الناس, وأخرجوهم عن فطرهم التي فطرهم الله عليها, إلى الشقاء وتأنيب الضمير.
ومثل ذلك التفسير السخيف بقيام الأسر تجده تمامًا في تفسيرهم للحفاظ على الأمور الجنسية والقيم والعادات المتعلقة بذلك من العفة وغض النظر وحفظ الفرج بأنها عقبات, وأن السبب في كل هذه العقبات أمام شيوعية الجنس إنما يعود إلى المجتمع الزراعي؛ حيث إن الرجل يغار على زوجته وابنته بدافع سيطرته وامتلاكه لأمور البيت الاقتصادية, فهو المكتسب وهو الذي يتعامل مع الحياة كلها في خارج البيت, بينما تكون المرأة حبيسة البيت, ليس بيدها أيّ مصدر إلّا عن طريق الرجل, وهنا فرض الرجل على المرأة العفَّة قبل الزواج وبعده, وأن تكون له وحده حين يتزوج بها, ومن هنا أصبحت العفة فضيلة خلقية واجتماعية مهمَّة في مثل هذه المجتمعات، ولكن حينما ظهر المجتمع الصناعي لم يعد الرجل يفرض على المرأة تلك العادات والأخلاق الجنسية بسبب انقلاب الأمور الاقتصادية؛ حيث دخلت المرأة ميدان التكسُّب والعمل والوظيفة, وصارت تملك المال الذي حرَّرها من قبضة الرجل, فلم يعد يملك مطالبتها بالعفَّة لا قبل الزواج ولا بعده, ولا أن يطالبها بأن تكون له وحده, فهي زميلة في العمل, وقد تملك من المال أكثر مما يملك, ولها حق التصرف بحرية تامة في مالها وفي نفسها دون أيّ اكتراث بالعفة أو الفضيلة, فقد تحرَّرت في المجتمع الصناعي لتغير الأحوال الاقتصادية, فلم تعد كما كانت في المجتمع الزراعي عالة على الرجل في كل شيء, وبهذا التفسير الإلحادي الشيوعي لا يبقى مجال للقول بأن العفة والأخلاق نشئت عن أمر إلهي أو ديني, بل عن أمر اقتصادي, والقارئ يدرك
стр. 422
تمامًا أن هذه الافتراضات إنما هي أكاذيب وخيالات، فإن أمر الحفاظ على العفَّة وسائر القيم أمر فطري في الإنسان وفي سائر الحيوانات التي لا تهتم بالأمور الاقتصادية, فنرى ذكر الحيوان يغار على أنثاه ويدافع عنها, وترى الأنثى تحترم الذكر وتعطف على أولادها, سواء أكانت تملك قوتها أو لا تملكه، وقد أخبر الله عن وجود هذه الأمور في نفوس الناس منذ أن أوجدهم, ولهذا لا يمكن أن تجد امرأة مستغنية عن الرجل مهما كان مالها, ولا الرجل كذلك يستطيع أن يستغني عن المرأة مهما كان ماله، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالسعادة ليست فقط في وجود المال, بل قد يكون المال مصدر شقاء لصاحبه, ولك أن تسأل ماذا حصل للرجل والمرأة حينما دخلا معترك الحياة, وصار كلٌّ يحتطب لنفسه من المال ما يستطيع الحصول عليه، ومباح لكل منهما أن يعاشر من يريد عن طريق الإباحية الجنسية، أليس كل واحد منهما أحسَّ بأن الحياة في هذا السلوك رخيصة لا تساوي شيئًا, فرجعا إلى رباط الزوجية ليجدا فيه الأنس والراحة النفسية التي فقداها عن طريق الإباحية أو المال؟
وكان أولئك القساة القلوب لم يسمعوا بشكاوى من غرَّتهم المادية وجمع المال, ولا أنين تلك المرأة التي منعت نفسها من الزواج وجمعت المال والشهادات ما أحبت, فما أحسَّت بتجازوها مرحلة الإنجاب بدأت تبكي وتقول للناس: خذوا هذه الشهادة وخذوا أموالي وأعطوني طفلًا يقول لي: يا أمي, أشعر بالأنس إلى جانبه، أزيلوا عني آلامي وما أحس به من وحشة هذا المجتمع الذي لا يرحم ولا يحترم إلا الأقوياء فقط, ولكن أنَّى لأصحاب الأهواء آذانٌ صاغية تسمع أو قلوب تعقل.
стр. 423
المبحث الحادي عشر: محاربة الدين
يزعم المادّيون أن الدين إنما هو انعكاس وهميّ في أذهان البشر نحو قوة خارجية تسيِّر الكون لا أنَّه حقيقة منَزَّلة من الله كما هو إيمان جميع المؤمنين بالله تعالى، ثم زعموا أن هذا التوهُّم نشأ في أزمنة موغلة في القدم عند البدائيين؛ حيث كانت البداية هي توهم أن الإنسان له روح تسكن في جسده وتفارقه لحظة الموت, ومن هنا اضطروا إلى اصطناع أفكار تتوافق في العلاقة مع هذه الأرواح التي تطوّر أمرها بعد ذلك إلى توليد الآلهة الأولى وفي غير الأرض, ثم نشأ بفعل التولد في عقول الناس أن يتطوَّر أمر هذه الآلهة إلى إله واحد كما في الديانات التي تعبد إلهًا واحدًا, وعلى هذا فإن الدين إنما تولد عن نظريات الإنسان المحدودة التي نجمت عن عجزه المطلق أمام الطبيعة العاتية التي كان يخافها ولا يفهمها, فتصور أن ذلك إنما نتج عن إرادة سامية عليا فُسِّرَت بعد ذلك بإسنادها إلى الآلهة وقوتها وجبروتها المطلق, والتي أصبحت هذه الآلهة في شكل إله واحد قوي جبار عند الكثير، ثم زعموا أن هذه المعقتدات في الإله إنما تعود عند الإنسان في الأساس إلى ما قبل التاريخ، وحينما جاء العهد التاريخي وجدها هكذا فالتقطها بغباء دون فهم, وقد أرجعوا السبب في ذلك إلى الحالة الاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان في عهد ما قبل التاريخ, وهو اقتصاد ضعيف, وفي صورة بدائية تعتمد على الاشتراك في الصيد والماء والمراعي, وتعاون الجميع. هذا في عهد ما قبل
стр. 424
التاريخ, وأما حينما نشأ التطور الاقتصادي على نحوٍ أقوى بداية بعهد الرق والإقطاع والكنيسة, فقد استغلَّ هؤلاء الوجهاء هذا الجانب الإلهي لتخدير الكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم؛ وأن عليهم الرضوخ إذا أرادوا نعيم الجنة في مقابل عذاب الدنيا بطاعة أولئك, ولهذا باركت الكنيسة الرق وأوصت الكنيسة الأرقاء بطاعة أسيادهم, وهددتهم بالنار الأبدية إن لم يمتثلوا، وكان لهذه التعليمات أثر جيد في إنفاذ الحياة الزراعية الضرورية لحياة المجتمع, وفي حفظ المجتمع من الفقر ومن اندلاع نار الثورات, وفي الوقت الذي اشتد فيه كابوس الإقطاع في أوروبا قويت في المقابل السلطة الدينية للكنيسة، وليس فقط السلطة الدينية، بل والفلسفة والأدب والفنون على نفس النهج الذي يريده الإقطاعيون، ولم تكن الكنيسة وحدها في هذه القوة, بل ساندتها قوة السلطة التي كانت هي الأخرى سيدة الإقطاع وحاميته, والمستفيد الحقيقي من تخدير الشعوب بالدين، ولهذا وقف الحكام ورجال الكنيسة ضد كل من تسوّل له نفسه الخروج عن قبضتهم بوصفه بالإسم الذي يبيحون به دمه, وهو إطلاق "الهرطقة" عليه.
وما اشتعال الحروب التي خاضها البشر باسم الدين إلّا صراعًا طبقيًّا في حقيقته, نجم عن الحالات الاقتصادية فحسب، وحينما ظهرت الرأسمالية ضعف أمر الدين لتطور الاقتصاد وانتعاشه, ولكن البرجوازية أحسَّت بأنَّ نبذها للدين خطر عليها, فعادت إلى احتضانه وتستخيره لمصالحها, وهذا هو السبب في تعلُّق البرجوازية بالدين؛ لكي تظل على قوتها الرأسمالية.
стр. 425
هكذا علَّل الملاحدة لنشأة التدين عند الإنسان، وحينما جاءت الشيوعية في روسيا أعلنت الحرب الضروس على الدين وأهله, باعتبار أنه أفيون الشعوب, وأن الدين إنما كان في ورسيا وغيرها بسبب الضعف الاقتصادي, وعدم وجود حول ولا وقوة للطبقة الفقيرة إلّا بالاستناد إلى الدين كعزاء بديل لذلك الشقاء والفقر. ولكن بعد مجيء الشيوعية التي هيَّأت موارد للإنتاج لم يعد الفلاح في حاجة إلى الالتجاء إلى القوة الإلهية ليتسلَّى بها عن شقائه, وعليه حينئذ أن يتخلَّى عن الاعتقاد بوجود الإله وعن الدين كذلك؛ ليسعد في ظل النظام الشيوعي!
أما المجتمع الزراعي فقد كان تمسكمهم بالدين أمرًا واضحًا لوجد المقتضيات الكثيرة لازدهاره في أوساطهم -كما تذكر الشيوعية الماركسية في تعليلاتها الخرافية, كقولهم: إن الإنسان في هذا المجتمع يضع البذور في الأرض ويغذيها ويحوطها بعناية, ولا يملك أكثر من هذا, فهو لا يستطيع أن ينبتها كما يريد, ولا أن يجعلها تثمر أو لا تثمر, وهنا اضطر إلى التعلق بوجود قوة خارجية غيبية -الإله- وإلى استراضائه والتعلق به لإنجاح زراعته, وتحبب إليه بأنواع الطقوس -العبادات, وهذا بخلاف المجتمع الصناعي, فإنه لم يعد الإنسان في حاجة إلى التعلق بتلك القوة الغيبية؛ لأن أمر الصناعة ظاهر يسيطر عليه الشخص ويصرّفه كما يريد, فهو صنع يده وطوع أمره بخلاف الجانب الزراعي, وهذا هو تعليلهم ومبلغ علمهم لقوة التدين في العهد الزراعي وضعفه في العهد الصناعي -كما يزعمون, وهو تعليل يدل على سخافتهم وضحالة أفهامهم، كما أن هذا التفريق بين المجتمع
стр. 426
الزراعي والمجتمع الصناعي إن هو إلّا محض افتراء سخيف وهضم للإنسان، بل وإنكار لحق الله على عباده، ولا يملكون على ذلك أيّ دليل صحيح، ثم أليس الإنسان يواجه مشكلات وتعقيدات وأخطارًا في المجتمع الصناعي كما هو في المجتمع الزراعي، وأن قدرة الإنسان هي نفس القدرة في المجتمعين، فيكف احتاج إلى الله والتدين في المجتمع الزراعي واستغني عنه في المجتمع الصناعي، وماذا فعلت الشيوعية في المجتمع الزراعي والصناعي, أليس أتباعها الآن يتكفَّفون الغرب الزراعي الصناعي, وهم مقرون بالخالق , مما يدل على خساة الشيوعية دينهم ودنياهم.
- من الذي غذَّى اشتداد العداوة للدين؟
لقد واجه الدين عدوَّين لدودين، هما: المخطط اليهودي، والمخطط المادي الشيوعي الناتج في البداية عن المخطط اليهودي والمتمم له.
أما المخطط اليهودي فلا شك أن اليهود وهم يريدون استحمار الجوييم يعرفون تمامًا أنه لا سبيل لهم إلى استعباد البشر إلّا بمحو دينهم وسلخهم من عقائدهم وأخلاقهم؛ لأن اليهود عرفوا أنه لا سبيل لهم إلى تحقيق مآربهم ما دام للبشر دين وأخلاق وتراث يرجعون إليها, واليهود أعدى أعداء البشرية على امتداد تاريخهم وحروبهم معهم لا تنقطع, ومؤامراتهم ضدهم لا حدَّ لها, فهم سراق العقائد، والأخلاق والأموال.
وأما العداء الشيوعي فهو امتداد طبيعي لعداء اليهود مضافًا إليه الحقد على الدين وأهله, وعلى سائر البشر الذين لم يستسلموا لطغيانهم, وحينما
стр. 427
وقفت الكنيسة في صف الإقطاعيين والرأسماليين ضد النفوذ الشيوعي, جاعلين الدين شعارًا لهم في حرب الشيوعية, تضاعف حقد الملاحدة على الدين وعلى كل مَنْ يمثله, واستفاد الملاحدة فوائد كثيرة من وقفة الكنيسة إلى جانب الاستبداديين؛ حيث أغروا الناس بعداوة الدين وأهله.
واشتد حقدهم على نسبة أيّ حق أو عدل أو خير إلى الله , فقد سخروا من كل من يعتقد ذلك ورموه بأنواع السباب؛ إذ ليس هناك -في ميزانهم- حق وعدل وخير وتوجيه من الله؛ إذ أن كل ما يصدر عن الناس من تصرفات إنما هي نتيجة للأحوال الاقتصادية, وتغيراتها المتلاحقة دون أن يكون هناك توجيه غيبي يسيّر الكون أو تظهر الأخلاق عن طريقه. وهم يرتاحون لنسبة الحق والعدل إلى الشيوعية, ولكنهما محرَّمان نسبتهما إلى الله تعالى, ولكن الله متم نوره ولن كره الكافرون, وقد أذلَّهم الله تعالى أيَّما إذلال.
ومن الجدير بالذكر أن الملاحدة قد يتظاهرون أحيانًا بذكر كلمات الدين والتدين, فيظن من لا يعرف أهدافهم أنهم يريدون ذكر الدين والرضى به, بينما هم في الواقع في غاية البعد عن هذا المفهوم السليم, ولهذا يقول المفكر المسلم وحيد الدين خان: "إنه على الرغم من أن كلمة "الدين" موجودة في التفسير الجديد للدين, ولكن الدين هنا في صورته الحقيقة والعملية لا يختلف عن الإلحاد الكامل في شيء".
"في ضوضاء هذه الدراسة الاجتماعية والتاريخية المزعومة يضيع أصل الدين في هذا التفسير المستحدث فيصبح الدين مجرد ظاهرة
стр. 428
اجتماعية, ويفقد قيمته الحقيقة في توجيه الحياة والمجتمع وهداية الإنسان لما فيه خيره في الدنيا والآخرة"١.
وتارةً يرجع أولئك الملاحدة تفسير الدين حسب خرافاتهم إلى قابلية الشخص واستعداده الذهني لإدراك شتَّى الصور التي يتخيلها بعد ذلك دينًا، كالشاعر الذي يتصوّر أشياء في خياله اللاشعوري, وهذه تسمَّى نبوة عند بعض كبارهم.
ويرى محرر دائرة معارف العلوم الاجتماعية أنه يمكن تشبيه الدين بالفن؛ من حيث أن الفنَّان يتمتع بذوق غير عادي في الأمور الفنية, فكذلك رجل الدين يتمتَّع بنظرة قوية وأذن صاغية؛ فيصل بتجاربه إلى معرفة الدين، مع أنهم قد أقروا بأن الدين لا تدخل معرفته تحت التجارب -كما تقدَّم- وهم يهدفون من وراء هذا السخف إلى إنكار النبوات الإلهية ويقرر "ت.ر. مايلزم": إن الدين إذ قُصِدَ به ما بعد الطبيعة، أي: القول بأنه وحي من الله تعالى, فإنه حينئذ يفقد معناه الحقيقي, أما إذا أريد بالدين معنى مجازيًّا بمعنى قوة الذكاء والإلهام, فإنه حينئذ يكون معناه مقبولًا لدى الأشخاص الذين يتَّصفون بقابليتهم للتدين.
ويرى"اليكيس كاريل" أن التديُّن إنما يصل إليه الإنسان بجهوده الشخصية وتطلعه إلى ذلك مثله مثل الشخص الذي يريد أن يصبح مصارعًا فيستعد لتقوية بدنه بالرياضة وترويض أعضائه, فكذلك المتدين يصل بصقل روحه وتهذيبها إلى التدين الذي يقتنع به٢.
стр. 429
وهذا التفسير للدين خرافة وسذاجة, وذلك لأنه يعتبر مصدر الدين قوة تخيل البشر وسموّ ذكاءهم لا أنه من الله تعالى, أو عن وحيه؛ إذ لا وجود لذلك في قاموس إلحادهم, فكيف يكون الدين من خيال البشر وله هذه المكانة في النفوس منذ أن وجدت البشرية إلى أن تنتهي؟ ألم تظهر روايات وقصص وكتابات خيالية لا حدود لها؟ ثم تنتهي في مدة وجيزة ولم يعد أحد يتأثر بها مع أنها أحيانًا نابعة من أعماق كبار الشعراء الذين يسميهم الملحدون أنبياء, ومن أعماق كبار أصحاب الفكر والأدب, ثم كيف تجمع البشرية على احترام التدين إلى هذا الحدّ لو كان ما يقوله الملحدون صحيحًا من أن التدين خيالات وفن؟ ولماذا نجح الأنبياء على طول الأزمنة وبقي ما خلفوه حيًّا في قلوب الناس, بينما تموت أفكار البشر وتنسى، بل وتمل على مر الزمان رغم تفنن أصحابها في الفصاحة, كذلك يقال لهم لو كان التدين يرجع إلى الذكاء؛ لكان لكل شخص دين يخصه يتوافق مع ذكائه وذوقه؛ لاختلاف الناس في الذكاء وفي الرغبات, ولما أمكن التفريق بين من يعمل الخير ومن يعمل الشر؛ لأن الخير والشر يصبحان لا ضابط لهما لاختلاف العقول والأديان من فرد إلى فرد، وهل الواقع يدل على هذا؟ أم أنه يدل على أن الناس يشتركون في دين حتَّى ينسخه الله بغيره, كما هو الحال في الأديان المنزَّلة على امتداد تاريخ البشر؟
كما أن هذا التفسير الإلحادي للدين يجعل كلمة النبوة أو ختم النبوة أمر لا معنى له؛ لأن النبوة إنما هي مجموعة صور خيالة جميلة, لا أن هناك إلهًا هو الذي يختار لها الشخص الذي يريده, وهو مفهوم شاذٌّ بالنسبة لما
стр. 430
أطبق عليه عامة الناس, وهل يصح أن يُلْتَفَتَ إلى كلام ملحد في آخر الزمان ويغفل إطباق تلك الملايين التي لا يعلم عددها إلّا الله وحده, فاتضح أن كل تفسيرات الملاحدة للدين أو استعمالهم لكلمة دين إنما يراد بذلك إمَّا المغالطة أو النفاق، وإمَّا أن نسميها سذاجة لبعدهم عن معرفة الدين, وجهلهم بكل حقائقه, فهم لا يفرِّقون بين الاتجاه الخاص بالدين وبين الاتجاهات الجاهلية التي أفرزتها عقول جاهلية ادَّعت معرفة كل شيء, ومن أعجب الأمور أن يسموا الدين الذي أطبقت البشرية على تقبله خيالات, ويسمون إلحادهم وخيلاتهم التي يردها العقل والواقع علميةً, وأين الثرى من الثريا؟
إن تفسير الملاحدة للتديُّن عن الإنسان كله كذب وافراض وهمي خيالي, فقد تصوروا في خيالهم أن نشأة الإنسان وظهور التدين عنده, ونشأة القيم والأخلاق إنما قامت على المادة وحدها, ومن المعلوم بداهية أنه مرت قرون عديدة والبشرية كلهم على التدين وعلى التعلق بإله قادر مهما اختلفت عبادتهم وعقائدهم وعبارتهم, فهل يلغي كل ذلك الاتفاق في تلك القرون السحيقة التي لا يعملها إلّا الله, ويؤخذ فيها برأي الملاحدة الشاذين, هذا ليس بمنطق صحيح أبدًا, وهل ما تصوروه من تطور الإنسان بسبب المادة يعضده دليل عقلي -إذ لا يوجد لهم دليل شرعي- إنه مجرد تحكّم أن يقسِّموا البشر إلى مجتمعات بدائية ومجتمعات زراعية ومجتمعات صناعية, وأن التدين في كل مرحلة كانت له أسبابه المادية، إنه تحكم كاذب, فمن أين لهم صحته، وهل شهدوا خلق السموات أو الأرض أو خلق أنفسهم؟!
стр. 431
لقد جازف هؤلاء الملاحدة وافترضوا ما لم يحيطوا بعلمه, وطرقوا ما لا مجال لهم فيه, وكذَّبوا البشر قاطبة، وكذَّبوا الواقع الذي يشهد بتفاهة تفسيرهم للتدين ولكل القيم الإنسانية الثابتة بما فيها التدين الصحيح, ومن يصدقهم في أنَّ الصفات الثابتة في الإنسان سببها الجوانب الاقتصادية, ومن يصدقهم أن الرغبات الجنسية وحب الانتقام والثأر والإحساس بالرحمة والحزن والفرح والبخل والكرم إنما يعود إلى الناحية المادية فقط, دون أن تكون تلك الصفات وغيرها صفات أساسية في فطرة الإنسان، تلك الفطرة التي حاربتها الشيوعية اليهودية؛ لكي يسهل عليهم استعباد البشر وإخراج الجوييم عن شريعة الله تعالى إلى شريعتهم الحاقدة على جميع البشر.
نعم, إن الإنسان حينما يقف عاجزًا عن معرفة سر هذا الكون, ويتفكَّر في خلق الله والأرض والنجوم وسائر الأفلاك, وتتابع الليل والنهار, والحياة والموت, وسائر ما أوجده الله في هذا الكون, إذا فعل الإنسان ذلك يجد نفسه عاجزًا عن إدراك كل هذا، وحينئذ يعرف بفطرته أن هناك موجد عظيم لهذا الكون هو أقوى منه, يستحق أنه يخضع له وأن يعبده ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، لا أن يعتقد أن المادة خلقته, فإن التفكر في كل ذلك يهدي إلى الاعتراف بخالق عظيم قدير حكيم لا أنَّ للمادة معه, بل هي مخلوقة له حدثت بعد أن لم تكن، وهذا هو ما اعترف به الملاحدة في أنفسهم وجحدوه ظاهرًا تعصبًا لنظرياتهم الفاسدة, وقد ذكر الله كثيرًا من عجائب هذا الكون, ورغَّب الناس في التفكر فيه واستخلاص العبر, فذكر سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ١.
ويقول تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ٢.
وهذا الآيات وغيرها تجعل الإنسان يقف على حقيقة وجوده ووجود من حوله, ووجود هذا الكون كله وما فيه, توقفه على مصدر التديُّن ومستحق العبودية, وتشبع فطرته عن كل تساؤلاته حول هذه الحياة وما بعدها في العالم الآخر, وتثير في فطرته ما كان كامنًا في التوجه إلى خالق هذه الحياة, وإلى الرغبة الكامنة في الالتجاء إليه, والخضوع والعبادة له، وهذه الفطرة هي التي يشعر الإنسان بواسطتها عظمة الله, والرغبة في الخضوع له, والدليل على ذلك أنه لم يخل جيل من الأجيال على امتداد التاريخ من التديُّن والتوجه إلى الله, وهذا ما أخبر الله عنه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٣٤.
стр. 434
وهذا هو الحق, ولا اعتبار لكلام الشاذّين الساقطين الملاحدة الممسوخين الذين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١، الذين حاربوا الدين النصراني ظانّين أنه الدين الصحيح, ثم غمرتهم النشوة بانتصارهم عليه, وما علموا أنهم إنما حاربوا دينًا مزيفًا كاذبًا من وضع الطغاة المشركين عبَّاد الصليب وأحبار الشيطان, ولهم أن يحاربوا كل الجاهليات ومن ضمنها هذا الدين, ولكنهم انحرفوا عن مكان المعركة الحقيقية فحاربوا النور, وغيَّروا الحقائق لينفسوا عن غيظهم وحقدهم الشديد على طغاة الكنيسة الذين أذاقوهم ألوان الذل وشر الاستعباد؛ وليحققوا أيضًا ما تطمح إليه اليهودية العالمية, ويجب أن يعلم أولئك الأشرار أنه ما من فترة مرَّت من فترات حياة البشر إلّا وكان توحيد الله نورًا وضَّاء لم يخل منه مجتمع في يوم ما من أيام حياة البشر, لم يكن للفن ولا للفنانين فيه أي شيء يذكر, ولا للفكر أو التجربة أيّ دخل كما يدَّعون.
وأمَّا ما يذكره الملاحدة من أن الإقطاعيين والرأسماليين كانوا يستخدمون الدين كمخدِّر للجماهير ليرضوا بالذل والظلم عليهم في مقابل أن يعشوا في جنة الله في الآخرة, فهذا أمر قد يكون وقع كذلك. ولكن ما هي العلاقة بين الدين الحق وبين فجور طغاة الكنيسة وجشع الرأسماليين المرابين، بل كان الأولى أن يوجَّه اللوم إلى أولئك الذين رضوا بهذا الحال ولم يبحثوا عن مخرج لهم, أو عن صحة تلك الوعود من أولئك المنتفعين, أو أن يخاصموا
стр. 435
أولئك الأشرار الجشعين, ويصلحوا الأمور, لا أن يحاربوا الله ورسله, وهل يجب أن يلغى الدين لمجرد استغلال أولئك الأشرار له، وما هو ذنب الدين إن لم يحكم ولم يستشر, بل وضع في قفص الاتهام دون رحمة أو لين, ولماذا يحمل تبعة أخطاء الآخرين بل أخطاء أعدائه، وما هو السر في أن الملاحدة لم يرجعوا إلى الدين حتى بعد أن تبيَّن لهم أن طغاة الكنيسة والرأسماليين والإقطاعيين سلبوا الناس عقولهم وتفكيرهم باسمه وهو منهم برئ.
إن الجواب واضح, وهو أن الملاحدة قد بيَّتوا النية لمحاربة الدين ليستغلوا الناس هم أيضًا باسم الإلحاد الذي سموه تقدمًا ورفاهية, وغير ذلك من الأسماء الكاذبة, وقدسوه ليحلَّ محل الكنيسة, والكل ظالمون ومخادعون.
стр. 436
المبحث الثاني عشر: سبب قيام الحضارة الإلحادية على العداء للدين
لقد قامت الحضارة الأوروبية الحديثة على بغض الدين بسبب عنف الكنيسة المتمثِّل في الدين حسب مفهومهم، كما تقدَّم بيان ذلك، وبدلًا عن التماس الحق أفاق أقطاب الفكر والحضارة الغربية على عداوة دين باطل وخرافات سخيفة وعقول تمثل الدين بزعم طغاة الكنيسة, وهم أبعد ما يكونون عنه وعن الرحمة وعن فهم الحياة فهمًا صحيحًا. وكان مما شجَّع الملاحدة على إحلال نظرياتهم محلّ الدين إضافةً إلى طغيان رجال الكنيسة تلك الخرافات والتناقضات التي ملئت بها عقيدة النصارى -المحرَّفة, وإلى ما زعموه من وصولهم إلى النتائج التي تدل على هذا حسب افتراءاتهم في اكتشافاتهم الحديثة؛ مثل: زعمهم أنَّ مادة العالم أزلية، أي: إن العالم ليس في حاجة إلى إله خلقه, وقد كذَّب الله هذا الافتراء في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وافتراضهم لا يقبله العقل ولا يقره الواقع, وقد ألف العلماء من المسلمين ومن غير المسلمين المؤلَّفات التي لا تُحْصَى في الرد على هذا الزعم. ومما قاله الملاحدة في تعليلهم لنشأة الكون: "إن المادة كانت منتشرة في الفضاء الفسيح, ثم أخذت تتجمَّع على نفسها بفعل قوى التجاذب بين أجزائها، وفيما كانت الماة تتجمَّع كانت حرارتها ترتفع, والضغط داخلها يزداد حتى انصهرت المادة انصهارًا كليًّا, وأصبح الكون عبارة عن كتلة هائلة من المادة تبلغ حرارتها بلايين الدرجات, ويبلغ الضغط فيها ما لا يمكن
стр. 437
تصوره، عند هذا الحد لم تستطع المادة أن تحافظ على تماسكها, فحصل الانفجار الكوني الهائل, وتشتت المادة في الفضاء الفسيح, وانخفضت حرارتها بسرعة, وبدأت المجرات بالتكوُّن, ثم نشأت الشموس والأقمار والنجوم والكواكب مع مرور الزمن, ونشأ هذا النظام الفلكي المتناسق, واستمرت عملية النشوء الذاتي حتى انتهى الأمر إلى ظهور الحياة والإنسان بطريقة ذاتية، كل هذا تَمَّ بسبب ذلك الانفجار"١.
ولا شكَّ أن القارئ يدرك مدى تكلُّف هذا المفهوم وسخافته، فمن أين لهم هذه المعلومات المفصَّلة ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ .
ثم يقال لهم: كيف وجدت هذه المادة؟ ومن الذي أوجدها؟ ثم كيف نشأ هذا النظام البديع المتناسق الجميل عن طريق ذلك الانفجار, مع أنه لا يمكن أن يقال بتجمع أجزاء المادة في حال وجود الضغط الشديد إلى أن يكتمل منها وجود هذا الكون، فكيف لم تنفجر من أول تجمع الضغط؟!! ومن الذي منعه من الانفجار وأبقاه مشحونًا بقوته إلى أن انفجر فجأة, وبهذا التنظيم البديع؟!!
إن سلَّمنا جدلًا ما زعموه من تلك الخرافة, وكذلك تجمُّع المادة من طبيعة واحدة متجانسة, ثم تتميز بعض أجزائها عن البعض الآخر تمايزًا يصل إلى حد التناقض. هذا بعيد, فلو وضعت ماءً في إناء مثلًا, فإنه لا يمكن أن ينقسم هذا الماء إلى قسمين, قسم منه حار شديد الحرارة, وقسم منه بارد شديد البرودة ثلج".
стр. 438
كذلك افتراضهم أنَّ الكواكب والقمر والشمس وسائر المجرَّات نشأت بهذه البساطة الساذجة افتراضٌ يأباه العقل والواقع, "فلو انفصلت الأرض عن الشمس بنفسها لعادت وارتطمت بها مرة ثانية, ولو انفصلت كتلة ما إلى أجرام كثيرة فلا يمكن أن تكتشف الأجرام بنفسها ما هي المسارات التي لا يحصل فيها ارتطام, فضلًا عن الوصول إليها"١.
لأن هذا لا بُدَّ أن يكون من قوة قاهرة مدبِّرة, والأجرام لا تعرف هذا التقدير العجيب في أحجامها وفي مساراتها, بل وفي بقائها أو نهايتها.
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
فأيهما أحقّ بالتقديس؛ الله رب العالمين ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٣، أم المادة الصماء التي لا تملك لنفسها وجودًا وعدمًا، فاتضح أن استناد أهل الإلحاد على نظرياتهم السخيفة في عدائهم للدين إنما هو جهل منهم وعناد أجوف, ورغبة جامحة منهم في العلوّ والسيطرة ونشر أفكارهم الخيالية المستكبرة.
стр. 439
المبحث الثالث عشر: هل يوجد بين الدين والعلم نزاع ؟
ما أصدق هذه العبارة "العلم يدعو إلى الإيمان"١، فكلاهما صديقان لا يفترقان, وكل واحد يؤيد الآخر، حتى إذا ظهر قرن الشيطان في أوروبا جعلوهما عدوين لا يجتمعان، ولقد خدع الملاحدة كثير من الناس وجعلوهم يتصورون أن بين الدين وبين العلم خصومة وتنافرًا شديدًا؛ لينفذوا إلى تجهيل الدين وأهله, والتنفير منهما على حد سواء، ولقد كان من المفترض أن لا يرد هذا التساؤل في الأذهان لوضوح العلاقة بين ما يدعو إليه الدين من إعمار الأرض والتفكير السليم وعبادة الخالق, وبين ما يصل إليه الإنسان بتفكيره وتجاربه من المخترعات التي تعود على البشر بالخير والسعادة وبالنفع العام أو الخاص, أو قد تعد بالضرر أيضًا إلّا أنه حينما فسدت فطر كثير من الناس ووجد أعداء كثيرون للدين حملوا لواء مقاومته والتشكيك في صلاحيته للبشر، ولم يتوانوا عن إلصاق كل ما يجدونه من التهم ضده, بدى واضحًا أن هذا السؤال أصبح أمرًا واقعًا ولا بُدَّ من الإجابة عنه وبيان الحق فيه, وإزالة ما علق به من الأوساخ التي خلَّفتها أفكار الملاحدة.
بل ويجب على كل قادر أن يحتسب الجواب عن هذا التساؤل للضرورة الملحة التي وصل إليها حال كثير من المسلمين من تشويش أفكارهم وعمق
стр. 440
الحيرة في أنفسهم من هذا المد والجزر من قِبَلِ المدافعين والمهاجمين, فقد انقسم الناس تجاه هذا التساؤل إلى مواقف عديدة؛ فمنهم من جرفه تيار الإلحاد المادي فذهب ينعق بأنه لا يمكن أن يجتمع الدين والعلم في مكان واحد, فيجب إزالة الدين من طريق العلم؛ ليكمل العلم دوره في بناء حياة البشر السعيدة، ومنهم من ذهب إلى أنه يجب أن يبقى أمر الدين, ولكن يكون بعيدًا عن العلم, ويبقى محجورًا عليه الوقوف أمام العلم, فلا يقارن بالتقدم المادي, ولا يصح أن يذكر ذلك فيه, فالدين في جهة والعلم ومخترعاته في جهة أخرى لعدم تلاقيهما.
ومنهم من وقف حائرًا, فقد حصر صدره لا يدري أي جانب يغلب, ولا أي طريق يسلك, فهو قابل للانفجار في كل لحظة, وللميل إلى أي جانب, وعداوة ما عداه.
ولو وُجِدَ التثقيف الصحيح والتوجيه المخلص لما كان الأمر يستحق أكثر من مجرَّد التفاتة بسيطة, ذلك أن أمر العلاقة بين الدين وبين العلم ومخترعاته التجريبية من السهولة بمكان معرفتها, لولا أن الأمر وراءه من بيَّت النية لتعميق الهوّة بينهما, وإشعال نار الحرب والعداوة بن هذين الحميمين قبل أن يفسد الملاحدة ما بينهما من صلات, ولن يتم لهم ذلك بأي حال مهما زخرفوا القول فيه.
نعم لا يوجد أيّ دين صحيح يعارض العلم وما يوصل إليه من مكتشفات نافعة، أمَّا الإسلام بخصوصه فإنه من أشدّ أصدقاء العلم والمتعصبين له
стр. 441
وقد بدأ بالحث عليه قبل القول والعمل, فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٢.
ومعنى هذا أنه لا نزاع بين العلم وبين الدين في الإسلام, وإنما يتصور وجود النزاع بينهما في الأديان الباطلة القائمة على الخرافات وأمزجة أصحاب الجاه؛ كالدين النصراني الذي وقف ضد العلم بكل قسوة وشراسة؛ لأن القائمين عليه كانوا يخافون أن يذهب نفوذهم من قلوب العامَّة الذين استعبدهم رجال الدين النصراني شرَّ استعباد باسم الدين.
أما الدين الإسلامي فليس فيه شيء من هذا, ولهذا سار العلم والدين في اتجاه واحد هو إثبات عظمة الله وخلقه لهذا الكون وما فيه, ووجوب التفكر فيه, والاستفادة من كل تجربة يمر بها الإنسان, وقد بدأ العلم مع الإنسان منذ أن خُلِقَ أبو البشر آدم ﵊, فقد علَّمه الله الأسماء كلها, وشرَّفه بالعلم بمعرفتها, فبأي دليل بعد هذا يقول ضلَّال الملاحدة أن بين الدين والعلم جفاءً أو نفورًا ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ ٣.
стр. 442
إن العلم والدين يلتقيان في أمور كثيرة, وكلاهما يسيران في اتجاه واحد, ويعززان قوة الانسجام مع القوانين الكونية وكشف حجب الحقائق كما هي, وفق طريقين متكاملين: طريق يشرعه الله, وطريق يجتهد فيه العقل على ضوء الشرع, كما أرشده الله تعالى إلى ذلك، وإذا كان ما ردده البعض من وجود التضاد بين العلم والدين بسبب سلك رجال الدين في النصرانية وطغيانهم, وموقف بعض رجال العلم أيضًا من الثورة على كل شيء يتعلق بالدين عن جهل منهم, وبغضاء لكل دين, فلا يجوز أن يكون هذا الحال سببًا للتحريش بين العلم والدين والتنافر بينهما ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ ١.
لقد نشأ العلم في محض أبيه الدين٢، ولقد مرَّت بالبشر حضارات تلو حضارات, والتمسك بالدين والالتجاء إلى الإله العظيم خالق هذا الكون هو شعارهم ومصدر اعتقادهم قبل أن توجد موجة الإلحاد الحديث الذي أفرزته المظالم والاستعباد الكنسيّ للبشر على أيدي رجال الدين الكنسي وغيرهم ممن استغلَّ الدين لاستعباد الآخرين, فجاء الرد عارمًا لم يفرق بين الثرى والثريا, وغير عابئ بما مضت عليه القرون والأجيال التي لم تجد أيّ تضاد بين العلم والدين على مدى تلك السنين الطوال قبل ظهور شياطين الماركسية الحاقدة, ومما يذكره التاريخ الإسلامي أن رجالًا بلغوا القمَّة في الاكتشافات العلمية دون أن يحسوا بأي تصادم مع الدين، بل كان الأمر على العكس, كانوا يحسون أن اكتشافاتهم لم يهتدوا إليها إلّا من
стр. 443
واقع توفيق الله لهم, ومن تسمكهم بدينهم، وكانت سببًا لزيادة يقينهم وإيمانهم بالله، ومن أولئك العلماء ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وجابر بن حيان متكشف الصودا الكيماوية وحامض الكبريتيك بعد تقطيره، والرازي مكتشف زيت الزاج وعدَّة أمراض، وابن الهيثم مكتشف علم البصريات، والفرغاني واضع علم المثلثات، والكندي مؤلف في البصريات، والإدريسي مثبت كروية الأرض، ومثله ابن حزم، وجابر ابن حيان أبو الكيمياء، وابن البيطار في الصيدلية، وابن الحفيد والعدوي ... وغيرهم ممن لا يمكن حصرهم في هذا المقام١.
وإنهم جميعًا كانوا يتعبَّدون الله بعلمهم, ويتقربون إليه به, دون أن يشعروا بأي انفصال، فضلًا عن تصوّر وجود نزاع بين العلم والدين، بل كثيرًا ما كان بعضهم فقهاء في علوم الدين ورجال علم في الوقت نفسه٢.
ولم يجدوا في بحوثهم ما يشير بأدنى إشارة إلى النزاع بين الدين والعلم, كلما اكتشفوا شيئًا جديدًا بتجاربهم قالوا: الله أكبر ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ٣، مع يقينهم بأنَّ ما خفي عليهم من علوم هذا الكون أمور لا تحصى, ولا يعملها إلّا الخلَّاق العليم.
стр. 444
والذين يقولون: "إن قضية العصر الحديث ضد الدين" تشتمل مقالتهم على جانبين متناقضين في آنٍ واحد, فبينما يرى العقل الحديث من ناحية أن الدين مجموعة عقائد لا يمكن إخضاعها للتجربة العلمية، ولذلك تعتبر العقيدة عملًا شخصيًّا للأفراد, نجد في نفس الوقت أن جيشًا من مفكري هذا النهج الفكري يدعون إلى الكشوف العلمية الجديدة قد أبطلت العقائد الدينية"١.
وهذا القول غاية في التناقض إذا ما دام الدين يستحيل إثباته بالعقل أو التجارب العلمية الحديثة، كما قرروه، فيقال لهم حينئذ: إن رفض الدين يجب أن يكون مستحيلًا أيضًا بهما؛ لأنه فوق مستوى العقل, ولا تحيط به التجارب العلمية, فكيف تنكرون شيئًا واقعًا تجهلون معرفته بالتجارب التي أثبتم أنها عاجزة عن معرفة الدين.
ويقال لهم: وهل التجارب أيضًا وصلت إلى معرفة كل شيء؟ كلَّا، فمفهومهم هذا يناقضونه بأنفسهم حين يتلمَّسون الأدلة على بطلان الدين, ومعارضتهم للعلم بزعمهم أنهم وصلوا إلى ذلك عن طريق العلم والتجارب الحديثة, والسبب في تناقضهم هذا يعود إلى أن هؤلاء الملاحدة "لا يريدون أن يستغلَّ المؤمنون بالدين نفس المقاييس التي استخدمها هؤلاء لرفضه؛ لأنه لو تمكَّن المؤمنون من استغلالها استغلالًا طيبًا لاضطر المعارضون إلى أن يسلّموا على الأقل بأن الدين قائم على أسس معقولة"٢.
стр. 445
وهؤلاء الملاحدة لم يدرسوا الدين ولا ذكروا ذلك، وإنما الذي حملهم على نكرانه هو ما شاهدوه في نتائج أبحاثهم في معاملهم من أمور يزعمون أنها تبطل الدين حسب تفسيرهم لها, وهو فهم قاصر ومتعمَّد للانفلات من الإقرار بالدين.
والذي يريد الباطل ويصر عليه لا يتورَّع عن التحريف في الأدلة ومغالطة الحقائق, خصوصًا حينما يخلوا من رادع الدين والضمير الطيب.
فإنَّ الذين يتصورون وجود نزاع بين العلم وبين الدين إنما يتصورون صورة منحرفة غير حقيقية؛ إذ لم يكن ذلك النزاع الموهوم محلّ شك في تاريخ الحضارة الإسلامية على امتداد تاريخها المجيد, ذلك أن العلم والدين كانا جزءًا لا يتجزء من ثقافة الإنسان منذ وجوده الأول, وسيظل كذلك إلى نهاية وجوده في هذه الأرض, ومن اعتقد خلاف ذلك فإنما يعبِّر عن جهله الذي لن يجد عليه أي دليل غير بغضه لرجال الدين النصراني وطغيانهم, وهو ليس بدليل؛ لأن تحميل الدين وموقفه من العلم خطأ طغاة الكنيسة ظلم صارخ؛ سواء أكان أولئك هم طغاة الكنيسة, أو خرافيات بعض البشر, فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وقد عرف القارئ أن تاريخ البشر مليء بالأمثلة التي تدل على الاحترام المتبادل بين الدين والعلم, سواء أكان ذلك في العالم الإسلامي أو في غيره من أصحاب الديانات المختلفة, إلى أن أفاقت أوروبا من سباتها, ورأى المفكرون وأصحاب العلوم التجريبية مدى ما تعيشه الشعوب الأوروبية من تجهيل معتمد من قِبَلِ رجال الكنيسة, في الوقت الذي كان العلم يشقّ طريقه وسط ظلمات النصرانية المحرَّفة, وظهور صدق نظرياته ومكتشفاته في مقابل خرافات الكتاب المقدَّس وتعليلاته ونظرياته المتخلفة.
стр. 446
إن العلم في أشد الحاجة إلى الدين لبقائه علمًا نافعًا ومفيدًا, فإذا تخلَّى عن الدين فإنه يكون علمًا شريرًا ضرره أكثر من نفعه, فإذا اجتمع العلم والدين كانا طائرًا يرفرف بجانحيه في غاية السعادة.
وشهادات العلماء من المسلمين ومن غير المسلمين تؤكّد بوضوح أن العلم والإيمان جزء لا يتجزأ, ولا عبرة بكلام من يريد الدس بينهما, أو التفريق بينهما, أو جعلهما أو أحدهما قابلًا للإلحاد, فإنه كما عرفت لا علاقة بين العلم والإلحاد, فإن العلم أمر قائم بنفسه يدل على أمور قد يقابلها الإنسان وقد يحاول مغالطتلها والتفلّت مما تدل عليه. والإلحاد أيضًا أمر حادث عن تصورات خاطئة لم يكن نتيجة لعلم أو لنتجية بحوث صحيحة, بل الحق أنَّ العلم يدعو إلى الإيمان واليقين بوجود رب العالمين, كما شهد بذلك كبار علماء الطبيعة أنفسهم. ويبقى الإلحاد أمرًا شاذًّا لا سند له من العلم, ولا دليل عليه من العقل.
стр. 447
المبحث الرابع عشر: إنكار وجود الله تعالى وتقدس
مدخل
...
المبحث الرابع عشر: إنكار وجود الله -تعالى وتقدَّس
لولا حلم الله لما استطاع أحد أن يبحث قضية وجود الله تعالى أو عدمها, وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد, فوجوده يتمثَّل بوضوح في كل هذا الوجود, من أصغر مخلوق إلى أكبره, بل الإنسان نفسه من أكبر الأدلة على وجود الله الحكيم الخبير, وإلّا فأي موجود يستطيع أن يزعم أنه هو الذي أوجد نفسه, وعلى الصورة التي أرادها أو قدّر لنفسه رزقها وأجلها ومصيرها بعد ذلك.
لقد أقدمت فئة شاذَّة استهواهم الشيطان وماتت قلوبهم وإن كانوا أحياء يرزقون, فذهبوا يعترضون على وجود الله تعالى وهم الملاحدة, وقد مهَّد لهم الطريق علماء الكلام الذين وصفوا ربهم بأنه ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا داخل العالم ولا خارجة ولا يحس ولا يشم ولا يشار إليه ... إلخ، ولقد كثرت الردود على الملاحدة وعلى علماء الكلام الباطل في هذه القضية الخطيرة, بما لا يكاد يحتاج إلى زيادة.
إنني أتضايق كثيرًا من سرد الأدلة على وجود الله تعالى, وهو ما أعتقد حصوله في قلب كل إنسان مؤمن بالله سليم الفطرة, لم تنحرف به شياطين الإنس والجن، إن الله أجلّ وأعظم من أن يحتاج وجوده إلى شخص من الناس يثبته أو يجادل خصومه لإثبات وجوده.
وفي اعتقادي أن الذي يبحث في إثبات وجود الله تعالى دون حاجة ملحة أن يجب أن يؤدَّب تأديبًا بليغًا, ومن ابتلي بالخوض في ذلك فعليه أن يستشعر عظمة الله تعالى وأن لا يخوض في هذه القضية الهائلة إلّا بقدر الحاجة، والله المتسعان, ونعوذ بالله من وساوس الشيطان.
وما دمنا في دراستنا للشيوعية وتكذيب مزاعهما فإنني أحب أن يقف القارئ على الحقائق التالية, واللبيب تكفيه الإشارة.
стр. 448
- هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى ؟
تقدَّم أنه لا يمكن أن نجد إنسانًا سليم العقل والفطرة يعتقد أن الله يخفى على عباده, فالعقل والكون كله, وجميع المخلوقات من نامٍ وجماد، وساكن ومتحرك، كلها تدل على وجود الله , وتشهد بقدرته وحكمته ولطفه وعظمته جميع ذرات هذا الكون, ولهذا فلسنا في حاجة إلى الإتيان بحشود الأدلة على وجوده, فهو أمر فطري، وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ما يشفي ويكفي لمن عنده أدنى شك في وجود المولى ، ومن العجيب أن يستدل الملاحدة على إنكار وجود الله تعالى بأدّلة هي أقوى الأدلة على وجوده وخلقه لهذا الكون وتدبيره له، ولعل الذين جرأوا فنفوا وجود الله إنما حملهم على هذا ما وجدوه من أوصاف الإله سبحانه في التوراة والأناجيل من أنه شاخ وكبر وينسى ويأكل ويشرب ويمشي ويجلس ويحزن ويندم ويهمّ بالشيء ثم لا يفعله.
نعم إن مثل هذا الإله من السهل جدًّا إنكاره, خصوصًا إذا أضفنا إليه
стр. 449
الصفات التي وردت له في التملود من تعلقه ببني إسرائيل, وتدليله لهم, وغضبه أحيانًا عليهم, ثم يضرب وجهه ويندم ويبكي ويلعب مع الحوت الكبير, ويقص شعر حواء ... إلى آخر تلك الصفات التي تدل على سقوط المتصف بها فضلًا عن اعتقاد احترامه.
ولكننا لا نبحث عن هذه الإله, ولا عن الإله الذي اعتقدت الشيوعية فيه أنه يحابي الظلمة, أو أنه لا وجود له إلّا في أذهان الرجعيين؛ لأنه غير منظور وغير موجود, متجاهلين أنه ليس كل موجود حتمًا يرى، كوجود الهواء الذي نحسّ به ولا نراه، ووجود العقل في الإنسان؛ إذ نفرق بين المجنون وبين العاقل، ووجود الروح؛ إذ نفرق بين الحي والميت, وأمثلة لا تحصى، إننا نؤمن بإله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, إله يعلم السر وأخفى, إله خلق فسوى, وقدَّر فهدى, وأخرج المرعى, فجعله غثاء أحوى، إننا نؤمن بهذا الإله الحق, ونكفر ونلعن من يشك في وجوده.
ولقد تيقَّن كل إنسان أنه لم يخلق نفسه, وأن فاقد الشيء لا يعطيه, فلا المادة ولا الطبيعة خلقت أحدًا؛ إذ هي مخلوقة مقهورة، كما أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول: إنه يخلق شئًا ما, أو أنه خلق نفسه أو غيره, وقد استيقن بهذا حتى أكابر الملاحدة, وما جحد من جحد منهم وجود الله إلّا عنادًا واستكبارًا وبغضًا للكنيسة ورجالها, ولقد صاح المفكرون في أوروبا وشهدوا على النصرانية والإلحاد بالضلال, وهذه الشهادة الصادرة على ضلال هذه الطوائف من أهلها لهي أكبر دليل على أنَّ الإلحاد لا استقرار له ولا مكان له, وإنما هو زوبعة عارضة ستنتهي إن شاء الله كما انتهت سائر الأفكار الباطلة, ومن الذين شهدوا على ذلك:
стр. 450
"رسل تشارلز أرنست" أستاذ الأحياء والنبات بجامعة فرانفكورت بألمانيا؛ حيث قال: "لقد وضعت نظريات عددية لكي تفسّر نشأة الحياة من عالم الجمادات, فذهب بعض الباحثين إلى أن الحيَّة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمُّع بعض الجزيئيات البروتينية الكبيرة, وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات فد سدَّت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات, ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلِّم به أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية قد باءت بفشل وخذلان ذريعين, ومع ذلك فإنَّ من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشرة للعالم المتطلع، على أن مجرَّد تجميع الذرات والجزيئات من طريق المصادفة يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة, فهذا شأنه وحده, ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلِّم بأمر أشدَّ إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق الأشياء ودبرها".
"إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها, وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته, شهادة تقوم على الفكر والمنطق, ولذلك فإنني أؤمن بوجود الله إيمانًا راسخًا"١.
ويقول "إيرفنج وليام" الحاصل على الدكتوراه من جامعة أيوا، وأخصائي وراثة النباتات، وأستاذ العلوم الطبيعة بجامعة ميتشجن: "إن العلوم لا تستطيع أن تفسِّر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها
стр. 451
والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد, كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا -بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها- كيف تتجمَّع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكوّن الحياة"١.
ويقول "ألبرت ماكومب ونشستر" المتخصص في علم الأحياء: "ولقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة, وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون، انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق, فهل تستطيع أن تجد له نظيرًا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة, إنه آلة حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار بالآلاف من التفاعلات الكيمائية والطبيعية, ويتم ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم، وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية، فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقّدة، إن الله لم يصنعها هكذا وحدها, ولكنه خلق الحياة, وجعلها قادرة على صيانة نفسها وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل, مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعينها على التمييز بين نبات وآخر, إن دراسة التكاثير في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء وأكثرها إظهارًا لقدرة الله"٢.
وهناك عشرات بل مئات الأدلة على خالق هذا الكون ومدبره، وشهادة هؤلاء العلماء، كل في مجال تخصصه، شهادة حق والحق مقبول من أي شخص كان.
стр. 452
والملاحدة وهم ينكرون وجود الله تعالى ولا يعترفون بأنه هو الخالق المدبر لهذا الكون وما فيه, هم أقل وأذلّ من أن يصلوا إلى قناعة بإنكارهم, وهذا إجرام شنيع, ولم يكتفوا به, بل أضافوا إلى هذا الإجرام زعمهم أن العلم هو الذي دلَّ على هذا، وأن البديل عن الله تعالى هي الطبيعة التي قالوا عنها بأنها هي التي خلقت السموات والأرض والإنسان والنبات وسائر المخلوقات, فكيف تَمَّ ذلك حسب تعليلهم؟
قالوا: "إن وجود هذا الكون وما فيه إنما هو نتيجة حركة أجزاء المادة وتجمعها على نسب وكيفيات مخصوصة بوجه الضرورة بدون قصد ولا إدراك، وبسبب تلك الحركة أخذت تتجمَّع أجزاء المادة المختلفة الأشكال على كيفيات وأوضاع شتَّى, فنتجت تلك المتنوعات". هذا هو مبلغهم من العلم، أنَّ كل شيء وُجِدَ بطبيعته عن طريق الصدفة والحركات التطورية دون قصد ولا إدراك على أن هذه الطبيعة التي يزعمون أنها تفعل كل ما تريد, نجد أن بعضهم لا يحترمها, بل يتعمد الإساءة إليها وإهانتها بأنواع السباب واللمز في إرادتها وقوتها ووفاءها.
وإليك ما قاله وزير خارجية أكبر دول العالم وأقواها في عتابه المرير وتهكمه بالطبيعة حينما لم تتحقق لهم آمالهم وما يطلبونه منها, فقد قال "كولون باول"، و"ريتشارد باوتشر": "إننا ندين تخلف الثلج عن موسم الأعياد راجيًا الطبيعة الأم أن تعالج هذه المسألة" إلى أن قال: "لا يمكن لشيء أن يبرر إفساد هذا الحدث الهائل، إننا ندعو الطبيعة إلى القيام بمبادرة فورية", وقال: "إننا نعتبر استمرار الطبيعة في رفض القيام بواجباتها
стр. 453
حيال الدول المتحضرة عملًا استفزازيًّا وغير إيجابي, لذلك ندعو الطبيعة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية بغية تساقط كمية مناسبة وذات مصداقية من الثلوج", وإذا أردت التعليق على هذا الكلام السخيف المملوء بالكبرياء والعنجهية فاقرأ ما كتبه عبد الزراق السيد عيد بعنوان: "أمريكا تكشف عن وجهها القبيح, وتعلن الحرب على الطبيعة" في مجلة التوحيد١.
فيا ترى ما يقصد بالطبيعة الأم؟ إنه إلحاد وكفر وسخف, فما هي الطبيعة الأم التي يتحدث عنها هؤلاء ويقولون: إنها هي التي تخلق وتحيي وتميت وتزرق من تشاء وتمنع من تشاء، وتخاطب بتلك اللهجة الحارة المفتقرة إلى الأدب, فمن المعورف أن الطبيعة لا تخلو عن:
١- إمَّا أن تكون هي نفس الذوات الموجودة في الكون، من الحيوان والنباتات والجماد، وهذه كما يرى القارئ لا يصح الاستغاثة بها ليتساقط الثلج في موسم الأعياد؛ ليلهو ويلعب بها طغاة اليهود.
٢- وإمَّا أن تكون هي صفات الأشياء الموجودة في العالم من حركة وسكون, وحرارة وبرودة, وليونة ويبوسة, وغير ذلك, وهذه أيضًا كذلك لا تملك لنفسها وجودًا ولا عدمًا.
ومهما كان الجواب فإنه خطأ وجهل شنيع حين يستند إيجاد هذا الكون البديع عن طريق طبيعة لا تعقل ولا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرًّا ولا نفعًا.
стр. 454
فهل يتصور أحد أن من لا يعقل يخلق من يعقل؟
وهل يستطيع شيء لا إرادة له ولا غاية له أن يخلق كائنًا له إرادة وغاية؟
إن الإنسان كائن عاقل مدبر, وله إرادة وهدف وغاية,. والطبيعة ليست لها تلك الصفات, فهي ناقصة, فهل يمكن للناقص أن يوجد الكامل؟
إن هذا الكون محكم متقن ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١.
الكواكب محكمة بإتقان، والبحار لا يطغى بعضها على بعض، والحيوانات لا تلد إلّا نفس الحيوان من جنسها، والشجرة لا تنبت إلّا نفس الشجرة، وقس على هذا سائر ما تراه في هذا الكون، فالإنسان هو الإنسان، والبقرة هي البقرة, والكبش هو الكبش, أينما اتجهت في هذه الأرض مما يدل على أن الخالق واحد, فكيف تستطيع الطبيعة أن تدير هذا الكون بهذه الدقة المعجزة التي تشهد آياتها في كل ما حولنا من شئون الكون والحياة أن لها خالقًا قاهرًا؟! ثم يقال للملاحدة أيضًا: هل لأجزاء المادة إرادة وقصد في تنويع المخلوقات في العالم من نجوم وكواكب ومعادن ونباتات وحيوانات وبشر؟ كيف يفترض إنسان أن يكون كل هذا وُجِدَ بفعل ذرَّات الطبيعة الصماء؟
إن المادة لا عقل لها ولا بصر كي ترتّب المخلوقات وتنظم شئونها، ولا منطق لها كي تفكر في مستقبل الأشياء وما تحتاجه, وهذا يعين أن "القول
стр. 455
بخلق الطبيعة للوجود لا يخرج عن تفسير الماء بالماء, فالأرض خلقت الأرض, والسماء خلقت السماء, والأصناف صنعت نفسها, والأشياء أوجدت ذواتها؛ فهي الحادث والمحدث, وهي المخلوق والخالق في الوقت ذاته، وبطلان هذا القول بيّن, وهو لا يخرج عن أمرين:
١- إمَّا الادعاء بأنّ الشيء وُجِدَ بذاته من غير سبب, وهذا قول فاسد.
٢- وإمَّا ازدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد, فالسبب عين المسبب، وهو مستحيل, وهو تهافت وتناقض لا يحتاج لشرح.
لو كانت الطبيعة هي الخالق كما يقولون؛ لكانت قوانينها واحدة, المريض لا بُدَّ أن يموت, والصحيح لا يمرض, والنبات الذي يسقى بماء واحد لا يختلف طعم ثمره؛ لكننا نرى العكس, أحيانًا نرى المريض يشفى, والصحيح يموت بدون مرض أو علة, ونرى الزرع والنبات في ساحة واحدة يمتص غذاء في الأرض من تراب واحد, ويسقى بماء واحد, ولكن الثمر قد يختلف في المذاق والألوان والروائح والمنافع والمضار، فهل هذا كله من صنع الطبيعة الصمّاء أو المادة العمياء؟ وهل هذا هو العلم الذي يقولون به؟
إن هذا هو الجهل بعينه وليس بالعلم, ثم تأمَّل قول الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
العلم واليقين, فهذا هو الحق, وهذا هو البرهان الذي يجب أن نطأطأ له الرءوس والعقول إجلالًا وخضوعًا، وأين هذه البراهين من ترهات المنحرفين الضالين عُبَّاد المادة.
ومما يجدر بك الاطلاع عليه ما سجَّله العلماء التجريبيون من الإيمان بالله تعالى عن قناعة ويقين من خلال بحوثهم وتجاربهم في اكتشافاتهم العلمية.
وإليك أمثلة رائعة تدين الإلحاد القائم كذبًا على ما سموه علمًا من واقع ما كتبه بعض العلماء التجربيين:
جاء في كتاب "الله يتجلّى في عصر العلم" ثلاثون مقالة لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين في تخصصات علمية مختلفة؛ في علوم الكون والحياة من كيمياء وفيزياء وتشريح وأحياء، تذكر كلها أنواعًا من الأدلة العلمية على وجود الله, بعد أن أدهشهم ما توصلوا إليه من ملاحظات, وما شاهدوه من عجائب خلق الله. لكن يجب قبل أن نسوق شواهد من أقوال هؤلاء العلماء أن نؤكّد في البداية أننا لا نسوق هذه الشواهد لحاجتنا إليها, فعندنا في كتاب الله ما يكفي ويشفي, ولكننا نسوقها لنرغم بها أنوفًا فتنها التقدُّم العلمي في هذا العصر, فظنوا أن العلم يقتضي عدم الإيمان بالله تعالى, ولنرد بها على الذين يزوعمون أن علماء الطبيعة -أو كثيرًا منهم- ملحدون؛ لأن الإيمان يجافي العلم، بزعهم، وإليك تلك النماذج الرائعة:
يقول "فرانك ألن" عالم الطبيعة البيولوجية: إذا سلَّمنا بأن هذا الكون موجود, فكيف نفسِّر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال:
стр. 458
١- فإمَّا أن يكون هذا الكون مجرَّد وهم وخيال، وهذا يتعارض مع ما سلَّمنا به من أنه موجود.
٢- وإمَّا أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم, وهذا مرفوض بداهة.
٣- وإمَّا أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية, وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله من أزلية الخالق، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة, فهو إذًا حدث من الأحداث, ولا يمكن إحالة وجود هذا الحديث المنظَّم البديع إلى المصادفة عقلًا، ولذلك فهذا الاحتمال باطل.
٤- وإمَّا أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه, وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض, وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلًا، فوجب الاعتماد عليه.
وقال "جون كليفلاند كوثران" عالم الكيمياء والرياضيات: تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة, والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادّة ليست أبدية، ومعنى ذلك أيضًا أنها ليست أزلية؛ إذ أنَّ لها بداية, وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية, بل وجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد, وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بُدَّ أن يكون مخلوقًا, وهو منذ أن خُلِقَ يخضع لقوانين وسنن كونية محدَّدة ليس لعنصر المصادفة بينهما مكان. فإذا كان هذا
стр. 459
العالم المادي عاجزًا عن أن يخلق نفسه, أو يحدد القوانين التي يخضع لها, فلا بُدَّ أن يكون الخلق قد تَمَّ بقدرة كائن غير مادي متَّصف بالعلم والحكمة.
وقال "إدوارد لوثر كيسيل" أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو: "يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي، ولكنّ القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي، فالعلوم تثبت بكل وضوح أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًّا, ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية, فقد أثبت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ نحو خمسة بلايين سنة١، ولو أنَّ المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة, والبعد عن التحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرَّروا عقولهم من سلطان التأثّر بعواطفهم وانفاعالاتهم، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله, وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسّر الحقائق، فدراسة العلوم بعقل متفتح تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله٢.
وإذا كان وجود الله تعال يتجلّى بهذا الوضوح, فما الذي حمل الملاحدة على إنكاره؟! وما هي الشبهات التي تعلقوا بها؟
стр. 460
- شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى:
تذكر الجواب بالإضافة إلى ما سبق فيما يلي:
١- دليل الجاذبية:
من شبههم على نفي وجود الإله الخالق والحافظ لهذا الكون ما زعموه بعد اكتشاف نظام الجاذبية في علم الفلك من أنَّ هذا الكون محفوظ بقانون الجاذبية ومتماسك بسببها لا بقدرة إله خالق, ولا شك أن هذا الفهم تافه سخيف؛ إذ يقال لهم: هل نظام الجاذبية ينفي وجود إله خالق قادر، أم أنه على العكس يدل على وجود الإله الذي خلق الجاذبية ذاتها؛ لتعمل وفق ما أراد وقدَّر لا وفق ما تريد هي؛ إذ لا إرادة لها ولا وجود لها من نفسها, فهي قد وجدت بعد أن لم تكن، وهذا الترتيب العجيب في الكون يفوق كل قدرة, ويفوق كل تدبير, لقد حيَّر العقول وتضاءلت دون إدراكه الأفهام، فكيف ينسب هذا كله إلى الجاذبية المحدثة المخلوقة؟ كما أن كثيرًا من الملاحدة -كما تقدَّم- يعترفون بعجزهم عن الوصول عن طريق الأبحاث والتجارب إلى معرفة أسرار كثير من الحقائق المشاهدة في هذا الكون, وهذا الإقرار يلزمهم أن يقروا أيضًا بحقيقة الإله، بل وحقيقة الدين؛ لأنه يشتمل على كثير من الحقائق التي لا يصل العقل إلى معرفتها لا عن طريق البحث ولا عن طريق التجارب, فكيف ساغ لهم الإيمان بأن لبعض الحقائق المشاهدة حقائق باطنية عجز العلم عن معرفتها, بينهما ينفون وجود الإله وحقيقة الدين؛ بحجة أن الدين قائم على أمور لا تدرك حقيقتها الباطنية عن طريق البحث والتجربة، هذا تناقض واضح وتفريق بلا مستند.