والانقياد التام -حتى وإن كان يبدو أنه مقبول في الظاهر- فإن انتشار القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والاضطرابات العصبية وإدمان الخمور والمخدرات واتساع نطاق الجرمية وجنوح الأحداث والشذوذ الجنسي كلها دلائل صارخة على عدم الرضى بتلك الحياة البيهمية المادية, فلو كان الإنسان لا قيم له ثابتة -كما قرره الملاحدة- لكانت تلك الحياة لا تقدم ولا تؤخر من نفسيته, بل يعيش في أي ظرف سعيدًا مطمئنًا كما تعيش البهائم التي لا تهتم إلّا بالمادة وليس لها سلوك الإنسان, وهذا يدل على أن ما زعمه الملاحة -كما تقدَّم- من أنّ شدة التدين وسيطرة الأدب في الأسرة الزراعية, وكذلك الحفاظ على الأعراض, والاهتمام بالعفة, وتنظيم الحياة الجنسية, والتعاون بين أفراد الأسر, إنما كان سببه تلك الحالة الاقتصادية في المجتمع الزراعي إن هو إلّا كذب محض ومغالطة للنفس وسلب لقيمها الرفيعة التي منحها الله إياها, وما يستدل به الملاحدة من أن الناس في المجتمع الصناعي أصبحوا لا يعيرون الأخلاق والدين والترابط والعفّة بالًا بسبب التطور الاقتصادي, هو في حقيقته كذب ووضع شاذ غير مرضي عنه ومغالطة, وإنما السبب الأكبر في ذلك هو نجاح المخطط الشرير لإشاعة الفاحشة وتهوين الجريمة, وسلب الجوييم قيمهم التي يعتزون بها, ويفتخرون بإنسانيتهم فيها, والدليل هو ما سبق من حنين أصحاب الحياة البهيمية إلى العودة للأخلاق الفاضلة, والرغبة في محاربة الجريمة, وقد نصح كُتَّابُهم وزعماؤهم وحذَّورا مجتمعاتهم من مغَبَّة تملك الحياة السائبة التي تهوي بهم إلى النهاية السحيقة بسرعة مذهلة، فلو أنَّ الإنسان لا قيم له لما أحس أولئك بأوضاعهم الشنيعة ولعاشوا دون اي نكير وهذا يدل على كذب الزعم الشيوعي أن الإنسان لا قيم له ولا قيمة ولأخلاقه وسلوكه إلّا من خلال الأوضاع الاقتصادية والسلوك الناتج عنها.
стр. 527
المطلب الثالث: أهمية دراسة الأحوال الاقتصادية
إن دراسة الأحوال الاقتصادية والتعرُّف على مشكلاتها ومعرفة حلولها أمر ليس من السهولة كما قد يتصور البعض, فهي أفكار وتجارب ودراسات مقارنة, وحلول لا بُدَّ أن تكون حاسمة في مثل هذه القضايا الخطيرة التي هي من الأسس الهامة في تفرق الأمة وفي نشأة النظم المختلفة والمذاهب المتنوعة, ولقد كثر الجدل واشتدت الخصومات بين الناس لاختلافهم في مفاهيمهم للاقتصاد وطرق الوصول السليم إليه, وكلها متاعب قد تقف واحدة منها في طريق الباحث فتثنيه عن مواصلة دراسته لهذا الجانب الخطير, وقد لا يتصور البعض أن في دراسة الأمور الاقتصادية خدمة جليلة للإسلام وأهله, ومن تصوَّر هذه الخدمة وأحسَّ بوجوب النصيحة لإخوانه المسلمين, وإجلاء عظمة الإسلام ونظامه البديع في الأمور الاقتصادية, ومقارنة ما جاء به الإسلام بما جاءت به الأنظمة الوضعية في هذا الميدان, هان عليه الأمر في اقتحام هذه المتاعب وتجرأ على المشاركة والإسهام في تقديم هذه النصحية مهما قلَّت تكثيرًا للأصوات التي تنادي بوجوب الالتزام بالحلول الاقتصادية على ضوء الشريعة الإسلامية, وأن خير البشرية وسعادتهم تكمن في هذا، وبيان أنَّ ما قدمته الحلول الوضعية إن هو إلّا سراب، بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وأن من الإجرام إغفال بيان هذا, أو ترك المسلمين دون توجيه, فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع.
стр. 528
فيجب أن تتظافر الجهود وأن تعلو الأصوات التي تنادي بأنَّ الإسلام فيه حلول كل المشكلات الاقتصادية في مواجهة الدعوات المضادَّة الحاقدة التي تزعم أن الإسلام ليس له أيّ مشاركة في الجوانب الاقتصادية, فهو محصور في المساجد فقط, وهي أهم دعوات العلمانيين والملاحدة, وقبل الدخول في دراسة هذه الجانب أحب أن أذكر القارئ الكريم أنني لم أكن أتصور حجم خطر المشكلات الاقتصادية على حقيقتها -بحكم تخصصي في دراسة العقيدة- إلى أن أراد الله تعالى أن نُدعَى أنا وزملائي في الدراسة -إلى حضور المؤتمر الاقتصادي الإسلامي الأول الذي انعقد في مكة المكرمة, ودعينا -طلاب المرحلة المنهجية بالدراسات العليا- لحضوره للاستماع والاستفادة من أفكار المفكرين الاقتصاديين, ولقد اندهشت من خبرة من حضره من المفكرين, وما كانوا يطرحون من مشكلات وحلول في أساليب عجيبة, كأنما يتكلّم أحدهم عن ظهر قلب, وباندفاع أثار في نفسي انطباعًا لن أنساه, وكنت أستمع لهم بإعجاب لم أعهده في نفسي من قبل, ومنذ ذلك الوقت بدأ تفكيري يدور حول ملاحظة هذا الجانب وكيف عالجه الإسلام, وأسجل كلمة ومن هنا وأخرى من هناك؛ لأرجع إليها متى أحببت, فجزى الله أعضاء ذلك المؤتمر وجامعة الملك عبد العزيز خيرًا على ما قدَّموه, وتلك الأمور التي دونتها في شتَّى الأبحاث هي ما سأقدمه بين يديك في هذه الدراسة, مع أنها لم تكن بالأمر الذي كنت أتمناه تمامًا لإفادتك, ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
أخي القارئ: اعلم أن أكبر ما أحرص عليه هو تنبيهك إلى أن لا تستهين
стр. 529
بدراسة هذا الجانب, فهو من أخطر الجوانب في حياة البشر, وعليه يتوقف مصير شعوب بأكملها خيرًا أو شرًّا كما تقدَّم, وعليك أن تَجِدَّ في فهمه لدحض حجج أعداء الإسلام, وتكذيب ما ينادون به من قصور الإسلام عن معالجة المشكلات الاقتصادية, ويستدلون زورًا وكذبًا بضعف المسلمين في النواحي التطورية العصرية, مع علمهم أنهم هم السبب وراء هذه الحال في العالم الإسلامي باستعمارهم لهم اجتماعيًّا وفكريًّا فترة من الزمن, ولا يزالون أداة تثبيط وتخذيل للمسلمين, وتسلط عليهم إلى يومنا الحاضر, لم يتوانوا في كل ما مِنْ شأنه الحاق الذل والضعف بالمسلمين, ومن سخريات الأمور أن يشنعوا على الإسلام ما جاء به في حل المشكلات الاقتصادية -هو حل ناجح وأثبتت التجارب صلاحيته- ثم إذا صادف أن جاؤا بنظرية ناجحة في الجانب الاقتصادي طاروا فرحًا ومجّدوا أنفسهم وعقولهم, حتى إذا علموا أنّ الإسلام قد سبقهم إليها وبيَّنَها, كادوا أن يغصّوا برقيهم, وبدؤا في تحويرها أو السكوت عنها ظلمًا وعدوانًا واستكبارًا عن الحق وغضًّا من شأن رسالة الإسلام الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان.
ولهذا فقد أغفلوا الجوانب المشرقة للإسلام التي تعتبر نموذجًا للتطور الاقتصادي الناجح, سواء منها ما جاء في القرآن الكريم, أو في السنة النبوية, أو ما جاء في تطبيقات خلفاء الدولة الإسلامية منذ بزوغ فجرها, وتوالى الخلفاء عليها, أو ما قام به علماء الإسلام في شتّى العصور من بحوث فقيهة أثرت الجوانب الاقتصادية في مختلف النواحي, بما يجب أن تضاءل أمامه أفكار ساسة الاقتصاد الوضعي, وأن تذوب غطرستهم أمام عظمته.
стр. 530
وينبغي التنويه إلى أنّ الاهتمام بجانب الاقتصاد لم يكن جديد النشأة كما يرى الكُتَّاب الغربيون ومن سار على طريقتهم, فإنه جديد بالنسبة لهم؛ إذ إنهم لم يعرفوا هذا الجانب إلّا في أواخر القرن الثامن عشر بعد ظهور الثورة الصناعية, ولهذا فهم لم يعترفوا بفضل من سبقهم من الأمم الذين عرفت لهم إسهامات في جوانب متعددة من القضايا الاقتصادية التي كانت متصلة بحياتهم المعيشية, وإن لم تكن دراسة بالمفهوم الاقتصادي الواسع١، كما قرره العلماء فيما بعد.
ولكنَّهم كانوا قادة خير وبركة على من بعدهم, ومصدرًا يفيض حكمة ومعرفة, كيف وأن الموجه للإنسان منذ نشأته الأولى هو رب العالمين, الذي علَّم آدم كل ما يحتاجه من أمر دينه ودنياه, ومن هنا نجد أن الجانب الاقتصادي له أهميته في الإسلام, وللإسلام حلوله التي اختص بها, ونظرته الشاملة له على ضوء العقيدة الإلهية الشاملة لكل جوانب الحياة الاجتماعية، التي أمر الله المسلم باتباعها واجتناب كل ما يضادها من الأنظمة البشرية, تلك العقيدة التي ينتج عنها المراقبة الذاتية للمسلم في كل تصرفاته مع نفسه ومع أبناء دينه, ومع غيرهم من سائر البشرية التي ترتكز على ملاحظة المفاهيم للكون وللحياة, وبالتالي موقع الاقتصاد منها. وكذلك ملاحظة التفريق بين المعاملات الصحيحة وغير الصحيحة, العقيدة التي تقول للمسلم: إن الله أجاز لك البيع والشراء, لكنه حرَّم الربا, وأجاز الملكية الخاصة الفردية, ولكنه جعل لها نظامًا ينسجم مع الملكية العامة؛ إذ ليس فيه تغليب جانب على آخر كما هو الحال في
стр. 531
الأنظمة البشرية من رأسمالية وشيوعية, أو غير ذلك مما اخترعه الإنسان من أنظمة ثبت مع مرور الأيام أنها أنظمة قاصرة مؤقَّتة غير صالحة لكل زمان ولا لكل مكان, حتى وإن توافقت بعضها مع الشريعة الإسلامية عرضًا فإنها لا تزال جاهلية, ولا يبيح هذا التوافق شرعيتها ولا تسميتها باسم الإسلام كما فعل كثير من الجهّال الذين وصل بهم الجهل والحمق إلى تسمية بعض النظم الجاهلية باسم الإسلام؛ كتسميتهم الاشتراكية الماركسية باسم الإسلام, والتي نسبها بعضهم إلى الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري ﵁, وبرَّأه من أكاذيب الملحدين كقولهم: إنه زعيم الاشتراكية الإسلامية, محملين مواقفه من المال تأويلات باطلة ومفاهيم خاطئة, وهذا يعني أن الإسلام له مفهمه الخاص للمشكلة الاقتصادية, وللنظم الوضعية مفاهيهما الخاصة بها, وبين النظامين من التباعد والاختلاف مثل ما بين مصدريهما, ولا تختلط تلك المفاهيم إلّا على الجاهلين, وسيتبين من خلال هذه الدراسة إن شاء الله تعالى الفروق الواضحة بين النظام الإلهي في القضايا الاقتصادية, وبين تلك الأنظمة الوضعية التي قامت على أفكار من هم محلّ النقص والقصور, وهذه المقارنة إنما تقال إقامة للحجة, وإلا فإنه لا مقارنة بين الحق والباطل, وبين الجاهلية وبين الإسلام, ذلك لأنَّ الإسلام دين كامل شامل لكل جوانب الحياة, قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١.
ومن هنا نجد أن الإسلام قد اعتنى بالمشكلات الاقتصادية وأولاها
стр. 532
أهمية بالغة نظرًا لأهميتها في حياة الناس وانتظام معايشهم, فجاءت تعاليم الإسلام لحلها في غاية الوضوح وفي أسمى ما تحقق به العدالة والإنصاف والرحمة, وتحقيق آمال الأغنياء والفقراء على حد سواء, ولا يسمح باستعباد الغني للفقير, ولا بإثارة الفقير على الغني، بل قام على أساس المحبة والقناعة، ولم يقم على الصراعات الطبقية التي قامت عليها المذاهب الجاهلية كالماركسية والرأسمالية.
ولقد عاش الناس حينما كانوا يهتدون بهديه وينطلقون من تعاليمه في أسعد حال واهنأ عيش؛ في محبة ومودة, يعلم كل فرد أنه لا يصل إليه إلّا ما قدره الله له, وأن الدنيا دار ابتلاء ولا يدري الإنسان أيهما خير له في دينه ودنياه وعاقبة أمره, أو أن يكون غنيًّا أو أن يكون فقيرًا, فيعلم حينئذ الغني والفقير على حد سواء أنهما في ابتلاء, وأن الله تعالى يعطي كل عبد وفق ما قدَّره له في سابق علمه, ولهذا تجد المسلم دائمًا يعيش قرير العين مطمئنَّ النفس منشرح الصدر, كما امتاز الإسلام بالحل الشامل لتنظيم الأسرة والمجتمع والأفراد بطريقة تضمن للجميع السعادة والعيش بأمن وسلام ومودة, يتمثَّلون فيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١.
وقال الرسول -صلى الله عليه سلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ٢.
стр. 533
وقوله صلى الله عليه سلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١.
وقوله ﷺ : "لا يؤمن لأحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢.
وفي راوية: "لجاره"، وغير ذلك من النصوص المستفيضة في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ التي تدعوا إلى الألفة والمحبَّة وصفاء القلوب والرحمة بين أفراد المجتمع, وترك شح النفس والغش في المعاملات, وإلى الصدق في البيع والشراء, وإلى تحقيق قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٣.
وتدعو كذلك إلى التعاون في وجوه الخير, وإلى أن يؤدي كل فرد ما عليه من واجباتٍ تجاه الآخرين من أمور تتعلّق بالشخص أو بماله، وأوجب الزكاة التي تعود إلى الفقراء بدون أن يشعروا بأي منَّةٍ لأحد بعينه, وما ينشأ عنها من ترابط المجتمع وتوادّه, إضافةً إلى ترغيبه في الصدق والاتصاف بالكرم والتنفير عن العودة في الهبة, وغير ذلك من السلوك الذي تحقق به السعادة.
ولا شَكَّ أن الفقر هو أكبر المشكلات بين البشر قديمًا وحديثًا, وهو أيضًا
стр. 534
أعظم الأمور التي ينفذ من خلالها كل صاحب غرض إلى تحقيق غرضه بوسيلة المال, لهذا حينما جاءت الماركسية لم يجد أتباعها أيّ وسيلة أشد نفوذا إلى نفوس الناس وإثارة أحقادهم وقلب أوضعاهم كلها من وسيلة إثارة الأمور الاقتصادية, فأثاروها بأنواع الدعايات وشتَّى الأساليب, حتى تَمَّ لهم قلب الأمور رأسًا على عقب في كثير من بقاع الأرض, مستغلين لتحقيق أغراضهم الفقر من جانب, وجهل الناس بحقيقة الدين, وجهلهم كذلك بحقيقة ما يدعو إليه وألئك الملحدون.
من جانب آخر فإذا بقرن الشياطين يظهر عاليًا, وإذا بنداءات الجهَّال ترتفع, وداسوا في طريقهم كل فضيلة, ونبذوا كل تنظيم أو دين, ورفعوا شعارتهم الاقتصادية الجاهلة التي اتَّضح أمرها فيما بعد, بأنها كانت سرابًا وخيالًا فارغًا, ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن جرف تيارهم في طريقه ملايين البشر فأوردوهم الهلاك في الدنيا والأخرة, وما ذلك إلّا بفعل الدعايات أولًا, ثم بفعل الحديد والنار ثانيًا, وليس لوجود تلك التيارات الجهنَّمية التي لا تفلح في شيء مثل ما نجحت في الفوضى الإباحية.
ومن العجيب أن ينبري دعاة الإلحاد أقزام الشيوعية والوثنية إلى مهاجمة الحلول الاقتصادية الإسلامية لمشكلات الفقر والبطالية وهم لا يعرفونها, ولم يدرسوها في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ ولم يجربوها, وإنما يسمعها بعضهم من بعض في صورة مشوَّهة كاذبة, ثم يتناقلونها على حد ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه الكريم حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 535
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وتبرز في الإسلام جميع الأحكام الاقتصادية مرتبطةً بجميع نواحي الحياة:
١- الروحية التي تمثل علاقة الإنسان بخالقه.
٢- الخلقية السلوكية: التي تمثل الصدق والأمانة والتراحم والوفاء في جميع المعاملات.
٣- الاجتماعية: التي تقوم على مبدأ المساواة والتكافل الاجتماعي.
٤- السياسية: التي تتمثَّل بالتزام الحاكم بالأصول الشرعية٢.
стр. 536
المطلب الرابع: الغزو الفكري عن طريق الاقتصاد
لقد حارب أعداء الإسلام والمسلمين الدين الإسلامي ومعتنقيه بكل ما لديهم من أسلحة في مواجهات فعلية بالجيوش النظامية, فعجزوا ويئسوا من الانتصار على المسلمين, فاتجهوا إلى حربه بطرق لا تثير الضجيج ولا تلفت الأنظار، وبالتالي فهي أضمن وسيلة للنجاح وأقل كلفة, ومن تلك الطرق الكثيرة غزو المسلمين عن طريق الفكر الاقتصادي تحت أشكال لا حصر لها من مساعدات وهبات وقروض واستثمارات وأيد عاملة في شتَّى المجالات الاقتصادية, فنجحوا نجاحًا ظاهرًا؛ حيث كسبوا المال ونشروا أفكارهم في سكون وتؤدة, فوقعت أكثر الدول الإسلامية في شراكهم واستعبدوهم عن طريق الحلول الاقتصادية, وأغرقوهم بالديون الربوية فزادوهم فقرًا على فقرهم, وتخلفًا على تخلفهم, إلّا من أفلت منهم.
إنها مؤامرة رهيبة هائلة تأكل في طريقها الأخضر واليابس, فالعامل والمذيع والصحفي والممثل والخطيب والطبيب منهم, والسياسي وغير السياسي, كل هؤلاء أصبحوا صفًّا واحدًا للزحف على الإسلام وصهر المسلمين في بوتقة الحضارة الغربية, تضافرت جهودهم واتحدت كلمتهم في الوقت الذي أصبح فيه المسلمون فرقًا وأحزابًا لا يلوي بعضهم على بعض, وفي الوقت الذي انخدعوا فيه بأن الغرب سيجعل من دولهم أو دويلاتهم محط الأنظار ومهوى الأفئدة في الاقتصاد, فإذا به لم يحقق لهم شيئًا من هذا, اللهمَّ إلّا في مجالات لا تسمن ولا تغني من جوع؛ كالسياحة والتنقيب عن آثار مَنْ عفى عليهم الزمن منذ مئات السنين, كذلك أيضا في
стр. 537
مجال الفن والموسيقى, وغير ذلك من التوافه التي يراد بها صرف أنظار المسلمين عن واقعهم الحزين, وإشغالهم بطلب الاقتصاد والغنى عن طريق تلك التوافه, ومن الأدلة الواضحة على هذا ما تسمعه -عزيزي القارئ- من بذل الدول النصرانية المساعدات بسخاء, والقروض الوافرة بشرط أن تنفذ في تلك المجالات التي يعدونهم بأنها ستجعل اقتصادهم في القمَّة في الوقت الذي يتلمَّض فيه كثير من الشعوب الإسلامية جوعًا, وهم في أمسّ الحاجة إلى لقمة العيش بدلًا عن التنقيب عن آثار تلك الأمم الغابرة -من فراعنة وغيرهم- والافتخار, ثم يأخذون في إسباغ هالة من التعظيم لها؛ لكي يتقبلها أولئك البؤساء ظنًّا أنهم وصلوا إلى تحقيق أمالهم الاقتصادية العريضة, إلى حد أن علماء الآثار يزعمون أحيانًا أنهم يجدون جمجمة إنسان تعود إلى أربعة آلاف سنة أو أكثر ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ١.
وهذا يتطلّب من جميع المسلمين أن يصححوا أوضاعهم الاقتصادية, وأن لا يجعلوا لأعدائهم سبيلًا لإذلالهم لهم, وأن يصفّوا كل الأفكار العالقة بأذهانهم بأذهان المسلمين من حضارة الغرب وتقدمهم وإكبارهم لهم, وأن يعيدوا إليهم ثقتهم بقدرة الإسلام على حلّ كل المشكلات الاقتصادية بطرقه الحكيمة الواقعية ففيه الخلاص, وفي نظامه الخير كله, ولن يصلح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها, وأن يعلموا يقينًا أن أعداء الإسلام لا يزيدونهم إلّا خبالًا وخسرانًا, بل وإذلالًا لهم في سبيل الحصول على غنى خيالي أو كمال, وقد قيل في الأمثال: "جعجعة ولا ترى طحنًا".
стр. 538
المطلب الخامس: المال في الإسلام
يحث الإسلام على العمل والإنتاج وكسب المال الحلال, فمهما كانت كثرته إذا كان عن طرق مشروعة ويريد به صاحبه الدار الآخرة وإعفاف نفسه ومن يعول عن ذلّ المسألة, قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
وبالمال قوام الحياة, وقد قيل: كاد الفقر أن يكون كفرًا, وهو أعدى أعداء الإنسان, ومن زعم أن الإسلام يحثّ على الفقر ويرغِّب فيه على أنه زهد يثاب عليه الإنسان فقد كذب وافترى, فإن الرسول ﷺ قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" ٢.
وقال ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" ٣.
وغير ذلك من النصوص, ولم يرد عن أحد من الصحابة أنّه اختار الفقر على الغنى، وإنما عرف هذا الهوس عن غلاة الصوفية الذين فضَّلوا الفقر الاختياري على الغنى على الطريقة الهندوسية، مع أنهم في واقع الأمر كانوا من كبار الأغنياء, ووجد لبعضهم مدخرات ثمينة
стр. 539
بعد موتهم؛ لأن حب المال فطرة في الإنسان, والإسلام لا يجعل المال هو الغاية التي يجب أن تطلب لذاتها, أو أنه هو الطريق الوحيد إلى السعادة, بل يجعله وسيلة إلى إصلاح شئون الحياة إذا كان عن الطريق المشروع, وفي نفس الوقت تجد أن الإسلام ينظر إلى المال على أنَّه قضية محترمة, وعلى أنَّه عارية بيد الذي يملكه, وأن المال ومالكه ملك لله تعالى, فلهذا ذكر الله في القرآن الكريم أصحاب الأموال بأن الله جعلهم مستخلفين فيه, فلا يحل لهم التصرف فيه إلّا وفق ما شرَّعه الله تعالى, ومن هنا حرم الذبح لغير الله والإسراف والتبذير وإنفاق المال فيما حرَّمه الله, وأخبر تعالى أنه سيحاسب أصحاب الأموال حسابًا شديدًا, فلو كان ملكًا لهم لما حاسبهم عليه, وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ١، وقال الرسول ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع" وذكر منها: "وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه". وإنما ينسب إلى مالكه من البشر؛ لأنه بيده يتصرف فيه وكأنه هو المالك الحقيقي في ظاهر الأمر, وهذه قاعدة من قواعد الاقتصاد في الإسلام, أن المال لله تعالى, والبشر مستخلفون فيه ومحاسبون عليه.
стр. 540
المطلب السادس: وجود الموارد وندرتها
يرى أصحاب النظام الوضعي -الرأسمالي- أن الإنسان له حاجات كثيرة غير متناهية, بينما الموارد التي تسد تلك الحاجات محدودة أو نادرة بالنسبة لكثرة حاجات الإنسان في نظرهم, وتبعًا لهذا التفكير ابتدأ الاقتصاديون نشر أفكارهم وأبحاثهم وسياساتهم, فعقَّدوا الأمور وأجدّوا عاملًا وهميًّا كان هو السبب بزعمهم في عدم حياة الإنسان الحياة السعيدة التي يريدها, وهو قلة الموارد المتاحة له في مقابل حاجاته غير المتناهية.
وقد تأثَّر بهذه الفكرة كثير من الكُتَّاب؛ حيث أرجعوا سبب المشكلات الاقتصادية إلى قلة الموارد الاقتصادية أو زيادة السكان أو سوء التوزيع أو سوء التعامل الاقتصادي, وغير ذلك من التعليلات, وقد أورد محمود بن إبراهيم الخطيب خمسة أسباب لظهور المشكلة الاقتصادية بصورة عامَّة كما يراها الاقتصاديون من غير المسلمين, وهي١:
١- الندرة النسبية للموارد الاقتصادية لعدم كفايتها بالحاجات, أي: عدم توفُّر السلع الاقتصادية لسد الحاجات.
٢- زيادة السكان بصورة أكبر من زيادة الموارد, ويسمونه "الانفجار السكاني".
٣- سوء توزيع الموارد بسبب سوء الأنظمة الوضعية.
стр. 541
٤- ظهور الاحتكارات والبنوك الربوية, وهدر كثير من الموارد وحرمان البشرية منها؛ لتستقر في أيدي فئات خاصة من الناس.
وقد ذكر أن الندرة حقيقة موجودة في بعض النواحي, وأرجع أسباب ذلك إلى:
١- إلى الإنسان ذاته لعدم التزامه بهدي الله تعالى.
٢- الابتلاء من الله تعالى.
٣- بسبب عدم استخدام الإنسان لكافَّة طاقاته سواء الذهنية والعقلية.
٤- ظلم الإنسان لأخيه الإنسان, مثال ذلك: ما تفعله بعض الدول بالقاء المنتجات الزراعية في البحر وإحراقها كما تفعل الدول الرأسمالية؛ لكي تحافظ على ارتفاع السعر, بينما الإسلام لا يقيم نظرته الاقتصادية لا على الوفرة المطلقة ولا على الندرة أيضًا، وأن تسخير الله الكون كله للإنسان لا يعني حصوله على كل شيء بلا جهد أو عمل، فلو كان كل شيء يتَّصف بالوفرة المطلقة لتكاسل الناس وتقاعسوا عن العمل, ولما كانت هناك دوافع للإنسان أن يسعى في الأرض ويعمرها١، ولو كانت الأمور قائمة على الندرة المطلقة ليئس الناس واشتدت حاجتهم, ولما وجد منهم هذا التفاوت الاقتصادي, ولما اتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا؛ لكي تستقيم الأمور وتسير الحياة.
стр. 542
المطلب السابع: مدى صحة تعليل أصحاب النظام الوضعي للمشكلة الاقتصادية
الإسلام وهو صاحب الحل الشامل للقضية الاقتصادية نجده ينظر إلى المشكلة الاقتصادية من جميع جوانبها, سواء ما يتعلق منها بموارد الإنتاج, أو بتوزيع الموارد, أو بقيام المنتجين وكيفية سلوكهم تجاه موارد أرزاقهم المختلفة, وإلى الخلق الذي يكونون عليه في تعاملهم, وقد أخبر الله في كتابه الكريم أنَّ موارد الرزق متعددة ومتنوعة, وأنها تغطي حاجات الإنسان وزيادة أيضًا عن حاجته, وأن الأرزاق كلها مقدَّرة ومتوفِّرة بحكمة الله وتدبيره, قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١.
وقال تعالى عن الأرض: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ ٢.
فالأرزاق كلها مقدَّرة ومضمونة ووافية بحاجات البشر, وأن تعليل الواضعين للنظم الاقتصادية إنما هو دليل على جهلهم بحقيقة الأمر الذي قرَّره الإسلام وفصَّله على حقيقته وواقعه؛ حيث ذهبوا إلى أن الموارد شحيحة لا تفي بحاجات الناس, إلى آخر تعليلاتهم التي تكلَّفوها, فإن الواقع يدل على
стр. 543
أن ندرة بعض الموارد لدى بعض المجتمعات إن يعود إمّا إلى قصورهم في استخراج تلك الموارد, أو لصارف آخر صرفهم عنها, وإلا فقد اقتضت حكمة الله -عز جل- أن الموارد تكفي لحاجات الناس لا لرغباتهم وشهواتهم التي لا تقف عند حد, وهذا يعود إلى مصلحة الإنسان نفسه إذ ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ١.
وقد رتَّب الله أن يكون للإنسان دور واضح في استخراج الخيرات, والقضاء على مشكلات الحاجة والفقر بالعمل الجاد, وحسن التصرف؛ لاستجلاب فوائد مختلف الموارد ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ٢.
فإذا حصل بعد ذلك فقر وحاجة فربما تكون أبرز أسبابه كسل الإنسان وخموله وعدم البحث وعدم المشي في مناكب الأرض كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣.
أو يكون بعد بذل الأسباب ابتلاءً من الله تعالى, وقدر لا مفر منه, أمَّا حاجات الإنسان فإن الإسلام لا يمنع من تلبيته تلك الاحتياجات ما دامت ضرورية لحياة الإنسان الروحية والجسدية, ولا تصل إلى حد
стр. 544
الإسراف والتبذير, ولا يحد الإسلام إلّا من الإكثار في إشباع الرغبات التي لا تقف عند حد كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب" ٣.
وهكذا فإن الرغبات لا تقف عند حد أو نهاية, ولو كانت تقف عند حد لكان الوادي من ذهب رزق لا مزيد عليه, ومع ذلك فلو ملكه الإنسان لتمنَّى آخر, ومن لم يفرق بين الحاجات والرغبات تجده دائمًا يعيش في قلق وإحساس بالفقر؛ لظنه أن الرغبات التي تجول بخاطره هي حاجات ضرورية, فيتلهَّف على حصولها ويتأسَّف لعدمه.
ومن الدير بالذكر أن الإسلام لا يعترف بالفواصل التي وضعها البشر بين الاقتصاد الدنيوي وبين ارتباطه بالنظر إلى الجانب الديني, فإن الإسلام يعتبر الجانب الروحي والوازع النفسي هما أقوى دعائم الاقتصاد, ذلك أن الاقتصاد الذي يفتقر إلى مراقبة الله تعالى في كل التصرفات إنما يقوم
стр. 545
على شفا جرف, وما أكثر الشواهد على هذا الاختلاف في النظم البشرية وفرق شاسع بين اقتصاد يعتبر من جملة العبادات حينما يراد به وجه الله, وبين اقتصاد يقوم على جشع لا حدود له, أو اقتصاد مكبَّل لا يجد النور إليه سبيلًا, كما أن الإسلام يعتبر العمل والكسب الحلال والابتعاد عن الظلم والصدق وعدم الغش.. إلخ. يعتبر الإسلام ذلك كله عبادة يتقرَّب بها الشخص لخالقه إذا صاحبت ذلك النية الصادقة ومراقبة الله تعالى, وهذه المزية في الاقتصاد لا توجد في أيّ نظام غير الإسلام, فإن كل الأنظمة الوضعية إنما تهدف إلى جمع الثروة بأيّ طريق, والغاية تبرر الوسيلة فيها, ولا مكان للقيم والأخلاق والرحمة بالآخرين, ولا مراعاة لأحوال البؤساء؛ إذ لا يوجد في الأنظمة الوضعية أيّ داعٍ يحثّ على ذلك ويذكر به, فضلًا عن الإشارة إلى الثواب عليه في الدنيا أو في الأخرة عندما ينادون به من الإنسانية, وهي كلمة لا توحي بما يرغب عند الله, كما أن المراقبة القانونية هي الأخرى أصبحت تابعة لمصالح القائمين عليها والمنتفعين بها, فالرشوة والتحايل للتفلُّت من عقاب القوانين البشرية التي وضعوها لحماية الاقتصاد بزعمهم, أصبحت هي الأخرى ألعوبة في أيدي تلك النخبة التي تعرف من أين تؤكل الكتف، ففقد النظام الاقتصادي كل المكونات لحمايته وسيره سيرًا حسنًا, فلا وازع من قانون قادر على التصدي للخلل فيه, ولا وازع ديني يراقب فيه الشخص مولاه ووقوفه بين يديه , وهي المزية التي يمتاز بها المسلم في تعامله الاقتصادي حين يراقب الله تعالى كأنه يراه, فلا يستحلّ من المال إلّا ما أباحه الله له, سواء فطن المتعامل معه إلى ذلك أو لم يفطن, وهذا توجيه إسلامي مشرق على أن
стр. 546
الإسلام لم يكتف بالركون إلى هذه المراقبة فقط -وإن كانت من أسمى الأمور, ولكن الإسلام أضاف إلى هذا وازع السلطان لردع من قلت عندهم المراقبة الذاتية, فاكتمل بهذا أقوى وأفضل الأنظمة لتحقيق الصالح العام والخاص في الدنيا وفي الآخرة, الذي يجعل جميع موارد الرزق أمرًا مشاعًا بين الناس ما دامت في حدود الشرع وفي حدود "لا ضرار ولا ضرار".
أمَّا أصحاب النظام الوضعي فقد ارتكبوا خطأ استندوا فيه إلى أوهام ظنّوها صححية, وأتصوّر أن سبب هذا الخطأ عند غير المسلمين يعود إلى عدم إيمانهم بالله تعالى, وأنَّه هو الرزاق ذو القوة المتين, بيده مقاليد كل شيء, فذهبوا يعللون للمشكلة الاقتصادية بندرة الموارد, ومن الطريف في الأمر أنه قد خرج بعض مفكريهم عن هذا التصور وقرروا أن تعليل المشكلة الاقتصادية بندرة الموارد مجرد خيال وخرافة, وقد نقل الدكتور "شوقي أحمد"١ عن بعض مفكريهم "فرنسيس مورلاييه" و"جوزيف كولينز" نقولات ترد هذه الفكرة وتشنّع على معتنقيها, وترد العجز ليس إلى الموارد, وإنما إلى الإنسان نفسه وتقصيره, وألَّفَا في ذلك كتابًا سمياه "صناعة الجوع وخرافة الندرة" أكَّدَا فيه أن "مشكلة ندرة الموارد عن حاجات الإنسان هي مشكلة اصطنعها الإنسان واكتوى بنارها".
وأن الجوع والحاجة ليس بسبب ندرة الغذاء والأرض, وإنما الذي يلام عليه الإنسان نفسه, وذلك -كما تقدَّم- بسبب سوء توزيع الثروة إسرافًا
стр. 547
وتقتيرًا بلا عدل, وقلة استخدام خيرات الأرض واستثمارها بفاعلية ورشد, إضافة إلى سوء استخدام تلك الموارد واستصلاحها واستغلالها في غير ما خُلقت له؛ بحيث لم توجَّه إلى إنتاج الأهمّ فالأهم من الحاجيات, ومن الأدلة على ذلك "إن كمية الأسمدة المستخدمة في مروج الولايات المتحدة وملاعب الجولف فيها وساحات مقابرها تعادل كلّ السماد الذي تستخدمه الهند لإنتاج الغذاء"١.
كما أن ما تذهب إليه بعض الدول الغنية كالولايات المتحدة من تعمد إنقاص الفائض لهو دليل آخر على بطلان نظرية الندرة, وأنها دعوى خيالية أو مغرضة يراد بها أغراضًا شريرة.
وعلى هذا, فإن دعوى انتشار الجوع بسبب عجز الموارد كلام باطل, بل إنّ حل مشكلة الجوع -فيما يرى بعض الباحثين- تكمن في توقف الإنسان عن العمل والكدّ, وتصديق خرافة أن مشكلة الجوع والحاجة أمر ضخم ليس في مقدور الإنسان التغلب عليه٢، أو بسبب ما يطلقون عليه الانفجار السكاني.
وأما القول بأن حاجات الإنسان غير متناهية فهي قول غير مسلَّم
стр. 548
"فقد ظهرت كتابات وبحوث تفيد أن حاجات الإنسان الأساسية والتي يحتاجها الإنسان فعلًا يمكن تصنيفها, بل ويمكن حصرها, وقد جرت محاولات متعددة فردية وجماعية لحصر تلك الحاجات وتوصيفها"١.
وقد ذهب الدكتور "شوقي أحمد" إلى انه ينبغي ملاحظة أمر مهم في قضية حاجات الإنسان, وهل هي متناهية أو غير متناهية, وهو التفريق بين الحاجات والرغبات، وأن الحاجات هي ما تتوقف عليها حياة الإنسان حياة لائقة, أو شدة معيشته وضنكها, وهذا يدل على أن حاجات الإنسان مضبوطة بطبيعة الإنسان وفطرته, فهي محصورة ومحدودة.
وأمَّا الرغبات في أمر متجدد وغير محدود, وقد يتداخل مفهوم الرغبات مع مفهوم الحاجات, فمثلًا نجد أن الإنسان قد يرغب في شيء ما, وهذا الشيء قد يكون أساسيًّا للإنسان, فتكون الرغبة هنا حاجة, كما أنه قد يرغب في شيء لا حاجة له إليه, أو لا يمثّل أي إضافة جديدة له, وأن فقده لا يمثل أي حرمان له أو شقاء أوضنك في معيشته, فيسمّى رغبة, فمثلًا لو أن إنسانًا احتاج إلى شرب الماء فوجده, ولكنه أعرض عنه وطلب المشروبات الصناعية, فهذه رغبة وليست حاجة, وكذلك لو أن إنسانًا احتاج إلى وسيلة انتقال فتحقَّقت له عن طريق سيارة عامة أو خاصة, لكنه أحبَّ أن تكون له سيارة فارهة يملكها وينتقل بها, فتلك رغبة وليست حاجة٢.
وأضيف إلى ذلك لو أن إنسانًا شكى الجوع فأعطي خبزة فرفضها
стр. 549
إلّا أن تكون دسمة وطرية, فهي رغبة وليست حاجة, وقد قيل شعرًا:
الجوع يطرد بالرغيف اليابس ... فعلام تكثر حسرتي ووساوسي
وكل ما تقدَّم يدلل على أن المشكلة الاقتصادية لا تكمن في ندرة الموارد فقط, وإنما تكمن في أغلبها على سوء الإنتاج والتوزيع, وأن القول بعدم نهاية الحاجات إنما هو جري وراء الرغبات التي لا نهاية لها، وأنّ ما يقال عن ندرة الموارد إن هو إلّا وهم؛ إذ الندرة ليس في الموارد, وإنما في الإنتاج الذي يعود إلى كدِّ الإنسان وعمله, أو تكاسله وتقاعسه كما تقدَّم.
وقد أمر الله بالضرب في الأرض والعمل والجد في الاكتفاء في جميع الجوانب المعيشية, بل والحربية, كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ١، والله تعالى لم يكلف الإنسان ما لم يكن باستطاعته, وهذا يدل على أن الموارد متاحة له إذا جاء بأسبابها.
стр. 550
المطلب الثامن: تنظيم الإسلام للشؤون المالية وطريقة معالجته لمشكلة الفقر
...
المطلب الثامن: تنظيم الإسلام للشئون المالية وطريقة معالجته لمشكلة الفقر
وفيه المسائل الآتية:
- تمهيد:
لقد نظَّم الإسلام الأمور المالية من واجبة وتطوعيه وحلال وحرام, وحافظ على الأموال وكيفية التصرف فيها في الحياة وبعد الموت, بعد أن ضمن حرية الملكية للمال من قِبَلِ كل فرد ذكرًا أو أنثى, كما ضمن أيضًا بيان أوجه إنفاقه لسعادة الأمّة في الدنيا والآخرة, كما ضمن أيضًا وجود التكافل الحقيقي بين أفراد المجتمع بصورة صحيحة حينما يلتزمون بنهجه ويحتكمون إليه قولًا وفعلًا, وتلتزمه الدولة وتطبقه, وتتحمَّل مسئولية كفالة كل مواطنيها المحتاجين العاجزين عن الكسب؛ ليتحقق التكافل القائم على حسن التصرف وزيادة المودَّة بين أفراد الأمة جميعهم, فمن تنظيمه البديع للمال:
١- أنه جعل في جزء منه حقًّا يحب العمل به ورغب فيه, وهي الزكاة التي هي طهرة للنفس والمال١، وبيَّن تفاصيلها أتَمَّ بيان, وغيرها من الأنواع التي سنذكرها مما رغَّب فيه الإسلام.
стр. 551
٢- وجعل جزءًا منه يحرم التعامل به لما فيه من إضرار بالغير وبالأخلاق والسلوك الطيب, أوكل جوانب أخرى, إلى ضمير الشخص ورغبته فيما عند الله تعالى.
وقد اعتنى الشرع الشريف بإسعاد كل البشر في دنياهم, وبفوزهم في أخراهم, ومما هو معلوم أن الفقر هو أشد أسباب الهموم والقلق والاضطراب, بل هو مفتاح كل الشرور، ولهذا كان للإسلام تجاهه مواقف وحلولًا مفيدة مأمونة العواقب, بعضها يقوم بها كل فرد بنفسه, وبعضها يقوم بها كل أفراد الأسرة, وبعضها يشترك فيها أكثر من جهة من أفراد المجتمع, وبعضها تقوم به الدولة تجاه الآخرين, وهذه الحلول فيها الأناة والتؤدة وملازمة الصبر والرضى بأمر الله, بخلاف الحلول البشرية التي قامت على الطيش والعجلة في الحصول على المال بأي طريق, حتى وإن كان وخيم العواقب كثير الرذائل؛ إذ الهدف هو الحصول على المال, وهو نصب عين الشخص منهم ومجتمع همه, ولتكن النتائج ما تكون على حَدِّ ما قاله أحد الشعراء:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه همَّه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
لهو مجتمع أناني مفكّك لا ترابط فيه, وما تراه في سلوك الرأسمالية والشيوعية تجاه جمع المال هو أقوى شاهد على ضحالة أفكارهم وقصورها عن الحلول الإسلامية الربانية الصحيحة, التي تنظر إلى كل من الغني والفقير نظرة الأم الحنون تجاه أولادها.
стр. 552
أنها حلول عادلة لا بغضاء فيها ولا أحقاد ولا إثارة بعض الطبقات على بعض, بل لا طبقات في الإسلام, وإنما هو مجتمع واحد ويسير على منهج واحد ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
وكما اهتمَّ الإسلام بإيجاد طرق الكسب الحلال لسد الحاجات بالمثابرة على الأعمال, فإنه اهتمَّ كذلك بتوزيع هذا الكسب أو المال الذي ينتج عن العمل, فلم يترك توزيع المال لأمزجة المالكين له دون نظام ولا توجيه, بل اعتنى ببيان كيفية معالجة المشكلة الاقتصادية, كما اهتمَّ بتوزيع المال توزيعًا يضمن المساواة العادلة والتوازن الدقيق بالنظر للاقتصاد العام للمجتمع؛ بحيث لا يطغى جانب على آخر, ولئلَّا يقع المال في يد جماعة دون أخرى, فيطغى الأغنياء ويفتتن الفقراء, وهذه قاعدة من قواعد الاقتصاد في الإسلام.
فتوزيع المال في الإسلام له ضوابط وجهات مختلفة, فهو يوازن بين كل أفراد المجتمع؛ إذ جعل لكل شخص حقًّا عليه يؤديه من ماله, وحقًّا له يأخذه من مال غيره وجوبًا, وبهذا تتقارب أحوال الناس فلا يبقى شخص في الثريا وآخر في الثرى, ومن أجل ذلك نظَّم الإسلام مصارف المال بأحسن الطرق, وأرشد إلى حلول كثيرة فيها الخير والسعادة إذا طُبِّقت في تنظيم بديع عادل, كما تلاحظه فيما يلي:
стр. 553
المسألة الأولى: التكافل الاجتماعي العام في الإسلام
شهد الله تعالى للإسلام بأنه دين كامل شامل لجميع نواحي الحياة, ما فرَّط الله تعالى فيه من شيء, وقد أولى الجوانب الاقتصادية والتكافل الاجتماعي أعظم العناية والبيان, وقد جاء أعظم التأكيد والإرشاد في كتاب الله الكريم وفي السنة النبوية وفي سلوك الصحابة -رضوان الله عليهم, ومن تبعهم من علماء المسلمين على أهمية التكافل بين أفراد المجتمع جميعهم, وإقامة النظام الاقتصادي الذي يحقق العدالة الاجتماعية التي أولاها الإسلام عنايته الفائقة, وهذا التكافل يقوم على أساسين هامَّين, المجتمع كله, والدولة التي تمثل ذلك المجتمع, وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة تدل على هذا, منها قوله تعالى في بيان أخذه الميثاق من بني إسرائيل على القيام بعدة أمور منها: الإحسان وإيتاء الزكاة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ١.
وقال تعالى في بيان أوجه البر, ومنها إنفاق المال وإيتاء الزكاة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
وفي القرآن الكريم آيات عديدة في بيان هذا الاتجاه والترغيب فيه, وإثارة مشاعر العطف والإحساس في نفس الشخص تجاه الآخرين, والدعوة إلى الكرم, والتنفير عن الشح والبخل.
وجاءت السنة النبوية بتأكيد كل تلك المعاني النبيلة التي تؤدي إلى أسمى التكافل بين المسلمين, وإلى إقامة أروع نظام اقتصادي ناجح, فمن ذلك:
١- قال النبي ﷺ في وجوب إشاعة المحبَّة بين كل أفراد المسلمين, وأن كل مسلم يجب عليه أن يحب لغيره مثل ما يحبه لنفسه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" ٢.
وقال ﷺ ، وكانوا في سفر: "من كان معه فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" , قال أبو سعيد الخدري راوي الحديث: "فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحد منا في فضل" ٣.
стр. 556
وغير ذلك من النصوص الكثيرة عن النبي ﷺ في توجيه أنظار المسلمين إلى الرحمة وعطف بعضهم على بعض, واحتساب الأجر والثواب, وتحريم غشهم, أو احتكار الخير عنهم, أو أذيتهم بأي نوع من الأذى, وهو توجيهات لو سار عليها المسلمون لأصبحوا كما كانوا في عهودهم الأولى؛ حيث كان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يأخذها منه.
ومن المعلوم عقلًا أن سعادة المسلمين في عصورهم الأولى إنما كانت بفضل تعاليم الإسلامية الإلهية, ثم بتطبيقهم لها؛ حيث أصبحوا كالجسد الوحد وكالبنيان المرصوص يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, فإنه لا يمكن أن تقوم قائمة لأي نظام لم ينجح في الحلول العادلة بين أفراده، كما أنه لا يمكن أن تستقرَّ أوضاع أيّ مجتمع لا يحس بالطمأنينة على مستقبل حياته دون أن يلمس الضمانات الوافية بذلك.
ولهذا بقي الإسلام حيًّا في قلوب أبنائه على مرِّ الدهور والعصور؛ لشموله لكل أنواع التكافل في جميع نواحي التشريع, سواء ما يتعلق بحق الفرد أو حق الجماعة أو حق الدولة دون محاباة لأحد.
إن الإسلام دين يهتم بأمور الدنيا كما يهتم بأمور الآخرة, فهو لا ينحصر فقط في داخل المسجد كما يزعم العلمانيون وسائر أعداء الإسلام الذين يصورونه أنه دين جامد ومثبط عن العمل ويدعو إلى الكسل, وأن نظامه ليس شاملًا كالقوانين الوضعية التي يمجدونها, ويدعون إلى تقديمها على النظام الإلهي ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ ١, ﴿الْيَوْمَ
стр. 557
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ٢.
وسيأتي إن شاء الله في خلال هذه الدراسة ما يوضح كل ذلك.
إن التكافل الاجتماعي في الإسلام له صفة شاملة لا تقف عند جهة أو مجتمع أو شخص, وإنما ينظر فيه إلى جميع الأمة على أنها كالجسد الواحد, وأن مضرَّة الفرد كمضرَّة الجميع, ومضرة الجميع كمضرة الفرد, يجب أن يحس كل فرد بإحساس الآخرين على حد قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣. بينما النظم الجاهلية إما أن تنحاز إلى الغني أو إلى الفقير أو إلى المصلحة الذاتية.
٢- الإسلام يدعو إلى تحقيق كل أنواع التكافل, سواء أكان بين الإنسان ونفسه, أو بينه وبين أفراد أسرته أو جماعته, أو بين أمة وأمة, فالتكافل لا حدَّ له في الإسلام, ولا ينحصر في جهة دون أخرى, وهذه المزية لا توجد في النظم الوضعية ذات الأحزاب والأهواء المختلفة.
٣- إن الدعوة الإسلام إلى التكافل لم تكن بعد تجارب تعرَّضت للخطأ أو الصواب, ولا عن مشورة أحد, وإنما هي توجيه إلهي؛ لتتحقق به سعادة البشر مضمونة النتائج, بينما الدعوات الأخرى نشأت إما
стр. 558
عن تجارب, وإمّا عن رهبة أو رغبة, أو لمصالح أخرى, ثم هي قابلة للتغير في كل حين, وفرق كبير بل لا مقارنة بين نظام وضعي وبين نظام صادر عن علّام الغيوب, غير قابل للتناقض والاضطراب والخلل الذي ملئت به الأنظمة الوضعية؛ لنقص عقول البشر عن إدراك الأمور على حقيقتها.
٤- في التكافل الإسلامي يصل الفقير إلى ما يعطاه من المال دون أي منَّة لأحد عليه؛ إذ تعطيه الدولة القائمة من مصاريف بيت المال المشروعة له, وخصوصًا الزكاة التي تؤخذ من مال الأغنياء بطريقة عادلة تنفع الفقير ولا تضر الغني في ماله, قال ﷺ لمعاذ بن جبل بعد أمره ببيان الزكاة لأهل اليمن قال: "وإياك وكرائم أموالهم" ١.
وفي الوقت الذي يؤدي فيه الغني زكاة ماله يشعر برضى وسعادة؛ لأنه قدَّم نوعًا من أنواع العبادة, فلا يشعر بالحقد على الفقراء, ولا يشعر بأنها ضريبة دون مقابل تؤخذ جبرًا عنه, بل هو عمل نبيل يثاب عليه الثواب الجزيل، وكذلك الحال بالنسبة للفقير تجاه الغني؛ إذ يشعر بأنه له في مال الغني نصيب يصل إليه, بخلاف الأنظمة الوضعية التي خلت عن هذا المسلك الطيب, فقامت على الشَّرَه واستعباد الغني للفقير, وما ينشأ عن ذلك من الأحقاد والبغضاء بين جميعهم.
٥- الإسلام لم يكتف بفرض ذلك التكافل ضمن تشريعاته الإلزامي
стр. 559
منها, وإنما هو يخاطب ضمير الإنسان وصفة الكرم فيه وترغيبه في الأجر والثواب؛ لتشجيعه على فعل الخير تجاه الآخرين عن رضًى واقتناع, فيقنعه في داخل نفسه بأن المال كله ومالكه أيضًا هو ملك لله, وأن الله تعالى هو الذي يرزق ويخلف الخير بأفضل منه, والصدقة بعشر أمثالها ويضاعفها أضعفًا مضاعفة, فلهذا نجد أن المسلم يقدِّم ما يقدِّم من الخير وهو قرير العين لا يفكر في أخذ مقابل من أحد ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ ١.
وقد خلت الأنظمة الوضعية من هذه الصفات كلها.
المسألة الثانية: الاتفاقيات في العمل
الإسلام وهو يحث على العمل والضرب في الأرض يعتبر كذلك أكل الرجل من كسب يده من أشرف المكاسب, لم يترك الإسلام أمر العمل دون ضوابط بين العاملين وأصحاب العمل تضمن عدم النزاع وعدم انقطاع العمل دون الوصول إلى نهايته, لذلك نجد أن الإسلام يأمر قبل إبرام أيّ اتفاق في العمل رضا جميع الأطراف دون أي تدخل أو ضغط خارج عن رغبتهم في صفقة العمل المراد القيام به والاستفادة منه, وأن تكون المدة بين الأطراف كذلك محددة لا شبهة فيها, ولا تقبل التأويل, وإذا كان العمل يتطلَّب أن تقوم به جماعة أو فرد, فيجب أن تكون الأجرة معلومة ومتَّفق عليها, وهذه الضمانات كلها كي تنتظم الأمور ولا يحصل الضرر ولا الغرر, فينتج عن ذلك التراضي وجودة العمل ومراقبة الله
стр. 560
فيه, ولهذا فقد وجد أصحاب الأعمال على أختلاف دياناتهم أن المسلم الملتزم أتقى في عمله وأخلص في أداء واجباته, ولقد كانت أعمال المسلمين وأفعالهم بمثابة دعوة إلى الله تعالى في تعاملهم مع غيرهم, وأسلم الكثير من الناس بسبب تلك الأمانة والإتقان الذي اتصف بهما العامل المسلم، ومن المعلوم لدى جميع العقلاء أن الأجير يستحق أجرته عندما يتقن عمله ويسلمه لمن استأجره حسب الاتفاق بينهما في المدة والجودة والإتقان.
ولهذا فقد حذَّر الإسلام من عدم الوفاء للعامل بأجرة عمله, وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة, رجل أعطى بي ثُمَّ غدر, ورجل باع حرًّا فأكل منه, ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" ١.
كما حثَّ الإسلام الأجير أن يكون كريم النفس وفيًّا صاحب همة وخلق, فقد أخبر الله عن نبيه موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- أنه استأجره صاحبه ثماني حجج, فإن أتمَّ عشرًا فمن عنده, فوفَّى بذلك وزاد على الاتفاق, فوفَّى العشر كما يذكره أصحاب التفسير"٢.
كما يجب أن يكون صاحب العمل كذلك على خلق وأمانة, فلا يشق على عامله كما قال صاحب موسى له: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٣، وقد كان كذلك.
стр. 561
ولا يجوز التحايل لإسقاط أجرة العامل إلّا بعذر شرعي واضح, فلا يحق له أن يوقفه عن إتمام العمل إلّا إذا ترك العامل ذلك, أو اتضح أنه لا يحسنه ونحو ذلك, فعليه حينئذ أن يعطيه أجر عمله السابق, مراعيًا في ذلك قول المصطفى -صلى الله عليه سلم: "لا ضرر ولا ضرار" ١ لا على النفس ولا على الغير.
المسألة الثالثة: الكسب المشروع وغير المشروع
أولًا: الكسب المشروع
المسلم مأمور بالتكسُّب, ومأمور أن يسعى لذلك قدر استطاعته, وأن الكسب الطيب هو ما جاء في مقابل عمل وجهد جسمي أو فكري من قِبَلِ الشخص تجارة أو زراعة, أو صناعة تتطلب العمل الجسمي وحده, أو العمل الجسمي والفكري معًا. كما أنه يلتحق بالكسب الشخصي ما جاء عن طريق غير العمل أو الفكر مما يؤول إليه في النهاية كالإرث أو الوصية له والهبة, فإن هذه حتى وإن لم تكن من عمله الشخصي لكنَّها بعد صولها إليه تعتبر كسبًا وحلالًا مشروعًا ومباحًا له بنص كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ , بخلاف ما لو وصل إليها عن طريق غير شرعي؛ كالسرقة والغصب والنهب والغش.. إلخ, فإنها لا تعتبر مكاسب صحيحة شرعية؛ لعدم وجود ما يقابل هذا المال من الجهد الشخصي, وهو طريق لم يأمر به الله لسد الحاجات, بل حرَّمه وتوعَّد بالعقاب عليه, وجعله من
стр. 562
المكاسب الخبيثة, وملكه له ليس يحله له, ومن المكاسب المشروعة إحياء الأراضي الموات التي لم يسبق أحد إلى امتلاكها قبل المحيي لها؛ إذ تصبح ملكًا شرعيًّا له لورود النصوص بذلك, قال عمر ﵁: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"١، بل ويحقّ تملك الأرض المحتجرة إذا طال عليها الحال دون الاستفادة منها ففي بعض الروايات: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق"٢.
ويروى عن أبي حنيفة أنه اشترط إذن الحاكم منعًا للنزاع الذي ربما ينشأ بين المتنافسين لامتلاكها٣، وهو أمر واقع ملموس حينما يتسابق الناس لامتلاك أرض جديدة، والذي يظهر والله أعلم أن الأمر يحتاج إلى تفصيل, أي: إذن الحاكم أو عدم إذنه؛ بحيث ينظر فيه إلى حقيقة الحال من حيث حصول النزاع أو عدم حصوله, فإن لم يؤد الإحياء إلى النزاع فهو إحياء صحيح لا يتطلّب إذن الحاكم كما تفيده النصوص النبوية, وإن كان الإحياء يؤدي إلى النزاع والفتنة فإن ملكية الأرض تنتقل إلى الحاكم وهو الذي يتصرف فيها حسب المصلحة العامة من توزيعها أو حجرها لمصالح المسلمين؛ لأن الدولة هي المسئولة أمام الله عن توزيع الأموال العامة بما تعود مصلحته على الجماعة, بما فيهم القائمون على تلك المصالح.
стр. 563
ثانيًا: الكسب غير المشروع
الكسب من وراء السلطة:
يجب التنبيه هنا إلى أنَّ الإسلام ليس فيه تمايز بين الحاكم والمحكوم في حيازة الأموال إلّا عن طريقها الشرعي, فالكل محاسب ومؤتمن, حاكمًا أو محكومًا, ولهذا فقد حرَّم الإسلام استغلال السلطة والنفوذ ليحازة الأموال للمنفعة الشخصية, واعتبر هذا المسلك باطلًا, ويجب إرجاع تلك الأموال إلى بيت مال المسلمين العام؛ لأنه ليس من المكاسب المشروعة, وقد كان رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده لا يأخذون من الأموال إلّا ما يكفي حاجتهم, ويرجعون الباقي لصالح المسلمين، بل حرّم الرسول -صلى الله عليه سلم- أخذ الأموال بواسطة السلطة, حتى وإن كانت عن طريق الهدايا, كما قال في شأن الرجل الذي قال للرسول ﷺ بعد أن رجع من جباية الزكاة: "هذا لكم وهذا أهدي لي"، فقال ﷺ : "أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته" ١.
стр. 564
المسألة الرابعة: إيجاب الإسلام إخراج جزء من المال "فريضة الزكاة"
وفيها أمران:
الأمر الأول: مشروعية الزكاة
أوجب الإسلام إخرج جزء من المال لا يتضرر به صاحب المال, وفي نفس الوقت ينتفع به الفقير ويسد بعض حاجاته, ومن ذلك إخراج الزكاة, فهناك من الناس من لا يستطيع العمل, أو لا يتيسر له, فيعاني مشقَّة الفقر, بل وقد لا توجد له أسرة تساعده وتتنبه لحاله، فإن الإسلام كما هو معروف عنه يهدف إلى جعل المسلمين كلهم أسرة واحدة, ولهذا شرع فريضة الزكاة لمساعدة المحتاج ومن لا أسرة له تساعده, يأخذها الفقير وكأنها جزء من حقوقه, فلا يشعر بمنِّة المتصدق, ولا المتصدق يشعر بإسدائه يدًا عند أحد بعينه, وهي مورد من موارد الدولة التي تغطي بها حاجات الأفراد بحسبها, فهي طهارة للنفس ونماء للمال, وفائدة للمحتاج, ونوع من أنواع تصريف المال لخدمة المجتمع, "تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" ١، ولو طبقت هذه الفريضة بكل جد وإخلاص لما بقي لأعداء الإسلام منَّة على المسلمين في مساعدتهم بالأطباء بلا حدود "المنصرون", ولا للحاقدين على الإسلام الذين يتربَّصون به وبأهله الدوائر عن طريق زرع المشكلات الاقتصادية في كل الأقطار الإسلامية؛ لأن الفقراء حينئذ سيكون اعتمادهم بعد ربهم على ما في أيديهم من الموارد المتاحة لهم, وكذلك على ما يصلهم من إخوانهم الموسرين حتى يغنيهم الله من فضله.
стр. 565
وفريضة الزكاة هذه التي أوجبها الله في مال الأغنياء هي قدر معلوم يجب إخراجه عندما يصل المال إلى أن يحتمل إخراج الزكاة منه, ويكون قد حال عليه الحول وهو غير محتاج إليه لضرورة, وقد ذكر الله الزكاة في تسع وعشرين آية, وقد أخطأ بعض الناس وأطلق عليه تسمية ضريبة, ولا شك أن الفرق شاسع بين الضريبة وبين المال الذي يخرج من أجل الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة وعد الله عليها بالثواب بخلاف الضريبة فإنها تؤخذ كرهًا، وهذا المال الذي يؤخذ من الأغنياء يُرَدُّ على الفقراء والمساكين, وأصحاب الديون المعسرين, والعتق قديمًا, وأبناء السبيل, والقائمين على جباية الزكاة, يأخذها هؤلاء من بيت مال المسلمين بعد أن توضع فيه, ومن الطبيعي أنه وإن كان لا يحس صاحب المال بمنَّته على أحد, ولا يشعر الفقير بذل سؤال الغني, لكنها في نفس الوقت فيها حثٌّ للجميع على العمل والإنتاج, فما يأخذ الفقير إنما هو دفعة لينشط للكسب والعمل, لا لتكون مصدر عيشه دائمًا، وهي كذلك تجعل الغني يشعر بأنه قدَّم لإخوته المحتاجين ما ينفعهم, وقد بينت الشريعة تفاصيل هذا الجانب الهامّ من شعائر الإسلام, وفي الفقه الإسلامي تفاصيل لكل ما يحتاجه المسلم لمعرفة كل تفاصيل هذه العبادة, وقد جاء في القرآن الكريم التهديد الشديد لمن يكنزون الذهب والفضة الزائدة عن حاجتهم ولا يؤدون زكاتها بخلًا أو جحدًا لوجوب الزكاة, بينما النظم الجاهلية الرأسمالية لا ترى أيّ جرح في تكديس الأموال في يد شخص أو شركة مهما كان حال أولئك, فإن الرأسمالية لا تنظر إلّا إلى كيفية جمع المال بكل طريقة مشروعة, أو غير مشروعة, الحلال ما حلَّ في أيديهم, والحرام ما حرموا منه كما, أن إيجاب الزكاة في الأموال يلاحظ فيه أيضًا جانبًا آخر وهو ضمان عدم تكدس الأموال في فئة خاصة كي لا تطغى