذين تشبَّعوا بالقومية العربية من يحارب المسلمين بدافع من حرص على استعلاء القومية العربية, وهذه هي إحدى المكائد التي نجح فيها أعداء الإسلام والمسلمين في محاربة الدين. د- الحركات والمذاهب الهدامة الأوربية: حينما آفاق الأوربيون ورأوا ما حلَّ بهم من الغبن الفاحش على أيدي رجال الدين النصراني هالهم الأمر وثاروا كالبركان الهادر في وجه الديانة النصرانية ورجالها الطغاة’ مستعملين كلّ ما لديهم من الأسلحة الفكرية وغيرها في إيقاف ذلك الطغيان, فقامت حركات وآراء فكرية ومذاهب مختلفة, كلّ يعمل من جهته والمصب واحد, هو القضاء على الدين ورجاله, وكانوا في ذلك الهياج العارم منطقيين مع الحال الذي أوصلتهم النصرانية وطغاتها إليه

стр. 267

فلجئوا إلى القومية وإلى غيرها علَّهم يجدون فرجًا مما هم فيه, وكانت تلك المذاهب المختلفة تمثل تيارًا عاتيًا خارجًا عن أي سلطة, وفي الوقت نفسه كانت هذه المذاهب في حاجة لملأ الفراغ الذي خلَّفه ترك الدين, فكانت القومية البديل الجديد في نظرهم إلى أن يتيسَّر ما هو أحسن منها. هـ- العلمانيَّة والعلمانيون: العلمانية كما هو معروف مذهب هدَّام, والعلمانيون كما عرَّفنا سابقًا هم من أعداء الدين الإسلامي, وممن تفانوا في تضليل المسلمين بكلّ ما أمكنهم من الوسائل عن طريق المنصِّرين, وعن طريق نشر الكتب, وعن طريق نشر الإعلام المرئيّ والمسموع, وعن طريق عملاء لهم من عرب النصارى ومن غيرهم ممن تأثَّر بأفكارهم وارتوَى من سمومهم, وقد جعلوا المجلات التي يصدِّرونها من لبنان ومصر وغيرها سلَّمًا إلى قلوب الناس, وتهيأتهم للانتقال من التعصُّب للدين إلى التعصُّب للقومية العربية وأمجادها. ولقد كان للعلمانيين وما يزال تأثير قوي بين كثير من طبقات الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاقتصادية, وما من نعرة جاهلية تقوم إلّا وللعلمانيين فيها يد طولى, وقد ذكرناها لما لها من الأهمية والتأثير المتزايد خصوصًا في هذه الأوقات التي انتشرت الفتن الهوجاء فيها, سواء في حرب أمريكا وبريطانيا للعراق أو أفغانستان أو غيرهما من البلدان الإسلامية, والتي إلى الأن نسمع التهديدات تلو التهديدات للدول التي لا تنصاع إلى السلوك الأمريكي, وخصوصًا فيما يتعلق بالمناهج الدراسية, بعد أن جرت هذه الأمور

стр. 268

فتنًا مختلفة على أيدي أحزاب وحركات, ثم اصطلى بنارها من لا ناقة له فيها ولا جمل, فكانوا على حدِّ قول أحد الشعراء: وذنب جرَّه سفهاء قوم ... وحلَّ بغير جارمه العذاب و الاشتراكية والشيوعية: الاشتراكية أحد المعاول الهدامة لحرب الأديان وقيام الأحزاب المتصارعة على كل شيء, وهدم كل ما يقف في طريق الاشتراكية من الأديان والأخلاق وسائر السلوك الذي لا ينسجم مع هذه الاشتراكية, وما من شخص ينادي بالاشتراكية إلّا ويقرنها بالقومية, وأن لا انفكاك لبعضهما عن البعض الآخر, غير أن القومية تعتبر بمثابة التهيئة الأولى للاشتراكية والخادمة لها. والاشتراكية هي الغذاء لقيام القوميات وانتشار الشيوعية بعد ذلك, وكل فتنة ترقق التي قلبها مما يوحي بوقوع أخطار جسيمة ستحلّ بالمسلمين إن لم يتداركهم الله برحمته. وقد ورد في الحديث أنَّ كل فتنة ترقق التي قبها, ويقصده ﷺ في آخر الزمان, وما هو عنّا ببعيد, نسأل الله العلي العليم اللطف والتوفيق. ز- قيام حزب البعث: كان وراء قيام حزب البعث الاشتراكي النصارى العرب, وعلى رأسهم النصراني مشيل عفلق الذي جعل حب القومية العربية عقيدةً راسخة تجمع مختلف الناس ومختلف عقائدهم, وكانت الاشتراكية أيضًا من

стр. 269

ضمن منابع القومية التي امتزج بها حزب البعث, وأخذ زعماء حزب البعث على عواقتهم المناداة بأنه يجب أن تبقى الآراء الفكرية هي القاسم المشترك بين العرب تحت لواء الوحدة الثقافية للأمة العربية ذات التاريخ المشترك واللغة الواحدة, تحت بعث جديد يقوده القوميون الاشتراكيون دعاة الاشتراكية التي تبعث على التطور والازدهار, وصد كل الحركات التي تعطّل الأمة وتؤخر مسيرتها, وحينما تمكَّن هؤلاء البعثيون النصارى من الحكم في لبنان وسوريا, كشفوا عن حقيقتهم؛ فإذا هم ينادون بعبادة البعث والعروبة, والكفر بما عداهما, وفي هذا قال أحد شعرائهم: آمنت بالبعث ربًّا لا شريك له ... وبالعروبة دينًا ما له ثان وقال آخر: بلاد قدّسها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم هبوني عيدًا يجعل العرب أمة ... وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحّد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم وكان قيام حزب البعث العربي الاشتراكي على دعوى القومية من الأمور البدهية؛ إذ لا يمكن أن تقبل آراءهم المجتمعات العربية الإسلامية ما داموا يقدّسون دينهم, فإذا تراخت قبضتهم على دينهم أمكن حينئذ أن تطل عليهم مبادئ القومية وأن تزحزحهم عن التعصب للدين إلى التعصب للقومية شيئًا فشيئًا, إلى أن يتمَّ المقصود, ونحن اليوم نعيش خيانة هذا الحزب في ظرف هذه الحرب الضروس التي يخوضها الغرب في العراق.

стр. 270

الفصل الخامس عشر: أهم مشاهير دعاة القومية العربية - أبو خلدون ساطع الحصر ي: لقد تفاني هذا الشخص في الدعوة إلى القومية العربية بخصوصها, وأعاد وأبدى فيها, وجعلها دينه ومصدر إلهامه, عليها يوالي وعليها يعادي -لحاجة في نفس يعقوب- وغرضه ربط العرب بها بدلًا عن ربطهم بدينهم, وربطهم كذلك بالغرب قلبًا وقالبًا, ومن الغرائب أن بعض الباحثين يذكر أن لغته الأصلية الأولى هي التركية وليست العربية, فما الذي حمله على هذا التقديس للعربية والتعصُّب لها؟ وقد تأثَّر في دعواه إلى القومية بالقوميين الأوربيين وحذا حذوهم, إلّا أنه كان يرى أن القومية ترتكز على أمرين هما وحدة الأمة ووحدة التاريخ دون ما سواهما, خصوصًا الدين الذي تواطأ على إبعاده جميع القوميين، تنقَّل في مناصب مختلفة, أهمها شغله وزارة التربية, وقد وصف بأنَّه فيلسوف الفكرة القومية العربية, ومرجع القوميين العرب, وقد جدَّ في دعوته إلى القومية بحذر شديد, فكان يساير الحكام والمذاهب المختلفة الملحدة وغير الملحدة, مع غمزه في دين الإسلام, وتفضيل رباط القومية على رابطة الإسلام, وأنَّ الإيمان بالقومية العربية يجب أن تكون في حسبان كل عربي, وأن تجتمع الكلمة عليها قبل كل شيء, وأن انضمام الأقوام الذين يتكلَّمون لغة واحدة وتاريخهم واحد وآمالهم والآمهم واحدة يجب أن يجعلوا القومية هي الرباط العام بينهم, ويجب

стр. 271

أن تقوم دولتهم وثقافتهم عليها. وأنحى بالَّلائمة في تأخُّر ظهور القومية إلى تمسُّك الناس بحكامهم, ولم يقل بدينهم حذرًا منه حسب تعاليم الأديان, وكان هؤلاء يعيقون تطلع الشعوب إلى الانضواء تحت راية القومية لئلَّا يضعف الولاء للحكام -حسب زعمه, وكان دائمًا يثير الحماس في نفوس العرب ويبشرهم بأنَّ النصر سيكون في النهاية للقومية, وأنها ستكون هي الرباط الوحيد بين الشعوب, وليس الإسلام الذي يطلب أن تقوم الشعوب -بزعمه- على التعصُّب له, بعد أن تعقَّدت الأمور وظهرت النوازع السياسية المختلفة وتغيِّر مفاهيم الناس.

стр. 272

مصطفى الشهابي: كان من النشطاء في الدعوة إلى القومية العربية, وكان يسميها عقيدة القومية العربية, وأنَّ من يناضل في سبيلها فيصاب يسمَّى شهيًدا عنده, وزعم كذلك أن الناس في القديم كانوا يجتمعون على رابطة التديُّن, وأن العرب أحسّوا حينما تمسَّكوا بالقومية أنهم سيحققون كل ما يريدونه لشعوبهم في السياسة وفي الاقتصاد وفي جميع مرافق الحياة, بسبب وجود جامع اللغة فيما بينهم على مختلف ديارهم, مضافًا إليها تاريخهم المشترك الذي يجدون فيه ما كان بين أسلافهم من التكاتُف والتفانِي, وما قدَّموه خدمة لبعضهم بعضًا على مرِّ التاريخ, وما أدَّت إليه هذه المواقف من قوة ومنعة وصمود في وجوه أعدائهم من غيرهم -بزعمه, فانظر كيف يرمي بأنظار الناس إلى التاريخ الجاهلي ويتناسَى فضل الإسلام؟ وكان يردد دائمًا أن الفرق بين القومية العربية والإسلام: أن القومية أدقّ وأقوى في الارتباط؛ لأن العقيدة الإسلامية لم تقتصر على ما اقتصرت عليه القومية من شدّ أزر العرب فقط, وإنما كانت شاملة للعرب ولغيرهم. ويرى أن رباط الإسلام لا يهتم بالعرب ولا يجعل لهم مزيّة على غيرهم, أو احترامًا لحقوق خاصَّة بهم, ولا يعطيهم التميز الذي تعطيه لهم القومية العربية, وهو تحريض سافر على إقصاء الإسلام عن الحياة.

стр. 273

محمد معروف الدواليبي ... - محمد معروف الدوليبي: من مشاهير دعاة القومية العربية والمغاليين في تقديسها, وقد زعم أن العرب قبل أن يتنبهوا للقومية العربية كانوا في فراغ مميت وانحطاط شديد, وأن ظهور دعاة القومية العربية من تباشير الخير العميم, ودعى بكل حرارة إلى أن يجنّد كل عربي نفسه لخدمة القومية وإعلاء شأنها, والإيمان الراسخ بعقيدة انتشار القومية وانضواء كل العرب تحت رايتها, التي سترفرف فوق كل بلد عربي, ويستظل بظلها كل عربي, وكان يعتقد أن على العرب ألَّا ينظروا إلى رابطة الدين وانضواء الناس على مختلف لغاتهم تحت لوائه؛ لأن هذه النظرة الشاملة ليست هي القومية العربية الخالصة التي يجب أن تقدّم على الروابط العامَّة؛ لأن رابطة اللغة العربية -من وجهة نظره- هي الأساس قبل الإسلام وبعده, وكان العرب قبل الإسلام على مذاهب وأفكار شتَّى من جاهليين ووثنيين ونصارى ويهود, ولم يكن لهم رابط إلّا اللغة العربية والتاريخ المشترك, وهو يهدف إلى إقصاء فكرة أن الدين الإسلامي يجب أن يكون هو الرابط العام, ولكن لا أدري لو سُئِلَ هو السؤال, وكيف كان حالهم حينما كانوا لا تربطهم إلّا اللغة والتاريخ المشترك قبل الإسلام؟ لا أدري بماذا سيجيب. وله مبالغات في مدح اللغة واجتماع كل أمَّة عليها, وأنها مصدر إلهام ومحبَّة وتوافق, وأن الأمَّة العربية من أدناها إلى أقصاها يجب أن يستنيروا بالقومية في جميع مجالات حياتهم ما داموا كلهم يتكلَّمون اللغة العربية, إلى آخر ما عنده من الترهات والهذيان

стр. 274

- جمال عبد الناصر: ومن المشاهير في تقديس القومية رئيس مصر جمال عبد الناصر, الذي كانت له صولات وجولات وألقاب فخمة, وتزعَّم في هذا العصر الدعوة إلى القومية العربية, عمل ما في وسعه في سبيل تقويتها وانتشارها, بل وجعلها دينًا مقدًّسًا وعقيدة أساسية, واستحوذ على كثير من مصادر الإعلام في وقته وسخرها لترديد أفكاره القومية وتمجيد العروبة, وأنها هي المنقذ الوحيد لإزالة المستعمرين, والطريق القويم إلى التقدم ونبذ الرجعية, وأن العرب سيعيشون في الجنة التي وعدهم بها الدين, سيعيشونها في هذه الدنيا تحت ظل راية القومية العربية إن استقاموا على الالتزام بتقديس القومية والاشتراكية, وكانت له صولات وجولات ودعايات هائلة, حتى مرَّغ الله أنفه تحت رجليه بهزيمته أمام إسرائيل في دقائق معدودة, فإذا بهذا الجبَّار الذي كان يمدح بأنه أبو الأحرار وقامع الرجعية ورائد العروبة ... و...و ... , بل كان يقال: لن ننهزم وناصر فينا, ثم انحلَّت المعركة عنه فإذا به دمية صغيرة, وأن فأسه كان من طين ولقي الخزي والهوان وهو ينظر إليه.

стр. 275

- الخاتمة: وبعد هذا العرض الموجَز للقومية يتَّضح لنا بجلاء أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة, وأنها لا يمكن أن تتمَّ عليها المودة والرحمة واجتماع الكلمة, وأنها جاهلية أوروبية ورثها المتطلفون على الحياة الأوربية, وذهبوا يحاولون تجميل وجهها القبيح, ويزخرفون القول فيها لتجتمع عليها الكلمة, ولتحلَّ محلَّ الدين, وأبلوا في ذلك بلاء لا يحمدون ولا يشكرون عليه, وما هي إلّا لعبة سياسية ومقصِدٌ يراد من ورائه أهدافًا ومكاسب, وقد جرَّبتها أوروبا وتبيَّن لهم أنها تفسد أكثر مما تصلح فنبذوها, وقد تلقَّفها اليهود والنصارى وقدَّموها في شعارات برَّاقة للعرب ليكملوا بها تفريق الكلمة والابتعاد عن الدين -وخصوصًا الإسلام, وبعبارة أخرى نقول: لو كانت القومية فيها خير وجمع للكلمة لوحَّدت -أقل ما يمكن- بين قلوب العرب المتنافرة, بل ولو كانت كذلك لكان كل عربي يلهج بذكرها وتمجيدها خصوصًا في أيامنا هذه, وهي أيام نحس وحزن على العرب كلهم, وهم يواجهون تهديدات الدول الكبرى في اكتساح العراق وغيره من بلدان العالم بقيادة أمريكا وبريطانيا وإسرائيل, ولو كان ساسة العرب النابهين منهم يعلمون أنَّ في الدعوة إلى القومية -العربية- فيه أدنى النفع للعرب, فضلًا عن غيرهم؛ لملأوا الدنيا صياحًا وعويلًا على وجوب التزام القومية والعمل تحت لوائها, ولكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها بضاعة مزجاة لا تصلح إلّا للاستهلاك القومي. وكذلك أيضا الدول الكبرى قد اطمأنّوا تمامًا ووثقوا من إحكام الفرقة بين العرب وبين غيرهم, فلا يرون ضرورة للمناداة باسم القومية العربية, فلهذا لم نعد نسمع ذلك التقديس للقومية الذي كان في زمن مَنْ قبلنا مِنْ

стр. 276

دعاة القومية, وآخرهم جمال عبد الناصر, بل إسرائيل وأمريكا وسائر الكفار لا يريدون أن تطل دعوة القومية العربية برأسها؛ لأنّ مصلحتهم تقتضي عدم ذلك في الوقت الحاضر؛ ولأنها قد أتت ثمرها سابقًا حينما قضوا بها على الخلافة الإسلامية في تركيا ممثَّلة في الحكم العثماني, وبذلك يتبين أن كثيرًا من دعاة القومية من العرب ومن غيرهم إنما هم ببغاوات يرددون ما يسمعونه حرفيًّا من مدربيهم رؤساء الكفر والضلال؛ إذ لا يغيرون حتى كلمات العبارات. - مراجع لدراسة القومية: ١- فكرة القومية العربية في ضوء الإسلام, الشيخ صالح بن عبد الله العبود. ٢- حركات ومذاهب في ميزان القرآن, الطبعة العاشرة, سنة ١٤٠٣, فتحي يكن. ٣- الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها, جمعة الخولي. ٤- محمد والقومية العربية, علي حسني خربوطلي. ٥- مذاهب فكرية معاصرة, محمد قطب. ٦- نقد القومية العربية, الشيخ عبد العزيز بن باز. ٧- القومية في نظر الإسلام, محمد أحمد باشميل. ٨- الحركة القومية الحديثة في ميزان الإسلام, منير محمد نجيب. ٩- في الشعوبية, إسماعيل العرفي. ١٠- الشعوبية الجديدة, محمد مصطفى رمضان.

стр. 277

الباب السادس عشر: الوطنية الفصل الأول: بيان حقيقة الوطنية - حقيقة الوطنية: الوطنية دعوة برَّاقة وخدعة كبيرة تستثير في النفوس عاطفة حب الوطن في البدايات الأولى, وفي نهايتها يراد بها الانسلاخ من رابطة الدين, والاكتفاء بها في كل وطن له حدود جغرافية, وموالاة أهله على حبه بغضِّ النظر عن أي اعتبار. وهي نسبة إلى الوطن, أي: الأرض التي يعيش عليها مجموعة من الناس, وقد ظهرت بعد ظهور القومية كرافدٍ من روافد القومية يقصد بها أن يقدّس كل إنسان وطنه فقط, وأن يتعصَّب له بالحق والباطل, وهي بهذا المفهوم لا يقبلها الإسلام ولا يقرها, إلّا إذا كان المقصود بها الناحية الطبيعية التي طبع عليها كل كائن حي من حبه لوطنه الذي يعيش فيه فقط, فإن الإسلام لا يمنع هذا الإحساس والعاطفة, بل يحبِّذه, وكان الصحابة في المدينة يحنّون إلى مكة وجبالها وأوديتها وأشجارها, حتى قال بلال ﵁ أو غيره من المهاجرين: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ... بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليل وهل أردنَّ يومًا مياه مجرَّة ... وهل يبدونَّ لي شامةٌ وطفيل حتى دعا الرسول ﷺ ربَّه أن يحبِّبَ إليهم المدينة كحبِّهم مكة أو أشد حبًّا. والوطنية التي نحن بصدد دراستها هي الوطنية الشريرة التي تريد أن تحلّ محلّ الإسلام إلى جانب القومية, ومضيفة إليها بعدًا جديدًا في التفلُّت من رابطة الدين والأخوة الإسلامية, والاكتفاء بالوطنية, وكلتاهما تصب في مجرى واحد وإن اختلفت التسمية.

стр. 278

ذلك أن القومية هي التعصُّب للقوم, ويدخل فيها التعصُّب للوطن. والوطنية هي التعصب لتلك الأرض, ويدخل فيها التعصب للساكنين عليها أيضًا. ومن هنا نجد أن القومية والوطنية يمدّ بعضها بعضًا لتكونا معًا رفادًا من روافد الجاهلية, والنفرة عن الدين, والالتقاء على حب الوطن، بغضِّ النظر عن اختلاف ديانة الموجودين عليها، فالوطنية أمّ الجميع؛ لأن الوطنية توجب أن يتعايش المسلم والنصراني واليهودي والمجوسي وغيرهم على حدٍّ سواء، والقارئ الكريم يجد عبارات القوميين تتضح تقديسًا وتكريمًا للوطن كما قال شاعرهم: بلادي هواها في لسان وفي دمي ... يمجِّدها قلبي ويدعو لها فم وقوله: بلادك قدسها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم وقول الآخر: بلادي وإن جارت عليَّ عزيرة ... وألهي وأن ضنَّوا علي كرام وكأنه لم يسمع قول ابن الورد: حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغترب تلق عن الأهل بدل وهذه الوطنية هي في حقيقتها دعوة لتجزئة أوطان المسلمين, وانطواء كل جزء على نفسه وعدم الاهتمام بغيره من أوطان المسلمين الأخرى.

стр. 279

الفصل الثاني: القومية والوطنية إن الوطنية دعوة جادَّة إلى تجمع أبناء الوطن الواحد على حب الوطن والتفاني في خدمته, والولاء له بغضِّ النظر عن أيّ اعتبار آخر, فلا ينظر الوطنيون إلى اختلاف أبناء الوطن الواحد في الدين أو في اللهجات أو اللغات أو اختلاف الألوان بينهم, فإن الوطنية تحتوي كل اختلاف يقع بين أبناء الوطن الواحد, أمَّا الدعوة إلى القومية فهي أشمل وأعمّ من الدعوة إلى الوطنية بقبولها انضمام أكثر من وطن إليها, مع التقاء الجميع كما عرفت سابقًا, وكلتاهما من جملة السهام الموجّهة إلى وحدة الأمة الإسلامية إن لم يصب هذا أصاب الآخر.

стр. 280

الفصل الثالث: كيف نشأت دعوى الوطنية ... الفصل الثالث: كيف نشأة دعوى الوطنية نشأت هذه الفكرة في أوروبا كغيرها من الأفكار الأخرى الكثيرة في ردِّ فعل عارم تجاه أوضاعهم التعيسة التي كانت تقسِّم الناس إلى فريقين؛ فريق هم السادة والقادة وأصحاب الامتياز, وفريق آخر هم العمّال العبيد الذين يساقون كما تساق البهائم, لا قيمة لهم, ولا يجمع بين قلوبهم وقلوب الطبقة الأولى غير الأحقاد والكراهية, والرغبة في التمرُّد بأي ثمن يكون للخلاص من قبضة رجال الدين ورجال الدولة على حدٍّ سواء, بعد أن التقت مصالح رجال الدين ورجال الحكومة على استعباد الناس وتسخيرهم لخدمتهم, وحين وصلت الأمور إلى هذا الحد كان اختراع المبررات للخروج على ذلك الوضع هو التفكير الجادِّ, فاخترعت الدعوة إلى القومية, ثم إلى الوطنية, ثم إلى الأفكار الأخرى كالحرية والمساواة وحقوق الإنسان ... إلى آخره. وكان إلى جانب هؤلاء المتربِّصون بالكنيسة ورجالها, وبالحكام الذين يظلمون الناس باسم المسيح, كان إلى جانبهم اليهود الذين كانوا محلّ بغض الاضطهاد الديني النصراني حينما كانت النصرانية قوة متنمرة لكل المخالفين لها. فكان الأمر يقتضي أن يقف اليهود إلى جانب أولئك بكل ما يستطعيون؛ علَّها تظهر من وراء تلك الفتن فوائد لليهود, وهم يعرفون كيف يستغلون الأوضاع لصالحهم بعد تأجيج الفتن.

стр. 281

ومن الجدير بالذكر أن دعوى الوطنية حين ظهرت في أوروبا ما كان لها وهي دعوى جاهلية أن تؤلف بين قلوب الأوروبيين برغم تلك الأوضاع, فقامت الحروب الشرسة بينهم, وسفكت دماء لا يعلم عددها إلّا الله تعالى, وكل تلك الحروب إنما كان يراد من ورائها السيطرة وبسط النفوذ, وهي حروب كثيرة وقعت بين فرنسا والإنجليز والإيطاليون وغيرهم في مَدٍّ وجَزْرٍ, استغرق وقتًا طويلًا وقفت أمامها القومية والوطنية ذليلتان. لقد جاءت الوطنية على غرار خبث القومية, ولم يكن تصدير أوروبا الفكرة الوطنية إلّا وسيلة من وسائلهم الكثيرة لغزو العالم كله, وخصوصًا العالم الإسلامي, وتشتيته وتمزيق وحدته؛ ليسهل عليهم إذلال تلك الشعوب حينما تنقطع فيما بينهم روابط العقيدة, وتحل محلها روابط الجاهلية من قومية ووطنية شعوبية, ويصبحون فريسة الأفكار الخادعة, ويتخلَّون عن مصدر عزهم وقوتهم في الإسلام, وقد عرفوا أن إحلال الوطنية محلّ الجهاد الإسلامي بخصوصه هو أقرب الطرق إلى تشرذم المسلمين, وبالتالي يكون جهاد المسلمين لأعدائهم إنما هو لأجل الوطن لا لشيء آخر, فيتحول الجهاد من كونه لأجل نشر الإسلام إلى حركات ثورات وطنية لا تفرِّق بين الدين وعدم الدين, بل ولا تدعو إلى الدين الإسلامي ولا إلى نشر تعاليمه, ولا يقاتلون أعداء الإسلام لأجل الإسلام, بل لأجل أن يتركوا لهم بلادهم وأوطانهم لا غير, ومن السهل على أعداء الإسلام أن يعِدُوا المسلمين ويمنوهم بتركهم أوطانهم؛ إذ أن الطلب في هذا أسهل من طلب الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون أو القتال كما هو شعار الإسلام, فإذا صارت المفاوضات سياسية محضة فالخطب هيّن, والوعود والكذب والاحتيال أمر مشروع عند الكفار ضد الإسلام والمسلمين, ولا يصعب عليهم إخلاف الوعود والاعتذارات

стр. 282

بحرارة عندما يتلاعبون بالمواعيد, وبين تلك المواعيد واللقاءات المتكرِّرة والمجاملات يسري في عروق الوطنيين ما يسري من الغزو المنظَّم والانبهار بما عند أعداء الإسلام مما مكَّنهم الله به من العلم بظاهر الحياة الدنيا وزينتها, فتقوم صداقات تنمو شيئًا فشيئًا بين الوطنيين ممن يزعمون الإسلام وبين أعداء الإسلام, بعد أن أُبْعِد الدين ومبادئه في الجهاد عن الساحة وحلّت محله الشعارات الخادعة من القومية والوطنية والإنسانية والتقدمية و ... إلى آخره. وما دام الوطنيون لا يغضبون لله تعالى ولا لدينهم, فبإمكان أعداء دينهم أن يقولوا لهم: لماذا تغضبون؟ ألأجل الاستقلال؟ سنجود به عليكم, بل وستكونون أنتم خلفنا على شعوبكم, وسيقبل الوطنيون بكل بساطة, بخلاف ما لو كان التعصب للدين. ولهذا فمن الواضح أن دعاة الوطنية وقد أُشْرِبُوا حبها بدلًا عن الدين, وتقديسها بدلًا عن تعاليم الإسلام, من الواضح أن هؤلاء غنيمة أعدائهم؛ حيث يرتمون في أحضناهم للاستعانة بهم والركون إليهم في كل شيء سيواجههم, حتى ولو كان ذلك ضد أبناء وطنهم الذين يفطنون لما يبيته لهم الوطنيون عبَّاد الكراسي والشهوات, وكانت قيادة دعاة الوطنية لشعوبهم كقيادة فرعون الذي قال لأبناء وطنه: "ما أريكم إلّا ما أرى". قادوهم إلى جعل الوطن هو المقدَّس أولًا وأخيرًا, وإلى التعلُّق بأذيال أهل الشرق الشيوعي أو الغرب النصراني, وأماتوا شخصية شعوبهم الإسلامية التي تبعث فيهم النخوة والشهامة والاعتزاز بالإسلام, ومعلوم من هذا الكلام أنَّني لا أقصد به ذمّ الذين جمعوا بين حب الوطن وحب دينهم وتواضعوا للناس, وإنما أقصد أولئك الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم ودينهم بثمن بخس, وفضلوا المبادئ والنظريات الكافرة, وازدروا الدين الحقِّ وسموه رجعية وتخلفًا.

стр. 283

الفصل الرابع: هل نجحت الوطنية في تأليف القلوب ؟ إن الوطنية من الشعارات الزائفة, وهي أقلّ وأذلّ من أن تؤلف بين القلوب حينما تبتعد عن هدي خالقها, وتعرض عن دينه القويم, وما يجري في البلاد الإسلامية وغيرها من بطش أصحاب الوطن الواحد بعضهم ببعض عند قيام الفتن لهو أقوى شاهد على فشل الالتفاف حول الوطنية, وأنها دعوى عنصرية لا تلين لها القلوب ولا تدمع لها العيون. إن جمع الناس على الوطنية -بعيدًا عن الدين الإلهي- هو ضرب من الخيال الساذج والسراب الكاذب؛ لأن الله لا يصلح عمل المفسدين, وقد أخبر أن الألفة بين القلوب أمر بعيد المنال إذا لم يوجد العامل الصحيح في إيجاد ذلك, وقد أمتنَّ الله على عباده باجتماع كلمتهم على الدين, فقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١. وقال تعالى ممتنًا على نبيه الكريم ﷺ بما وصل إليه المؤمنون من تآلف قلوبهم: ﴿إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي

стр. 284

الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وأين هذا التآلف العجيب الذي كان أحدهم يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة, والذي جعل الشخص المسلم يقدِّم نفسه دون أخيه في كل شيء, والذي جعلهم كالجسد الواحد, وكالبنيان المرصوص, أين هذا التآلف من دعوى التآلف على الوطنية القائمة على الجهل والغرور والكبرياء والبغي بغير الحق وتبادل المنافع؟ أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟ إن الوطنية لم تقم على تقوى الله تعالى ولا على الخوف منه أو الحب فيه, وإنما قامت على نزغات الشيطان, والشيطان يهدم ولا يصلح, ويفرق القلوب ولا يجمعها, فمن أين إذًا يأتي التآلف والمحبة بين أفرادها, إنك لا تجني من الشوك العنب. وإذا كان ما قدمنا دراسته عن القومية يعطي صورة واضحة عن فشلها وبعدها عن أهداف الدين الحنيف الذي يقول للناس: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. إذا كان ما قدمنا يدل على خيبة القومية وهي الأصل, فما هو الظن بالوطنية وهي المتفرعة عن القومية, لا ريب أنهما نبتتان خبيثتان لا تقدمان إلّا خبثًا ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.

стр. 285

أرأيتم لو أن الرسول ﷺ وحاشاه- تعصَّب لقومه ولوطنه مكة, من كان سيوصل الإسلام إلى المدينة النبوية, ولو أن الصحابة ﵃ تعصَّبوا لأوطانهم في الحجاز, من كان سيوصل الإسلام من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي, بل لو تعصَّب المسلمون لقوميَّاتهم وأوطانهم, فما الذي سيقدمونه للناس إن قدر لهم أن يفتحوا بلدانهم؟ وانظر في كتاب الله هل تجد آية خاطب الله فيها قومًا أو وطنًا أو جنسًا على جنس بطريقة التعصب والقومية أو الوطنية أو الإشادة, أو تجد في سنة المصطفى ﷺ شيئًا من ذلك؟ كلَّا. بل ستجد قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١. وستجد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٢. وستجد: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
следующие страницы →