ومن الجدير بالذكر أن دعوى الوطنية حين ظهرت في أوروبا ما كان لها وهي دعوى جاهلية أن تؤلف بين قلوب الأوروبيين برغم تلك الأوضاع, فقامت الحروب الشرسة بينهم, وسفكت دماء لا يعلم عددها إلّا الله تعالى, وكل تلك الحروب إنما كان يراد من ورائها السيطرة وبسط النفوذ, وهي حروب كثيرة وقعت بين فرنسا والإنجليز والإيطاليون وغيرهم في مَدٍّ وجَزْرٍ, استغرق وقتًا طويلًا وقفت أمامها القومية والوطنية ذليلتان.
لقد جاءت الوطنية على غرار خبث القومية, ولم يكن تصدير أوروبا الفكرة الوطنية إلّا وسيلة من وسائلهم الكثيرة لغزو العالم كله, وخصوصًا العالم الإسلامي, وتشتيته وتمزيق وحدته؛ ليسهل عليهم إذلال تلك الشعوب حينما تنقطع فيما بينهم روابط العقيدة, وتحل محلها روابط الجاهلية من قومية ووطنية شعوبية, ويصبحون فريسة الأفكار الخادعة, ويتخلَّون عن مصدر عزهم وقوتهم في الإسلام, وقد عرفوا أن إحلال الوطنية محلّ الجهاد الإسلامي بخصوصه هو أقرب الطرق إلى تشرذم المسلمين, وبالتالي يكون جهاد المسلمين لأعدائهم إنما هو لأجل الوطن لا لشيء آخر, فيتحول الجهاد من كونه لأجل نشر الإسلام إلى حركات ثورات وطنية لا تفرِّق بين الدين وعدم الدين, بل ولا تدعو إلى الدين الإسلامي ولا إلى نشر تعاليمه, ولا يقاتلون أعداء الإسلام لأجل الإسلام, بل لأجل أن يتركوا لهم بلادهم وأوطانهم لا غير, ومن السهل على أعداء الإسلام أن يعِدُوا المسلمين ويمنوهم بتركهم أوطانهم؛ إذ أن الطلب في هذا أسهل من طلب الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون أو القتال كما هو شعار الإسلام, فإذا صارت المفاوضات سياسية محضة فالخطب هيّن, والوعود والكذب والاحتيال أمر مشروع عند الكفار ضد الإسلام والمسلمين, ولا يصعب عليهم إخلاف الوعود والاعتذارات
стр. 282
بحرارة عندما يتلاعبون بالمواعيد, وبين تلك المواعيد واللقاءات المتكرِّرة والمجاملات يسري في عروق الوطنيين ما يسري من الغزو المنظَّم والانبهار بما عند أعداء الإسلام مما مكَّنهم الله به من العلم بظاهر الحياة الدنيا وزينتها, فتقوم صداقات تنمو شيئًا فشيئًا بين الوطنيين ممن يزعمون الإسلام وبين أعداء الإسلام, بعد أن أُبْعِد الدين ومبادئه في الجهاد عن الساحة وحلّت محله الشعارات الخادعة من القومية والوطنية والإنسانية والتقدمية و ... إلى آخره. وما دام الوطنيون لا يغضبون لله تعالى ولا لدينهم, فبإمكان أعداء دينهم أن يقولوا لهم: لماذا تغضبون؟ ألأجل الاستقلال؟ سنجود به عليكم, بل وستكونون أنتم خلفنا على شعوبكم, وسيقبل الوطنيون بكل بساطة, بخلاف ما لو كان التعصب للدين.
ولهذا فمن الواضح أن دعاة الوطنية وقد أُشْرِبُوا حبها بدلًا عن الدين, وتقديسها بدلًا عن تعاليم الإسلام, من الواضح أن هؤلاء غنيمة أعدائهم؛ حيث يرتمون في أحضناهم للاستعانة بهم والركون إليهم في كل شيء سيواجههم, حتى ولو كان ذلك ضد أبناء وطنهم الذين يفطنون لما يبيته لهم الوطنيون عبَّاد الكراسي والشهوات, وكانت قيادة دعاة الوطنية لشعوبهم كقيادة فرعون الذي قال لأبناء وطنه: "ما أريكم إلّا ما أرى". قادوهم إلى جعل الوطن هو المقدَّس أولًا وأخيرًا, وإلى التعلُّق بأذيال أهل الشرق الشيوعي أو الغرب النصراني, وأماتوا شخصية شعوبهم الإسلامية التي تبعث فيهم النخوة والشهامة والاعتزاز بالإسلام, ومعلوم من هذا الكلام أنَّني لا أقصد به ذمّ الذين جمعوا بين حب الوطن وحب دينهم وتواضعوا للناس, وإنما أقصد أولئك الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم ودينهم بثمن بخس, وفضلوا المبادئ والنظريات الكافرة, وازدروا الدين الحقِّ وسموه رجعية وتخلفًا.
стр. 283
الفصل الرابع: هل نجحت الوطنية في تأليف القلوب ؟
إن الوطنية من الشعارات الزائفة, وهي أقلّ وأذلّ من أن تؤلف بين القلوب حينما تبتعد عن هدي خالقها, وتعرض عن دينه القويم, وما يجري في البلاد الإسلامية وغيرها من بطش أصحاب الوطن الواحد بعضهم ببعض عند قيام الفتن لهو أقوى شاهد على فشل الالتفاف حول الوطنية, وأنها دعوى عنصرية لا تلين لها القلوب ولا تدمع لها العيون.
إن جمع الناس على الوطنية -بعيدًا عن الدين الإلهي- هو ضرب من الخيال الساذج والسراب الكاذب؛ لأن الله لا يصلح عمل المفسدين, وقد أخبر أن الألفة بين القلوب أمر بعيد المنال إذا لم يوجد العامل الصحيح في إيجاد ذلك, وقد أمتنَّ الله على عباده باجتماع كلمتهم على الدين, فقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.
وقال تعالى ممتنًا على نبيه الكريم ﷺ بما وصل إليه المؤمنون من تآلف قلوبهم: ﴿إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي
стр. 284
الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وأين هذا التآلف العجيب الذي كان أحدهم يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة, والذي جعل الشخص المسلم يقدِّم نفسه دون أخيه في كل شيء, والذي جعلهم كالجسد الواحد, وكالبنيان المرصوص, أين هذا التآلف من دعوى التآلف على الوطنية القائمة على الجهل والغرور والكبرياء والبغي بغير الحق وتبادل المنافع؟ أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟
إن الوطنية لم تقم على تقوى الله تعالى ولا على الخوف منه أو الحب فيه, وإنما قامت على نزغات الشيطان, والشيطان يهدم ولا يصلح, ويفرق القلوب ولا يجمعها, فمن أين إذًا يأتي التآلف والمحبة بين أفرادها, إنك لا تجني من الشوك العنب.
وإذا كان ما قدمنا دراسته عن القومية يعطي صورة واضحة عن فشلها وبعدها عن أهداف الدين الحنيف الذي يقول للناس: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.
إذا كان ما قدمنا يدل على خيبة القومية وهي الأصل, فما هو الظن بالوطنية وهي المتفرعة عن القومية, لا ريب أنهما نبتتان خبيثتان لا تقدمان إلّا خبثًا ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
стр. 285
أرأيتم لو أن الرسول ﷺ وحاشاه- تعصَّب لقومه ولوطنه مكة, من كان سيوصل الإسلام إلى المدينة النبوية, ولو أن الصحابة ﵃ تعصَّبوا لأوطانهم في الحجاز, من كان سيوصل الإسلام من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي, بل لو تعصَّب المسلمون لقوميَّاتهم وأوطانهم, فما الذي سيقدمونه للناس إن قدر لهم أن يفتحوا بلدانهم؟
وانظر في كتاب الله هل تجد آية خاطب الله فيها قومًا أو وطنًا أو جنسًا على جنس بطريقة التعصب والقومية أو الوطنية أو الإشادة, أو تجد في سنة المصطفى ﷺ شيئًا من ذلك؟ كلَّا.
بل ستجد قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.
وستجد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٢.
وستجد: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
стр. 286
وستجد آيات كثرة كلها تنادي البشر بأنهم على حدٍّ سواء أمام الله تعالى, وأنَّ التفاضل بينهم عند الله لا يكون إلّا بالتقوى, وأن التفاخر والتعالي إنما هو من طبيعة الشيطان, ومن يتبعه كما ستجد في السنة النبوية مثل هذا المفهوم الحق -وقد مرَّ ذكر أحاديث في ذلك- والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 287
الفصل الخامس: الإسلام والوطنية
والإسلام وإن كان لا يمنع حب الشخص لوطنه لكنه يوجب ملاحظة أمور لا بُدَّ أن تكون في حسبان المسلم, وأن يلاحظها بدقة فلا يوالي ويعادي من أجل الوطن, بل يجعل الولاء أولًا لله تعالى؛ عليه يوالي وعليه يعادي, فلا يقدِّم محبة الوطن أو أهل الوطن على محبة الله تعالى ومحبة من يحبه , كذلك يجب أن لا يكون حب الوطن ينشأ عن عصبية جاهلية أو على طريقة الجاهلين انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا, بمعنى الوقوف إلى جانبه سواء كان على حق أو على باطل بحجَّة أنه أخاه في الوطن, بل عليه أن يراعي الأخوة الإسلامية قبل أخوة الوطن, فإن أخوة العقيدة أثبت وأنفع من أخوة الوطن على طريقة خاطئة.
وكل محبة في الله تبقى ... على الحالين من فرج وضيق
وكل محبَّة فيما عداه ... فكالحلفاء في لهب الحريق
ومما لا مجال للشك فيه أن المسلمين ما ضعفوا وما استكانوا إلى يوم قدموا الوطنية وافتخر كل أهل وطن بوطنهم, ولم يهتم بعضهم بالبعض الآخر, فكان الجميع لُقْمَةً سائغة لأعدائهم, فانفردوا بإذلال أهل كل وطن كما هو الوضع الآن, وانتشرت مع الأسف دعوات جاهلية صار يرددها الكبير والصغير والمرأة الرجل, وهو شعار التضحية في سبيل الوطن, أو بذل الدم من أجل تراب الوطن, ونحو ذلك من الكلمات التي أثمرت التخاذل حتَّى عن الدفاع الجادّ عن أوطان
стр. 288
المسلمين وأعراضهم نصرة المظلومين وإرجاع الحق لأهله, بعد أن ماتت هممهم وغيرتهم وتوزعتهم الأهواء وأثخنت فيهم الدعايات الجاهلية.
إن دعاة الوطنية لم يقفوا بها عند حدٍّ فقد قدّسوا الوطنية إلى حد العبادة من دون الله تعالى, وأحلوها محل الدين, وصاروا لا يدعون إلّا إلى تقديسها, ونسيان كل أهل وطن مِمَّن عداهم من أوطان المسلمين الأخرى, ونشأ عن تلك الدعوات الفخر والخيلاء والاستكبار بغير الحق والتعالي والغطرسة الكاذبة, بل وركن أهل كل وطن على قومهم في وطنهم في كل شيء حتى في الانتصار على الأعداء, فَقْد نسوا أن النصر من عند الله تعالى, فصاروا يمتدحون بأن الوطن سيمنحهم الشجاعة والنصر والعيش الكريم, وأنَّ وطن كل طائفة سيصبح مقبرة للغزاة والطامعين, ولكنها جعجعة ولا ترى طحنًا وعنترة جوفاء فضحتها الوقائع القائمة.
وقد بلغ من تقديس الأوطان عند دعاة الوطنية الجاهلية أن يطلبوا إلى كل شخص أن يقدِّس وطنه على كل الملل والأديان, وأن يضحي بكل ما لديه لوطنه:
بلادك قدسها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
بل وقال:
سلام على كفر يوحِّد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم
وإذا وصل الإنسان في حب وطنه إلى هذا الحد فماذا سيبقى لحب الله, وللمحبة في الله ما دام حب الوطن هو كل شيء في حياة الإنسان, عليه يحيا
стр. 289
وعليه يموت وعليه يوالي وعليه يعادي وبه يفاخر, وإياه يقدس إلى حدّ أن الأوطان أصبحت وكأنها أوثان تعبد من دون الله تعالى, وكل صاحب وطن يدَّعي أن وطنه هو أفضل الأوطان, وتربته أفضل تربة, وأنه وطن معطاء يكفي من تمسك بحبه كل مكروه, ويفتخر برجاله وبعطائهم اللامحدود -هكذا- في المقابل لا بُدَّ أن يحتقر البلدان الأخرى وجهود الرجال الآخرين من بلدان المسلمين ورجالاته في ردِّ فعل سواء شعر بذلك أم لم يشعر به.
فلا حرج في دين الوطنية أن يفتخر الشخص برجال وطنه ويقدم حبهم على من سواهم, حتى وإن كان أولئك غير مسلمين, فالوطنية دين الجميع. ومعلوم أن هذه المبالغة لا يقرها الإسلام الذي يدعو أتباعه إلى أن ينصهروا كلهم في بوتقة الإسلام, ويدعو أتباعه لأنْ يكونوا في هذه الأرض كأنَّهم جسم واحد وفي وطن واحد, ويوجب على كل مسلم أن يدافع عن كل شبر من أوطان المسلمين, وأن يغار عليها حتَّى لو أدَّى ذلك إلى قتله, فإنه يكون شهيدًا مقاتلًا في سبيل الله تعالى, فإن مَنْ لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم, وقد ذكر بعض العقلاء أنه من ضيق الأفق تقوقع الإنسان في مكان واحد وصبره فيه على كل ما يصيبه من أنواع المكاره حبًّا لذلك المكان.
قال علي بن أبي طالب ﵁ فيما ينسب إليه:
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن يجر طاب وإن لم يجر لم يطب
ووطن العاقل هو المكان الذي يتهيئ له فيه عبادة الله تعالى, ويقوم بدينه, ويصون نفسه وعقيدته من الانحراف, آمنًا مطمئنًا على نفسه ودينه وعرضه.
стр. 290
الفصل السادس: نتائج تقديس الوطنية
أثمرت الدعوة إلى الوطنية ثمارًا خبيثة, وبرزت العصبية البغيضة, وانتزعت الرحمة بين الناس وحل محلها الفخر والخيلاء والكبرياء؛ حيث تعصَّب كل شعب لوطنه واحتقر ما عداه في صور مخزية مفرقة, ومن أقوى الأمثلة على ذلك ما حصل عند الأتراك -بفعل دسائس اليهود ضد الدولة الإسلامية العثمانية-حيث نفخوا في أذهان الوطنيين الأتراك وجوب العودة إلى الافتخار بوطنيتهم الطورانية التي كانت موجودة قبل الإسلام, والعودة إلى تقديس شعار الذئب الأغبر معبودهم قبل الإسلام ونفخوا في الوقت نفسه في أذهان العرب والوطنيين الحنين إلى الاعتزاز بالوطنية العربية وتقديمها على كل شيء, بل جعلها إلها كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه﴾ ١ وقد عبَّر شاعرهم عن ذلك بقوله:
هبوني عيدًا يجعل العرب أمَّة ... وسيروا بجثماني على دين برهم
فماذا ينتظر من الوطنيين حينما تكون الكلمة لهم؟ غير جعل الوطنية هي الدين، وهل حقَّق هؤلاء السفهاء الأشرار كلامهم في حب الوطنية العربية؟ وماذا فعلوا ضد اليهود في فلسطين وفي غير فلسطين؟ ماذا قدَّموا غير الصراخ والعويل والنباح والتهديدات الجوفاء لتحرير القدس والأمة العربية؟ يرددون كلامًا ممجوجًا مكررًا وشعارات أصبحت مهازل
стр. 291
يستحي منها العقلاء على أنَّه لم يقتصر الضرر فقط على ما تقدَّم, وإنما كانت وراء خدعة الوطنية أغراضًا سياسية وثقافية واجتماعية؛ حيث بدت الدعوة للوطن تفرق بين الولاء لله تعالى وبين والولاء لغيره تحت شعار "الدين لله والوطن للجميع", وبالغوا في وجوب حب الوطن وأنه مشاع بين جميع المواطنين حتى السياسية منها, ومن هنا تَمَّت اللعبة على كثير من بلدان المسلمين؛ حيث أصبح المواطن النصراني أو اليهودي أو العلماني أو الشيوعي حتى وإن لم يكن من أهل ذلك البلد في الأساس فإنَّ من حقِّه كمواطن أن يصل إلى أعلى الرتب التي يتمكَّن من خلالها من التحكم في مصائر أهل تلك الشعوب الإسلامية, وهو ما هدف إليه أعداء الإسلام من دعمهم السخي لأولئك الأقليات في تلك البلدان الذين هم في الأساس عملاء لتلك القوي الكفرية العالمية, نجحوا في ذلك وفي نهاية الأمر, وهو نتيجة لتمكن أولئك من السلطة, أصبح هؤلاء ينادون بأن الوطن والعيش فيه هو في الدرجة الأولى لهم, وصاروا ينظرون إلى أهل تلك الأوطان الإسلامية بأنهم غرباء, وأحيانًا يسمُّونهم عملاء, وبالتالي فمن حقهم أن يضطهدوهم, وهو ما تَمَّ في بعض ديار المسلمين التي أصبح الحكم فيها لغير المسلمين, بل وطرد المسلمين وحوربوا, ونُفِّذَ المخطط المعادي للإسلامي بكل دقة, وكأن الشاعر يندب حظهم حينما قال مفتخرًا:
يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا ... نحن الضيوف وأنت رب المنزل
وبهذا يتضح أن دعوى الوطنية وكذا القومية وكذا الإنسانية والأخوة والمساواة وحرية الكلمة وتقبل الرأي والرأي الآخر ما هي إلّا لعب سياسة ماكرة ودعوات يراد من ورائها مكاسب سياسية وعقدية. وفي لبنان
стр. 292
وفلسطين أقوى الشواهد, واتَّضح أن الدعوة إلى كل النعرات الجاهلية لم ينتفع بها إلّا أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ليندمجوا مع المسلمين تحت هذا الاسم؛ لأنَّ الغرض من قيامها في الأساس هو لتحقيق هذا الهدف, فلا يبتلى بها مجتمع إلّا وأصيب بهذا الداء العضال من تراخي القبضة على الدين, ومن تمجيد تراب الوطن وكل ذرة رمل فيه, وأنه وطن مقدَّس دون غيره من بلاد الآخرين, فاخترعت له طقوس وشعارات, واخترعت له أعياد -هي غير الأعياد الإسلامية,’ ويتبادل الناس فيها التهاني والتبريكات, وتتعطل كثير من المصالح لانشغال الناس بتلك الأعياد, بينما الإسلام ليس فيه إلّا عيدين عيد الفطر وعيد الأضحى, وعيد صغير هو يوم الجمعة, وطلب أقطابها من الناس أن يقدّموا دماءهم رخيصة من أجل تراب الوطن بدلًا عن الجهاد في سبيل الله تعالى.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل جاءت ثالثة الأثافي وهي كثرة الأماكن المقدّسة, فمرة يدعون إلى تقديس تراب الوطن كله, ومرة يدعون إلى تقديس بعض المدن أو الأماكن التي قد لا يعرف لها ذكر ولا سابقة خير, بل أحيانا يدعون إلى تقديس أماكن عرف عنها الشر, وربما وصل الحال إلى أن يختلط الأمرعلى من لا معرفة له بالأماكن المحترمة من غير الأماكن المحترمة, والمسلمون يعلمون أن الأسلام لا يدعو أحدًا إلى تقديس أيّ مكان في هذه الدنيا, ولا يجد المسلمون بلدًا تحن إليها النفوس وتترقرق عنده الدموع إلّا مكة المكرمة والمدينة النبوية, وليس ذلك لذات المكان أو لترابه, وإنما هو لما شرَّفهما الله به من جعلهما أماكن عبادة فاضلة, ومن بعثة نبيه محمد ﷺ -
стр. 293
وبزوغ فجر الإسلام فيهما, ومن ظنَّ أن هذا الاحترام والتقدير إنما هو لترابهما فهو جاهل, فقد كانت المدينة تسمَّى يثرب, وكان فيها ما ذكره العلماء عنها من أنها أرض وباء وحرة جرداء حتى شرفها الله تعالى بنزول نبيه فيها, ودعاؤه لها بالبركة, وأن ينقل حماها إلى الجحفة, ويبارك في مدها وصاعها, وأن يحببها إليهم كحبّهم مكة أو أشد, إلى غير ذلك من أخبار هذا البلد الطيب, وكذلك مكة فإنها وادٍ غير ذي زرع, شرَّفها الله بالكعبة, ولكن في عرف الوطنية ليست العبرة بالصفات وإنما العبرة بذات الأرض, وأحيانًا تقدس الوطنية الأرض؛ لأن هواءها جميل, وأشجارها باسقة, ونحو ذلك مما ينظر إليه الشخص القصير النظر الضيق الفكر.
وليت شعري ما الفائدة من تقديس الوطنية إذا كانت ثمارها قطع كل صلة للشخص بما وراء وطنه, وبالتالي قطع أواصر المودَّة بين أواطان المسلمين, وأن كون الولاء والبراء قائمًا على الوطنية لا على الأخوة الإسلامية, وأن يغضب الشخص لوطنه أكثر من غضبه لدينه, والتعصب لبني وطنه وتقديسهم سواء كانوا قبل الإسلام أو بعده مقدمًا لهم على أواصر الأخوة في الدين؛ بحيث يجب أن يحب الملحد الوطني على الصالح من غير وطنه حسب شريعة الوطنية, أليست هذه معاول هدم تفرّق ولا تجمع؟ وتشتت المسلمين وتضعفهم؟
стр. 294
- تعقيب على ما سبق:
وأخيرًا فإنه يتضح مما سبق:
١- إن القومية والوطنية بينهما ترابط شديد وإن كان مفهومهما في الظاهر مختلفًا, ولكن في حقيقتهما تلازم يرتبط بعضه بالبعض الآخر؛ إذ لا تجد من يتصف بأحدهما إلّا وهو متصف بالآخر حتمًا.
٢- إن الدعوة إلى هاتين النعرتين الجاهليتين قد أراد أصحابهما أن يحلوها محل الدين.
٣- إن الإسلام قد حاربهما حربًا شعواء وبيَّن الأخطار التي تكمُن من وراء قيامها.
٤- إن ظهورهما في بلاد المسلمين -على الصورة المستعرة التي هي عليه اليوم- إنما كان بدسائس اليهود والنصارى وسائر الدول الغربية الحاقدة.
٥- يجب على كافة الدعاة إلى الله تعالى وطلاب العلم أن يجتهدوا في محاربتهما, وبيان ما تحملانه من تدمير للإسلام والمسلمين, وبيان أن الإسلام دين كامل إلى يوم القيامة, وأن الخير والسعادة للبشرية تكمن في الانضواء تحته وتطبيق تعاليمه, ومعرفة ما كان عليه حال العرب قبل الإسلام, وكيف تحولوا بعده إلى أن كانوا قادة العالم ووجه الأرض المشرق.
стр. 295
الباب السابع عشر: المذهب الوضعي
الفصل الأول: حقيقة المذهب الوضعي
...
الباب السابع عشر: المذهب الوضعي
وتشمل دراسة هذا المذهب الفصول الآتية:
الفصل الأول: حقيقة المذهب الوضعي
المذهب الوضعي, ويقال له: المذهب الواقعي أيضًا, أو سيادة الطبيعة والحس, وهو مذهب إلحادي محارب لله تعالى ولكل الأديان, لا يؤمن إلّا بالمحسوسات وما ينتج عن التجارب, وهو بمثابة تهيئة للماركسية فيما بعد, إلّا أنه كان في إحدى مراحله يؤمن بدور العقل في المعرفة في العصور الوسطى, إلى أن جاء عصر التنوير في القرن الثامن عشر, فكان له دور واضح أيضًا في المعرفة, ولكن انتهى اعتباره في القرن التاسع عشر هو والدين أيضًا؛ إذ لم يعد لهما دور بعد هذا التطور الذي تصوره الوضعيون.
وجاءت بعد ذلك الماركسية لتؤكد نهاية صلاحية الدين والعقل, والاعتماد فقط على الطبيعة, وإنكار العالم الآخر وسائر المغيبات التي أخبر بها الدين في الحياة الآخرة.
وأحلَّوا الطبيعة هذه محل الإله, فهي التي تخلق وتقدر الأمور على حقيقتها, واعتبار ما جاء خارجًا عنها ما هو إلّا وهمٌ وخداعٌ سواء جاء عن طريق العقل
стр. 296
أو غيره, مما تثبته الأديان من الوحي الإلهي الذي نتج -كما يكذبون- عن البيئة والوراثة والحياة الاقتصادية, وكان هدف الوضعيين هو مقارعة رجال الدين النصراني وإبطال مقالاتهم في الدين بالدين الوضعي الجديد, أو دين الإنسانية.
وقد جاء في الموسوعة العربية الميسَّرة أن الوضعية مذهب فلسفي يقيم المعرفة على نطاق الخبرة الحسية, وأمَّا ما يتجاوز الخبرة الحسية فمعرفته مستحيلة ... كان "هيوم" رائدًا للمذهب الوضعي، و"أوجست كونت" داعية له١.
وقد بدأ ظهور مذهب الوضعية في شكل قوة ظاهرة مع بداية القرن التاسع عشر على أنقاض عصر التنوير كما يسمونه.
ثم اشتد بعد ذلك وأصبح يراد به سيادة الفكر المادي, أو سيادة الطبيعة والتجربة الإنسانية والواقع الذي هو أساس كل الأمور دون غيره.
وكان "هيوم" الذي تشبَّع بفكرة الوضعية يجادل لتصحيح مذهبه هذا, ويثير شبهات سخيفة لتقوية الإلحاد وإنكار وجود الخالق, فأنكر ارتباط الأسباب بمسبباتها على الحقيقة, واعتبر أنها فرضية عقلية غير حقيقية, بدليل أن الأسباب لا تفعل شيئًا تجاه مسبباتها, وسبب ذلك إنكاره قدرة الله تعالى وأنه هو المسبِّب الحقيقي في إظهار الأمور عند فعل أسبابها إذا أراد الله ذلك, وقد تفعل الأسباب, ولكن لا ترى المسببات إذا لم يشأ
стр. 297
الله ذلك, فليست الأسباب هي الفاعلة بنفسها, كما أنكر إرادة الإنسان في عمله, بل هو يعمل كل ما يعمله آليًّا ودون إرادة مسبَّقة, وهو إنكار يدل على جهله, فإن كل إنسان يحسّ في نفسه إرادة مسبقة للعمل الذي يريده, سواء أكان فيه مصلحة أو مضرة, وقد يعمل الشخص العمل الذي فيه مضرَّة عاجلة لما يرجوه من المصلحة الآجلة فيه, فلو لم تكن له إرادة لما أقدم عليه ذلك.
وله مزاعم كثيرة لا يدل عليها أيّ دليل لا من العقل ولا من النقل ولا من التجارب, وإنما هي فلسفات خيالية١.
стр. 298
الفصل الثاني: زعماء المذهب الوضعي
لهذا المذهب مشاهير كثيرون من الفلاسفة والثائرين المناوئين للدين النصراني في أزمانهم المختلفة المتأخرين منهم، ومنهم:
- الفيلسوف الإغريقي "بروناجوراس" في القرن الخامس قبل الميلاد.
- الفيلسوف "بايل" في النصف الثاني من القرن السابع عشر, وهو فيلسوف فرنسي.
- الفيلسوف "دافيد هيوم" الأسكتلندي.
- الفيلسوف "أوجست كونت" الفرنسي.
- الفيلسوف "لودفيج فيرباخ" الألماني.
وقد اعتبر الفيلسوف الإغريقي "برونجاوراس" المؤسس الأول للبدايات الأولى لهذا المذهب، وأمَّا "بايل" فقد طوَّر المذهب، إلّا أن المؤسس الحقيقي للفلسفة الوضعية هو "أوجست كونت", وأما "لودفيج فيرباخ" فكان عمله كتهيئة للمذهب الماركسي، ومنهم "سان سيمون"، و"ريتشارد كونجريف"، ومن العرب "زكي نجيب محمود"١.
стр. 299
الفصل الثالث: سبب قيام المذهب الوضعي
من أهم الأسباب لقيام هذا المذهب عدم قناعة واضعيه بما كان يقوله الدين النصراني في تعليلاته للأمور, والعناد الذي كان يبديه رجال الكنيسة ضدَّ أي معرفة تظهر على يد أي شخص لم يكن من البابوات, ولايجوز أن نغفل عن مؤمرات اليهود وتشجيعهم كل ما يمكن أن يلحق الضرر بالجوييم وعقائدهم وسلوكهم, فقد تفانوا في خدمة كل الحركات الضالة, وقدَّموا أنواع المساعدات في ذلك, وقد ازدهر المذهب الوضعي في فرنسا بطبيعة الحال, ومنها انتقل إلى انجلترا وأمريكا, ويمكن أن نعتبره بداية انتقال الإلحاد الشيوعي إلى روسيا.
стр. 300
الباب الثامن عشر: الإلحاد
مدخل
...
الباب الثامن عشر: الإلحاد
وتتمّ دراسة هذا المذهب من خلال الفصول الآتية:
تمهيد:
الفصل الأول: المراد بالإلحاد.
الفصل الثاني: كيف تدرجوا في إظهار الإلحاد.
الفصل الثالث: أقسام الإلحاد.
الفصل الرابع: أسباب ظهور الإلحاد.
الفصل الخامس: هل يلتقي الإسلام مع الأنظمة الإلحادية.
- تمهيد:
لقد أثرى علماؤنا المكتبات الإسلامية بدراساتهم المستفيضة عن هذه الظاهرة الشاذة من تاريخ البشرية, وجاءت كتاباتهم على صور شتَّى بين مقلٍّ ومُكْثِرٍ, وأسلوب سهل وأسلوب عميق, وعن دراسات شاملة وأخرى مختصة بجوانب دون جوانب, وقد يجد بعض القراء صعوبة في لَمِّ شتات هذه الدراسات والخروج منها بفكرة يمكن للذهن أن يمسك بها ويستوعب أهم معالمها إلا بصعوبة, وما دام الأمر يقتضي دراسة هذا المذهب الهدَّام, وتكثير الأصوات عليه, وتقريب شتات ما وزَّعه العلماء في كتاباتهم نحوه
стр. 301
هنا وهناك, أحببت أن يكون جهدي المتواضع متوفِّرًا على تقريب تلك المعلمات المتشتتة وجعلها في متناول القارئ الذي قد لا يجد الوقت الكافي للرجوع إلى المصادر الأساسية المطوَّلة, أو قد يصعب عليه استخراج ما يهمه معرفته عن هذا المذهب الفكري الهدام لأي سبب كان, ومن هنا أصارح صديقي القارئ بأن الحديث عن الإلحاد والشيوعية واستكمال دراستهما لا يمكن أن يكون كاملًا في هذه العجالة التي يراد بها إعطاء صورة مصغَّرة ينتفع بها المستعجل إن شاء الله, وفيما يلي الإشارة إلى أهم تلك الجوانب:
стр. 302
الفصل الأول: المراد بالإلحاد
المراد بالإلحاد الذي نحن بصدد دراسته: كل فكر يتعلق بإنكار وجود خالق هذا الكون , سواء أكان عند المتقدمين من الدهرية, أو عند من جاء بعدهم من الشيوعيين والماركسيين, بمعنى أن وصف الإلحاد يشمل كل مَنْ لم يؤمن بالله تعالى, ويزعم أن الكون وُجِدَ بذاته في الإزل نتيجة تفاعلات جاءت عن طريق الصدفة ودون تحديد وقت لها, واعتقاد أن ما وصل إليه الإنسان منذ أن وُجِدَ وعلى امتداد التاريخ من أحوال في كل شئونه إنما وُجِدَ عن طريق التطور, لا أن هناك قوة إلهية تدبره وتتصرف فيه.
ولا ريب أن الإلحاد فكرة شيطانية باطلة لا يقبلها عقل ولا منطق, غذَّاها اليهود لتحطيم حضارات وأديان العالم كلهم؛ لإقامة حكمهم في الأرض كلها كما دوَّنوه في كتبهم. وقد يسأل سائل فيقول: وما مصلحة اليهود من وراء ظهور الإلحاد؟ والجواب: هو إضافة إلى ما سبق, فإن اليهود يبغضون ديانات العالم كله، والعالم يبغضون ديانة اليهود, فإذا تمكَّن اليهود من إبعاد الناس عن حضاراتهم ودياناتهم واسبتدلوا عن ذلك بالإلحاد, فإنه سيسهل حينئذ أن يتقارب اليهود مع غيرهم, وسيسهل قيادتهم أيضًا إلى تحقيق المخطَّطات اليهودية التي تنتظر التنفيذ.
ولم يكن أحد من البشر منذ أن أوجدهم الله تعالى مستيقنًا حقيقة
стр. 303
إنكار وجود الله تعالى, ولم يظهر في شكل مذهب أو دول، وإنما كان ظهوره في شكل نزعات لبعض الأشرار الشواذّ, إلى أن ظهرت الفلسفة الإلحادية الحديثة المنحرفة على يدي "ماركس" ورفاقه من اليهود الماسون, الذين كانوا وراء إشعال هذه الفتنة الإلحادية لمآرب سياسية ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
وقد علا شأن الإلحاد في عهد "ماركس" وعهد من جاء بعده علوًّا كبيرًا, إلى عهد آخر رئيس لما كان يسمَّى بالاتحاد السوفياتي، وهو "ميخائيل جورباتشوف", فأراد الله أن يظهر كذب الملاحدة, فإذا بالشيوعية -التي تمثل قمة الإلحاد تموت في عقر دارها- وإذا بالشعوب المقهورة تعود إلى الاحتفال والاحتفاء بالأديان, وتعلن ما كانت تخفيه من حب الله وأنبيائه ورسله, ورجعوا إلى المساجد والكنائس وسائر المعابد معلنين رفضهم الفكر المادي الإلحادي, وفي بعض تلك الدول التي كانت تعلن الشيوعية والإلحاد شنقوا تماثيل بعض أقطاب الإلحاد الشيوعي تشفيًّا منهم، مما يدل دلالة صريحة على أن فكرة الإلحاد فكرة طائرة سخيفة لا مكان لها إلّا في قلوب فئة من شواذ الناس ماتت نفوسهم وانحرفت فطرهم وكابروا عقولهم, ومن الغريب أن يسند الملاحدة وإلحادهم إلى العلم -وهو كذب مبين- كما سيتبين ذلك من خلال هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
стр. 304
الفصل الثاني: كما تدرجوا في إظهار الإلحاد ؟
...
الفصل الثاني: كيف تدرجوا في إظهار الإلحاد؟
عرفت مما سبق أن الإلحاد لم يكن ظاهرة جماعية على امتداد التاريخ الإنساني, وإنما كان نزعات شاذة, إلى أن تبنّت اليهودية العالمية هذا الفكر لتقضي به على جميع الأديان؛ ليسهل عليهم بعد ذلك استحمار العالم لهم, وإقامة دولة اليهود الكبرى العالمية التي يحلمون بإقامتها.
وفي بداية تبنيهم للفكرة كانوا يشجعون أيّ فكر أو حركة ضد الدين وأهله -أي دين كان, وينشرون الشعارات البراقة مثل: إقامة الحياة السعيدة, أو العيش السعيد للبشر في ظل أنظمتهم المزعومة.
والتركيز على ذمّ أهل الدين وتحقير أمرهم في أعين العامة, وخصوصًا علماء الدين؛ حيث ألصقوا بهم شتَّى التُّهم لتنفير الناس عنهم وعن مبادئهم, ثم تشجيع النظريات المعادية للدين أو لرجال الدين, أو الجانحة إلى التفلُّت من عقيدة الإيمان بالله تعالى, وإطلاق الألقاب الفخمة على كل شخص, أو فكر يظهر منه ذلك مما كانت حقارة القائل أو الفكر.
وكذا المناداة بإطلاق الحريات للناس: الحريات الشخصية، حرية الكلمة، حرية التصرف، حرية التدين، حرية الاقتصاد، حرية الفكرة، ونحو ذلك من الدعايات, انطلقوا في طريق واحد يصدّق بعضهم بعضًا خصوصًا حينما استولوا على وسائل الإعلام كلها, وبواسطة عملائهم المنتشرين في كل مكان, وقد توّج اليهود حربهم لله تعالى بإقامة الماركسية والالتفاف حولها دعمًا ومدحًا, وهيئوا لهاكل سبل النجاح للوصول إلى
стр. 305
مراكز الحكم, والتأثير بالترغيب وبالترهيب, فأصبح الإلحاد ظاهرة قوية في شكل جمعات من الناس, وفي شكل دول حكمت بالحديد والنار لنشر هذا الإلحاد, وقدموا الإلحاد في أثواب براقة وخدع خفية؛ حيث ربطوا كل تقدُّم أو نجاح للعالم بتنفيذه.
وبحكم تسلُّط الملاحدة في البلدان التي تمت السيطرة لهم عليها أدخل تعليم الإلحاد قهرًا, وبالتالي إبعاد تعليم الدين عن كل المجتمعات والحيلولة دون دراسته, وإطلاق أيدي الفسقة والفجّار للنيل منه ومن القائمين عليه, ووصفهم بالرجعية والخونة والمتخلفين, وما إلى ذلك من الألقاب الظالمة، وكذا إطلاق أيديهم لخداع أهل الدين, وأن الإلحاد هو الأساس الذي كان عليه البشر, إلى أن جاءت الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فغيروا تلك المفاهيم الصحيحة، وربطوهم بالخرافات إلى أن أصبح الإلحاد مذهبًا فكريًّا وتتمّ بموجبه المولاة والمعادات, وأصبح له أنصار كثيرون بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقًا ولا يزال له انصار ودول إلى اليوم.
ومما يجب الاهتمام والتأكيد عليه أن الإلحاد كان أمرًا طارئًا على البشرية؛ إذ الثابت أن الإيمان بالله تعالى هو الأساس الذي كان عليه آدم وذريته من بعده منذ أن أهبطه الله إلى الأرض, إلى أن نبغ قرن الشيطان في مفاهيم أتباعه بعد أن انحرفت أفكارهم ودُنِّست فطرهم.
ولا بُدَّ من القول أن الإلحاد قد اشتدَّ وكثر أتباعه, سواء أكان في الغرب النصراني أو الشرق الشيوعي, وهو يمشي بخطى حثيثة, وقد تقبَّله من تقبَّله من الناس, إمَّا لعدم إيمانهم بالدين، وإما لجهلهم وسخافة أفكارهم، وإما رغبة في الوصول إلى مآرب سياسية أو اقتصادية, أو رغبتهم في التفلُّت عن الدين، أو غير ذلك مما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 306
وقد يتعرّض بعض المدافعين عن الإلحاد الشيوعي الماركسي ويقول: إن الإلحاد لم يكن وليد الشيوعية الماركسية, بل إنه قديم في البشرية, ظهر قبل ماركس وظهر بعده.
والواقع: إن الإلحاد ظهر في بعض المجتمعات البشرية قديمًا, ولكن اقتضت حكمة الله تعالى أن يتتابع الرسل مبشرين ومنذرين من عهد نوح ﵇ إلى عهد نبينا محمد ﷺ , وقد أخبر الله عن هؤلاء الملاحدة في كتابه الكريم وعلى ألسنة أنبيائه, ودحض حججهم وبيَّن زيفها -ولله الحجة البالغة, وكان الإلحاد في الزمن القديم يختلف قوة وضعفًا باختلاف القائمين عليه، فمنهم من كان إلحاده في إدخال شركاء مع الله تعالى كالوثنيين والمجوس وهم الأكثرية، ومنهم من كان إلحاده البعد عن الله تمامًا والالتجاء إلى الدهر ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ١، ومن هؤلاء الدهرية صنف من معطِّلة العرب الذين أنكروا الخالق والبعث والإعادة فيما يذكر الشهرستاني٢، ويظهر أنهم قلة من العرب، وظلَّ الصراع قائمًا على أشده بين أولياء الله الموحدين وأولياء الشيطان إلى أن جاء الإلحاد الحديث على يدي ماركس وأتباعه, فإذا به طوفان مبين لا يبقي ولا يذر، قائم على محاربة الله تعالى ورسله والأديان كلها, وإنكار وجود خالق الخلق في تنظيم وشمولية ليحلَّ محل كل الأديان بخطط مدروسة.
стр. 307
الفصل الثالث: أقسام الإلحاد
ينقسم الإلحاد إلى قسمين هما: الإلحاد القديم، والإلحاد الحديث. فما حقيقة كل منهما وما الفرق بينهما؟
عرفنا مما سبق أن الإلحاد كان له وجود في أكثر من مكان في الأرض بعد الانحراف الذي أصاب البشرية, وينبغي أن ندرك أنَّ بين الإلحاد القديم والإلحاد الحديث فرقًا ظاهرًا, وذلك يتبين من خلال ما يأتي:
١- إن الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله تعالى أصلًا لم يكن ظاهرة منتشرة في القديم, وإنما كان شائعًا الشرك مع الله تعالى تحت حجج مختلفة, مع اعترافهم بوجود الله تعالى, وأنه الخالق المدبر, وقد أثبت الله تعالى ذلك في كتابه الكريم فقال عن إقرارهم بخلق الله للكون: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن إقرارهم بإنزال المطر من عند الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
стр. 308
وقال تعالى عن إقرارهم بأن الرزق كله من الله، وأن أعضاء الإنسان هي من خلق الله، وأن الحياة والموت بيد الله، وأن التدبير كله لله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ١، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢، وهكذا يتبين من تلك الآيات البينات أن الإلحاد في الزمن القديم إنما كان في إشراكهم مع الله آلهة أخرى من صنعهم, يتقربون إلى الله بزعمهم, وهذا هو الشرك في توحيد الربوية الذي لا يدخل الشخص به وحده في الإسلام والإيمان ما لم يضمّ إليه توحيد الألوهية.
٢- وأما الذين أسندوا كل شيء إلى الدهر فهم قلة قليلة جدًّا بالنسبة لغيرهم ممن يؤمنون بالله تعالى, وقد أخبر الله عنهم في كتابه الكريم.
٣- أما الإلحاد المادي الحديث فقد قام على إنكار وجود الله أصلًا, وقد زعم أهله أنهم وصلوا إليه عن طريق العلم والبحث المحسوس, وعن
стр. 309
طريق التجربة والدراسة, وزعموا أن الدين لا يوصل إلى ذلك, وسنرد هذه الكذبة وسخافتها, ونبين أنه لا تناقض بين العلم والدين وبين الإيمان بالله, وأن العلم يدعو إلى الإيمان بوجود الله تعالى في أكمل صورة كما سيأتي دراسته في الشيوعية.
وهكذا يتضح مما سبق أنه مع القول بوجود عبادة المادة في كل زمان وفي كل مكان, إلّا أن عبادة تلك المادة كانت سطحية بدائية, وأن أوروبا حينما أخذت الإلحاد تميَّزت بتفصيل وتقنين وتنظيم ودراسة هذا الاتجاه المادي الملحد, أو أحلته محل الدين ومحل الإله بطريقة سافرة مقننة, وهي نقلة لم تكن فيما مضى قبلهم.
стр. 310
الفصل الرابع: أسباب ظهور الإلحاد
لظهور الإلحاد أسباب كثيرة كغيره من الظواهر الأخرى, ولا شك أن أكبر الأسباب هو إغواء إبليس لمن اتبعه, فقد أقسم على أن يبعد الناس عن ربهم ويغويهم عن اتباع أمره وشرعه , ثم انضافت إلى ذلك أسباب أخرى هي من صنع الإنسان؛ كالرغبة الجامعة عند البعض في الانفلات التام عن الدين وأوامره ونواهيه؛ لتحقيق رغباته الشهوانية المختلفة, وبعض تلك الأسباب يعود إلى أمور سياسية كحبّ اليهود السيطرة على العالم, وبعضها يعود إلى طغيان الديانات المحرَّفة وعلى رأسها النصرانية التي هي صورة عن الوثنية؛ حيث جاءت بأفكار لا يقبلها عقل ولا يقرّها منطق, وفوق ذلك طغيان الرهبان والبابوات الذين وصلوا إلى حدٍّ لا يطاق من إذلال الناس واستعبادهم, مما جعلها أغلالًا يتمنَّى أصحابها الخروج عنها إلى أيّ وجهة تكون, فتلقَّفهم الملاحدة فأخرجوهم من الرمضاء إلى النار.
وبعض تلك الأسباب يعود إلى ظهور مذاهب فكرية كانت هي الأخرى كابوسًا ثقيلًا جعل الناس يلهثون إلى التشبث بأي حركة أو فكرة؛ كالرأسمالية التي أشعلت في النفوس حب الأنانية والجشع المادي والحقد والبغضاء, مما سهَّل الأمر على الملاحدة للوصول إلى قلوب الناس والتضليل عليهم بأن في النظام الإلحادي الجديد كل ما يتمنوه من السعادة والعيش الرغيد, وقد قيل:
يقضي على المراء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
стр. 311
وكان هذا الحال في الوقت الذي عمَّ الجهل بالله تعالى وبدينه القوميّ وكان للأحوال الاقتصادية التي يمر بها الناس نصيب الأسد في تقبُّل الناس للإلحاد؛ حيث انعدمت في المذهب الرأسمالي ونظام الإقطاع وسيطرة البابوات والأباطرة صفة الرحمة والعطف على الفقراء, فإزداد الأغنياء غنًى وزاداد الفقراء فقرًا وذلًّا.
فاستغلَّ الملاحدة تلك الأوضاع للتأثير على الناس بأن الأمر موكول إلى تصرفات الناس وليس هناك إله مدبر له, فازداد نشاط دعاة الإلحاد وأظهروا أنفسهم بمظهر المنقذ للفقراء, والساهر على مصالحهم, والمهتم بمشاكلهم, والمتصدي للقضاء على كل الأنظمة الفاسدة والطبقات المتجبرة, وبعد أن قوي أمر الملاحدة واستولوا على الحكم في روسيا وغيرها, وجَّهوا مدافعهم وبنادقهم إلى صدر كل من يأبى الدخول في ملتهم, فأثخنوا في الأرض, وأدخلوا شعوبهم في الإلحاد راغبين وراهبين.
ومما ساعد على انتشار الإلحاد أيضًا ما وصل إليه الملاحدة من اكتشافات علمية هائلة مكَّنهم الله منها استدراجًا لهم, وإقامة للحجة عليهم, على ضوء قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١، فكلما تَمَّ لهم اكتشاف جديد فسّروه على أنه من بركة تركهم للإله وللدين, وانطلاقهم أحرارًا من ذلك, فاغترَّ بهم كثير من الجهال وظنوا أن ذلك صحيحًا, وأن هذه الحياة التي يعيشها العالم اليوم من تقدّم مادي وصناعات مختلفة وانفتاح تام
стр. 312
على الشهوات والمتع المختلفة إنما هي دليل في نظر من لا يعرفون الدين الصحيح على أن الإنسان هو مالك هذا الكون وحده, وهوالذي ينظِّم حياته كما يريد.
ولم يترك دعاة الإلحاد أي فرصة لأتباعهم لالتقاط أنفاسهم ومدارسة أوضاعهم والتفكر الصحيح في خلق هذا الكون وما فيه من العجائب التي تنطق بوجود الخلاق العظيم لهذا الكون, وقد قيل: إن أحد الملحدين تحدَّى أي مؤمن بالله يناظره, فانبرى له أحد المؤمنين واتَّفقوا على تحديد موعد للمناظرة, وحينما جاء وقت المناظرة تأخَّر المؤمن من الوصول ففرح الملحد وأخذ يصول ويجول ويتحدَّى, وبعد وقت حضر المؤمن بعد أن انكسرت قلوب المؤمنين وملأها الهمّ والغم, فسأله الملحد لماذا تأخرت عن الوصول, فقال له: إن بيني وبينكم هذا البحر ولم أجد سفينة, وبينما أنا كذلك؛ إذ نبتت شجرة في البحر وامتدت أغصانها وجذوعها وكبرت, ثم تكسَّرت بعض أجزائها لتصنع منها قاربًا حملني إليكم, فقال الملحد: هذا كلام لا يعقل, فقال له المؤمن: إذا كنتم لا تصدقون بوجود قارب صغير بدون موجد, فكيف تصدقون بوجود هذا الكون وما فيه دون موجد؟ ثم قال المؤمن للمُلحد: أنت بلا عقل, فقال الملحد: بلى, إن لي عقلًا, فقال له المؤمن: أين هو منك؟ قال: لا أدري, فقال المؤمن: شيء في جسمك تؤمن به ولا تراه, ولا تريد أن تؤمن بالله حتى تراه, فانقطع الملحد.
أما بالنسبة لظهور الإلحاد في ديار المسلمين فإنه يعود كذلك إلى أسباب كثيرة من أهمها حالة الانبهار بظهور هذه الماديات التي ظهرت
стр. 313
علي أيدي غير المؤمنين بالله تعالى, وما أصاب قلوب ضعفاء الإيمان من انبهار تامّ برونق تلك الحضارة الزائفة الزائلة التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ١، وانساق المنهزمون المغرمون بتلك الحضارة إلى التصديق بأن لا وجود لأيّ مدبر للعالم غير العالم نفسه, خصوصًا وأن المغلوب دائمًا يقلد الغالب, ويحب أن يتظاهر بصفاته ليجبر النقص الذي يحس به أمامه. وكان الأحرى بهؤلاء المنهزمين أن يعتزوا بدينهم ويضاعفوا الجهد والعمل ليستغنوا عن منَّة الملاحدة عليهم, وحينما رأوا ما هم عليه من الضعف والاستخذاء أمام ما تنتجه المصانع الكافرة ألقوا بالوم على الإسلام, فعل العاجز المنقطع أو الغريق الذي يمسك بكل حبل, وجهلوا أو تجاهلوا أن الإسلام يأمر بالقوة والعمل بما لا يدانيه أي فكر أو مذهب, والآيات في كتاب الله تعالى, والأحاديث في سنة المصطفى ﷺ على هذا أشهر من أن تذكر.
وعلى كل حال فقد ظهر الإلحاد بشكله الجديد المدروس المنظَّم كبديل لكل الأديان, وزعماؤه هم البديل الجديد عن الأنبياء والرسل, والمتمسكون بالإلحاد هم المتطورون المتقدمون, والتاركين له هم الرجعيون المتخلفون, وللباطل صولة ثم يضمحل, فبعد تلك السنوات العجاف التي قوي فيها شأن الإلحاد والملحدين ظهرت الحقيقة للعيان, وإذا بالإلحاد والملحدين وما هم إلّا سماسرة اليهودية العالمية, وأنهم يهدفون إلى استحمار العالم ومحو أخلاق الجوييم وتحطيم حضاراتهم وإبطال دياناتهم, وكشأن كل
стр. 314
المذابه الباطلة والأفكار الجاهلية بدأ الموت يدبّ في جسم هذا الإلحاد البغيض, وإذا بالناس يكتشفون زيف أقاويله وأفانين خدعه, فبدؤا يهربون منه زرافات ووحدانًا, وعرف الناس أن الإلحاد هو الذي سبَّب لهم الشقاء والفقر وتزايد الأحقاد والقلق والاضطراب, وأنه هو الذي سهّل للمجرمين طرق الإجرام وظهور الفتن والضلال؛ إذ ليس فيه ثواب ولا عقاب في الآخرة, ولا ربَّ يجازي المجرمين بعذابه والمطيعين بثوابه, فما الذي يمنع المجرم من تنفيذ جريمته؟ وما الذي يجعل قلب الغني يشفق على الفقير؟ وما الذي يمنع السارق والغشاش والخائن ومدمن المخدرات؟ ما الذي يمنع هؤلاء من تحقيق رغباتهم؟ وللقارئ عظة مما يقع في العالم الملحد من أنواع الجرائم الظلم في جو محشون بالتوترات والهموم, قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ١.
وإذا كانت المظالم والأنانيات وحب الشهوات وغيرها تحصل بين المؤمنين بالله تعالى, فما هو الظن بالمجتمعات التي لا تؤمن بالله ربًّا ولا بالإسلام دينًا ولا بمحمد ﷺ رسولًا, ولا ضمير حي يذكرها بما للآخرين من حقوق, ما هو الظن بتلك المجتمعات الذين هم كالأنعام أو أضل, الذين لا يعيشون في بيئات أسرية متحابَّة يعرف بعضهم للبعض الآخر ما له من حقوق صلة الرحم وحفظ الأنساب وتقوية المودة فيهما بينهم، فأين الأولاد بعد أن ابتلعتهم دور الحضانات الحكومية، وأين الأزواج بعد أن تفرَّق
стр. 315
الجميع في كل اتجاه تلبية لحاجاتهم المعيشية واللهو أيضًا, وأين بقية الأقارب وقد تكفَّل الإلحادية بمحاربة أي وجود لذلك، وأين تلاحم المجتمع كله بعد أن تعهَّد الملاحدة بتفريق المجتمعات وضرب بعضهم بالبعض الآخر عن طريق الجاسوسية الهائلة, إلى حدِّ أنَّ أي شخص لا يأمن الآخر بأي حال, فأصبحت المجتمعات الإلحادية تعيش فيما بينها كما تعيش قطعان الذئاب أو السمك في البحر, وعلى المسلمين أن يأخذوا العظة بغيرهم, وأن يفروا من تلك الأفكار وصداقات زعماء تلك المجتمعات كما يفر الصحيح من المجذوم، بل وأشد، وأن يرجعوا إلى الله تعالى ويبتهلوا إليه أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا.
стр. 316
الفصل الخامس: هل يلتقي الإسلام مع الأنظمة الإلحادية ؟
لقد زعم بعض الجهَّال أن بين الإسلام والأنظمة الإلحادية -الاشتراكية والشيوعية- تطباقًا في أمور كثيرة, خصوصًا الاشتراكية, حتى تجرَّأ بعضهم فرفع شعار "اشتراكية الإسلام" زاعمًا أنه لا تعارض في هذه الاشتراكية التي ألصقوها بالإسلام, وبين الإسلام وتعاليمه المشرقة, إمّا جهلًا وإمّا خداعًا وتمويهًا -وهو الأغلب.
بل وبعضهم ينسبون الاشتراكية الإلحادية إلى الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ ظلمًا ومنكرًا من القول وزورًا.
والأدهى أيضًا أنهم أخذوا يتكلَّفون الأدلة التي يزعمون أن الدين والإلحاد الشيوعي بينهما اتفاقات في أشياء كثيرة، وأن التقارب بينهما في الإمكان، يحدوهم في ذلك حبهم للإلحاد ورغبتهم في تقريبه إلى المسلمين خديعة ومكرًا منهم بأهل الدين ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ١, وسبب ذلك ما وجدوه من التشابه الظاهري في بعض الجزئيات فيما جاء به الدين الإسلامي وفيما جاء به الملاحدة, متناسين أنه لا يمكن في بدائة العقول أن يجمع الليل والنهار في وقت واحد, وأن بين الإسلام والإلحاد الشيوعي الماركسي الاشتراكي من البعد أكثر مما بين السماء والأرض, بل إن القول بالتقارب بينهما جريمة كبرى وافتراء عظيم, فالإسلام له
стр. 317
نظام وعقيدة ومعاملات تختلف تمامًا عن النظام الجاهلي الماركسي وغيره في العقيدة وفي السلوك وفي كل شيء, وأن ما وجد من التشابه بين الإسلام والإلحاد ما هو إلّا مثل التشابه في الأسماء بين المخلوقات حين يقال: رأس الإنسان ورأس الجمل, أو الكلب أو الجبل، أو التشابه بين الأسماء الموجودة في الجنة مما أخبر الله به وبين الأسماء الموجودة في الدنيا، ثم كيف يتَّفق دين يؤمن بإله واحد يستحق العبودية وحده لا شريك له, ويوجب التحاكم إلى شرعه وحده، ويجعل الناس في درجة واحدة أمام الخالق العظيم لا يتفاضلون عنده إلّا بالتقوى, كيف يتفق هذا مع دين لا يؤمن بإله واحد بل بآلهة عدة يعبد الناس فيه بعضهم بعضًا, ويشرع بعضهم للبعض الآخر، دين يجعل الظلم عدلًا والحاكم ربًّا.
أليس التوافق مستحيلًا بعد وجود هذا التباين وغيره؟ بلى إنه من أشد وأعظم المستحيلات على الإطلاق, بل لا ينبغي التفكير في هذا؛ لأنه من وساوس الشيطان, فإنه لا يتفق دين يجعل الإنسان مادة مثله مثل سائر الجمادات لا قيمة له, ودين يجعل الإنسان مستخلفًا في الأرض, وكل ما فيها مسخر له, وهو أكرم كل الموجودات على ظهر الأرض, مميز بالعقل والتفكير وعناية الله به ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ١.
стр. 318
الباب التاسع عشر: الاشتراكية
مدخل
...
الباب التاسع عشر: الإشتراكية
- تمهيد:
قامت الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي في البداية بسبب النزاع المرير بين العمال وأصحاب العمل في طلب العمال زيادة أجورهم وامتناع أصحاب العمل, في الوقت الذي كان أصحاب العمل يستغلون العمال أسوأ استغلال دون رحمة بهم, ثم ظهرت الآلات الصناعية الحديثة, فإذا بأصحاب العمل يفضلونها على الأيدي العاملة لوفرة إنتاجها وقلة ما تحتاج إليه من العمال لتشغيلها, فاستغنى أصحاب العمل عن كثير من العمال فنشأت البطالة ومشاكلها العددية, ومن هنا نشأت فكرة التوجه بالمطالبة بإصلاح هذه الأحوال الاقتصادية المضَّطربة والحد من التنافس بين الناس في الاستئثار بالمال وجمعه الذي يسبب الصراع بينهم, وكان هذا في الوقت الذي أفلس فيه الدين النصراني عن حل أي مشكلة من هذا النوع, بل كان عاملًا قويًّا في ظهور اللادينية والمذاهب المنحرفة المختلفة التي قامت من أول يوم على محاربة كل الأوضاع السيئة التي كانت قائمة, واستبدالها بأنظمة جديدة تكفل للناس حقوقهم وحرية معيشتهم, وكان من بين تلك الأفكار ظاهرة القول بالاشتراكية ومحاربة الملكية الفردية, وما جاء بعدها من أهوال الشيوعية.
والواقع أن الاشتراكية أقبح مذهب عرفته البشرية وأشدها شرًّا على الإطلاق, فقد ذهب ضحيَّة تطبيقها مئات الملايين قتلًا وجوعًا وتشريدًا في أوروبا البعيدة عن أراضي المسلمين وعن عقائدهم وتاريخ حضارتهم, أيدتها اليهودية العالمية, وبذلت كل ما استطاعته لتأييدها وتقوية نفوذ أتباعها لما عرفوه من عواقبها الوخيمة على الجوييم, وتَمَّ لهم ذلك وانتشر
стр. 319
هذا الفكر الذي يحمل الخراب والدمار, وظل سنوات عديدة في أوج قوته, إلى أن أذن الله في إذلاله وإذلال أتباعه, فخرج عنه الكثير ممن أنعم الله عليهم بالعقل والفتكير السليم, وداسوه بأقدامهم وتنفَّسوا الصعداء, وهالهم ما كانوا فيه من الغبن الفاحش أيام جثومه على صدورهم, وتيقنوا أنه مذهب جهنمي صاغه شياطين الإنس والجنّ بمباركة إبليس اللعين لهم على يد أنجز وكارل ماركس ومن جاء بعدهما مثل: لينين وستالين, إلى أن بدأ عهد جورباتشوف برئاسة ما كان يسمَّى بالاتحاد السوفيتي, ومن الغريب والعجيب والهول الشديد أن بعض البشر ممن هم أشباه القردة والخنازير لا يزالون ينادون به ويتبجَّحون بأنهم فرسان الاشتراكية لعنها الله ولعنهم وأركسهم في جهنم جميعًا: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
وإذا كان لأهل أوروبا ظروفهم التي أنتجت الدعوة إلى الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده, فما بال الدول والشعوب التي تدعي الإسلام وأنه دستورهم، ما بالهم دخلوا تحت هذا اللواء الأحمر الذي يشير دائمًا إلى سفك الدماء, وما هي الظروف التي ألجأتهم إلى المناداة بالاشتراكية الماركسية, ألم يجدوا في الإسلام ما يسعدهم؟ بلي, ولكنهم ما طبَّقوه إن لم نقل ما عرفوه أساسًا.
ويطول عتاب هؤلاء وخصامهم, ولكن لا يمكن إغفال فريتهم الكبيرة التي تدلّ على مدى خبثهم وجهلهم، وتلك الفرية التي ظهرت تنادي بأن الاشتراكية أساسها إسلامي, وأنها تسير جنبًا إلى جنب مع التعاليم الإسلامية, بل وإن
стр. 320
واضع أساسها في الإسلام -ليس هو كارل ماركس اليهودي الحاقد- بل إنه أبو ذر الغفاري, وأم المؤمنين خديجة بنت خوليد التي سميت عندهم "أم الاشتراكية"١.
بل وفي خطاب ألقاه جمال عبد الناصر زعم فيه بكل وقاحة أنَّ النبي محمد ﷺ هو إمام الاشتراكيين١. سبحان الله, ما أعظم حلمه؟ فأين الرسول ﷺ وأين أم المؤمنين خديجة, وأين أبو ذر الغفاري, وأين الاشتراكية؟ إنها كذبة تكاد تهد الجبال, وخدعة مكشوفة قبيحة أراد أصحابها تحبيب الوجه الكالح للاشتراكية إلى قلوب المسلمين؛ لأنهم أرادوا وقد وقعوا فيها واصطلوا بنارها أن يجروا غيرهم إليها.
وما أشبه حالهم بحال الثعلب الذي قطع ذيله, فجاء إلى بقية الثعالب يحبب إليهم أن يقطعوا ذيولهم لينعموا بالخفة والرشاقة!!