← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الفصل الثاني: الاقتصاد في الإسلام والمذاهب الوضعية، وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: قضية الملكية الفردية والجماعية, وفيه مطلبان: المطلب الأول: الملكية في الإسلام, وفيه أمران: ١- حب التملُّك الفردي فطرة في الإنسان. ٢- الملكية الفردية والجماعية في الإسلام. المطلب الثاني: الملكية في المذاهب الوضعية وفيه أمران: ١- الملكية في الرأسمالية. ٢- الملكية في الشيوعية الماركسية. المبحث الثاني: رد مزاعم الملاحدة الشيوعيين, وفيه مطلبان: المطلب الأول: رد مزاعمهم في الملكية الفردية. المطلب الثاني: رد مزاعمهم في نشأة الصراع الطبقي. المبحث الثالث: إيضاح بعض الجوانب الاقتصادية, وتشمل دراسة هذه الجوانب المطالب الآتية: المطلب الأول: التعريف بعلم الاقتصاد. المطلب الثاني: مدى أهمية العامل الاقتصادي في حياة الإنسان. المطلب الثالث: أهمية دراسة الأحوال الاقتصادية. المطلب الرابع: الغزو الفكري عن طريق الاقتصاد. المطلب الخامس: المال في الإسلام. المطالب السادس: وجود الموارد وندرتها.

стр. 352

المطلب السابع: مدى صحة تعليل أصحاب النظام الوضعي للمشكلة الاقتصادية. المطلب الثامن: تنظيم الإسلام للشئون المالية, وطريقة معالجته لمشكلة الفقر, وفيه المسائل الآتية: المسألة الأول: التكافل الاجتماعي العام في الإسلام. المسألة الثانية: الاتفاقيات في العمل. المسألة الثالثة: الكسب المشروع وغير المشروع, وفيها: المسألة الرابعة: إيجاب الإسلام إخراج حزء من المال. أولًا: مشروعية الزكاة. ثانيًا: آثار الزكاة على النفس والمجتمع. المسألة الخامسة: الضرب في الأرض وطلب الكسب. المسألة السادسة: الصدقات. المسألة السابعة: الوقف. المسألة الثامنة: الميراث. المسألة التاسعة: الوصية. المسألة العاشرة: الحث على الإيثار. المسألة الحادية عشر: الهدايا والهبات. المسألة الثانية عشر: التكافل الأسري. موارد أخرى متنوعة: ١- زكاة الفطر.

стр. 353

٢- توزيع لحوم الأضاحي. ٣- توزيع ما يستغني عنه الموسرون. ٤- الإطعام الواجب على مَنْ عجز عن الصوم. ٥- توزيع لحوم الهدي من قِبَلِ الحجاج والمعتمرين. ٦- التصدق في يوم حصاد الثمار. ٧- سائر الكفَّارات: ١- كفارة الأيمان. ٢- كفارة الإفطار في نهار رمضان بالجماع عمدًا. ٣- كفارة الظهار. ٤- كفارة القتل الخطأ. ٥- كفارة صيد المحرم. ٦- كفارة الوفاء بالنذر. ٧- وجوب إكرام الضيف. المسألة الثالثة عشر: التكافل عن طريق العارية. المسألة الرابعة عشرة: رعاية العاجزين والضعفاء: ١- رعاية الأطفال. ٢- رعاية أصحاب العاهات. ٣- رعاية المنحرفين والشواذ. ٤- رعاية المطلقات والأرامل.

стр. 354

٥- رعاية كبار السن. ٦- رعاية المنكوبين والمكروبين. المسألة الخامسة عشر: تحريم التعامل بالمال في بعض الأمور: تمهيد: ١- تحريم الربا. ٢- تحريم الاحتكار. ٣- تحريم الغش. ٤- تحريم المكاسب الخبيثة كالقمار ونحوه. ٥- إنفاق المال في بعض الطرق غير المشروعة وهي كثيرة. المبحث الرابع: التكافل في النظم البشرية: ١- في الرأسمالية. ٢- في الشيوعية.

стр. 355

- تمهيد عام عن الشيوعية: لقد أصبح اسم الشيوعية اسمًا بغيضًا إلى القلوب يوحي بالشؤم, ويقترن بمحاربة الله والأديان والأخلاق والرحمة والطمأنينية والعدل, ويرمز إلى الشرور والإباحية والفوضوية والصراع الطبقي, والقضاء على الأسر ومصادرة الأموال العامة والحريات كلها -غير الجنسية. وقد أخذت هذه التسمية من مبدأ شيوعية المال بين الجميع وعدم الملكية الفردية وحصرها في يد الدولة, التي يعيش أعضاؤها في بذخ لا حدود له, وقد ذكر في الموسوعة العربية الميسرة١: "إن الشيوعية مصطلح يصعب تحديد معناه"، وبعد أن ذكرت تلك الموسوعة أن الشيوعية نظام اجتماعي تكون فيه الملكية في يد المجتمع, قالت: "والشيوعية بهذا المعنى قديمة قدم المجتمع نفسه"٢. وهذا كذب محض, فإن هذا التعبير من الدسائس التي أحتوت عليها هذه الموسوعة متأثّرة بما لفَّقه زعماء الشيوعية من أن المجتمعات في القديم كانت بدائية, وكانت الملكية فيها مشاعة بين الجميع في شكل اكتفاء ذاتي يتقاسم أفراده السلع والخدمات نظرًا لظروفهم الخاصة القاسية التي تحتّم عليهم ذلك, كما هو الحال على الخصوص في المجتمعات التي تعيش في قنص الحيوان -بزعمهم٣.

стр. 356

لقد قامت الشيوعية الماركسية كالمارد الجبار تريد أن تقيم مجدًا زائفًا على أنقاض الديانات الإلهية كلها, وإحلال الديانات الوضعية البشرية مكانها, شعارهم "لا إله والحياة مادة", هدفهم هدم الأديان وإعلاء اليهودية، ومع أن شعارهم "لا إله" فهو شعار كذّاب, فقد أحلَّ طغاة الشيوعية أنفسهم محل الإله العظيم, وأحلوا تعاليمهم الإلحادية محل الدين, وقوانيهم محل الشريعة, فقد احتوت الشيوعية على جميع نواحي الحياة من ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية, بل وكل ناحية في حياة البشر بدلًا عن الإله وعن الأديان وكافَّة النظم البشرية. وإذا كانت السمة الظاهرة للنَّاس أن الشيوعية لا شأن لها بأية ناحية غير الناحية الاقتصادية, وأنَّ مهمتها خدمة الشعوب لكي تعيش في جنة عالية, قطوفها دانية, إذا طبَّقوا التعاليم الماركسية الجهنمية التي زعم أقطابها أن البشر سيعيشونها في يوم ما وسيحكمون أنفسهم بأنفسهم، لا عداوة، ولا فقر، ولا جهل ... إلخ, فإن هذه السمة الظاهرة هي ترهات الشيوعية وخدعها التي نجحت على كثير من البشر, فأصبحوا ضحايا خاسرة للشيوعية ومبادئها الجوفاء. ولقد تظاهرت الشيوعية بذلك لتعمل في الخفاء وبعيدًا عن الأنظار, لما قامت من أجله من تحقيق أحلام اليهود, وليس تحقيق أحلام الفقراء, فزعموا للناس أنهم ركبوا كل صعب وذلول للاهتمام بالنواحي الاقتصادية أولًا وأخيرًا, وأن كل ما يصدر عن هذا الفكر من سلوك وتقنين إنما هو تابع لتحقيق هذا الجانب لا غيره, وسيتبين إن شاء الله الردَّ عليهم

стр. 357

أن هذا الزعم أصبح سرابًا كاذبًا, وهباء في مهب الريح, ويعبرون عن هذه الظاهرة بالمادة التي صارت هي المعبود والنظام والتاريخ, وأقطاب الشيوعية كما هو معروف كانوا نصارى في الأساس وأغلبهم يهود, وقد وصفوا نظريتهم بالإلحادية "المادية", وجعلوها محور كل شيء في الوجود, والتاريخ أقاموه على "التفسير المادي للتاريخ", فكل مظاهرهم إنما هي تابعة لتصورهم المادي, كما أن مظاهر الفرويدية كلها متوجّهة نحو الجنس, وكلتا النظريتين موجَّهتين بدقة من قِبَلِ الماسونية اليهودية للقضاء على كل ما عند الجوييم -كما يسميهم اليهود- ليصحبوا حميرًا لشعب الله المختار -كما تمنِّيهم بذلك تعاليم التوارة المحرفة والتملود الجهنمي المملوء حقدًا على جميع البشر ما عدا اليهود. وكان "ماركس" قد تضلَّع من دراسة الحضارة الإغريقية الرومانية في الوقت الذي كانت فيه تعاليم المسيحية المحرَّفة تتهاوى إلى الحضيض وتداس تحت أقدام أولئك الذين خرجوا عن طغيانها الذي لا حد له, وعن صلاحيات البابوات ورجال الدين التي لا نهاية لها, وفي الوقت الذي نشط في دهاة الماسونية, ومنهم كارل ماركس لتحطيم كل حضارات العالم, وإقامة هيكل سليمان الذي هو نصب أعين اليهود كلهم. ظهرت الماركسية لتجعل الإنسان هو مصدر كل سلوك ومعرفة هو الإله المشرِّع وهو الخالق المبدع وهو كل شي, وليس وراء أي شيء, فلا وجود للإله الذي مارس طغاة الكنيسة كل جبروتهم باسمه, ولا أديان تضطهد اليهودية واليهود, ولا حياة أخرى هي مصدر الخلاص, إذا كان الشخص يملك صك

стр. 358

غفران عن البابا، بل الإنسان هو الإله, والدنيا هي غاية الإنسان عليها ليسعد أو يشقى, ولا عبرة بما قالته الأديان الإلهية من وجود قوة أخرى غير الإنسان, أو حياة أخرى غير هذه الحياة، بل إن ما وراء الطبيعة من المغيبات إن هو إلّا سراب يجب أن يختفي أمام الحضارة اللادينية العاتية, عالم المحسوسات التي لا تؤمن الشيوعية الملحدة إلّا به وحده, معللة لوجود هذا الكون ونشأته, ونشأة التدين عند الإنسان بخرافات كاذبة خالية لا يسندها عقل ولا منطق، الكون تجمَّع من ذرات, والإنسان أصله قرد ... إلخ. ومن العجيب أنهم يسمّون هذه التخيلات المفتراة على البشرية التي تنافي ما أكرمهم به الله من حفظ ورعاية ومعرفة بأمور دينهم ودنياهم العجيبة، أنهم يسمّونها حقائق ويدافعون عنها كأنهم عايشوها من أول يوم عرفت فيه البشرية, ومن كذبهم في هذا فإن نبزه بالرجعية والتخلف أمر جاهز في قواميسهم التي لا تتورَّع عن هدر أعراض الناس ودماءهم ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ ١. وهو رجم بالغيب وظلم للبشرية وتصديق لأقوال الكذابين أمثال: "ماركس"، و"دارون"، و"فرويد" وغيرهم من أشرار البشر الحاقدين. وقد ساعد على تعميق الإلحاد الشيوعي تلك النظريات الكثيرة والشُّبَه التي سمَّوْها حقائق لمعرفة هذا الكون وقيامه على القوانين التي عرفت أخيرًا مثل قانون الجاذبية الذي أرسى كل شيء في الوجود في مكانه, وقانون تجمع أجزاء المادة التي انفجر عنها هذا الكون, وغير ذلك مما زعموه مؤيدًا

стр. 359

لنظريتهم الملحدة, فحجبت تلك المفاهيم -الخاطئة للشيوعية والنصرانية- العقل عن التعلق بموجد لهذا الكون، وأنَّ مجرد التفكير فيه يعد رجعية, ولهذا -كما سمعنا- أن الروس قتلوا العائدين من سطح القمر في أول رحلة فضائية؛ لأنهم أيقنوا أن لهذا الكون موجدًا, وما إن أطلَّ القرن التاسع عشر الميلادي إلّا وقد ظهر قرن الشيطان وساد القول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل, فهي الحاكم المطلق والإله الذي لا ينازع, وقد تولى كبرها "أوجست كونت"، ,"فرباخ"، و"ماركس"، و"انجلا" بدافع قوي من الحقد الشديد على رجال الدين الكنسيّ الذي يمثّل حسب تعليلهم قوة ما وراء الطبيعة من الأمور المغيبة والروحية التي اعتبروها وهمًا وخداعًا لا حقيقة له, لعدم اندراجها تحت قوة الإحساس والإدراك المباشر, وأن الالتجاء إلى ذلك الغيب إنما نتج عن الوراثة والبيئة والحياة الاجتماعية في تلك الأزمان المختلفة بزعم دعاة الإلحاد. ولقد ظلت الشيوعية قرابة سبعين عامًا في صولة وجولة قوية مزبدة, يحسب لها حسابها, إلى أن أذن الله بزوال قواتها بقدرته وحده؛ أذ ما كان أحد يفكر في النيل منها، فإذا بها يأتيها حتفها بظلفها على يد آخر زعيم لما كان يسمَّى بالاتحاد السوفيتي, وهو "ميخائيل جورباتششوف", وأفل نجمها وجبروتها, وثارت الشعوب واقتصوا من كل الظالمين. والآن, وبعد أن تبيِّنَ المصير النهائي للماركسية الشيوعية أقول: إنه من الغريب جدًّا أن تموت الشيوعية في عقر دارها -الاتحاد السوفيتي سابقًا, وأن تكتشف الشعوب أن هذا المذهب فاشل باطل لا يجر إلى خير،

стр. 360

بل إلى الخراب والدمار وإثارة البغضاء وانتشار البطالة والفواحش، وأن الجنة الأرضية التي وعد بها "كارل ماركس" إن هي إلّا سراب خادع وآمال كاذبة, وأن تعاليمه إن هي إلّا جحيم لا يطاق وتعاسة وشقاء. وأن الشعوب كانوا يساقون إلى الموت وهم ينظرون, طائعين أو مكرهين, وأن في التخلص من هذا المذهب راحة لا تعدلها راحة, وفوزًا لا يعدله فوز, فهبَّت تلك الشعوب المظلومة لتنفض عنها غبار تلك السنين العجاب, ثم داسوا مبادئ "ماركس" ونظرياته تحت نعالهم, وتنفسوا الصعداء, وبعضهم قام بشنق تماثيل بعض طغاة الشيوعية القدماء, وبعض الحكام الحاليين, وقالوا: لا رجعة للشيوعية هنا. أقول: من الغريب أن يحصل هذا وأكثر منه في تلك البلدان التي ذاقت مرارة التعاليم الشيوعية وفرحت بانقشاعها عنها, ثم تقوم بعض الأحزاب في البلدان العربية الإسلامية بالمناداة باعتمادها كحزب شيوعي شرعي, وأين الشرع من تعاليم "ماركس", ثم تقوم بعض الحكومات باعتماد تلك الأحزاب والترخيص لهم بدخول المجالس النيابية والبرلمانية, وما إلى ذلك, كما سمعته من دولة إسلامية عربية في إذاعتهم المسموعة، إن الأمر يدعو إلى العجب -قبَّح الله تلك الأحزاب وقبَّح الله من يسمح لهم: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.

стр. 361

ولقد قيل في المثل: "العاقل من اتَّعظ بغيره، فلماذا لا يتَّعظ هولاء بمن قد ذاق الحياة الشيوعية البائسة وضاق بها ذرعًا, أليس لهؤلاء قلوب يعقلون بها؟ وأعين ينظرون بها؟ وآذن يسمعون بها؟ فيكفون عن التعلق بالشيوعية الحمراء, وبتقديس زعمائها الذين لا يساوون قيمة نعالهم. إن الأمر واضح وجليّ لولا أن مؤامرة جديدة أيضًا تهدد العالم في ثوب جديد وبأسلوب جديد, قد يشعر الناس به وقد لا يشعرون، وما أكثر النكبات التي يدبرها شياطين الإنس والجن للمغلوبين على أمرهم, تحت مختلف الشعارات البراقة والخادعة من دعاة الماسونية واليهودية العالمية الحاقدة على الجوييم وما يمتلكونه من حضارات وقيم, ومرور الأيام والليالي كفيلة بإيضاح كل ما يبيتون, والله لهم بالمرصاد.

стр. 362

المبحث الأول: قيام الشيوعية الأولى بقيادة رجل يسمَّى "مزدك " قام "مزدك" في أيام ملك فارس المسمَّى "قباذ بن فيروز بن يزدجرد" كما يذكر المؤرخون بالدعوة إلى شيوعية فوضوية عارمة تأكل الأخضر واليابس, وعانى الناس منها الأمرَّيْن، وفي وصف شيوعية "مزدك" وفوضويته يقول ابن الأثير: "واستحلَّ المحارم والمنكرات, وسوَّى بين الناس في الأموال والأملاك والنساء والعبيد والإماء, حتى لا يكون لأحد على أحد فضل في شيء الباتَّة, فكثر أتباعه من السفلة والأغتام١، فصاروا عشرات ألوف, فكان مزدك يأخذ امرأة هذا فيسلمها إلى الآخر, وكذا في الأموال والعبيد والإماء, وغيرها من الضياع والعقار، فاستولى وعظم شأنه, وتبعه الملك "قباذ", فقال يومًا لقباذ: اليوم نوبتي من امرأتك أم أنوشروان, فأجابه إلى ذلك, فقام أنوشروان إليه ونزع خُفَّيه بيده وقبَّل رجليه, وشفع إليه حتى لا يتعرَّض لأمه, وله حكمه في سائر ملكه فتركها"٢. ومن حكمة الله تعالى أن صار الملك بعد ذلك إلى أنوشروان فانتقم من المزدكية أشد انتقام. فإن أنوشروان حينما تولَّى الملك أذن للناس في الدخول عليه, وكان من الداخلين "المنذر بن ماء السماء"، و"مزدك"، فقال "أنوشروان": إني كنت تمنيت أمنيتين أرجو أن يكون الله

стр. 363

قد جمعهما إليّ, فقال "مزدك": وما هما أيها الملك، قال: تمنيت أن أملك وأستعمل هذا الرجل الشريف, يعني "المنذر"، وأن أقتل هذه الزنادقة, فقال "مزدك": أوتستطيع أن تقتل الناس كلهم؟ فقال: وإنك ها هنا يا ابن الزانية, والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا. وأمر به فقُتِلَ وصُلِبَ, وقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان إلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم"١. وانتهت هذه الشيوعية وقُضِيَ عليها إلى أن تولَّاها فيما بعد "كارل ماركس".

стр. 364

المبحث الثاني: من أكاذيب الشيوعيين من أكاذيب الشيوعين أن هذه الشيوعية كانت هي بداية حياة البشر حينما كان كل شيء مشاعًا للجميع, وهم شركاء فيه من جنس ومال ... إلخ. وكان دليلهم على هذا التخرُّص ما زعموه من اكتشافهم بعض القبائل حيث وجدوهم يعيشون عيشة جماعية، الأرض ملك للجميع, والطعام ملك للجميع, وحتى النساء والرجال ملك بعضهم لبعض -فوضى جنسية عارمة, وزعموا أن تلك القبائل تعيش في إفريقيا وآسيا واستراليا منعزلة تمامًا عن الناس, لا يعرفون الناس ولا يعرفهم الناس, وأنهم يعيشون كلهم على قدم المساواة, لا فوارق بينهم١ -هكذا زعموا, وأن هذه الحال هي التي تسعى إليها الشيوعية الأخيرة؛ لتحصل العدالة التامَّة بين البشر -كما يزعمون, وليعيش الناس كما كانوا يعيشون في تلك الشيوعية حالة ملائكية في منتهى السعادة, رغم أنهم لا يعرفون الناس والناس لا يعرفونهم كما ذكروا, وعلى الكل أن يتركوا عقولهم جانبًا ويصدقوا هذه الخزعبلات إذا أرادوا التقدُّم والازدهار الشيوعي, فهل ما يقولونه صحيح؟

стр. 365

المبحث الثالث: رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى مما يجب التسليم به أن ما زعمه الملاحدة من أن المجتمع قام على الشيوعية في بدايته ما هو إلّا افتراض ظنون لا يملكون على صحتها أيّ دليل صحيح، بل كل شيء يكذبهم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ ١. فقد تصوروا في أخيلتهم أن البشر البدائيين أقاموا فيما بينهم شراكة في كل شيء قبل أن يتطوروا ويعرفوا الملكية الفردية, رادّين بهذا كل ما جاءت بذكره الشرائع وخصوصًا الإسلام, وما شهد به التاريخ, وما تواتر نقله في كل الأجيال, وما شهد به الواقع على مر السنين من أنَّ الله تعالى هو الذي رتَّب حياة الإنسان وطريقة تعامله منذ أن أهبطه الله إلى الأرض, وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وأنَّ ما من أمة إلّا خلا فيها نذير، وأن الإنسان هو الإنسان من بدايته إلى نهايته, لم يتغيِّر لا في هيئته ولا في طبيعته ولا في حبه للملكية الفردية منذ وجوده على الأرض, وما تصوره الملاحدة من انعدام الملكية الفردية وذوبان الشخص في القبيلة إنما كان يصدق على بعض عهود الجاهلية من التعصُّب الشديد للقبيلة, لكن في غير الملكية الفردية, مع أن تصور عدم ميل كل شخص إلى الملكية الفردية افتراضي بعيد الوقوع ومحال, نعم وُجِدَ بين أفراد القبيلة الواحدة تعاون قوي وتعاضُد وشراكة في السراء

стр. 366

والضراء, وتلاحم بين كل أفراد القبيلة إلى حدِّ أن الفرد لا يتصور وجوده وكيانه وانتماءه, وما يأخذه وما يتركه, إلّا من خلال قبيلته, يفعل كل ما تفعله قبيلته, ويترك كل ما تتركه دون أن يكون له أي رأي في مخالفة عرف القبيلة, ولكن هذا الحال لا يصلح أن يكون دليلًا للملاحدة على شيوعية البشر على الطريقة التي قرَّرها ماركس وأتباعه, بل إن اعتقاد أن البشر كانوا بمنزلة البهائم في بدايتهم هو الظلم بعينه, والكذب على البشرية بعينه, وردٌّ صريح لكل ما يثبت في الأديان السماوية من تكريم الله للبشر ورفعهم عن منزلة الحيوانات البهيمة التي تصورها الملاحدة في تفسيرهم لنشأة البشر, وقيام أمورهم على الناحية الاقتصادية والقبلية فقط كما زعموا, ثم على فرض المستحيل أن بعض المكتشفين وجدوا قبائل تعيش على الفوضى في كل شيء بما فيها الجنس, ألا يصح أن يوصف هؤلاء بأنهم شواذّ لا قيمة لهم, فاسدي الفطرة, وأن وصف البشرية كلهم بتلك الوصمة الشنيعة لأجل ما وجده هؤلاء عند تلك القبائل الهمجية يعتبر تطاولًا على تاريخ البشر؟ هذا إن صح أنهم وجدوا بشرًا بتلك الحال, مع أن كذبهم وافتراءهم وارد, ذلك أن ما من إنسان يرضى بالفوضى الجنسية في أهله, بل إنها حالة لا ترضى بها حتى الحيونات البهيمية فضلًا عن الإنسان، فقد أخبر الله عن فطرة الإنسان وعن الغيرة الموجودة فيه منذ أن وجد أبناء آدم على هذه الأرض وقتل أحد بني آدم آخاه, وليت شعري لماذا يحرص الشيوعيون على إشاعة الجنس أكثر من غيره, فإن الشيوعيين يحرصون أشد الحرص على إشاعة الجنس بالطريقة المشتركة لعلَّه ترغيبًا لمن يتوق إلى ذلك من الشباب والشابات الساقطين

стр. 367

ولظنّهم أن الشيوعية ستبني وتنهض بسبب هذه الدعايات الرخيصة, ولكنهم فوجئوا باستحقار الناس لهم واستهجانهم لهذا السلوك الشائن, فعادوا وزعموا أن شيوعية النساء ليست قاصرة على المذهب الشيوعي, وإنما هي قضية شائعة بين كل الطبقات خصوصًا الأغيناء بصور مختلفة، ولكن هذا الدليل هو واهٍ كبيت العنكبوت لم يخرجهم أيضًا من استحقار الناس لهم في مناداتهم بالفوضى الجنسية العارمة؛ لأن الباطل لا يستدل له بالباطل, وذلك أن استدلالهم بالمنحرفين لا يعطيهم المبرر لدعواهم, فهو تبرير باطل بباطل, ويكفي أن يقال عن الجميع: إنها أوضاع فاسدة جاهلية يجب أن تصحح, ولا تستحق أن تكون قدوة أو دليلًا يظلمون به فطر الناس ويخدشون كرامتهم, سواء كانوا من الأغنياء أو من الفقراء, فهو عمل لا تقره حتى الحيوانات. وأما زعم الملاحدة أن الناس في الشيوعية الأولى كانوا يعيشون عيشة متساوية لا فروق بينهم, فهو افتراض ينقصه الدليل, فمن أين لهم أنهم ما كانوا يشعرون بالفوارق فيما بينهم, وأقل ما فيها فوارق في الذكاء, فوارق في إتقان العمل، فوارق في القوة الجسدية والنفسية، فوارق في الشجاعة، وفوارق في المال ... إلى آخر الفوارق التي لا يجهلها أيّ إنسان سليم العقل, وحتى الملاحدة لا يجهلونها, لولا أنهم يريدون تحبيب الشيوعية إلى الناس, وخصوصًا الناس الذين يشعرون بانتقاص المجتمع لحقوقهم, أو أنهم مغلوبون على أمرهم, ويتمنَّون أي فرصة لإثبات وجودهم الذي يحلمون به, فانتهز الملاحدة وجود هذه الفوارق الحتميّة بين الناس للمناداة بالقضاء عليها, وأنَّى لهم ان يطبقوا ذلك فعلًا وهو مخالف لما أراده الله تعالى في سننه, ذلك أن

стр. 368

الله تعالى هو الذي أراد للناس أن يكونوا بهذه الحال؛ منهم الذكي ومنهم البليد, ومنهم الغني ومنهم الفقير, إلى آخر الصفات المعلومة بالضرورة من أحوال البشر, فكيف يقضون على ما أراد الله بقاءه, والحاصل أنه لا دليل لهم على كل ما زعموه من تلك المساواة المكذوبة, وكذلك زعمهم أن الناس كانوا يعيشون حياة ملائكية في منتهى السعادة إن هو إلّا خيال فارغ تكذّبه طبيعة البشر منذ وجودهم إلى اليوم, إضافة إلى أنه لا دليل لهم إلّا محض أخيلتهم المنكوسة, وإلّا فأي زمن خلا عن الحرب والتنافس بين القبائل على أمور كثيرة, أقلها المرعى والحمى والغنائم, وما إلى ذلك من الأمور التي لا بُدَّ من وقوعها ضرورة في كل أجيال البشر. وأخيرًا أخي القارئ الكريم, يجب أن تعلم أن الحقائق كلها تدل على أن الشيوعية التي نادى بها "ماركس" ورفاقه لم تكن نتتجة عن التأثر بالشيوعية الأولى فقط, وإنما كانت بدافع منها من التخطيط الماسوني اليهودي كما تبيَّن ذلك في دراستنا للماسونية حينما أوعز دهاتها إلى "كارل ماركس" أن ينادي بهذه النظرية الفاشلة؛ لأن تاريخ اليهود يدل على أنهم يستثمرون الأحداث لصالحهم, وأنهم قد برعوا في هذا الجانب, لا أنهم هم الذين يثيرون الأحداث ابتداءً, كما يذكر بعض الباحثين مما يعطي لليهود حجمًا أكبر من حجمهم الحقيقي.

стр. 369

المبحث الرابع: زعامة الشيوعية الماركسية أول زعماء الشيوعية الإلحادية وأشهرهم هو "كارل ماركس"، الذي تنسب إليه العقيدة الماركسية المنتشرة في شتَّى أنحاء المعمورة، وُلِدَ "ماركس" في سنة ١٨١٨م، ومات سنة ١٨٨٣م، كان على صلة وثيقة بصديقه "إنجلز" الذي صاغ معه البيان الشيوعي المشهور باسم "البيان الشيوعي" سنة ١٨٤٧م، تنقَّل ماركس في عدة بلدان من أوروبا، ألَّف كتابه "رأس المال" الذي أصبح المرجع والدستور للشيوعين, اشتمل على عبارات وتسميات كثيرة تدور حول المال وأصحاب المال, ووجوب التغيير للمجتمعات رأسًا على عقب, مثل: البرجوازية، والرأسمالية، البروليتاريا, دكتاتورية البرولتياريا، المادية الجدلية، التفسير المادي للتاريخ، صراع الطبقات، فائض القيمة، محاربة الملكية الفردية، والإقطاع, وأعاد وأبدى حولها. - ويقصد بالبرجوازية: طبقة الأغنياء. - ويقصد بالرأسمالية: النظام الذي يقوم على جمع المال بأية طريقة كانت في الدول الغربية. - ويقصد بالبروليتاريا: طبقة العمال الفقراء, أو نظام التملُّك العام ومنع الطبقات. - ويقصد بدكتاتورية البروليتاريا: أي حكم العمَّال أو الفقراء حينما يتحقق حلمهم بإزاحة طبقة الأغنياء.

стр. 370

- ويقصد بالمادية: أي أن كل موجود إنما كان سبب وجوده المادة التي نتج عنها بطبيعته, وهي سابقة للروح وسائر إحساسات الإنسان بزعمه. - أما المادية الجدلية: فيقصد بها تغليب المادة على كل شيء, ومنها الأفكار, فإن الأفكار كلها ناتجة عن المادة، لا أنَّ المادة ناتجة عن الأفكار, ولهذا فإنَّ التناقض لا يكون بين الأفكار, وإنما يكون بين نظامين قائمين يتولَّد عنهما ثالث كما سيأتي بيانه. - أما المادية التاريخية: فالمقصود بها تفسير التاريخ البشري تفسيرًا ماديًّا قائمًا على المادة وتأثيرها في مجريات تاريخ البشر وتطورهم, وما يقع بينهم من أحداث, لا أن هناك إلهًا أو تفكيرًا يؤثر على تاريخ البشر دون المادة بزعمه. - أما فائض القيمة: فقد تقدَّم بيانه في دراسة الاشتراكية. - وأما إلغاء الملكية الفردية: فالمقصود بها: إنه لا يحق لأي فرد أن يملك شيئًا من الموارد بمفرده، بل لا بُدَّ أن تكون الملكية عامَّة على جميع أفراد الشعب, وبيد الدولة. - وأما صراع الطبقات: فالمقصود به: التحريش بين الأغنياء والفقراء والاستئثار بالمال لوصول طبقة البرولتياريا إلى الحكم والسلطة. - وأما الإقطاع: فهو النظام الذي كان معترفًا به أيام تسلُّط الأباطرة

стр. 371

ورجال الدين النصراني على الفقراء, واقتطاعهم الأراضي الواسعة وحرمان الفقراء منها، بل جعلهم عبيدًا لأصحاب الإقطاعيات يباعون مع بقية كائنات الإقطاعية. ومما يذكره الباحثون عن ماركس أنه كان حادّ الطباع قلقًا ثائر النفس ضعيف البنية متعصّب لشخصيته, لا يسمح لأحد بانتقاده, ولا قيمة لأي صديق إذا لم يوافقه في كل شيء يعتقده, يستعذب الهجوم على كل مخالفيه, ويسبهم بأقبح السباب في حقد يهودي شديد يملأ نفسه, وحينما حمل على جميع الأديان لإبطالها فإنما كان يريد كلَّ الأديان ما عدا اليهودية التي يحترمها في قرارة نفسه، ولعلَّ بغضه لجميع الأديان إنما كان بسبب العداء الشديد في زمنه لليهود من جميع الديانات, واحتقار الناس لليهود بسبب سلوكهم البغيض تجاه بقية الناس، ومما لازلت أذكره أنه في إبَّان قوة المد الشيوعي وظهور الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان كانت بعض الإذعات العربية تكيل المديح لـ "كارل ماركس", وتصفه للسامعين بأنه كان برًّا رحيمًا محبًّا للفقراء, يعيش معهم ويحنّ على أوضاعهم كالأب الرحيم بأبنائه، وكانوا يحثّون السامعين على شراء كتبه ودراستها, وأوصاف أخرى كثيرة ربما كان أكثرها من خيالات أولئك الحثالات الذين كانوا يظنّون أنهم بلغوا لقمة في الرقي والتقدمية, حينما اعتنقوا مبادئ "ماركس" اليهودية, قبَّحه الله وقبَّحهم حينما كانوا يتطالون على الإسلام ونبي الإسلام بالازدراء والاستهزاء والمقارنات الكاذبة بين حال النظام الإسلامي المتخلِّف -بزعمهم, وبين حال النظام الماركسي التقدميّ العادل.

стр. 372

ولئن كان ماركس قد تظاهر بأنَّه يدعو لخلاص الفقراء ورفع الظلم عنهم ومساواتهم بالأغنياء, ومحاربة الرأسمالية الجشعة, فإنه كان للفقراء كالمستجير من الرمضاء بالنار. فلقد كان مذهبه المشئوم نكبة على الفقراء والأغنياء والعمال وكل الطبقات, لقد جاء بظلم جديد بدلًا عن الظلم القديم, وبطالة جديدة بدلًا عن البطالة القديمة, وإذا كان هو نفسه كما يذكر من سيرته كان تعيسًا طفيليًّا كما سمَّته أمّه يعيش على مال غيره, فكيف يمكن أن يسعد الآخرين, فإن فاقد الشيء لا يعطيه, وسيتبين للقارئ مدى فداحة الظلم الذي وقع على البلدان التي ابتليت بالشيوعية من خلال هذه الدراسة -إن شاء الله. وبعد هلاك "كارك ماركس" تتابع على القيام بأمر الشيوعية جمعيّات وأفراد ورؤساء يغذيهم الحقد اليهودي في مؤامرات وثورات وفتن يتلوا بعضها بعضًا على أيدي أشرار خلق الله من الثوريين الشيوعيين "كارل ماركس"، و"فردوخ إنجلز" وغيرهما ممن جاء بعدهما "ستالين"، و"لينين"، إلى "بريجنيف", وقد برز منهم "لينين"، و"ستالين"، و"ترتسكي"، وقد تزعَّم "لينين" سنة ١٩٠٣م الثورة الشيوعية العارمة على النظام الرأسمالي, إلى أن مات سنة ١٩٢٤م، نشب صراع بين "ستالين" و"تروتسكي", واستطاع "ستالين" ذلك الجبار العنيد أن يخرج منتصرًا بمؤامراة تَمَّت باغتيال "تروتسكي" سنة ١٩٤٠م، وتَمَّ الأمر "لـ "ستالين" الذي أقام الشيوعية قويةً عنيفةً في روسيا, والبلدان التي دارت في فكلها, وتعززت كذلك بانضمام

стр. 373

الصين إلى الشيوعية الماركسية سنة ١٩٥٠م, وقامت الأحزاب, وتعدَّدت إلّا أنّ أهم الأحزاب القائمة كان في البداية تتمثَّل في حزبين هما: حزب البلاشفة، وحزب المنشفيك. والبلشفية، والمنشفية: تعني الأكثرية والأقلية, وهما الحزبان الأساسيان في تكوين الاشتراكية الشيوعية في روسيا لقلب نظام الحكم واستلام السلطة, وكان حزب البلاشفة بزعامة لينين هم الأكثرية, ولهذا قيل له بلاشفة, أي: الأعضاء الغالبية، بينما حزب المنشفيك, أي: الأعضاء الأقلية, كانوا أقل من حزب البلاشفة, وقد تزعَّمهم "بليخانوف", وكانوا كلهم على مبادئ "ماركس", ولكنهم كانوا يختلفون في الطريقة التي سيتم بها تغيير روسيا إلى إظهار الشيوعية, وتطاحنوا فيما بينهم على الفريسة, وقد تَمَّ أخيرًا على يد "لينين" الاستحواذ على السلطة, وانفصلوا عن المنشفيك نهائيًّا, وكوَّنوا الحزب الشيوعي الروسي الذي قضى على عناصر المنشفيك فيما بعد. وكان الانفصال بين الحزبين قد ظهر في الحرب العالمية الأولى؛ حيث كان البلاشفة ينادون بإحلال السلام, وخالفهم المنشفيك, وعارضوا التعاون مع الأحزاب البرجوازية, وتوالت الأحداث إلى أن جاء "لينين", فاصبح البلاشفة هم الأغلبية التي قضت بعد ذلك على المنشفيك في صراع مرير ومؤمرات ومكائدة حاقدة كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

стр. 374

المبحث الخامس: الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية مدخل ... المبحث الخامس: الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية قامت الشيوعية الماركسية من أول أمرها لمناهضة الأديان والأخلاق والثقافات والمعاملات وسائر ما يتصل بالجوييم, وإقامة دولة شيوعية عالمية تحت زعامة أقطاب الشيوعية, ومن ورائهم الأطماع اليهودية في إقامة الدولة اليهودية الكبرى التي يرتقبها اليهود بفارغ الصبر, ممثّلة في إعادة بنا هيكل سليمان وتتويج ملكهم الذي يحلمون بأنه سيحكم جميع البشر من اليهود ومن سائر الجوييم. وما الشيوعية إلّا حلقة من جملة الحلقات التي يحيكها اليهود للوصول إلى ما خطَّطه حكماؤهم من تدمير العالم دينيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا ... إلخ، ولقد أسهمت الشيوعية في كل تلك المؤامرات, وكان لها حظ الأسد في تحطيم الجوييم في تصفيات جسدية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا, وفي إشاعة الفواحش وسائر المفاسد والشرور؛ حيث فاقوا فيها الشيطان وأراحوه مهمّة تحقيق كل تلك الرزايا التي حلَّت بسائر الأمم في دينهم وفي دنياهم على أيدي الملاحدة, ومظاهر الشيوعية الماركسية كثيرة من أبرزها:

стр. 375

١- المادية: المادية نسبة إلى المادة، قيل في تعريفها: إنها هي الموجود الذي يدرك بإحدى الحواسِّ مما يخضع لتجربة الإنسان وملاحظته، وقد ادَّعت المادية أنَّها صنو الواقعية نسبة إلى الواقع الذي لا ينكر ولا يُكَذَّب١. لقد أصبحت عبادة المادة هي الأساس المشترك لجميع الملاحدة على اختلاف مذاهبهم, ابتداءً من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين إبَّان قيام التيارات الفكرية الجامحة في أوربا ضد الكنيسة وضد القائمين عليها, واستبدالها بالمادة المهيمينة على كل شيء؛ إذ يزعمون أن الكون وما فيه إنما وجد من أصل المادة, وبنوا عليها إلحادهم في إنكار وجود الله تعالى, فخرجوا بذلك عن مفهوم هذا التعريف للمادَّة وتجاوزوه, فإن الأمور الغيبية وأمور الدين لا تخضع لتجربة الإنسان ولا تدركها حواسَّه, كما بنوا عليها تفسيرهم التاريخي لحياة الإنسان وتطوراته. وكان الماديون الشيوعيون قد أقاموا هذه الفكرة في مضادة أي شيء يتعلّق بعالم الروح والغيب؛ حيث لا يؤمنون بوجود الروح؛ لأنها تباين المادة التي إذا وجدت في شيء أعطته الحياة ضرورة, فالمادة هي كل شيء, وجعلوها البديل عن الله بزعم أن معاملهم أعطتهم الدليل المادي على ذلك, ولقد كذبوا وتناقضوا وظهر جهلهم وتخبُّطهم في نظرياتهم المتضاربة المتناقضة، فالطبيعة عندهم هي قبل كل شيء, ولا نهاية لها, ومنها انبثق كل مخلوق على وجه الأرض, وأنها موجودة بذاتها قبل كل ذات, وهي الخالق لكل شيء بقوانينها "وأن العالم في حركة تغيّر مستمرة، وأن هذا التغير يأتي عن طريق تناقض الأضداد, وكل فكرة تؤدي إلى نقيضها, والفكرة ونقيضها تؤديان إلى نتيجة جديدة"٢، كلها ناتجة عن ترابط الأشياء بعضها ببعض, ولا يمكن أن يكون أي حادث منفصلًا بنفسه عن الحودث الأخرى المحيطة

стр. 376

به في حركة دائبة يسمونها "الحركة في الطبيعة", أي: إن كل موجود إنما هو نتيجة لحركة المادة وتطورها بدءًا وانتهاءً, تنشأ ثم تضحمل أبد الدهر في تطوير سيمونه أيضًا "التطور في الطبيعة", ويتم هذا في حركات سريعة ضرورية’ وأحيانا تحصل فجأة, تنتقل معها الأشياء من البسيط إلى المركب, ومن الأدنى إلى الأعلى, في تطور متلاحق طول الوقت, مما ينتج عنه ما يسمونه "التناقض في الطبيعة", وهذا التناقض هو الذي ينتج عن تطور الحوادث وتفاعلها فيما بينها؛ لينتج من التناقض بين القديم والجديد, وبين ما يموت وما يولد, وبين ما يفنى وما يتطوّر, مصادر تطورية جديدة مختلفة, بمعنى أنه يحدث الشيء حتمًا ثم يحدث ما يضاده لتأتي النتيجة الحتمية الصحيحة, ومن هنا تؤيد الشيوعية التصادم والتضاد بين الأمور لتصل إلى النتيجة من راء كل تضارب وتصادم١. وكل ذلك إنما هو هوس فكري وتخبط مقيت: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٢, وكلها افتراضات يريدون من وراءها أن تحلّ المادة محلّ الإله سبحانه, وتصريفه الأمور حسب مشيئته وقدرته, تلك التعليلات العقيمة لوجود الأمور بعد أن لم تكن إنما هو لصرف الذهن عن قدرة الخالق على الإنشاء والإيجاد, وإلا فأي منطق يقتنع بأن الأمور تتطور لمصلحة الإنسان أو لمضرته من تلقاء نفسها؛ لتنتج أمورًا لا بُدّ منها بزعمهم؛ لتستقيم الحياة ويبقى الكون.

стр. 377

لقد حاول المادّيون وهم ينكرون موجِد هذا الكون أن يلفِّقوا شبهات كثيرة ليدللوا بها على إلحادهم, ولكن ما من شبهة من شبههم إلّا وهي تصفع وجوههم وتكسر قلوبهم, وتقول لهم: معاذ الله أن أكون دليلًا على عدم وجود الذي أوجدني, فما إن يجدوا أدنى شبهة يكتشفونها إلّا وطاروا فرحًا وزعموا أن كل ما اكتشوفوه يدل على عدم وجود موجد حقيقي غير المادة وطبيعة المادة الحتمية بزعمهم. وكم حمَّلوا هذه المادة التي تعادل في تصرفاتها عند الملاحدة تصرفات خالق الكون عند المؤمنين, وكم ظهرت لهم من حقائق حيرتهم في دفَّة موجدها, ولكن قلوبهم التي أشربت حب الكفر والتمرُّد على طريقة أستاذهم إبليس أبت أن ترجع إلى الحق, فمثلًا قانون الجاذبية الذي أوجده الله وثبت به هذا الكون العلوي والسفلي هو أكبر من السماء وما فيها من مخلف الأجرام, وهو أكبر من الأرض وما عليها حين اكتشفوه قالوا: عرفنا الآن أنه لا خالق, لا ممسك لهذا الكون إلّا الجاذبية, وحين فاجأهم المؤمنون بالله بهذا السؤال, ومن خلق هذه الجاذبية؟ هل خلقتها السماء لحاجتها إليها؛ لتمسك بأجرامها أن تقع على الأرض؟ أم أنَّ الأرض خلقتها لحاجتها إليها لتستقر عليها من فوقها؟ أم أنه هي بنفسها أدركت حاجة السماء والأرض إليها فأوجدت نفسها؟ سبحانه الله عمَّا يفترون. وحينما أنكروا وجود الله تعالى, قيل لهم: هذا الكون العجيب المتناسق المحكم الذي لا يطغى بعضه على بعض ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ

стр. 378

الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١ من هو هذا القوي القهَّار الذي جعله بهذه الصفة؟ قالوا: المادة, وكأنهم هربوا من ذكر اسم الله تعالى إلى اسم يوافق هواهم, فإذا كانت هذه المادة هي التي أحكمت هذا الكون, فهي الإله الحق, فلا يبقى أمامهم إلى النطق باسم الله الكريم ويتركوا روغان الثعالب والتكلُّفات الباهتة. فكل ما قالوه من شبهات تافهة مهما اختلفت أسماؤها, فإنما تدل على انقطاعهم, وأنهم مثل الغريق الذي يمسك بكل شيء يقع في يده لينجو من الغرق. وكم خسر الملاحدة الشيوعيون حينما أنكروا خالق هذا الكون في مقابل التعصب لآراء اليهودي "ماركس", الثائر النفس الحادّ المزاج المتعصِّب لقومه اليهود, والذي سعى إلى الانتقام من العالم كله بسبب مواقفهم من اليهود الحاقدين على الله تعالى, وعلى كل البشر؛ لأنهم لم يجعلوهم سادة العالم وحكَّامه كما وعدهم الله بذلك -حسب افتراءات واضعي التوراة, فآلوا على أنفسهم أن يقفوا جنبًا إلى جنبٍ مع الشيطان لإغواء البشر وتحطيم دياناتهم وإفساد أخلاقهم؛ ليتمكنوا من استحمارهم جميعًا في النهاية, ولن يتمَّ الله بحوله وقوته لهم ذلك, والله تعالى غيور على دينه, فليموتوا بغيظهم وحقدهم, وسيزيلهم الله هم والمادة التي عبدوها من دونه .

стр. 379

٢- الجدلية "الديالكيتك ": لقد أصبحت المادة عند الشيوعيين هي كل شيء وراءها شيء, وأنها تتطور صعودًا وفق قانون "الجدلية" الديالكيتك، والتاريخ نفسه يسير حسب هذا القانون حتمًا بزعمهم. وتكون هذه المادة وفق ما تقترن به فتسمَّى المادية الجدلية في الكون إذا كانت تتعلق بتغيرات الكون وأحداثه, وإذا كانت تتعلق بسلوك الناس سموها المادية الجدلية في التاريخ. فالجدلية في المذهب الماركسي تعتبر بمثابة ركن من أركانه, وأنها هي قانون حركة الوجود كله, ويعود أساس فكرة الجدلية عند "ماركس" إلى تأثَّره بالفيلسوف "هيجل"، واسمه "جورج ولهلم فريديريك هيجل"، وهو ألماني كان يؤمن بوجود إله يصفه بأنه غير متناهٍ, أو هو الوجود المطلق, أو العقل المطلق, ومنه ظهرت الطبيعة، وقد خالفه "ماركس" في مفهوم هذه الجدلية فعكس الأمر تمامًا حتى تبجَّح "ماركس" بأنه قد أوقف آراء "هجيل" على قدميها بعد أن كانت واقفة على رأسها -بزعمه, بسبب أن "هيجل" كان يرى في جدليته أنها منطلقة من الله إلى كل الأكوان, وأن الفكرة هي الأصل والمادَّة ناتجة عنها بخلاف جدلية "ماركس" التي تقول: إن الله تعالى هو من اختراع الفكر الإنساني وخيالاته, وليس عن حقيقة، وأنَّ الأساس هي المادة, والفكرة ناتج عنها١.

стр. 380

وهذه الجدلية تلاحظ دائمًا أن هذا الكون دائم التغيُّر والتطور في فعلٍ ورد فعلٍ أشبه ما يكون بحركة المتجادلين, وقد أرجع "ماركس" هذا التجادل إلى المادة وتأثيراتها, بينما كان "هيجل" يرى أن تلك التغيّرات هي للقوة الغيبية المؤثِّر الحقيقي فيها -كما عرفت مما تقدّم. جدلية هيجل: وقد تصوَّر هيجل -حسب خياله- أنَّ تلك الحركة في التغيير والتطور في الكون تسير وفق دورات لولبية صاعدة دائمًا, وكل دورة قسَّمها إلى ثلاث مراحل هي: - المرحلة الأولى: سماها الطريحة أو أطروحة الدعوة -أي: الأمر. - المرحلة الثانية: سماها النقيضة أو النفي أو مقابل الدعوى - أي: ضد ذلك الأمر. - المرحلة الثالثة: سماها الجميعة أو نفي النفي, أو جامع الدعوى - أي: النتيجة. فمثلًا: البرعم يسميه الطريحة, ونقيضة الزهرة, ثم تأتي الجميعة التي هي الثمرة, وهي أرقى من البرعم والزهرة في تطور متصاعد دائمًا, وبعضهم يسمي هذه المراحل "الوضع ونقيضه", ومؤتلف الوضع ونفيه, وكلها افتراضات خيالية تصورها "هيجل" في تضادٍّ دائم بين الشيء ونقيضه, والنتيجة النهائية لهذا النقيض الذي يمشي صاعدًا في تطورٍ هو نهاية كل نقيضين. وغاب عنه أنه لا يمكن اجتماع النقيضين في وقت واحد على شيء واحد؛ لأنه مستحيل إلّا في خيال الفلاسفة الفارغين.

стр. 381

وما زعمه "هيجل" من أنَّ الأشياء كلها في تطور متصاعد فكرٌ غير صحيح في كل الأمور, فإذا صحَّ في بعض الحالات فإنه غير صحيح في كلها. فمثلًا الإنسان وهو حي يسمَّى حسب نظريته طريحة, ثم يأتيه الموت فيسمى نقيضه, ثم يتحوّل إلى تراب فيسمَّى جميعة, فأين التطور التصاعدي في هذا حسب نظرية هيجل؟ أو مثل الغريزة الجنسية هي الطريحة, والكبت هو النقيضة, والتسامي هو الجميعة, أي: المحصلة النهائية الحتمية الوقوع لكل من الطريحة والنقيضة, ولكن لنفرض أن الأمور لم تسر إلى نهايتها وهي الجميعة بأن حصل معوق للشخص بعد ظهور النقيضة بأن مات أو جُنَّ أو حصل له أيّ أمر خطير وانتهى, فأين التصاعد في هذا, وغيره من الأمثلة التي تكذب حتمية التطور التصاعدي في كل شيء١. وهذه الجدلية عند "ماركس" أوّل ما يظهر منها عدم إيمانه بالله تعالى, وإيمانه بدلًا عنه بالمادية الجدلية وتطورها, وأنها هي التي أنشأت الدين والسياسة والقانون والأخلاق، بل والإنسان نفسه إنما هو من نتائج تلك المادة, وفكره أيضًا كذلك, بل وجود الله تعالى إنما هو من صنع الإنسان المادي, وفكره في عقيدة "ماركس", وهو بهذا قد قلب جدلية "هيجل" التي قامت على الإيمان بالغيب الإلهي, إلى الإيمان بالمادة وحدها عند "ماركس", ويصح أن نقول: إن "ماركس" قد قلب نظرية "هيجل" على رأسها بعد أن كانت على رجليها المعوجَّتين هي الأخرى.

стр. 382

فحينما تسأل ماركسيًّا عن سر وجود هذا الكون تجده يجيبك بجواب سخفيف تافه فيقول: إن الكون قد تطوَّر بنفسه إلى أن أصبح على ما هو عليه اليوم في هذا التناسق البديع، ويجيب عن سريان الحياة في الكون بأنه بعد أن اكتمل وجود الكون تطوَّر تلقائيًّا إلى أن وجدت الحياة على ظهر الأرض, ومن ضمنها حياة الإنسان الذي وُجِدَ ضمن حركة التطور الديالكتكي دون أن يكون لها أيّ مؤثر خارج عن نطاقها غير التناقضات والتضادّ الكامن في المادة، كما أنه قد احتدم الخلاف جدًّا بينهم في قضية العقل والفكر والمادة أيهما السابق والمؤثر في الآخر, فالمثاليين منهم -أي: المؤمنون بالإله الغيبي- ومنهم "هيجل" يرون أن العقل هو الأساس والمتقدِّم على المادة وما ينتج عنها, بينما المادّيون -منكرو الخالق- "ماركس" وأتباعه, يرون أن لا شيء في الإيجاد سوى المادة, وهي المتقدّمة والمنشئة حتى للإنسان وأفكاره. - ويتلخَّص الجدل الماركسي في ثلاثة قوانين: ١- قانون التغيير من الكم إلى الكيف, وهو ما يحدث بطريق المفاجأة؛ كتحول الماء الساخن إلى بخار بزيادة النار عليه. ٢- قانون صراع الأضداد الذي يأتي من داخل الأشياء من بذرة النقيض التي توجد في داخل كل شيء وليس من الخارج. ٣- قانون نفي النفي, أي: كل مرحلة تحدث تنفي سابقتها, ثم تنفيها مرحلة تالية, وهكذا١، وهما المراحل المشار إليها سابقًا.

стр. 383

- تعقيب: لقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا، لقد انجلت الغمَّة عن الناس وظهر الحق لذي عينين, فإذا بالماركسية في العراء في أقبح صورة وأتعس حال, وإذا بأكاذيبها وخزعبلاتها تداس بالأرجل، لقد راهن الملاحدة أن نظريتهم الإلحادية ستعمّ الأرض كلها, وسيصبح البشر كلهم ملاحدة كافرين بالذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم سواهم أشخاصًا في غاية الخصومة لربهم, وقاهرهم متنكِّبين الحق, متعالين على الناس, محتقرين كل نواميس هذا الكون, ومحتقرين كل الشرائع والكتب المنزَّلة والأنبياء الكرام, في جدال بالباطل لا يملكون على كل نظرياتهم أيّ دليل حقيقي إلّا ما زخرفوه من شبهات باطلة, ونظريات زائفة لا تثبت أمام الحقائق, حتى وإن صوروها على أنها حقائق لا تقبل الجدال, وأنَّ كل ما عداها محل شك, مستندين إلى ما تَمَّ لهم من اكتشافات تجريبية كلها تصرّح بعظمة الباري -جل وعلا, ولكنهم قلبوا الحقائق وجعلوها أدّلة على إلحادهم, وكل ما هو لله جعلوه للطبيعة التي عبدوها من دون الله, وزعموا أنها تسيّر الكون في تناسق عجيب محكم, وترابط متشابك, وكان هذا يكفي دليلًا على وجوب الإيمان بوجود خالق مهيمن على كل ذرَّة في هذا الكون, يسيره على نسق واحد دون اختلاف حسب سننه في الكون, ولكن الشيطان حال بينهم وبين التفكير الصحيح, فقبلوا هذه الحقيقة وزعموا أن هذا التناسق إمَّا هو من شأن الطبيعة والمادة التي وصفوها بأنها لا بداية لها ولا نهاية لها, حتى لكأنَّ الخلاف بينهم وبين المؤمنين بالله تعالى خلافًا لفظيًّا, المؤمنون يسمون هذه الطبيعة إلهًا وهم يسمونها مادية.

стр. 384

قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١. وكان يجب أن يسمهيم الناس مجانين حينما زعموا أن الكون وُجِدَ بدون مُوجِد, وحدث بعد أن لم يكن حادثًا ودون محدث له غير, ما توهموه من تجمُّع ذرات هذا الكون وتطورها إلى أن أحدثت هذا العالم والكون وما فيه من أجرام علوية وسفلية, وكلها عن طريق الصدفة والارتقاء, ولو قلت لأحدهم: إن عمودًا كهربائيًّا وُجِدَ بداته وأصبح ينير للناس الطريق لضحكوا من قائله, ونسبوه إلى الجنون, بينما هذه الشمس وهذا القمر وهذه الكواكب وهذه الثمار في الأرض والأنهار والجبال كلها وجدت بدون خالق! إن الملاحدة يعترفون بعجزهم التام عن معرفة سر وجود الحياة لأيّ كائن مهما كان صغر حجمه أو كبره, وأنهم لا يستطيعون إرجاع الروح لصاحبها إذا بلغت الحلقوم, فأين المادة التي يتشدقون بأنها هي الموجدة لهذا الكون؟ ولماذا لا يتوسلون إليها لإرجاع الروح بعد أن يصبح الجسد مادة هامدة؟ أما ما يرددونه من أن كل الأشياء تحوي تناقضات داخلية مجتمعة في وحدة يسمونها وحدة الأضداد أو وحدة المتناقضات تتصارع فيما بينها, ثم ينتج عن ذلك الصراع تطور في صعود دائم لا ينتهي, فهو افتراض سخيف؛ إذ لا يوجد إلّا في الذهن, والذهن قد يتصور أن المستحيلات ممكنة أحيانًا, ذلك أن اجتماع النقيضين أمر غير ممكن إلّا إذا صدَّقنا بأن الحرارة والبرودة تجتمع في النار, أو الحياة والموت يجتمع في الشخص في وقت واحد, وليس من هذا ارتفاع الضدين في وقت واحد, فإنه ممكن كقول الناس: هذا لا هو أبيض

стр. 385

ولا هو أسود، أي: علي لون غير هذين اللونين أصفر أو أحمر، أمَّا أن يقال هذا أبيض وأسود, أو ساكن ومتحرك في وقت واحد فهو مستحيل. لقد غلا الشيوعيون في تقديس المادة وعَتَوْا عتوًّا كبيرًا إلى حدِّ أنه تنطبق عليهم المقالة المشهورة "إذا حدَّث الشخص بما لا يعقل فصدِّق فلا عقل له" فأي عقل سليم, وأي فطرة سليمة تصدق أن المادة الصمَّاء هي الخالقة وهي الرازقة وهي المدبرة لجميع أمور هذا الكون علويه وسفليه، وظاهره وخفيه, مع اعترافهم هم أيضًا بأن تلك المادة لا حياة لها ولا فكر ولا تدبير في البدايات الأولى لها, غير ما تخيلوه أنها بعد ذلك تطورت حتى أوصلت هذا الكون على ما هو عليه الآن, ثم يقولون: هي أزلية لا بداية لها, ولكنهم يتوقَّفون حينما يقال لهم: إنها حادثة, لا يستطيعون الجواب؛ لأنهم متناقضون؛ وإذ أفحمهم العقلاء عن سر وجود هذا الكون قالوا بأن الكون وُجِدَ من العدم, ولا يبالون بسخف واستحالة هذا القول، والقول الآخر بأن المادة هي التي تسيِّر العقل وتوجد الفكر لا أن العقل هو الذي يوجد المادة ويكيفها كما يريد مكابرةً منهم وجهلًا شنيعًا؛ حيث صار المصنوع صانعًا على حسب مفهومهم, فالطائرة هي التي كوَّنت فكرة الإنسان لصناعتها, وما الذي يمنعهم من هذا وقد زعموا أن الحياة كلها ظهرت صدفة دون مدبِّر عليم, نتيجة تفاعلات المادة الناتجة عن حركتها الذاتية المستمرة, لا أن هناك ربًّا خالقًا لها, وهي مكابرات؛ لعلهم أول من استيقين بطلانها لولا العناد والاستكبار وتنفيذ خطط ماكرة١ أملتها الأحقاد اليهودية على مر السنين.

стр. 386

٣- التطور: هذه الكلمة تتردد على ألسنة كثير من الناس؛ بعضهم يدرك المدلول والمغزى الأساسي لها, وبعضهم يعرفها بصورة مجملة ويرددها على هذا المفهوم، وهي في ظاهرها كلمة جميلة توحي بالتجديد والنشاط والحيوية المطلوبة, إلّا أنه ينبغي أن ندرك أن كثيرًا من أصحاب الأفكار الهدَّامة قد استغلوها استغلالًا فاحشًا, وبنوا عليها آراءهم التي يهدفون من ورائها إلى تغيير المفاهيم السليمة والمعتقدات المستقيمة والحياة الاقتصادية تغييرًا جذريًّا يتفق مع ما بيَّتوه لقلب الحياة الاجتماعية، وسيتضح ذلك من خلال دراستنا لهذه المادة, وحسبنا هنا أن نذكر مفهوم التطور بصورة موجزة, وهل التطور الذي يريده الشيوعيون هو تطور حقيقي أم خرافات وهمية تخيلوها لتأييد ما يهدفون إليه من إلحاد؟ والتطوّر بحد ذاته يراد به كما عرَّفه بعضهم بقوله هو: "الانتقال من مرحلة إلى مرحلة, والتغيير من حالٍ إلى حال"١. والواقع أنه إمَّا أن يكون التطور في خلق الإنسان وتركيبه، وإمَّا أن يكون في أصل نشأة الكون وما فيه. ١- فأمَّا التطور بالمفهوم الأول: فهو حق، وهو ما جاء ذكره في كتاب الله تعالى في بيانه لخلق الإنسان والمراحل التي يمر بها في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ٢، أي: أوجدكم طورًا بعد

стр. 387

طور, وهو ما فسره الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١ هذه هي أهم الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته الجسمية وهي خاصَّة ببني آدم، أمَّا آدم فإن هذه التطورات لا تشمله، فقد خلقه الله بيده من تراب الأرض, ثم نفخ فيه الروح فكان بشرًا سويًّا. ٢- أما التطور بالمفهوم الثاني: "وسيكون موضوع دراستنا" فإنه ينقسم إلى قسمين: - قسم يتعلق بأصل نشأة هذا الكون والمراحل التي مرَّ بها في تطوره إلى أن وصل إلى ما هو عليه. - والقسم الثاني يتعلق بمعرفة أصل نشأة الكائنات الحية, والمراحل التي مرّت بها في تطورها، وفي أولها الإنسان, وكيف نشأ وكيف تطور في وجوده وفي تفكيره وفي معيشته وفي عبادته حسب تفكير أصحاب نظرية التطور, وفي أولهم "أراسموس دارون"، وحفيده "جارلس روبرت دارون"، ومن جاء بعدهما على هذه الفكرة الباطلة الخرافية التي أصبح دعوى التطور فيها من أهم خصائص المذهب

стр. 388

الشيوعي؛ حيث يقصدون بالتطور أن كل أمر في هذا الوجود يتطور ويتقدّم إلى الأمام في خطوات متتابعة إلى ما لا نهاية -بزعمهم, ويستدلون على ذلك بما قرروه من أن الإنسان كان مائيًّا ثم برمائيًّا ثم بريًّا, ثم عرف الرق, ثم الإقطاع, ثم الرأسمالية, إلى أن عرف الشيوعية الماركسية, وسيتطور فيما بعد -ولا يغيب عن القارئ- وضع الشيعية اليوم؛ حيث أقرَّ الله عيون أهل الإيمان بموتها في عقر دارها, وهذا من الأدلة الدالة على كذب أحلام الملاحدة فيما تصوروه عن التطور المزعوم وأبديته, وانتشار المذهب الشيوعي تلقائيًّا، كما أن هذا المفهوم الذي قرره الملاحدة لتطور الأشياء لم يكن صحيحًا, فإن تطور الإنسان لم يقم على المادة -كما يريده الملاحدة, بل قام الإنسان نفسه وعلى حسب ما تمليه عليه حاجته إلى الأمور, أما المادة الصماء فإنها عاجزة عن تطوير نفسها, فكيف تعمل لتطوير غيرها؟ فوجود المادة لا يطور أحدًا, وليس وجودها كافيًا لتطور الإنسان, ومعلوم أن المادِّيين -وهم جاهدون وجادُّون- في محو كل القيم الإنسانية, أو أي شيء يؤدي إلى احترام إنسانية الإنسان، معلوم أنهم يعرفون تلك الحقيقة, ولكنهم يتحاشون البوح بها لئلَّا يؤدي ذلك إلى حترام القيم والمثل والتهذيب الديني للإنسان بجعل كل الفضائل للمادة خير من جعلها للإنسان في ميزان الملاحدة؛ إذ المادة لا خطر من ورائها, ولا يؤدي احترامها إلى فرض القيم الدينية التي يخافونها, التي تذكرهم استبداد الدين النصراني المحرَّف.

стр. 389

إن تطور الإنسان في حياته المادية في معيشته وفي طريقة سكنه وملبسه ومركبه أمرٌ واقع, فقد كان الناس يركبون الحمير والجمال والبغال والخيل, واليوم أصبحوا يركبون السيارات والطائرات والسفن، وغير ذلك من الوسائل التي تطوّر فيها الناس, وهذا التطور بهذا المفهوم أمر حقيقي لا يجهله أحد, إلا أنه لم يكن نتيجة لتصادم الحاجات, كما أن وجود القيم الإنسانية والأخلاق والدين وسائر الفضائل التي امتاز بها الإنسان عن الحيوانات البهيمية لم تنشأ عن صراع وتناقض, ولم يكن فيها الإنسان كالحيوان في المعايير والقيم والسلوك كما قرره الملاحدة حسب ما استخلصوه من نظرية "دارون" و"فرويد".

стр. 390

المبحث السادس: التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها مدخل ... المبحث السادس: التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها ومثل وجود هذا الكون وما فيه عن طريق تطور المادة في مفاهيم الملاحدة, كذلك أوجدت هذه المادة تاريخ الإنسان على طريقة الجدل المادي الديالكتيكي في تاريخ الإنسان, على أساس أن قانون المادية الجدلية هي التي تصنع تاريخ الإنسان دون أيّ تدخل من الإنسان، بل إن حياة أيّ مجتمع هو ثمرة واقعهم المادي, وحياتهم العقلية هي انعاكس هذا الواقع, وليست الحياة الاجتماعية ثمرة أفكار سابقة، بل الحياة الاجتماعية للناس هي التي تحدد إدراكهم, فالمادة سابقة للفكر ومسيرة له بزعم الملاحدة, وتاريخ الناس كذلك تصنعه المادة المتطورة بغير إرادة جماعية منهم؛ لأن طلب كل فرد تحقيق غايته وما ينشأ أثر ذلك من تباين الإرادات وتأثير تلك الإرادات على العالم الخارجي هو بالضبط ما يشكّل التاريخ لكل المجتمعات التي تنشأ وفق أحوالهم المادية, والتاريخ ذاته يمر بمراحل هي في مذهب الملاحدة الماركسيين تتمثَّل فيما يلي: - المشاعية البدائية. - الرق. - الإقطاع. - الرأسمالية. - الاشتراكية الممهدة للشيوعية. - الشيوعية الأخيرة١.
следующие страницы →