٣- التطور:
هذه الكلمة تتردد على ألسنة كثير من الناس؛ بعضهم يدرك المدلول والمغزى الأساسي لها, وبعضهم يعرفها بصورة مجملة ويرددها على هذا المفهوم، وهي في ظاهرها كلمة جميلة توحي بالتجديد والنشاط والحيوية المطلوبة, إلّا أنه ينبغي أن ندرك أن كثيرًا من أصحاب الأفكار الهدَّامة قد استغلوها استغلالًا فاحشًا, وبنوا عليها آراءهم التي يهدفون من ورائها إلى تغيير المفاهيم السليمة والمعتقدات المستقيمة والحياة الاقتصادية تغييرًا جذريًّا يتفق مع ما بيَّتوه لقلب الحياة الاجتماعية، وسيتضح ذلك من خلال دراستنا لهذه المادة, وحسبنا هنا أن نذكر مفهوم التطور بصورة موجزة, وهل التطور الذي يريده الشيوعيون هو تطور حقيقي أم خرافات وهمية تخيلوها لتأييد ما يهدفون إليه من إلحاد؟ والتطوّر بحد ذاته يراد به كما عرَّفه بعضهم بقوله هو: "الانتقال من مرحلة إلى مرحلة, والتغيير من حالٍ إلى حال"١.
والواقع أنه إمَّا أن يكون التطور في خلق الإنسان وتركيبه، وإمَّا أن يكون في أصل نشأة الكون وما فيه.
١- فأمَّا التطور بالمفهوم الأول: فهو حق، وهو ما جاء ذكره في كتاب الله تعالى في بيانه لخلق الإنسان والمراحل التي يمر بها في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ٢، أي: أوجدكم طورًا بعد
стр. 387
طور, وهو ما فسره الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١
هذه هي أهم الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته الجسمية وهي خاصَّة ببني آدم، أمَّا آدم فإن هذه التطورات لا تشمله، فقد خلقه الله بيده من تراب الأرض, ثم نفخ فيه الروح فكان بشرًا سويًّا.
٢- أما التطور بالمفهوم الثاني: "وسيكون موضوع دراستنا" فإنه ينقسم إلى قسمين:
- قسم يتعلق بأصل نشأة هذا الكون والمراحل التي مرَّ بها في تطوره إلى أن وصل إلى ما هو عليه.
- والقسم الثاني يتعلق بمعرفة أصل نشأة الكائنات الحية, والمراحل التي مرّت بها في تطورها، وفي أولها الإنسان, وكيف نشأ وكيف تطور في وجوده وفي تفكيره وفي معيشته وفي عبادته حسب تفكير أصحاب نظرية التطور, وفي أولهم "أراسموس دارون"، وحفيده "جارلس روبرت دارون"، ومن جاء بعدهما على هذه الفكرة الباطلة الخرافية التي أصبح دعوى التطور فيها من أهم خصائص المذهب
стр. 388
الشيوعي؛ حيث يقصدون بالتطور أن كل أمر في هذا الوجود يتطور ويتقدّم إلى الأمام في خطوات متتابعة إلى ما لا نهاية -بزعمهم, ويستدلون على ذلك بما قرروه من أن الإنسان كان مائيًّا ثم برمائيًّا ثم بريًّا, ثم عرف الرق, ثم الإقطاع, ثم الرأسمالية, إلى أن عرف الشيوعية الماركسية, وسيتطور فيما بعد -ولا يغيب عن القارئ- وضع الشيعية اليوم؛ حيث أقرَّ الله عيون أهل الإيمان بموتها في عقر دارها, وهذا من الأدلة الدالة على كذب أحلام الملاحدة فيما تصوروه عن التطور المزعوم وأبديته, وانتشار المذهب الشيوعي تلقائيًّا، كما أن هذا المفهوم الذي قرره الملاحدة لتطور الأشياء لم يكن صحيحًا, فإن تطور الإنسان لم يقم على المادة -كما يريده الملاحدة, بل قام الإنسان نفسه وعلى حسب ما تمليه عليه حاجته إلى الأمور, أما المادة الصماء فإنها عاجزة عن تطوير نفسها, فكيف تعمل لتطوير غيرها؟
فوجود المادة لا يطور أحدًا, وليس وجودها كافيًا لتطور الإنسان, ومعلوم أن المادِّيين -وهم جاهدون وجادُّون- في محو كل القيم الإنسانية, أو أي شيء يؤدي إلى احترام إنسانية الإنسان، معلوم أنهم يعرفون تلك الحقيقة, ولكنهم يتحاشون البوح بها لئلَّا يؤدي ذلك إلى حترام القيم والمثل والتهذيب الديني للإنسان بجعل كل الفضائل للمادة خير من جعلها للإنسان في ميزان الملاحدة؛ إذ المادة لا خطر من ورائها, ولا يؤدي احترامها إلى فرض القيم الدينية التي يخافونها, التي تذكرهم استبداد الدين النصراني المحرَّف.
стр. 389
إن تطور الإنسان في حياته المادية في معيشته وفي طريقة سكنه وملبسه ومركبه أمرٌ واقع, فقد كان الناس يركبون الحمير والجمال والبغال والخيل, واليوم أصبحوا يركبون السيارات والطائرات والسفن، وغير ذلك من الوسائل التي تطوّر فيها الناس, وهذا التطور بهذا المفهوم أمر حقيقي لا يجهله أحد, إلا أنه لم يكن نتيجة لتصادم الحاجات, كما أن وجود القيم الإنسانية والأخلاق والدين وسائر الفضائل التي امتاز بها الإنسان عن الحيوانات البهيمية لم تنشأ عن صراع وتناقض, ولم يكن فيها الإنسان كالحيوان في المعايير والقيم والسلوك كما قرره الملاحدة حسب ما استخلصوه من نظرية "دارون" و"فرويد".
стр. 390
المبحث السادس: التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها
مدخل
...
المبحث السادس: التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها
ومثل وجود هذا الكون وما فيه عن طريق تطور المادة في مفاهيم الملاحدة, كذلك أوجدت هذه المادة تاريخ الإنسان على طريقة الجدل المادي الديالكتيكي في تاريخ الإنسان, على أساس أن قانون المادية الجدلية هي التي تصنع تاريخ الإنسان دون أيّ تدخل من الإنسان، بل إن حياة أيّ مجتمع هو ثمرة واقعهم المادي, وحياتهم العقلية هي انعاكس هذا الواقع, وليست الحياة الاجتماعية ثمرة أفكار سابقة، بل الحياة الاجتماعية للناس هي التي تحدد إدراكهم, فالمادة سابقة للفكر ومسيرة له بزعم الملاحدة, وتاريخ الناس كذلك تصنعه المادة المتطورة بغير إرادة جماعية منهم؛ لأن طلب كل فرد تحقيق غايته وما ينشأ أثر ذلك من تباين الإرادات وتأثير تلك الإرادات على العالم الخارجي هو بالضبط ما يشكّل التاريخ لكل المجتمعات التي تنشأ وفق أحوالهم المادية, والتاريخ ذاته يمر بمراحل هي في مذهب الملاحدة الماركسيين تتمثَّل فيما يلي:
- المشاعية البدائية.
- الرق.
- الإقطاع.
- الرأسمالية.
- الاشتراكية الممهدة للشيوعية.
- الشيوعية الأخيرة١.
стр. 391
وهي التي تلغَى فيها الطبقات كلها كما يدَّعون, وقد ذكر الباحثون أنه من الصعوبة تصور الفضل المادية الجدلية عن المادية التاريخية, ذلك لأنهم أقاموا دراسة تاريخ البشرية على الأسس المادية, وقد استقرَّ في مفاهيم الملاحدة كما عرفت أن المادة هي أساس كل المخلوقات التي منها الإنسان والفكر, وأنها هي التي تحكم أيضًا حياة البشر الاجتماعية وتكيُّف حياتهم وسلوكهم وجميع معاملاتهم ومشاعرهم، وهي في تطور دائم, وما ينتج عنها من سلوك البشر هو أيضًا في تطور دائم تبعًا للأصل, وهو الوضع الاقتصادي في تطور دون أن يكون للإنسان فيه أي قدرة.
وحينما ظهر "دارون" بنظريته حول تاريخ الإنسان وأصل نشأته قرَّر أن تاريخ الإنسان إنما هو امتداد للكائنات الحية السابقة لوجوده, وأنه نتيجة عمل الطبيعة الهوجاء التي تعمل ما تعمل عن خبط عشواء لا عن تخيطط ودقة؛ لتلقي بالإنسان بعد ذلك إلى مصيره عن طريق المادة التي تكيّف الإنسان وحياته وتطوره, وكل ما يتصل بسلوكه وتاريخه فيها.
والملاحظ أنّ التفسير المادي للتاريخ لا ينفي القيم والأخلاق التي تصدر عن البشر إلّا أنه ينفي أن تكون لتلك القيم والأخلاق أو سائر السلوك وجود قبل وجود المادة والأوضاع الاقتصادية, أو أن تكون تلك القيم والأخلاق لها ثبات دائم, أو أنها من الله تعالى, بل إن تطور تاريخ المجتمعات البشرية هو قبل كل شيء مرهون بتطور الإنتاج البشري المادي, وتاريخ البشر يرتكز أساسًا على المصالح المادية التي تربط الناس بعضهم ببعض, لا على أساس ديني أو سياسي أو أخلاقي ثابت؛ إذ القيم كلها في مفهومهم سراب لا قيمة لها, والغايات تبرر الوسائل على امتداد تاريخ البشر حسب تفسيرهم.
стр. 392
- مدى صحة الأطوار التي تزعمها الشيوعية:
ما زعمه ماركس من أن تاريخ البشر وما يمرون به في حياتهم من أمور مختلفة إنما هو نتيجة لطريقتهم في الإنتاج إن هو إلّا كذبٌ محضٌ, فإنَّ حياة الناس ومعايشهم والتغييرات التي يمرون بها لا تتوقف فقط على الإنتاج, والواقع خير شاهد على أن الذي يغيِّر المجتمعات قد يكون أشياء كثيرة غير وفرة الإنتاج أو قلته، فالفِرَقُ المختلفة وأصحاب المذاهب الوضعية, واستعمار الناس بعضهم بعضًا, والحروب التي تشتعل بينهم, والغنى والفقر الذي يمرون به, وغير ذلك, كلها من العوامل التي تحدث التغيير في المجتمعات, ولا سبيل إلى إنكار هذا, مما يدل على أن قضية الإنتاج إنما هي جزء من الأجزاء الكثيرة التي تحدث التغيير في المجتمعات وليس المال فقط كما قرره الملاحدة, وكذلك ما زعمه الماركسيون من أن تاريخ البشر مَرَّ بالمراحل السابقة إلى أن وصل إلى الشيوعية, هي في الحقيقة كلها مزاعم فارغة كاذبة, وقد ظهر كذبها, فإن "ماركس" زعم أن العالم الغربي المتطور سيترك الرأسمالية ويتحوّل حتمًا إلى الاشتراكية الشيوعية, فكان العكس هو الصحيح؛ إذ رفض العالم المتطور فكرة الشيوعية وتقبَّلتها الدول المتخلفة نسبيًّا كروسيا والصين, وقد بدأت تظهر في تلك البلدان العودة إلى الرأسمالية رويدًا رويدًا, خصوصًا بعد أن بدأت الشيوعية تحتضر, كما أن ما يتنبئون به من أحداث ستحصل في المستقبل يدل على تناقضهم؛ لأنهم لا يؤمنون بأي شيء في المستقبل يدل عليه العقل, بل يؤمنون بما يدل عليه الواقع المشاهد الذي تفرزه الطبيعة فقط, إلى أن ماتت الشيوعية دون أن ينتقل الناس إلى الشيوعية الأخيرة التي زعموا أنها ستقضي على جميع الطبقات, فتبيَّن كذب الشيوعية جملة وتفصيلًا.
стр. 393
١- المشاعية البدائية:
أما بالنسبة للمشاعية البدائية التي زعم الملاحدة أن الإنسان نشأ بدائيًّا كقطيع من الحيوانات, ثم أخذ يتطور إلى أن استطاع إنتاج أدوات العمل في تطوره التدريجي البطيء, وأنه اكتمل بفضل التعاون الذي قام بين أفراد البشر, وأنهم استطاعوا انتزاع حياتهم من الطبيعة التي كانت تغالبهم ويغالبونها, ثم أضافوا إلى هذا الافتراء أفتراءً آخر وهو أن ذلك التطور قد اكتمل في الناس من غير إرادتهم ووعيهم, وأنهم انتصروا على الطبيعة بفضل تعاونهم المشاعيّ في الزراعة والصناعة وغيرهما, إلّا أنه حينما انصرف بعض أفراد البشر إلى الإنتاج الفردي لا المشاعي ظهر التناقض بين الملكية الاجتماعية والطابع الفردي لعملية الإنتاج, فاصطدم هذا الوضع وتناقض مع الرغبة في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج, ونتج عن ذلك القضاء على النظام البدائي المشاعي كحتمية طبيعية للتطور المستمر في الحياة, قاطعة بذلك خطر سيره، ثم نشأ بعد ذلك الصراع الطبقي على المصالح المادية, فبدأ من هنا تأريخ الصراع الطبقي في المجتمعات نتيجة للتطورات المتلاحقة وحياة الإنسان, فاصطدمت بالنظام الرأسمالي الذي يمثّل سيادة أصحاب رءوس الأموال على الفقراء وعلى الأفكار عمومًا, ثم نتج عن ذلك أيضًا قيام قضية الرق الآتية.
стр. 394
٢- الرِّق:
زعم الملاحدة أن قضية الرق نشأت إثر صراع طبقي بين المتنصِّرين في الحرب والمهزومين من جهة، وبين أصحاب الأموال الدائنين وبين الفقراء المدينين من جهة أخرى, ولأسباب مادية أيضًا انهار أمر الرق تدريجيًّا؛ لأنه لم يعد تجارة رابحة, وأيضًا فإن أولئك المنهزمين والفقراء حينما أحسُّوا في فترة من فترات تاريخهم للرقِّ والعبودية التي يعانونها أرادوا أن يثأروا لأنفسهم, كما هو الحال في بقية الحيوانات الأخرى التي شاركتهم في النشأة الأولى, وحصل الصراع الطبقي العنيف بين الفقراء المعوزين والأغنياء, انتصر فيها الفقراء وجعلوا الأغنياء في النهاية عبيدًا؛ ليبدأ الصراع أيضًا على أشدُّه كأنهم قطعان الثيران المتصارعين, وهنا تدخَّل الدين ليكون أداة روحية لاستعباد الجماهير وإقامة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعي بما يعدهم به إن صبروا على ما هم فيه من البلاء والذل.
وازداد النظام الاستعبادي ضراوة وصراعًا فنشأ الإقطاع، هكذا تعليلهم لنشأة الرق وظهور التدين ونهاية الرق, وهذه كلها كما يلاحظ القارئ اللبيب افتراضات خرقاء, وليس لهم أيّ دليل إلّا آراؤهم التي تخيّلوها في نشأة الرق والإقطاع, وغيرها من التقسيمات التي أحدثوها بأفكارهم الإلحادية؛ ولأنهم لا يعلمون أن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يكون الأنبياء من أصحاب الثروة أو الجاه فظنَّوا -والظنّ أكذب الحديث- أن الأنبياء إنما أتوا بما أتوا به محافظة منهم على حفظ أموالهم وتجاراتهم, وليبقى الكادحون أرقَّاء لهم دائمًا إن هم صبروا على ما هم فيه، وأنت تعلم أيها القارئ أن هذه الخدعة لا مكان لها إلّا رأس إبليس ومن اتبعه من الملاحدة أصحاب الخيالات السقيمة.
стр. 395
٣- الإقطاع:
علَّل الملاحدة لظهور الإقطاع بأنَّ العالم كانوا على طبقتين: هما طبقة كبار الملاك، وطبقة رجال الدين، وبقية الناس مسخَّرين مستعبَدين لهاتين الطبقتين, وحينما ظهرت أدوات الإنتاج المتطورة كالمحراث الحديدي وغيره من الأدوات الجديدة ظهر الإقطاع بشكل قويّ, وصار المستعبَدون تحت رحمة الملَّاك وأصحاب الجاه, يعملون لحسابهم ولا ينالون إلّا ما تجود به أيدي أولئك الأثرياء, في الوقت الذي كان فيه الأثرياء ورجال الدين قد تمالأوا على إبقاء تلك الطبقة الفقيرة في معزل عن التفكير السليم لحالهم, ولكن وبعد وقت أفاق الفلاحون ورأوا ما حلَّ بهم من الغبن, فثاروا ضد تلك الطبقات الثرية والدينية لرفع الظلم الفاحش عنهم, ولكن ثورتهم كانت أضعف من إزاحة تلك الطبقات الثرية والدينية لما يأتي:
أولًا: لأنها ثورة غير منظمة.
ثانيًا: لحاجة الفقراء الشديدة.
ثالثًا: للقوة المتينة التي كان يتحصَّن بها الأثرياء وأصحاب الدين.
إلّا أنَّ تطور الأمور الاقتصادية أخذت تحطّ من كبرياء أصحاب الثروة من الإقطاعيين لتحلَّ الرأسمالية بدل الإقطاع في حركات تطورية متلاحقة تتمشَّى مع خيالات واضعي الماركسية، وبغضِّ النظر عن صحة هذا التعليل أو عدم صحته, فإن الإسلام يعتبر تلك الأوضاع كلها باطلة وجاهلية بغيضة ما أنزل الله بها من سلطان، على افتراض وجود تلك الأحوال على الصورة التي تخيلها "ماركس" وأتباعه، فلا يجوز ردَّ الحق بالخطأ والتخمين.
стр. 396
٤- الرأسمالية "البرجوازية ":
لقد ظهرت الرأسمالية -أو البرجوازية كما يسميها الشيوعيون- لعدة عوامل من أهمها:
- استحواذهم في الأساس على مصادر المال واستقراره في أيديهم.
- اختراع الآلات الحديثة التي حلّت محل الأيدي العاملة من طبقات الإقطاع والرق؛ لعدم إنتاجهم بالكثرة التي تنتجها تلك الآلات, فصارت حالة الرق متناقضة مع حالة الإقطاع, فألغت بدورها حالة الإقطاع التي كانت قائمة على استعباد الكادحين للعمل للإقطاعيين النبلاء, وبحث الجميع عن رأس المال.
- ازدياد حجم التجارة في أوروبا بدلًا من الزراعة.
والملاحظ أن أولئك الذين كانوا يطلبون العمل بأيديهم لم يكن دورهم كافيًا لملأ ما تحتاج إليه الحركة الصناعية القوية كما هو الحال بالنسبة للآلات الحديثة، وهذا أحدث بدوره ردَّ فعل لدى العمال لتحطيم الإقطاع المستند إلى الآلات الحديثة؛ بسبب التناقض مع القوى المنتجة النامية من جهة, وحاجة العمَّال من جهة أخرى إلى العمل والكسب, وهذا بدروه قد هيَّأ الجو لتصاعد قوة الرأسمالية التي تسعى دائمًا لزيادة الإنتاج والمكاسب الوفيرة, وما نشأ بين أفرادها من تعاونٍ مثمر في شتَّى المجالات, وقد جعلوا استغلال طبقة من الناس لطبقة أخرى هو أساس الحضارة لكي يحصل التناقض الذي يوصل طبقة إلى الاستعلاء على طبقة أخرى, فما من شر لطبقة إلّا وهو خير لطبقة أخرى, وهكذا صراع دائم من أجل البقاء، كما أنَّ تجمع الشعوب واتحادها إنما يعود حسب تفسيرهم إلى المصالح الاقتصادية التي قامت عليها الرأسمالية, غير أن الرأسمالية أصبحت مناقضة لمصالح طبقة البروليتاريا -أي طبقة العمال- فكان لزامًا على هؤلاء العمال أن
стр. 397
يصارعون طبقة الرأسمالية, وأن يطيحوا بها بالطرق الثورية, وأن يستبدولها بالنظام الشيوعي الذي يستوعب تلك التناقضات ويصفيها في مجتمع ليس فيه طبقات يستغل بعضهم بعضًا، وإنما فيه طبقة واحدة يكون الإنتاج فيها ملكًا مشتركًا بين الدولة -خدعة شيوعية بارعة, ولكن هذا الصراع لا ينقل الناس مباشرة من الرأسمالية إلى الاشتراكية, بل يمر بمراحل تدرجية قبل انتقالهم من الرأسمالية إلى الاشتراكية, ثم إلى الشيوعية التي تحقِّق لهم مبدأ "مِنْ كُلٍّ حسب طاقته, ولكلٍّ حسب حاجته", والتي تتم بجهود ضخمة من العمل المتواصل لزيادة الإنتاج لتحقق تلك القاعدة "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته".
وهكذا يتضح بجلاء أن التعليلات الشيوعية كلها قائمة على مجرَّد خيالات وتصورات ليس لها ما يسندها، بل هي ضد العقل والمصالح كلها دينية ودنيوية، وأنَّ ما تصوروه عن بداية المجتمع المشاعي وظهور الرق والإقطاع والرأسمالية, ثم الاشتراكية الممهدة للشيوعية, كل هذه الحلقات افتراضات وتخمينات, وأول ما يدل على كذبهم فيها أنهم لا يستطيعون أن يحددوا بداية كل مرحلة وظهور التي تليها تحديدًا دقيقًا, مع أنه حتى لو حددوها لا يقبل منهم لعدم وجود أدلة على ذلك يقبلها العقل.
وقد سلسلوا تلك الأحداث ليصلوا إلى النتيجة التي يهدفون إليها, وهي إظهار الشيوعية بمثابة الثمار الشهية اليانعة التي نضجت بعد الجدّ والاجتهاد وتطور الأحوال من حال إلى حال, ولإظهارها كذلك بمظهر المنقذ لتعاسة الإنسانية على مدى تاريخ الحياة البشرية على وجه الأرض، وكم علت تلك
стр. 398
الأصوات، وكم أخذت في طريقها من ضحايا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في أيام "جورباتشوف" الذي تولّى رئاسة الاتحاد السوفيتي بعد "يوري أندروبوف" "وبريجنيف", وللباطل صولة ثم يضمحل, وقد مزَّق الله الاتحاد السوفيتي كل ممزَّق, ويتلوه إن شاء الله الرأسمالية الأمريكية وغيرها من مذاهب الكفر والضلال.
فلا يوجد عند العقلاء أدنى شكٍّ في أنَّ تفسير الملاحدة لتاريخ البشر هو ضلالة كبرى من ضلالات الشيوعية, وهضم واضح لتاريخ البشرية, وطمس للوجه المشرق من تاريخهم في مختلف الأزمنة, حينما لا يعترف هذا التفسير بأية قيمة خلقية، أو دينية، أو ثقافية، أو اجتماعية, قبل ظهور عبادة المادَّة الصماء, فهو قائم على النظرة الاقتصادية البحتة, فلا قيمة لأي شيء إلّا من خلال هذه النظرة الضيقة الباطلة التي لا يعرفون سواها.
إنَّ تاريخ البشر مملوء بالأحداث المختلفة على مرِّ الليالي والأيام, بعضها تكون أحداث كبيرة، وبعضها صغيرة، وبعضها يكون للمادَّة تدخل ما فيه، وبعضها لا تمت إليه المادة بأدنى سبب. ولقد سجَّل التاريخ أعظم حدث في هذا الوجود في فترة زمنية قصيرة ولا تزال آثارها واضحة قوية وسبتقى كذلك إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، فما هو هذا الحدث؟ إنه الإسلام بتعاليمه السامية ونظمه العادلة، فكيف نشأ؟ وما هي الأسباب التي أدَّت إلى تغييره للمفاهيم التي قبله رأسًا على عقب, وأي حالة اقتصادية اقتضت ظهوره على تلك الحال؟
стр. 399
والجواب عند المؤمنين بالله تعالى لا يحتاج إلى إعمال الفكر ولا إلى الاجتهاد, فإن الجواب يأتي تلقائيًّا أن الله هو الذي أنشأه وأظهره في الوقت الذي اقتضته حكمته دون أي صراع مادي، ولهذا فإن التفسير الإسلامي لتاريخ الإنسان ونشأته في هذا الكون من البدهي أن يختلف اختلافًا جذريًّا عن التفسير المادي له عند الملاحدة, ذلك أن الإسلام يقرر أنّ للإنسان مفهومه الخاص به, وأنه متميز عن بقية المخلوقات التي تساكنه في هذه الدنيا, فهو مفكر وله عقل وتمييز, يدبر الأمور ويصرفها وفق مصالحه وإرادته, وهو الذي يسيِّر المادة, وليس المادة هي التي تسيره وتتصرف فيه -كما في المفهوم الشيوعي, ففي الإسلام ينبع تاريخ الإنسان من حياته وتفكيره وعمله وتوجهاته, وما يتلقاه من التعاليم الإلهية على أيدي رسل الله -عليهم الصلاة والسلام, وليس من المادة.
يبدأ تاريخ الإنسان في الإسلام من خلق الله له من طين الأرض، ثم نفخ الروح فيه، ثم إهباطه إلى الأرض واستخلافه فيها, وقيامه أو عدم قيامه بأوامر الله ونواهيه, وسلوكه الخيِّر والشرِّير، وما يسطره الإنسان في صفحات كتابه الذي سيقرؤه يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الحساب والثواب والعقاب. ولاشك أن هذه المفاهيم بعيدة كل البعد عن تاريخه المادي في مفهوم الشيوعية التي تهبط بالإنسان إلى الحضيض, ولا تعترف له بتلك المنزلة العالية التي يشابه فيها الملائكة في علوِّ روحه إن أطاع الله تعالى واتقاه، هذا الجانب غفلته الشيوعية, ولم تنظر إليه إلّا على أنه حيوان بهيمي لا هَمَّ له إلّا بطنه وفرجه، ولا ذكر لروحه ومزاياه العديدة، وليس فيها أن الله كوَّن الإنسان من جسد وروح, وأن كلًّا منهما يطالب بحقه
стр. 400
وغذائه المادي والروحي مطالبة حثيثة، وليس فيها أنه لا يجوز أن يغلب جانب منهما على آخر إلى حد الإهمال -كما قررته الشيوعية, فهذا التوازن لا يوجد إلّا في الإسلام؛ لكي يتمَّ التوازن الحقيقي بينهما، فإن الإسلام لا يقدّس الجسد وشهواته الحسية فقط, ولا يقدّس الروح إلى حدّ الغلوِّ فيها, وإنما الإسلام يوازن بينهما ويجعلهما شريكين متماسكين لا متصارعين -كما هو حال الأنظمة الجاهلية المادية.
ويمكننا القول بأنه إذا كان ظهور الشيوعية كنتيجة مادّية قامت بالعنف والجبروت, فقد رأينا نهايتها المخزية، بينما الإسلام قد قام على العقيدة الصحيحة والعدل التامّ, انتصر وتأثر به الناس وأحبوه, وأحدث في أنفسهم قوة جبَّارة كانت كامنة, ففجَّرها الإسلام وأنار الأرض كلها, ولم يقم على العنف ولا الصراع المادي والطبقي لاستناده إلى عناية الله تعالى به؛ لأنه حق, والحق دائمًا هو الباقي, وأما الزبد فيذهب جفاء، فلو أنَّ الإسلام كان ظهوره بسبب عوامل مادية لانتهي بانتهاء تلك الحال, أو لوجب أن تنشأ قوة مثله كلما تكررت تلك الحال التي افرتضها الملاحدة لظهور الأنبياء والمرسلين, والشرائع التي أتوا بها, وهم لا يقولون بذلك ولا يقرونه, فظهر تناقضهم واضحًا ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
стр. 401
المبحث السابع: التفسير المادي للإنسان
لقد أفادت النظرية الداروينية الكاذبة أنَّ الإنسان حيوان يعود إلى نسل القردة, ثم تطور بفعل المادة إلى أن أصبح إنسانًا, وجاء الملاحدة فأكملوا خيوط المؤامرة النظرية وزخرفوا فيها القول لإثبات تشويه صورة الإنسان الذي كرَّمه الله تعالى, وجعل فيه النبوة والعقل, وشرَّفه بالتكليف, فصوروه على أنه حيوان تطوّر عن جماعة القردة, لا فرق بينه وبين بقية المخلوقات؛ ليسهل لليهود في النهاية استحمار البشرية وسوقهم إلى حظيرة اليهود الذين يعتبرون -كل الجوييم- حيوانات خلقت على صور اليهود؛ لتسهيل خدمة أسيادهم اليهود -شعب الله المختار بزعمهم.
ويذكر الباحثون أن دارون وإن كان قد أرجع أصل الإنسان إلى القردة؛ لكنه لم يرجعه إلى المادة الصماء كما قرره الملاحدة من بعده, فإن الإنسان عند دارون أرفع رتبة منه من رتبته عند الملاحدة الماركسين, وقد جعل مجال الحديث عن الإنسان وسائر الكائنات الحية هو علم الحياة الذي يختلف اختلافًا بينًا عن علم المادة.
ومع هذا الهبوط بالإنسان في نظرية دارون إلّا أن الملاحدة لم يكتفوا بذلك, بل أضافوا له دفعات إلى الأسفل في الهبوط, فاعتبروا فكر الإنسان الذي يميزه عن سائر الحيوانات جعلوه ناتجًا عن المادة المحضة لا قيمة له
стр. 402
عن الجسم المادّي, نعم إن الله أوجد الإنسان من مادة هذا الكون, ولكن حصل له تشريف عظيم أخرجه تمامًا عن صفته المادية, وهذا التشريف هو نفخ الله فيه الروح, فصار عظيمًا مشرفًا بهذا, ولم يبق على مادته الترابية, هنا يظهر تناقض الملاحدة؛ إذ يزعمون أن الإنسان أفضل المخلوقات, بينما يثبتون أنه من المادة, فكيف ساغ لهم أن يفاضلوا بين مادة ومادة دون مبرر؟ وكيف ساغ لهم أن يقولوا إن الإنسان سيد هذا الكون ما دام الإنسان مخلوقًا منه بفعل المادة, لقد تضاربت أفكار الملاحدة دون أن أيّ اكتراث منهم بذلك.
ويظهر أن القصد الأخير لهم هو الدفع بالجوييم إلى القناعة بحقارة أصلهم, وبالتالي فلا يحق لأحد منهم أن يفخر بأنه إنسان مكرّم, بينما اليهود لا يدخلون في تسمية "إنسان"؛ لأنَّ عنصرهم من عنصر الله, وأنهم شعبه المختار, ألخ أوصاف التلمود لهم, ولقد أراد الملاحدة طمس إنسانية الإنسان وإلحاقه بالجمادات أو الحيوانات الدنيا, إلّا أنهم واجهتهم حقائق تكذبهم علنًا, وتعلن بوضوح أن الإنسان كائن أسمى مما تصوروه, لا فرق بين إنسان وإنسان في المزايا الآتية:
١- الإنسان مفكّر, بينما لا توجد هذه الصفة في أي مخلوق آخر من الحيوانات.
٢- الإنسان يتكلّم ويفصح عمَّا في ضميره بكل فصاحة, وهذه الصفة لا توجد إلّا في الإنسان.
стр. 403
٣- الإنسان له تقاليد وعادات لا توجد إلّا فيه وحده, تقاليد وعادات في العشرة, وفي سائر السلوك؛ في الكرم والشجاعة والإيثار والحزن والفرح وغير ذلك.
٤- الإنسان ينتج بأفعاله مختلف الأشياء, فهو يبني ويهدم ويصنع ويحرث ويتفنَّن في كل أموره حسب تفكيره واختياره.
٥- الإنسان يتطوّر ويستفيد من أخطائه ومن تجاربه, فيحذر الوقوع في نفس الخطأ الذي وقع فيه, ويقارن بين الأمور.
٦- الإنسان هو سيد كل الحيوانات التي تعايشه في الأرض, وقد استخدمها وانتفع بها بكل مهارة وريَّضها على فعل كل ما يريده بطريقة توحي بأن الإنسان كائن مميَّز عجيب, فمن الظلم إلحاقه بما تصوره عنه الملاحدة من أنه من فصيلة القردة ثم تطور.
٧- الإنسان له قدرة عجيبة على كبح جماح نفسه, وتهذيب طابعه, وكبت غرائزه بصورة لا تقبل أيّ شك في تميزه.
٨- الإنسان له قدرة على التعلُّم والتعليم, والقراءة والكتابة, وهي صفات لا توجد في أيّ مخلوق في الأرض سواه, اللهمَّ إلّا أن يكون الجن.
٩- الإنسان يستحسن أشياء كثيرة, ويستقبح أشياء كثيرة, ويسن لنفسه ولغيره قوانين وأنظمة يسير بموجبها, وهي صفات خاصة به تدل على سموّه وشرفه.
стр. 404
١٠- للإنسان خيال واسع وإدراك قوي يخطط للحاضر وللمستقبل, وهذا الخيال الخصب لديه ميزة خاصة به, يختار أمورًا ويترك أخرى, وينظِّم مساراته للمستقبل وفق ما يريده, وكأنه على معرفة مسبَّقة به١.
إن كل هذه الصفات وغيرها مما تحلَّى بها الإنسان لهي صفعة في وجوه الملاحدة الذين سلبوه صفاته التي ميَّزه الله بها, وشرفه بالتكليف والعمل لدنياه ولآخرته, وجعله مستخلفًا في الأرض لإحيائها, فهل يصح أن يقال بعد ذلك: إن الإنسان مادة مجرَّدة عن أي اعتبار, أو إنه حيوان تطوَّر بفعل مرور الزمن, أو غير ذلك من نظرياتهم الفاسدة, وأنى لمادَّة صماء أن تخلق إنسانًا تتوفر فيه تلك الصفات العالية, والفضائل الرفيعة, والتركيب العجيب، وأنَّى لفاقد الشيء أن يعطيه, فهل يفيق الملاحدة؟ وهل يتركون استهتارهم بهذا الكائن العظيم؟ ويحترمون روحه وفكره وأصله الذي شرَّفه الله بخلقه بيده تشريفًا وتكريمًا له وأسجج له ملائكته المسبّحة بقدسه؟
стр. 405
المبحث الثامن: التفسير المادي للقيم الإنسانية
وحينما قرر الملاحدة أن الإنسان مادةً أصبح مفهوم القيم من الأمور التي لا قيمة لها؛ إذ المادة لا تتصف بأي قيمة روحية أو نفسية أو خلقية, وهذا هو الواقع الذي قرروه, وأن القيم كلها ليس لها صفة ثابتة وإنما هي انعكاس للأحوال الاقتصادية, فلا حقيقة لها إطلاقًا, إلّا أنه لم يكن بإمكان الملاحدة أن يتجاهلوا وجود هذه القيمة التي يتمثَّلها الناس قديمًا وحديثًا في حياتهم, وفي تعاملهم في أمور ظاهرة, فاخترع الملاحدة لها تفسيرًا يشوهها ويهوّن من مكانتها المرموقة، بل ويقضي عليها في النهاية قضاء تامًّا.
وهذا التفسير المادّي للقيم يتمثَّل في الأمور الآتية:
١- تضخيم العامل المادي والاقتصادي وجعله أساس كل شيء في حياة الإنسان, وجعلوا الأخلاق والقيم كلها تابعة لحالة الإنسان الاقتصادية وتبادله المنافع مع الآخرين, وأن الوضع الاقتصادي هو الذي يحدد مشاعر الناس وأفكارهم وعقائدهم وكل قيمهم.
٢- زعموا أن كل القيم لا ثبات لها, أي: لم تنشأ عن دين أو توجيه إليه, وإنما هي تابعة لتطور الإنسان في المادة هبوطًا وارتفاعًا، خيرًا وشرًّا، وأن كل القيم المعنية إنما هي انعكاس للوضع الاقتصادي لكل أمة.
стр. 406
٣- جعلوا الدين هو المصدر الفيَّاض للأخلاق والقيم, جعلوه محلَّ سخرية واستهزاء, وأنَّ كل تلك القيم إنما نشأت عن عوامل اقتصادية لا عن الدين الذي تذكره الكتب السماوية, والذي يصوِّرونه كعدو لدود للقيم الإنسانية.
٤- ونشأ عن ذلك الاستهزاء بالحق والعدل الإلهي الذي أكَّدت عليه جميع الشرائع الإلهية, فزعموا أن ذلك لا حقيقة له إلهية, وإنما هو تابع للأحوال الاقتصادية التي أوجدته, وهي التي تمليه على الناس في أحوالهم المختلفة من فقر وغنى, وكثرة وقلة, وحب وكراهية.
لقد أرجع الملاحدة الشيوعيون كل القيم إلى حال الناس بالنسبة للمادة, فقسموا المجتمع إلى قسمين:
١- المجتمع الزراعي.
٢- المجتمع الصناعي.
ثم زعموا أن الأخلاق والقيم والإيمان بالقدرة الغيبية وتماسك الأسرة والحفاظ على العادات القبلية وما إلى ذلك, إنما سادت في المجتمع الزراعي لما يشعرون به من حاجة إلى قوة عليا تنبت لهم البذور في الأرض, أو لبعضهم بعضًا, خصوصًا وهم يشاهدون الأخطار الطبيعية من حولهم؛ كالصواعق والبراكين وهيجان البحار ونحو ذلك, فاحتاجوا إلى التعلُّق بإله قوي يحميهم وينفعهم، بينما تلك الأمور كلها لها في المجتمع الصناعي، وذلك أن المجتمع الزراعي البدائي في الشيوعية الأولى كان بينهم تعاون وفيهم استقرار
стр. 407
وهدوء وسعادة بسبب عدم وجود الملكة الفردية التي ظهرت بعد ذلك بفعل التطور الاقتصادي, وزعموا أن الأولاد في هذه المرحلة كانوا يتبعون الأمهات -أي: كالحيوانات تمامًا- ثم تحوَّل نظام التبعية من الأم إلى الأب باستيلاء الأب على كل السلطة بفعل ظهور الملكية, وظهور التحسُّن في الجوانب الرزاعية, وتعاون الأسرة جميعًا في القيام بها, تابعين لأبيهم الذي سيورث لهم كل ما يملكه بعد موته, فتمت الطاعة للأب, وعمل الجميع تحت أمره, واعتبار تلك الأمور من باب الاحترام الواجب للأب, فلم يكن لذلك سبب إلّا الرغبة في امتلاك ما تحت يده بعد موته، والاستفادة منه في حياته -انظر إلى هذا العقوق- وتناسى العاطفة والحنان المتبادل بين الأسرة.
ثم نتج عن ذلك بفعل التطور نظام الرقّ الذي سبَّبه في الدرجة الأولى التحسن في الزراعة واكتشاف نزعة الملكة الفردية, فمالت الجهات القوية على الضعيفة تستعبدها وتسخرها في العمل لزيادة الإنتاج للأغنياء, وسد حاجة الفقراء الضرورية فقط, ثم نتج عن ذلك الوضع -حسب التطور- نظام جديد هو نظام الإقطاع، الذي سبَّبه اكتشاف الآلات التي تفيدهم في حراثة الارض كالمحراث وغيره, فاحتاج الأغنياء إلى الفقراء ليقوموا بحراثة الأرض وجباية محاصيلها لهم, فنشأ عن ذلك خلق حب الاستعباد والقهر للغير, وحب السيطرة الذي أنتج بدوره نظامًا جديدًا, وهو ما بدا ظاهرًا في النظام الرأسمالي الجشع الذي حوَّل الملكية من ملكية زراعية إلى ملكية رأسمالية, جعلت الفقراء عبيدًا وذللتهم للأغنياء, ونشأ عن ذلك حب الذلة والمسكنة والاستهانة بالنفس بسبب قوة المادة الاقتصادية عند
стр. 408
كبار الأغنياء واستحواذهم على مصادر العمل والكسب, وهذا لا شك أنه أمر يغضب طبقة الفقراء, ويوجد فيهم حبَّ الرغبة في الانتصاف ورفع الظلم, وثورة كامنة في نفوسهم كمون النار في عود الكبريت، ثم نتج عن ذلك صراع مرير فيما بعد؛ لينبثق عنه بعد ذلك العودة إلى الشيوعية إثر الصراع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال على ملكية الإنتاج, وانتصار العمال بقضائهم على طبقة الرأسماليين؛ لتعود الملكية جماعيةً كما كانت في البداية -هذا حسب تعليل زعماء الشيوعية, قد سبق أن أشرت إلى أن هذه الأفكار كلها خيالات كاذبة تفتقر إلى الدليل وإلى العقل الذي يصدق بها، إنها افتراضات تدل على مدى النفسية الخبيثة لـ"كارل ماركس", وما كان يعاني منه من ضيق الخلق والأنانية الشريرة, ومحاربته لكل الفضائل والسموّ الأخلاقي, والرغبة في تدمير الأغنياء, وليت شعري هل الأولاد لا يحبون أباهم إلّا ليرثوه فقط؟ وهل المال والحصول على المادة كافية لسمو الأخلاق؟!! أليس الإنسان يطغى أن رآه استغنى, إلّا من وفَّقه الله تعالى، بل أليس من التناقض أن يقال: إن المجتمعات الزراعية القديمة كانوا يعيشون في وئام تامّ وهدوء وأخلاق عالية, بينما يصف المتأخرون اليوم أنفسهم بأنهم في تقدُّم شامخ, ووعي كامل وحضارة راقية, وهم يحملون في صدورهم قلوبًا حاقدة عدوانية, ولا يلوي أحد على أحد, فكان يجب أن يعكس الأمر تمامًا على حسب ما قرروه في هذه التناقضات.
стр. 409
المبحث التاسع: حرب الأخلاق والقيم
ما الذي يُنْتَظر من ملاحدة حاربوا الله ورسوله, وداسوا كرامة الإنسان, ودنسوا كل الفضائل, وشوهوا تاريخ الإنسان؟ ما الذي ينتظر منهم تجاه الأخلاق والفضائل, لقد قام مذهبهم من أوّل يوم على عدم الالتزام بأية فضيلة خلقية مهما كانت, بل محاربتها على اعتبار أنها شريعة أخلاقية غير ثابتة؛ لأن كل القيم والأخلاق في عقيدتهم إنما هي نتاج لأوضاع اجتماعية اقتصادية عبر الأزمان لا ثبات لها, وأن الاخلاق في أساس نشأتها إنما هي ناتجة عن الطبقية، إمَّا تبريرًا لسلطة الطبقة الحاكمة وأصحاب الجاه، وإمَّا تمردًا على العقيدة والوضع القائم، وإمَّا استجلابًا لنفع الطبقات المضطهدة.
ويعود تاريخ الأخلاق وكل العادات الاجتماعية -كما قرروه- إلى الزمن الذي عاشه البدائيون, أو حياتهم في النظام المشاعي البدائي؛ حيث كانوا يرون أنَّ الملكية الفردية غير أخلاقية, ولكن بفعل التطور وسهولة الإنتاج أصبحت هذه القضية أمرًا لا حرج فيه, ولا يتعارض كذلك مع المصلحة العامة التي كانت سائدة في النظام المشاعي البدائي بحكم التطور, وحينما جاء نظام الرق ابتكر السادة أخلاقًا جديدة تتمثَّل في كل تصرفات الطبقات الراقية, فهي وحدها الأخلاق التي يجب السير عليها, بينما طبقة الأرقَّاء لا قيمة لأخلاقهم ولا لسلوكهم, بل هم ذيول لأسيادهم تابعين لهم, بل لم يكن
стр. 410
يتحرك أيّ ساكن تجاه ظلم هذه الطبقة في النظام الإقطاعي، وتَمَّ هذا كله تحت غطاء الدين الذي وصفه السادة الإقطاعيون والبابوات كأوامر إلهية لا يجوز الخروج عنها, والتي هي بمثابة مكابح قوية لجماهير المستضعفين من قبل السادة الإقطاعيين ورجال الدين, ثم حدث الصراع المرير بين الإقطاعيين والمستضعفين بعد أن ظهر النظام الرأسمالي الذي نادى بالتحرر من كل القيود الإقطاعية ونبذها، وما إن انتصر النظام الرأسمالي المنادي بالحرية والمساواة والإنسانية إلّا وتكشف الحقيقة من أن العامل الفقير أصبح تبعًا للرأسمالي, كما كان الحال في النظام الإقطاعي, فإمَّا أن يعمل الفقير تحت رحمة الرأسمالي, وإما أن يموت جوعًا، ولم يعد للإنسان أيّ قيمة في النظام الرأسمالي إلّا من خلال عمله الدءوب لسيده الرسمالي تحت تسمية خادعة هي العمل لمصلحة الجميع, والتي تصب في النهاية في خزائن أصحاب رءوس الأموال، هكذا زعموا, فما مدى صحة تلك التعليلات؟
الواقع أن تلك التعليلات كلها رجم بالغيب, لا يملكون عليه أيّ دليل, بل كلها يسوقها الملاحدة لتشويه صورة القيم والأخلاق والدين؛ لكي يصل الناس إلى النتيجة المرادة المستهدفة, ألا وهي الوصول إلى تطبيق المبادئ الاشتراكية الشيوعية التي تنظر إلى القيم والأخلاق على أنها أمور زائفة لا قمية لها, ولا يجب على المناضل الشيوعي أن يعيروها أيّ اهتمام؛ لأن الشيوعي عرف الحقيقة من وراء قيام كل القيم والأخلاق؛ إذ هي تبريرات فاسدة ونفاق خفيّ على أساس أن الغايات تبرر الوسائل, وقد ساندها الدين لإبقاء الطبقات الكادحة على ما هم عليه, أو للأمور
стр. 411
الأخرى التي تقدَّم ذكرها -بزعم الماركسيين, وعلى هذا فإن الشيوعي لا يجب عليه الالتزام بأي خلق أو دين في سبيل قيام الشيوعية, لا حرج عليه أن يكون كذابًا غشاشًا مخادعًا متلونًا, فإن الكفاح من أجل الشيوعية يجيز كل ذلك, وإذا لم يكن الشيوعي الثوريّ كذلك, فإنه ليس بمناضل ثوري حقيقي، إنها جناية كبرى ارتكبتها الشيوعية في حق الأخلاق والقيم, وخالفوا الفطرة التي جُبِلَ عليها البشر على امتداد تاريخهم من حب الخير وبغض الشر, وما يتبعهما من صفات وسلوك فاضل.
стр. 412
المبحث العاشر: القضاء على الأسر
يزعم الملاحدة أن نظام الأسرة إنما هو ناشئ عن أوضاع اقتصادية مثله مثل سائر القيم والأخلاق، وليس هناك نظام إلهي بشأنه، ولهذا فهو قابل للتطور حسب الأحوال الاقتصادية؛ لأن الأسرة في النظام الشيوعي -حسب تصوراتهم- إنما نشأت عن تطورات متلاحقة حسب تفسيرهم المادي للحياة, كانت بدايتها على الأقسام الآتية١:
١- أسرة الجيل.
٢- أسرة الشركاء.
٣- الأسرة الزوجية.
٤- الأسرة الوحدانية.
١- أما أسرة الجيل -كما تصوروها: فيزعمون أن العلاقات الجنسية كانت مباحة بين أبناء الجيل الواحد بين الإخوة والأخوات, ومحرمة فيما دون ذلك, أي بين جيل الآباء وجيل الأبناء، واستمرَّ في هذه المرحلة تصنيف المجموعات الزوجية تبعًا للأجيال: الأبناء جيل, والآباء جيل, والأجداد جيل, والأحفاد جيل، كل جيل لا يتزوج إلّا من جيله, ولا يصح التبادل بين الأجيال.
стр. 413
ثم حدث تطور جديد فحُرِّمَت فيه العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات بطريقة تدريجية, أي: كان التحريم أولًا بين الأخوة والأخوات من الأم الواحدة, ثم شمل التحريم بعد ذلك جميع الأخوة والأخوات الأباعد, ثم زعموا أنّ أسرة الجيل هذه قد انقرضت.
٢- أما أسرة الشركاء فقد كانت العلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع في شراكة تامّة؛ بحيث أصبح الولد لا يعرف له أبًا أكيدًا، ومن هذه الأسرة انبثقت أسرة العشيرة.
٣- أما الأسرة الزوجية فقد عرفت بمباشرة الرجل لزوجة واحدة في رباط زوجي, ولكن تعدَّد الزوجات والخيانة الزوجية ظلتا من امتياز الرجل, وأما المرأة فتطالب أن تكون على إخلاص تامٍّ للزوج, فإذا زنت عوقبت عقابًا شديدًا, وعند اختلاف الزوجين يرجع الأولاد إلى أبيهم, كما كان الحال في السابق.
٤- أما الأسرة الواحدانية فهي الأسرة التي تقوم على سيطرة الرجل لإنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم؛ لكي يحصلوا على إرث مال أبيهم بعد وفاته, وفي هذه الأسرة يكون تسريح الزوجة أو عدمه بيد الرجل فقط, وليس برضى الطرفين كما في رباط الزوجية السابق, وكانت الزيجة الواحدانية تقدمًا تاريخيًّا عظيمًا, وزعموا أن الأسرة الوحدانية لم تقم على الأحوال الطبيعية التي كانت الأحوال الجنسية مشاعة بين الجميع، بل قامت على الأحوال الاقتصادية, وانتصار الملكية الخاصة على الملكية العامة المشاعة.
стр. 414
ولاشك أن القارئ يدرك تمامًا أن هذا التقسيم وهذا التنظيم إن هو إلّا محض خيال وافتراء, ومن العجيب أنهم يعترفون أن الناس في ذلك الزمن ما كانوا يعرفون الحضارة ولا التقدّم ولا القراءة ولا الكتابة, فمن أين لهم هذه السجلات التي استقوا منها هذه المعلومات الموغلة في القدم, ومن يصدق مثل هذه الترهات ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
والإنسان في مفهومهم مرة يجعلونه بدائيًّا تافهًا, بل حشرة من الحشرات, ومرة يجعلونه أساس التطور حينما كان يعيش على نظام كل شيء مشاع, ولهذا فهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى تلك الحال التي يعبِّرون عنها بالحال السعيدة للمجتمع البشري, والباطل لا بُدَّ وأن يتناقض أهله فيه.
فالأسرة في ظل الشيوعية كما عبَّر عنها "إنجلز" لا تسعد إلّا في حال إلغاء الملكية الخاصة وذوبان الأفراد وكل مصالحهم في المجتمع العام, وظهور شيوعية الجميع في الأحوال والنساء والأطفال الذين تنتقل العناية بهم من الآباء والأمهات إلى المجتمع كلَّه متمثلًا في الدولة -أي: إذا سادت الحياة البهيمية.
يقول "إنلجز": "إن العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصَّة لا تعني إلّا الأشخاص المعنيين, والمجتمع لن يتدخَّل فيها, وهذا سيكون ممكنًا بفضل إلغاء الملكية الخاصة, وبفضل تربية الأولاد على نفقة المجتمع, ونتيجة
стр. 415
ذلك يكون أساس الزواج الراهنان قد أُلغيا, فالمرأة لن تعود تابعة لزوجها، ولا الأولاد لأهلهم هذه التبعية التي ما تزال موجودة بفضل الملكية الخاصة".
وقال أيضًا: "فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى الأسرة الفردية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع, وينقلب الاقتصاد البيتي الخاص إلى صناعة اجتماعية, وتصبح الغناية بالأطفال وتربيتهم من الشئون العامة, فيعنى المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال, سواء أكانوا شرعيين أم طبيعيين, وبذلك يختفي القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جرّاء العواقب التي هي في زماننا أهم حافز اجتماعي -اقتصادي وخلقي- يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب, فلن يكون هذا سببًا كافيًا لازدياد حرية الوصال الجنسي شيئًا فشيئًا, ومن ثَمَّ لنشوء رأي عام أكثر تساهلًا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء"١.
فانظر هذا الكلام الساقط كيط أراد أن يضحي بكل شيء في تغيير حياة البشر, ويقلبها رأسها على عقب في سبيل أن يمحو من الأذهان شرف العذارى وعار النساء, هذا هو الحل الذي اقترحه المجرم "إنجلز" في قضائه على الشرف والحياة والحشمة عند المرأة, وهذا هو مبلغه وأشباهه من العلم, وكأن الحياة كلها متوقفة على وجود حرية الاتصال الجنسي شيئًا فشيئًا إلى أن يتحول إلى رأي عام أكثر تساهلًا فيه, وعندها تتم السعادة ويمحى شيء اسمه العار أو الحياء أو الحشمة؟!
стр. 416
وإذا كان يحصل هذا في المجتمع المتحرر عن الملكية الفردية, فلا يرد عليه -في مفاهيم- المجتمع الزراعي وتعاون أهله فيما بينهم للضرورة إلى هذا الترابط الأسري؛ لأن ترابط الأسرة في المجتمع الزراعي أمر بدهي يتطلبه الرغبة في إتقان العمل وزيادة الإنتاج الذي يحتاج بدوره إلى تكاتف الأيدي العاملة, فهذا يحرث, وذاك يحصد, وهذا يقوم بعملية الري, وذلك بتحسين المزروعات, وآخر بتخزينها, وهكذا تفرض عليهم هذه الحالة تكاتفًا أسريًّا قويًّا, ولكن حينما جاء المجتمع الصناعي تفكَّك أمر الأسرة, وذلك لعدم الحاجة إلى ذلك التكاتف الذي نشأ في العهد الزراعي.
فإن العمل في الصناعة يقوم على الفردية واستقلال كل شخص بعمله, دون اشتراط وجود آخرين إلى جانبه, فعمله خاص به وهو مسئول عنه وحده, ويأخذ أجره على العمل وحده كذلك، وهذا يشمل أيضًا المرأة حينما تعمل.
وبالتالي فالمجتمع هنا يصبح كل فرد فيه حرّ ليس له علاقة بغيره, إن أراد الرجل بقاء صداقته مع زوجته فله ذلك, وإن أراد تركها فله بكل يسر, والمرأة كذلك لها أن تقطع علاقتها الزوجية في أي وقت شاءت, فعملها ووظيفتها وما تملكه من المال يجعلها لا تكترث بأي علاقة دائمة مع أي شخص, سواء أكان الزوج أو الأولاد أو الأقارب أو الأجانب عنها, وبالتالي فالعلاقات الجنسية الحرة هي السمة البارزة لهذا المجتمع الصناعي -أي: الإباحية والفجور, وهذه هي النتيجة التي يعيشها العالم المادي الملحد, حالة من التفكك الأسري والإباحية والتمرد على كل شيء، مجتمع نزعت منه الرحمة وصلة ذوي القربى والعاطفة نحو الآخرين والعفة والحياء, ولهذا
стр. 417
أصبحوا أحطّ من الأنعام, قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ١؛ لأن الأنعام يعطف بعضها على بعض أقلَّ شيء في مرحلة الصغر, فالدابة ترفع حافرها عن ولدها, بينما هؤلاء يرمون بأولادهم في المحاضن الحكومية, وبعضهم يرمونهم في الأدوار العلوية لبيوتهم, أو يحبسونهم في البيوت حتى الموت كما سمعنا وقرأنا في المجلات والنشرات, وهي صور لا يطيق العاقل سماعها لبشاعتها وهولها.
والمحسنون منهم يرمون أولادهم في الحضَّانات الحكومية, ولا يفكرون فيهم بعد ذلك, وهذا هو ما كان يريده الشيطان الرجيم "كارل ماركس".
- تعقيب:
لقد داس الملاحدة كل القيم؛ إذ لا وجود لها عندهم إلّا من خلال ما تمر عليه الظروف الاقتصادية التي هي المؤسس الحقيقي بزعمهم لكل١ القيم والأخلاق والأسرة والدين وسائر العلاقات كما عرفت سابقًا، ومن هنا ساغ لهم القول بأن الملكية الجماعية الشيوعية في زمن الشيوعية الأولى البدائية كانت صوابًا؛ لأنها كانت هي الوضع الحتمي لذلك الوقت, ثم تغيَّرت بفعل التطور إلى ملكية فردية, وكانت كذلك مرحلة مرَّت, ثم نشأ الرق والإقطاع والرأسمالية, فكانت كل منها صوابًا في وقتها يحصل التناقض الحتمي, ومع القول بحتمية وقوع كل مرحلة إلّا أنهم يقولون: إن كل مرحلة جديدة تجعل السابقة خطأ يجب تركه ومحاربته بعد تجاوزها, إلى أن تصل إلى الشيوعية الماركسية, فتستقر حينئذ الأوضاع, ويدخل الناس في السعادة الشيوعية!
стр. 418
وكذلك سائر القيم من العفَّة وسيطرة الأب والتدين وترابط الأسرة والتعاون الجماعي, كل ذلك كان صوابًا في وقته، ولكن بعد سرعة التطور والوصول إلى الشيوعية الماركسية يجب أن تعتبر تلك القيم كلها باطلة ويجب محاربتها؛ لأنها لم تعد مناسبة للأحوال الاقتصادية للمجتمع الشيوعي الجديد -أي: بعد تلك التطوارت الخيالية- التي تصورت في أذهانهم عن نشأة الكون وما فيه, وكذا القيم والأخلاق وسائر أنواع السلوك, وهكذا وقف الملاحدة ضد الأسرة كما وقفوا ضد الدين؛ إذ الأسرة لا تبعد في الواقع عن التدين؛ ولأن معنى قيام الأسرة منع الفوضوية الجنسية التي ينادي لها الملاحدة, وقيام الأسرة يحد من ذلك بطبيعة الحال.
كما أنها كذلك تثير مشاعر الأثرة في الوالدين, وتقوي حب التملك من أجل توريث الأولاد ما يملكه الوالدان، ومعنى هذا العودة إلى نشوء الملكية الفردية, وهو ما تحاربه الشيوعية بكل ضراوة, وتبعًا لبغضهم الملكية الفردية فإنه يجب أن يبغض كل شيء يمت لها بصلة, ومن جهة أخرى فإن البديل للأسرة في النظام الشيوعي هو الولاء للدولة والذوبان في النظام والحزب والزعيم والوطن, وليس غير ذلك, بينما نظام الأسرة يشكِّل ارتباطًا آخر غير هذا الارتباط العام الذي لا تسمح الشيوعية إلّا به؛ لأن النظام الشيوعي -ومثله النظم المتجبرة- تريد أن يكون كله في طاعة عمياء للحزب, وولاء مطلق لهم, وجواسيس على بعضهم بعضًا, لا يخرج عنهم أحد, ونظام الأسرة لا يسمح بتنفيذ هذا كما يريدون, فالأسرة لا تسمح بأن يخل بنظامهم الاجتماعي أي أذى, وهذا يحد من نشاط الجاسوسية الدقيقة على كل فرد من أفراد المجتمع، كما أنه يحد من استعباد الدولة للشعب والقضاء على
стр. 419
الأسرة من الضمانات التي يعتمد عليها النظام الشيوعي في تربية الأولاد منذ نعومة أظفارهم على الولاء الكامل للدولة والحزب والزعيم, وليس وراء ذلك أي ولاء لأحد.
ومن العجيب أنهم يسمون الجهل والتخبط القائم على غير دليل صحيح نظريات علمية أو أبحاثًا علمية، فترى الكثير من الناس يسارع إلى تقبل تلك النظريات دون أن يكلف نفسه السؤال عن مدى صحة تلك الدعايات, وهل هي فعلًا نتجت عن علم حقيقي, أم عن تخطيط مدروس للإجهاز على القيم والأخلاق والتديُّن باسم العلم والتقدم.
إن كان ما جاء به الملاحدة من مزاعم عن بدء الأسر وتكونها, وأنها مرَّت بفترات أولها الشيوعية الأولى, ثم بدأت الأسر تتكون بفعل التطور الاقتصادي كما يزعمون, إن هو إلّا كذب وجرأة على تشويه تاريخ الأمم, لا يستندون فيه إلّا على ما تخيلوه في أذهانهم المريضة, وما يزعمونه أيضًا من وجود تلك الشيوعية في بعض القبائل المتأخرة التي عثر عليها في آسيا وإفريقيا واستراليا في القرنين السابقين، إن صدقوا، ولكن هل انحراف هؤلاء يكفي دليلًا لتلطيخ تاريخ البشرية كله بسبب انحراف جماعة هنا أو هناك؟
إن تفسير الملاحدة لقيام الأسرة بأنه عن دافع اقتصادي فقط هو قول باطل وقصور واضح, مع العلم أن للأوضاع الاقتصاية جانب مهم في حياة الناس, ولكن ليس هي كل شيء في حياتهم, بل هي أحد العوامل في حياتهم الواسعة الشاملة التي لا يمكن أن تنحصر في جانب واحد, وكذلك فإن قيام الأسرة لم يكن سببه فقط الدوافع الجنسية والاقتصادية, بل له أسباب كثيرة
стр. 420
تتطلبها فطرة الإنسان وما جبلت عليه من حب الهدوء والألفة وبناء الحياة والأنس بالآخرين, وحب التكامل, وحب تربية الأطفال, التي لا يمكن أن تتكامل تكاملًا صحيحًا جسديًّا وعقليًّا في غياب الأمهات عن أولادهن, وترك الأولاد للمحاضن الجماعية التي هي أشبه ما تكون بتربية قطعان الحيوانات دون شعور بالحب والعطف, والراحة النفسية التي يجدها الطفل في حضن أمه.
وما تقدَّم إنما هو إشارة إلى أن تكوين الأسرة لم يكن ناتجًا عن النظرة الاقتصادية فقط -كما زعم الملاحدة, بل لأسباب نفسية كثيرة أرادها الله , وفطر النفوس عليها, ومن شذَّ عن هذا السلوك فهو شاذ, ولهذا لا يشعر الإنسان بتلك السكينة والطمأنينة التي يجدها في بيته وبين أطفاله مهما وجد من المتع الجنسية عن طريق الحرام, ومهما ملك من الأموال, كما أنه لن يجد حلاوة ذلك التنظيم الإلهي لتكوين الأسرة وتكافلها فيما بينها, وقيام الرجل بواجباته خارج البيت, وقيام المرأة بواجباتها داخل البيت, وتصريف الأولاد في الأمور التي يطيقونها, وما ينشأ عن ذلك من الهدوء والسكينة والتعاون الذي حُرِمَ منه أولئك المعاندون للفطرة وللعقل ولأحكام الله .
لقد نسي أولئك الملاحدة أو تناسوا عمدًا أنَّ الذين أقبلوا على الفوضى الجنسية وقطع العلاقات الأسرية, نسوا أن هؤلاء يعيشون عيشة ملؤها القلق والاضطراب والأمراض العصبية, مع توفر كل ما يطلبونه من المتع الجنسية ومن المال أيضًا, وإلّا لماذا يبادر أولئك إلى الانتحار المتتابع -وما أكثره في أوروبا- بين الرجال والنساء والأحداث, وما أكثر ما يتأوه عقلاؤهم من أوضاعهم التي تزداد سواء كلما ازداد تفكك الأسرة وفشت الجرائم تحت تسمياتهم الخادعة "حرية، مساواة، ديمقراطية ... إلخ", ما خدعوا به
стр. 421
الناس, وأخرجوهم عن فطرهم التي فطرهم الله عليها, إلى الشقاء وتأنيب الضمير.
ومثل ذلك التفسير السخيف بقيام الأسر تجده تمامًا في تفسيرهم للحفاظ على الأمور الجنسية والقيم والعادات المتعلقة بذلك من العفة وغض النظر وحفظ الفرج بأنها عقبات, وأن السبب في كل هذه العقبات أمام شيوعية الجنس إنما يعود إلى المجتمع الزراعي؛ حيث إن الرجل يغار على زوجته وابنته بدافع سيطرته وامتلاكه لأمور البيت الاقتصادية, فهو المكتسب وهو الذي يتعامل مع الحياة كلها في خارج البيت, بينما تكون المرأة حبيسة البيت, ليس بيدها أيّ مصدر إلّا عن طريق الرجل, وهنا فرض الرجل على المرأة العفَّة قبل الزواج وبعده, وأن تكون له وحده حين يتزوج بها, ومن هنا أصبحت العفة فضيلة خلقية واجتماعية مهمَّة في مثل هذه المجتمعات، ولكن حينما ظهر المجتمع الصناعي لم يعد الرجل يفرض على المرأة تلك العادات والأخلاق الجنسية بسبب انقلاب الأمور الاقتصادية؛ حيث دخلت المرأة ميدان التكسُّب والعمل والوظيفة, وصارت تملك المال الذي حرَّرها من قبضة الرجل, فلم يعد يملك مطالبتها بالعفَّة لا قبل الزواج ولا بعده, ولا أن يطالبها بأن تكون له وحده, فهي زميلة في العمل, وقد تملك من المال أكثر مما يملك, ولها حق التصرف بحرية تامة في مالها وفي نفسها دون أيّ اكتراث بالعفة أو الفضيلة, فقد تحرَّرت في المجتمع الصناعي لتغير الأحوال الاقتصادية, فلم تعد كما كانت في المجتمع الزراعي عالة على الرجل في كل شيء, وبهذا التفسير الإلحادي الشيوعي لا يبقى مجال للقول بأن العفة والأخلاق نشئت عن أمر إلهي أو ديني, بل عن أمر اقتصادي, والقارئ يدرك
стр. 422
تمامًا أن هذه الافتراضات إنما هي أكاذيب وخيالات، فإن أمر الحفاظ على العفَّة وسائر القيم أمر فطري في الإنسان وفي سائر الحيوانات التي لا تهتم بالأمور الاقتصادية, فنرى ذكر الحيوان يغار على أنثاه ويدافع عنها, وترى الأنثى تحترم الذكر وتعطف على أولادها, سواء أكانت تملك قوتها أو لا تملكه، وقد أخبر الله عن وجود هذه الأمور في نفوس الناس منذ أن أوجدهم, ولهذا لا يمكن أن تجد امرأة مستغنية عن الرجل مهما كان مالها, ولا الرجل كذلك يستطيع أن يستغني عن المرأة مهما كان ماله، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالسعادة ليست فقط في وجود المال, بل قد يكون المال مصدر شقاء لصاحبه, ولك أن تسأل ماذا حصل للرجل والمرأة حينما دخلا معترك الحياة, وصار كلٌّ يحتطب لنفسه من المال ما يستطيع الحصول عليه، ومباح لكل منهما أن يعاشر من يريد عن طريق الإباحية الجنسية، أليس كل واحد منهما أحسَّ بأن الحياة في هذا السلوك رخيصة لا تساوي شيئًا, فرجعا إلى رباط الزوجية ليجدا فيه الأنس والراحة النفسية التي فقداها عن طريق الإباحية أو المال؟
وكان أولئك القساة القلوب لم يسمعوا بشكاوى من غرَّتهم المادية وجمع المال, ولا أنين تلك المرأة التي منعت نفسها من الزواج وجمعت المال والشهادات ما أحبت, فما أحسَّت بتجازوها مرحلة الإنجاب بدأت تبكي وتقول للناس: خذوا هذه الشهادة وخذوا أموالي وأعطوني طفلًا يقول لي: يا أمي, أشعر بالأنس إلى جانبه، أزيلوا عني آلامي وما أحس به من وحشة هذا المجتمع الذي لا يرحم ولا يحترم إلا الأقوياء فقط, ولكن أنَّى لأصحاب الأهواء آذانٌ صاغية تسمع أو قلوب تعقل.
стр. 423
المبحث الحادي عشر: محاربة الدين
يزعم المادّيون أن الدين إنما هو انعكاس وهميّ في أذهان البشر نحو قوة خارجية تسيِّر الكون لا أنَّه حقيقة منَزَّلة من الله كما هو إيمان جميع المؤمنين بالله تعالى، ثم زعموا أن هذا التوهُّم نشأ في أزمنة موغلة في القدم عند البدائيين؛ حيث كانت البداية هي توهم أن الإنسان له روح تسكن في جسده وتفارقه لحظة الموت, ومن هنا اضطروا إلى اصطناع أفكار تتوافق في العلاقة مع هذه الأرواح التي تطوّر أمرها بعد ذلك إلى توليد الآلهة الأولى وفي غير الأرض, ثم نشأ بفعل التولد في عقول الناس أن يتطوَّر أمر هذه الآلهة إلى إله واحد كما في الديانات التي تعبد إلهًا واحدًا, وعلى هذا فإن الدين إنما تولد عن نظريات الإنسان المحدودة التي نجمت عن عجزه المطلق أمام الطبيعة العاتية التي كان يخافها ولا يفهمها, فتصور أن ذلك إنما نتج عن إرادة سامية عليا فُسِّرَت بعد ذلك بإسنادها إلى الآلهة وقوتها وجبروتها المطلق, والتي أصبحت هذه الآلهة في شكل إله واحد قوي جبار عند الكثير، ثم زعموا أن هذه المعقتدات في الإله إنما تعود عند الإنسان في الأساس إلى ما قبل التاريخ، وحينما جاء العهد التاريخي وجدها هكذا فالتقطها بغباء دون فهم, وقد أرجعوا السبب في ذلك إلى الحالة الاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان في عهد ما قبل التاريخ, وهو اقتصاد ضعيف, وفي صورة بدائية تعتمد على الاشتراك في الصيد والماء والمراعي, وتعاون الجميع. هذا في عهد ما قبل
стр. 424
التاريخ, وأما حينما نشأ التطور الاقتصادي على نحوٍ أقوى بداية بعهد الرق والإقطاع والكنيسة, فقد استغلَّ هؤلاء الوجهاء هذا الجانب الإلهي لتخدير الكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم؛ وأن عليهم الرضوخ إذا أرادوا نعيم الجنة في مقابل عذاب الدنيا بطاعة أولئك, ولهذا باركت الكنيسة الرق وأوصت الكنيسة الأرقاء بطاعة أسيادهم, وهددتهم بالنار الأبدية إن لم يمتثلوا، وكان لهذه التعليمات أثر جيد في إنفاذ الحياة الزراعية الضرورية لحياة المجتمع, وفي حفظ المجتمع من الفقر ومن اندلاع نار الثورات, وفي الوقت الذي اشتد فيه كابوس الإقطاع في أوروبا قويت في المقابل السلطة الدينية للكنيسة، وليس فقط السلطة الدينية، بل والفلسفة والأدب والفنون على نفس النهج الذي يريده الإقطاعيون، ولم تكن الكنيسة وحدها في هذه القوة, بل ساندتها قوة السلطة التي كانت هي الأخرى سيدة الإقطاع وحاميته, والمستفيد الحقيقي من تخدير الشعوب بالدين، ولهذا وقف الحكام ورجال الكنيسة ضد كل من تسوّل له نفسه الخروج عن قبضتهم بوصفه بالإسم الذي يبيحون به دمه, وهو إطلاق "الهرطقة" عليه.
وما اشتعال الحروب التي خاضها البشر باسم الدين إلّا صراعًا طبقيًّا في حقيقته, نجم عن الحالات الاقتصادية فحسب، وحينما ظهرت الرأسمالية ضعف أمر الدين لتطور الاقتصاد وانتعاشه, ولكن البرجوازية أحسَّت بأنَّ نبذها للدين خطر عليها, فعادت إلى احتضانه وتستخيره لمصالحها, وهذا هو السبب في تعلُّق البرجوازية بالدين؛ لكي تظل على قوتها الرأسمالية.
стр. 425
هكذا علَّل الملاحدة لنشأة التدين عند الإنسان، وحينما جاءت الشيوعية في روسيا أعلنت الحرب الضروس على الدين وأهله, باعتبار أنه أفيون الشعوب, وأن الدين إنما كان في ورسيا وغيرها بسبب الضعف الاقتصادي, وعدم وجود حول ولا وقوة للطبقة الفقيرة إلّا بالاستناد إلى الدين كعزاء بديل لذلك الشقاء والفقر. ولكن بعد مجيء الشيوعية التي هيَّأت موارد للإنتاج لم يعد الفلاح في حاجة إلى الالتجاء إلى القوة الإلهية ليتسلَّى بها عن شقائه, وعليه حينئذ أن يتخلَّى عن الاعتقاد بوجود الإله وعن الدين كذلك؛ ليسعد في ظل النظام الشيوعي!
أما المجتمع الزراعي فقد كان تمسكمهم بالدين أمرًا واضحًا لوجد المقتضيات الكثيرة لازدهاره في أوساطهم -كما تذكر الشيوعية الماركسية في تعليلاتها الخرافية, كقولهم: إن الإنسان في هذا المجتمع يضع البذور في الأرض ويغذيها ويحوطها بعناية, ولا يملك أكثر من هذا, فهو لا يستطيع أن ينبتها كما يريد, ولا أن يجعلها تثمر أو لا تثمر, وهنا اضطر إلى التعلق بوجود قوة خارجية غيبية -الإله- وإلى استراضائه والتعلق به لإنجاح زراعته, وتحبب إليه بأنواع الطقوس -العبادات, وهذا بخلاف المجتمع الصناعي, فإنه لم يعد الإنسان في حاجة إلى التعلق بتلك القوة الغيبية؛ لأن أمر الصناعة ظاهر يسيطر عليه الشخص ويصرّفه كما يريد, فهو صنع يده وطوع أمره بخلاف الجانب الزراعي, وهذا هو تعليلهم ومبلغ علمهم لقوة التدين في العهد الزراعي وضعفه في العهد الصناعي -كما يزعمون, وهو تعليل يدل على سخافتهم وضحالة أفهامهم، كما أن هذا التفريق بين المجتمع