← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣. تأمَّل هذه الآيات ودلالتها إذا أردت أن تخرج من ظلمات الجهل إلى نور

стр. 457

العلم واليقين, فهذا هو الحق, وهذا هو البرهان الذي يجب أن نطأطأ له الرءوس والعقول إجلالًا وخضوعًا، وأين هذه البراهين من ترهات المنحرفين الضالين عُبَّاد المادة. ومما يجدر بك الاطلاع عليه ما سجَّله العلماء التجريبيون من الإيمان بالله تعالى عن قناعة ويقين من خلال بحوثهم وتجاربهم في اكتشافاتهم العلمية. وإليك أمثلة رائعة تدين الإلحاد القائم كذبًا على ما سموه علمًا من واقع ما كتبه بعض العلماء التجربيين: جاء في كتاب "الله يتجلّى في عصر العلم" ثلاثون مقالة لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين في تخصصات علمية مختلفة؛ في علوم الكون والحياة من كيمياء وفيزياء وتشريح وأحياء، تذكر كلها أنواعًا من الأدلة العلمية على وجود الله, بعد أن أدهشهم ما توصلوا إليه من ملاحظات, وما شاهدوه من عجائب خلق الله. لكن يجب قبل أن نسوق شواهد من أقوال هؤلاء العلماء أن نؤكّد في البداية أننا لا نسوق هذه الشواهد لحاجتنا إليها, فعندنا في كتاب الله ما يكفي ويشفي, ولكننا نسوقها لنرغم بها أنوفًا فتنها التقدُّم العلمي في هذا العصر, فظنوا أن العلم يقتضي عدم الإيمان بالله تعالى, ولنرد بها على الذين يزوعمون أن علماء الطبيعة -أو كثيرًا منهم- ملحدون؛ لأن الإيمان يجافي العلم، بزعهم، وإليك تلك النماذج الرائعة: يقول "فرانك ألن" عالم الطبيعة البيولوجية: إذا سلَّمنا بأن هذا الكون موجود, فكيف نفسِّر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال:

стр. 458

١- فإمَّا أن يكون هذا الكون مجرَّد وهم وخيال، وهذا يتعارض مع ما سلَّمنا به من أنه موجود. ٢- وإمَّا أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم, وهذا مرفوض بداهة. ٣- وإمَّا أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية, وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله من أزلية الخالق، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة, فهو إذًا حدث من الأحداث, ولا يمكن إحالة وجود هذا الحديث المنظَّم البديع إلى المصادفة عقلًا، ولذلك فهذا الاحتمال باطل. ٤- وإمَّا أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه, وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض, وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلًا، فوجب الاعتماد عليه. وقال "جون كليفلاند كوثران" عالم الكيمياء والرياضيات: تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة, والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادّة ليست أبدية، ومعنى ذلك أيضًا أنها ليست أزلية؛ إذ أنَّ لها بداية, وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية, بل وجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد, وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بُدَّ أن يكون مخلوقًا, وهو منذ أن خُلِقَ يخضع لقوانين وسنن كونية محدَّدة ليس لعنصر المصادفة بينهما مكان. فإذا كان هذا

стр. 459

العالم المادي عاجزًا عن أن يخلق نفسه, أو يحدد القوانين التي يخضع لها, فلا بُدَّ أن يكون الخلق قد تَمَّ بقدرة كائن غير مادي متَّصف بالعلم والحكمة. وقال "إدوارد لوثر كيسيل" أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو: "يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي، ولكنّ القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي، فالعلوم تثبت بكل وضوح أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًّا, ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية, فقد أثبت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ نحو خمسة بلايين سنة١، ولو أنَّ المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة, والبعد عن التحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرَّروا عقولهم من سلطان التأثّر بعواطفهم وانفاعالاتهم، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله, وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسّر الحقائق، فدراسة العلوم بعقل متفتح تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله٢. وإذا كان وجود الله تعال يتجلّى بهذا الوضوح, فما الذي حمل الملاحدة على إنكاره؟! وما هي الشبهات التي تعلقوا بها؟

стр. 460

- شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى: تذكر الجواب بالإضافة إلى ما سبق فيما يلي: ١- دليل الجاذبية: من شبههم على نفي وجود الإله الخالق والحافظ لهذا الكون ما زعموه بعد اكتشاف نظام الجاذبية في علم الفلك من أنَّ هذا الكون محفوظ بقانون الجاذبية ومتماسك بسببها لا بقدرة إله خالق, ولا شك أن هذا الفهم تافه سخيف؛ إذ يقال لهم: هل نظام الجاذبية ينفي وجود إله خالق قادر، أم أنه على العكس يدل على وجود الإله الذي خلق الجاذبية ذاتها؛ لتعمل وفق ما أراد وقدَّر لا وفق ما تريد هي؛ إذ لا إرادة لها ولا وجود لها من نفسها, فهي قد وجدت بعد أن لم تكن، وهذا الترتيب العجيب في الكون يفوق كل قدرة, ويفوق كل تدبير, لقد حيَّر العقول وتضاءلت دون إدراكه الأفهام، فكيف ينسب هذا كله إلى الجاذبية المحدثة المخلوقة؟ كما أن كثيرًا من الملاحدة -كما تقدَّم- يعترفون بعجزهم عن الوصول عن طريق الأبحاث والتجارب إلى معرفة أسرار كثير من الحقائق المشاهدة في هذا الكون, وهذا الإقرار يلزمهم أن يقروا أيضًا بحقيقة الإله، بل وحقيقة الدين؛ لأنه يشتمل على كثير من الحقائق التي لا يصل العقل إلى معرفتها لا عن طريق البحث ولا عن طريق التجارب, فكيف ساغ لهم الإيمان بأن لبعض الحقائق المشاهدة حقائق باطنية عجز العلم عن معرفتها, بينهما ينفون وجود الإله وحقيقة الدين؛ بحجة أن الدين قائم على أمور لا تدرك حقيقتها الباطنية عن طريق البحث والتجربة، هذا تناقض واضح وتفريق بلا مستند.

стр. 461

٢- دليل الارتقاء: من شبههم التي استندوا عليها في إلحادهم في الله تعالى قضية الارتقاء: أي: ارتقاء المخلوقات وتطورها في خلقها تلقائيًّا, وهذه القضية رغم وضوحها في الدلالة على وجود الله تعالى وقدرته ومشيئته ورحمته بخلقه, إلا أنهم نظروا لها من جانب آخر بعيد عن الفهم السليم والعقل المستقيم, فزعموا أن أنواع الحياة قد وجدت نتيجة لعمل الارتقاء لافتراضهم أنه على فرض وجود خالق لهذه الحياة بزعهمهم, فلا يمكن أن يخلقهم على هذا الترتيب من الصغر إلى الكبر في الإنسان والنبات, بل يخلقه دفعة واحدة, كل صنف في كمال شكله بدون ترتيب يخضعها لعمل تطوري طويل الأمد حسب زعمهم, وأن المخلوقات تطورت بنفسها بفعل المادة, وأنها تولدت عن بعضها للتشابه بينها, وأن بقاءها يعود إلى قدرتها على التكيف مع الظروف التي تحيط بها. والواقع أنه ما من مؤمن بالله إلّا وهو يعلم أن وجود الخلق على هذه الحالة إنما يعود إلى مشيئة الله وقدرته, ولتنتظم الحياة على سنة واحدة, ولن تجد لسنة الله تبديلًا. وأن ما يزعمونه من تطور المخلوقات بنفسها بفعل المادة إن هو إلّا خرافات سخيفة, ولو كان ذلك صحيحًا لأدى التطور إلى أن تصبح الذرة جملًا أو فيلًا ضخمًا, فما الذي يمنعها وقانون التطور يجيز ذلك لها؟

стр. 462

وقد مرت ملايين السنين ولا تزال الذرة هي الذرة, والجمل هو الجمل, والإنسان هو الإنسان, لم يتطور من قرد إلى إنسان إلّا عند "داروين" الملحد الذي أصبحت نظرياته محل سخرية العقلاء من الناس وضحكهم منها, وإذا كان الارتقاء بمعنى أن الإنسان والحيوان يكون في أوله صغيرًا ثم يكبر شيئًا فشيئًا إلى أن يكتمل, فهذا أمر حقيقي مشاهد وهو يدل على قدرة قوية تربيه إلى أن يصل إلى درجة الاكتمال, لا يدل هذا على أنه ليس له إله رحيم مدبر. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على هذا التطور والارتقاء في حياة الإنسان والحيوان والنبات, ولو كان للطفل المولود أسنانًا حادَّة من أول يوم لما أرضعته أمه, ولو ولد شابًّا لما وجد ذلك الحنان بينه وبين أمه وأبيه وأهله, ولو كانت الشمس تسطع حرارة منذ بزوغها لما وجد لها هذا الحب في استقبالها وفي غروبها كل يوم, ولكن الملاحدة قلبوا الأمر, فجعلوا ما كان دليلًا واضحًا على قدرة الله تعالى ووجوده جعلوه دليلًا على إنكار وجوده؛ لأن قلوبهم غلف وقد طبع الله عليها. وأمَّا ما زعموه من أن الكائنات الحية نشأت عن التولُّد, وأن تكيفها مع الظروف هو الذي أبقاها, فإنه يقال لهم: إن هناك حقائق مسلَّمة لا يعارضها عقل ولا دين بحال، بل يؤكدها الدين والعقل بدلالتها على الحقائق العظيمة, ولا يصح أن يقال أنها دليل على صحة نظرية التطور التي يثبتها الملاحدة وهي: ١- الكائنات الأدنى كالنبات وجدت قبل الكائنات الأرقى كما يذكر الباحثون,

стр. 463

فالإنسان هو أرقى الكائنات الحية وجد متأخرًا, بينما النباتات وجدت أولًا, فإن الله خلق السموات والأرض, وخلق الأرض وقدَّر فيها أقواتها وما يحتاج إليه البشر حين يوجدون عليها. ٢- يوجد كثير من أوجه الشبه بين الكائنات الحية كالإنسان والقرد, ومع ذلك بقي كل كائن كما هو على طول المدى, لم يتحول القرد إلى إنسان, ولا الإنسان إلى قرد. ٣- الكائنات الحية تملك قدرة على التكيف مع الظروف "ظهور المناعة لمقاومة الأمراض, تغير لون الجلد لمقاومة الحرارة وأشعة الشمس ... إلخ١. ويقال لهم في توجيه ذلك: إن كل هذه الثوابت لا يعارضها الدين أو العقل, وهي من أوضح الأمور على قدرة الله تعالى الذي منحها هذه الصفات, فإن ترتيب وجود الكائنات يعود لمشيئة الله تعالى كذلك, ولا يلزم من وجود الكائن الأوّل أن الكائن الذي يليه تولَّد عنه، فإنه الإنسان مع وجوده متأخرًا لا يصح أن يقال أنه تولّد عن النبات الذي سبقه في الوجود وإلّا لزم التسلسل, فإنه يقال لمن يريد إثبات ذلك: والنبات أيضًا عن أيّ شيء تولَّد؟ فلو قال: من اجتماع أجزاء المادة, يقال له: وأجزاء المادة أيضًا من أي شيء تولدت؟ وهكذا, فلا يجد جوابًا في النهاية إلّا التسليم رغم أنفه شاء أم أبى. وأما وجود التشابه بين الكائنات الحية فلا يعني هذا أيضًا أن كل كائن

стр. 464

تولّد عن شبهه, فلا يصح أن يقال: إن القرد تولّد عن الإنسان, أو الإنسان تولّد عن القرد, لما بينهما من تشابه, لا يمكن هذا إلّا في نظرية "دارون" وقد عرفت سخافتها، بل إن العلم والدين كليهما يثبتان أن التشابه بين الكائنات الحية مع بعضها البعض, أو مع بعضها وأخرى ليست من جنسها, إنما هو دليل قاطع على أن مصدر الإيجاد واحد وهو الله تعالى, ولو أن الكائنات كلها تولد بعضها عن بعض لما كان هناك فرق في مفاهيم العقلاء بين أن تقول لإنسان: أنت قرد أو كلب أو شجرة, وبين أن تقول له: أنت إنسان أو قمر أو وردة؛ لحصول التولّد الذي زعمه الملاحدة بنظرياتهم السخيفة, إذا ما دامت الكائنات كلها تولّدت عن بعضها البعض فلا يبقى بينهم أيّ فارق حقيقي. وأما وجود القدرة للكائنات الحية على التكيف مع الظروف التي تحيط بها, فإن العلم والدين يثبتان ذلك ويرجعان السبب إلى قوة مدبرة رحيمة هي قوة الله تعالى وقدرته ورحمته, فإن تلك القدرة على التكيف إنما هي رحمة من الله تعالى لبقاء ذلك الكائن حينًا منتفعًا بذلك التكيف على مقاومة انقراضه إلى الوقت الذي يشاء له موجد تلك القدرة, فأي دليل للملاحدة في هذا على عدم وجود الله تعالى الخالق لهذه الكائنات, والموجد لها هذه القدرة على التكيف في معيشتها ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١.

стр. 465

٣- قانون العلة أو المعلول أو التفسير الميكانيكي للكون: من المسلَّم به عند العقلاء وكل المؤمنين بالله تعالى, أن الله تعالى يوجد الأشياء عند وجود أسبابها في أغلب الأمور, إلّا إذا أراد عدم وجود تلك الأسباب, وحينما اكتشف علماء القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر أنَّ الكون يسيره قانون العلة والمعلول طار الفرح بمفكري الملاحدة, وظنوا أنهم وجدوا ضالَّتهم المنشودة في التدليل على عدم وجود الله تعالى؛ لأن كل الأشياء ناتجة عن علة ومعلول, فلا ضرورة حينئذ إلى القول بوجود إله موجد؛ لأن جميع ما يجري في هذا الكون إنما يحدث بسبب علل مادية دون تدخل خارجي, غير وجود العلة والمعلول التي تغني عن القول بوجود الله , وهو ما يسميه بعض الباحثين "التفسير الميكانيكي للكون", ومن الطريف أن العلماء الذين اكتشفوا هذا القانون لم يزعموا أنه بديل عن الله تعالى, بل صرحوا بأنه سنة الله في الخلق أن يجري الأمور بواسطة أسباب وعلل, فقد قال "نيوتن": "هذا هو أسلوب الله في العلم, فالله يجري مشيئته في الكون بواسطة أسباب وعلل"١. ولكن الملاحدة وهم في نشوة فرحهم ببناء مذهبهم الإلحادي جعلوا هذا ضمن أدلتهم على تقوية إلحادهم ونظريتهم إلى الدين بعين البغضاء وأنه بزعمهم ينافي العلم، وأنَّى لهم أن يكون هذا الاكتشاف دليلًا على عدم وجود الإله الخالق الذي قدّر الأسباب وضرب الآجال وفق سننه في هذه الكون, التي هي أجلى من الشمس لولا عناد الملاحدة واستكبارهم, وقد

стр. 466

أشار الله تعالى إلى هذا في القرآن الكريم حينما أُمِرَت مريم بأن تهز النخلة وهي في حالة تمام الإعياء والتعب في وقت الولادة؛ ليفهم الناس أن الله تعالى يجري الأمور بأسبابها. وقد وجد الفلاسفة الملاحدة صفعة أبطلت نشوتهم بهذا الاكتشاف الميكانيكي, وذلك حينما عجز العلماء عن الإتيان بتفسير للأسباب الكامنة في بعض القضايا مع وضوح آثارها, دون أن يعرفوا وجه العلة والمعلول فيها, وعلى سبيل المثال: فإن الراديوم عنصر مشع وإليكترواناته تتحوّل إلى حطام تلقائيًّا بعمل الطبيعة, وقد أجرى العلماء تجارب لا حصر لها لكي يصلوا إلى سبب إشعاع الراديوم, ولكن كل التجارب انتهت إلى الإخفاق، ونحن نجهل حتى اليوم سبب تحطُّم إليكترون ما وخروجه عن نظامه النووي في الراديوم, وأيضًا فنحن نشاهد المغناطيس وهو يشد نحوه الحديد، وقد أقام العلماء نظريات كثيرة لشرح هذه الظاهرة, ولكن أحدهم كتب يعلق على هذه النظريات قائلًا: "إننا لا نعرف لماذا يشد المغناطيس الحديد نحوه, ربما لأنَّ الله أصدر إلى المغناطيس أمرًا بذلك"١. ولقد علَّل العلماء في الماضي لبعض القضايا بتعليلٍ ظنوا أنه صواب, فإذا به عند التحقيق تعليل سطحي، بل لا يعرف الإنسان إلى الآن لماذا ينام حين يستلقي في الليل على سريره, ما هو السبب لذلك؟ ولقد اعترف الملاحدة بعد طول جدل بأن قانون التعليل ليس حقيقة مطلقة بالمفهوم الذي افترضوه في القرن التاسع عشر، بل لقد قرروا

стр. 467

أخيرًا "أن نظام العالم لا يخضع لقانون العلة والمعلول الناتج عن الصدفة المحضة, وإنما هناك عقل ذو وعي يدبر شئون العالم بالإرادة". وكان سائدًا عند الجهَّال في القرون الأولى أن هناك آلهة مشتركة في تدبير هذا الكون, وهي تخضع في النهاية لإله واحد هو أكبرها, فقد تغيرت هذه النظرة الشركية إلى ما هو أقبح منها, وهو الإلحاد المادي الحديث القائم على القول بالصدفة وطبيعة أجزاء المادة وانتظامها وانفجارها, مما لم يقل به المشركون قديمًا. ٤- دليل المادة: ومن أدلتهم على نفي الإله واعتبار الدين خطرًا يضاد العلم قولهم: إن أساس هذا الكون كان مادَّة شبه غبار منتشر, ثم حدث أن تحرَّك حركة لم تنته إلّا بتكوين هذا الكون وما فيه في انفجار هائل، ولكن يقال لهم: إن هذا التفسير مضحك سخيف, هل تستطيعون أن تثبتوا مَنْ الذي كوَّن ذلك الغبار؟ ومن الذي جمعه؟ ومن كان السبب في تلك الحركة التي جعلت الكون كله يتفجر ويتكون على نحو ما هو عليه؟ إنهم لا يجدون لهم جوابًا غير أن الصدفة هي التي فعلت ذلك, وهو افتراض بدون أساس ناتج عن خيال كاذب وفهم قاصر، ويقال لهم: إذا كان وجود هذا الكون عن طريقة الصدفة, أليس من الممكن والحال هكذا أن توجد صدفة أخرى تقضي على هذا الكون كله؟ وتتعطل كل هذه المصالح من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك مما في هذا الكون المترابط المنتظم بصورة

стр. 468

تضمن استمرار الحياة سليمة عن الخراب والتداخل؛ إذ الشمس تجري لمستقرٍّ لها, والنجوم زينة للسماء, والقمر ضياءً, والرياح لواقح, والسحب تحمل المطر, والليل في وقته, والنهار وفي وقته، كلها تجري لصالح الإنسان ولبقاء الحياة هذه الدهور التي لا يعرف لها وقت إلّا الله تعالى، بل والإنسان نفسه أعظم آية، كيف أوجدته الصدفة من العدم, وكيف وجد الإنسان الحي من مادة ليس لها حياة. "إن التفسير الميكانيكي يعجز هنا عن إقرار أن سببًا واحدًا خلق الكون, وأن هذا السبب نفسه يقوم بتدبير شئونه في نفس الوقت، وأن هذا التفسير نقيض وجود إلهين اثنين، فمن ناحية يقدّم لنا هذا التفسير نكتة قانون الصدفة؛ لشرح الحركة الأولى التي وقعت في المادة الراكدة، ولكن هذا التفسير من ناحية أخرى يعجز عن تقديم تفسير مقنع لتسلسل الحركة بواسطة تلك الصدفة نفسها التي وقعت "صدفة" للمرة الأولى, لذلك وجب البحث عن إله آخر لشرح هذا الجزء الأخير من التفسير الميكانيكي"١. وقد وجدوه بزعمهم في مبدأ التعليل الذي زعموا فيه أن الكون ابتدأ في الوجود إثر حركة المادة وانفجارها الذي سبق ذكره وعرفت سخافته وبطلانه. وحينما قام الإلحاد وأنكر الإله على أساس أن الكون خاضع لتلك القوانين المعنية, وأن كل حدث له سبب, وأن قوانين الارتقاء قد تكلّفت بإتمام كل موجود, وأن الكون كله تكون من مادة حسب سخافاتهم, فلا حاجة إلى القول بوجود إله خلّاق مدبر لهذا الكون, وبالتالي أخذ عظماء الكفر والإلحاد يتبجحون

стр. 469

بما توصَّلوا إليه في اكتشافاتهم من تلك القوانين الطبيعية, فراحوا يتفنَّون في إطلاق كلمات الإلحاد, وأنه بإمكانهم أن يخلقوا الإنسان والكون لو توفَّرت لهم المواد, والتي زعموا أن الكون خلق منها, فقال الفيلسوف الألماني "كُونت": "ائتوني بالمادة وسوف أعلمكم كيف يخلق الكون منها"١. وقال "هيجل": "إنني أستطيع خلق الإنسان لو توفَّر لي الماء والمواد الكيمياوية والوقت"٢. وقال "نيتشه": "لقد مات الإله الآن"٢. وهكذا زعموا أن العلم أوصلهم إلى أن الكون إنما وُجِدَ من مادة, وأنه لا أثر للخالق فيه، وبالتالي فلا حاجة مع وجود هذه العلوم والاكتشافات إلى القول بالخالق, وسبحان العليم الحليم. وقالوا متعالين: لقد كان الإنسان القديم يعتقد أن خروج الكتكوت من البيضة إنما كان بقدرة إلهية, أما اليوم فقد علمنا أن الكتكوت بعد ٢١يومًا يظهر على مناقرة قرن صغير يستعمله في تكسير قشرة البيضة فيخرج منها, ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من البيضة.٤.

стр. 470

إنهم حين يقفون عند هذا الحد في خلق الكتكوت تفوتهم أمور كثيرة لا يستطعيون الجواب عنها, هي أشد من تكسير البيضة؛ إذ يقال لهم: كيف يظهر هذا القرن؟ ومن الذي منحه هذا القرن الضروري لخلاصه من البيضة؟ فإذا قالوا: إنها الطبيعة، فيمكننا أن نقول لهم: إن هذه الطبيعة التي تقولون بها هي سنة الله تعالى في تكوين خلقه, ولن تجد لسنة الله تبديلًا، وأنها هي الله تعالى الخالق المدبر، فيصبح الخلاف في وجود الله بين المؤمنين والملحدين خلافًا لفظيًّا. ومهما اكتشف العلماء من اكتشافات، فإنها تبقى في حاجة إلى بيان القوة المؤثرة الخفية فيها الذي حاد عنها الملاحدة ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. وكلام الله هو الدليل القاطع، فقد أثبت الله تعالى أن الإنسان مهما كابر عقله، فإنه يعلم في قرارة نفسه أن الشيء لا يُوجِدُ نفسه، وأن العدم لا يوجِد الموجودات المشاهدة المنتظمة في أكمل وأدق نظام، والمادة التي جعلت إلهًا في نظرهم هي نفسها مخلوقة مربوطة حتى وإن وصفوها بصفة الإله. ومن الملفت للنظر أن هذا الإله المختلق -المادة- لا يصفونه بالحكمة ولا القصد ولا التدبير, وهذا ما أكَّده "دارون" و"إنجلز" و"ماركس" ومن سار على منهجهم في زعمهم فوضوية المادة, على أن هذا الإلحاد الذي قرره "دارون"، و"ماركس"، و"إنجلز" لم يكن وليد أفكارهم, وإنما أنشأته ظروف كثيرة قبلهم؛ منها: الحياة الدينية في أوروبا حينما انفصلت

стр. 471

عن كل شيء يشير إلى الدين الصحيح, وحل محله طغيان رجال الدين الكنسي الذي نتج عنه بغض الدين وبغض مصدره, وهو ذلك الإله المنحاز إلى الطبقات الثرية وإلى رجال الدين والحكام, ولا شأن له بالفقراء والمغلوبين على أمرهم. ومما لا ريب فيه أن هذا المفهوم الباطل للدين والإله أمر لا بُدَّ أن يولد عنه الإلحاد متى اقتنع الشخص بصحته، كما أنَّ استغلال الطبقات القوية للفقيرة وإذلالهم باسم ذلك الإله الذي صوره قوة عاتية إلى جانبهم فقط, يعذب من أغضبهم, ويرضى عن من أرضاهم, من شأنه أن يساعد على نشأة الإلحاد أيضًا. ومن هنا شعر الجميع بوجوب الهرب من وجه هذا الإله المتّصف بتلك الصفات إلى إله آخر له كل صفات الإله الأوّل, إلّا أنه لا يتعرَّف بالكنيسة ولا يبارك ظلم طغاتها, ولا يلزم الناس تجاهه بأي التزام, وعباده أحرار فيما يصنعون بأنفسهم, لا سلطان لأحد عليهم إلّا الهوى والشهوات, لقد استراح من أراد الهرب من إله الكنيسة إلى الإله الجدي المسمَّى "الطبيعة" ما دام بينهما هذا الفارق الكبير في السلوك, وتفنَّن بعد ذلك هؤلاء الهاربون في إضفاء الصفات على هذا الإله الذي تخيَّلوه وأحبّوه وسموه الطبيعة. ولكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه إله وهمي متخيَّل لا حقيقة له إلا من خلال أنه ملاذ وجداني أرحم من إله الكنيسة, حتى وإن كان غيبيًّا, وكانوا كلما وقفوا على شيء يدل على الإله العظيم رب العالمين سارعوا إلى تفسيره لصالح هذا الإله المتخيّل مخالفة أن يقعوا مرة أخرى في قبضة رجال الكنيسة

стр. 472

وصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١ أو قول الشاعر: كالمستجير من الرمضاء بالنار إن الملاحدة هربوا عن اسم الله والاعتراف به إلى اسم آخر أعطوه نفس القدرة ونفس صفات الإله الحقيقي دون أي مبرر إلّا الهرب من إله الكنيسة, دون أن يرجعوا إلى عقولهم وإلى سؤال أنفسهم بصراحة وصدق, هل هذا الإله الذي جعلته الكنيسة ستارًا لطغيانها هو فعلًا الإله الحقيقي؟ أم أنه إله مخترع وورقة رابحة في أيدي الطغاة؟ إنهم لو طلبوا الحقيقية سيجدونها واضحة صريحة, وسيجدونها في مكان لا يقل كراهتهم له عن كراهيتهم للكنيسة, إنه الإسلام الذي سيبيّن لهم لو أرادوا الحق الصحيح الإله الحقيقي الرحيم العادل بين عباده.

стр. 473

- تعقيب: إن المؤمنين بالله تعالى لا يسندون وجود الخلق إلّا إليه وحده, فهو الخلاق العليم الذي بيده ملكوت كل شيء, إذا أراد شيئًا أوجده فورًا بكلمة "كن", وهذه القدرة لا يملكها إلّا هو وحده، وأما الملاحدة الذين يسندون هذه القدرة إلى المادة, وأن المادة تخلق المادة فهو كلام يدل على جهلهم وعنادهم, فإن العقول لا تقبل مثل هذا, حتى عقول الملاحدة لا يمكن أن تقتنع به؛ لأن المادة ذاتها هي أثر من أثار القدرة الإلهية ولا تخلق شيئًا، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. إن إتقان هذا الكون وترتيبه هذا الترتيب العجيب, والإنسان وكيفية خلقه, لا يمكن أن تفعله تلك المادة التي تصوروها, والتي هي باعترافهم لا حكمة ولا تدبير لها. إنه لمن عجائب الأمور أن يسندوا خلق الكامل إلى الناقص, والقوي إلى الضعيف، المادة صماء ناقصة والإنسان عاقل مفكر, وفاقد الشيء لا يعطيه, فإذا لم يوجد لها عقل ولا تفكير ولا حكمة, فمن أين لها أن توجد في بعض مخلوقاتها هذه الصفات، ومن التحكم الباطل قولهم: إن المادة تطورت مرة واحدة في وقت من الأوقات فأنشأت هذا الكون, فإنه يقال لهم: وما الذي منعها ان تتطور مرة أخرى فتغيّر وجه هذا الكون, وما الذي أوقفها بالنسبة لخلقها الإنسان عن هذا الحد, وعند هذه الصفات المشتركة بين جميع الناس, فإن قانون التطور -على حسب ما قرروه- لا حدَّ له؛ إذ يمكن للإنسان أن يتطوَّر إلى أن يصبح مثل الجبل, فلماذا وقف عند حدٍّ معين في جسمه وعمره

стр. 474

وصفاته ومعيشته، لقد أرادت النظريات الإلحادية أن تقنع الإنسان عن طريق المادية الجدلية والتفسير المادي للتاريخ أنه من صنع الطبيعة, وأن وجوده ترتَّب أولًا على الماد, وعليها بنى تاريخه، ثم كالوا الشبهات لإقناعه, إلّا أنه لم يقتنع ولن يقتنع, وهو على حق في هذا, فإن الله تعالى إنما أعطى الإنسان العقل لكي يعرف به ربه وخالقه, وقد فطره الله على ذلك, ولكن الملاحدة جعلوا همَّهم الوحيد وشغلهم الشاغل هو نشر الإلحاد وإقصاء الدين بأي ثمن يكون، وبأي شبهة تقال، وبأية وسيلة, المهم في كل ذلك هو إبعاد أذهان الناس عن خالقهم -جل وعلا, وقد تمثلت محاربتهم لله حتى في التسمية, فإن استبدالهم اسم الله باسم الطبيعة ثم باسم المادة, الغرض منه إضعاف الرباط النفسي اللاشعوري باسم الله في النفس, فلا تحس بعد تسمية الله بالمادة أو الطبيعة أي شوق أو احترام للإله العظيم؛ إذ أن الطبيعة لا تستحق التوقير والاحترام الذي يستحقه الله لو بقي اسمه -جل وعلا. والواقع أن الملاحدة يهدفون من محاولتهم صرف أذهان الناس عن وجود إله بعد نشر الرذائل بكل صورها، يهدفون إلى استعباد الناس وجعلهم حميرًا يركبونهم ويسوقونهم كما يشاءون؛ لأن الناس حينئذ سيكونون كالبهائهم لا يحسون بأية قيمة لهم, مثلهم مثل سائر الحشرات التي خلقت لتأكل وتشرب وتتناسل ثم تموت، ذلك لأن مصدر التكريم للإنسان هو الله الذي فضَّله واستخلفه في الأرض وجعله مكرمًا سيد البر والبحر, فإذا تَمَّ إبعاد هذا المفهوم عن الإنسان سهل بعد ذلك أن يتقبل الإهانات بشتَّى أنواعها, بعد أن يفقد آدميته ويرى نفسه بعد ذلك لا فرق بينه وبين الخنازير والكلاب وسائر الحيوانات والحشرات, فتموت فيه الهمَّة والشهامة والأنفة وسائر الصفات الجميلة؛ إذ لا فرق بين البهائم وبين الناس إلّا سموّ الأخلاق, والقيام بالتكاليف الشرعية, والإحساس بأهميته.

стр. 475

المبحث الخامس عشر: روافد أخرى مدخل ... المبحث الخامس عشر: روافد أخرى عبارات استعملها الملاحدة هي بمثابة روافد لإلحادهم, وفسَّروها وفق ما تمليه عليهم أهواءهم، كالتقدمية، والعصرية، والرجعية، والتحررية, وغيرها من الأسماء الجوفاء، وكانت لتلك الأسماء الجديدة أثر ظاهر إبان قوة الشيوعية وفي عهد "بريجنيف" بخصوصه, حتى إن الناس كانوا يطلقونها بصفة هستيرية, فإن لها في ظاهرها بريقًا جذابًا, ولكنها فارغة جوفاء في حقيقتها, كانت بمثابة مادة صنعت للاستهلاك أو الترويج. وكان الذي يتَّصف بها ينتشي زهوًا حتى إذا ماتت الشيوعية إلى غير رجعة ذبلت تلك الأسماء ولم تعد هي العلامة الفارقة بين الإنسان المتطور, أو العصري، أو التقدمي، أو الإنسان المتخلف أو الرجعي, أو غير ذلك من الصفات المنفّرة التي أطلقوها على كل من لم يعتنق شيوعية "كارل ماركس", فما هي تلك الأسماء وما المقصود بها؟

стр. 476

١- الإنسان التقدمي: الإنسان التقدمي أو المتطوّر قيل في تعريفه: إنه هو الإنسان المهذَّب في سلوكه، والواقعي في حكمه، والصادق في التعبير عنه١. وإذا كان هذا التعريف صحيحًا فإنه لم يقف تفسير التقدمي عند هذا المفهوم, فقد أصبح يطلق على نواح مختلفة عند الناس هي أبعد ما تكون عن هذا المفهوم, ففي جانب العقائد يطلقون التقدمية على الإنسان الذي ينبذ التدين والتقاليد وانفلت من كل ارتباط بالفضائل الدينية, واتخذ الإلحاد مذهبًا مثل الأحزاب التي أطلقت على نفسها صفة التقدمية في البلاد العربية وفي غيرها, وفي جانب المظاهر صاوا يطلقون على الشخص أنه متقدّم حينما يهتم بمظهره الشخصي, خصوصًا حينما يقلد الإفرنج في لباسهم وسلوكهم, وصار عند الكثير من المغفَّلين أن البنطلون الضيق، ورباط العنق "الكرفتة" كما يسمونها, وجمع المرأة لأنواع المكياجات, ولباسها إلى نصف الفخذين, وكشفها الرأس, وترديد بعض عبارات الغربيين يعتبر تقدمًا، وهي من الأمور التي انعكست الحقائق فيها, وقد نجح الغربيون في الإيحاء إلى الرجل والمرأة أنه ليس بينهم وبين التقدم إلّا ركوب تلك المسالك، وليت شعري أيّ تطور أو تقدم في هذه المظاهر المنفِّرة القائمة على الفجور وتقليد أعداء الدين, ولهذا صارت هذه التسمية -تقدمي- عند العقلاء منفّرة لما علق بها من هذه المفاهيم الخاطئة, فأي تقدم في أنواع القصَّات وجميع أنواع المكياجات ومحكاة الساقطين في الحضارة الغربية ونبذ الحياء والحشمة ومحاربة الله ودينه.

стр. 477

٢- الرجعية والجمود: أما الرجعية فقد قيل في تعريفها: إنها هي الميل في السير إلى الوراء, والعزوف عن متابعة الحركة نحو اليقظة التي يتمّ عندها تكامل استعدادات الإنسان الطبيعية. وأما الجمود: فهو الوقوف في الحركة عند مرحلة من مراحل تطور الإنسان في كماله وتمام نمو طاقاته البشرية١. هكذا قيل في تعريفهما, ولكن ماذا كان يقصد بها أعداء الأديان؟ لقد اتخذ الملاحدة ومن تبعهم هذا المصطلح نقطة انطلاق في سبّهم للإسلام والمسلمين, ولقد قالوا منكرًا من القول وزورًا, فالإسلام والمسلمون بريئان من هذا الوصف, بل أعداء الإسلام أحق به, وسلوكهم وأفكارهم هي عين الرجعية والجمود, فإن المتتبع لأقوالهم عن نشأة الإنسان وتطوره لو قارنها بأقوالهم اليوم عن تمدحهم بالتطور لرأى العجب في تناقضهم, وكذلك ما يرمون به المسلمين من الرجعية والجمود يكذبهم حال المسلمين الذين يطبقون الإسلام قولًا وعملًا, كيف كانت سعادتهم وسعادة شعوبهم في تطبيقهم لأحكام الشرعية الغراء التي أنزلها الله كاملة شاملة صالحة إلى يوم القيامة, لا تحتاج إلى أحد ينقص منها أو يزيد فيها, وفي العقوبات المقدَّرة كحد السرقة والزنا والقتل والقذف وغير ذلك, خير شاهد على أن الإسلام شريعة كاملة شاملة متطورة يمتد ظلها إلى يوم القيامة. وحينما كان الملك فيصل ﵀ ينادي بالتضامن الإسلامي٢، وعودة المسلمين إلى تحكيم شرع الله , والتمسك بسنته, رماه أعداء

стр. 478

الإسلام عن قوس واحدة بالسبّ والشتم بالرجعية والتخلف, فكان يقول في خطبه المؤثرة: "إن كان التمسك بالإسلام رجعية فنحن نفتخر بأننا رجعيون", ولقد اتضح ولله الحمد بعد أن انجلت الحقيقة عن زيف الشيوعية والدعوة إلى القومية أو الوطنية أو سائر النعرات الجاهلية أنَّ الإسلام هو الذي سيبقى على امتداد تاريخ البشر، وأن الميل في السير إلى الوراء والعزوف عن متابعة الحركة التي توصلهم إلى تكامل استعداداتهم الطبيعية هو أخص صفات المذاهب الفكرية الضَّالة الجامدة بخلاف الإسلام, فإنه دين شامل ومتطور, بيَّن كل ما يتعلق بوجود الإنسان منذ أن أوجد الله آدم إلى خلق ذريته, وما يمرون به من المراحل المتطورة في حياتهم, منذ استقرار أحدهم نطفة في بطن أمه إلى خروجه إلى الدنيا, ثم انتقاله منها إلى أن يصل إلى الجنة أو النار, مع بيان كل ما يحتاج إليه في صلاح دينه ودنياه وتعامله معه نفسه, ومع الآخرين في أدق تنظيم وأعدله.

стр. 479

٣- الخرافة والتقاليد: الخرافة هي الاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر ولا يلتئم مع المنطق السليم والواقع الصحيح١. ولكن أصحاب المادة يريدون بالخرافة: المعاني الروحية ومبادئ الدين وتعاليمه, بعد أن ضربوا بالدين والتعاليم خلف ظهورهم, قال أحدهم: أَبَعْثٌ ثم حَشْرٌ ثم نَشْرٌ حديثُ خرافةٍ يا أمَّ عمرو وظنوا أن ما هم فيه من الإلحاد هو الطريق الصحيح, بينما الدين في نظرهم المعكوس هو الخرافة, وسموا خرافاتهم في خلق الإنسان وفي وجود هذا الكون علمًا, مع أنها نظريات أثبت الواقع بطلانها, ولا ينكر أحد أنه يوجد خرافات كثيرة في العالم, وأن على العاقل أن يميز فيها بين الخرافات الفعلية والدعايات المغرضة المضللة. أما التقاليد: فهي جملة العادات التي هي لمجتمع معين, وهي إمّا تقاليد خيِّرة طيبة, وإما تقاليد سيئة باطلة, ولا تعرف التفرقة بين هذين المسلكين إلّا بعرضهما على الشرع الشريف، فما كان موافقًا للشرع فهو الحق وهو المطلوب، وما كان مخالفًا للشرع فهي تقاليد جاهلية يجب الحذر منها, وما أشد معركة التقاليد, وما أوسع انتشارها, تموت تقاليد وتحيا أخرى على تعاقب الأجيال ومر الدهور, وعلى المسلم أن يكون متزنًا في تقبُّل مختلف التقاليد, فكم من تقليد قضى على نور العلم والمعرفة وأفسد الأخلاق والعقائد, وكم من حق سُمِّيَ خرافة، كما أنَّه يجب عليه الانتباه إلى ما يلقيه أعداء الإسلام من الهجوم على الشريعة الإسلامية تحت ما يسمونه محاربة التقاليد البالية تنفيرًا للناس عنها, كما أنه يجب على المسلم أن يعلم أنه لا مكان في الإسلام للخرافات ولا للتقاليد السيئة الباطلة؛ إذ أن الإسلام إنما جاء لمحاربة كل أنواع الجاهليات والخرافات والتقاليد الباطلة الضارة.

стр. 480

٤- الحرية والكبت: الحرية هي الانطلاق في الرأي والاعتقاد وفي القول وفي الفعل في حدود طاقة الإنسان١. والكبت: هو الحد من الانطلاق في الرأي والاعتقاد والقول والفعل والاتصال بالغير. - حقيقتهما عند الماديين: وأما عند أصحاب المادية فالحرية يراد بها الانطلاق من كل قيود القيم والمثل والمبادئ التي دعى إليها الدين, وهي عودة إلى الحياة البهيمية من أوسع الأبواب, ولكن تحت تسمية التطور والتجديد, وكذلك الكبت عندهم إنما يراد به تحطيم كل أنظمة الشريعة والانفلات عن الآداب والأخلاق التي دعا إليها الدين, أما موقف الدين منهما: فمما لا ريب فيه أن جميع الأديان -وخصوصًا الإسلام- قد دعت إلى الحرية وحرَّمت الذلة والخضوع وإحناء الجباه إلّا لمن خلقها وأوجدها، وفي كتاب الله تعالى تأكيد شديد على كرامة الإنسان, وأن جميع ما في هذا الكون إنما خُلِقَ له ومن أجله, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ١. أما الحرية في الإسلام: فلا يجوز لأحد أن يجهل أن الإسلام بخصوصه دعا إلى الحرية وجعل إليها منافذ عديدة, ورغَّب في تحقيقها بما جعل الله من الأجر الجزيل لمن حققها, ونهى عن الكبت الذي يكون سببه طغيان القوي ضد الضعيف, وتسلط الطغاة على المستضعفين دون وجه شرعي.

стр. 481

إن الحرية لها مفهومها الخاص ومجالها الخاص بها في الإسلام, كما أن للجاهليات مفهومها ومجالها الخاص بها، وبين المفهومين مسافات مديدة وفروق عديدة. فالحرية في الإسلام هي أن تتصرف في كل أمر مشروع لك وليس فيه تعد على حقوق الآخرين, ويكون داخلًا ضمن عبوديتك لربك وامتثالك لأمره ونهيه، وما دام الإنسان لم يخرج عن إطار الشريعة الربانية فهو يعيش الحرية بتمامها؛ سواء أكانت تلك الحرية فيما يتعلّق بنفسه أو جسمه أو ماله أو عرضه, يتصرف فيها في حدود ما شرَّعه الله له, أو كانت فيما يتعلق بغيره في معاملاته الدنيوية، من بيع، وشراء، ونصيحة، ونقد, وتوجيه، وأمر, ونهي, أو الدينية: من تعليم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر ... وغير ذلك. أو كانت فيما يتعلّق بعقل الإنسان وتفكيره؛ حيث جعل الله للعقل مطلق الحرية في الارتفاع بصاحبه عن الخضوع والذل لغير ربه, وفي وجوب إعمال الفكر فيما يحتوي عليه هذا الكون من بدائع وعجائب، فالإسلام يمنحه مطلق الحرية في تنظيم بديع فيه سعادة الإنسان أولًا، ثم سعادة المجتمع الذي يعيش فيه ثانيًا, سواء أكان ذكرًا أم أنثى، والذي خلق الإنسان وسائر الأنعام جعل لكل منها حرية تخصه, فإن الأنعام لها مطلق الحرية دون تمييز بين الضار والنافع، ولكن الإنسان الذي كلّفه الله وميَّزه بالعقل له حرية إذا تجاوزها صار كالأنعام, فإذا تجاوزها أيضًا صار أضل من الأنعام, كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.

стр. 482

- الحريّة في مفهوم الجاهليات: أما الحرية في مفهوم الجاهلية قديمًا وحديثًا فهي الظلم في القديم كما قال الشاعر: والظلم من شيم النفوس ... فإن تجد ذا عفه فلعلة لا يظلم والجنس كما هو حال الأمم التي أعرضت عن الدين، وكما عبَّر عنه الصينيون في تظاهراتهم المشهورة حينما قالوا: "إنه لا حرية عندنا إلّا في الجنس". ولقد فهم الكثير من الذين ينادون بشعار الحرية أنها هي أن يعمل الإنسان ما يشاء، وأن يرتكب من المنكرات ما يلذ له، وأن يقول كل ما يريد قوله، وأن لا يكون للمجتمع أي تأثير عليه، إنه يفهمها على أنها الانفلات من كل القيود, ثم الفوضى وإشاعة الفساد, والوصول إلى الإلحاد تحت هذه التسمية, ولقد ظهرت جحافل من دعاة الحرية خدعوا الناس وأوهموهم أنهم يجب أن يكونوا أحرارًا لا قيود عليهم من دين أو مُثُل أو عرف, بل هي الانطلاق التام. دون أن يفطن هؤلاء المخدوعون بأنها مصيدة يهودية ماسونية وأوحوا بها إلى الدهماء من الجوييم كما يسمونهم؛ ليملئوا بها فراغًا في أذهانهم, بينما هم يعلمون تمامًا أن لا حرية حقيقية سيصل إليها الجوييم, وجاء دعاة الإباحية والوجودية والشيوعية بما زاد الطين بلة والنار اشتعالًا وملؤا أذهان الشباب والشابات بطنين الحرية الشخصية والحرية الجنسية والحرية الكلامية ... إلخ، فإذا بتلك الحريات كلها تصبّ في مصب

стр. 483

واحد هو القضاء على الأديان والعفة والشريعة الإسلامية, وفتح الباب على مصراعيه لدعاة الفجور والفحش باسم الحرية، ومنع المصلحين من الإصلاح بدعوى عدم التدخل في شئون الغير أو كبت حريتهم. جاء في كتاب الحرية في الدولة الاشتراكية "أنه لو قام مجتمع من النساء الحريصات على استقلال جنسهن بتكوين جماعة تدعوا أو تمارس بين النساء أنفسهن نظرية التناسل بدون رباط زواج, فليس من حق الدولة أن تتدخَّل في أعمال تلك الجماعة"١. وأي مصلح ينادي بالكف عن المنكرات والإقصار عنها صاحوا به: إنه يريد كبت حريات الناس، إنه متزمِّت ومتشدد، وما إلى ذلك من الدعايات الباطلة ضده. وحينما تعرف الحرية بأنها الانطلاق في الرأي استغلَّ دعاة الحرية اللادينية هذا المفهوم ونادوا بما سمونه باحترام الرأي والرأي الآخر, وهم يريدون الانطلاق في الرأي الذي يؤدي في النهاية إلى انتكاسة البشرية وفرض آراءهم العلمانية والعقلانية والشعوبية والقومية وكل النعرات الجاهلية، وكذا تعريف الحرية بأنها الانطلاق في الاعتقاد وفي القول وفي الفعل، فإن دعاة تلك الحرية الباطلة لا كابح لجماحهم, انطلقوا في الاعتقاد في القول والفعل إلى الرذائل والآراء السقيمة والنظريات السخيفة بحكم حرية الاعتقاد في القول فملؤا إذاعاتهم وصحفهم ونشراتهم بما يستحي

стр. 484

صاحب العقل والذوق أن يقولها ويفعله, دون أي حياء لديهم أو وازع من ضمير، وصدق عليهم قول المصطفى -صلى الله عليه سلم: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ١. ولن يجد الإنسان الحرية الصحيحة إلا في عبادة ربه والخضوع له وحده لا شريك له, كما أنه لا حرية مع عدم طاعة الله تعالى, فإن من لم يذل لله أذلَّه الله لغيره.

стр. 485

٥- الإلحاد: ومن الجدير بالذكر أن للملاحدة أسماء كثيرة اخترعوها من واقع عقيدة كل مجموعة, مع الأخذ في الاعتبار أنّ الملاحدة كلهم متفقون على اعتقاد الإلحاد, ولكنهم يختلفون بعد ذلك حسب الآراء والأهواء, فتأتي التسمية من ذلك الواقع. فالمادّيون، أخذت تسميتهم من اعتقادهم أن وجود جميع هذا الكون إنما هو تابع لوجود المادة التي ليس وراء وجودها أي وجود مؤثّر في الإيجاد. وقسم منهم يسمون "الطبيعيون" بسبب اعتقادهم بأنّ التغيرات التي تحصل على المادة إنما تحصل بأسباب ذاتية ترجع إلى طبيعة المادة. وبعضهم يعتقد أن تلك التغيرات إنما تحصل بالآلية في حركة ذرات المادة, فقيل لهم أصحاب المذهب الآلي. وبعضهم يعتقد أن المادة ترجع إلى ذرات صغيرة جدًّا متجانسة، والتغيير

стр. 486

إنما يرجع فيها إلى شكل التأليف والتركيب بينها، فسموا أصحاب المذهب الذري. وبعضهم لم يعتقد إلّا بما يحسه فقط, فقيل لهم "حسيون". وبعضهم يردد كلمة الواقع المدرَك بالحسّ، أو الواقع المدرك، أو الواقع الملموس، وأشباه هذه العبارات فقيل لهم "الواقعيون". وبعضهم اتخذ اسم الوضعية. وبعضهم زعم أن الأشياء توجد أولًا ثم تصنع الأفكار ماهيتها, فسموا بالوجوديين١. وهكذا تعددت الأسماء، والهدف النهائي واحد هو الإلحاد, ويبقى الاختلاف بينهم لفظيًّا؛ لتسهيل مغالطاتهم الناس من وراء كثرة تلك الأسماء؛ ليحتدم الخلاف حولها بين الناس, وإشغالهم بها, فقبحهم الله ما أكثر أسمائهم وما أقل نفعهم.

стр. 487

الفصل الثاني: الاقتصاد في الإسلام وفي المذاهب الوضعية المبحث الأول: قضية الملكية الفردية والجماعية المطلب الأول: الملكية في الإسلام ... الفصل الثاني: الاقتصاد في الإسلام وفي المذاهب الوضعية وفي المباحث الآتية: المبحث الأول: قضية الملكية الفردية والجماعية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الملكية في الإسلام وفيه أمران. ١- حب التملك الفردي فطرة في الإنسان. ٢- الملكية الفردية والجماعية في الإسلام. المطلب الثاني: الملكية في المذاهب الوضعية, وفيه أمران: ١- الملكية في الرأسمالية. ٢- الملكية في الشيوعية الماركسية. المبحث الأول: قضية الملكية الفردية والجماعية المطلب الأول: الملكية في الإسلام: الأمر الأول: حب التملك الفردي فطرة في الإنسان حب التملك فطرة في الإنسان "الملكية الفردية" منذ أن أهبطه الله إلى الأرض إلى أن يرثها , وهو أمر معلوم بالضرورة, ولم يجرء على خلافه إلّا عتاة الملاحدة الذين كابروا الحقائق والأمور الواقعة, وقد أصبحت هذه القضية من أهم القضايا التي شغلت أفكار البشر على امتداد

стр. 488

تاريخهم، وهي قضية فطرية في الإنسان، ولا يلام عليها؛ لأن الله أرادها لإعمار الأرض، إلّا أن صاحبها قد يكون ممدوحًا في تملكه الفردي وقد يكون مذمومًا حسب تصرفه في ماله, وقد عالجها الإسلام بأحسن نظام وأعدله, واعترف بها ولكنَّه هذَّبها على طريقة لا ضرر ولا ضرار, سواء أكانت ملكية فردية أو جماعية. وهي في النظام الرأسمالي جشع لا حدَّ له وشَرَهٌ شديد. أما في النظام الشيوعي فلا مكان لها في قاموسهم، وقد اعتبروها مصدر كل الشرور والاختلافات, ومنشأ الصراعات بين الناس الفقراء والأغنياء, وأن الحل لسعادة الناس هو منع الملكية الفردية بأي حال, وجعلها في يد الدولة وحدها, متلمسين في ذلك حججًا واهية وشبهات سخيفة يستدلون بها على الأضرار التي تنجم عن إباحة الملكية الفردية كما سيأتي بيانها. ١- كزعمهم أن الناس كانوا يعيشون في الشيوعية الأولى عيشة سعيدة قبل أن يعرفوا الملكية الفردية بزعمهم. ٢- إن الملكية الفردية لم تكن فطرة في الإنسان. ٣- لم ينشأ الصراع الطبقي إلّا بعد معرفة الإنسان للرزاعة والصناعة. ٤- إن هذه الصراع لا ينتهي إلّا بزوال الملكية الفردية. ٥- في الملكية الفردية ينشأ نظام استعباد الطبقات العليا لمن دونها.

стр. 489

وشبه أخرى كلها ساقطة يستدلون بها لمنع الملكية الفردية, وكلها تدور حول وجوب سيطرة الدولة على جميع وسائل التملك ونزعها من أيدي أفراد المجتمعات, فهل هذه الشبهات حقيقة أم خيال؟ وهل تحققت السعادة في الأنظمة الجاهلية ومنها الشيوعية حينما منعت الملكية الفردية, أم ازداد الأمرسوءًا والطغيان طغيانًا, وكان حال المجتمعات الشيوعية على حد ما قال أحد الشعراء: لقد طغى الغي على الغي ... وأصبح الناس كلا شي وأصبح الميت في قبره ... أحسن أحوالًا من الحي وفيما يلي نوجز بيان قضية الملكية الفردية على ضوء الإسلام، وفي الأنظمة الوضعية. الأمر الثاني: الملكية الفردية والجماعية في الإسلام أما الملكية الفردية والجماعية في الإسلام فقد تبيَّن مما مضى أن الإسلام يحترم الملكية بقسميها العامة والفردية وقد نظَّمها أحسن تنظيم، ولم يوجب أن تكون الأموال في يد الدولة فقط, ولا في يد فرد أو طائفة من طوائف المجتمع كما تقرره النظم الجاهلية, وأنه بخلاف النظام الماركسي الذي يجعل الفرد قطعة لا أهمية لها في جانب الجماعة, وبخلاف النظام الرأسمالي الذي يجعل الفرد حرًّا طليقًا ولو على حساب مصالح الجماعة, فانعدم التوازن في غير الإسلام, ذلك التوازن الذي يحقق العدالة للجميع, كما أن الإسلام لا يجيز للدولة أن تأخذ مال أحد إلّا بوجه شرعي, فقد ضمن حرية الملكية الفردية

стр. 490

ونظَّمها, وجعل مسئولية الإنتاج قائمة على الأفراد وعلى الدولة التي تمثل المجتمع على حد سواء في ضرورة إنعاش الاقتصاد وتنميته وسد حاجات المجتمع. كما أنَّ الملكية الفردية في الإسلام لها ضوابط وتقوم على نظام خاص بعيدًا عن جشع الرأسمالية وظلم الشيوعية, ولها أسس إن قامت عليها كانت حقًّا مشروعًا لا لوم على صاحبها؛ لأن الإسلام يتماشى مع الفطرة التي فطر الله عليها الناس, ولهذا فهو لم يتجاهل غريزة حب التملك عند الإنسان, بل أقرَّها ونظَّمها في حدودها المشروعة التي ترتكز على القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار", فإذا لم يكن في التملك ضرر على الغير فله أن يملك ما يشاء من المال مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. وهذا النصيب يشمل كل ما يحتاج إليه الإنسان من مأكل ومشرب وملبس ومسكن, وغير ذلك من المباحات المشروعة التي لا تمس مصالح الغير, أو الأملاك العامة التي تشرف عليها الدولة وتحوزها للصالح العام في بيت المال من عائدات المال العام, الذي يشترك فيه جميع أفراد الأمة على حد سواء مثل ملكية مناجم الذهب والفضة وآبار البترول والأوقاف العامة, والأماكن التي تختص بتنميتها البلديات للصالح العام, وغير ذلك من الموارد, فلا يحق لأحد الاستحواذ على ذلك كما أنه لا يجوز لها الإضرار بالغير, فإن كان الضرر لا يزول إلّا بأخذ جزء

стр. 491

من مال الشخص للصالح العام, فلا حرج على الدولة أن تفعل ذلك؛ إذ المصلحة العامة أولى بالتحقيق من المصلحة الشخصية الخاصة على حساب الآخرين. ولا يرد على هذا ما عرف عن الإسلام من حرصه على صيانة الملكية الفردية وعنايته الفائقة بالحفاظ عليها, فهي باقية على حالها إلّا في الحالات النادرة التي يتطلَّب الأمر الدفع بأخف الضررين. إن نظام الإسلام يقوم على أساس التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة, فلا يسمح بطغيان مصلحة على أخرى ما أمكن ذلك, ونظرة الإسلام نظرة شاملة تدعو إلى التوفيق بين مختلف المصالح بالعدل وحسن التنظيم, وإذا أمكن التوفيق بين المصلحة العامة وبين المصلحة الخاصة فهذا هو المطلوب, وأما إذا لم يمكن ذلك فإن الإسلام يقدّم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, حتى لو أدى ذلك إلى استعمال القوة في سبيل انتفاع الجميع بما فيهم صاحب المصلحة الخاصة نفسه. ولم يمنع الإسلام أحدًا من امتلاك المال بالطرق الشرعية التي أباحها, بل حثَّ عليها وأوجب المشي في مناكب الأرض, وفضَّل اليد العليا على اليد السفلى, وأكَّد على الغني والفقير التزام تقوى الله ومراقبته فيما يملكان من المال؛ لتنبع المراقبة الصحيحة من داخل النفس على سلوك مهذب, وبيَّن أن احتباس المال ومصادر التكسب في فئة خاصة من الناس أنه سلوك غير مرضي عنه, وشرع لذلك قواعد وأنظمة تكفل المصالح وتحقق السعادة للجميع في ظل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْض

стр. 492

جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١، فالناس كلهم على حد سواء يباح لهم التملك والانتفاع بكل ما في الأرض التي هي ملك الجميع بتمليك الله تعالى لهم, وكلهم مستخلفون على هذه الخيرات أمناء عليها لمالكها الحقيقي وهو الله تعالى, يتصرفون فيها في حدود ما أذن لهم به فقط، فمن تجاوز ذلك فقد عصى الله تعالى وتعدى وظلم. وبهذا يتضح أن الإسلام قد ضمن في تشريعاته حق الملكية العامة والملكية الفردية وهي التي يراد بها "اختصاص إنسان بشيء يخوله شرعًا الانتفاع والتصرف فيه وحده ابتداءً إلّا لمانع"٢ أصالة أو إنابة، كما ضمن الإسلام حسن توزيع الثروات وحدود الأرباح والحقوق الأخلاقية في كل ذلك, إلا أن الإسلام وهو يبيح الملكية الفردية -كما عرفت- لم يجعلها فوضى, بل نظَّم طريقة التملك وطريقة الإنفاق, وحرم على الغير أخذ أي مال ليس له فيه حق مشروع, وسن العقاب على كل من يتعدى على الملكية الخاصة للغير بدون وجه شرعي, ما د امت تلك الملكية قد قامت من طرق ومكاسب صحيحة, فجعل لصاحب المال حرمة مصونة, وجعل له حرية التصرف فيه, سواء أكان ذلك في حياته أو بعد مماته, كالوصية بجزء من ماله لأي عمل خيري, ولم يبح أن يتعدى المال الموصى به الثلث حماية لمصلحة الشخص نفسه أولًا، ولبقية ورثته آخرًا, كما في حديث سعد ﵁.

стр. 493

كما نظَّم الإسلام كل طوائف المجتمع تنظيمًا يضمن صلاح الفرد والمجتمع, ويحفز الجميع على الرغبة والتفاني في العمل وفي الإنتاج, فقد جعل الإسلام للدولة نظامًا تلتزمه تجاه أفراد مجتمعها, قائم على العدل بين الجميع, فلا يجوز أن تطغى سلطة الدولة على مجتمعها دون نظام أورقابة, ولا أن تعيش في الترف والبذخ والشعب في حاجة, فإنهم مسئولون أمام الله تعالى, وقد وردت النصوص الكثيرة في الوعيد الشديد لهم إذا جاروا وظلموا أو غشوا شعوبهم ورعيتهم. وفللدولة في الإسلام السلطة التنفيذية ورعاية مصالح الشعوب والذَّب عنها، وإبرام العقود وحلها, وفرض الرقابة والإشراف على الأوقاف الإسلامية, وجباية الأموال على الطريق الشرعي, وتوزيعها على المستحقين, وغير ذلك من الصلاحيات الكثيرة، وأوجب في المقابل على كل فرد أن يكون مخلصًا للدولة سامعًا مطيعًا في كل ما يأمرون به, إلّا أن يؤمروا بالكفر الواضح فلا طاعة لهم؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وعلى الناس أن يتصرفوا بالتي هي أحسن وأنجح غير متهورين أو مستهينين بالعواقب.

стр. 494

المطلب الثاني: الملكية في المذاهب الوضعية وفيه أمران: الأمر الأول: الملكية في الرأسمالية أما الملكية في الرأسمالية فهي مربوطة بالوصول إلى الأرباح قبل أي اعتبار, يقول محمود الخطيب: يعتبر أنصار الرأسمالية جهاز الثمن هو المحرك الفعّال القادر على حل كل ما يتعلق بالمشكلة الاقتصادية"١. والرأسمالية كما سبق نسبة إلى رأس المال، ويراد بها منح الشخص كامل الحرية في جمع المال وفي إنفاقه بأي طريقة يكون جمعه أو إنفاقه؛ سواء عن طريق الغش، أو الاحتكار، أو الربا، أو التحايل، ولا قيمة للرحمة والعاطفة والإنسانية أو المثل العليا أو الأخلاق في سبيل الحصول على المال, و"كل هذا يؤدي إلى ظلم الأمَّة ويقوي معول هدمها بيدها؛ لأن الأخلاق زالت, والجانب الروحي معدوم مندثر, فلم يبق إلّا الركض وراء المصلحة الجشعة, فأصبح الرأسمالي شَرِهًا متكالبًا على المال"٢. فالرأسمالي لا يمهمُّه أن يموت المجتمع جوعًا في الوقت الذي يرفع قيمة ما في يده إلى الأضعاف المضاعفة، فينظر المجتمع إليه وهو في غاية الشره نظرة حقد وكراهية، وهو

стр. 495

ينظر إليهم أنهم حاسدين له يتمنون زوال ماله, فينشأ عن ذلك إشاعة العداوة والبغضاء وانتزاع الرحمة من قلوب تلك المجتمعات الرأسمالية التي لا هَمَّ لها إلّا عبادة المال وجمعه حسب التنافس في الإنتاج وفي الأسواق؛ بحيث يهدف الرأسمالي إلى التحكم لو استطاع في الأسواق الاقتصادية وإبعاد أي مشروع يرى أنه سينافسه, ثم طلب الربح بأي وسيلة مهما كانت ظالمة أو معيبة, لا يهمه إلّا الحصول على المال, وحال المجتمعات الرأسمالية أقوى شاهد. وفي المجتمعات الرأسمالية حرب على الفقر لكنها لا ترحم الفقير, بل تحمله مسئولية فقره, وتنظر إليه بازدراء؛ لأنه لم يحتل لنفسه للخروج من الفقر؛ حيث يتهم بعدم الذكاء أو عدم الجد في العمل أو غير ذلك من الأسباب التي لا تشعر بالرحمة تجاهه, ولقد عانى المجتمع الرأسمالي من هذه النظرة في بداية تكوّن المذهب الرأسمالي الأمرَّين, واضطر كل فرد صغير أو كبير، ذكر أو أنثى إلى العمل بأي طريق كان للحصول على ما يسد رمقه, وإلّا انسحق دون أي صوت يلفت النظر إلى حاله, والحكومة لا تتدخَّل لا في الإنتاج ولا في التوزيع, بل كان الحبل على الغارب، إلّا أنه -وبعد فترة- شعر المجتمع الرأسمالي تحت الضغط والعنف والمواجهات الدامية بأن هذا الوضع البغيض لا رحمة فيه, وأنه إنما نشأ عن ما يشعر به أغلبية المجتمع من الإحباط وعدم المبالاة بهم, وجعلهم فريسة الهموم على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم, فتطوَّر الفكر الأوروبي إلى تعديل الحال, والنظر بعين الجد إلى القضاء على هذا الشعور, وبدأوا في تقنين الأنظمة التي تطوروا فيها إلى أن عرفوا ما يشبه نظام التكافل الاجتماعي الذي دعا إليه الإسلام منذ نزول الوحي على رسول الله ﷺ حين فرض الزكاة
следующие страницы →