← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ولا يجوز التحايل لإسقاط أجرة العامل إلّا بعذر شرعي واضح, فلا يحق له أن يوقفه عن إتمام العمل إلّا إذا ترك العامل ذلك, أو اتضح أنه لا يحسنه ونحو ذلك, فعليه حينئذ أن يعطيه أجر عمله السابق, مراعيًا في ذلك قول المصطفى -صلى الله عليه سلم: "لا ضرر ولا ضرار" ١ لا على النفس ولا على الغير. المسألة الثالثة: الكسب المشروع وغير المشروع أولًا: الكسب المشروع المسلم مأمور بالتكسُّب, ومأمور أن يسعى لذلك قدر استطاعته, وأن الكسب الطيب هو ما جاء في مقابل عمل وجهد جسمي أو فكري من قِبَلِ الشخص تجارة أو زراعة, أو صناعة تتطلب العمل الجسمي وحده, أو العمل الجسمي والفكري معًا. كما أنه يلتحق بالكسب الشخصي ما جاء عن طريق غير العمل أو الفكر مما يؤول إليه في النهاية كالإرث أو الوصية له والهبة, فإن هذه حتى وإن لم تكن من عمله الشخصي لكنَّها بعد صولها إليه تعتبر كسبًا وحلالًا مشروعًا ومباحًا له بنص كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ , بخلاف ما لو وصل إليها عن طريق غير شرعي؛ كالسرقة والغصب والنهب والغش.. إلخ, فإنها لا تعتبر مكاسب صحيحة شرعية؛ لعدم وجود ما يقابل هذا المال من الجهد الشخصي, وهو طريق لم يأمر به الله لسد الحاجات, بل حرَّمه وتوعَّد بالعقاب عليه, وجعله من

стр. 562

المكاسب الخبيثة, وملكه له ليس يحله له, ومن المكاسب المشروعة إحياء الأراضي الموات التي لم يسبق أحد إلى امتلاكها قبل المحيي لها؛ إذ تصبح ملكًا شرعيًّا له لورود النصوص بذلك, قال عمر ﵁: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"١، بل ويحقّ تملك الأرض المحتجرة إذا طال عليها الحال دون الاستفادة منها ففي بعض الروايات: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق"٢. ويروى عن أبي حنيفة أنه اشترط إذن الحاكم منعًا للنزاع الذي ربما ينشأ بين المتنافسين لامتلاكها٣، وهو أمر واقع ملموس حينما يتسابق الناس لامتلاك أرض جديدة، والذي يظهر والله أعلم أن الأمر يحتاج إلى تفصيل, أي: إذن الحاكم أو عدم إذنه؛ بحيث ينظر فيه إلى حقيقة الحال من حيث حصول النزاع أو عدم حصوله, فإن لم يؤد الإحياء إلى النزاع فهو إحياء صحيح لا يتطلّب إذن الحاكم كما تفيده النصوص النبوية, وإن كان الإحياء يؤدي إلى النزاع والفتنة فإن ملكية الأرض تنتقل إلى الحاكم وهو الذي يتصرف فيها حسب المصلحة العامة من توزيعها أو حجرها لمصالح المسلمين؛ لأن الدولة هي المسئولة أمام الله عن توزيع الأموال العامة بما تعود مصلحته على الجماعة, بما فيهم القائمون على تلك المصالح.

стр. 563

ثانيًا: الكسب غير المشروع الكسب من وراء السلطة: يجب التنبيه هنا إلى أنَّ الإسلام ليس فيه تمايز بين الحاكم والمحكوم في حيازة الأموال إلّا عن طريقها الشرعي, فالكل محاسب ومؤتمن, حاكمًا أو محكومًا, ولهذا فقد حرَّم الإسلام استغلال السلطة والنفوذ ليحازة الأموال للمنفعة الشخصية, واعتبر هذا المسلك باطلًا, ويجب إرجاع تلك الأموال إلى بيت مال المسلمين العام؛ لأنه ليس من المكاسب المشروعة, وقد كان رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده لا يأخذون من الأموال إلّا ما يكفي حاجتهم, ويرجعون الباقي لصالح المسلمين، بل حرّم الرسول -صلى الله عليه سلم- أخذ الأموال بواسطة السلطة, حتى وإن كانت عن طريق الهدايا, كما قال في شأن الرجل الذي قال للرسول ﷺ بعد أن رجع من جباية الزكاة: "هذا لكم وهذا أهدي لي"، فقال ﷺ : "أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته" ١.

стр. 564

المسألة الرابعة: إيجاب الإسلام إخراج جزء من المال "فريضة الزكاة" وفيها أمران: الأمر الأول: مشروعية الزكاة أوجب الإسلام إخرج جزء من المال لا يتضرر به صاحب المال, وفي نفس الوقت ينتفع به الفقير ويسد بعض حاجاته, ومن ذلك إخراج الزكاة, فهناك من الناس من لا يستطيع العمل, أو لا يتيسر له, فيعاني مشقَّة الفقر, بل وقد لا توجد له أسرة تساعده وتتنبه لحاله، فإن الإسلام كما هو معروف عنه يهدف إلى جعل المسلمين كلهم أسرة واحدة, ولهذا شرع فريضة الزكاة لمساعدة المحتاج ومن لا أسرة له تساعده, يأخذها الفقير وكأنها جزء من حقوقه, فلا يشعر بمنِّة المتصدق, ولا المتصدق يشعر بإسدائه يدًا عند أحد بعينه, وهي مورد من موارد الدولة التي تغطي بها حاجات الأفراد بحسبها, فهي طهارة للنفس ونماء للمال, وفائدة للمحتاج, ونوع من أنواع تصريف المال لخدمة المجتمع, "تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" ١، ولو طبقت هذه الفريضة بكل جد وإخلاص لما بقي لأعداء الإسلام منَّة على المسلمين في مساعدتهم بالأطباء بلا حدود "المنصرون", ولا للحاقدين على الإسلام الذين يتربَّصون به وبأهله الدوائر عن طريق زرع المشكلات الاقتصادية في كل الأقطار الإسلامية؛ لأن الفقراء حينئذ سيكون اعتمادهم بعد ربهم على ما في أيديهم من الموارد المتاحة لهم, وكذلك على ما يصلهم من إخوانهم الموسرين حتى يغنيهم الله من فضله.

стр. 565

وفريضة الزكاة هذه التي أوجبها الله في مال الأغنياء هي قدر معلوم يجب إخراجه عندما يصل المال إلى أن يحتمل إخراج الزكاة منه, ويكون قد حال عليه الحول وهو غير محتاج إليه لضرورة, وقد ذكر الله الزكاة في تسع وعشرين آية, وقد أخطأ بعض الناس وأطلق عليه تسمية ضريبة, ولا شك أن الفرق شاسع بين الضريبة وبين المال الذي يخرج من أجل الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة وعد الله عليها بالثواب بخلاف الضريبة فإنها تؤخذ كرهًا، وهذا المال الذي يؤخذ من الأغنياء يُرَدُّ على الفقراء والمساكين, وأصحاب الديون المعسرين, والعتق قديمًا, وأبناء السبيل, والقائمين على جباية الزكاة, يأخذها هؤلاء من بيت مال المسلمين بعد أن توضع فيه, ومن الطبيعي أنه وإن كان لا يحس صاحب المال بمنَّته على أحد, ولا يشعر الفقير بذل سؤال الغني, لكنها في نفس الوقت فيها حثٌّ للجميع على العمل والإنتاج, فما يأخذ الفقير إنما هو دفعة لينشط للكسب والعمل, لا لتكون مصدر عيشه دائمًا، وهي كذلك تجعل الغني يشعر بأنه قدَّم لإخوته المحتاجين ما ينفعهم, وقد بينت الشريعة تفاصيل هذا الجانب الهامّ من شعائر الإسلام, وفي الفقه الإسلامي تفاصيل لكل ما يحتاجه المسلم لمعرفة كل تفاصيل هذه العبادة, وقد جاء في القرآن الكريم التهديد الشديد لمن يكنزون الذهب والفضة الزائدة عن حاجتهم ولا يؤدون زكاتها بخلًا أو جحدًا لوجوب الزكاة, بينما النظم الجاهلية الرأسمالية لا ترى أيّ جرح في تكديس الأموال في يد شخص أو شركة مهما كان حال أولئك, فإن الرأسمالية لا تنظر إلّا إلى كيفية جمع المال بكل طريقة مشروعة, أو غير مشروعة, الحلال ما حلَّ في أيديهم, والحرام ما حرموا منه كما, أن إيجاب الزكاة في الأموال يلاحظ فيه أيضًا جانبًا آخر وهو ضمان عدم تكدس الأموال في فئة خاصة كي لا تطغى

стр. 566

فكانت الزكاة تنقيصًا ما من تلك الثروة الكبيرة لتسد حاجة آخرين ولا يتضرر بها الغني, وقد أراد الشيوعيون منع هذا الجانب -أي: تنقيص المال وعدم حصره في فئة- ولكنهم لم يوفَّقوا للحل العادل؛ إذ منعوا الناس من اكتساب الأموال فأفقروهم, بينما هيمن كبار الطبقات على كل الأموال, فأصبحت في يد الدولة، أما الإسلام فإنه ينظر إلى مصالح الجميع, فهو يبارك للغني أمواله, ولكن يأمره بأخراج بعضها عن طيب نفس منه, فلا يتضرر الغني ولا الفقير, وقد حرمت المذاهب الوضعية من الاهتداء إلى هذا الحل الطيب. الأمر الثاني: آثار الزكاة على النفس والمجتمع لا يجهل أي مسلم أن الزكاة ركن من أركان الإسلام, وأن لها آثارًا مشرقة على النفس والمجتمع, قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ١. وقال النبي ﷺ في حديث بعث معاذ إلى اليمن: " ... فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم, تؤخذ من أعنيائهم, وترد على فقرائهم ... " ٢. وقال ﷺ في حجة الوداع: "اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلون جنة ربكم" ٢.

стр. 567

وغير ذلك من الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في الحث عليها وبيان أهميتها في الإسلام, وقد أجمع المسلمون كلهم على فرضيتها وكُفْرِ منكر وجوبها, وأنها أحد أركان الإسلام التي ذكرت في حديث جبريل المشهور, وقد فرضها الله تعالى لحكمة يعلمها , نؤمن بذلك عرفنا الحكمة أو لم نعرفها, مع اليقين التامِّ أن فيها حِكَمًا إلهية عظيمة, وقد يبدو أنَّ من حكمتها وجود الحافز لتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد المسلمين, وفي تخفيف الكثير من المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها البشر في تسابقهم إلى الاستحواذ على المال وجمعه. كما أن للزكاة أثارًا نفسية عظيمة على المزكّي والآخذ معًا؛ فبالإضافة إلى أثارها التي سبقت الإشارة إليها فهي من الناحية الاقتصادية فيها حثٌّ لصاحب المال على زيادة الرغبة والنشاط لتنمية أمواله وسدّ ما حصل من نقص فيها بإخراج الزكاة, فهو يشعر من ناحية بهذا النقص, ومن ناحية أخرى بالسعادة لأدائه هذا الحق المفروض عليه, والرغبة في الثواب, فيجتمع له الأمل والعمل معًا, وفي الجانب المقابل يشعر الآخذ للزكاة أنه يجب عليه أن ينهض للعمل وأن لا يبقى دائمًا في انتظار وصول الزكاة, وهذا يحثّه على الاستفادة من مال الزكاة في الوجوه التي تعود عليه بالربح وتغنيه عن أخذ الزكاة, فإن المسلم يعلم يقينًا أن اليد العليا خير من اليد السفلى, فهو دائمًا يتشوّف إلى الاستغناء عن مد يده لأحد من الناس. ومن الآثار الظاهرة للزكاة أنها تهدف إلى أن يسير الناس كلهم متقاربين, فالفقير يأخذ حاجته التي تغني من في مثل حاله, والغني لا يتكدّس المال

стр. 568

في يده, فلا تنشأ طبقات بعضها في الثرى والأخرى في الثريا, كما هو حال الدول القائمة على النظم الوضعية الشَّرِهَة إلى المال؛ حيث يستعبد بعضهم بعضًا, وتنشأ بينهم أحقاد وحسد لا يعلم مداه إلّا الله؛ لشعور الفقراء بالإحباط التامّ واستعلاء الأغيناء عليهم, ويأسهم من الاستفادة مما في أيدي الأغنياء مهما كانت قلته, وهذه النزعة لا توجد في النظام الإسلامي للزكاة؛ إذ يشعر الفقير أنه سيصيب من مال الغني بأي طريقة كانت, وكأنه مشارك له, فتهدأ نفسه, وبالتالي لا ينظر إلى صاحب المال بأنّه عدو شرس مستكبر عليه, وإنما هو تفاوت لحكمة من الله تعالى, فتقرَّ نفسه, ويجد في قلبه حنانًا وشفقة تجاه أخيه صاحب المال, خصوصًا مع الإيمان والرضى بالقدر, فلا تجد إلّا القليل من يفكر في السرقة أو الغصب أو النهب؛ إذ ما دام ذلك المال سيأتيه جزء منه مع محافظته على سمعته واحترامه ودينه, فلا يجد ضرورة للتفكير السيء إلّا من طُبِعَ عليه الشر وهم قليلون بالنسبة لغيرهم, وإذا أردت الدليل فتأمَّل حال الدول الكافرة وما يحدث فيها من السرقات والنهب والغصب على مدار الساعة. وفي الزكاة كذلك تقوية خزينة الدولة الإسلامية وتنوع نفقاتها على المستحقين، وعلى تأليف قلوب الكثير من الناس, وقد ضمن الله الزيادة لمن أدّاها على وجهها الشرعي, وهي فوق ذلك كله نوع من أنواع العبادة التي تدلّ على صدق القائم بها, وعلى رغبته فيما عند الله؛ إذ لو شاء أن يحتال للانفلات من إخراجها لأمكنه ذلك بأية حيلة من الحيل التي يفعلها الكثير ممن ضعفت في قلبه مراقبة الله تعالى. وتخرج الزكاة لمن ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 569

الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وقد بيِّنَ فقهاء المسلمين كل تلك الأقسام والمقدار الذي يصرف لكلٍّ منهم, بما لا يتَّسع المقام لذكره هنا. وهناك موارد أخرى في الإسلام من غير الزكاة تصل بيت المال ويستفيد منها فقراء المسلمين, وتلك الموارد هي ما يحتويها بيت مال المسلمين من غير دخل الزكاة, وهي موارد كثيرة تنمّي خزينة الدولة؛ كي تتمكَّن من الوفاء بحاجات المواطنين المختلفة, ومدّ يد المساعدة للمحتاجين منهم, ومن تلك الموارد خيرات الأرض من معادنَ على اختلاف أصنافها, كذا جباية أوقاف الدولة العامة, وما تملكه عن طريق الغنائم في حال الحرب والفيء, وما تفرضه من ضرائب في بعض المصالح, وما تخصصه من محميّات للصالح العام, وغير ذلك من المرافق العامّة التي تختص بالإشراف عليها الدولة, والتي هي مسئولية أمام الله تعالى عن كل ذلك. المسألة الخامسة: الضرب في الأرض وطلب الكسب ويشمل طرق كل وسيلة لإيجاد العمل والكسب الحلال الذي ينتج عن جهد وعمل وكد الشخص بجسمه وفكره امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا

стр. 570

وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ٣. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في كتاب الله التي تحثّ على العمل وابتغاء طرق الرزق من أبوابه المشروعة, فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁ للمتواكلين: "لقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة"٤. وللضرب في الأرض طرق كثيرة، مثل طلب الرزق عن طريق التجارة والبيع والشراء, أو استصلاح الأراضي للرزاعة, أو الأعمال التي يقوم بها الشخص لخدمة الغير, أو مزاولة الأعمال اليدوية المختلفة من صناعة وخياطة ونجارة وسباكة وأعمال كهربائية, وغير ذلك من الأعمال والحرف اليديوية الكثيرة, ولقد كان النبي ﷺ والصحابة والتابعون لهم بإحسان لا يأكلون إلّا من كدهم، فقد رعَى النبي ﷺ لأهل مكة على قراريط, وكان يأكل من كسبه في الجهاد, والصحابة كانوا يستقبلون المهاجرين منهم, فيقول أحدهم لصحابه: أعطيك كذا, أعطيك كذا, أعطك كذا, فيقول له: بارك الله لك في أهلك

стр. 571

ومالك, دُلَّني على السوق١، وكان النبي ﷺ يرشد من يسأل الناس إلى أن يتوجه إلى العمل ولو بالاحتطاب, فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأال، فسأله النبي ﷺ عمَّا إذا كان يملك شيئًا, فأخبره السائل أنه لا يملك إلّا قدحًا يشربون به, قال له النبي ﷺ جئني به, فلمَّا جاء به رفعه الرسول ﷺ وقال: "من يشتري هذا" فوصلت قيمته درهمين, فباعه وأعطي الرجل درهمًا, وأمره أن يصلح به شأن بيته, وأمره أن يأخذ الدرهم الآخر ويشتري به فأسًا فيحتطب به ويبيعه, ففعل الرجل ذلك فأغناه الله, فأخبره الرسول ﷺ أنّ ذلك خير له من أن يتكفَّف الناس أعطوه أو منعوه٢، وأخبر النبي ﷺ أصحابه أن اليد العليا خير من اليد السفلى٢، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف٤. وهو تنبيه من الرسول ﷺ للمسلم أن لا يذل نفسه لسؤال الناس والركون إليهم والإخلاد إلى الكسل والخمول, وتفويت المجتمع خدمته, والاستفادة منه كعضو عامل في بناء الحياة السعيدة, والإسهام في التكافل الاقتصادي, ولهذا يقول الناس في أمثالهم: "لا تغديني سمكًا ولكن علمني كيف أصطاده", فالعمل والاحتيال لطلب الرزق أمر مشروع, وتركهما هو الطريق المذموم الذي يؤدي إلى زيادة الفقر وارتفاع نسبة البطالة في المجتمع الذي يتصف بهما.

стр. 572

ويلحق بالاحتطاب كل عمل فيه جهد شخصي للحصول على أي نفع يسد به حاجته؛ كطلب الصيد وبيع الأعلاف والساقية ورعي البهائم للناس بأجرة أو الحراسة لهم, وغير ذلك من وسائل طلب الرزق التي لا يكاد تحصى, والتي لا تتطلّب من الشخص غير التفكير السليم والعزم بصدق والتوكل على الله , والابتعاد عن المكاسب المنهيّ عنها؛ كالربا بجميع أنواعه, والغش بجميع أنواعه, وغيرها من المكاسب التي حرَّمها الله, والتي هي في حقيقتها ليست مكاسب, وإنما هي خسارات ظهرت في شكل مكاسب يغتَرّ بها ضعاف النفوس. وكان الكثير من علماء هذه الأمة وأسلافهم يعملون في شتّى الحرف يطلبون العلم ويؤلّفون, فأفادوا الناس في دينهم ودنياهم, وأفادوا أنفسهم ومجتمعاتهم, وكان الكثير منهم تأتيه الصدقة فيردّها لصحابها ويقول: أعطها من هو أفقر مني, وكان أحدهم يأكل من عمل يده, ولهذا كان يقال لبعضهم وراقًا وبزازًا وزجاجًا وخرازًا وجصاصًا وخواصًا وخياطًا, وغير ذلك من الألقاب التي اقترنت بالمهن التي كانوا يزاولونها, ويجدون فيها رغم متاعبها متعة وراحة عن استجداء الناس, وكان التوكل عندهم هو العمل والجد, حتى إذا انحرفت فطر الناس وتغيَّرت المفاهيم, وحلّت الخزعبلات في عقول بعض من ينتسب إلى الدين, أصبح التواكل بدل التوكل, والشعوذة بدل العمل, والكسل والخمول زهدًا, والاتكال على الناس أمرًا سائغًا, فتفشَّى الفقر وانتشرت البطالة. والذي نهدف إليه من هذا البحث هو أنّ الضرب في الأرض لطلب

стр. 573

الرزق, وإعمار الأرض بالعلم والعمل هو أحد الأهداف التي يحثّ عليها الإسلام لكفاية المجتمع ورفع أحواله الاقتصادية, ولهذا فقد حرَّم الإسلام أي كسب غير شرعي, فحرَّم السرقة والغصب والنهب والاحتيال ... إلخ. وحث على التنافس، وفي الإسلام ليس العمل الفردي هو المسلك الوحيد لرفع الاقتصاد, فالإسلام يجعل على الدولة النصيب الأكبر في تشغيل رعاياها, وإيجاد الفرص المناسبة للاستفادة منهم في أشغالها كلٌّ حسب طاقته واتجاهه, والقائم على شئونهم هو المسئول الأول عن كل خلل يحصل في النواحي الاقتصادية للدولة, وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان يتململ على فراشه ويقول: "والذي بعث محمدًا بالحق, لو أن جملًا هلك ضياعًا بشط الفرات لخشيت أن يسأل عنه آل الخطاب" يعني: نفسه -رضي الله عنه١. ولهذا انتعشت أحوال المسلمين حينما كان التوجه صادقًا من قِبَلِ الحكام والمحكومين, ويذكر المؤرخون أنه مرَّت فترات بالمسملين كان يمشي أحدهم بصدقته في أفريقيا وغيرها, فلا يجد من يأخذها, وتولى عمر ﵁ القضاء في خلافة أبي بكر فمكث سنة لم يتحاكم إليه أحد٢. وهي شواهد على ما وصل إليه المسلمون من الجدّ والتناصح والإيثار, ووقوف كل شخص في المكان الذي يستطيع فيه نفع نفسه ونفع غيره.

стр. 574

المسألة السادسة: الصدقات فالصدقات نوع من أنواع التكافل, ومظهر أخلاقي رفيع, وتعويد للنفس على الكرم ومحاسن الأخلاق, وهي سد لجانب من جوانب الحاجة للغير, وينبغي للمسلم أن يتصدَّق بأي شيء مهما كانت قلته, فإن الجود أن تجود بالموجود, وعلى الآخِذِ أن لا يزدريها, بل يدعو للمتصدق, فإن في هذا تطييبًا لنفسه وتشجيعًا له على البذل, ويحصل عكس هذا فيما لو أظهر الازدراء لها, ولهذا فإن كثيرًا من الناس يمنعه الحياء أن يتصدق بالقليل؛ لعدم استطاعته التصدق بالكثير, فيفوت على نفسه هذه الصفة الطيبة، قال المتنبي: أورق بخير ترجي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود وقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتصدق أحدهم حسب ما يجده, مهما كان قليلًا, وكان المنافقون يهزأون ممن يأتي بالقليل, فأنزل الله تعالى توبيخًا لهم واستحسانًا لما يفعله أولئك الأبرار, قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. وقال تعالى في شأن الصدقات: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.

стр. 575

وفي السنة النبوية أحاديث عن المصطفى ﷺ يحثّ فيها على الصدقة بأي شيء كان, حتى وإن كانت تلك الصدقة هي الكلمة الطيبة, قال ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة, فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" ١. وهذا فضل من الله تعالى وفتح لأبواب الخير أن تكون أبواب الصدقة بهذه السعة؛ حيث رغَّب الله تعالى فيها وجعلها على قدر الاستطاعة, وأخبر عن مضاعفة تلك الصدقات, وما لها من النتائج الطيبة على المتصدق وعلى المتصدَّق عليه وعلى المال, وتلك الموارد وغيرها إذا توفّرت فلا بُدَّ أن تسد حاجة وتدر نفعًا على قسم من المجتمع إلى حين يغنيهم الله من فضله؛ إذ الإسلام لا يقر الشخص على أن يصبح عالة على غيره, بل عليه أن يعمل ويكدح, فقد يباشر السبب البسيط الذي يجر وراءه المال الوفير, ولا ينبغي للمسلم أن ينظر إلى الصدقات إلّا على أنها في حال ضرورة ملحّة, لا أنها مورد يجب أن يركن إليه دائمًا، فالمؤمن يجب أن يبقى عزيز النفس متعففًا عمَّا في أيدي الناس, وأنَّ عمله شرف له ونفع لغيره من أفراد المجتمع؛ ليحصل التكاتف وعمران الأرض والانتفاع بما أودعه الله تعالى فيها من موارد الرزق العديدة٢. وقد أولى الإسلام جانب الإنفاق في سبيل الله تعالى اهتمامًا ورعاية فائقة, ورتَّب عليه الأجر المضاعف والثواب الجزيل, ولقد تسابق الصاحبة -رضوان الله عليهم- ومن جاء بعدهم إلى امتثال الأمر, فكانوا ينفقون أموالهم

стр. 576

بكل سخاء في مختلف أوجه الخير, فساد التراحم بينهم, واختفت صور العنف التي كانت تشاهد في المجتمعات الجاهلية الجشعة, ولم يفرض الله تعالى على الشخص في باب الهبات والصدقات -غير الزكاة- أي: إلزام, وإنما ترك الأمر لضمير المستطيع, ورغبته في اكتساب الثواب والثناء الحسن عند الله وعند الناس. ومعلوم أن الإنسان بصفة عامة شحيح على المال, فإذا لم يكن وراء بذله لماله دافع قوي يرغّبه في ذلك, فإنه لا يمكن أن يسارع إلى ذلك, هذا هو الفارق بين المحسنين في الإسلام وملاك الأموال من غير المسلمين. فإن غير المسلمين لا يمكن أن يبذل أحدهم أيّ مال مهما كانت قلته إلّا أن يكون له هدف إلى مقابل دنيوي, أو يكون في سبيل شهواته ومتعه الدنيوية؛ لأنه لا يؤمن بأنه وراء دفعه لماله الثواب الذي هو خير من المال, فلا يجد حافزًا يدفعه إلى الإنفاق, كما هو الحال عند المسلم الموقن بذلك. المسألة السابعة: الوقف ومجال التكافل في الإسلام واسع جدًّا؛ إذ يشتمل على الترغيب في جميع أنواع الخير, ومنه الصدقات الجارية كالوقف, وهو عمل خيري إذا كان مما تحصل به فائدة من مساكن أو أراضي زراعية أو حفر آبار ماء, أو أي شيء مما تسد به الحاجة, وصفته أن يحبس الأصل فلا يباع ولا يوهب ولا يرهن ولا يشمله الانتقال بالإرث بعد وفاة الواقف, ولا يباح الانتفاع به إلّا فيما أوقف من أجله.

стр. 577

وفي الترغيب في الوقف يقول ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ١. ولقد كان السلف السابقون يهتمّون بهذا الجانب رغبةً في ما عند الله, ولقد أسهمت الأوقاف في سد حاجات كثيرة، وأفاد منها المحتاجون, وكانت عاملًا قويًّا في دلالته على التكافل الحقيقي بين المسلمين, وهو من الخصائص التي تميِّز بها الإسلام, ونظَّمها وبيِّنَ طرقها, ويلاحظ أن الإسلام وهو يبيح الوقف ويرغِّب فيه ضمانًا, فإنه لا يبيح الوقف الذي ينتج من ورائه إلحاق الضرر بالورثة؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار, بل قال ﷺ لسعد: "لئن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكفَّفون الناس" ٢، فلا يعمد الشخص لوقف أمواله إلّا إذا لم يكن فيها مضرَّة على الورثة, أو لم يكن له ورثة أصلًا. المسألة الثامنة: الميراث - تحليل الميراث لمن يستحقه: يعتبر الإسلام أي مصدر فيه فائدة وسدٌّ لحاجة الناس, وجاء عن طريق مشروع, يعتبره الإسلام مصدر خير وطريقًا مستقيمًا, فلا تتوقف مصادر الرزق على عمل الشخص وجهده فقط, بل هناك مصادر أخرى قد لا تكون

стр. 578

من عمل الشخص تصبح جزءًا من ماله؛ كالميراث الذي آل إلى الوارث بعد موت مورثه. فالميراث هو أحد قسمة الأموال وتوزيعها العادل بين أكثر من شخص؛ لتعميم الاستفادة والإسهام في توزيع الموارد لقضاء الحاجات بين مستحقيها, ومن ناحية أخرى لئلّا يبقى المال حجرًا على فئة دون فئة من المستحقين ذكورًا أو إناثًا. كما أن الإسلام نظر إلى جانب آخر فنظَّمه, وهو حالة ما إذا كان المتوفى صاحب مال, ولكنه يريد حرمان بعض الورثة أو كلهم, أو أن يجعل ماله من بعده لشخص, أو حيوان, فهل له مطلق التصرف في ذلك. أما بالنسبة للإسلام: فإنه يمنعه من هذا التصرف الظالم؛ إذ لا بُدَّ من القسمة العادلة بين الورثة, حتى ولو أراد المالك أن يخصّ أحدًا منهم بزيادة فإنها لا تصح، والوارثون في الإسلام طبقات, الأقرب فالأقرب إلى الميت في تنظيم بديع بينته كتب الفقه الإسلامي أتَمَّ بيان, وأما في المذاهب الوضعية القائمة على الأفكار البشرية القاصرة, فإن نظام التوريث قائم على تناقضات وغبن, فلو أراد صاحب المال أن يوصي بالمال كله لكلبه لصحَّ ذلك كما نسمعه من أخبارهم وقد سمعناه, وقرأنا أن بعضهم يوصي بفندق لكلبه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.

стр. 579

فالإسلام ينظر إلى تحقيق عدة مصالح في مال المتوفى؛ فمن ناحية لا يريد أن ينتقل المال كله وكما هو إلى فرد بعينه دون الآخرين, ومن ناحية أخرى أن يستفيد أكثر من واحد منه, ممن يمتُّ إلى الميت بسبب من أسباب القرابة, ممن يحق له الإرث شرعًا, ممن ذكرتهم الشريعة الإسلامية, كما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ١، وقد توعَّد الله بالعذاب كل من يتعدَّى الحدود التي فرضها في الميراث, كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.

стр. 580

وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية وفي كلام علماء الفقه الإسلامي بيان كل ما يتعلّق بنظام الإرث الشامل لكل مَنْ يستحقه من ذكور أو إناث صغارًا كانوا أم كبارًا, مع الالتفات إلى الميت صاحب المال نفسه إذا جعل له حدًّا في التصرف بماله, وفي ما يوصي به إن أراد الوصية, خلافًا لأنظمة الجاهلية التي لا تعير هذا الجانب أيّ اهتمام؛ كالاشتراكية التي تعترف بحق الإرث مهما كان, أو الرأسمالية التي لا تعترف به بأي وجه من وجوه الإرث من مال الغير١، الأولى نتيجة لمصادرتها جميع حقوق الناس, والثانية لشرهها في حب المال والتنافس في جمعه, وكما هو حاصل مع الأسف في بعض المجتمعات الإسلامية الجاهلة التي لا ترى إرث المرأة من مال أبيها, وهو ظلم فاحش بسبب الأنفة والعصبية الجاهلية. والغرض من ذكر الإرث هنا هو بيان أن الميراث هو مصدر كأحد المصادر التي تمثّل جانبًا في سد الحاجة كغيره من سائر الموراد التي أتاحها الإسلام لأتباعه, وقد قال النبي ﷺ : "لئن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس" ٢. المسألة التاسعة: الوصية وكذا مشروعية الوصية من المال الثلث فأقل لتوزيعها في جهات خيرية من أقرباء أو غيرهم, كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 581

حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ١، وهذه الوصية تكون لغير الوراثين كما قال ﷺ : "لا وصية لوارث" ٢، إذ الغرض منها هو تعميم المال على أكبر قدر ممكن من الناس, حتى وإن بعدوا عن نسب الميت, وكانت هذه الوصية لغير الوارث الحقيقي معمولًا بها وواجبة التنفيذ, وقد نسخ وجوبها فهي مستحبَّة, وفيها إيصال خير الشخص المتوفى إلى من لا يرثه شرعًا بعد وفاته من أقربائه أو غيرهم فيدعون له, ويذكرونه بالثناء والترحم, ويكون قدوة في هذا العمل الخيري ومشجعًا لغيره عليه, فهذه الوصية خير نَدَبَ إليها الإسلام ورغَّب فيها, بخلاف ما لو وصَّى بمحرَّم, فإن وصيته باطلة وعليه الإثم كمن يوصي بإقامة حفلات الطرب, وبناء مساكن الدعارة, ونحو ذلك من المحرَّمات, وكذلك الوصايا الخرافية، كمن يوصي بماله أن يبنى منه قبَّة على قبره, أو على قبر غيره, أو ينحت له تمثالًا, أو توقد على قبره الشموع، أو الوصية للقراء على قبره بمال عند كل ختم للقرآن, أو الوصية بماله لحيّان من الحيوانات, وغير ذلك, التي لا تعود بالنفع على المحتاجين أو أجر لصاحبها فيها. وأمر جل وعلا بالتعاون والتكافل على وجوه الخير, وحرَّم التعاون على الإثم والعدوان, كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣.

стр. 582

المسألة العاشرة: الحث على الإيثار ومن التكافل في الإسلام أيضًا الحث على خلق الإيثار الذي حثَّ عليه الله تعالى في كتابه الكريم, ومدح القائمين به, كما قال تعالى في مدح الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. ولقد ضرب رسول الله ﷺ والأنصار والمهاجرون أروع الأمثال التي لا نظير لها في التاريخ البشري من الإيثار في ساعة العسرة وعند الشدائد٢، والبدء بسد حاجة المحتاج, وتقديمه على النفس، وقد سطروا أروع الأمثلة في الإيثار, ويكيفيهم مدح رب العالمين لهم. المسألة الحادية عشرة: الهدايا والهبات ومن التكافل أيضًا الهديا والهبات، وهي من الأخلاق الرفيعة التي دعا إليها الإسلام, كما قال ﷺ : "تهادوا تحابوا" ٣. وكان النبي ﷺ يهدي ويهدى إليه, ويقبل الهدية, ويرفض الصدقة, وللهدايا

стр. 583

والهبات فوائد اجتماعية وسلوكية عديدة, وحرَّم الإسلام الرجوع في الهدية, واعتبر العائد فيها كالكلب الذي يقي ثم يأكل قيئه, قال رسول الله ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" ١، تنفيرًا عن الرجوع فيهما؛ لأنَّ الرجوع فيهما يبعث على الحقد والعداوة الشديدة؛ ولأن المقصود بها التكرمة ورفع الحاجة عن مَنْ كان محتاجًا إليهما, فالعودة فيهما إخلال بهذا المسلك, وعدم التكافل المطلوب, إضافة إلى ما يجده المهديّ إليه من إنكسار قلبه عند رد الهدية, والوحشة التي تحصل عنده من المهدي, وفي الغالب أن الهدايا قد تكون لأشخاص لا تربطهم بالمهدي إلّا الصداقة, ولا يكونون مِمَّن تلزمه نفقته والقيام بمصالحه, والحديث يذم كل من عاد في هبته لأي شخص تُقَدَّم له الهدية, سواء أكان قريبًا أو بعيدًا, والله أعلم. ولا يجوز أن تشتمل الهبة على مضرّة الآخرين أو مُحَرَّم وكذلك الهدية. المسألة الثانية عشرة: التكافل الأسري ومن الإرشادات الاقتصادية في الإسلام التكافل الأسري, فمن الأمور المعلومة أن المذاهب الوضعية لا تنظر إلى تلاحم الأسر خصوصًا الشيوعية, أما الإسلام فإنه يحرص أشد الحرص على تماسك الأسرة فيما بينهم , وإشاعة العطف بين كل أفرادها, ويدعوهم إلى أن يكمل بعضهم بعضًا بأن يعطف الغني على الفقير, وأن لا ينسوا الفضل بينهم, وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يكمل بعضه بعضًا ويشده, وقد رغَّب في الصدقة على المحتاج

стр. 584

القريب, وأن أهل البيت أولى بالصدقة, وخصوصًا ما يتعلق منها بصلة الرحم, فحقها أوجب وآكد, وقد جاء في كتاب الله تعالى في بيان هذا الجانب قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ٢، ووردت في السنة النبوية نصوص كثيرة في الحثّ على ذلك, قال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه" ٣، وقد أكد الإسلام حقَّ الرحم وشدَّد عليه, وأن حقَّ الرحم يصل إلى حد أن الله يصل من يصلها, ويقطع من يقطعه, فقد ورد في الحديث: "إنها تعلقت بساق العرش وقالت يا رب: هذا مقام العائذ بك من القطيعة, فقال لها: ألا ترضين أن أصل من وصلك, وأقطع من قطعك، قالت: رضيت، قال: فذلك لك" ٤، ولا شكَّ أن أي مجتمع يحقق هذا التكافل سيكون مجتمعًا سعيدًا لا يشعر فيه الفقير بذل الحاجة ولا الغني بمنَّة العطاء. هذا وللتكافل الأسري طرق كثيرة حسب ما يتيسر لهم, فإمّا أن يكونوا

стр. 585

شركة فيما بينهم, في شكل تجارة أو وقف أو مال مدَّخر يدفع كل فرد منهم قسطًا حسب طاقته, ثم ينمَّى هذا المال قليلًا قليلًا إلى أن يصبح مبلغًا يستطعيون من خلاله مساعدة بعضهم بعضًا, كل بقدر حاجته الضرورية, وتكون تلك المبالغ بيد أمين منهم يختارونه كلهم, له خبرة بالتصرّف في تنمية المال من وجوهه الشرعية, وعليهم ان يتقبَّلوا هذا المسلك ولا يسأمون, وأن يتذكَّروا ما يأتي به من فوائد فيما بعد من تأليف قلوبهم وشدة تمساكهم ورفع الحاجة عنهم مهما كان ضئيلًا في البداية, وهذا وجه جيد من وجوه حلّ المعضلات الاقتصادية لو طبِّق بصبر وأناة. ومن التكافل الأسري أن تجمع الأسرة من كل فرد منهم مبلغًا من المال, ثم يعطون المحتاج منهم إمّا صدقة أو دينًا, وهذا بدوره عليه أن يحسن التصرّف في ذلك المال فلا يضيعه فيما لا يعود عليه بالفائدة, فيصبح عالة على أسرته وغيرهم, أو يعطون الفقير منهم أمتعة يبيعها إمَّا بأخذه أجرته منها, وإما بغير ذلك من طرق الكسب. وأبرز مظاهر التكافل الأسري كفالة الزوج لأسرته وزوجته أو زوجاته وأولاده ذكورًا أم إناثًا، فللزوجات النفقة ما داموا عاجزين عن التكسُّب, وما داموا تحت رعاية أبيهم, ونفقة الرجل على أسرته تكون حسب مقدرته, فلا يجوز الإسراف ولا التقتير, قال ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدق عليها, فإن فضل شيء فأهلك ... " الحديث٢.

стр. 586

وهذا التكافل لا شَكَّ أن فيه إسهامًا لدفع حاجة المجتمع؛ إذ لو قام كل شخص بكفالة أسرته خير قيام لقلَّ عدد المعوزين والعاطلين, ولو تعدَّى الحال إلى كفالة كل قريب موسِر لأقربائه المحتاجين من غير الورثة؛ لكان في هذا العمل إسهامًا مباركًا في سعادة المجتمع ودفع الفاقة عنهم. وفي كتب الفقه إيضاحات كافية لقضية النفقات, فلترجع إليها إن أحببت التفاصيل, وقد قيل في الأمثال: "لو كنس كل شخص أمام باب داره لأصبح الشارع كله نظيفًا". المسألة الثالثة عشرة: ومنها موارد أخرى متنوعة وهذه الموارد قد تبدو قليلة ولكنها تشكل بمجموعها روافد أخرى في سد حاجة الفقراء, اهتمَّ الإسلام ببيانها: ١- مثل زكاة الفطر بعد نهاية صوم شهر رمضان. ٢- توزيع لحوم الأضاحي على المحتاجين. ٣- توزيع ما لا يحتاجه الموسرون من الأمتعة التي يستغنون عنها, وهي في نفس الوقت تصلح للمحتاجين؛ من ثياب وآنية وغيرها من الأمتعة المختلفة. ٤- ومنها إطعام مسكين في كل يوم في حق الرجل أو المرأة الكبيرين, أو المريض الذي لا يرجى برؤه إذا عجزوا عن الصوم في نهار مضان, ويلحق بهم أيضًا الحامل والمرضع إذا خافاتا على نفسيهما أو ولديهما كما يرى بعض الفقهاء.

стр. 587

٥- ومنها توزيع لحوم الهدي من قِبَلِ الحاج أو المعتمر, إبلًا كانت أو بقرًا أو غنمًا, عندما يرتكب محظورًا من محضورات الإحرام, أو في حال تمتعه في الحج أوقرانه, فإنه يقدّم هديًا بالغ الكعبة١. ٦- ومنها ما رغَّب فيه الشارع وأوكله إلى ضمير الشخص من التصدّق على المحتاجين الذين يحضرون وقت حصاد الثمار تطييبًا لأنفسهم وسدًّا لحاجتهم, كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٢. ٧- ومنها سائر الكفَّارات التي جعلها الله من ناحية عقوبة للمخالف وتطهيرًا له, ومن ناحية أخرى فائدة للمحتاجين وإسهامًا في نشر الحياة السعيدة بينهم, وتشمل تلك الكفارات: كفارة الإيمان، وكفارة الإفطار في نهار شهر رمضان عامًدا، وكفارة الظهار من الزوجة، وكفارة القتل الخطأ، وكفارة قتل المحرم الصيد في حال إحرامه عمدًا.

стр. 588

١- أما كفارة الأيمان: فقد قدَّر الله فيها إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة, فإن لم يستطع الحالف ما تقدَّم فإن عليه صيام ثلاثة أيام, على أنَّ المؤمن مطالب بحفظ لسانه من الحلف, وورد النهي الشديد عن الحلف الذي قد يؤدي إلى الحنث, فيلحقه الإثم, قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١, وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ٢. وورد في السنة النبوية الوعيد الشديد لمن يحلف على سلعته ليبيعها, وفي اليمين الغموس، وكثرة الحلف يؤدي إلى الاستهانة بحق الله والتعوّد على الكذب، وفي مقدار كفارة اليمين يقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣. ويُخَيِّر من حنث في يمينه بين هذه الثلاثة من الأمور السابقة, فإن لم يتمكَّن ينتقل الحكم إلى الصوم لتطهير نفسه، وفي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فائدة للمحتاجين, وإسهام في إشاعة التكافل وسد الحاجات, وفي

стр. 589

تحرير الرقبة دعوة إلى الترغيب في إشاعة الحرية التي تؤهل الشخص لتحمّل كافّة أعباء الحياة, والإسهام في بناء التكافل العام بين كل أفراد المسلمين في مستوى واحد, وفي الترغيب أو فرض تحرير الرقبة في بعض الأمور دليل صريح في أن الإسلام قد نادى بالغاء الرق قبل أن يظهر المتشدقون من دعاة الحرية العصرية، مع أن حال الرقيق في الإسلام يختلف كما بين المشرق والمغرب عن حاله في العالم الجاهلي, وقد عرفت سابقًا ما كان معمولًا به في أوربا وغيرها زمن الإقطاع, وسيطرة البابوات في الوقت الذي كان الإسلام يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٢، وقوله ﷺ : "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى" ٣، وقوله ﷺ : "كلكم لآدم وآدم من تراب" ٤ ... إلى آخر النصوص الكثيرة. ٢- كفَّارة الإفطار: وأما كفَّارة الإفطار في شهر رمضان نهارًا, وبالجماع عمدًا, ففيها الإطعام لستين مسكينًا لمن لم يجد عتق رقبة, أولم يستطع صوم شهرين متتابعين, ولا شكَّ أن إطعام ستين مسكينًا فيها مواساة وتكافل بين أفراد

стр. 590

المجتمع المسلم, وفيها نفع للفقراء والمحتاجين, فلو افترضنا أن هذه الكفّارة وجبت على عشرة من الناس لكان مجموعها إطعام ستمائة شخص, وهو أمر ظاهر في التكافل الاجتماعي, ومعلوم أن كفارة الجماع في نهار رمضان ليست على التخيير, وإنما هي على الترتيب: عتق رقبة، فصوم, فإطعام، وقد ورد الحديث ببيان ذلك كله "فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله, قال ﷺ : "وما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان, قال ﷺ : "هل تجد ما تعتق رقبة"؟ قال: لا, قال ﷺ : "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ , قال: لا, قال ﷺ : "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا"؟ قال: لا, قال: ثم جلس فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر, قال: "تصدَّق بهذا" , قال: فهل على أفقر منَّا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا, فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه, وقال ﷺ : "اذهب فأطمعه أهلك" ١، وقد اشتملت عقوبة هذه الفعلة على نفع الغير ونفع النفس أيضًا. ٣- كفَّارة الظهار: وأمَّا كفارة الظهار، وهي قول الزوج لزوجته أنها عليه كظهر أمه -أي: في التحريم- كنايةً عن تحريم ما أحلَّه الله تعالى، ففيها إطعام ستين مسكينًا لمن لم يستطيع تحرير رقبة مؤمنة ولم يستطع صيام شهرين متتابعين, وكما قدمنا في كفارة الجماع في نهار رمضان يقال مثله في كفارة هذه الخطيئة.

стр. 591

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. ٤- وأما كفَّارة القتل الخطأ: ففيه الدية؛ حيث تسلَّم إلى أهل الميت إذا طلبوها فتصبح ملكًا لهم يتصرَّفون فيها كما يشاءون وينتفعون بها, قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٢. ٥- وأمَّا كفَّارة قتل المحرم للصيد عمدًا: فهو بالإضافة إلى أنه نوع من إظهار الأمن العام لكل المخلوقات من قبل المحرم, وهو أيضًا نوع من الإحسان إلى الفقراء وسدًّا لحاجتهم بما يصلهم من لحوم الكفارات, أو من الإطعام لهم, وهذا إسهام في سد حاجة

стр. 592

الفقراء يصلهم من مال الأغنياء الذين قد لا يتأثَّرون بما يقدمونه, بينما هو في نفس الوقت فيه نفع لأصحاب الحاجات, ومن هنا فإنه لا يجوز للشخص أن يستهين ولو بالشيء القليل من الطعام أو غيره, فإنَّ هذا القليل قد يكون كثيرًا في نظر آخر محتاج. ٦- النذور: ومن الوسائل الأخرى التي تعزّز التكافل الاجتماعي بين أفراد المسلمين النذور التي يجب الوفاء بها بعد إيجابها من ذبائح أو أطعمة أو كسوة أو سكن, أو غير ذلك من الوجوه التي تعود بالنفع على المحتاجين, وتسد جانبًا من حوائجهم, قال تعالى في مدح الذين يوفون بنذرهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ١. ولا يرد على هذا أن النذر غير مرغب فيه أنه إنما يستخرج به من البخيل؛ إذ أنه بعد إيجاب الشخص على نفسه ذلك يجب الوفاء به حتى وإن كان من الأمور غير المرغب فيها في الأصل, ولم يمدح الله الموفين به إلّا وفيه أجر وثواب, وأنه يجب الوفاء به إذا كان نذر طاعة مشروعة. ٧- إكرام الضيف: ومنها ما شرعه الإسلام من وجوب إكرام الضيف ودفع الحاجة عنه حينما يكون في سفر باستضافته عند أي شخص يأوي إليه في سفره

стр. 593

حتى يصل إلى بيته وأهله، ولهذا لو طبَّق الناس هذا المنهج الإلهي لأَمِنَ المسافر الحاجة والعوز مهما امتدَّ به السفر، وهذ بخلاف ما في الحضارات الجاهلية التي لا تعرف للضيافة معنى, خصوصًا في المجتمعات الرأسمالية التي تجعل الولد أو الوالد يدفع كلٌّ منهما للآخر ما أكله من مطعمه، كما يقال، وخصوصًا بعد أن كثرت المطاعم والمقاهي والفنادق التي هي عدوة الضيافة حسب مفاهيم الضيافة في القديم. المسألة الرابعة عشرة: التكافل عن طريقة العارية ومنها التكافل بين المسلمين عن طريق العارية تسهيلًا لانتفاع المحتاج إليها وسدًّا لحاجته, ثم يردها كما هي لصاحبها, فيحصل الانتفاع بالشيء الواحد لأكثر من جهة, وهو خلق حميد حثَّ عليه الإسلام ورغَّب فيه وذمَّ الذين يمنعون الماعون في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ١. المسألة الخامسة عشرة: رعاية العاجزين والضعفاء ومنها كذلك رعاية الإسلام للعاجزين والضعفاء وحل مشكلاتهم الاقتصادية, فلقد أولت التعاليم الإسلامية عناية واهتمامًا كبيرًا بالعاجزين والضعفاء وإصلاح شئونهم إلى أن يقوى أمرهم, وجعل مسئولية القيام على مصالحهم في أعناق المجتمع كله حكامًا ومحكومين, كلٌّ حسب وضعه؛ إذ لو

стр. 594

قام هؤلاء كلهم بواجبهم لما بقيت أي مشكلة اقتصادية تهدد حياة البؤساء بهذه الحدة, وهؤلاء الفئات من المجتمع هم: ١- الأطفال عمومًا. ٢- الأيتام. ٣- اللقطاء. ٤- أصحاب العاهات. ٥- الشواذ والمنحرفين. ٦- المطلقات والأرامل. ٧- الشيوخ والعجزة. ٨- المنكوبين والمكروبين١. ٩- الغارين وأصحاب الديون المعسرين. ١- أما الأطفال فإن رعايتهم والقيام على مصالحهم هي قبل كل شيء تقع على الآباء والأمهات, فقد أوجب الإسلام عليهم تربية أبنائهم تربية بدنية ورحية, وملاحظة نموهم وسلوكهم, وتقييم كل تصرفاتهم, والعدل بينهم, وتعليمهم العلم النافع, وتوجييهم إلى الجدّ في العمل, والرغبة في خدمة أنفسهم ومجتمعاتهم، وأوجب على الآباء النفقة عليهم ما داموا في حاجة آبائهم، وأوجب على أمهاتهم إرضاعهم ورعايتهم إلى أن يكتفوا بأنفسهم, وهذا في حال حياة الآباء.

стр. 595

٢- وأما في حال وفاة الآباء وأبناؤهم لا يزالون أطفالًا صغارًا, وهم من يطلق عليهم "الأيتام", فقد أوجب الإسلام على الناظر لهم كامل الرعاية والعناية بهم, ورغَّب في الأجر على القيام بتربيتهم إلى أن يتجاوزوا سن الطفولة, قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ ٢. وإذا كان لليتيم مال فقد أوجب الإسلام الحفاظ عليه وعدم التصرف فيه إلّا بالتي هي أحسن؛ لتنميته والحفاظ عليه سليمًا مصونًا حتى يكبر, كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٢. فإذا تصرَّف فيه الناظر بالغشِّ, فإن الله تعالى قد توعَّده بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٤. فإذا أحسَّ الناظر أن اليتيم أصبح حَسَنَ التصرُّف في ماله ردّه عليه امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا

стр. 596

أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ١. وفي السنة النبوية حثٌّ شديد وتأكيد لحق اليتيم عَبَّرَ عنه المصطفى ﷺ بقوله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بإصعبيه السبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا"٢، ولا شَكَّ أن هذا فضل عظيم وأجر جزيل لمن احتسب كفالة الأيتام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلّا لله, كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة, ومن أحسن إلى يتيمية أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وفرق بين إصبعيه السبابة والوسطى" ٣. ٣- وإذا كان الطفل لا يعرف له أب ولا أم وهو ما يسمَّى باللقيط, فقد اهتمَّ به الإسلام وأوجب له من الحقوق مثل غيره من الناس؛ إذ لا ذنب له فيما فعله أبوه وأمه, والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٤, وكفالة اللقيط وتربيته الروحية والبدنية تقع على مسئولية الدولة ابتداءً, فإن الحاكم وليُّ من لا وليَّ له, ولكن إذا تبرَّع شخص بكفالته وتربيته فله ذلك, ويعتبر فعله صدقة يثاب عليها, وموردًا اقتصاديًّا خيرًا, واللقيط على العموم يعتبره الإسلام عضوًا عاملًا, وله أن يقوم بكل ما يقوم

стр. 597

به غيره من الأعمال استصلاحًا له, ولا يبيح الإسلام تغييره بنسبه أو ازدراءه لذلك تطييبًا لخاطره, وعلى رجاء أن ينفع الله به. هذا بالإضافة إلى وجوب قيام الدول بإتاحة التعليم لهم والمساعدات الأخرى حين يتعيِّن عليهم تقديمها. ٤- أما رعاية أصحاب العاهات الذين ابتلاهم الله بعاهات قد تضعفهم عن مواصلة أعباء الحياة وخض معتركها؛ كأن يكون أحدهم أعمى أو أصمّ أو أبكم أو إصابته ضعف الشيخوخة, أو كان به اختلال عقلي, أو غير ذلك من الأمراض المزمنة التي لا يستطيع الشخص معها السعي والكسب, سواء أكانت عاهات جسدية أو عقلية, فهؤلاء تقع مسئوليتهم على ذويهم أولًا, ثم على الدولة, ثم على المجعمع كله؛ حيث يجب أن يشعروهم بالرحمة والعطف, والعمل على تشغيلهم ما أمكن في حدود استطاعتهم, كما يجب أن تتولّى الدولة القسط الأكبر من العناية بهم وتعليمهم, وفتح الباب لهم لتدريبهم في الأعمال المهنية التي يستطيعونها, وهذا هو ما يدعو إليه الإسلام تحت دعوته إلى التراحم وأنواع البر. ٥- أما رعاية المنحرفين والشواذ: فبغضِّ النظر عن أسباب ظاهرة الانحراف والشذوذ, فإن المسئولية عن تربيتهم وإصلاحهم تقع أولًا على أولياء أمورهم، وثانيًا على الدولة, ثم على المجتمع كله, وتشترك مسئولية أولياء الأمور والدولة تجاه هؤلاء في حمايتهم من وسائل الشذوذ, فيمنعونهم مثلًا من مشاهدة الوسائل المشجعة على الفسق؛ كالأفلام الخليعة, والنظر في المجلات الماجنة, وسماع الأغاني الفاجرة, واقتناء الآلات التي تعمل على هدم الأخلاق وتسهيل الجريمة, وما أحرى الجميع بمواجهة الفساد المنتشر

стр. 598

في عصرنا في وسائل الإعلام بشتَّى صنوفه -إلّا من رحم الله, فقد جدَّ أعداء الإسلام في تمييع شباب المسلمين وإخراجهم عن دينهم, وجعلهم أداءة طائعة لمطامعهم, يريدونهم أن لا يصلحوا لجهاد ولا يتحركوا لإصلاح، ويجدر بالأب إذا لم يستطيع كبح جماح ولده بشتَّى الوسائل أن يستعين بعد الله بالدولة, ويترك العاطفة جانبًا فلربما يجد على أيديهم خلاص ابنه, خصوصًا الدولة التي يمنّ الله عليها بحكَّام مسلمين مخلصين, فإن الولد يحسّ حين تتضافر جهود الأب والدولة على ردعه بأنه شاذٌّ عن الطريق الصحيح, وإلّا لما وقف كل المجتمع في وجهه بما فيهم مصدر الرحمة عليه وهو الأب, وتضاف إلى مسئولية الدولة عن هذا النشئ أيضًا فتح المجالات التي تستوعبهم, ويشغلون فيها بمختلف الأنشطة المفيدة, بل وفتح دور للإصلاح والتهذيب على حد قول الشاعر: قسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على مَنْ يرحم وقد سمع عمر ﵁ في إحدى عسَّاته بالليل امرأة من داخل بيتها تتغنَّى بأبيات شعرية تذكر فيها أنه لولا خوف الله لسهل عليها مقارفة جريمة الزنا, فسأل عن حالها فتبيِّنَ أن زوجها ضمن المجاهدين, فأمر بردّه, وحدَّد بعد ذلك وقتًا لغياب الزوج عن زوجته، وقد سمع امرأة تتغزَّل في رجل فأمر بإحضاره فرآه جميلًا وسيمًا, فأمر بحلق رأسه فزاده ذلك جمالًا, فأمره بأن يذهب إلى مكان في العراق ليسكن فيه غيرة منه على حُرَمِ المسلمين وقطعًا لمصادر الفتنة. وقد كان المصطفى ﷺ راكبًا وخلفه ابن عمه الفضل وكان جميلًا, فوقفت

стр. 599

امرأة تسأل رسول الله ﷺ في أمر الحج, وكانت تنظر إلى الفضل وهو ينظر إليها, فحوَّل الرسول ﷺ وجهه عنها سدًّا للفتنة، والأمثلة على هذا كثيرة في التاريخ الإسلامي, وهكذا ينبغي عدم استسهال ما ينتج الشر مهما كان صغيرًا, فقد قيل: "ومعظم النار من مستصغر الشرر", فوجب إيقاف الشر قبل استفحاله وفوات الأوان, والإسلام دائمًا يحثّ على سد الذرائع واستشعار المسؤولية "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ١، وهي قاعدة دينية اقتصادية من أنجح الوسائل. ٦- وأمَّا رعاية المطلقات والأرامل، فإن الإسلام لم يترك أمرهم دون بيان، ولم يترك أمرهم لرحمة أحد وجفائه, فقد أوجب للمطلقة الرجعية النفقة والسكنى إلى نهاية عدتها, ولها النفقة حتى تضع حملها -إن كانت حاملًا, ولها النفقة بعد وضعها حملها إذا كان ترضع ابنها كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ

стр. 600

قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ١، وأما الأرملة وكذا المطلقة التي انتهت عدتها, فإن كانتا في حاجة فإن نفقتهما على أقاربهما, فإن لم يكن لهما أقارب انتقلت نفقتهما على الدولة التي يجب أن ترعى مثل هؤلاء الضعفاء والمساكين؛ فتفرض للأرملة والبائنة ما يسد حاجتهما إلى أن يتغير حالهما بالزواج أو الموت أو الغنى, وحينما كان المسلمون يطبقون مثل هذه الأحكام, وحينما كانوا يتسارعون إلى الإنفاق على الضعفاء, كانوا على أحسن حال وأكرمه, كانوا خير أمة أخرجت للناس. ٧- وأمَّا رعاية كبار السن والعاجزين عن العمل والكسب فإن الإسلام يجعل مسئولية إعاشتهم على أقاربهم, ثم على الدولة تنفق عليهم من بيت المال, تقدمه لهم في أوقات معلومة, كما كان الحال في عصر الرسول ﷺ , وعصر الصحابة -رضوان الله عليهم, كما يجب على المجتمع كله أن لا ينسى الدعوات في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ بالتصدق والإنفاق على الضعفاء ابتغاء الأجر والثواب, وإقامة المجتمع الإسلامي على أسمى السلوك الطيب؛ بحيث لا يشكل هؤلاء مشكلة اقتصادية يواجهونها دون سند من أحد. ٨- ومثل هؤلاء في الرعاية المنكوبين والمكروبين من أصحاب الحاجة, وهؤلاء لم يتركهم الإسلام وشأنهم يواجهون المعضلات دون أن يلتفت لهم أحد -كما هو الحال في الدول الكافرة, بل إن الإسلام اهتمَّ بشئونهم
следующие страницы →