من مال الشخص للصالح العام, فلا حرج على الدولة أن تفعل ذلك؛ إذ المصلحة العامة أولى بالتحقيق من المصلحة الشخصية الخاصة على حساب الآخرين.
ولا يرد على هذا ما عرف عن الإسلام من حرصه على صيانة الملكية الفردية وعنايته الفائقة بالحفاظ عليها, فهي باقية على حالها إلّا في الحالات النادرة التي يتطلَّب الأمر الدفع بأخف الضررين.
إن نظام الإسلام يقوم على أساس التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة, فلا يسمح بطغيان مصلحة على أخرى ما أمكن ذلك, ونظرة الإسلام نظرة شاملة تدعو إلى التوفيق بين مختلف المصالح بالعدل وحسن التنظيم, وإذا أمكن التوفيق بين المصلحة العامة وبين المصلحة الخاصة فهذا هو المطلوب, وأما إذا لم يمكن ذلك فإن الإسلام يقدّم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, حتى لو أدى ذلك إلى استعمال القوة في سبيل انتفاع الجميع بما فيهم صاحب المصلحة الخاصة نفسه.
ولم يمنع الإسلام أحدًا من امتلاك المال بالطرق الشرعية التي أباحها, بل حثَّ عليها وأوجب المشي في مناكب الأرض, وفضَّل اليد العليا على اليد السفلى, وأكَّد على الغني والفقير التزام تقوى الله ومراقبته فيما يملكان من المال؛ لتنبع المراقبة الصحيحة من داخل النفس على سلوك مهذب, وبيَّن أن احتباس المال ومصادر التكسب في فئة خاصة من الناس أنه سلوك غير مرضي عنه, وشرع لذلك قواعد وأنظمة تكفل المصالح وتحقق السعادة للجميع في ظل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْض
стр. 492
جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١، فالناس كلهم على حد سواء يباح لهم التملك والانتفاع بكل ما في الأرض التي هي ملك الجميع بتمليك الله تعالى لهم, وكلهم مستخلفون على هذه الخيرات أمناء عليها لمالكها الحقيقي وهو الله تعالى, يتصرفون فيها في حدود ما أذن لهم به فقط، فمن تجاوز ذلك فقد عصى الله تعالى وتعدى وظلم.
وبهذا يتضح أن الإسلام قد ضمن في تشريعاته حق الملكية العامة والملكية الفردية وهي التي يراد بها "اختصاص إنسان بشيء يخوله شرعًا الانتفاع والتصرف فيه وحده ابتداءً إلّا لمانع"٢ أصالة أو إنابة، كما ضمن الإسلام حسن توزيع الثروات وحدود الأرباح والحقوق الأخلاقية في كل ذلك, إلا أن الإسلام وهو يبيح الملكية الفردية -كما عرفت- لم يجعلها فوضى, بل نظَّم طريقة التملك وطريقة الإنفاق, وحرم على الغير أخذ أي مال ليس له فيه حق مشروع, وسن العقاب على كل من يتعدى على الملكية الخاصة للغير بدون وجه شرعي, ما د امت تلك الملكية قد قامت من طرق ومكاسب صحيحة, فجعل لصاحب المال حرمة مصونة, وجعل له حرية التصرف فيه, سواء أكان ذلك في حياته أو بعد مماته, كالوصية بجزء من ماله لأي عمل خيري, ولم يبح أن يتعدى المال الموصى به الثلث حماية لمصلحة الشخص نفسه أولًا، ولبقية ورثته آخرًا, كما في حديث سعد ﵁.
стр. 493
كما نظَّم الإسلام كل طوائف المجتمع تنظيمًا يضمن صلاح الفرد والمجتمع, ويحفز الجميع على الرغبة والتفاني في العمل وفي الإنتاج, فقد جعل الإسلام للدولة نظامًا تلتزمه تجاه أفراد مجتمعها, قائم على العدل بين الجميع, فلا يجوز أن تطغى سلطة الدولة على مجتمعها دون نظام أورقابة, ولا أن تعيش في الترف والبذخ والشعب في حاجة, فإنهم مسئولون أمام الله تعالى, وقد وردت النصوص الكثيرة في الوعيد الشديد لهم إذا جاروا وظلموا أو غشوا شعوبهم ورعيتهم.
وفللدولة في الإسلام السلطة التنفيذية ورعاية مصالح الشعوب والذَّب عنها، وإبرام العقود وحلها, وفرض الرقابة والإشراف على الأوقاف الإسلامية, وجباية الأموال على الطريق الشرعي, وتوزيعها على المستحقين, وغير ذلك من الصلاحيات الكثيرة، وأوجب في المقابل على كل فرد أن يكون مخلصًا للدولة سامعًا مطيعًا في كل ما يأمرون به, إلّا أن يؤمروا بالكفر الواضح فلا طاعة لهم؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وعلى الناس أن يتصرفوا بالتي هي أحسن وأنجح غير متهورين أو مستهينين بالعواقب.
стр. 494
المطلب الثاني: الملكية في المذاهب الوضعية
وفيه أمران:
الأمر الأول: الملكية في الرأسمالية
أما الملكية في الرأسمالية فهي مربوطة بالوصول إلى الأرباح قبل أي اعتبار, يقول محمود الخطيب: يعتبر أنصار الرأسمالية جهاز الثمن هو المحرك الفعّال القادر على حل كل ما يتعلق بالمشكلة الاقتصادية"١.
والرأسمالية كما سبق نسبة إلى رأس المال، ويراد بها منح الشخص كامل الحرية في جمع المال وفي إنفاقه بأي طريقة يكون جمعه أو إنفاقه؛ سواء عن طريق الغش، أو الاحتكار، أو الربا، أو التحايل، ولا قيمة للرحمة والعاطفة والإنسانية أو المثل العليا أو الأخلاق في سبيل الحصول على المال, و"كل هذا يؤدي إلى ظلم الأمَّة ويقوي معول هدمها بيدها؛ لأن الأخلاق زالت, والجانب الروحي معدوم مندثر, فلم يبق إلّا الركض وراء المصلحة الجشعة, فأصبح الرأسمالي شَرِهًا متكالبًا على المال"٢. فالرأسمالي لا يمهمُّه أن يموت المجتمع جوعًا في الوقت الذي يرفع قيمة ما في يده إلى الأضعاف المضاعفة، فينظر المجتمع إليه وهو في غاية الشره نظرة حقد وكراهية، وهو
стр. 495
ينظر إليهم أنهم حاسدين له يتمنون زوال ماله, فينشأ عن ذلك إشاعة العداوة والبغضاء وانتزاع الرحمة من قلوب تلك المجتمعات الرأسمالية التي لا هَمَّ لها إلّا عبادة المال وجمعه حسب التنافس في الإنتاج وفي الأسواق؛ بحيث يهدف الرأسمالي إلى التحكم لو استطاع في الأسواق الاقتصادية وإبعاد أي مشروع يرى أنه سينافسه, ثم طلب الربح بأي وسيلة مهما كانت ظالمة أو معيبة, لا يهمه إلّا الحصول على المال, وحال المجتمعات الرأسمالية أقوى شاهد.
وفي المجتمعات الرأسمالية حرب على الفقر لكنها لا ترحم الفقير, بل تحمله مسئولية فقره, وتنظر إليه بازدراء؛ لأنه لم يحتل لنفسه للخروج من الفقر؛ حيث يتهم بعدم الذكاء أو عدم الجد في العمل أو غير ذلك من الأسباب التي لا تشعر بالرحمة تجاهه, ولقد عانى المجتمع الرأسمالي من هذه النظرة في بداية تكوّن المذهب الرأسمالي الأمرَّين, واضطر كل فرد صغير أو كبير، ذكر أو أنثى إلى العمل بأي طريق كان للحصول على ما يسد رمقه, وإلّا انسحق دون أي صوت يلفت النظر إلى حاله, والحكومة لا تتدخَّل لا في الإنتاج ولا في التوزيع, بل كان الحبل على الغارب، إلّا أنه -وبعد فترة- شعر المجتمع الرأسمالي تحت الضغط والعنف والمواجهات الدامية بأن هذا الوضع البغيض لا رحمة فيه, وأنه إنما نشأ عن ما يشعر به أغلبية المجتمع من الإحباط وعدم المبالاة بهم, وجعلهم فريسة الهموم على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم, فتطوَّر الفكر الأوروبي إلى تعديل الحال, والنظر بعين الجد إلى القضاء على هذا الشعور, وبدأوا في تقنين الأنظمة التي تطوروا فيها إلى أن عرفوا ما يشبه نظام التكافل الاجتماعي الذي دعا إليه الإسلام منذ نزول الوحي على رسول الله ﷺ حين فرض الزكاة
стр. 496
التي يأخذ فيها العاجز ما يسد حاجته من بيت مال المسلمين دون أن يطالب بمقابل في ذلك، بينما نظام الغرب رغم ما يدعون له من التطور لازال متخلفًا عن الوصول إلى نظام الإسلام في ذلك؛ إذ لا يعطي الشخص فيه في حال عجزه إلّا حسب نسبة ما كان يدفعه من الضرائب في حال صحته.
فإنه يطالب الشخص وهو صحيح بمبلغ يدفعه ضريبة من دخله حتى إذا عجز عن العمل أعطي مبلغًا حسب ما كان يدفعه قليلًا أو كثيرًا, فإنه يأخذ نسبته على حسب ما دفع وعيب هذا أن الغني يدفع له أكثر؛ لأنه أخذ منه أكثر, والمحتاج يدفع له أقل منه, وهذا الحل لا يفي بحاجة الفقير, فقد يكون لهذا الفقير أسرة كبيرة, بينما الغني قد لا توجد له أسرة, فليس هناك تكافئ في التوزيع, ولا نظر إلى عمق القضية حسب الضرورة، بل إنهم لم يوجدوا هذه النقلة إلّا للتخفيف من مساوئ هذا النظام الذي طعموه بما يسمونه التأمينات الاجتماعية والنقابات ... إلخ.
أما الإسلام فإنه لا ينظر إلى استحقاق الفقير من بيت المال إلى أنه كان يدفع أو لا يدفع؛ لأنه ينظر إلى إزالة الضرر بغض النظر عن الأسباب, فلا ضرر ولا ضرار، ولأن الفقر قد لا يدوم, فقد يصبح الفقير غنيًّا فيستعفف بعد ذلك عن أخذ ما كان يصل إليه من بيت مال المسلمين, وما يعطاه من المال إنما هو إعانة له إلى أن يغنيه الله من فضله ويستغني عن أخذه بعد ذلك دون منَّة عليه من أحد؛ إذ الإسلام دائمًا يحث الشخص على الاعتماد على الله, ثم على عمل يده, والاستغناء عن الناس بانتظار ما يجودون به عليه، ويخبره دائمًا أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن المؤمن القوي خير
стр. 497
من المؤمن الضعيف، وأن من اعتمد على سؤال الناس يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ... وغير ذلك من التوجيهات الإسلامية.
وعلى ضوء ما سبق يمكن تلخيص الأسس التي قام عليها النظام الرأسمالي فيما تقدَّم بيانه فيما يلي:
١- حرية الملكية الفكرية وحرية التصرف فيها دون تدخل الدولة غير الحماية.
٢- الحرية في ممارسة أي نشاط اقتصادي يريده الفرد إنتاجًا أو استهلاكًَا.
٣- تحقيق التوازن التلقائي عن طريق جهاز الثمن الذي هو المرآة التي تعكس رغبات المستهلكين إلى المنتجين.
٤- وجود حافظ الربح الذي هو المحرّك الأساسي للنشاط الاقتصادي والإقبال على العمل تحقيقًا للربح.
٥- وجود حرية المنافسة الاقتصادية التي تَحُدُّ من انتشار الاستغلال.
وهذه الأسس وإن كانت تبدو للناظر أنها مفيدة وناجحة وتخدم التقدّم الاقتصادي, إلّا أن لها مساوئ كثيرة من أهمها:
١- سوء توزيع الثروة والدخل بين الناس، فمن عَزَّ بَزَّ.
٢- ما نادت به من الحريات إنما هي حريات ناقصة, والعامل ليس حرًّا في اختيار عمله ولا في أجره, فقد يضطر إلى أن يعمل بأجرٍ أقلَّ حينما
стр. 498
لا يجد عملًا مناسبًا, وكذلك المستهلك ليس حرًّا في استهلاكه, بل يقيد مستوى دخله, وما تسمعه من كثرة المظاهرات في الغرب لتحسين أجر العامل أقوى شاهد.
٣- ظهور البطالة والتقلُّبات الاقتصادية لعدم التوازن الحقيقي.
٤- وجود الاحتكارات والتي تعمل بشكل معاكس لجهاز الثمن.
٥- ظهور الآثار السلبية للمنافسة في الإسراف والتبذير في الإعلانات وغيرها١.
وعلى العكس من كل ما تَقَدَّمَ نجده في الأنظمة الاشتراكية والشيوعية التي لا تحفل بالفرد ولا بتشجيعه على زيادة الإنتاج السليم؛ لسلبهم إياه حرية التملك, وبالتالي إفلاسفه الدائم واتكاله على الدولة, ولا تسأل عمَّا نشأ من المساوئ جرَّاء هذا السلوك الأحمق.
وكل تلك الاتجاهات لا يقرُّها الإسلام ولا تساير نظامه، فالمال في الإسلام إنما هو إحدى متع الحياة الدنيا, ولا حرج على صاحبه أن يتمتع به كيفيما أراد ما دام ذلك في حدود الشرع وتعاليمه, وليس المال هو كل شيء، بل إن هناك حياة هي أسمى من هذه الحياة تنتظر الفقراء والأغنياء, وكم من فقير في هذه الدنيا يصبح في تلك الحياة يفوق في ملكه الدنيا بحذافيرها أضعافًا مضاعفة، كما أنَّ الإسلام يفهم صاحب المال بأنَّ ما بيده من المال ليس هو مالكه الحقيقي, وإنما هو مستأمن عليه, وسيتركه ويرجع كما
стр. 499
بدأ حياته الدنيوية, فلهذا لا يجو له أن يتصرَّف في المال إلّا وفق ما شُرِّعَ له لا أن يتصرَّف فيه كما يشرعه هو لنفسه, فيترك من يستحق الصدقة من الناس فيتصدق بثروته في غير محلها؛ كأن يجعلها لكلبه مثلًا كما يُفْعَل في أوروبا.
والإسلام لا يقر الرأسمالية على مساوئها ولا غير الرأسمالية من المذاهب الوضعية الجاهلية التي لم تقم على الدين الذي ارتضاه الله تعالى وأكمله, فقد قامت الحجة على كل إنسان خصوصًا في عصرنا الحاضر بانتشار وسائل الاتصالات المختلفة, ولا يمكن أن تسعد البشرية ما دامت الأنظمة الوضعية هي السائدة, ولنا فيمن طبَّق الشريعة الإسلامية أقوى حافز وأنبل مثال قديمًا وحديثًا, ولله الحجة البالغة.
الأمر الثاني: الملكية في الشيوعية الماركسية
سبق أن قامت الاشتراكية الشيوعية في اتجاه معاكس عارم ضد الرأسمالية الغربية والديانة النصرانية، وما تلا ذلك من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والقلق العام الذي ساد الدول الغربية الكبرى بفعل المخطَّطات اليهودية ومؤامراتهم المختلفة, ولقد كان للاشتراكية صولات وجولات ودعايات قوية ووعود خلَّابة بأن الناس كما زعموا سيعيشون في سعادة وهناء تشبه الجنة التي وعدت بها الديانات في الآخرة -بزعمهم, ولكنهم ربطوا الوصول إلى هذه الجنة الدنيوية بتطبيق الشيوعية الحمراء التي جاء بها "كارل ماركس" ومن تبعه من طغاتهم "لينين"، و"ستالين" وأضرابهم، والانضواء تحت راية الثورة الصناعية والعمل للجميع, فقام الاقتصاد في المذهب الشيوعي الاشتراكي
стр. 500
على أساس أن الملكية العامة لكل وسائل الإنتاج هي للدولة وحدها, والمناداة بالغاء الملكية الفردية ومصادرة كل شيءٍ وجعله باسم الدولة, ولكن كثيرًا من الدول الشيوعية أدركت انهيارها اقتصاديًّا, وفطنوا إلى أن السبب وراء ذلك هو عدم السماح بالملكية الفردية؛ حيث فترت همم العمال, ولم يعد فيها الحافز الكافي لزيادة الإنتاج, فاضطرت الحكومات إلى السماح بالملكية الفردية في نطاق ضيق, ولكن أخذت الأمور تتطور وتتفاقم النقمة على تلك الأوضاع إلى أن أطيح بالماركسية في عقر دراها -روسيا, وتنفس الناس الصعداء, مما جعل الدول التي لا زالت متمسكة بالنظام الماركسي تتوجَّس خيفة, وتخفف قبضتها على الشعوب رويدًا رويدًا. وتبين لجميع الشعوب الغبن الفاحش حين خدعوا الفقراء بما سموه دكتاتورية البروليتاريا التي لا تتحقق إلّا بقيام الصراع الطبقي والاستيلاء على السلطة ومصادر المال, وقد تطلَّب ذلك قيام الحركات الثورية الدموية في كل مكان استطاعت أن تصل إليه براثن الشيوعية, بحجَّة إقامة حكم البروليتاريا وإسعاد الفقراء, ولم يكتفوا بنزع الملكية الفردية بل نزعوا معها كل ما يمت إلى الأخلاق والأسرة تمامًا؛ لأن بقاء الأسرة معناه بقاء الملكية الفردية كما تقدمت الإشارة إلى هذا.
وقد وجدت الملكية الفردية حربًا شعواء من قِبَلِ الملاحدة, وحمَّلوها كل أوزار المجتمع البشرية بعد تركهم الشيوعية الأولى التي كان الناس فيها على الملكية الجماعية يعيشون أسعد الأحوال بزعمهم دون صراع طبقي أو أحقاد, إلى أن عرف الناس الملكية الفردية وما تبعها من تطورات، إلى أن وصلوا إلى الرأسمالية التي سبَّبت للبشرية أنواع الشقاء والصراعات الطبقية، إلى
стр. 501
أن ظهرت الشيوعية الثانية لتعيد الناس إلى جنتهم السابقة حسب زعمهم.
وقد تناقض الملاحدة هنا, فبينما يزعمون أن الرأسمالية والملكية الفردية هي السابقة للاشتراكية؛ لأنها جاءت كمنقذ؛ إذ بهم يزعمون أن الاشتراكية البدائية هي السابقة للرأسمالية.
ومما يجب أن يتنبه له الشخص هو معرفة ما هي الملكية الجماعية التي ينادي بها الشيوعيون, وكيفية الرد عليها, وأنها وهم خاطئ, فإن الملكية الجماعية التي ينادي بها الملاحدة هي سلب كل شيء وجعله في يد الدولة التي هي نائبة للشعب, أو نائبة عن طبقة البروليتاريا الكادحة, ويزعم هؤلاء أن العدالة تقتضي أن تضع الدولة يدها على كل مرافق الإنتاج, وهي بدروها تقوم بتوزيعه بالتساوي بين الناس, وبذلك ينتهي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان الذي تمارسه الرأسمالية, ومن هنا فقد نادوا بإلغاء الطبقات والانضواء تحت راية الشيوعية لتخليصهم من نظام الطبقات الذي جاءت به الملكية الفردية, وأن علي جميع الشعوب أن تناضل الطبقات المالكة المتحكمة في مصالح الشعوب الذين بأيديهم الجاه والسلطة والمال, وأن هذا النضال لا ينبغي أن يتوقف إلّا بالقضاء التام على هذه الطبقات, واستعلاء طبقة البروليتاريا التي ستحكم هي الأخرى حكمًا صارمًا لا رحمة فيه, إلى أن يتحقق لهم ما يريدون من إقامة النظام الشيوعي بدون منازع؛ حيث سيقوم نظام البروليتاريا على الدكتاتورية الشديدة ما دام يوجد أعداء للشيوعية, ولهذا يطلقون عليهم "دكتاتورية البروليتاريا" أي: حكم الفقراء, وهذا الوصف سينتهي أيضًا حينما تتمكَّن الشيوعية من بسط نفوذها في كل العالم, فلا
стр. 502
تبقى تلك الدكتاتورية؛ إذ أنَّ الشعب أصبح حاكمًا نفسه بنفسه, وكلهم طبقة واحدة هي "البروليتاريا" وقد رأى العالم مدى صحة هذه الأحلام الفارغة؛ حيث أصبحت تعاليم "ماركس" تحت النعال بعد أن أثبتت فشلها الحتميّ, شأنها شأن كل الأفكار والمعتقدات الباطلة.
وهناك الكثير من المبادئ الماركسية التي تطرَّقت إلى كل جانبٍ من جوانب الحياة، والذي يهمنا هو معرفة الفشل الذريع الذي لحق الاشتراكية في معالجتها هي والشيوعية للحالة الاقتصادية، وكيف كانت النتيجة التي وصلت إليها النظريتان الجهنميتان, فإنهما بعد أن عاثتا في الأرض فسادًا طوال سبعين عامًا من قيامهما المشئوم, وأتتا على الأخضر واليابس, وقتل بسببهما ملايين لا يعلم عددهم إلّا الله, ودنست الأخلاق, ومُزِّقَتْ الأسر, وعلا قرن الشيطان١، فأذن الله تعالى في إظهار فشل الشيوعية ذلك الفشل الذريع في سد الحاجات الضرورية لأتباعها من الموارد الزراعية, إلى أن أصبحوا يتكَّفَّفون الغرب الرأسمالي الذين تنبأ لهم "ماركس" بأنهم سيكونون أول من يتقبَّل الاشتراكية الشيوعية بصدر رحب -بزعمه, وكان الشيوعيون يصفون الغرب وغيرهم بالتخلف والجمود.
وما إن قويت الثورة الصناعية عندهم حتى فاجأتهم بزيادة العمل وقلة المكاسب وتدني الحياة وتدني الأخلاق, وزيادة الفقر, وانخفاض المستويات الصحية, وسلب الحريات في البلدان الشيوعية, وكممت الأفواه واشتد الحكم
стр. 503
بالحديد والنار, أصبح العامل يعمل لصالح الدولة لا لصالحه, مقابل كفالة الدولة لطعامه وشرابه ببطاقته الشخصية بما يسدُّ حاجته الضرورية فقط.
وتبيَّن بوضوح تامٍّ بعد فوات الأوان أن مناداة الشيوعية بنزع الملكية الفردية وحصرها في الدولة أنه من أحمق الحلول وأبعدها عن مصالح الشعوب, فهي تقتل الحوافز المشجعة على العمل والتفاني فيه والإخلاص في القيام به, فأي إخلاص سيأتي للعمل الذي لا يملك من وراء كدِّه وتعبه غير لقمة العيش والباقي لغيره, ولقد أحسَّ الملاحدة هذه الهوة قبل أن تكتسح الشيوعية في مهدها, فشدَّدوا قبضتهم على الناحية الصناعية؛ إذ يعرف المقصِّر في أي قطعة فيعاقبونه عقابًا صارمًا قد يؤدي إلى قتله أمام زملائه, فانتظمت له الناحية الصناعية نوعًا ما, بينما فشلت مراقبتهم في الناحية الزراعية فشلًا ذريعًا لصعوبة مراقبة الفلاحين, وظهر هذا واضحًا في البلاد الشيوعية في تخلفها في مجال الزراعة، بل وفي مجال الصناعة؛ إذ لا مقارنة بين الصناعات الغربية والشيوعية, ومن المعلوم أن الملكية الفردية هي نزعة فطرية في كل إنسان لا يمكن أن يتجاهلها, ولا يمكن أن يتغلَّب على فطرته في مقاومتها كي يتركها بطوعه، ولعل هذا الجانب كان من أهم العوامل التي أسرعت بانهيار الشيوعية رغم قوتها التي ما كان أحد يحلم بأنها ستسقط جثَّة هامدة في تلك الفترة الوجيزة من صحوة الشعوب الأوروبية الشرقية في ولاية "جورباتشوف" الذي تولَّى رئاسة الاتحاد السوفيتي بعد "برجينيف" و"يوري أندروبوف", كما تبيَّن كذلك أنّ التحريش بين الفقراء وأصحاب الأموال إنما هي خدعة لصرف الأنظار عن مقارعة
стр. 504
الشيوعية وضرب الناس بعضهم بالبعض الآخر, بزعم أن طبقة البروليتاريا طبقة العمال أو الكادحين طبقة مظلومة يجب أن تأخذ حقَّها من الأغنياء بالقوة.
فقد دعت الشيوعية إلى تأجيج الصراع الطبقي بين الملاك والفقراء, وأوغرت صدور الفقراء على الأغنياء, وأقنعتهم بأنه لا يمكن أن يصل الفقراء إلى العيشة الكريمة إلّا بالإحاطة بطبقة الأغنياء وأصحاب رءوس الأموال وسلبهم إياها عن طريق السلاح والقوة؛ ليتمَّ رفع مستوى الفقراء الكادحين -البروليتاريا, وتَمَّ لهم ذلك؛ فبطش الفقراء بأصحاب الأموال وسلبوهم إياها, وجاءت الدولة لتستولي على كل مصادر الحياة, وتساوي بعد ذلك الأغنياء بالفقراء, فلا بقي اللأغنياء على غناهم, ولا رفعوا الفقراء، وجنى الجميع بعد ذلك نار الحقد والبغضاء, وتبخرت أماني الفقراء, وذهبت أدراج الرياح كل ما وعدتهم به الطغمة الحاكمة الماركسية, وبقي الجميع في همِّهم وغمِّهم إلى أن استطاعوا أن يتنفسوا الصعداء قبل ثلاث سنوات, ومرَّغوا أنوف جبابرة الماركسية في الوحل, وانتقم الله منهم وهو عزيز ذو انتقام, وقد أدرك القارئ أنه لا مقارنة بين هذه الجاهلية الحمقاء وبين الإسلام, ذلك أنَّ الإسلام ليس فيه صراع طبقيّ ولا تأليب جماعة ضد جماعة أخرى, بل الكل مؤمنون أخوة كالجسد الواحد, والرزق بيد الله, والعمل مشترك بين الجميع, والتنافس المعتدل مطلوب, وبهذا عاش الإسلام والمسلمون بخير, ولم يعهد في أي حقبة من الزمن أن ثار المسلمون على الإسلام وطالبوا بالغائه, وذلك لما عهدوا فيه من الحق.
стр. 505
فتميَّزَ المجتمع الإسلامي بالتوادد والتراحم, وامتاز بالكرم والقناعة والرضا بما قسم الله لكل شخص من الرزق, فلا يجد الفقير حقدًا على الغني, ولا يشعر الغني بأن له الفضل على الفقير, فعاش الجميع في سلام, كل فرد راضٍ بما أعطاه الله, ولك أن تقارن بين البلدان التي اقتنعت بالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا وبين البلدان الكافرة التي لا تؤمن بذلك، لك أن تقارن بين الجرائم التي تحصل في البلد المسلم الملتزم والبلد الكافر, تجد فرقًا هائلًا خياليًّا, وذلك لخلو الوازع الديني, وغلبة حب المال, وقسوة القلوب التي لم يدخلها نور الإسلام.
وأما بقية التعاليم الشيوعية التي لا تتعلق بالجانب الاقتصادي فلا حاجة لنا بالتطويل بذكرها وذكر أشنع ما مرَّ بالإنسانية في تاريخها الطويل في النظام الشيوعي الذي لا يبالي بقتل ثلاثة أرباع الشعب ليبقى الربع الأخير صالحًا, أي: شيوعيًّا, وهو ما طبقوه بالفعل في كثير من البلدان, وكثير من البشر الذين لا يعملهم إلّا الله تعالى طبَّقوه حسب تعاليم "ماركس"، و"لينين"، و"ستالين", في أنه لا بأس بقتل ثلاثة أرباع الشعب ليبقى الربع الأخير على الشيوعية الماركسية ونظامها الإلحادي.
стр. 506
المبحث الثاني: رد مزاعم الملاحدة الشيوعيين
المطلب الأول: رد مزاعمهم في الملكية الفردية
...
المبحث الثاني: رد مزاعم الملاحدة الشيوعيين
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: رد مزاعمهم في الملكية الفردية
أما زعمهم أن الملكية الفردية ليست فطرية في الإنسان، فقد كابروا عقولهم وتعسَّفوا حين زعموا أنها لم تكن قضية فطرية في النفوس, وإنما وجدت بعد أن عرف الإنسان كيفية الزراعة واستجلاب كثرة الدخل للفرد, وما تلا الزراعة من قيام الصناعات وزيادة الدخل, محتجّين على هذا السخف بأن الشيوعيين الأوائل ما كانوا يعرفون الملكية الفردية, وكانوا في أسعد حال, فإن هذا الدليل رغم مصادمته للواقع وللفطر السليمة, رغم ذلك وغيره هو قول بلا علم, وتخرُّص بلا دليل، والإسلام يذكر أن الله علَّم آدم كل شيء, حتَّى علمه كيف يزرع, وكيف يحصد, فأي زمن كان الناس -حسب زعم الملاحدة- لا يعرفون الزراعة ولا العمل؟
وهذا ما أفادته الشريعة الإسلامية بل وسائر الأديان عن طبيعة البشر منذ وجودهم, وأقرته ولم تلغه؛ لأن الحياة لا تستقيم بدون النزعة إلى الملكية الفردية وحب التملُّك سنة الحياة الدنيا, فمن خالف هذه السُّنّة وزعم أن الناس لا بُدَّ أن يكونوا في حالٍ لا يملك فيه الشخص أيّ شخص لنفسه -كما
стр. 507
تقتضي بذلك التعاليم الشيوعية, فلا شكَّ أن مصيره الفشل وهو ما حصل بالفعل حينما أقدم الثوار الشيوعيون الأوائل على تطبيقه, فرأوا بأعينهم هبوط أحوالهم الاقتصادية, وكساد حركاتهم المعيشية, مما جعلهم يضطرون صاغرين إلى الاعتراف بالملكية الفردية ولو في أضيق نطاق, لكن له ودلالته على وجود نزعة الإنسان في حب التملُّك الفردي, وأن القول بعدم وجود تلك النزعة إنما هو مكابرة وضيق فكري.
فكان من أهم أسباب تراجع أقطاب الشيوعية عن تأميم الملكيات كلها, هو ما لاحظوه من تردي الإنتاج الزراعي, ومعرفتهم أن سبب ذلك إنما يعود إلى ضعف الحوافز على العمل, وعدم تمكُّن الحكام من دقة معرفة المقصِّر من غيره في المجال الزراعي الذي تصعب مراقبته إلى حدٍّ كبير, بخلاف المجال الصناعي الذي تَمَّ إخضاعه بدقة للملاحظة والمراقبة الصارمة؛ بحيث يعهد لكل شخص بمهمة خاصة في العمل, فإذا حصل خلل في أي قطعة من الصناعة عرف صاحبها فورًا ونال عقابه الذي لا يعرف الرحمة, بخلاف العامل الزراعي الذي أفلت من هذه المراقبة الصارمة, فكانت النتيجة أن أخذت الدول الشيوعية تتكفَّف الدول الغربية القمح والحبوب, وزعموا أن ذلك النقص في الجانب الزراعي إنما كان بسبب الآفات الزراعية، ولكن الحلَّ الذي عالجوا به تلك الآفات يفصح عن السبب الحقيقي؛ حيث سمحوا بعد فوات الأوان بإتاحة الملكية الفردية لقسم من المحصول الرزاعي يمتلكه المزارع تشجيعًا لزيادة الإنتاج ولنشاط المزراعين, وهو دليل واضح على فشل نظام منع الملكية الفردية, وأنه أشد الآفات.
стр. 508
المطلب الثاني: رد مزاعمهم في نشأة الصراع الطبقي
أما زعمهم أن الصراع الطبقي لم يكن له أي سبب غير معرفة الإنسان للزراعة والصناعة, فهذا قول بالتخمين وهوأكذب الكذب, ولن يجد القائلون به أي دليل لأنهم ادَّعَوْا شيئًا هو أقدم منهم.
كما أن هذا الأمر ليس هو السبب للصراع بين الناس، وإنما هو واحد من عِدَّة أسباب لا تكاد تحصر، كما أنَّ هذا السبب قد يوجد في بعض المجتمعات وقد لا يوجد, فليس هو أمر حتمي كما يدَّعي الملاحدة.
ومن السذاجة والجهل القول بأن الملكية الفردية نشأت عن ظهور الصناعة والزراعة, وأنها ليست فطرية في نفوس الناس, بل وفي نفوس الحيوانات, فإن الملكية الزراعية نفسها لم تقم إلّا بسبب النزعة الملكية فردية كانت أو جماعية, وإلّا لما قامت الزراعة, ولما عرف الإنسان طريقه إلى الجمع والادخار بين مقلٍّ ومكثرٍ, وبخيلٍ وكريم.
وأمَّا زعمهم أن الناس منذ أن تركوا الشيوعية الأولى وهم في صراع طبقي مرير, وأن ذلك سيستمر حتى يرجع الناس إلى الشيوعية الأولى, وذلك بترك الملكية الفردية, وتساوي الناس في كل شيء بزوال الطبقات التي أحدثتها الملكية الفردية وتكدس رءوس الأموال في فئة دون فئة, يقال لهم: هل يتحقق ذلك في عالم الواقع، وهل يمكن أن يتساوى الناس وتزول
стр. 509
الطبقات, خصوصًا في ظلِّ النظم الجاهلية, وهل يمكن أن تتحقَّق هذه الأحلام البرَّاقة في يوم من الأيام، إنها مجرد أوهام وخيالات؛ لأن الحياة لا تقبلها ولا تنتظم بها.
إنَّ نظام الطبقات واستعلاء بعض الطبقات على البعض الآخر, والظلم والحرمان واستعباد القوي للضعيف, كلها إنما توجدها النظم الجاهلية كما حدث بالفعل على مسار تاريخ البشرية، فالمجتمع في العهد الهندوسي مقسَّم إلى طبقات هي: البراهما والكاشتريا والشودري, وأقسام فرعية أخرى كثيرة.
وفي أوروبا عاش الناس طبقات متفاوتة أشد تفاوت؛ طبقة تسمَّى طبقة السادة، وأخرى تسمَّى طبقة العبيد, وقد تمثَّلت هذه الأحوال السيئة الجاهلية في عهد الرق.
أما في عهد الإقطاع فكان الناس ثلاث طبقات رئيسية, هي: طبقة الأشراف أمراء الإقطاع، وطبقة رجال الدين، وطبقة الشعب "المغلوبين على أمرهم".
أما في عهد الرأسمالية فإن نظام الطبقات على أشده أيضًا, طبقة تسمَّى طبقة أصحاب رءوس الأموال, وطبقة أخرى تسمَّى طبقة العمال "ناس في الثريا وناس في الثرى", وهكذا الحال في عهد الديمقراطية التي تظاهرت بأنَّ الشعب هو صاحب السلطة, فقد كان الصحيح هو أنَّ الشعب لا يزال هو المستضعف المقهور, وصاحب المال هو السيد الحاكم, وهي نفس الكذبة التي كان يرددها الشيوعيون من أنَّ طبقة البروليتاريا
стр. 510
الكادحة هي التي ستملك وتحكم حينما تطبق الشيوعية, وحينما تقضي طبقة البروليتاريا على جميع الطبقات المناوئة لها في صراع ثوري محتدم, هذا هو حكم الجاهلية وشريعتها، ولكن حكم الله هو خلاف هذا.
حكم الله أنَّ المجتمع سيكون فيه أغنياء وفقراء, ملكية فردية وملكية جماعية, الأغنياء مؤتمنون على المال, وللفقراء نصيب في ذلك المال، والكل عبيد لله تعالى, لا طبقات ولا كبرياء, يتنقَّل المال من يد إلى يد, ومن شخص إلى آخر, وقد يصبح الغني فقيرًا, وقد يصبح الفقير غنيًّا حسب تصريف الله للأمور, ومعنى هذا أن المال في الإسلام ليس منحصرًا في طبقة من الناس دون أخرى, ولا في فئة من المجتمع بخصوصهم, حتى وإن كانت تلك الفئة هم الحكام, فإن الإسلام لا يعطي الحاكم حريَّة التملك كما يهوى, بل شأنه شأن غيره, غير ما يأخذه في مقابل جلوسه للحكم بين الناس, ومن هنا نجد أن حكَّام الدولة الإسلامية في نشأتها, كان الحاكم لا يتمتع بأي امتيازات مالية, ولهذا كان الحكام يعتبرون تحمل المسئولية أمانة عظيمة وخطرًا جسيمًا لا فوزًا كما يسميه الناس اليوم.
وينبغي التنبيه إلى أنه إذا وُجِدَ نزاع بين المسلمين فإنه لا يكون من أجل إسقاط طبقة لطبقة أخرى, أو علوّ فئة على أخرى, وإنما يكون ذلك في الغالب من أجل الوصول إلى الحق, وإلى دفع الخطأ والخطر عن الناس, وهذا أمر طبيعي, فلا يجوز أن يفسَّر على أنه صراع طبقي كما يفسره الملاحدة حسب نظرياتهم المادية.
стр. 511
وقد يكون النزاع إمَّا أمر بمعروف أو نهي عن منكر, وليس هو من قبيل الحرب الاقتصادية, أو بسبب الملكية الفردية أو الجماعية كما يزعم الملاحدة, أو أنه حرب طبقات.
ومن أقوى ما يدل على كذب الملاحدة في زعمهم أن نزع الملكية الفردية ينهي الصراعات ويؤلف القلوب ويساوي بين طبقات المجتمع كلهم فيعيشون عيشة ملائكية, من أقوى ما يدل على كذبهم هذه الصراعات التي لا نهاية لها بين مختلف معسكرات الشيوعية, مع أن الملكية الفردية لا وجود لها في دستورهم, فلماذا إذن هذه الصراعات؟ وعلى أي شيء؟ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ١, ٢.
كما أنَّ زعمهم أن الصراع هذا لا يزول إلّا بزوال الملكية الفردية كلام كاذب, فإن الصراع باقٍ والملكية الفردية كذلك لن تزول من نفوس الناس, والدليل على ذلك أن الصراع لم ينته مع وجود القمع الشديد للملكية الفردية في البلاد الماركسية، بل إن الصراع لا يمكن أن ينتهي ليس بين الناس فحسب, بل والحيوانات كلها.
وقد عاش الناس في ظل النظام الشيوعي حقبة من الزمن وهم ينتظرون تلك الجنة التي وعد بها "ماركس" بعد أن وضعت الحرب الطبقية أوزراها, وبعد أن قضى النظام الماركسي على الملكية الفردية بكل وحشية عرفتها البشرية, وهم يتنظرون ذلك اليوم الذي يزول فيه الصراع الطبقي بكل
стр. 512
أشكاله, فلا يبقى صراع ولا أحقاد ولا حاكم ولا جيش ولا سجون, يعيشون كالخراف الأليفة, ولكن ماذا كانت نتيجة هذه السخافة؟
لقد عاش المجتمع الشيوعي صراعًا طبقيًّا مريرًا؛ سواء أكان على مستوى الأفراد أو على مستوى الدولة, إلى أن هدأت عاصفة الشيوعية, وكيف لا يحصل صراع بين جماعات قامت في الأساس على الصراع, بل وعلى مشروعيته وضروريته لقيام حكم البروليتاريا بزعمهم, حتى أصبح الصراع والثورات والقتل والاغتيال من أسس بناء الماركسية دون أن تظهر أدنى إشارة إلى تلك الجنة المزعومة الماركسية، ومثل هذه الكذبة وقعت أيضًا الكذبة الأخرى, وهي القول بأن الناس كلهم سيعيشون حياتهم في مستوى واحد, وعلى طبقة واحدة بلا تفاضل بينهم عندما تكتمل الشيوعية وتطبَّق وفق ما قرره اليهودي "ماركس" عدو الجوييم -حسب تسمية اليهود لهم, وإذاسألت عن سر بقاء الحكومة في البلاد الشيوعية فإن جوابهم: إن هذه الحكومات القائمة إنما هي حكومات مؤقَّتة, وستنتهي بانتصار الشيوعية على كل الأنظمة المناوئة لها١.
لأن الناس حينئذ سيعيشون دون مشكلات ولا صراع يتطلب تدخُّل قوة عليا, ولا فقر بسبب المشكلات, ولأن الناس حينئذ يكونون على مستوى رفيع في الأخلاق والسلوك الطيب والرقابة الذاتية التي هي أقوى من الرقابة الخارجية, ولا ملكية فردية تسبب الخصومات والاستئثار بالمال والرغبة في جمعه.
стр. 513
هكذ زعم الملاحدة, ولكن السؤال المهم هو: هل ستحقق هذه الأحلام السخيفة في يوم من الأيام؟ أو هل تحققت في يوم من الأيام بالدليل المقنع١، أم أنها خدع كاذبة وتضليل, أو أفيون للشعوب المغلوبة على أمرها كما هو الواقع؟
إن الإسلام يعتبر الفكر الماركسي في ناحيته الاقتصادية فكرًا فاشلًا مخالفًا للعقل والفطرة السليمة, وأنه قام على نظريات جاهلية أخطأت الطريق الصحيح للاقتصاد النافع, وبدلًا من أن توجّه جهود المجتمع لمساعدة بعضهم بعضًا إذا بها تحرم الملكية الفردية, وتشعل مكامن البغضاء, وتثير الصراعات الطبقية بحجة سخيفة وهي: لترتفع الطبقة الكادحة بزعمهم, ولكي لا تتكدس الأموال في ناحية دون أخرى, وعند قوم دون آخرين, وكل ذلك ليس هو الحل الصحيح, ولا الحل الذي تستقيم به الحياة وتسعد الشعوب به, فهو مرفوض جملة وتفصيلًا, ويعتبره الإسلام تدخلًا فيما لا ينبغي للبشر سلوكه, فالناس كلهم عبيد لله في الإسلام, والمال مال الله, والرزق بيد الله يؤتيه من يشاء, لا يجره حرص حريص, ولا ترده كراهية كاره.
فالمكلية الفردية حق اقتضته الفطرة والضرورة لصلاح الأحوال, وعلى الجميع أن يعضد بعضهم بعضًا بالتي هي أحسن, فلا صراع ولا بغي ولا عدوان، ولم يجعل الإسلام للشخص مطلق الحرية في أمواله ينفقها بإسراف أو يمسكها كما يحلو له، بل هو محاسب عليها ومسئول عنها, وعليه حقوق فيها يجب أن يؤديها, وإذا كان في الأغنياء من طغى وتجبَّر فهؤلاء لهم ما كسبوا وعليهم ما
стр. 514
اكتسبوا, وسينالون جزاءهم, ولا يبرر فعلهم محاربة الملكية الفردية أو قيام الصراع الطبقي بين المجتمعات, كما أنَّ في أولئك التجار من اتَّصف بالعطف والتسامح ومساعدة المحتاجين دون منَّةٍ ولا أذى, والحكم على طبقة الأغنياء بأنهم احتكاريون وانتهازيون, وأنهم هم العقبة الكؤود في طريق غنى الفقراء وارتفاع معيشتهم إن هي إلّا خرافات سخيفة وأوهام باطلة قد دلَّت التجارب الشيوعية على فشل هذه الفكرة الخاطئة حين أفقرت الأغنياء وأتعست الفقراء, ومُلِئَت القلوب حقدًا وغضبًا, وأتعست الحالة الاقتصادية, ونشبت الصراع الطبقي على أشده دون رحمة، وفي التاريخ الإسلامي أمثلة مشرقة للمجتمع حينما تصفوا القلوب وتزول البغضاء, فقد كان في الصحابة -رضوان الله عليهم- أغنياء وفيهم فقراء, وكان أحدهم يقول لصاحبه: عندي زوجتين, انظر أعجبهما إليك فأطلقها وتتزوجها, وعندي من الضياع كذا كذا, أتنازل لك عن نصفها, فيقول له الصحابي الفقير المهاجر: بارك الله لك في مالك وأهلك, دلني على السوق, فيذهب ويعمل ويرزقه الله تعالى, وكان فيهم من يملك الأموال الكثيرة مثل: عبد الرحمن بن عوف ﵁, وولم ينقم عليه أحد فيها, وقد أنفق عثمان ﵁ ألف بعير في سبيل الله, وغير ذلك من الأمثلة المشرقة التي قام عليها الإسلام بعيدًا عن الصراعات الطبقية البغيضة، ذلك أن الإسلام يعالج المشكلة القائمة دون النظر إلى أسبابها, كما أنه يأتي بالحلول التي لا مضرَّة فيها على أحد؛ إذ لا ضرر ولا ضرار، بينما الشيوعية الحمراء عالجت المصائب بمصائب أفدح منها.
داويت متؤدًا وداووا طفرة ... وأخفُّ من بعض الدواء الداء
стр. 515
مع أن ما أقدمت عليه الشيوعية في الأحوال الاقتصادية ليس فيه أي دواء، بل هو الداء بعينه, وهو الذل وهو خنق الحريات، فالسجون مملوءة, والجواسيس منتشرون, والمجاعة فاشية، إنه سجن كبير, وقبضة حديدية, فالشعوب غاضبة, ولكن الويل لمن تفوّه بكملة نقد، وأين هذا السلوك من حرية الإسلام التي "كان الرجل يقول لمعاوية": "والله لتستقيمنَّ بنا يا معاوية أو لنقومنَّك, فيقول: بماذا؟ فيقولون: بالخُشُب١, فيقول: إذًا أستقيم"٢.
فأي طاغوت من طواغيت الحكم في النظم الجاهلية يتحمَّل ما هو أدنى من هذا الكلام؟
وما زعموه من أن الطبقات القوية هي التي تحكم وتشرِّع لبقية الطبقات وتستعبدها، هذا صحيح ولكنه لا يوجد إلّا في النظم الجاهلية الذين يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله, والذين يصبح الظلم عندهم من شيم النفوس، فإن وجد ذا عفَّة لفعله لا يظلم, كما عبَّر عن ذلك أحد الشعراء الجاهليين قديمًا, ولكن هل هذه هي الحقيقة التي لا بُدَّ منها, أو الخيار الذي لا آخر سواه؟ كلَّا. بل هناك عقيدة فيها الحل الصحيح دون المرور بتلك الطرق الظالمة المظلمة, إنها العقيدة الإسلامية التي تجعل صاحب المال والفقير أخوة متساوين متضامنين لله رب الجميع وحكمه ينفذ في الجميع، لا فضل لأحد على آخر إلّا بالتقوى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليس هناك طبقات هم السادة الحاكمون
стр. 516
المالكون وطبقاتهم العبيد المستذلون إلّا في النظم الجاهلية التي لا تقيم للإنسان وزنًا إلّا من خلال ما يملك من المال والجاه, فيبدو المال بهذه الصورة هو السبب في الظلم والطغيان, بينما الواقع الصحيح هو خلاف ذلك, فإن المال والملكية الفردية من الظلم أن يحمَّلا طغيان المنحرفين ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
إن الذي يطغيه المال والملكية الفردية هو شخص منحرف في الأساس فاسد الطباع, سواء كان له مال أو لم يكن له مال, ذلك أن المستقيم على الحق القائم بأمر الله لا يطغيه المال, وإنما يستعمله في أعمال الخير ووجوه البر المختلفة مراقبًا فيه ربه, متيقنًا أن المال ظِلٌّ زائل, وعارية مسترَدَّة, وأن الدنيا شِدَّة بعد رخاء, ورخاء بعد شدة.
أما مفهوم المساواة في الأجور في النظام الشيوعي الذي زعمت الماركسية أنه مكفول للجميع, فقد حملهم على القول به ما زعموه من أنّ البشرية كانوا في أصل نشأتهم يعيشون عليه متساوين كلهم في الحقوق بلا ملكية فردية, الكل للجميع في المأكل والملبس والمسكن والنساء, لا فرق بين شخص وآخر، حتى جاءت الرأسمالية والملكية الفردية فقلبت تلك الأوضاع التي تريد الشيوعية إرجاعهم إليها مرة أخرى، وهذا لا يتحقَّق إلّا بوضع الدولة يدها على كل وسائل الإنتاج والعمل, ومن ثَمَّ يأخذ كل شخص ما يستحقّه من قِبَلِ الدولة، وهذه الدعاية جذَّابة في ظاهرها، ولكن هل تحقَّقت فعلًا في النظام الشيوعي, فأعادت إليهم سعادتهم التي كانت في الشيوعية الأولى بزعمهم؟ وهل ساوت بين العمال فعلًا؟ فلم يعد هناك تمايز بين شخص وآخر, وحاكم ومحكوم؟!!
стр. 517
لا شكَّ أن الواقع الذي انجلت عنه الشيوعية بعد اندحارها يكذِّب كل تلك الدعايات, ويخبر أن الشيوعية إنما نجحت في مساواة الناس كلهم في الفقر والحاجة وليس في الغنى والسعادة؛ لأنه لا يوجد أي حافز يجده الشخص حتى يبذل أقصى جهده في العمل؛ ليجده مستقرًا في يد الدولة التي لا تعطيه إلّا بقدر حاجته الضرورية. وما الذي ينفعه أن يقال له: إن جهدك وعملك حينما يذهب إلى الدولة إنما هو إسهام منك في تقوية الدولة لتتمكَّن من إظهار الشيوعية, ولتقمع أعداءه إن فكروا في الاعتداء عليها، وما الذي نفعه حين يقال له: إنه بذلك الجهد في العمل مع أنك لا تأخذ إلّا ما يكفي حاجتك الضرورية دليل على سلوكك الطيب, وأنك غير جشع كالرأسمالي الغربي, وأنك مواطن طيب، وما الذي تنفعه وعود الملاحدة بأنه سيعيش في جنة عالية بعد أن تتمكَّن الشيوعية من بسط نفوذها على كل الأرض, وكيف تقتنع نفسه بهذه الحالة البائسة التي يعيشها في الوقت الذي يرى فيه وجهاء القوم وأصحاب السلطة يعيشون في تَرَفٍ لا حدَّ له؛ مساكن فاخرة, وسيارات فارهة, وبساتين نضرة, وخدمًا وحشمًا, وهم يتظاهرون بالدفاع عن الطبقة الكادحة وبنضال الرأسمالية.
إن كل ذلك يدعو الشخص إن كان له عقل إلى القلق الاضطراب والثورة على تلك الأوضاع ومجازاة من كان السبب فيها, وهو ما حصل بالفعل في الثورات المتتالية التي تَمَّت في عهد "جورباتشوف" على الشيوعية ونظامها البغيض, وإطاحتهم بأولئك الخبثاء والقضاء عليهم بكل شدة في كل البلدان التي تنفّست الصعداء من الكابوس الماركسي, وهكذا نجد أن زعهمهم المساواة في الأجور إنما هو المساواة في الفقر وليس في الأجور.
стр. 518
- تعقيب
وفي الختام يتضح لنا مما سبقت دراسته أن الأسس التي تقوم عليها الاشتراكية الشيوعية هي:
١- إلغاء الملكية الفردية واستبدالها بالملكية العامة المتمثِّلة في الطبقة الحاكمة؛ للوصول إلى إلغاء الصراع الطبقي من المجتمع البشري بإلغاء الباعث عليه وهو الملكية الفردية.
٢- توزيع النتاتج على الأفراد كلٍّ بحسب مساهمته في الإنتاج وحاجته, وهو المبدأ الذي يعبرون عنه بقولهم: "من كلٍّ حسب طاقته, ولكلٍّ حسب حاجته".
٣- الإشباع الجماعي للحاجات وليس الربح, وهو مبدأ "المساواة في الأجور".
٤- التخطيط للنمو الاقتصادي، وكفالة الدولة لجميع المواطنين, في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالًا ونساءً.
٥- القضاء على الحرية الفردية.
٦- إلغاء الكثير من العلاقات الاجتماعية المتوارثة، كالإرث والهبة, بل وإلغاء كافَّة الطابقات بإقامة دكتاتورية البروليتاريا -الطبقة الكادحة.
٧- إنكار الدين ومحاربته.
٨- إلغاء الحكومة في المستقبل, وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة "حكم الشعب نفسه بنفسه".
стр. 519
هذه أهم الأسس التي قامت عليها الثورة الاشتراكية الشيوعية, ولكن جاءت النتائج في التطبيق الفعلي لتلك الأسس على النحو الآتي, بالإضافة إلى ما سبق بيانه:
١- انعدام الحرية الاقتصادية الفردية.
٢- انعدام الحافز الفردي.
٣- عدم تجويزهم الملكية الفردية.
٤- حكم الشعوب بالحديد والنار.
٥- فشل مبادئ الاشتراكية فشلًا ذريعًا.
٦- محاربتها للأديان متأثِّرة بالعداء للدين النصراني.
٧- ظهور الكثير من المفاسد الاجتماعية؛ كالرشوة والغبن اللأخلاقية؛ كتفشي الرذائل بكل صورها وأشكالها١.
والسر في ذلك أن المذهب الشيوعي ليس قاصرًا فقط على الناحية الاقتصادية كما يذكر عنه, بل هو مذهب شامل لجميع النواحي: عقدية كانت أو مادية, كما هو حال الشيوعية حقيقة, فمنْ تصور أن الشيوعية مذهب اقتصادي بحت لا شأن له ببقية الأمور العقدية والتنظيمية فهو مخطئ, خدعه زعم الملاحدة هؤلاء أن أصل كل الحياة بأنظمتها ومعتقداتها وجميع شئون الإنسان إنما كان أصلها المادة, وهو زعم كاذب بَنَوْا عليه النظرية الشيوعية التي جعلوا واجهتها الكبيرة التركيز فقط على الناحية
стр. 520
الاقتصادية خداعًا للناس ونفاقًا, فإن أول ما يبطل هذا الزعم هو أن يقال لهم: إذا كانت الشيوعية لا شأن لها إلّا بإصلاح الأمور الاقتصادية فقط, فما بال الاضطهاد الديني هو الشاغل الأول لدول الشيوعية؟ ولماذا كثرت الضحايا التي لا يعلمها إلّا الله في سبيل إعلاء العقيدة الشيوعية؟ فلقد كان الجانب الاقتصادي في الشيوعية هو أقلّ الجوانب أهميةً، بل لا يكاد يقارن بما توليه الشيوعية من اهتمام بالجوانب العقدية الفكرية.
стр. 521
المبحث الثالث: إيضاح بعض الجوانب الاقتصادية
المطلب الأول: التعريف بعلم الاقتصاد
...
المبحث الثالث: إيضاح بعض الجوانب الاقتصادية
وتشمل دراسة هذه الجوانب ما يلي:
المطلب الأول: التعريف بعلم الاقتصاد
لعلماء الاقتصاد عدة تعريفات حسب تأثرهم بالمظاهر الاقتصادية التي عايشوها, وبالاتجاهات الفكرية التي يعتقدونها, وهي تعريفات كثيرة إلّا أن التعريف السليم لعلم الاقتصاد ينبغي أن يشتمل على المفاهيم الأساسية الآتية:
الاقتصاد ذاته, وحل المشكلات الاقتصادية، والإنتاج والتوزيع، وهو ما اشتمل عليه التعريف الآتي:
"الاقتصاد هو العلم الذي يبحث في كيفية إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية النادرة لإنتاج أمثل ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات لإشباع الحاجات الإنسانية -من متطلباتها المادية- التي تتسم بالوفرة والتنوّع في ظل إطارٍ معينٍ من القيم والتقاليد والتطلعات الحضارية للمجتمع.. كما يبحث في الطريقة التي يوزَّع بها هذا الناتج الاقتصادي بين المشتركين في العملية الإنتاجية بصورة مباشرة "وغير المشركين بصورة مباشرة" في ظل الإطار الحضاري نفسه"١.
стр. 522
وقد ذكر الأستاذ "محمود إبراهيم الخطيب" أن هذا التعريف هو أفضل التعريفات لعلم الاقتصاد, وذلك لشموله جميع قضايا الاقتصاد، بينما التعريفات الأخرى كانت قاصرة لاهتمامها بجانب دون جانب, فإن بعض التعريفات التي ذكرها كانت تركز إمَّا على الثروة المنتجة صناعيًّا أو زراعيًّا, دون النظر إلى الإنسان, وأما بالتركيز على الإنسان فقط وكيفية حصوله على المواد الإنتاجية وكيف يستخدمها بطريقة تضمن له الثراء دون اهتمام بمواد الإنتاج نفسها"١.
стр. 523
المطلب الثاني: مدى أهمية العامل الاقتصادي في حياة الإنسان
لا شكَّ أن للعوامل الاقتصادية أثر واضح جدًّا في حياة الناس وفي طريقة معايشهم وتعاملهم فيما بينهم, وفي الإسلام أتَمَّ بيان لأهمية هذا الجانب والتأكيد على الاهتمام به، على أن الإسلام وإن كان يولي هذا الجانب أهمية فائقة, لكنه لا يقر ذلك الغلوّ الممقوت الذي قرَّره الملاحدة في تقديسهم للجانب الاقتصادي إلى حدِّ أن جعلوه البديل عن الله تعالى, وإلى حدّ أنه هو المنشئ للقيم والأخلاق والتدين والتاريخ.. إلخ. فهذا التصور جاهلي قائم على المغالطة للناس في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم كما عرفت سابقًا, وقائم على الإجحاف الظالم بكل القيم الإنسانية والدينية على مرِّ الدهور.
لقد تقرَّر في كل الكتب التي أنزلها الله والشرائع الإلهية, وأكد العلم الحديث أن المادة حدثت في فترة من الفترات, وأنها لم تكن موجودة قبل ذلك كما زعم الملاحدة أزلية المادة, أو أنه لا أوَّل لها ولا آخر لها.
ولقد أكد علماء الأحياء على أن كل الكائنات الحية -فضلًا عن الإنسان- تسير على طريقة تخالف فيها المادة غير الحية في النمو وفي الصفات وغير ذلك, كما ثبت كذلك أن الإنسان منفرد عن الحيوان حتى في كيانه الحيوي البحت, فضلًا عن سائر الصفات التي امتاز بها؛ كالعقل والروح والتفكير وكل
стр. 524
أموره الأخرى, فلم يبق للماديين ما يتمسكون به لإرجاع الإنسان إلى حفنة المادة المجرَّدة إلّا مجرد العناد والمغالطة الباطلة التي سلبوا فيها الإنسان أعزَّ ما يملك من القيم المثلى, والخصائص التي ميزه الله بها, والتي هي أرفع وأعلى وأعظم من مجرَّد المادة, أنَّ للإنسان قيمًا ثابتة أصيلة, لم يكن الحال الاقتصادي هو المنشئ لها كما زعم الملاحدة, مع ملاحظة تأثير الحال الاقتصادي نسبيًّا, وإنما كان الحال الاقتصادي مسايرًا لها وحافزًا لإشباعها الموجود أصلًا قبل الحاجة إلى المادة، فمثلًا الرغبة الجنسية موجودة في الإنسان, ولم يكن سببها الحال الاقتصادي، وإنما هذا الحال يكون حافزًا للوصول إليها, فيصبح مجموع الأمرين الرغبة ووجود المادة يسيران في طريق واحد تلبيةً لذلك الجانب الهام المسيطر في الإنسان, وهو جانب "النفس" الذي أهمله الملاحدة عمدًا لاقتصارهم على الإيمان بالمحسوس فقط.
فهذه النفس هي الأصل الذي يفسَّر به كل شيء عن الإنسان خيرًا أو شرًّا, هكذا أرادها الله الحكيم الخبير, لها مطالب عديدة, وتتشكل في أشكال مختلفة بتدبير الله تعالى لا بتدبير ذلك الإله الجامد المتمثل في المادة التي يدَّعيها الملاحدة.
ولا يشك عاقل سليم الفطرة أنَّ للإنسان صفات أساسية تحدّد طبيعته الإنسانية, حتى وإن بدا عليه التأثر بالمادة, فإن جوهره الروحي لا يزال فوق المادة وفوق مشابهة الحيوانات البهيمية, مع التفاوت الحاصل بين الناس في هذا الجانب من ناحية التطبيق الفعلي بعد اتفاقهم في الإطار العام للإنسان, والتي تفيد أن الخواصّ الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ
стр. 525
وجود الإنسان على الأرض في نواحي الرغبات والمظاهر, وأنه لا يتغير بسبب المادة, بل الذي يتغيّر فيه هو جانب السلوك, فمثلًا يتغيِّر فيه نوع العبادة التي يتعبَّد بها ونوع التشريع الذي ينظم حياته, هل هو التشريع والعبادة الجاهلية؟ أم هو التشريع والعبادة الإلهية؟ فهذا هو الذي يحدث فعلًا تغييره في حياة الإنسان, سواء أكان غنيًّا أم فقيرًا, مزارعًا أم صانعًا, أو في أي حالة من الحالات, فهذه يغيرها الإنسان فعلًا؛ فالتغيرات المادية والاقتصادية إنما تغيّر الصورة ولكنها لا تغير الجوهر والحقيقة الثابتة للإنسان.
إن التغيير الشددي يأتي أولًا من داخل النفس, فالغضب والثورة في وجه الظلم والرحمة والحب والحزن ليس هو نتيجة حتمية لتغيّر المادة من طور إلى طور, وإنما سبب ذلك هو تلك الصفات الأصيلة في النفس: صفة حب العدل والحق والنفرة عن اللظم والظالمين, وكذا اللين والشدة وغيرهما هي صفات ميَّزَ الله بها الإنسان وفطره عليها, ليس سبب ذلك ما ذهب إليه الملاحدة في تفسيرهم الماديّ للتاريخ، والأدلة كثيرة على أصالة الصفات الإنسانية في الإنسان, وأن التغير لم يكن سببه المادة فقط كما زعم الملاحدة.
ومن الأدلة على فساد تعليل الملاحدة أن الإنسان حينما يأتي ما يخالف فطرته وإنسانيته يبدو عليه القلق والاضطراب وعلامات التذمُّر المعبِّرة عن كراهته لأي وضع يفرض عليه أو لا ينسجم مع رغبته, وحال الناس في أوروبا وانفلاتهم في كل اتجاه وانغماسهم في كل رذيلة -وهو وضع يخالف فطرة الإنسان وأصالته الأخلاقية- لم يُقَابَل ذلك الوضع البهيمي بالترحاب
стр. 526
والانقياد التام -حتى وإن كان يبدو أنه مقبول في الظاهر- فإن انتشار القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والاضطرابات العصبية وإدمان الخمور والمخدرات واتساع نطاق الجرمية وجنوح الأحداث والشذوذ الجنسي كلها دلائل صارخة على عدم الرضى بتلك الحياة البيهمية المادية, فلو كان الإنسان لا قيم له ثابتة -كما قرره الملاحدة- لكانت تلك الحياة لا تقدم ولا تؤخر من نفسيته, بل يعيش في أي ظرف سعيدًا مطمئنًا كما تعيش البهائم التي لا تهتم إلّا بالمادة وليس لها سلوك الإنسان, وهذا يدل على أن ما زعمه الملاحة -كما تقدَّم- من أنّ شدة التدين وسيطرة الأدب في الأسرة الزراعية, وكذلك الحفاظ على الأعراض, والاهتمام بالعفة, وتنظيم الحياة الجنسية, والتعاون بين أفراد الأسر, إنما كان سببه تلك الحالة الاقتصادية في المجتمع الزراعي إن هو إلّا كذب محض ومغالطة للنفس وسلب لقيمها الرفيعة التي منحها الله إياها, وما يستدل به الملاحدة من أن الناس في المجتمع الصناعي أصبحوا لا يعيرون الأخلاق والدين والترابط والعفّة بالًا بسبب التطور الاقتصادي, هو في حقيقته كذب ووضع شاذ غير مرضي عنه ومغالطة, وإنما السبب الأكبر في ذلك هو نجاح المخطط الشرير لإشاعة الفاحشة وتهوين الجريمة, وسلب الجوييم قيمهم التي يعتزون بها, ويفتخرون بإنسانيتهم فيها, والدليل هو ما سبق من حنين أصحاب الحياة البهيمية إلى العودة للأخلاق الفاضلة, والرغبة في محاربة الجريمة, وقد نصح كُتَّابُهم وزعماؤهم وحذَّورا مجتمعاتهم من مغَبَّة تملك الحياة السائبة التي تهوي بهم إلى النهاية السحيقة بسرعة مذهلة، فلو أنَّ الإنسان لا قيم له لما أحس أولئك بأوضاعهم الشنيعة ولعاشوا دون اي نكير وهذا يدل على كذب الزعم الشيوعي أن الإنسان لا قيم له ولا قيمة ولأخلاقه وسلوكه إلّا من خلال الأوضاع الاقتصادية والسلوك الناتج عنها.
стр. 527
المطلب الثالث: أهمية دراسة الأحوال الاقتصادية
إن دراسة الأحوال الاقتصادية والتعرُّف على مشكلاتها ومعرفة حلولها أمر ليس من السهولة كما قد يتصور البعض, فهي أفكار وتجارب ودراسات مقارنة, وحلول لا بُدَّ أن تكون حاسمة في مثل هذه القضايا الخطيرة التي هي من الأسس الهامة في تفرق الأمة وفي نشأة النظم المختلفة والمذاهب المتنوعة, ولقد كثر الجدل واشتدت الخصومات بين الناس لاختلافهم في مفاهيمهم للاقتصاد وطرق الوصول السليم إليه, وكلها متاعب قد تقف واحدة منها في طريق الباحث فتثنيه عن مواصلة دراسته لهذا الجانب الخطير, وقد لا يتصور البعض أن في دراسة الأمور الاقتصادية خدمة جليلة للإسلام وأهله, ومن تصوَّر هذه الخدمة وأحسَّ بوجوب النصيحة لإخوانه المسلمين, وإجلاء عظمة الإسلام ونظامه البديع في الأمور الاقتصادية, ومقارنة ما جاء به الإسلام بما جاءت به الأنظمة الوضعية في هذا الميدان, هان عليه الأمر في اقتحام هذه المتاعب وتجرأ على المشاركة والإسهام في تقديم هذه النصحية مهما قلَّت تكثيرًا للأصوات التي تنادي بوجوب الالتزام بالحلول الاقتصادية على ضوء الشريعة الإسلامية, وأن خير البشرية وسعادتهم تكمن في هذا، وبيان أنَّ ما قدمته الحلول الوضعية إن هو إلّا سراب، بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وأن من الإجرام إغفال بيان هذا, أو ترك المسلمين دون توجيه, فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع.
стр. 528
فيجب أن تتظافر الجهود وأن تعلو الأصوات التي تنادي بأنَّ الإسلام فيه حلول كل المشكلات الاقتصادية في مواجهة الدعوات المضادَّة الحاقدة التي تزعم أن الإسلام ليس له أيّ مشاركة في الجوانب الاقتصادية, فهو محصور في المساجد فقط, وهي أهم دعوات العلمانيين والملاحدة, وقبل الدخول في دراسة هذه الجانب أحب أن أذكر القارئ الكريم أنني لم أكن أتصور حجم خطر المشكلات الاقتصادية على حقيقتها -بحكم تخصصي في دراسة العقيدة- إلى أن أراد الله تعالى أن نُدعَى أنا وزملائي في الدراسة -إلى حضور المؤتمر الاقتصادي الإسلامي الأول الذي انعقد في مكة المكرمة, ودعينا -طلاب المرحلة المنهجية بالدراسات العليا- لحضوره للاستماع والاستفادة من أفكار المفكرين الاقتصاديين, ولقد اندهشت من خبرة من حضره من المفكرين, وما كانوا يطرحون من مشكلات وحلول في أساليب عجيبة, كأنما يتكلّم أحدهم عن ظهر قلب, وباندفاع أثار في نفسي انطباعًا لن أنساه, وكنت أستمع لهم بإعجاب لم أعهده في نفسي من قبل, ومنذ ذلك الوقت بدأ تفكيري يدور حول ملاحظة هذا الجانب وكيف عالجه الإسلام, وأسجل كلمة ومن هنا وأخرى من هناك؛ لأرجع إليها متى أحببت, فجزى الله أعضاء ذلك المؤتمر وجامعة الملك عبد العزيز خيرًا على ما قدَّموه, وتلك الأمور التي دونتها في شتَّى الأبحاث هي ما سأقدمه بين يديك في هذه الدراسة, مع أنها لم تكن بالأمر الذي كنت أتمناه تمامًا لإفادتك, ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
أخي القارئ: اعلم أن أكبر ما أحرص عليه هو تنبيهك إلى أن لا تستهين
стр. 529
بدراسة هذا الجانب, فهو من أخطر الجوانب في حياة البشر, وعليه يتوقف مصير شعوب بأكملها خيرًا أو شرًّا كما تقدَّم, وعليك أن تَجِدَّ في فهمه لدحض حجج أعداء الإسلام, وتكذيب ما ينادون به من قصور الإسلام عن معالجة المشكلات الاقتصادية, ويستدلون زورًا وكذبًا بضعف المسلمين في النواحي التطورية العصرية, مع علمهم أنهم هم السبب وراء هذه الحال في العالم الإسلامي باستعمارهم لهم اجتماعيًّا وفكريًّا فترة من الزمن, ولا يزالون أداة تثبيط وتخذيل للمسلمين, وتسلط عليهم إلى يومنا الحاضر, لم يتوانوا في كل ما مِنْ شأنه الحاق الذل والضعف بالمسلمين, ومن سخريات الأمور أن يشنعوا على الإسلام ما جاء به في حل المشكلات الاقتصادية -هو حل ناجح وأثبتت التجارب صلاحيته- ثم إذا صادف أن جاؤا بنظرية ناجحة في الجانب الاقتصادي طاروا فرحًا ومجّدوا أنفسهم وعقولهم, حتى إذا علموا أنّ الإسلام قد سبقهم إليها وبيَّنَها, كادوا أن يغصّوا برقيهم, وبدؤا في تحويرها أو السكوت عنها ظلمًا وعدوانًا واستكبارًا عن الحق وغضًّا من شأن رسالة الإسلام الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان.
ولهذا فقد أغفلوا الجوانب المشرقة للإسلام التي تعتبر نموذجًا للتطور الاقتصادي الناجح, سواء منها ما جاء في القرآن الكريم, أو في السنة النبوية, أو ما جاء في تطبيقات خلفاء الدولة الإسلامية منذ بزوغ فجرها, وتوالى الخلفاء عليها, أو ما قام به علماء الإسلام في شتّى العصور من بحوث فقيهة أثرت الجوانب الاقتصادية في مختلف النواحي, بما يجب أن تضاءل أمامه أفكار ساسة الاقتصاد الوضعي, وأن تذوب غطرستهم أمام عظمته.
стр. 530
وينبغي التنويه إلى أنّ الاهتمام بجانب الاقتصاد لم يكن جديد النشأة كما يرى الكُتَّاب الغربيون ومن سار على طريقتهم, فإنه جديد بالنسبة لهم؛ إذ إنهم لم يعرفوا هذا الجانب إلّا في أواخر القرن الثامن عشر بعد ظهور الثورة الصناعية, ولهذا فهم لم يعترفوا بفضل من سبقهم من الأمم الذين عرفت لهم إسهامات في جوانب متعددة من القضايا الاقتصادية التي كانت متصلة بحياتهم المعيشية, وإن لم تكن دراسة بالمفهوم الاقتصادي الواسع١، كما قرره العلماء فيما بعد.
ولكنَّهم كانوا قادة خير وبركة على من بعدهم, ومصدرًا يفيض حكمة ومعرفة, كيف وأن الموجه للإنسان منذ نشأته الأولى هو رب العالمين, الذي علَّم آدم كل ما يحتاجه من أمر دينه ودنياه, ومن هنا نجد أن الجانب الاقتصادي له أهميته في الإسلام, وللإسلام حلوله التي اختص بها, ونظرته الشاملة له على ضوء العقيدة الإلهية الشاملة لكل جوانب الحياة الاجتماعية، التي أمر الله المسلم باتباعها واجتناب كل ما يضادها من الأنظمة البشرية, تلك العقيدة التي ينتج عنها المراقبة الذاتية للمسلم في كل تصرفاته مع نفسه ومع أبناء دينه, ومع غيرهم من سائر البشرية التي ترتكز على ملاحظة المفاهيم للكون وللحياة, وبالتالي موقع الاقتصاد منها. وكذلك ملاحظة التفريق بين المعاملات الصحيحة وغير الصحيحة, العقيدة التي تقول للمسلم: إن الله أجاز لك البيع والشراء, لكنه حرَّم الربا, وأجاز الملكية الخاصة الفردية, ولكنه جعل لها نظامًا ينسجم مع الملكية العامة؛ إذ ليس فيه تغليب جانب على آخر كما هو الحال في