تنبيه:
ولا يفوتنا أن ننبه القراء إلى أن أنواع الاختلاف التي بسطناها لا تزال متحققة في اللهجات العامية المعروفة اليوم في مصر والشام والعراق وسائر الأقطار التي يتكلم أهلها الفصيح البلدي أو العربية المطلقة، وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الاختلاف لم يأت عبثًا، بل هو طبيعة الاختلاف بين العرب الأولين الذين استوطنوا البلاد أيام الفتوح فخرج من أصلابهم هؤلاء المتأخرون؛ ومن لم يمت إليهم بنسب كان منهم بسبب من الولاء والمخالطة ونحو ذلك. وعلى هذا يكون ما تصيبه في لهجات العوام مما يوافق لغات العرب ليس إلا نسبًا لفظيا يدل على ما وراءه من النسب التاريخي بين طوائف العوام وقبائل العرب.
نعم إن اللغة ميراث تاريخي، ولكنها كذلك في الجملة، فيقال إن لغة أمة متفرعة تدل على تحقيق النسبة التاريخية بينها وبين أمة اللغة نفسها، ولكن من الخطأ الواضح أن يقال إن نسب المفردات في الكلام يرتبط بنسب الأفراد في المتكلمين؛ فإذا رأيت أهل مصر جميعًا يقولون: مشالله في "ما شاء الله" فلا يدل ذلك على أنهم من بقايا عرب الشَّحر وعمان الذين يحذفون بعض الحروف اللينة، وهي اللخلخانية كما مر في موضعه، وإذا رأيت كثيرين من أهل البحيرة والغربية يقولون: أَحْمَا في "أحمد" وتاكوا "في تأكل". والبَصَا "في البصل"، فذلك لا يدل على أنهم من عرب طيئ الذين يقطعون اللفظ قبل تمامه، وهي القطعة كما بيناه.
لو ذهبنا نعارض كل ما كان من هذا القبيل بالمأثور من لهجات العرب على أن نحقق نسبة هذا الميراث المنطقي إلى قبائله، لتقحمنا خطة من الغيب، ولأوشكنا أن نضع علمًا كله جهل، وإن كان هذا البحث مما ينهج للنظر سبلًا من الكلام ويفتق للذهن أمورًا من الجدل، بيد أنه التاريخ المزور، والشهادة الظنية على حق اليقين.
والصحيح أن الألسنة هي الألسنة في كل زمان، وما جرى عليه العرب في لغتهم جرت عليه العامة في لغتها؛ فهو يتصرفون في المنطق تصرف المتمكن المستقل؛ لأن العامية لا ترجع إلى قاعدة مضبوطة، ولا هي من اللغات المكتوبة، فتقف عند حد محدود؛ ولكنهم يلوون بها ألسنتهم على ما يصرفها من الأسباب الخلقية، ثم ما تقوم عليه من أحوال المجتمع بين موروث ومكتسب؛ ولسنا ننكر ألبتة أن التقليد قد فعل في اللغة العامية ما فعله في العربية قبلها، بل كان أهل الأمصار في صدر الإسلام -وهم أصل العامية- يتكلمون على لغة النازلين فيهم من البدو، كما كان العرب النازلون بقرب السبل ومجامع الأسواق يتكلمون على لغة من يليهم من العامة. واللغة لا تخلق على لسان أحد، بل لا بد من التقليد والمحاكاة؛ ولكنا ننكر نسبة الناطقين إلى قبائل من العرب توافقها في هيآت المنطق، بعد أن تصرف أهل الأمصار في اشتقاق اللغة كما تصرف العرب، وأخذوها بالتقليد والمحاكاة عن كل شفة، وكان لهم في سياستها استقلال أوسع بكثير مما كان للعرب.
ونحن نذكر هنا كلمة واحدة صح نقلها عن العامية أول عهدها في الشام، ثم هي لا تزال دائرة إلى اليوم في العامي والفصيح. وهي لفظة "عليه" فقد نقل صاحب "الأغاني" كلمة من الشعر العامي
стр. 107
في دمشق زمن الوليد بن عبد الملك جاءت فيها هذه الكلمة "ويلي علَوه" وهي تنطق كحرف "O" وينطقونها اليوم في الشام "علاه" وقد مرت هذه اللغة عن العرب، وفي الفصيح "عليه" وفي اللهجات المصرية الغالبة "عَليه" و"عَلايَه" و"عَلِيَهُ" و"عَلِيه" بالإمالة كحرف "E" و"عَلِيه" بغيرها كحرف "I" وذلك أكثر ما يمكن أن تدار عليه اللفظة؛ فإذا استطعنا تحقيق نسبة هذا المنطق إلى قبائل معينة فهل تحقق بها نسبة الناطقين أيضًا؟ هذا ما لا جواب عليه إلا أنه لا جواب له؛ والتاريخ وإن كان من الكلام غير أنه ليس كل الكلام من التاريخ.
стр. 108
البقايا الأثرية في اللغة:
الألفاظ في كل لغة من اللغات إنما هي أدوات الحياة الذهنية الخاصة بالنفس، كما أن مدلولاتها أدوات الحياة المادية الخاصة بالحواس؛ فالذهن يشبه أن يكون في علم الحياة كتابًا موضحًا بالرسوم: يقرر الحقيقة ويمثلها ويداخلها بين أجزائها, ولكنه لا يعطيها؛ فقد تعلم لذة الطعام إذا كنت جائعا وتتصوره أقرب من فوت ما بين اليد إلى الفم، وتتخيل منه كل ما تشتهي النفس، بل قد تجد طعمه ورائحته إذا كنت شاعرًا دقيق موضع الاتصال بين الحواس الظاهرة والباطنة؛ ولكن تلك المائدة الذهنية على كثرة ما وسعت وطيب ما احتوت، لا تعدل عندك لقمة واحدة تلجلج الفكين!
فالألفاظ مقصرة دائمًا عن بيان معانيها بيانًا يطابق نوع الخلق، ويوافق حالة الوجود، فإذا قيل أمامك: جاء زيد، وكنت لا تعرف من زيد هذا، لم تعد أن تتمثل رجلًا من الرجال، ولكنك إذا عرفته تمثلت نوعًا من الخلق متميزًا بحالة خاصة من أحوال الوجود؛ ومن هنا كان التاريخ -الذي هو بيان نفسي محض لا يؤدى إلا بالألفاظ- من المعاني الكلية والمبهمة التي لا تثبت على قياس واحد الحقيقة، بل لا بد فيها من الزيادة والنقص؛ لأن مرجعها إلى التصور، وهو مجموع ظلال متقلبة على النفس.
ومن التاريخ ما لا يقتصر الإبهام على مدلوله فقط، ولكن يتناول الألفاظ الدالة أيضًا، وذلك لأن صورته الذهنية تكون في مجموعها ملفقة، غير مضبوطة على قياس مألوف من حياة المتكلم؛ فإذا أصاب تلك الألفاظ لم يجد لها في ذهنه رسمًا معينًا؛ لأنها أطلال زمنية؛ وأكثر ما يكون ذلك في العادات والمصطلحات اللغوية التي تتغير بتغير الأزمان والأقوام، فإذا انقرض أهلها انقرضت معهم وبقيت ألفاظها في اللغة مبهمة في ذاتها، حتى إذا ألحقت بالشرح التاريخي أو اللغوي الذي يكشف غموضها ويزيل إبهامها دخلت في الحياة الذهنية، ولكنها تبقى مع ذلك بالنسبة لانقطاعها من الوجود بقايا أثرية في اللغة١.
ولو ذهبنا إلى المعارضة بين ألفاظ الحياة العربية الأولى، وما اختصت به من المعاني، وبين هذه الحياة الحضرية ومستحدثاتها، لرأينا قسمًا كبيرًا من اللغة يتنزل منها منزلة البقايا الأثرية؛ لأننا لا نحتاجه ولا هو مما يعد فضلًا عن الحاجة فينتظر به وقتها؛ وذلك كأسماء الإبل وصفاتها الكثيرة، وكأسماء كثير من الحشرات وما جاءت به اللغات المتعددة، وهو كثير تطفح به معاجم اللغة؛ ولقد نرى أن ذلك مما يصح أن يسمى "لاتينَ العربية" قياسًا على اللغة اللاتينية التي لا يستعملها الأوروبيون، ولكن يشتقون منها أسماء المصطلحات التي تمس إليها الحاجة فيما يستحدثون من أمورهم؛ لولا أن "لاتيننا العربي" يحتاج منا إلى عربية تلائمه؛ فإن استحياء الماضي لا يكون إلا
стр. 109
بالملاءمة بينه وبين روح الحاضر.
ولسنا إلى ذلك نذهب، فهو بجملته لا يخرج عما يسمونه وحشيا١ أو غريبًا٢ أو حوشيا٣، وإنما نريد بالبقايا الأثرية ما أراده علماء اللغة أنفسهم حين جمعوها، فإنهم عدوا من اللغات: منكرًا، ومتروكًا، ومماتًا؛ فالمنكر: ما لا يعرفه بعض أئمة اللغة لكونه مهمل الاستعمال في العرب إلا قليلًا، وهو دون الضعيف الذي ينحط عن درجة الفصيح: كقول بعض أهل الحجاز: ذَأَي يَذْأَي، وهي في لغة أهل نجد: ذوى يذوي، وعليها الاستعمال. والمتروك: ما كان قديمًا من اللغات ثم ترك واستعمل غيره، وهذا ما سميناه آنفا "بالمصطلحات اللغوية" كالغزِّين في بعض تلك اللغات المتروكة أي: الشدقين، واحدهما غز؛ والبعقوط والبلقوط أي: القصير، ونحو ذلك. والممات: ما أميت استعماله: كأسماء الأيام والشهور في اللغة الأولى على ما زعموا، وقد ذكرها صاحب "الجمهرة"، وهي هذه:
ومن الممات عندهم لغات في التصريف: كقول الكسائي: محبوب، من حببت، وكأنها لغة قد ماتت، كما قيل: دمت أدوم، ومت أموت، وكان الأصل أن يقال أمات وأدام٥ في المستقبل -المضارع- إلا أنها قد تركت. ومن ذلك "ليس" الفعل الناقص؛ فإن بعضهم يظن مضارعه وأمره من
стр. 110
الأفعال الممات؛ ومما عدوه متروكًا من أسماء العادة العربية لزوال معانيه في الإسلام: المرباع: وهو ربع الغنيمة، وكان خاصا بالرئيس، ثم صار في الإسلام، الخمس. والنشيطة: هي أن ينشط* الرئيس عند قسمة المتاع الشيء النفيس يراه، إذا استحلاء. والفضول: وهي فضول المقاسم كالشيء إذا قسم وفضلت فضلة منه: كاللؤلؤة والسيف والدرع والبيضة والجارية؛ فكان ذلك من قسم الرئيس. وقد جمع هذه العادات كلها ابن غنمة الضبي في مرثيته لبسطام بن قيس إذ يقول:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
أما الصفايا فبقيت في الإسلام، وخص بها النبي ﷺ ؛ لأنه اصطفى في بعض غزواته من المغنم أشياء: كالسيف اللهذم، والفرس العتيق، والدرع الحصينة، والشيء النادر؛ وذلك يسمى الصفي، قالوا: وقد زال هذا الاسم بعد وفاته ﷺ .
والممات من أسماء العادات شيء كثير يستجر الكلام إلى قسم من تاريخ العرب لا يسعه هذا الموضع؛ فقد كانوا أهل مغاورات وإغرام بالمعاقرة والمياسرة ونحوها، ولكل ذلك أسماء وصفات، فنجتزئ بما ذكرناه، ولكن لا بد من التنبية على شيء دقيق في هذا الباب، وذلك أنا لو تدبرنا الكلام الذي نستعمله لرأينا أشياء كانت من عادات العرب الخاصة بها ثم نقلتها الحضارة إلى معنى يناسبها بعد أن انتزعت منها الأصل التاريخي، فمن ذلك أن الواحد يقول: نحن فعلنا، وليس معه غيره، فلا يظن إلا أنه أراد تعظيم نفسه، وأنه ليس لهذا الاستعمال من أصل تاريخي في الكلام, وإنما الأصل أن العرب كانوا قبائل وجماعات, فكان الرئيس الذي له أتباع يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه ويتداعون لألمه،
كأنهم أجزاء من شخصه، يقول: أمرنا، ونهينا، وغضبنا، ورضينا لعلمه بأنه إذا فعل شيئًا فعله تباعه لا يخذلونه ولا يخالفونه، ثم كثرة استعمال العرب لهذا الجمع ملحوظة فيه تلك الدلالة، ثم استفاض في الكلام حتى صار الواحد من عامة الناس يقول وحده: قمنا، وقعدنا، لا يريد إلا المعنى الحضري المصنوع، وهو التعظيم الحقير.
..
стр. 111
نمو العربية وطرق الوضع فيها:
العربية أوسع اللغات مدى، أغزرهن مادة، وأوفاهن بالحاجة الحقيقية من معنى اللغة؛ لكثرة أبنيتها، وتعدد صيغها، ومرونتها على الاشتقاق، وانفساحها من ذلك إلى ما يستغرق اللغات بجملتها، مع أنها أقل هذه اللغات أوضاعًا، حتى إن المستعمل منها لا يتجاوز ستة آلاف تركيب، وإذا رددت الثلاثي منه وما فوقه إلى التركيب الثنائي، لم يكد يزيد ما يخرج منه على ثلاثمائة لفظة، هي أصل الأوضاع وسائر التراكيب المستعملة متفرع عنها. كما تفرعت سائر مواد اللغة عن هذه التراكيب بالاشتقاق، وهي في الجملة لا تقل عن ثمانين ألف مادة، عدة ما اشتمل عليه معجم لسان العرب.
وظاهر أن اللغة لم تترام إلى هذا الاتساع إلا بعد أن قلبت على وجوه كثيرة في الاستعمال، وأديرت على مناحي مختلفة من الوضع؛ بما في أصل تكوينها من الحياة النامية التي تكافئ حياة أهلها وتماد أزمنتها مهما كثرت أغراض هذه الحياة واستفاضت معانيها، واستبحرت في مذاهب العمران؛ فهي في الكفاية سواء يوم كانت لغة الطبيعة البدوية الخشنة لا تلقيها إلا على ألسنة البدو الذين هم الجزاء المتكلم من تلك الطبيعة الصامتة، ويوم صارت لغة الحياة المنبسطة تصرفها الألسنة والأقلام في مناح من العلوم والآداب والصناعات التي قام بها التمدن الإسلامي. وإن صمت الطبيعة البدوية إنما هو في حقيقة الاعتبار جزء متمم في المعنى للغة أهلها، كما أن حركة العمران إنما هي حركة العمل في مصنع اللغة. وليس يخفى أن حياة اللغة وموتها أمران يؤخذان بالاعتبار؛ فإن اللغة الحية هي التي تكون مشايعة بأوضاعها لكل ما يجد من مستحدثات الحياة، فكلما خلت ألفاظها المتداولة بين أهلها مما يصور معنى جديدًا أو يؤدي غرضًا حادثًا، لم تعقم أوضاعها بما ينتج هذا اللفظ الجديد ويسد هذه الخلة الطارئة؛ فهي بذلك فيما تأخذ وتدع كأنها تتنفس، والتنفس أول صفات الحياة.
ولكن اللغة التي ترمى بأنها في سبيل الميتة، لا يزال يطرأ عليها النقص كلما زادت مستحدثات الحياة؛ لوقوفها عن حد من الوضع محدود، وقعودها بكل طريق تدفع إليه من طرق التعبير، فلا يبرح أهلها يتناولون من غيرها، ويزيدون نقصها؛ حتى تصبح بهذه المداخلة لغة جديدة من عمل الزمن وكأن أصلها بقية من أهلها، وأهلها بقية من أصلها؛ لفقدان المميزات الجنسية التي أخص دلائلها اللغة.
وقد عرفوا الحي بأنه الكائن الذي ينمو من باطنه؛ فإذا كان في اللغة ما يساعد على نموها المستمر مع بقائها متميزة في نفسها -بحيث تحيل كل ما يداخلها من ألفاظ اللغات الأخرى إلى أوضاعها الخاصة بها والمقومة لهيئتها، فلا تتحيفها الزيادة الطارئة عليها مهما بلغت، ولا تخرجها من حيزها إلى مضطرب لا تثبت لها فيه الجنسية ولا ينطبق عليها وصف الاستقلال- وإلا فتلك هي اللغة
стр. 112
التي أحق ما توصف به أنها سائلة من طرق الكلام، وأن أهلها صعاليك في طرق التاريخ!
والعربية قد غَنِيت بأواضعها حتى كأنها خلقت لتماد الزمن، وفيها من أسباب النمو ما يحفظ عليها شباب الدهر، غير أنه قد أصابها ما أصاب أهلها من تبدد الكلمة واضطراب الأمر ووهن الاستقلال وتمزق المجتمع، فأصبحت بعدهم كأنها محكومة بقوة خفية لا يعرف ما هي ولا يظهر منها إلا أثرها الذي تتبينه فيما لحق اللغة من الضعف وما رهقها من العجز، وفي جمودها على حال واحدة كأنها مقبورة في كتبها منذ تراجع التمدن الإسلامي أيام العباسيين إلى قريب من هذه الغابة.
ومتى كانت اللغة صورة الأمة فإن كان ما يعتور هذه يتصل أثره بتلك ضرورة. ولذلك بقيت العربية في نفسها على مرونتها الأولى حتى يتاح لها أقوام كأولئك الأقوام، وتفيض لها أقلام كتلك الأقلام.
وليس من غرضنا أن نفيض هنا في هذه المعاني، وإنما تريد لنبين أنواع النمو في هذه اللغة، والطرق التي جرت عليها في الوضع؛ إذ لولا ذلك ما خطت اللغة في التاريخ خطوة واحدة.
طرق الوضع:
وأنت إذا تدبرت المأثور من ألفاظ اللغة، وجدته في الجملة لا يخلو من ثلاث: إما أن يكون مرتجلًا أو مشتقا، أو منقولًا على وجه من جوه المجاز؛ وهذه الثلاث هي طرق الوضع التي تقلبت عليها اللغة، وهي تشبه أدوار الخلقة الكاملة، فإنها ثلاثة أيضًا: التركيب، والقوة، والجمال؛ فالمجاز جمال اللغة، والاشتقاق قوتها، والارتجال تركيب الخلقة فيها؛ ويندر أن تجد ذلك كله في لغة من اللغات على مقدار ما تجده في العربية؛ فلا جرم كانت حرية بأن تكون مناط الإعجاز؛ لأنها الخلقة اللغوية الكاملة.
الارتجال:
وهو وضع اللفظ ابتداء في أول أمر اللغة بتقليد الطبيعة كما مر في موضعه؛ ولا يمكن أن يحاط بأوائل كلامهم، وعلى أي مقادير كانوا يضعونها، غير أنه مما لا شك فيه أنه لم يبق وجه للزيادة على ما ارتجلوه؛ لتقليبهم صور التراكيب المرتجلة على كل ما في آلات الصوت من المقاطع، بحيث لم يدعوا منها إلا المستكره المبذوء مما يتعتع به اللسان وينبو عنه السمع ولا يكون منه إلا تنكير الأسلوب وتغيير ديباجة اللغة؛ بيد أن هذا إنما هو في الارتجال الذي تراعَى فيه النسبة بين اللفظ الموضوع له، كمحاكاة الأصوات والحركات الطبيعية ونحوها، أما فيما عدا ذلك فإن العرب كانوا يتصرفون في لغتهم، فيرتجلون ألفاظًا قليلة ليست فيها ولا هي مأخوذة بالاشتقاق، كما يصنع كثير من العامة اليوم؛ فقد يتفق لأحدهم أن يضع كلمة يرتجلها لمعنى من المعاني على طريق التظرف والتملح، فلا تلبث أن تشيع وتصير من أصل اللغة؛ وكذلك كان يفعل العرب.
قال ابن جني فيما ينفرد به العربي من اللفظ ولا يسمع من غيره ما يوافقه ولا ما يخالفه: "إنه يجب قبوله إذا ثبتت فصاحته؛ لأنه إما أن يكون شيئًا أخذه عمن نطق به بلغة قديمة لم يشاركه في
стр. 113
سماع ذلك منه أحد ... أو شيئًا ارتجله؛ فإن العربي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرف وارتجل ما لم يسبق إليه، فقد حكي عن رؤبة وأبيه١، أنهما كانا يرتجلان ألفاظًا لم يسمعها ولا سبقا إليها. أما لو جاء ذلك عن متهم أو من لم ترق به فصاحته ولا سبقت إلى الأنفس ثقته، فإنه يرد ولا يقول" ا. هـ.
ومهما يكن من ذلك فإن الارتجال أمر مفروغ منه؛ لأن تاريخ الشباب كله لا يقع فيه يوم واحد من عهد الطفولة.
الاشتقاق:
كل ما يوضع من اللغة ارتجالًا فإنها وضع لمناسبة بين الدال والمدلول على وجه من الوجوه؛ ولولا تحقق هذه المناسبة ما تأتى للواضع أن يشتق لفظًا من لفظ؛ لأن الأصل في الاشتقاق المناسبة في المعنى والمادة؛ فلولا اعتيادهم مراعاة المناسبة في الوضع الأول ما تنبهوا إليه في الوضع الثاني؛ لأن بعض الأشياء يدعو إلى بعض، والارتقاء سنة لا بد فيها من اطراد النسبة.
وعلى هذا أمكنهم أن يجعلوا كل مقطع من المقاطع الثنائية أصلًا في الدلالة، ثم يفرعون عنه بالاشتقاق معانيه الجزئية المختلفة التي ترجع في أصل الدلالة إليه؛ فكأن المعاني سلائل مرتبة تنحصر كل طائفة منها تحت جنس معلوم، على ما قرروه في مذهب النشوء والارتقاء. ولا يزال هذا التسلسل متحققًا في اللغات السامية الباقية إلى اليوم، وهو أظهر في العربية منه في أخواتها؛ حتى ذهب بعض العلماء الذين استقروا تراكيب اللغة إلى أن هذا الأصل مستصحب في كل تركيب، بحيث لا يخلو مما يرجعه إليه ولو تأويلًا من طريق المجاز، إلا ما تخلف عن سلسلته لأمر طارئ على أصل الوضع، كأن يكون مبدلًا من لفظ آخر، أو مقلوبًا عنه، أو داخلًا في تركيب المادة من لغة أخرى؛ لأن العلماء الذين دونوا هذه اللغة جمعوها من لغات كثيرة بعد أن تدخلت هذه اللغات بعضها في بعض، لتعاور العرب ألفاظها جميعًا؛ فخفي بهذا التداخل كثير من وجوه الوضع الاشتقاقي؛ أوضاع النقل كثيرًا من ألفاظ اللغة مما انثلمت به سلسلة أوضاعها فأصبحت بحيث لا يمكن أن يدل فيها على تحقق التسلسل إلا باعتبار الأغلب الأعم.
وقد نقلوا عن بعض المعتزلة أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع؛ وكأن بعض من يرى هذا الرأي يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسئل: ما مسمى "إذغاغ"؟ وهو بالفارسية الحجر؛ فقال: أجد فيها يبسًا شديدًا، وأراه الحجر.
أما خواص أهل اللغة والعربية فقد كادوا يطيقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني، وقد عقد لها ابن جني بابا في "الخصائص" سنشير إليه عند الكلام على التمدن اللغوي.
وأول من ابتدع القول بأن المعاني سلائل مرتبة، وأن الألفاظ المختلفة ترد في الاشتقاق إلى قدر
стр. 114
مشترك، هو فيلسوف العربية أبو الفتح بن جني المشار إليه؛ وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس بهذا الرأي قليلًا.
أما علماء العربية فقد قالوا إن ذلك ليس متعمدًا في اللغة؛ لأن الحروف قديمة وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى.... ولا ينكر مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها، ولكن التحيل على ذلك في جميع مواد التركيب، كالطلب لعنقاء مغرب، وجواب ذلك عندنا ما تقدم الإيماء إليه، من مداخلة اللغات وتفريط النقلة ونحو ذلك، مما لا ينتظم به أمر التاريخ اللفظي في هذه اللغة.
ولابن جني في تحقيق رأيه كلام سابغ الذيل سنشير إليه في الفصول التالية.
أما الكلام على الاشتقاق من حيث هو علم ذو أقسام وحدود فهو مبسوط في مواضعه من كتب الصرف والكتب الأخرى المجردة في هذا العلم، ولا حاجة بنا إليه؛ لأنه إنما نريد جهة التاريخ منه وكونه سببًا من أسباب نمو اللغة وطريقة من طرق نشأتها.
وقد قلنا في تحقيق المناسبة بين الألفاظ والمعاني وأن أكثر أهل اللغة والعربية مطبقون على ثبوتها؛ لأنها في الحقيقة ليست إلا توسعًا في المناسبة الأولى التي هيأت للواضع أن يضع بالتقليد والمحاكاة. ونحن ذاكرون طرفًا مما يثبت تلك المناسبة:
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ : أنفق الشيء وأنفذه أخوان، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون وعينه فاء دالا على معنى الذهاب والخروج.
وقال في تفسير قوله : ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] ، [المائدة: ٧] : والمفلح "بالحاء والجيم": الفائز بالمطلوب، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر، وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين نحو: فلَق وفلَذ وفلَى يدل على الشق والفتح. وللزمخشري عناية بذلك في مواضع من تفسيره أيضًا.
ومن هذه الأمثلة أن تراكيب الهمزة مع الباء تدل على النفور والبعد والانفصال: كأب: للسير، وأبت اليوم: اشتد حره فقطع الناس وفصلهم عن أعمالهم، وأبد الوحش: نفر، وأبر النخل: قطع شيئًا منه، وأبز الظبي: وثب وانطلق، وأبق العبد: فر، وأبل: توحش وانفصل عن الناس، وأبه عن الشيء: بعد عنه وتنزه، وأبي الضيم: نفر منه، وهكذا.
والألف مع الزاي تدل تراكيبها على الضيق في الأمر، يقال: أزر المجلس: إذا ضاق، وأزق الرجل: ضاق صدره، وأزل: صار في ضيق، وأزم: ضاق عيشه، وأزى الظل: قلص وضاق.
وتراكيب الباء مع الدال تدل على الابتداء والظهور، نحو بدأ الشيء وبدا أي: ظهر، وبدح فلانًا بالأمر: أظهره له من دون روية، وبدح: أظهر التعظيم، وبدر إليه بكذا: أظهره له، وبدع أي: ابتدأ، وبدخ بالشر: أظهره، وبده بالأمر بديهة أي: ابتدأ به.
والباء مع الذال تدل تراكيبها على إخراج الشيء، نحو: بَذِيَ: أخرج الفحش في كلامه، وبذح
стр. 115
وبذل: أعطى فأخرج ما عنده، وبذج: أخرج شقشقته، وبذر: أخرج سره أو ماله بغير تقدير؛ وبذن: أقر بما يخفيه فأخرجه.
والباء مع الراء تدل على الظهور، نحو برأ الله الخلق: أظهره، وبرت: دل على الشيء فأظهره؛ وبرج: ظهر. ومنه التبرج. وبرح الخفاء: ظهر. وبرخ: زاد فظهر فيه الزيادة. وبر: ظهر وبرز كذلك, وبرش: ظهور بياضه. مثله. وبرض الماء: ظهر.
وكذلك الباء مع الزاي. كبزج: أظهر فضائله. وبزح الصيد: خرج. وبزر النبات: خرج بزره. وبزع الغلام: ظهر ظرفه. وبزغت الشمس: طلعت، وبزقت مثله. وبزل ناب البعير: طلع. وبزن الحق: ظهر. وهلم جرا.
ولو استقريت تراكيب اللغة كلها لوجدت مواد كل تركيب ترجع إلى أصل واحد. ولو تأويلًا من طريق المجاز. إلا ما تخلف من سلسلته لأمر طارئ، كما أشرنا إليه في صدر الكلام؛ وليس يخفى أن سلسلة الاشتقاق في كل لفظة إنما هي نسق تاريخي في تدوين نسبها اللغوي وفروع هذا النسب؛ وقد بينا من قبل أن الرواة أغفلوا كل ما يتعلق بالجهات التاريخية في اللغة؛ فلا جرم انثلمت سلاسل الاشتقاق وضاع كثير من تلك الأنساب؛ إلا ما تدل عليه مشابهات الخلقة اللفظية؛ وهو ما يعرف بالاستقاء كما مثلنا له آنفًا.
وكذلك ترى في أكثر صيغ الأمثلة من الفعل والاسم على السواء؛ فإن القياس ثابت فيها ثبوتًا بينًا: كصيغتي فاعَلَ وتَفاعل، وكوزن فُعلة في الأسماء١ وغير ذلك ذلك مما نبهوا على اطراد القياس فيه وأحصوا شواذه، وهو خارج عن غرضنا في هذا الكتاب.
ولو أن أحدًا عكف على هذه اللغة فتتبع ألفاظها وتدبر وجوه اشتقاقها وتفقد مواقعها في كلام العرب ورتب صيغها وأوزانها على ما تقتضيه أغراضها بحيث يستقر كل مثال منها في نصابه ويرد إلى حيزه؛ لجاء من ذلك بعلم يكشف عن كثير من أسرار الوضع، ويهتك عن أستار الحكمة المستكنة في دقائق هذه اللغة العجيبة التي يزيد في العجب منها أنها لغة تلك العقول الفطرية، والفطرة وإن كانت
стр. 116
دائمًا تختص بمسحة إلهية، إلا أنها تكون أصل الكمال في النفس لا نفس الكمال. وهذه اللغة يوشك أن يكون أمرها معجزًا على ما رأيت بحيث لا يغلو في رأينا من يقول إنها بسبيل من الأوضاع الإلهية "في التوفيق والإلهام" لأن أثر ذلك قد ظهر في القرآن.
المجاز:
وهذا هو الوضع الأخير في اللغة؛ ولذا تجد مراعاة المناسبة فيه على أضعف وجوهها؛ فكأنهم في الوضع الأول راعوا المناسبة الثابتة التي لا زيادة فيها، ثم توسعوا في هذه المناسبة بنوع من التصرف في الوضع الثاني وهو الاشتقاق، ثم بلغوا آخر حدودها "المناسبة" في المجاز؛ وهذا مما يؤكد أن اللغة كلها حكاية للطبيعة؛ فإن كان ثم توقيف أو وحي فيكون في هداية العقول إلى أسرار هذه الحكاية، ولا بد في استكناه منطق الطبيعة من الذهن الشفاف والبصيرة النفاذة والإلهام الخفي الذي يشبه أن يكون قبسًا من النور الإلهي يضيء بين العقل والقلب فلا يقع شعاعه على جهة من الطبيعة إلا كشف منها عن معاني الأسرار الإلهية.
والمراد من المجاز التوسع في الحقيقة؛ لأن الألفاظ الحقيقية تمضي لسننها المعروف فلا يبقى ثمة وجه لتقوية الحقيقة المرادة منها بالاتساع أو التوكيد أو التشبيه؛ وليس يخفى أن الحقيقة الواحدة تتنوع في ذاتها إلى أجزاء متشابهة، وتتنوع في معناها أيضًا على درجات من الضعف والقوة، فإذا كان معنى "الكوكب" في الوضع اللغوي الدلالة على هذا الجرم السماوي الذي يشبه نكتة بيضاء في رأي العين، ثم رأيت في عين الإنسان نكتة بيضاء تغشى سوادها؛ فقد تجزأت الحقيقة النظرية هنا في ذاتها فتطلق على بياض العين "النكتة" اسم الكوكب مجازًا للمناسبة بين الاثنين في الشكل؛ وكذلك تقول في التوكيد: فلان أسد، تريد إثبات شجاعته في النفوس بدرجة متناهية مؤكدة؛ ثم تقول في التشبيه: فلان على جناح السفر أي: لا يلبث أن يسافر، كأنه طائر بسط جناحه فليس إلا أن يطير. وإنما مدار ذلك كله على التوسع في المثال الحسي إذا ضاقت به الحقيقة المألوفة في التعبير.
ولسنا نخوض هنا في أنواع المجاز وجهاته وتحقيق القول في الاستعارة وأقسامها، فذلك من موضع علم البيان، بل هو البيان كله على ما قيل؛ وإنما نتناول الكلام من حيث يتصل بمعنى التاريخ؛ فالمجاز صنعة حقيقة في اللغة لا تتهيأ إلا بعد أن يكون العرب قد استكملوا أسباب النهضة الاجتماعية من المخالطة واقتباس بعضهم عن بعض واعتبارهم أنفسهم في أمر اللغة مجموعًا معنويا؛ فينصرفون إلى تشقيق الكلام وتتبع أظلال المعاني في أجزائه، حتى تتسع لغتهم على نسبة هذا الاجتماع المعنوي؛ وذلك ما سنفرد للكلام عليه باب التمدن اللغوي.
لا جرم كان للمجاز في اللغة هذا الأثر الذي بسط منها حتى فاضت أطرافها على المعاني، وتهيأ فيها من أنواع الوضع طرق التعبير ما يعد في اللغات ميراثًا خالدًا تستغل منه المعاني في كل جيل، ويضمن للغة الثروة وإن أفلس أهلها ...
والوضع بالمجاز بعتبر اشتقاقًا معنويا، فما لم يتهيأ للعرب أخذه من طريق الاشتقاق أخذوه بالنقل من طريق المجاز؛ وبذلك وسعوا لغتهم من جهات:
стр. 117
١- الإكثار من الألفاظ وتعدد الوضع الواحد تفننًا في التعبير، كما تسمى الخوذة بالبيضة وبالتريكة، وهي بيضة النعام بعد أن يخرج منها الفرخ وكتسمية المطر بالسماء، والنبات بالغيث، ونحو ذلك.
٢- التذرع إلى الوضع فيما لم يوضع له لفظ من المحسوسات، كتسمية البياض في العين بالكوكب، وغضروف الأذن بالمحارة، والهنية الناشزة في مقدم الأذن بالوتد، وكقولهم: ذؤابة الرحل، للجلدة المعلقة على آخره، وعنق الإبريق، وساق الشجرة، وأبط الوادي، ونحو ذلك.
٣٦- التذرع إلى الوضع لتمثيل صور المعاني، كقولهم: نبض البرق، إذا لمع خفيفًا، من نبضان العرق؛ وسبح الفرس، إذا مد يديه في الجري كما يفعل السابح في الماء؛ ورنقت السفينة، إذا دارت في موضع واحد لا تمضي من ترنيق الطائر، وهو أن يخفق بجناحه ويرفرف ولا يطير.
٤- الرمز إلى حقائق المعاني، كقولهم: سافر ولا ظهر له، أي: ولا دابة يركب ظهرها؛ وفلان يملك كذا رقبة؛ أي: عبدًا؛ وقطع الأمير اللص، أي: قطع يده؛ وبزلت الخمر، أي: ثقبت دنها، وهلم جرا.
وهذه الجهات الأربع الأصلية تجمع أنواع المجاز وكل ما يحمل على هذه الأنواع، ثم هي معان تشبه أن تكون تاريخية في حركة النمو، والاتساع من هذه اللغة، ولذلك استخرجناها وعدلنا إليها عن تقسيم علماء البيان، فإن لهم في بحث المجاز كلامًا مستفيضا مضطربًا لا يؤخذ منه شيء يلتحق بغرضنا في هذا التاريخ.
وقد رأينا أن ننقل مادة من مواد اللغة تمثل هذا الوضع. وكيف اتسعت به اللغة حتى قلب المعنى الواحد على صور كثيرة، وهي مما نقله بعض اللغويين مثالًا لما نحن بسبيله؛ ومثل هذه المادة كثير في اللغة تطفح به معاجمها، وإنما خصها بالذكر لسعة التصرف فيها ووضوح المآخذ، وهي مادة "ك ف ف".
وأصل المعنى فيها: الكف، وهي الجارحة المعروفة، والكلمة مشتركة بين العربية وغيرها من اللغات السامية، ومأخذها في العبرانية والسريانية من معنى الانحناء والانعطاف. هذا أصلها.
ثم اشتقوا منها قولهم: كفه عن الأمر، إذا منعه، كأنه دفعه بكفه، فنقلوا معنى الكف إلى لازمها، وهو من المجاز المرسل.
وقيل من هذا: كف هو عن الأمر، إذا امتنع، فنقل الفعل من التعدي إلى اللزوم، وهو من قبيل ما سبقه.
ثم قيل: استكف السائل، وتكفف، إذا طلب بكفه. ويقال أيضًا: استكف بالصدقة، إذ مد يده بها يعطيها؛ فضمن الأول معنى الاستعطاء، والثاني معنى الإعطاء؛ وكلاهما مما ذكر.
ومن هذا القبيل قولهم: استكففت الشيء، إذا استوضحته بأن تضع كفك على حاجبك كمن يستظل من الشمس، فاستعمل هنا في معنى آخر من لوازم الكف.
стр. 118
ومن معنى كف عن الأمر قيل: كف بصره؛ وهو من المجاز المرسل، من قبيل استعمال العام في الخاص.
وفي مثل مأخذه قولهم: وكفاف من الرزق أي: ما كف عن الناس وأغنى.
ثم قيل من معنى الكف للجارحة: كفة الميزان، وكفة المقلاع؛ لشبهها بالكف في الهيئة، وهي من الاستعارة.
ثم استعيرت الكفة لعود الدف بكفة الميزان في الاستدارة والإحاطة، ومثلها الكفاف: وهو ما استدار بالشيء.
والكفة أيضًا النقرة المستديرة يجتمع فيها الماء، وهي مما ذكر.
ومن معنى الاستدارة قيل: كفة الصائد، وهي الحبالة يجعلها كالطوق، ومثلها كفة اللثة، وهي ما انحدر منها على أصول الأسنان، وكفة القميص، وهي ما استدار حول الذيل، وكذلك كفة الدرع، وهي أسفلها.
ثم قيل من هذا المعنى: استكفوا حوله، إذا أحاطوا به ينظرون إليه؛ واستكفت الحية إذا ترحت، أي: استدارت كهيئة الرحى.
ومن كفة القميص قيل: كفة الثوب وغيره، وهي حاشيته.
ومن معنى الحاشية قيل: كفة الشيء، بمعنى حرفه؛ وكفاف السيف "بالكسر" بمعنى غراره "أي: حده"، وكل ذلك على التشبيه.
ثم قيل من معنى الحاشية: كف القميص؛ إذا خاط حاشيته.
ومن معنى الحرف: كف الإناء، إذ ملأه ملأ مفرطًا، كان المعنى ملأه حتى بلغ كفته.
وبقيت معان من هذه المادة ترجع إلى معنى الكف، أو شيء من المجاز المأخوذ عن بعض المعاني الراجعة إليه، بحيث ترى المعاني سلسلة متصلة من أول المادة إلى آخرها. وهذا هو الأصل الذي عليه معظم كلامهم؛ فإذا تدبرته رأيت أن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة، وتبينت صحة قولهم: إن منكر المجاز في اللغة جاحد للضرورة ومبطل محاسن لغة العرب.
وقد ذكروا أن بعض العلماء يذهبون إلى أن اللغة كلها حقيقة، وأن تسمية الرجل بالأسد لغة لقوم، وتسمية الحيوان المفترس بالأسد لغة أخرى.... وهو رأي بيّن الأفن، وأكبر ظننا أنه لم يقل به أحد وإنما أورده بعض علماء الأصول؛ لأنه مما يتمحل له ويرد عليه ويكون مادة في الجدل؛ وذلك من أمرهم، والله أعلم.
стр. 119
أنواع النمو في اللغة:
تلك هي طرق الوضع التي سلكوا منها إلى اللغة في كل أطوارها، حتى أصبحت من الاتساع والنمو ما هي، ولكن لهذا النمو أنواعًا تحدد في جملتها أجزاء هذه اللغة، وتصف تاريخ اتساعهم فيها، وهي من هذه الجهة تعتبر تمامًا على الذي تقدم وتفصيلًا له؛ وتلك هي: الإبدال، والقلب، والنحت، والترادف، والاشتراك، والتضاد، والمداخلة بالتعريب، والتوليد؛ ونحن نوفيها حظها من الكلام على مقدار حظها من التاريخ.
الإبدال:
وهو إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، كما يقولون: مدح، ومَدَه: واستعدى عليه، واستأدى.
وقد أسلفنا في الكلام على أصل الوضع أن الدورة الجديدة التي دارت بها الحروف بعد وضع المقاطع الثنائية، كانت بالقلب والإبدال؛ والدليل على ذلك أن أكثر ما يجري فيه الإبدال من اللغة إنما هو الألفاظ الطبيعية الأولى التي كانت من حاجة الإنسان أدل عهده بالتعبير: كالقطع، والكسر، والهدم، والشق، والخرق، والفرقة، والتبديد؛ وهي المعاني الوحشية في لغة الإنسان. ثم لما انقاد الوضع بهذه الطريقة لأهل اللغة، جعلوها من سنتهم وقلبوا عليها الألفاظ الأخرى مما ليس بسبيل من تلك المعاني؛ والغريب أن فعل القطع يكاد يكون الأصل في أكثر هذه اللغة؛ فقلما تناولت مادة إلا رأيت أثره المعنوي فيها، ولو تأويلًا من طريق المجاز؛ وهذه أيضًا مما يؤكد أن اللغة نطق عن الطبيعة.
ثم إن الإبدال من حيث اعتبار الوضع اللغوي فيه، نوعان: الأول أن يكون لغات مختلفة لمعان متفقة: كلعلني ولألني. وإن فَعَلَ، وهِنْ فَعَلَ، ونحوها مما مر في اختلاف اللهجات؛ فيختلف اللفظان للأسباب اللسانية في القبائل المختلفة، ثم تحفظ صورة كل لفظ على أنها لغة، فلا تشترك العرب في النطق بالصورتين تعمدًا منها لتعويض حرف من حرف، إنما يقول هذا قوم وذاك آخرون، وقد سأل اللحياني أعرابيا. أتقل: مثل حَنَك الغراب، أو مثل حَلَكه؟ فقال: لا؛ أقول مثل حلكه. وسأل أبو حاتم أم الهيثم الأعرابية: كيف تقولين أشد سوادًا مماذا؟ فقالت: من حَلَك الغراب. فقال: أفتقولينها من حنك الغراب؟ قالت: لا أقولها أبدًا.
والنوع الثاني ما يتعدد فيه الوضع في لغة القبيلة الواحدة، فتقوم كل من الصورتين بمعنى لا يصح استعمال الأخرى فيه، وعلى هذا النوع يتوقف نمو اللغة واتساعها، كقولهم: لطمه: ضربة بكفه مفتوحة؛ ولَذَمه: ضربه بشيء ثقيل يسمع صوته؛ ولثم أنفه: لكمه؛ ورثمه: كسره؛ ورضم به الأرض: ضرب؛ وكذلك مما يرجع إلى معنى الأكل: قضم أي: أكل بأطراف أسنانه، أو أكل يابسًا؛
стр. 120
وخَضِمَ: أكل بأقصى الأضراس، أو أكل رطبًا؛ وقطم أي: عض، أو تناول الشيء بأطراف أسنانه فذاقه؛ وكزم الشيء: كسره بمقدم فمه واستخرج ما فيه ليأكله؛ وكدمه: عضه بأدنى فمه؛ وقشم: إذا نقى من الطعام رديه وأكل طيبه؛ ونحو ذلك من الأمثلة الكثيرة في اللغة؛ فكل أولئك إنما يقع فيه الإبدال لتجزئة المعاني، فترى الألفاظ متقاربة ترجع إلى مقطع واحد، وهي بعد متباينة في الدلالة؛ وكذلك ترى معاني كل طائفة منها ترجع إلى جنس واحد ثم تتباين متقاربة؛ وبهذا يتحقق الارتباط المتسلسل الذي هو برهان التاريخ على النشء اللغوي. وقد تجد للمعنى الواحد ألفاظًا متعددة في اللغة، ثم تجد كل لفظ قد صار أصلًا في الدلالة وتفرعت عنه ألفاظ أخرى عن طريق الإبدال، ثم يدل بكل لفظ على جزء من أجزاء المعنى، كما تجد من ألفاظ القطع مثلًا: قَطّ وقَصّ، وجَدّ، وغيرها، فإن هذه الألفاظ وضعت في الأصل حكاية لأنواع من أصوات القطع، إما حقيقية أو متوهمة، فقد تسمع أنت صوت الشيء المقطوع كأنه "قط" ولكن غيرك يتوهمه كأنه "قَت" وقد يكون لبعض الأشياء المقطوعة أصوات أخرى تحكي "جدّ" أو "كسّ" أو "قصّ" وغيرها. فنرى لفظ "قط" قد صار أصلًا وتفرع عنه: قطع، وقطف، وقطب، وقطم، وقطل، ونحوها. وترى لفظ "قص" قد تفرع عنه: قصم، وقصل، وقصب: وقصر، وقصف. ومن لفظ "جذ": جذب، وجذر، وجذف، وجذم، وهكذا، وكلها معان متقاربة تتقلب معها الألفاظ المتفرعة عن مقطع واحد, وهذا هو أكثر أنواع النمو في اللغة؛ لأنه أصل نشأتها، وللنحويين وأهل الصرف كلام في الإبدال وحروفه مَقِيسه ومسموعه لا يتعلق بغرضنا، ولهذا ضربنا عنه صفحًا.
القلب:
وهو تقديم وتأخير في بعض حروف اللفظة الواحدة، فتنطبق على صورتين بمعنى واحد، كقولهم: جذب، وجبذ، وما أطيبه، وما أيطبه. وأهل اللغة يقولون إن كل ما جاء في هذا القبيل فهو مقلوب وبذلك لا يعتبر إلا لغة واحدة من وضع واحد، وكأن هذا التقديم والتأخير إنما هو عارض في المنطق لسبب من الأسباب اللسانية كالخفة والثقل؛ وتابعهم على ذلك النحويين من الكوفيين؛ أما البصريون فلا يعتبرون القلب إلا متى رأوا أنه لا يمكن أن يكون اللفظان جميعًا أصلين في المعنى اللغوي بحيث يقصر أحدهما عن تصرف صاحبه ولا يساويه فيه، كقولهم: فلان شاكي السلاح وشائك، وجرف هار، وهاير، وحينئذ يعتبرون أوسع اللفظين في التصرف أصلًا للثاني ويعدون اللفظ الثاني مقلوبًا عنه، ويكون ذلك عندهم من قبيل الوضع الواحد.
وكل ما عدا ذلك مما يتصرف فيه اللفظان تصرفًا واحدًا، كجذب يجذب جذبًا١ وجبذ يجبذ جبذًا، فليس بقلب عندهم، وإنما هما لغتان من وضعين مختلفين، وبذا يعد كلا اللفظين أصلًا مستقلا.
وقد صنف علماء اللغة ما جاء مقلوبًا من الألفاظ وعقد له السيوطي في "المزهر" النوع الثالث
стр. 121
والثلاثين، واستقصى فيه كثيرًا من أمثلته، ومنها: صاعقة، وصاقعة، ولعمري، ورعملي, ونحن في ذلك على رأي البصريين؛ لأننا نرى في بعض اللغات المنسوبة "ومنها هذان المثالان" ثبتًا لما ذهبوا إليه.
النحت:
وهو جنس من الاختصار: ينحتون من الكلمتين كلمة واحدة: كعبشمي وعبقسي، وفي النسبة إلى عبد شمس وعبد القيس، وكما ينسب المولودن إلى الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله فيقولون: شفعنتي وحنفلتي١.
ولكن هذا الاختصار إنما هو زيادة في اللغة؛ لأنه يجعل الكلمتين ثلاثًا كما رأيت، فضلًا عما فيه من معنى التصرف بخفة اللفظ مع جميع المعنيين في بعض أنواعه كما قالوا: عجوز صَهْصَلِقْ أي: صخابة، نحتوه من: صهل، وصلق؛ والصلق بمعنى الصوت الشديد، ونحو العَجَمضَى، وهو ضرب من التمر يكون في ضاجم "اسم واد" فنحتوه من "عجم" أي: نوى و"ضاجم".
هذا، وقد ذكر ياقوت في "معجم الأدباء" في ترجمة الظهير النعماني اللغوي، أن عثمان بن عيسى النحوي البليطي شيخ الديار المصرية كان يسأله "سؤال مستفيد" عن حرف من حُوشي اللغة، فسأله يومًا عما وقع في كلام العرب على مثال "شَقَحْطَب" فقال: هذا يسمى في كلام العرب المنحوت، ومعناه أن الكلمة منحوتة في كلمتين "فَشَقَحْطَب" منحوت من "شَقّ حَطَبْ" فسأله البليطي أن يثبت ما وقع من هذا المثال، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه وسماها: "كتاب تنبيه البارعين على النحوت من كلام العرب".
وقد ظن بعض المتأخرين من علماء اللغة أن النحت يقع في الثلاثي أيضًا ومثل له بقوله: نبض الماء إذا سال؛ قال: فإنه يصح أن يكون من "نض" و"بض" وكلاهما بمعنى نبض. وقولهم: مَؤُجَ الماء يمؤج فهو مأج إذا ملح، فلا يكون إلا منحوتًا من "ماء" و"أجاج" وذلك ليس بشيء؛ لأن النحت لا بد فيه من الاختصار الجامع للمعنيين، وهذا لا تجده في نبض؛ لأنه مرادف لبض ونض؛ ولأن أقرب ما يظن في المأج أن الكلمة مأخوذة من الموج ولازمه الملوحة.
والعلماء كلهم مجمعون على أن النحت لا يُعْرَف في الثلاثي.
ومن أنواع التصرف بالنحت في العربية هذه الحروف٢؛ فإن من العلماء من يذهب إلى أنها بقايا كلمات، وقد نص بعضهم على ذلك في أحرف المضارعة، فقال: إنهم أخذوا الهمزة من "أنا" والنون مم "نحن" والتاء من "أنت" وعدلوا عن الواو من هو إلى الياء لكونها أخف منه، وجعلوا الأحرف دليلًا على ما كانت تدل عليه الأصول تقريبًا، فكملت المعاني مع وجازة اللفظ.
стр. 122
وقد تتبع علماء اللغات بعض الحروف في اللغات السامية ليعرفوا من أين أخذت وكيف انتهت إلى العربية على هذا الوجه فاهتدوا من ذلك إلى بعض ما يرجح أنها منحوتة؛ ومن هذه الأمثلة التي عيّنوا أصلها، باء الجر؛ فإنها تستعمل في العربية لمعان كثيرة؛ كالإلصاق، والتعدية، والاستعانة ... إلخ، والأصل في ذلك الإلصاق كما نصوا عليه، ولكنها لا تستعمل في غيرها من اللغات السامية إلا للظرفية؛ فرأوا أن أصلها "بيت" في العبرانية، ثم جاءت "بي" في الكلدانية، ثم الباء وحدها في العربية، فكأن الباء بقية من لفظ "بيت" كمل بها المعنى الأصلي مع وجازة اللفظ وسعة التصرف؛ وهو بحث طريف ظريف.
المترادف:
وهو ترادف الفظين فأكثر على معنى واحد، كما تقول: السيف والعَضْب، والأسد والليث والغضنفر؛ والخمر والراح والعقار والقَرْقَف، ونحو ذلك؛ وقد وجدنا كلامهم في هذا النوع يرجع إلى أربعة مذاهب:
١- بعض العلماء ينكر أن يكون في اللغة ترادف مطلق؛ لأن كثرة الألفاظ للمعنى الواحد، إذ لم تكثر بها صفات هذا المعنى كانت نوعًا من العبث تجل عنه هذه اللغة الحكيمة المحكمة.
وهؤلاء يرون أن كل لفظ من المترادفات فيه ما ليس في الآخر من معنى وفائدة: وأشباع هذا المذهب كثيرون، منهم ابن الأعرابي، وثعلب، وابن فارس.
وقال ابن الأعرابي: إن كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد ففي كل واحد منهما ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا علمه فلم يلزم العرب جهله. ومن أمثلة هذا الذي عرفوه وبينوا وجهه، قول العرب: قعد وجلس. وقال ابن فارس: إن في "قعد" معنى ليس في "جلس": ألا ترى أن نقول: قام ثم قعد، وأخذه المقيم والمقعد. ثم نقول: كان مضطجعًا فجلس، فيكون القعود عن قيام، والجلوس عن حالة هي دون الجلوس؛ لأن الجَلَس "في اللغة": المرتفع، والجلوس ارتفاع عما هو دونه، وعلى هذا يجري الباب كله.
٢- بعضهم يذهب إلى إنكار الترادف مطلقًا بقيد الزيادة في معاني الألفاظ المترادفة وبدون هذا القيد: فيعتبر الموضوع للمعنى الأصلي اسمًا واحدًا والباقي صفات له لا أسماء: فأسماء السيف كلها أصلها السيف وسائرها صفات له: كالمهند والصارم والعَصْب ونحوها: ومن القائلين بهذا الرأي أبو علي الفارسي شيخ ابن جني.
وموضع الاختلاف بين هذا الرأي وما قبله، في اعتبار الفرق بين الاسم والصفة، فأصحاب المذهب الأول يعتبرون المترادفات اسماء تزيد معنى الصفة وهؤلاء يعتبرونها صفات محضة.
٣- والمذهب الثالث إثبات الترادف ولكنهم يخصونه بإقامة لفظ مقام لفظ آخر لمعان متقاربة يجمعها معنى واحد، كما يقال أصلح الفاسد، ولم الشّعَثَ، ورَتَقَ الفَتْق، وشَعَب الصدع، ونحوها، أما إطلاق الأسماء على المسمى الواحد فيسمونه المتوارد: كالخمر والعقار، والليث والأسد،
стр. 123
وغيرها؛ وهذا المذهب من تقسيم بعض علماء الأصول.
٤- والمذهب الرابع إثبات الترادف مطلقًا بدون قيد ولا اعتبار ولا تقسيم، وعليه أكثر اللغويين والنحاة، وقد قال ابن درستويه في هؤلاء:"إنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عادتها وتعارفها. ولم يعرفوا العلة فيه والفروق فظنوا أنهما "أي: اللفظين المترادفين" بمعنى واحد وتأولوا على العرب هذا التأويل من ذات أنفسهم؛ فإن كانوا قد صدقوا في ذلك عن العرب فقد أخطئوا عليهم في تأويلهم ما لا يجوز في الحكمة".
والصحيح من ذلك كله أن أوضاع العرب تختلف؛ لأنهم متصرفون في اللغة لا يعرفون لها قيودًا اصطلاحية، وما من عربي إلا وهو في حكم العرب كلهم باعتبار الفطرية اللغوية التي يرجع إليها أصل الوضع؛ لأن اللغة مفردات وضعها أفراد، وقد كانت لهم أشياء كأنها مظاهر الطبيعة المتسلطة عليهم بمعانيها المتناقضة وصفاتها المتباينة لبلوغها الغاية في مألوفهم من اللذة والألم والمنفعة والمضرة، وهذه يراها كل عربي ويحدث عنها ويصفها على ما يجد في نفسه من أثرها، وعلى ما يراه من صفاتها المختلفة، فلا جرم اختلفت الألفاظ الموضوعة لها بحسب ذلك.
ومن هذه الألفاظ ما يكون أسماء من وضع القبائل المتعددة تسمع كل قبيلة لغة الأخرى فيأخذ بعضها عن بعض استطرافًا وتوسعًا في الكلام، ومنها ما يكون صفات يتصرف في ضوعها أفراد كل قبيلة فلا تختص بالوضع الواحد لما عَلِمتَ من اختلاف السبب الحامل على اشتقاقها، ثم تنزل هذه الصفات منزلة الحقائق العرفية بعد أن تكون قد فشت في الاستعمال وتلتحق ألفاظها بأصل اللغة، وهذا هو القسم الأكبر من المترادفات، كثرت عندهم أسماؤه وصفاته لما أشرنا إليه آنفًا، وأشهر ما ورد منه، أسماء العسل وهي ٨٠، والأسد ٣٥٠ وقيل ٥٠٠ وقيل ٦٧٠، والحية ٢٠٠ وقيل ٥٠٠، والداهية ٤٠٠ وقيل أربعة آلاف١، والحجر ٧٠، والكلب ٧٠، والسيف ٣٠ وقيل: ١٠٠٠، والناقة ٢٥٥، والبعير ألف٢، والشمس ٥٢، والخمر ١٠٠ وقيل ٢٠٠، والبئر ٨٨، والماء ١٧٠، وغير ذلك وخاصة ما يدخل في باب الصفة، كصفات الطويل والقصير والشجاع والجبان والكريم والبخيل ونحوها من الصفات الشائعة التي أجمعوا على مدحها أو ذمها؛ وقد استوفى صاحب "المخصص" في
стр. 124
كتابه قسمًا كبيرًا منها.
وعلى أن ثمة شيئًا هو أكثر ألفاظ العربية ترادفًا، وهو "الميل الجنسي" فلا تكاد تتصفح مادة في "القاموس المحيط" حتى تصيب من مترادفاته لفظًا أو أكثر؛ وذلك مما يثبت ما بيناه من سبب الترادف الكثير الذي هو مثار العجب.
أما النوع الثاني من المترادف وهو القسم الأصغر منه الذي تقل فيه ألفاظ المعنى الواحد، فإنه يكاد يكون طبيعيا في اللغات كلها؛ ومأتاه في العربية من اختلاف الأوضاع لتعدد القبائل: كالمدية في لغة دوس والسكين في غيرهم، ولا يتعين في مثل هذا النوع أن يكون في كل كلمة زيادة في المعنى والفائدة عما في غيرها؛ لأن كلا اللفظين موضوع لمعنى واحد لا زيادة في دلالته، إلا إذا اعتبرنا أصل الاشتقاق والسبب الحامل للواضع على أن يضع وإلا إذا كان كل اللفظين يمثل حالة مما يصح فيه الاختلاف كجَلَس وقَعَد مثلًا، وتجد لأهل الاشتقاق في هذا المذهب تعسفات كثيرة وتأويلات باطلة كقول بعضهم إن الإنسان سمي إنسانًا باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يؤنس؛ وسمي بشرًا باعتبار أنه بادي البَشَرَة ... فكأن لفظ النسيان الذي يدل على معنى جزئي معقول وضع قبل لفظ الإنسان الذي هو مدلول اللغة كلها. وذلك هو التاريخ الميت الذي حسابه عند ربه.
وقد أفرد بعض العلماء أنواع المترادف بالتأليف، فوضعوا كتبًا في أسماء الأسد والحية والسيف والداهية وغيرها، ولصاحب القاموس كتاب سماه "الروض المسلوف، فيما له، اسمان إلى الألوف" ولم يعثر عليه أحد لا رأينا منه مادة منقولة في كتاب من الكتب.
المشترك:
وهو عكس المترادف؛ لأنه مجيء اللفظ الواحد لمعنيين فأكثر: كالأرض لهذا البسيط، ولأسفل قوائم الدابة، وللنُّفْضة والرِّعدة، وللزكام؛ وأرض الخشبة، وهو أن تأكلها الأرضة. وهذا لا شك في أن مأتاه من تعدد الوضع وتباين اللغات؛ لأن الألفاظ متناهية والمعاني لا تتناهى، فإذا وزعت هذه على تلك لزم الاشتراك واختصاص اللفظ الواحد بمعنيين أو أكثر. والقسم الأكبر من المشترك كلمات معدودة، أشهرها ما تعلق عليه شعراء المتأخرين كما ستعرفه في بحث الصناعات اللفظية، وجملة ذلك خمسة ألفاظ وهي: العين، والخال، والهلال، والغرب، والعجوز.
فمن معاني العين مثلًا: عين الإنسان، والنقد من الدراهم والدنانير، ومخرج ما البئر، ومطر أيام لا يقلع، والجاسوس، ونفس الشيء.... إلخ. وقد توسع المتأخرون من الشعراء في معاني هذه الكلمات لتبلغ بها أنفاس القوافي كما سنذكر في موضعه إن شاء الله. لا جرم أن الاشتراك وجه من وجوه الوضع في اللغة؛ فإن أكثره راجع إلى الاشتقاق والمجاز كما يقال مشي من المشي، ومشي إذا كثرت ماشيته؛ وكما نقلوا من أسماء الطير لأجزاء الفرس، فسموا العظم الذي في أعلى رأسه بالهامة وهو اسم طائر، وسموا دماغه الفرخ، والجلدة التي تغطي الدماغ بالنعامة، والعظم الذي تثبت عليه الناصية بالعصفور ... إلخ وهي عشرون اسمًا.
стр. 125
المشجر والمسلسل:
وقد استخرج اللغويون من الاشتراك في اللغة ومداخلة الكلام للمعاني المختلفة نوعًا سموه المشجر، وبعضهم يسميه المسلسل، متابعة لرواة الحديث فيما يناظر هذا النوع عندهم؛ وذلك أن يجيئوا بالكلمة المشتركة فيعتبرونها شجرة يفرعون من معانيها المختلفة فروعًا ويسترسلون في تفسير الكلام على الوجه المشترك حتى تبلغ الشجرة مائة كلمة أو أكثر، وكلها متسلسلة من كلمة واحدة.
تاريخ هذا النوع:
وأول من وضع كتابًا ففي ذلك أبو عمرو المطرز الراوية المتوفى سنة ٣٤٥هـ فقد عمل عليه كتابه الذي سماه "المداخل في اللغة" وكان يعاصره أبو الطيب اللغوي المتوفى بعد سنة ٣٥٠هـ بقليل، فعمل كتابًا سماه "شجر الدر" وجعل كل شجرة مائة كلمة، إلا شجرة ختم بها الكتاب عدد كلماتها ٥٠٠ وقال في كتابه: إنما سمينا الباب شجرة لاشتجار بعض كلماته ببعض، أي: تداخله. فأخذ وضع المطرز وزاد فيه وابتدع له تسمية جديدة، ثم جاء أبو الطاهر محمد بن يوسف بن عبد الله التميمي المتوفى بمدينة قرطبة سنة ٥٣٨هـ فوضع كتابه الذي سماه "المسلسل" وقال في مقدمته: "كان سمع علي كتاب المداخل في اللغة لأبي عمرو المطرز ﵀، فاستنزرته لقدره، ولم أحظ بهلاله فيه ولا بدره، فرأيت أنه رأى لم تستوف تمامه، وغرض لم تُقَرْطِسه سهامه، ولعله إنما ارتجله ارتجالًا، وجرت ركائبه فيه عجالًا، فلم يدمث خزنه، ولا أقام وزنه، ولا استوفى غرره، ولا استقصى درره، فحركني ذلك إلى صلة ما ابتدأ، وتمكين ما رسم فيه وأنشأ".
وقد ضمن كتابه خمسين باباً افتتح كل باب منها بشعر عربي وختمه بمثل ذلك.
أمثلة:
من أمثلة كتاب أبي الطيب:
"شجرة": العين عين الوجه، والوجه القصد، والقصد الكسر، والكسر جانب الخباء، والخباء مصدر خابأت الرجل إذا خبأت له خبءًا وخبأ لك مثله، والخبء السحاب.
ثم انسحب على هذا الأثر بعد "العين". وقد نقل السيوطي هذه الشجرة في مزهره في النوع الحادي والثلاثين.
ومن أمثلة المسلسل هذا الفصل فيه وقد حذفنا شواهده اختصارًا، قال:
أنشد أبو عبيدة لصبيان الأعراب، وتروى لامرئ القيس:
لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل
ينادي الآخر الأل ... ألا حلوا ألا حلوا
الأل الأول، وأول يوم الأحد، والأحد هو الوحد، والوحد الفرد، والفرد الثور، والثور الظهور، والظهور الغلبة، والغلبة جمع غالب، وغالب أبو لؤي، ولؤي تصغير اللأي، واللأي الثور،
стр. 126
والثور فحل البقر، والبقر الفرق، والفرق تباعد ما بين الثنايا، والثنايا العقاب، والعقاب الموالاة، والموالاة المظاهرة، والمظاهرة لبس ثوب على ثوب، والثوب الرجوع، والرجوع الكر، والكر حبل النخل، والنخيل الخيار، والخيار الحكم، والحكم الحكمة، والحكمة العلم والعدل، والعدل القيمة، والقيمة الثمن، والثمن العوض، والعوض البدل، والبدل الخلف، والخلف الجبر، والجبر إصلاح الكسر, والكسر كسر جانب البيت, والبيت الزوج, والزوج النمط, والنمط من الناس الضرب, والضرب من الرجال الممشوق القد، والقد قطع السير، والسير سرعة المشي، والمشي سعي الواشي، والواشي المحسن، والمحسن اسم إنسان، والإنسان صبي العين، والعين خاصة الملك، والملك الصَّيْدَن، والصيدن الثعلب، والثعلب ما يدخل السنان من القناة، والقناة القامة، والقامة جمع قائم، والقائم مقبض السيف، والسيف الضرب به، والضرب الذهاب في الأرض، والأرض الرعدة، والرعدة الرعش، والرعش سرعة الظليم، والظليم اللبن قبل الروب، والروب خثارة النفس من كثرة النوم، والنوم الكرى، والكرا طائر، والطائر عمل العامل، والعامل من الرمح الصدر، والصدر "الأول" ا. هـ.
وهذا الإتساع مما اختصت به العربية دون سائر اللغات, وللمشجر معنى آخر في صناعات النظم نذكره في موضعه من "باب الصناعات".
الأضداد:
والتضاد نوع من الاشتراك، وهو من أعجب ما في أمر هذه اللغة؛ لأنه إيقاع اللفظ الواحد على معنيين متناقضين، ومثل ذلك إذا لم تصح فيه الحجة ولم ينهض به الدليل كان عبثًا؛ لما فيه من التباس أطراف الكلام ورجوع بعضه على بعض بالنقض, وإن أصحب من القرينة بما يوضح تأويله ويعين جهة الخطاب فيه؛ وذلك ما لا يمكن أن يغمز فيه على العربية وهي بخصائصها وسنن أهلها في الوضع والتصرف تعتبر كالعقل المدرك في جمجمة اللغات. وحاصل كلامهم في الأضداد يرجع إلى أربعة مذاهب:
١- إبطال الأضداد وأن اللغة في ذلك تجري على وجه واحد؛ وهذا مذهب لم نتحققه ولم نتصفح شيئًا من آراء القائلين به، وإنما أخذناه مما نقله السيوطي في "المزهر" عن ابن درستويه المتوفى سنة ٣٤٧هـ، في "شرح الفصيح" قال: "النوء: الارتفاع بمشقة وثقل، ومنه قيل للكوكب: قد ناء إذا طلع. وزعم قوم من اللغويين أن النوء السقوط أيضًا وأنه من الأضداد، وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا -الذي عملناه- في إبطال الأضداد ... ".
٢- إثبات التضاد متى كان إيقاع اللفظ على الضدين في لغة القبيلة الواحدة؛ لأن التضاد يكون متحققًا في الوضع حينئذ. ومن أصحاب هذا الرأي ابن دريد، قال في "الجمهرة": الشعب الافتراق، والشعب الاجتماع؛ وليس من الأضداد وإنما هي لغة القوم.
٣- إثباته على أن لا يكون من وضع القبيلة الواحدة؛ لأنه من المحال أن يكون العربي أوقع اللفظ على الضدين بمساواة بينهما، ولكن أحد المعنيين لحي من العرب والمعنى الآخر لحي غيره،
стр. 127
ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. وذلك رأى الجمهور من العلماء.
٤- إثباته مطلقًا من وضع واحد أو متعدد، واعتبار الضد معنى مشتقا من أصل الوضع؛ فالأصل لمعنى واحد ثم تدخل على جهة الاتساع. وأصحاب هذا الرأي يعتلون لذلك بإمكان رجوع الضدين إلى باب واحد في الاشتقاق أحيانًا، كقولهم: الصريم، يقال لليل وللنهار؛ لأن كليهما ينصرم من الآخر، فأصل المعنيين من باب واحد وهو القطع. وهذا المذهب كما ترى جدلي، ونظم القائلين به من علماء الكلام.
والذي عندما في ذلك أن التضاد ليس قديمًا في اللغة، ولا هو من سنن الوضع عند العرب؛ لأنه لا تمس إليه الحاجة الطبيعية، وليس في كل ما ورد من ألفاظه لفظة واحدة تفتقر إليها اللغة، فلا بد أن يكون أصله حادثًا في زمن النهضة التي تقدمت الإسلام حين اختلطت القبائل وانصرف العرب إلى زينة المنطق والتملح في الكلام، فهو تفنن تدخله بعض القبائل في لغتها وتتوسع به لإحدى المناسبات المرهونة بأوقاتها، ثم يعرفون به ويمضون عليه في التعبير فيثبت في ميراث القبيلة في اللغة. ومما يرجح ذلك أن الألفاظ التي يتحقق فيها معنى التضاد الطبيعي قليلة: كالسدفة للضوء والظلام، والصريم لليل والنهار، والجنون للأبيض والأسود، والسجود للانحناء والانتصاب، ونحوها؛ وقليل منها منسوب للقبائل التي استعملته على وجهيه.
أما أكثر ما يعدونه من الأضداد فمعظمه حادث في الإسلام، اقتضاه تصرفهم في اللغة على ضروب من الإشارة والإيجاز؛ فهو تفنن محض لا يرجع إلى الوضع الواحد ولا المتعدد، بل يكاد يعد نوعًا من البديع أو الصناعات اللفظية١؛ ومن يقرأ كتاب "الأضداد" لأبي بكر بن الأنباري ويتدبر معاني ما فيه, ويعتبر نسبة الشواهد التي جاء بها يتحقق ما ذهبنا إليه؛ وقد رأيناهم ربما اختلفوا في تفسير الكلمة فعدوا ما يقتضيه الاختلاف من التضاد أمرًا واقعًا في حقيقة المعنى، كاختلافهم في معنى "أشد" من قولهم: بلغ فلان أشده؛ فإن منهم من يفسرها ببلوغ ثماني عشرة سنة، ومنهم من يقول ببلوغ أربعين أو ثلاث وثلاثين، وبهذا الاختلاف المتناقض يعدون اللفظة من باب الأضداد.... وربما تزيد بعض أهل اللغة فيتوسع في تفسير الكلمة بالمعنيين المتضادين ليدل بذلك على اتساع علمه، كقول بعضهم في "الضد" نفسه: إنه يقع على معنيين متضادين، يقال: فلان ضدي، أي: خلافي، وهو ضدي أي: مثلي. قال ابن الأنباري: وهذا عندي قول شاذ لا يعمل عليه؛ لأن المعروف من كلام العرب: العقل ضد الحمق، والإيمان ضد الكفر؛ والذي ادعى من موافقة "الضد" للمثل لم يقم عليه دليلًا تصح به حجته.
стр. 128
ولو صح أن التضاد قديم في اللغة وأنه ثابت في أصل الوضع، لفسد هذا الوضع ولبطلت حكمته؛ ثم لا بد أن يكون من أثر ذلك شيء كثير في منقول اللغة؛ وهو خلاف الواقع؛ حتى إن العلماء كانوا يتميزون من هذا النوع بمعرفة ألفاظ معدودة، كالألفاظ التي عقد لها أبو عبيدة في "الغريب المصنف" باب الأضداد، وهي أربعون لفظة، وهذا ابن الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨هـ وهو من أوسع الناس حفظًا للغة، قد ألف كتاب "الأضداد" الذي قالوا إنه لم يؤلف في الأضداد أكبر منه، وذكر في مقدمته أنه نظر في الكتب التي أحصيت فيها الحروف المتضادة، فوجد كل واحد من أصحابها أتى من الحروف بجزء وأسقط جزءًا، فجمعها في كتابه "ليستغني الناظر فيه عن الكتب القديمة المؤلفة في مثل معناه؛ إذ اشتمل على جميع ما فيها"؛ ومع ذلك لم يشتمل كتابه إلا على قريب من ٣٠٠ حرف لا يتحقق التضاد في نصفها، والباقي متجوز به ومتوسع فيه.
أما الألفاظ التي رويت من هذا الباب ونسبوها لقبائل مسماة، فقد حرصنا على جمعها اتباعًا لطريقتنا التي نحوناها في هذا التاريخ؛ لأنا نرى في مثل ذلك أشباحًا للمعاني التاريخية التي ذهبت في آفاقها، والشبح إن لم يفصل معاني جسمه، ولم يضبط أجزاءه، فلا أقل من أن يعين موقعه ويظهر منه صورة مبهمة، وذلك فتح عظيم في مثل هذا التاريخ المستغلق بابه، المضروب على الغيب حجابه، وتلك الألفاظ هي:
الرجاء: يستعمل بمعنى الشك، والطمع، واليقين، وكنانة وخزاعة ونصر وهذيل يقولون: لم أرج، ويريدون لم أبال.
وبنو عقيل تقول: لَمَقْت الكتاب ألمقه لموقًا ولمقًا، إذا كتبته؛ وسائر قيس يقولون: لمقته لموقًا إذا محوته.
والسامد في كلام أهل اليمن: اللاهي، وفي كلام طيئ: الحزين.
يقال: شريت إذا ابتعت، ولكنها بمعنى "بعت" لغة الغاضرة.
والسدفة يذهب بنو تميم إلى أنها الظلمة، وقيس يذهبون إلى أنها الضوء.
حاب الرجل فهو حائب، إذا أثم، والحائب في لغة بني أسد القائل.
المعصر في لغة قيس وأسد: التي دنت من الحيض. وفي لغة الأزد: التي ولدت، أو تعنست١.
يقال: عين، للخلق كالقربة التي تهيأت مواضع منها للتثقب، وطيئ تقول عين للجديد.
المقور في لغة الهلاليين: السمين، وفي لغة غيرهم: المهزول.
الساجد: المنحني، عن بعض العرب؛ وهو في لغط طيئ: المنتصب.
القلت في كلام أهل الحجاز: نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيغرق فيها الجمل والفيل لو سقط فيها، وهي في لغة تميم وغيرهم نقرة صغيرة في الجبل يجتمع فيها الماء.
стр. 129
رزقه بمعنى أناله، ولكنها في لغة الأزد بمعنى شكره.
وهذا كل ما أمكن العثور عليه في كتب اللغة وغيرها؛ وهو متمم لما استقصيناه من لغات العرب.
الدخيل:
وهو ألفاظ داخلت لغات العرب من كلام الأمم التي خالطتها فتفوهت بها العرب على منهاجها لتدل في العبارة بها على ما ليس من مألوفها، وتجعل منها سبيلًا إلى ما يجد من معاني الحياة؛ لأن أرضهم وديارهم لم تكن الأرض كلها فتنحصر أفلاذها ونتائجها بين أيديهم حتى يتعين عليهم أن يضعوا لكل شيء ضريبه من اللفظ ونديده من التعبير؛ والعجيب أن طبيعة أرضهم ظاهرة التأثير فيما أعربوه، فهم لم يعدوا به حد الضرورة، ولا تجاوزوا مقدار الحاجة الماسة، مما جعل هذا النوع في لغتهم قليل النماء بادي الإمحال.
بل الدخيل في لغة العرب يكاد يكون صورة جغرافية لما عرفوه مما خرج عن حدود جزيرتهم، وقد كان شعراؤهم وتجرهم وأهل الأسفار منهم يحملون إليهم التواريخ والأحاديث كما يحملون عروض التجارة من مصر والحبشة وفارس والهند والروم، فيدخل من ذلك في عادتهم وشعائرهم ويلحقون ألفاظه بلغتهم، سواء منها ما جعلوه على أبنيتهم وما لم يجعلوه؛ لأن قواعد اللغة يومئذ لم تكن كما هي اليوم في حركات الأقلام، ولكنها كانت في حركات الألسنة. وبالجملة فإنهم لم يتناولوا اسمًا من أسماء الأجناس أو الأعلام إلا غيروه متى كان فيه ما ليس من حروفهم، وربما عادوا فغيروا في الحروف العربية أيضًا وتصرفوا في الكلمة بالحذف والزيادة، مبالغة في تحقيق الجنسية اللغوية؛ أما إن كانت حروف الاسم الأعجمي من جنس حروفهم فقد يتركونه على حاله، نحو: خراسان؛ إذ ليس في أبنيتهم فعالان، وحُزّم، وألحقوه ببناء سُلم.
فموضع التصرف كما رأيت إنما هو في حروف الكلمة حتى تخرج على وجه من الوجوه العربية الفطرية التي يراعى فيها غير الخفة والثقل، وليس غير الحرف اللفظي ما يغمز من مواضع الإحسان من ألسنتهم، كما فصلناه في بابه؛ ولهذا قال أئمة العربية: تعرف عجمة الاسم بوجوه:
١- النقل، بأن ينقل ذلك أحد أئمة العربية.
٢- خروجه عن أوزان الأسماء العربية، نحو إبريسم؛ فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي.
٣- أن يكون أوله نون ثم راء، نحو: نرجس؛ فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.
٤- أن يكون آخره زاي بعد دال، نحو: منهدز؛ فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.
٥- أن يجتمع فيه الصاد والجيم١ نحو الصولجان والجص.
стр. 130
٦- أن يجتمع فيه الجيم والقاف نحو: المنجنيق١.
٧- أن يكون خماسيا أو رباعيا عاريًا عن حروف الذلاقة، فإنه متى كان عربيا فلا بد أن يكون فيه شيء منها٢.
وقالوا:
١- الجيم والتاء لا تجتمعان في كلمة من غير حرف ذولقي؛ ولهذا ليس "الجبت" من محض العربية؛ وهو في القرآن في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .
٢- الجيم والطاء لا تجتمعان في كلمة عربية، ولهذا كان "الطاجن والطيجن" مولدين؛ لأن ذلك لا يكون في كلامهم الأصلي.
٣- لا تجتمع الصاد والطاء في كلمة من لغتهم، أما الصراط فصاده يدل من السين.
٤- يندر اجتماع الراء مع اللام إلا في ألفاظ محصورة: كورَل ونحو.
٥- قال البطليوسي في "شرح الفصيح": لا يوجد في كلام العرب دال بعدها ذال إلا قليل، ولذلك أبى البصريون أن يقولوا بغداذ.
٦- قال ابن سيده في "المحكم": ليس في كلام العرب شين بعد لام في كلمة عربية محضة؛ الشينات كلها في كلام العرب قبل اللامات٣.
هذا وقد وجد الباحثون بعد الاستقصاء أن أكثر ما دخل العربية من أسماء المعبودات والمصطلحات الدينية فهو من الهيروغليفية والحبشية والعبرانية: كلفظ النبي٤، فإن هيروغليفي، ومعناه في الأصل: عميد أو رب المنزل؛ وكلفظة منبر: فإنه معرب "ومبر" بالحبشية؛ وكألفاظ: الحج والكاهن، وعاشوراء، وغيرها؛ من العبرانية.
أما أسماء العقاقير والأطياب والجواهر فأكثرها هندي كالمسك، فإنه في اللغة السنسكريتية "مشكا"، والزنجبيل وهو فيها "زنجابير"، والفلفل وهو "ببالا أو فيفالا"، وهكذا.
وأكثر ما يكون من أسماء الأطعمة والثياب والفرش والأسلحة والأدوات فهو من الفارسية:
стр. 131
كالسكباج، والديباج، والخز، والخوذة، والإبريق، والطست، وغيرها.
وفي "المزهر" فصل معقود لألفاظ أخذتها العرب من الفارسية والرومية والسريانية والنبطية وغيرها، ولكن علماء اللغة كانوا يخلطون في ذلك؛ لأنهم غير متحققين بتلك اللغات ولا بأكثرها؛ والعجيب أنهم يردون أكثر المعربات إلى الفارسية، ولم نكن نظن أن لذلك سببًا غير شيوع هذه اللغة أيام العباسيين، حتى وقفنا على أن مرجع تلك النسبة إلى العصبية؛ فإن كثيرًا من العلماء كانوا موالي أو فرسًا، وقد نصوا على أن بعضهم -كحمزة الأصبهاني والأزهري وغيرهما- كانوا يتملحون لذلك؛ تكثيرًا لسواد المعربات من لغة الفرس وتعصبًا لهم.
وبلغ من ذلك أن منهم من زعم أن النبي ﷺ تكلم بالفارسية؛ واشتهر بين الأعاجم حديثان، أحدهما قوله فيما زعموا: أن جابرًا صنع لكم سور أي: ضيافة. والثاني قوله: العنب دو دو والتمر يك أي: في تناولهما مثنى وفرادى. وقد حقق العلماء أن لا أصل له، وإنما يتوجه على تلك العصبية التي تشبه أن تكون دينًا لغويا ترغم العربية على انتحاله.
ومن المعرب كلمات معدودة استعملها العرب ولها رديف في لسانهم: كالتامورة للإبريق، والثقوة للسّكرُّجة، والمشموم للمسك، والناطس للجاسوس، ونحوها؛ ولا يعقل أن يستعمل العرب هذه الألفاظ على أنها مرادفات لأوضاعها في لغتهم؛ لأنهم لا يبلغون بالمعرب قوة كلامهم بالضرورة من حيث إنه دخيل على الأوضاع العربية فهو ليس في معنى الأصيل إلا حيث تخلو اللغة من نديده. وعندنا أن بعض تلك الألفاظ إنما كان لمعان غير محدودة بما يطابق عليه بالحد، بل يبقى من الألفاظ المشتركة، وحينئذ كانت اللفظة الدخيلة أولى بالحاجة وأصح في تأدية المعنى اللغوي بحده؛ وقد يكون بعض تلك الألفاظ من وضع قبيلة بعينها، ثم تتناول القبائل الأخرى اسمه بالتعريب لخلو لغتها منه أو لقربها من أسواقه، واختلاطها بأهله، فينطق بالأصيل قوم وبالدخيل أقوام، وقلة هذه الألفاظ المشار إليها مما يحقق ظننا فإن كل ما جمعوه منها نيف وعشرون لفظة.
الدخيل في الإسلام:
ولما فتحت الأمصار على المسلمين ودان غير العرب للإسلام، فشت في منطق المتحضرين ألفاظًا كثيرة من الدخيل بحكم الاختلاط والمعاملة، إلا أن أكثرها لم يلتحق باللغة؛ لأن الرواة أهملوه؛ وكان هذا الدخيل أول أمره بدء انحراف الألسنة عن العربية الفطرية في تاريخ اللحن كما سيأتي في موضعه، ومن ذلك ما ساقه الجاحظ في لغة أهل المدينة، فإنه ذكر أنهم علقوا ألفاظًا من قوم من الفرس نزلوا فيهم، فيسمون البطيخ: الخربز، والسميط: الروزق؛ وأن أهل الكوفة يسمون المسحاة: بال، والسوق، بازار، وذلك كله فارسي.
وكان الأعراب الأقحاح يعجبون لمثل هذا ولا ينطقون به؛ وقد حكى أبو مهدية الأعرابي -ممن أخذت عنهم اللغة- بعض ألفاظ أعجمية كانت فاشية لعهده فأنكرها؛ وإنما ضربها مثلًا لغيرها فقال:
يقولون لي "شنبذ" ولست مشنبذًا ... طوال الليالي ما أقام ثبير
стр. 132
ولا قائلًا "زودا" ليعجل صاحبي ... "وبستان"١ في قولي علي كبير٢
ولا تاركا لحني لأتبع لحنهم ... ولو دار صرف الدهر حيث يدور
على أن من الأعراب من كان يستظرف بعض الكلمات الأعجمية فيقحمها في شعره على جهة التملح والاستظراف، ونقل الجاحظ من ذلك بعض أبيات في كتابه "البيان".
ثم لما انقضت الدولة الأموية وهي بقية العهد العربي، أقبل العباسيون على اتخاذ البطانة من الفرس والديلم وغيرهم، وهم الذين كانت لهم اليد في بث العلوم واتخاذ المترجمين ونقل الكتب عن الفارسية والهندية واليونانية مما سنفصله في مكانه، فابتدأت من ثم صنعة التعريب، وداخلت اللغة كلمات كثيرة من مصطلحات العلوم: كالطب والفلك والهندسة ونحوها.
ولما أنشأ المأمون دار التعريب التي سماها "دار الحكمة" وهي دار كتبه العظيمة، أرصد فيها علماء لتهذيب الكتب المترجمة وتوجيه الأسماء المعربة من الأعلام والأجناس على ما يناسب المنطق العربي، فكانوا ينحون في ذلك منحى العرب، ويتصرفون في الأسماء بالتغيير والإبدال والحذف، وهذا هو وجه الصعوبة في التعريب؛ لأنه لا ضابط له ولأن الألفاظ العربية محصورة الأوضاع محدودة الصيغ، لا تقبل الزيادة عليها إلا منها، ولا يمكن أن تقحم فيها الألفاظ الأجنبية إلا بعد أن تجانسها وتؤاخيها.
ومن أمثلة هذا التغير الذي جرى عليه العرب ومن بعدهم في أسماء الأعلام: يحيى في يوحنا، وقابيل في قابين، وعيسى في إيسوس٣ وطالوت في جليات، والضحاك في ده آك، والأشكري في أسكاريس، وشمشقيق في زيميلساس وسجسطيلوس في سكستيلس، وأشبيلية في هسياليس، وطليطلة في تولاده، وغير ذلك كثير تطفح به كتبهم.
وهذا التغيير الذي لا ضابط له كان سببًا من أسباب الإفساد والتحريف في الكتب؛ حتى لقد تجد الاسم الواحد يتقلب على صور شتى، وبذلك تضيع حقيقته التاريخية: كفيلبس أبي الإسكندر، فإنك تجده في كتب التاريخ العربية: فيلقوس، وفيلثوس وفيلنوس، وفيلبوس، وقنلتوس؛ وقد جاء في تاريخ القرماني: أفطياقوس في أنطيخوس، ثم جاء هذا الاسم في موضع آخر من التاريخ نفسه على هذه الصورة: أبطيحش....
ومن مثل هذا الاختلاف الذي لا بد منه تنبه ابن خلدون حين اعتزم وضع تاريخه المشهور إلى وجوب ضبط هذه الأسماء الأعجمية على وجوهها التي تلفظ بها في لغاتها، فاصطلح لذلك على وضع جديد في الكتابة سنذكره في الكلام على الخط ما كان عند علماء العرب من مثله.
لم يكد ينقضي عصر التعريب العلمي عند العباسيين بعد أن دالت الدولة وتراخت الهمم، حتى
стр. 133
استعجمت اللغة وطم الدخيل على المنطق؛ لأن الذين تولوا أمر التعريب يومئذ إنما هم الصناع والمحترفون لا الكتاب والمؤلفون؛ وبذلك صار الدخيل لغة في التاريخ بعد أن كان تاريخًا في اللغة.
وبقي من هذا الفصل كلام في كيفية التعريب، واختلاف الكتاب فيه، والحروف التي يطرد فيها الإبدال، والألفاظ التي عربها المتأخرون أو اصطلحوا على تأدية معانيها، ونحو ذلك مما لا تعلق له بالتاريخ؛ فأمسكنا عن إيراده وإن كان ثروة من الكلام.
أما الكتب التي وضعت في المعرب والدخيل فأجمعها كتاب "المعرّب" لأبي منصور الجواليقي المتوفى سنة ٥٣٩هـ و"شفاء الغليل" للخفاجي من أدباء القرن الحادي عشر، وكلاهما متداول مشهور.
المولد:
ويسمى المحدث أيضًا، ويراد به في الاصطلاح اللغوي: ما أحدثه المولدين الذين لا يحتج بألفاظهم١، وهم الطبقة التي وليت العرب في القيام على لغتهم من المتحضرين. وذلك يشبه الوضع في بادئ الرأي؛ لأنه استقلال بالمنطق عن الطريقة التي انتهجتها العرب، والعلماء لا يقبلون الوضع ولا يصححون الاستعمال إلا من عربي، لمكان السليقة واعتبار النحيزة، ولذا ميزوا بين الكلام فيما ينقلونه، فقالوا: هذه عربية، وهذه مولدة.
وشرط المولد عندهم أن لا يكون في استعمال أهل البادية ولا في العتيق من كلام العرب، وبهذا قال بعضهم إن "الغضارة" مولدة؛ لأنها من خزف وقصاع العرب من خشب.
وفي "أمالي ثعلب" ما يفهم منه أن المولد عنده كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بنوع من أنواع التغيير، كأن يكون مهموزًا فتدع همزه، نحو: هَنَاك الطعام، في هنأك؛ أو تبدل الهمزة فيه نحو واخيته في آخيته؛ أو تسقطه، نحو: قفلت الباب، في أقفلته؛ أو لا يكون مهموزًا فتهمزه. نحو: رجل أعزب، في عَزَب؛ أو يكون مشددا فتخففه، نحو: فوهة النهر، في فوهته، أو يكون مخففا والعامة تشدده، نحو: الدخّان في الدخَان؛ أو يكون ساكنًا وتحركه، نحو: حلَقة الباب، وهي الحلْقة؛ أو تبدل فيه حرفًا بحرف نحو: الزمرد وهو بالذال؛ أو يكون مفتوحًا فيكسرونه، نحو الكتان وهو بالفتح؛ أو مكسورًا ويفتحونه، نحو: الدهليز وهو بالكسر، وهلم جرا.
وفي كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة أمثلة كثيرة من هذه الأنواع.
الألفاظ الإسلامية:
وقد سبقت التوليد طبقة من الوضع العربي خرجت ببعض الكلام في الاشتقاق عن معاني الجاهلية، وذلك ما يسمونه بالألفاظ الإسلامية، وقال ابن فارس في أسبابها: كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله جل ثناؤه
стр. 134
بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخرى بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت، فعفّى الآخر الأول، فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن، والمسلم، والكافر والمنافق؛ وإن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان، وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا؛ وكذلك الإسلام والمسلم: إنما عرفت منه إسلام الشيء، ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء؛ وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغطاء والستر؛ فأما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع١.
ومن هذا الضرب كل ما استحدثه أهل العلوم والصناعات من الأسماء: كمصطلحات الفقه والنحو والعروض وغيرها مما يكون له اسمان: لغوي وصناعي، والأصل في جميع ذلك الألفاظ الشرعية التي نقلها النبي ﷺ من اللغة إلى الشرع كما رأيت.
وقد كان مثل هذا النقل المجازي في الجاهلية أيضًا؛ لأنه سبب من أعظم الأسباب في نمو اللغة كما تقدم في موضعه، ولكن لم ينسب من ذلك شيء لناقل معين فيما علمنا. إلا كلمة واحدة ذكرها الجاحظ في كتاب "الحيوان"، وهي فيما يقال: إن أول من سمى الأرض التي لم تحفر قط ولم تحرث إذا فعل بها ذلك "مظلومة" النابغة.... وقد تبعه العرب على ذلك، ومنه قيل: سقاء مظلوم، إذا أعجل عليه قبل إدراكه٢. وقال الجاحظ في جزء آخر من "الحيوان" وقد ذكر هذه الكلمة: إن النابغة ابتدأ هذا الاسم على الاشتقاق من أصل اللغة، وإن العرب اجتمعت على تصويبه وعلى اتباع أثره.
ومما يلتحق بفصل الألفاظ الإسلامية، كلمات عربية كرهوا النطق بها في الإسلام، كأنهم من خوفهم على العرب أن يعودوا في شيء من أمر الجاهلية احتاطوا فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلق. وأصل ذلك ما نهى عنه النبي ﷺ نحو قوله: "لا يقولن أحدكم لمملوكه: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي؛ ولا يقولن المملوك: ربي وربتي، ولكن يقول: سيدي وسيدتي". وعلة هذا المنع ظاهرة؛ ولكن فيما كرهوه أشياء جاءت بها الروايات ولا تعرف وجوهها. قال الجاحظ: "ولم نسمع في ذلك أكثر من الكراهة، ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفت المؤنة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر الرواية دون حكاية العلة دون الإخبار عن البرهان وإن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدة واحدة". ومن ذلك قول ابن مسعود وأبي هريرة: "لا تسبوا الكرم فإن الكرم هو الرجل المسلم" وقد رفعوه إلى النبي ﷺ . ورووا عن ابن عباس أنه قال: "لا تقولوا: والذي خاتمه على فمي، فإنما يختم الله على فم الكافر". ومما كرهه ابن عباس قولهم: قوس قزح، وقال: قزح شيطان. فكأنه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية في الإضافة إلى الأصنام.
стр. 135
والشياطين وكأنه أحب أن يقال: قوس الله، فيرفع من قدره كما يقال أرض الله وسماء الله. وبقيت أمثال لذلك كثيرة لا نطيل في استقصائها.
أمثلة المولد وكتبه:
وقد علمت أن من المولد هذه المصطلحات التي جاءت بها العلوم، وهي معدودة أيضا من الألفاظ الإسلامية؛ لأنها وضعت في الإسلام، ومنها ألفاظ خاصة بالمتكلمين والرياضيين والفلكيين والأطباء والفقهاء والصوفية وغيرهم، وقد أفردت لها معاجم خاصة بشرحها: ككتاب "التعريفات" للجرجاني، و"كشاف اصطلاحات العلوم" للتهانوي، و"كليات" أبي البقاء، واصطلاحات الصوفية. وأول ما وضع من هذا النوع فيما نظن، كتاب "مفاتيح العلوم" لمحمد بن أحمد الخوارزمي من أهل القرن الرابع، وهو على اختصاره مفيد، جمع فيه مصطلحات أهل العلوم والصناعات المختلفة، ونحن ننقل منه بعض أمثلة توفية للفائدة. فمن ذلك في مواضعات كتاب ديوان الخراج "الحشري" وهو ميراث من لا وارث له -ويعرف في أيامنا بالمحلول- و"الإقطاع" وهو يقطع السلطان رجلًا أرضًا فتصير له رقبتها، وتسمى تلك الأرضون قطائع، واحدتها قطيعة؛ و"الطعمة" وهي أن تدفع الضيعة إلى رجل ليعمرها ويؤدي عشرها وتكون له مدة حياته، فإذا مات ارتجعت من ورثته، والقطيعة تكون لعقبه من بعده. و"التسويغ" وهو أن يترك للرجل شيء من خراجه في السنة، وذلك "الحطيطة والتريكة".
من مواضعات كتاب ديوان الجيش "الأطماع" وتمسى الزرفات: وهي مرتبات الجند، والعمال، و"التلميظ"، وهو أن يطلق لطائفة من المرتزقين بعض أرزاقهم قبل أن يستحقوا، وقد لمظوا بكذا، و"المقاصة" وهي أن يحبس عن القابض لماله ما كان تلمظه أو استلفه.
وقد رأينا لعبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفى سنة ٣٤٠هـ كتابًا سماه "الزاهر" يذكر فيه معاني الكلام الذي يستعمله الناس من المولد أو من الألفاظ الإسلامية؛ ويؤخذ من مقدمته أن المفضل أنشأ كتابًا في هذا المعنى سماه "الفاخر" جمع فيه قطعة من اشتقاق ما يكثر في المحاورات والمخاطبات، فعمل محمد بن القاسم الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨هـ في ذلك كتابه الموسوم بالزاهر فصل فيه كتاب "المفضل" وأكثر شواهده وضبطه، فجاء الزجاجي واختصره وأصلح ما فيه من السهو والغلط وكشفه وشرح معانيه. ومما أورده في هذا الكتاب، معنى قولهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وألفاظ القنوط والاستغفار، والأذان والتشهد ونحو ذلك؛ وهو يبحث في اشتقاق الكلام ويذكر الأقوال الواردة في معانيه ويرد أكثر ذلك إلى أصله العربي. ومن أمثلته شرحه لقولهم: "بيت مُزَوق" قال أبو العباس ثعلب: معناه: بالزاووق، والزاووق في لغة بعض أهل المدينة: الزئبق، وهو يقع في التزاويق؛ فمزوق مُفَعَّل منه. ا. هـ.
الغريب المولد:
ونريد به في المولد ما يقابل الغريب والحوشي في العربي العتيق، وذلك كالذي اخترعه بعض المفسرين الذين نصبوا أنفسهم للعامة وحطوا في هواهم؛ فإن المفسر كلما أغرب عند العامة كان أحب
стр. 136
إليهم. ومن هؤلاء عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن سليمان وأبو بكر بن الأصم. وقد نقل الجاحظ أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الويل: واد في جهنم. قال: ثم قعدوا يصفون ذلك الوادي. وسئلوا عن قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقالوا: الفلق واد في جهنم، ثم قعدوا يصفونه. وفسروا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فقالوا: النعيم الماء الحار في الشتاء والبارد في الصيف. أي: فكأنه من الأضداد، ومثل ذلك كثير عن بعض غلاة الصوفية أيضًا، والأصل في جميعه ما أومأنا إليه من الألفاظ المنهي عنها.
وليس يؤتي القوم إلا من الطمع ومن شدة إعجاب العامة بالغريب من التأويل، وهو كذلك الغريب الكاذب في المولد من اللغة.
стр. 137
تمدن العرب اللغوي فلسفة الفصل:
هذا فصل من الكلام نرمي فيه إلى أقصى غايات العقل العربي في الحياة، وأدنى آفاقه من الخلود؛ إذ نصف مبلغ ما انتهى إليه من الكمال في وضع هذه اللغة وإحكامها عن سنن كيفما تدبرتها رأيت فيها المعنى الإلهي الذي لا دليل عليه إلا شعور النفس به، والنفس هي البقية السماوية في الإنسان.
تلك السنن التي خرجت بها اللغة كأنها عقل حي تتلامح في جهات الحكمة خطراته وتتراسل من أعين الوحي نظراته؛ بل كأنها معنى إلهي مبتكر ألقي في هذه الطبيعة ليتحول به وجه العالم إلى جهة الله، فما زال ينكشف من أطرافه شيئًا فشيئًا حتى ظهر سر ابتداعه في القرآن الكريم فاتضح عن روعة تملك على الإنسان مذاهب حسه، وتنساب في قلبه لتتصل بالروح الإلهي من نفسه.
وقد وصفنا بما تقدم تكوين اللغة في الجملة بما فيها من أسباب القوة والجمال، ونحن واضعون من هذا الفصل مرآة تصف محاسنها وصفًا معنويا تأخذ الأعين منه تفصيلًا في جملة، وجملة في تفصيل؛ لأنه ليس كالأمور المعنوية ما تجد فيه قوة الإفصاح عن الأسرار الصامتة؛ إذ تكون مقابلة الأوصاف بموصوفاتها نطقًا بليغًا من لسان الحقيقة.
ومن المعلوم بالضرورة أن اللغة صورة الاجتماع، وأن العرب لولا ما سبق في علم الله من أمر سيكون فيهم؛ وقدر واقع بهم، وشأن في الغيب مخبوء لهم, لما عدوا في الاعتبار الاجتماعي أن يعدوا موجودات إنسانية مهملة، كأنهم بقايا منسية من التاريخ.
وقد تقرر عند الحكماء أن غنى اللغة بألفاظها، واتساع وجوه التصرف فيها دليل بين على مدنية أهلها وسعة متفيئهم فيظل الاجتماع؛ فلا يبقى إلا أن يكون للعرب تمدن لغوي خصوا به من أصل الفطرة؛ إذ هم لم يكونوا في معادن العلوم ولا موطن الصناعات، ولا كان في أيديهم من أدوات الأمم ومرافق الاجتماع إلا متاع قليل لا يبلغ بجملته أن يكون تفسيرًا موجزًا للفظ "العرب" في معجم الأمم. فالحكمة التي جعلت من قديم مدنية الفنون في أيدي الصينيين، ومدنية العلوم في رءوس اليونانيين، هي التي خصت مدنية اللغات بألسنة العرب.
وإذا تدبرت معنى التمدن بما يعطيك من آثاره، رأيت له في كل مجتمع صورتين: الأولى صورة الفرد في باطنه، والثانية صورة الجماعة في ظاهرها؛ ولن يكون التمدن حقيقيا إلا إذا كان أساسه نمو الصفات العقلية في الفرد الواحد بما يتهيأ له من الفضائل التي هي مادة التغير العقلي في نموه وإنشائه نشأة جديدة تستتبع نشأة التاريخ في المجموع؛ ولا مراء في أن الأحوال الظاهرة للجماعة إنما هي مرآة التغيرات الباطنة في الأفراد، فكأن الاجتماع في معناه ليس إلا مجموع آثار العقول وتاريخ التغيرات النفسية.
стр. 138
ونحن إذا اعتبرنا ذلك في العرب لم نر لهم حقيقة ولا مظهرًا إلا في اللغة؛ لأنه لا يكفي أن يكون العربي على أخلاق فطرية تحميها حدود البادية، وتصونها أسوار الحرية الطبيعية، حتى يقال إن فيها ذاتًا نامية بآدابها؛ لأن هذه الآداب لم تحدث فيهم التغيرات العقلية التي تراءى بها صورة المجموع, إلا في آخر عهدهم الجاهلي حين ضمهم الإسلام، ولكنا إذا اعتبرنا لغتهم رأينا حقيقة التمدن فيها متمثلة، وشروطه في مجموعها متحققة؛ فهي منهم بحر الحياة الذي انصبت فيه جميع العناصر، وانبعث بها هذا التيار العقلي الذي يدفع بعضه بعضًا، وكأنها هي التي كانت تهذب من نفوسهم وتزنها وتعدلها وتخلصها برقة أوضاعها وسمو تراكيبها، حتى ينشأ ناشئهم في نفسه على ما يرى من أوضاع الكمال من لغته؛ لأنه يتلقنها اعتياديا من أبويه وقومه؛ ولهي أقوم على تثقيفهم من المؤدب بأدبه والمعلم بعلمه وكتبه؛ لأنها حركات نفسية مدارها على انجذاب الطبع فيهم، حتى كان العربي القح ربما أخطأ في الكلمة إذا جذبه طبعه إليها، فيعدل بها عن سنن الفصيح -كما سيأتي في باب اللحن١- والكمال متى كان مأتاه من الطبع. وكانت قوته في الغريزة، فأحر به أن يصنع النفس صنعة غير طبيعية في العادة؛ ونحن نرى العرب لعهدنا لا يزالون في مواطن أسلافهم ولم تتنكر لهم الطبيعة، ولكنهم حين فقدوا خصيصة اللغة فقدوا معها خصائص كثيرة من النظام النفسي، حتى إنهم لا يصلحون في حالتهم الراهنة أن يكونوا مادة نظام سياسي في جزيرتهم، فضلًا عن أن يكونوا مادة حادث اجتماعي عظيم كالإسلام الذي جعله أسلافهم نظام العالم، فكأن بينهم وبين أسلافهم من الفرق ما يستغرق تاريخ العالم كله من عهد الإسلام.
وأخص شروط التمدن الاجتماعي فيما نرى ثلاثة: هي الحرية، والنظام، والنمو. وهي التي تتخلف عن معانيها الاجتماعية آثار المدينة التي تدل على حضارة الأمم الخالية، كالأبنية والمخلفات الأدبية، والعلمية والفلسفية، ثم الثروة الاعتبارية التي تدير حركة العمران، من التجارة والصناعة والزراعة، ثم الشرائع. وهذه الشروط هي كذلك أخص مميزات اللغة العربية, فهي حرة في أوضاعها بها يطابق الحرية الشخصية والسياسية، منتظمة في أجزائها بما يماثل نظام القوانين والشرائع، حتى
стр. 139
أمكن أن يحصى منها كل كلمة جاءت شاذة في بابها١، نامية في مجموعها بما فيها من ثروة الأوضاع التي تكافئ معاني الاقتصاد السياسي على أتم وجوهها.
فالعرب إذن قوم معنويون كان تمدنهم معنويا، ولو جردتهم من مزايا لغتهم وألقيت في أفواههم أصول أي لغة من لغات العالم، لخرجوا بها جنسًا مغمورًا في الأجناس، ولكانت حريتهم عبثًا ونظام قبائلهم فسادًا، ولصاروا في الجملة إلى حال الشعوب التي لا يدور بها الزمان ولكنه يلقي عليهم الأمم كلما دار ويقابلهم بالمكتشفين والفاتحين والمتحفظين وغيرهم من أجناس المجتمعات المتمدنة. بيد أن الحكمة ألقيت في طباعهم هذا النظام اللغوي، وجعلتهم بحيث ينساقون في سبيله إلى الكمال، لا تعترضهم عقبة ولا يصرف وجوههم عنه صارف من نظام المدنية، فمضوا عن ذلك واللغة تتخطى بهم درجات الاجتماع واحدة فواحدة، حتى انتهت إلى الوحدة الجنسية، فتغير مجموعهم وانصب على العالم بقوة جديدة فنية صادفت دولًا قديمة بالية فصدمتها تلك الصدمة التي هدمت التاريخ وبُني بعدها بناء جديدًا. ولولا اللغة ما انتظم أمر العرب؛ لأنهم قضوا أجيالا قبل تمدنهم اللغوي لم ينبه لهم شأن في أنفسهم، ولا عدوا في اجتماعهم أمر النظام الطبيعي الذي هو وسيلة حفظ الحياة لنظام الحي، لإتمام نظام الحياة، كما هو شأن التمدن الاجتماعي، واللغة هي التي جذبتهم إلى هدي الأخلاق بالشعر، وإلى هدي السياسة بالخطابة، وإلى هدي الدين بالقرآن.
بعض وجوه التمدن:
تقدم لنا في غير هذا الموضع ما يثبت أن تأليف الكلام في هذه اللغة مبني على أسباب لسانية, من عذوبة المنطق ومراعاة النسب اللفظي بين الحروف، بحيث لا يلاق فيه بين حرفين لا يأتلفان ولا يعذب النطق بهما أو يشنع ذلك منهما في جرس النغمة وحسن السمع، كالغين مع الحاء، والقاف مع الكاف، والحرف المطبق في غير المطبق، كتاء الافتعال مع الصاد والضاد، في خلال كثيرة من هذا الشكل ترجع بجملتها إلى ميل العرب فطرة عما يلزم كلامها الجفاء إلى ما يلين حواشيه ويرقها؛ وهذه العناية منهم بتأليف الحروف كانت السبب الطبيعي لعنايتهم بتأليف الألفاظ وإحكام الكلام وتوخيهم روعة الإسلوب وفخامة التركيب، وهو ما خص به العرب دون سائر الأمم.
وقد غفل بعض العلماء عن هذا السبب الطبيعي، فذهب إلى أن العرب إنما تعنى بالألفاظ؛ لأنها تغفل المعاني، فتجد من ألفاظهم ما قد نمقوه وزخرفوه ووشّوه ودبجوه، ولست تجد مع ذلك تحته معنى شريفًا، بل لا تجده قصدًا ولا مقاربًا، وعلى هذا النمط أكثر أشعارهم. وقد رد على هؤلاء ابن جني في كتاب "الخصائص"، وتمحل في النضج عن العرب؛ لأنه كذلك لم ينظر إلى السبب الطبيعي الذي أومأنا إليه. قال: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا عذوبها "أطرافها" وأرهفوها، فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ؛ بل هي عندنا خدمة
стр. 140
منهم للمعاني وتنويه بها وتشريف منها".
والحق أن ذلك في العربية وجه من وجوه تمدنها، وقد جروا فيه على سنن طبيعية ثابتة؛ لأنهم يفرعون من المعاني فروعًا كثيرة بالمجاز والاستعارة، ثم يجرون عليها الألفاظ التي تناسبها، فكأنهم يستغلونها استغلالًا معنويا. وذلك من أمرهم أيضًا في الألفاظ؛ فإنهم لا يفرطون في مادة تتقلب عليها حروف المنطق بما ينزل على حكمهم في التأليف من العذوبة والمناسبة، فيفرعون الألفاظ المتقاربة فروعًا كثيرة يجرونها على المعاني المتباينة، كقولهم: روأت في الأمر، "فكرت"، ورويت رأسي من الدهن، وأمثال لذلك كثيرة؛ فكأنهم بهذا الضرب يستغلون المعاني استغلالًا لفظيا.
ومن وجوه التمدن التي تناسب طبائع الاقتصاد المدني، هذه الحركات التي تخصص المعاني وتعين الأغراض بأيسر إشارة؛ وهي أخص مميزات السمو العقلي، ومنها حركات الإعراب، كقولهم: ما أحسن زيدًا! إذا أرادوا التعجب من حسنه, وما أحسن زيد؟ إذا أرادوا الاستفهام عن أحسن ما فيه، وما أحسن زيد، إذا أرادوا نفي الإحسان عنه، ولا يوجد ذلك في غير لغة العرب.
ومنها حركات التصريف كقولهم: مِفْتَح، لآلة الفتح، ومَفْتَح، لموضع الفتح، وهكذا.
ومنها حركات الفروق التي تنوع المعاني، كقولهم: الإذلاج، لسير أول الليل، والادّلاج، لسير آخر الليل؛ وأمثلة ذلك فاشية في اللغة.
ومن هذا الباب قولهم: رجل لُعنة وضُحكة، إذا كان يُلعن كثيرًا ويُضحك منه؛ ورجل لَعنة وضُحكة، إذا كان هو كثير اللعن والضحك.
ولعلهم لم ينتبهوا لهذه الفروق بالحركات إلا بعد أن أحدثوا مثلها في لغتهم بالحروف، كقولهم: أخفر، إذا أجار؛ وخَفَر! إذا نقض العهد؛ وأقذى عينه، إذا ألقى فيها القذى؛ وقذاها، إذا نزع عنها القذى؛ وأبعت الفرس، عرضته للبيع؛ وبعته، إذا انتهى البيع؛ وهكذا، فكأن الاختصار دائمًا تمثيل للانتهاء.
ومما يستنفد عجب المفكر من أمر هذا الباب الاقتصادي، تصرفهم في حروف المعاني المفضلة معانيها في كتب النحو، ودلالتهم بالحرف الواحد في الكلمة على المعاني المختلفة، كمعاني الهمزة والباء وغيرهما مما يتصرف به في مناحي الكلام. ويزيد هذا العجب أن لا يكون بين المعنيين أو المعاني الكثيرة وجوه من الشبه بحيث يتأول في رد معانيها الأصول بعضها إلى بعض، وقد أشرنا فيما تقدم إلى ما رآه بعض علماء اللغات من أن هذه الحروف بقايا ألفاظ مستقلة بمعانيها، فإن صح ذلك كان "عجبًا من العجب".
وهذا وأمثاله، مما يكشف من اللغة عن سر النمو الذي هو أصل من أصول التمدن بالإطلاق، وأن للعرب تصرفًا ليس في لغة من اللغات، وخاصة أختي العربية، فإن الزمن وقف بهما عند منقطع لم يتعده، وكأن العربية منهما قرآن لغوي ومفتتح بهذه القاعدة التي يبنى عليها نظام الارتقاء: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فإن لغة السريان مثلًا لا تجد فيها أثرًا للفعل المبني للمجهول، كضرب زيد أي: ضربه شخص -وذلك من أنواع الاقتصاد اللغوي- وفي العبرانية
стр. 141
لا توجد إلا صيغتان ثقيلتان من صيغ الفعل، هذه وزنهما: فُعّال، وهُفْعال؛ ولكن العرب يستعملون المجهول في كل الأوزان، ماضيًا ومضارعًا. وقد فاتوا بذلك لغات الدنيا جميعا.
وتجد العبرانية أيضًا قليلة الأوزان في الفعل المجرد والمزيد بحيث لا تكافئ العربية في ذلك "وقد أسلفنا في موضع تقدم أن صيغة المشاركة التي هي صيغة اقتصادية، مما انفردت العربية به" وإنما وضعت الأوزان لتنمية المعاني وسياستها على وجوهها المختلفة سياسة اقتصادية.
ذلك فضلًا عما امتازت به العربية من العذوبة التي كأنها شباب الحياة ورقتها بجانب ذلك الهَرَم الذي تولى العبرانية، حتى كأن ألفاظها من اللبس والتعقيد أيام الكهولة بأقدارها.... ومما لاشك فيه أن فقدان ذلك السبب الاقتصادي في العبرانية هو الذي ابتلاها بالفقر من نوابغ الكتاب والخطباء لضيق مضطرب التعبير، حتى كأنما ينفذ المتكلم بها إلى أغراضه من صدوع ومضايق، وفي هذا العسر كله.... ولما انتفى ذلك في العربية واستوفت وجوه السياسة الاقتصادية في صيغها وألفاظها، كثر شعراؤها وكتابها وخطباؤها "اللغويون"١ إلى حد ترك رجال سائر الأمم عند الترجيح، في كفة شائلة.
وهنا أصل طبيعي يحسن التنبيه إليه؛ لأنه ثبت لما نحن بصدد منه، وذلك أن التثنية وهي أخص مظاهر الحياة في الطبيعة، لا أثر لها في اللغة السريانية، وهي في العبرانية مقصورة على معناها الطبيعي أو ما يكون في حكمه، فلا يثنون إلا ما وجد اثنين في الطبيعة، كاليدين والرجلين إلخ، أو ما أنزله الاستعمال هذه المنزلة، كالنعلين مثلًا، ولكنها في العربية عامة لكل الأسماء؛ لأن العدد نظام طبيعي عام لا يتخلف، ومنه الإفراد والتثنية ودرجات الجمع من الثلاثة فصاعدًا٢.
بقي علينا أن نذكر شيئًا من أسرار النظام في هذه اللغة غير ما سبق لنا بيانه، وهو الصلة بين طرفي التمدن اللغوي الذين هما الحرية والنمو، وقد مضى الكلام عليهما فيما تقدم.
стр. 142
أٍسرار النظام اللغوي
نظام الألفاظ بالمعاني
...
أسرار النظام اللغوي:
لا نريد بمعنى النظام هذه الأحكام الظاهرة في اللغة كالإعراب، والتصريف والقواعد اللسانية، من نحو عدم الجمع بين ساكنين أو متحركين متضادين؛ فهذا كله ليس إلا أسبابًا للنظام الذي نشرحه في هذا الفصل، وهو يشبه النظام النفسي من حيث تعلقه بالحكمة التي تضبط عواطف النفس وخطراتها؛ وقد رأينا ذلك في اللغة على ثلاثة ضروب:
١- نظام الألفاظ بالمعاني.
٢- نظام المعاني بالألفاظ.
٣- النظام المطلق، وهو نظام القرينة أو الحس النفسي.
نظام الألفاظ بالمعاني:
والمراد به مساوقة الصيغ اللفظية للمعاني الموضوعة لها؛ وقد ألممنا بأشياء منه في باب الاشتقاق، وذكرنا ثمة أن لابن جني صاحب "الخصائص" كلامًا في هذا المعنى؛ وابن جني هذا هو أول من ناهض هذا البحث اتقانًا؛ وتخلى بأمره افتنانًا؛ وإنما كان العلماء قبله يستروحون إلى أشياء منه عند الضرورة يتعللون به، وأكثرهم لزومًا لذلك شيخه أبو علي الفارسي١؛ ولهذا وضع ابن جني كتابه "الخصائص" لبيان ما أودعته هذه اللغة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائم الإتقان والصنعة؛ أقام فيه القول على أوائل أصول هذا الكلام، وكيف بدئ وإلام نمي؛ وقال في المعنى الذي عقدنا له هذا الفصل: إنه غور من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه وإن كان غفلًا مسهوا عنه.
ومما حاوله في كتابه مما يتعلق بغرضنا سبعة أمور:
١- إثبات أن العرب تقارب حروب الألفاظ متى تقاربت معانيها، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] أي: تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى "تهزهم هزا" والهمزة أخت الهاء، فكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة؛ لأنها أقوى من الهاء، كما أن المعنى نفسه أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا حراك له، كالجذع ونحوه؛ أي: فيبقى الهز المقرون بالإزعاج خاصا بذي الحياة؛ لأنه متعلق بالشعور؛ وذلك ما أفادته الهمزة وحدها.
٢- إن هذه المقاربة بين الحروف تقع فيها المراعاة حتى في الحروف البعيدة التي لا تتشابه إلا بالتأويل، كقوله إن تركيب "ع ل م" في العلامة والعَلَم، وقالوا مع ذلك: بيضة غرماء، وقطيع أغرم،
стр. 143
إذا كان فيه سواد وبياض، وإذا وقع ذلك بأن أحد اللونين من صاحبه، وكان كل واحد منهما "علمًا" للآخر، وهذا المعنى من "غ ر م" ولكنه مقارب لتركيب "علم" كما ترى!
٣- إن المقاربة قد تكون بالمضارعة في الأصل الواحد بالحرفين، كسَحَل وصَهل "في معاني الصوت" فالصاد أخت السين، والهاء أخت الحاء، وسَحَل وزحر "في الصوت أيضًا" فالسين أخت الزاي، واللازم أخت الراء.
٤- إن من المضارعة نوعًا أحكم من هذا، وهو المضارعة بالأصول الثلاثية في الفعل "الفاء والعين واللام" نحو: عصر الشيء وأزله، إذا حبسه، قال: والعصر ضرب من الحبس، والعين أخت الهمزة والصاد أخت الزاي والراء أخت اللام، ونحو: الأزم "أي: المنع" والعصب "أي: الشد"، فالمعنيان متقاربان، والهمزة أخت العين، والزاي أخت الصاد، والميم أخت الباء، وقد أتى بأمثلة من ذلك ثم قال: وهذا موجود في أكثر الكلام، وإنما بقي من يثيره ويبحث عن مكنونه، بل من إذا وضح له وكشفت عنده حقيقته، أطاع طبعه له فوعاه، وهيهات ذلك مطلبًا، وعز فيهم مذهبًا.
٥- إثبات أن العرب يصورون اللفظ على هيئة المعنى، وهذا مذهب قد نبه عليه الخليل وسيبويه، قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة، فقالوا: "في العبارة عنه" صر، وتهموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صَرْصَر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على فَعَلان "بثلاث حركات" إنها تأتي للاضطراب والحركة، نحو: الغَلَيان، فقابلوا بتوالي الحركات في المثال توالي الحركات في الأفعال.
قال ابن جني: ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء على سمت ما حداه ومنهاج ما مثلاه؛ منها أن المصارد الرباعية المضعفة تأتي للتكرر والزعزعة: كالقلقلة والصلصلة إلخ؛ وإن الفَعَلى من المصادر والصفات تأتي للسرعة نحو: الجَمَزَى والوَقَلى إلخ؛ ومنها أنهم جعلوا تكرير العين في المثال دليلًا على تكرير الفعل، نحو: كسر وقطع إلخ؛ وإنما خصوا العين بذلك؛ لأنها أقوى حروف الفعل، إذ الفاء قد تحذف، نحو: عِدَة وزِنَة، أصلها وعْدَة، ووزنة، واللام كذلك، نحو يد وفم، أصلهما: يَدَو، وفَمَو، ولكن قلما تجد الحذف في العين؛ فلما كانت الأفعال دليلة المعاني، كرروا أقواها، وجعلوه دليلًا على قوة المعنى المحدث به، وكذلك يضعفون العين للمبالغة، نحو: أسد غَشَمْشَم، ويوم عَصَبْصَب، ونحو: اعْشَوْشَب المكان، واغْدَودن الشعر إلخ. قلنا: ومن هذا الباب ما ذكره ابن فارس أنه سمع من يثق به يقول إن العرب تشوه صورة اللفظ وتقبحها لمقابلة مثل ذلك في المعنى، كقولهم للبعيد ما بين الطرفين المفرط الطول: طِرِماح، وإنما أصله من الطّرح، وهو البعيد، لكنه لما أفرط طوله سمي طرماح؛ ومثل ذلك كثير في أبواب الصفات.
٦- ومن نظام الألفاظ بالمعاني أنهم يقابلوا الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، فيجعلون كثيرًا أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها كقولهم: خَضم، وقَضم، فالخضم لأكل الشيء الرطب، والقضم لأكل الشيء الصلب اليابس، فاختاروا الخاء من أجل رخاوتها للرطب، والقاف من أجل صلابتها لليابس، فحذوا بمسموع الأصوات على حذو مسموع الأحداث. ومن ذلك
стр. 144
النَّضْح، للماء الخفيف، لرقة الحاء، والنضخ لما هو أقوى منه، وذلك لغلظ الخاء. ومنه أيضا قولهم: القد، للقطع طولًا، والقط، له عرضًا؛ وذلك لأن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعًا له من الدال، فجعلوا الطاء لقطع العرض لقربه وسرعته، والدال لما طال من الأثر وهو قطعه طولًا، والأمثلة من ذلك كثيرة في اللغة تبادر من يلتمسها، وقد أتى ابن جني بعدة منها، ونقل السيوطي في أوائل "المزهر" عن غيره أشياء أخرى وكلها تدل على أنهم يضبطون الألفاظ المقترنة المتقاربة بالمعاني، فيجعلون الحرف الأضعف فيها، والألين والأخفى والأسهل والأهمس، لما هو أدنى وأقل وأخف عملًا أو صوتًا، ويجعلون الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر، لما هو أقوى عملًا وأعظم حسنًا؛ ومن أجمع الأمثلة لذلك ما أورده الثعالبي في "فقه اللغة"، قال: إذا أخرج المكروب أو المريض صوتًا رقيقًا فهو الرنين، فإن أخفاه فهو الهنين، فإن أظهره فخرج خافيًا فهو الحنين، فإن زاد فهو الأنين، فإن زاد في رفعه فهو الحنين.
٧- إنهم قد يضيفون إلى اختيار الحرف تشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها, وتقديم ما يضاهي أول الحدث "المعنى" وتأخير ما يضاهي آخره؛ سوقًا للحرف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب، كقولهم: شد الحبل؛ فالشين لما فيها من التفشي تشبه بصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد، ثم يليها إحكام الشد والجذب، فيعبر بالدال التي هي أقوى من الشين لاسيما وهي مدغمة فهي أقوى لصيغتها وأدل على المعنى الذي أريد بها. وكذلك: جز الشيء، قدموا الجيم؛ لأنها حرف شديد، وأول الجر مشقة على الجار والمجرور جميعًا، ثم عقبوا ذلك بالراء، وهي حرف تكرير، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك لأن الشيء إذا جر على الأرض اضطرب في غالب الأمر صاعدًا عنها ونازلًا، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق؛ فكانت الراء لما فيها من التكرير؛ ولأنها أيضًا قد كررت في نفسها، أوفق بهذا المعنى من جميع الحروف.
ومما يلتحق بهذا الباب الذي هو نظام الألفاظ بالمعاني، ما وضعوه من حكاية الأصوات، وذلك أنهم يشتقون اللفظ من نفس الصوت القائم بمعناه على جهة الحكاية وتصوير الأشياء بأصواتها، وهذا النوع يعده أدباء الغربيين من مبدعات القرائح, ومما يحضرنا منه للعرب قولهم في حكاية صوت مصراعي الباب الكبير إذا أغلق: جَلَنْبَلَقَ، وقول الشاعر:
جرت الخيل فقالت حبَطَقْطَق
قول الآخر في الإبل: "تداعين باسم السيب" يحكي صوت مشافرها؛ وهذا غير الأصوات التي يعبرون بها عن الأحداث وإن كانت مشتقة منها، كالعطعطة للأصوات المتتابعة في الحرب، والقهقهة للاستغراب في الضحك، وأمثال لذلك كثيرة.
стр. 145
نظام المعاني بالألفاظ:
والألفاظ في هذا النوع هي التي تسوس المعاني وتنزلها في منازلها وتضعها على أقدارها، لا من حيث إن اللفظ هو الذي يوجد المعنى، فذلك ظاهر الاستحالة، ولكن على أنه هو الذي يخصص المعنى إذا كان جنسًا، وهو الذي يؤكد مبالغة في تلوين صورته النفسية حتى تنطق أجزاؤه، وحتى يقوم كل جزء منها في البيان اللغوي مقام الكل الذي هو مادة الشعور الطبيعي.
ولما كانت اللغة عملًا نفسيا محضًا، كان وجود هذا النوع فيها من أخص الدلائل على تمدنها؛ لأن النظام الذي يعين درجات المعاني إنما يفصل أجزاء الموجودات على درجات شعور النفس بذوات هذه الأجواء أو بصفاتها، وهذا لا يستقيم إلا إذا كان في اللغة حياة باطنة تشبه ما في الإنسان الراقي مما يسمى بالكمال أو الحياة الروحية العالية، حتى تتكافأ النفس واللغة في تصور أجزاء المعاني وتصويرها.
ولقد أثبت العلماء أن أظهر ما يكون الفقر في اللغات المنحطة، إنما هو في أنواع الدلالة المعنوية، فكلما انحطت اللغة قلت فيها هذه الأنواع، حتى لتبلغ بها تلك القلة أحيانًا إلى أن تشبه الجماد في تجرده من الشعور ومعانيه؛ ووجدوا من لغات القبائل المتوحشة في أواسط أفريقيا ما ليس فيها ألفاظ تعبر عن الحب والمؤاخاة والعبادة ونحوها من أمهات المعاني النفسية، كأن مادة تلك اللغات من الإحساس الحيواني المحض.
والعربية تعتبر أحكم اللغات نظامًا في أوضاع المعاني، وسياستها بالألفاظ، وهي من هذا القبيل أعظمها ثروة وأبلغها من حقيقة التمدن بحيث لا تدانيها في ذلك لغة أخرى كائنة ما كانت، فالعرب لم يدعوا معنى من المعاني الطبيعية التي تتعلق بالحياة الروحية أو البدنية مما تهيأ لهم إلا رتبوا أجزاءه وأبانوا عن صفاته بألفاظ متباينة تعين تلك الأجزاء والصفات على مقاديرها؛ فأول معاني الحياة الروحية الحب، وهذه مراتبه عندهم: الهوى، ثم العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب؛ ثم الكَلَف، وهو شدة الحب؛ ثم العشق، وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب؛ ثم الشعف، وهو إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج، فإن تلك حرقة الهوى وهذا هو الهوى المحرق؛ ثم الشغف، وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه، ثم الجوى، وهو الهوى الباطن؛ ثم التيم، وهو أن يستعبده الحب؛ ثم التبل، وهو أن يسقمه الهوى؛ ثم التدليه، وهو ذهاب العقل من الهوى؛ ثم الهيوم، وهو أن يذهب على وجهه لا يستقر، وذلك لغلبة الهوى عليه، ومنه رجل هائم.
وكذا فعلوا في معاني السرور والعداوة والغضب الحزب والسرعة وغيرها؛ ومن معاني الحياة البدنية أصول المعاش الطبيعية التي هي قوام أمرهم: اللبن، فإن له نحو سبعين اسمًا باعتبار اختلاف أحواله، وقد ذكرها السيوطي كلها في "المزهر" "الفصل ١٥- النوع ٢٩"؛ وكذلك الخيل والإبل والشاء، ثم صفاتها وتسمية أجزائها ونحو ذلك مما نكتفي لشهرته بالإشارة إليه.
وعلى أكثر هذا النوع من نظام المعاني بالألفاظ بَنَى الثعالبي كتابه "فقه اللغة" وهو أشهر من أن ينبه عليه، ولذا أوجزنا في أمثلته اكتفاء، بالدلالة على مظنتها، والحقيقة تنهض بها الكلمة الواحدة.
ومما ننبه إليه في هذا الفصل، أن أرقى الأمم مدنية إذا بلغت فيها المعاني النفسية مبلغ الهرم، وتعلقت بها الخواطر من كل جهة بحيث تفصل أجزاءها تفصيلًا؛ فجهد الأمة عند ذلك أن تحيط المعنى باصطلاحات علمية، وتعرف حوادثه على نحو ما تعرف به فصول العلوم، كالحب مثلًا، فإن مراتبه التي يشير إليها العرب بالألفاظ المتقدمة يشير إليها غيرهم بتعاريف وفصول واصطلاحات، ثم لا تعدو بعد ذلك كله ما كان يفهمه العرب منها برقة شمائلهم ولطف حواسهم النفسية؛ فكأنهم لما عدموا العلوم جعلوا ألفاظهم فصولًا علمية، وذلك منتهى ما يكون من تمدن اللغات.
ثم أنت إذا تدبرت هذا النوع رأيته انتباهًا روحيا صرفًا، بيد أنه ممثل بالألفاظ، ورأيت فيما ترى كأن النفس العربي طيفًا يحرك اللغة حتى بأنفاس الخطرات، ويكشف لها كل عاطفة دقيقة ولو اختبأت في أشعة من النظرات!