لغرضنا التاريخي.
المستحسنة:
أما المستحسنة فهي التي عرفت في لغة من يوثق بعربيته وتستحسن في قراءة القرآن وإنشاد الشعر, بحيث لا تشوب المنطق منها هُجنة أو زراية، وهي:
١- النون الخفيفة التي يكون مخرجها من الخياشيم. كما تقول "عنك" تخرج النون بغنة من الخياشيم، وهذه النون في منطق كثير من أشراف العرب، ومن لغاتهم أنهم يستجيزون في الشعر جمع الميم والنون في القوافي لاجتماعهما في الغنة التي ترتفع إلى الخياشيم، وعليها قول الراجز:
بني إن البر شيء هين ... المنطق اللين والطعيم
ينطقها "الطُّعَيِّن١" للقافية. وقال آخر:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
ينطقها "أُنِّي".
٢- الهمزة التي بين بين "التسهيل"؛ وهي التي تقع متحركة بعد ألف؛ فإنهم ينطقون بها حرفًا بين الهمزة وبين حرف حركتها، ويجعلون الحركة التي عليها -أي: الهمزة- مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة وإن لم تسكن؛ فينطقون بها بحرف بين الهمزة والألف إن كانت مفتوحة نحو: تساءل، وبينها وبين الواو إن كانت مضمومة نحو: تفاؤل، وبينها وبين الباء الياء إن كانت مكسورة نحو: قبائل.
وهذا الحرف المنطوق به يسمى الهمزة المسهلة أيضًا، وذلك في لغة قريش وأكثر أهل الحجاز: يخففون الهمزة؛ لأنها أدخل في الحلق ولها نبرة تجري مجرى التهوع٢ فثقلت بذلك على ألسنتهم, ويروى عن علي أنه قال: نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل ﵇ نزل بالهمزة على النبي ﷺ ما همزنا. أما تحقيق الهمزة فهو الأصل، وهو لغة تميم وقيس.
لغات في التخفيف:
والتسهيل نوع من أنواع التخفيف المقررة في علم الصرف، ولا محل لبسط ذلك في هذا الكتاب، ولكنا نذكر منه أمثلة من لغاتهم فيه جريًا على طريقتنا من جمع الصور التاريخية لهذه اللغة كما سنفصله٣:
فمن العرب من يبدل الهمزة المفتوحة إذا كانت منفصلة -أي: بين كلمتين- إلى لفظ ما قبلها
стр. 72
ويدغمها فيه ويسمونه "التخفيف البدلي" فيقولون في "أو أنت": أوّنت، وفي "أبو أيوب": أبوَّيُّوب، هكذا.
فإذا كانت الهمزة المنفصلة مكسورة أو مضمومة فأهل التخفيف لا يدغمونها فيما قبلها بل يقولون في نحو: "أحلبني إبلك" أحلبني بِلَك، وفي نحو: "هذا أبو أمك" أَبُوُمِّك. فيلقون حركة الهمزة على ما قبلها.
أما إن كانت الهمزة في كلمة واحدة -أي: غير منفصلة- نحو: سوأة، وموألة، فإنهم يحذفونها فيقولون: سَوَة، ومَوَلة.
فذلك كما ترى قريب من لغاتنا العامية، وأقرب منه أنهم يحذفون الهمزة بعد المتحرك المبني ويلقون حركتها عليه، فيقولون في نحو: "قال إسحاق، وقال أسامة" قال سحاق، وقال سامة.
وكذلك يحذفون الهمزة إذا كانت أول كلمة وكان آخر الكلمة التي قبلها ألفًا، وفي هذه اللغة: إن كان ما بعد الهمزة حرفًا ساكنًا حذفوا معها الألف التي قبلها لئلا يجتمع ساكنان، فإن لم يكن ذلك أبقوا الألف وحذفوا الهمزة وحدها؛ فيقولون في نحو: "ما أحسن زيدًا": محسن زيدًا. وفي "ما أشد عمرًا": ما شدَّ عَمْرًا، يبقون في هذا المثال الألف التي قبل الهمزة؛ لأن ما بعدها متحرم وهو "الشين".
الإمالة:
٣- من الحروف المستحسنة، الألف التي تمال إمالة شديدة، وذلك أن ينحى بالفتحة نحو الكسرة إلى حد لو زاد صارت الألف ياء؛ وهي الإمالة الكبرى، ويسمونها المحضة، ونطقها كحرف "E َ" أما غيرها فيسمونها الإمالة الصغرى، وبين بين، وبين اللفظين، وتسمى ترقيقًا أيضًا، وهذا خاص بإمالة الفتحة التي قبل الألف فقط: كعابد؛ والمراد من الإمالة إما غرض مناسبة صوت النطق بالفتحة إلى صوت النطق بالكسرة التي قبلها حتى تقرب منها: كعماد، أو التي بعدها: كعالم؛ أو المناسبة لصوت النطق بباء قبلها: كسيَّال، وشيبان؛ أو للتنبيه على أصل الألف الممالة إذا كانت منقلبة عن ياء أو واو مكسورة: كباع، وخاف؛ أو للتنبيه على الحالة التي تصير إليها الألف في بعض الأحوال: كأفعى، وحبلى؛ لأنهما تصيران في التثنية أَفْعَيَان، وحُبْلَيَان١. وسائر أسباب الإمالة وأنواعها مفصل في كتب التصريف ولا تمس حاجتنا إليه، وإنما نقصد منه إلى معنى التاريخ اللغوي فقط.
فأصل التقريب شائع في كلامهم، يقربون الحرف إلى الحرف للشبه بينهما، كما يقربون الصاد من الزاي ونحو -على ما سيأتي- وليست الإمالة مطردة في أهل اللغة الواحدة؛ فإن أهل الحجاز يميل
стр. 73
بعضهم قليلًا في مواضع معينة، وأكثرهم لا يميلون؛ ونبو تميم وهم أحرص العرب عليها في منطقهم, يميل بعضهم في مواضع وينصب بعضهم "لا يميل" في مواضع أخرى، وقد يميلون جميعًا في أشياء معروفة.
ولناس كثير من العرب ممن ترضى عربيتهم أنواع من إمالة الألف، فيقولون: هو يريد أن يضربها! ونحو ذلك؛ لأن الهاء خفيفة والراء مكسورة، فكأنها عندهم "يضربا" -بدون هاء- ولذلك يميلون؛ وفي هذه اللغة يقولون: منها، فيميلون أيضًا، ويقولون: فِينا، وعِلينا؛ فيميلون للباء حيث قربت من الألف، وكذا "يدا، ويدها" يميلون فيهما للياء أيضًا؛ ومن أهلها بنو تميم وقوم من قيس وأسد.
وثم حروف تمنع من إمالة الألفات وهي "ص ض ط ظ غ ق خ" إذا كان حرف منها قبل الألف، وكانت الألف تليه: كصادق، وضامن وطائف، وظالم، وغائب، وقاعد، وخامد؛ وإنما منعت هذه الحروف الإمالة؛ لأنها مستعلية إلى الحنك الأعلى، والألف إذا خرجت من موضعها استعلت إليه فغلبت عليها هذه الحروف، وقربتها منها لاستواء الصوت في مجموع الكلمة.
قال سيبويه: ولا نعلم أحدًا يميل هذه الألف "مع المستعلية" إلا من لا يؤخذ بلغته؛ فإذا كان حرف من هذه الحروف قبل الألف بحرف وكان مكسورًا، فإنه لا يمنع الألف من الإمالة، نحو: الضعاف، والصعاب، والقباب، مثلًا؛ لأنهم يضعون ألسنتهم في موضع هذه الحروف المستعلية ثم يصوبونها فالانحدار أخف عليهم من الإصعاد.
وبقيت أشياء كثيرة لا تتعلق بغرضنا، ولكن جماع القول من هذا الباب التاريخي ما قاله سيبويه، من أنه ليس كل من أمال الإلفات ووافق غيره من العرب ممن يميل، ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه، وذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر، فإذا رأيت عربيا كذلك فلا ترينه خلط في لغته، ولكن هذا من أمرهم.
المضارعة بين الحروف:
٤- ومن الحروف المتفرعة المستحسنة، الشين التي تكون كالجيم؛ فإنهم يشربونها صوت الجيم متى كانت الشين ساكنة قبل دال؛ لأن الدال مجهورة شديدة والشين مهموسة رخوة١ فيريدون بهذا النطق تناسب الصوت على ما هو من أمرهم. وذلك نحو أشدق ومشدود، فإنهم يشربون هذه الشين صوت الجيم فتنطق كحرف "J" وهي الجيم في منطق السوريين.
٥- ومنها الصاد التي تكون كالزاي، وذلك أن الصاد متى كانت ساكنة وكان بعدها دال نطقوها زايًا مفخمة غير خالصة؛ لأنهم يضارعون بها أشبه الحروف بالدال في موضعه وهو الزاي؛ لأنها حرف مجهور غير مُطْبَق، فيقولون في نحو: "أصدر، ومصدر، والتصدير" أزدر، ومزدر، والتزدير؛ ولكن كما ينطق عامتنا حرف الظاء؛ وقال سيبويه: وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايًا خالصة..... إرادة أن
стр. 74
يكون عملهم من وجه واحد، وليستعلوا ألسنتهم في ضرب واحد.
وقد يضارعون بالصاد أيضًا منطق الزاي إذا كانت الصاد متحركة، نحو: صدق، وربما ضارعوا بها وهي متحركة وبعيدة عن الدال، نحو: مصادر، بل وفي نحو الصراط أيضًا, وإن لم يكن في الكلمة دال, ولكنهم يعتبرون الطاء كالدال. وفي شرح الفصيح لابن خالويه: إن من لغة بعض العرب أن يشم "الصفا والعصا" فيشرب الصاد صوت الزاي مع أنه ليس فيهما دال ولا ما هو في حكمها، قال: وهي لغة سوء.
وكذلك قد يضارعون الشين بالزاي إذا كان بعدها دال؛ لأنها في الهمس والرخاوة كالصاد، فيقولون في نحو: "أشدق" أزدق؛ وقد مرت اللغة الأخرى في النطق بهذه الشين.
٦- ومن الحروف المستحسنة ألف التفخيم، وهي ألف ينحى بها نحو الواو فتكون كحرف "O" وينطق بها أهل الحجاز في قولهم: الصلاة، والزكاة، والحياة؛ ويقال إنهم كتبوا هذه الكلمات في المصحف بالواو بدل الألف على هذه اللغة؛ ولا يقاس في ذا المنطق بل ينتهي فيه عندما انتهت إليه العرب.
الحروف المستحسنة:
وهي حروف لا يستحسنونها ولا تكثر في لغة من تُرْتَضَى عربيته، ولا يؤخذ بها في قراءة القرآن وإنشاد الشعر؛ وهذه الحروف لا يستطيع بعضهم النطق بأصولها، فإذا اضطروا إليها حولوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها وهي:
١- حرف بين الجيم والكاف ينطق به كمنطق الجيم المصرية، فيقولون في "كافر": جافر، وهو اليوم من لغات اليمن وبغداد.
٢- الجيم التي ينطق بها كالكاف، وكانت لغة سائرة في اليمن، وهي اليوم فاشية في أهل البحرين، فيقولون في "رجل، وجمل": رَكُل وكَمَل.
٣- الجيم التي كالشين، وهي عكس الشين التي كالجيم في الحروف المستحسنة، ولكنهم استهجنوا هذه؛ لأنها إنما ينطق بها كذلك إذا كانت ساكنة وبعدها دال أو تاء نحو: "اجتمعوا، وأجدر" يقولون فيهما: اشتمعوا وأشدر؛ وموضع الثقل أنه ليس بين الجيم والدال، ولا بينها وبين التاء تباين؛ بل هما شديدتان.
ومن لغاتهم أيضًا أنهم يقربون الجيم من الدال في وزن "الافتعال" فيبدلون الدال مكان التاء من هذا الوزن ليكون العمل من وجه واحد، يقولون في نحو: "اجتمعوا، واجترءوا": اجدمعوا واجدرءوا.
٤- حرف بين الكاف والقاف، وهذا لم يذكره سيبويه في كتابه بين الحروف المتفرعة، ولكن ذكره ابن فارس في "فقه اللغة" فقال: فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاء حتى تغلظ جدا، فيقولون: "القوم" فيكون بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم، قال الشاعر:
ولا أكول لكدر الكوم قد نضجت ... ولا أكول لباب الدار مكفول
стр. 75
يريد في كل ذلك القاف. وهذا الحرف يسمى القاف المعقودة، قال أبو حبان في "ارتشاف الضرب": وهي الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة لا بالقاف الخاصة المنقولة على وضعها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن.
٥- الضاد الضعيفة، قال سيبويه في مخرجها: إنها تتكلف من الجانب الأيمن، وإن شئت تكلفتها من الجانب الأيسر وهو أخف؛ لأنها من حافة اللسان مطبقة. وقال الفارسي: كما إذا قلت ضَرَبَ ولم تشبع مخرجها "أي: الضاد" ولا اعتمدت عليه ولكن تخفف وتختلس فيضعف إطباقها ويقول السيرافي أنها في لغة قوم ليس في لغتهم ضاد فإذا احتاجوا إلى التكلم بها في العربية اعتضلت عليهم فربما أخرجوها ظاء لإخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأت لهم فخرجت بين الضاد والظاء.
٦- الصاد التي كالسين؛ يقربونها من السين لكونهما من مخرج واحد, وهي كبعض لغات المتطرفين من العوام، يقولون في "صالح": سالح.
ومن لغات العرب إبدالهم السين صادًا إذا كان بعدها قاف وكانتا في كلمة واحدة، فيقولون في "سُقْتُ" صقت. وكذا يعتبرون الغين والخاء بمنزلة القاف، يقولون: صالغ وصلخ، في "سالغ وسلخ" وهذه من لغة بني العنبر، وقد قالوا أيضًا: صاطع، وفي "ساطع".
٧- الطاء التي كالتاء، وهي فاشية في لغم عجم أهل الشرق؛ لأن الطاء في أصل لغتهم معدوم، فإذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس في لغتهم فارتضخوا هذه اللكنة، فيقولون في "سلطان": سلتان بتفخيم قليل.
٨- الظاء التي كالثاء، وهو حرف يجيء من المبالغة في إفشاء الظاء فتخرج كأنها ثاء مفخمة.
٩- الباء التي كالفاء، وفي نحو: "أصبهان وبلخ" وهي على ضربين. أحدهما لفظ يكون الباء أغلب عليه من الفاء كحرف "P" والآخر لفظ يكون الفاء أغلب عليه، وهما حرفان من حروف المعجم سوى الباء والفاء المخلصين. قال السيرافي: وأظن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم.
١٠- الياء كالواو في نحو: قيل وبيع بالإشمام، وهي لغة بعض العرب، يشمون الياء صوت الواو فتخرج كحرف "EU".
١١- الواو التي كالياء في نحو: مذعور وابن بور، ينطقون بها كحرف "U" وهي في لغة كثيرين من قيس وأكثر بني أسد: كفقعس ودُبَير، يجيئون بها بدل واو المد التي بعدها راء مكسورة، فتميل الضمة إلى جهة الكسرة، ويتبع ذلك ميل الواو إلى جهة الياء كما قال سيبويه.
تلك جملة ما عرفوه في مناطق العرب، وهي ولا شك آثار يرتضخونها من لغات أخرى: كالعبرانية والسريانية ولغة الفرس والروم والحبشة وغيرهم ممن خالطوهم في أقدم أزمانهم، ولا يزال ذلك بينًا في مناطق هذه اللغات إلى اليوم.
стр. 76
صفات الحروف ومخارجها:
لا نريد أن نطيل في بيان مخارج الحروف العربية وضبطها على وجوهها الصحيحة المتناقلة عن العرب؛ فذلك خارج عن غرضنا في هذا الكتاب، ثم هو موضوع فن برأسه، وهو فن التجويد الذي وضعه حفص بن عمرو الدوري صاحب القراءة المشهورة بـ"قراءة حفص" وقد أخذ عن عاصم عن التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وذلك بعد مستفيض في كتب التصريف، وقد وضع فيه ابن جني كتابه "سر الصناعة"، وهو أتم كتاب في ذلك، قسمه على أبواب بعدد الحروف، فذكر فيه أسماءها وأجناسها ومخارجها ومدارجها وفروعها وخلاف العلماء في ذلك مسقصى مشروحًا.
ولكنا نذكر أنواع هذه الحروف باعتبار صفاتها؛ لأن هذه الصفات إنما هي مصطلحات تاريخية في اللغة، وهم يسمون الخطأ فيها -صفات الحروف- لحنًا خفيا، وقد سمينا بعضها فيما تقدم لنا من الكلام, فنذكر جملتها في هذا الفصل ترجمة لتلك وتوفية للفائدة، ثم نلم بمخارجها بعد.
الصفات:
يقسمون الحروف باعتبار صفاتها إلى تسعة عشر نوعًا، وبعضهم يبلغ بها إلى أربعة وأربعين، وكثير ينقصون أو يزيدون؛ أما الأنواع المشهورة عند علماء هذا الفن والتي هي كالأصول، فهي حروف: همس، وجهر، وشدة، ورخاوة، وبين بين، وحرفو استعلاء، واستفال، وإطباق، وانفتاح، وتفخيم، وترقيق وتفش، وتكرير، واستطالة، وغنة، وذلاقة، ومد، ولين، وصفير، وقلقلة:
١- فالحرف المهموس هو الذي ضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه، وحروف هذا النوع عشرة: "هـ ح خ ك ش س ت ص ث ف".
٢- والحرف المجهور هو الذي أشبع الاعتماد في موضعه -أي: على مخرج الحرف- ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت، وحروف هذا النوع تسعة عشر؛ لأنها كل ما كان غير مهموس.
٣- والشديد هو الذي يمتنع الصوت أن يجري فيه لكمال قوة الاعتماد على مخرج الحرف، ولهذا النوع ثمانية حروف: "ء ق ك ج ط ت د ب".
٤- والرخو هو الذي يجري فيه الصوت لضعف الاعتماد على مخرجه مع نفس قليل، وذلك في الرخو المجهور، أو كثير وهو في الرخو المهموس؛ وحروف الرخاوة ستة عشر: "ذ ظ غ ض ز وي اهـ ح خ ش س ت ص ث" وهذه الثمانية الأخيرة هي كل حروف الهمس ما عدا الفاء والكاف.
٥- وأما الحرف الذي هو بين بين فهو المتوسط بين الرخاوة والشدة وذلك من عدم كمال احتباس الصوت وعدم كمال جريه؛ وحروفه خمسة: "ل ن ع م ر" وهذه الحروف المتوسطة كلها مجهورة.
стр. 77
أما الأنواع السابقة فمنها الشديد المجهور، وهو ستة حروف: "ء ق ط ب ج د".
ومنها الشديد المهموس وهو حرفان: "ك ت".
ومنها الرخو المجهور وحروفه ثمانية: "ض ظ ذ غ ز اوي".
ومنها الرخو المهموس وهو ثمانية أيضًا: "هـ ح خ ش س ص ث ف" وهذه الثمانية هي جميع الحروف المهموسة ما عدا الكاف والتاء.
٦- الاستعلاء: هو أن يستعلي اللسان عند النطق بالحرف إلى جهة الحنك العليا، وحروفه سبعة "خ ص غ ط ق ظ" وأشدها استعلاء القاف.
٧- والاستفال ضد الاستعلاء، وحروفه كل ما عدا السبعة المتقدمة.
٨- الإطباق: وهو انحصار الصوت فيما بين اللسان والحنك، لانطباق الحنك على وسط اللسان بعد استعلاء أقصاه ووسطه إلى جهة الحنك، كما تعرف ذلك عند النطق بحروفه، وهي أربعة: "ظ ص ض" وجملتها من حروف الاستعلاء، ولا يكون الإطباق تاما إلا مع الطاء.
٩- والانفتاح: هو عدم انحصار الصوت بين وسط اللسان والحنك عند النطق بالحرف لانفتاح ما بينهما، سواء انطبق الحنك على أقصى اللسان أو لا؛ وحروفه كل ما عدا الأربعة المطبقة؛ وكل حروف الاستفالة منفتحة.
١٠- التفخيم: وهو تغليظ الحرف في مخرجه بحيث يمتلئ الفم بصداه, وحروف الاستعلاء كلها مفخمة، ولا يجوز تفخيم شيء من حروف الاستفالة إلا الراء واللام في بعض أحوالهما وإلا ألف المد، فإنها تابعة لما قبلها تفخيمًا وترقيقًا.
١١- والترقيق: وهو نحافة الحرف بحيث يكون جسمه ناحلًا لا يمتلئ الفم بصداه.
١٢- والتفشي: كثرة انتشار خروج الهواء بين اللسان والحنك وانبساطه في الخروج عند النطق بالحروف، وحرف التفشي هو الشين فقط على المشهور، وبعضهم يجعله في الضاد والثاء والفاء، وبعضهم يقول إن في الصاد والسين تفشيًا أيضًا، وكل ذلك غير مجمع عليه.
١٣- والتكرير: ارتعاد رأس اللسان عند النطق بالحروف؛ وحرفه الراء فقط، وأكثر ما يظهر تكريره إذا كان مشددًا نحو: مرَّة، وكرَّة.
١٤- والاستطالة: امتداد الصوت من أول حافة اللسان إلى آخرها وهي جنب اللسان لا طَرَفه، وحرفها الضاد فقط، وبعضهم يقول إن الشين مستطيلة أيضًا؛ لأنها تفشت واستطالت حتى خالطت أعلى الثنيتين، وهذا نقله صاحب "المخصص".
١٥- والغنة: صوت يخرج من الخيشوم -أقصى الأنف- ولذلك لو أمسك المتكلم بأنفه لم يمكن خروجها، وحرفاها النون "ولو تنوينًا" والميم إذا سكنتا ولم تظهرا.
١٦- الذلاقة: حروف سميت بذلك لخروج بعضها من ذَلَق اللسان وبعضها من ذلق الشفة، أي: طرفهما، وهي "ف ر م ن ل ب" وضدها حروف الإصمات، وهي ما عدا هذه الستة.
стр. 78
١٧- والمد: هو إطالة الصوت بحرف من حروف المد واللين زيادة على المد الطبيعي، وحروفه "اوي" لأن مخرجها متسع لانتهائها إلى هواء الفم، ومخرج الحرف إذا اتسع انتشر فيه الصوت وامتد ولان، وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصلب، وكل حرف تجده مساويًا لمخرجه إلا هذه الثلاثة١. وللمد في علم التجويد ألقاب عشرة ليس هذا موضعها.
١٨- والصفير: صوت يخرج مع الحرف يشبه صفير الطائر، وحروفه ثلاثة: "س ص ز".
١٩- والقلقلة: صوت زائد يحدث بفتح مخرج الحرف بتصويت، ويشترط عندهم في إطلاق اسم القلقلة على ذلك الصوت، أن يكون شديدًا جهريا؛ وحروفها خمسة: "ق ط ب ج د" والمبرد يعد الكاف من حروف القلقلة، كأنه لم يشترط قوة الصوت الزائدة، وعلى ذلك تكون التاء منها أيضًا، وهو ما يفهم من كلام سيبويه؛ لأنها كالكاف، والصوت فيهما يلابس جري النفس، وهو صوت همس ضعيف، ولذلك عُدّا شديدين مهموسين.
المخارج:
تلك صفات الحروف المجمع عليها. أما مخارجها الطبيعية فهي خمسة عشر على ترتيب ذهابها مع الصوت من ابتداء الصدر إلى الشفتين كما ترى:
١- حروف المد "اوي" تخرج من جوف الصدر، وتنتهي إلى هواء الفم.
٢- "ء، هـ" مخرجهما من أقصى الحلق، غير أن الهمزة أدخل فيه.
٣- "ع، ح" من وسط الحلق، والعين أدخل من أختها.
٤- "غ، خ" من أدنى الحلق إلى الفم: والغين أدخل.
٥- "ق" من بين أقصى اللسان وما فوقه من الحنك.
٦- "ك" مما يلي مخرج القاف من اللسان والحنك.
٧- "ج، ش، ي" من بين وسط اللسان وما فوقه من الحنك، غير أن الجيم أدخل والياء أخرج.
٨- "ض" من بين جانب اللسان من أقصاه إلى قرب رأسه, وبين ما يقابل ذلك من الأضراس العليا فتستغرق أكثر حافة اللسان.
٩- "ل" من بين جانب اللسان حيث ينتهي مخرج الصاد إلى منتهى طرفه وبين ما يقابل ذلك من الحنك الأعلى فوق الأسنان، فالضاد واللازم يتوزعان حافة اللسان٢.
стр. 79
١٠- "ر، ن" من بين طرف اللسان إلى رأسه وبين لثة الثنيتين العلويتين، غير أن الراء أدخل في ظهر اللسان قليلًا١.
١١- "ط، د، ت" من بين طرف اللسان وبين أصول الثنايا العليا مصعدًا إلى الحنك، غير أن الطاء أدخل والتاء أخرح.
١٢- "ص، س، ز" من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتصل بها الحرف وإنما يحاذيها ويسامتها، غير أن الصاد أدخل والزاي أخرج.
١٣- "ظ، ذ، ث" من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، غير أن الظاء أدخل والثاء أخرج.
١٤- "ف" من بين الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا.
١٥- "ب، م، و" من بين الشفتين منطبقتين للباء والميم، ومنفتحتين للواو، غير أن الباء أدخل والواو أخرج.
стр. 80
اختلاف لغات العرب:
قدمنا أن بعض أسباب اختلاف اللغات عند العرب كونهم أميين لا يكتبون، فبقيت اللغة متعلقة على الألسنة، تتغير ما دام يتكلم بها وما دامت ألسنتهم متصرفة بالسليقة أو ما هو في حكمها، كالتقليد الطبيعي الذي يأخذ به العربي للخفة وانحراف لسانه إليه طبيعة؛ لأنه يركب منه قياس نفسه كأنه من منطقة الموروث.
لا جرم كانت اللغات كثيرة؛ فإن العرب قبائل، وتحت كل قبيلة بطون متعددة، ثم الأفخاذ، ثم العشائر، ثم الفصائل١؛ ولا بد أن يكون ناموس الاختلاف قد عم هذه الأقسام كلها، إن لم يكن في أصل اللغة ففي الفروع واللهجات.
وقد نقل صاحب "المخصص" في موضع من كتابه أن أبا عبيد روى عن الكسائي النحو -توفي سنة ١٨٢هـ- أن المضارع من "نمى" إنما هو "ينمي" بالياء، وقال الكسائي: لم أسمع "ينمو" بالواو إلا من أخوين من بني سُلَم، ثم سألت عنه جماعة من بني سُلَيم فلم يعرفوه بالواو. هذا على انتشار اللغة يومئذ بالقرآن والشعر في جمهور العرب، ولزومها على الغالب طريقة واحدة وحدا معروفًا، ومع ذلك بقي الاختلاف حتى في الفصيلة الواحدة؛ لأن هذين الأخوين أهل بيت واحد امتاز بهذه اللغة عن العشيرة كلها.
ولا بد لنا من التنبيه على أن الرواة والعلماء لم يدونوا اللهجات على مناطق العرب قبل تهذيب قريش للغة، ولكنهم تناقلوا من ذلك أشياء كانت لعهد الإسلام، وأشياء أصابوها في أشعار العرب مما صحت روايته قبيل ذلك؛ أما سواد ما كتبوه فقد شافهوا به العرب في بواديها وسمعوه منهم، وهو بلا ريب من بقايا اللهجات الأولى التي كانت لعهد الجاهلية.
على أنهم لم يدونوا من كل ذلك إلا كفاية الحاجة القليلة في تصاريف الكلام، أو ما تنهض به أدلة الاختلاف بين العلماء المتناظرين: كالبصريين والكوفيين؛ أما تدوين اللهجات على أنها أصل من أصول الدلالة التاريخية في اللغة فهذا لم يتنبه له أحد فيما نعلم؛ لأن أكبر غرضهم من جمع اللغة وتدوينها يرجع إلى علوم القرآن والحديث، ولغتهما قرشية؛ وهذه يقل الاختلاف فيها؛ لأنها حضرية مهذبة، والتحضر شيء ثابت فكأنها في حكم المدونة.
وقبل أن نأتي على ما وقفنا عليه من وجود الاختلاف والكشف عن معنى الأدلة التاريخية فيها، نذكر شيئًا قليلًا عن تفرع قبائل العرب؛ لأنه من الأدلة الطبيعية على تفرع اللهجات وانشقاقها بما يطرأ عليها من أسباب المخالطة وقدم العهد ونحو ذلك.
стр. 81
قبائل العرب:
تنقسم القبائل العربية إلى قسمين: القحطانية، والعدنانية؛ وقد تداخلت لغاتهما جميعًا بعد الإسلام وصارت لغة واحدة هي القرشية، إلا فروقا قليلة بقيت في المنطق كأنها أدلة أثرية.
فمن القحطانية حمير، وغسان، ولخم، والأزد، ومذحج، وكندة، وطيء، وغيرها -وبعضهم بعد منها قضاعة أيضًا-؛ وأولئك عرب الجنوب.
أما العدنانية أو عرب الشمال وهم أهل هذه اللغة، فمنازلهم في تهامة ونجد والحجاز، إلا قريشًا فإنهم تحضروا في مكة؛ وتلك البادية هي التي صهرت اللغة وأحالتها إلى هذه السبيكة الفنية العجيبة؛ ويرجع هؤلاء العرب إلى فرعين ينتهيان إلى عدنان، وهما: عك، ومَعَدّ؛ وقد بقيت من عك بقية إلى الإسلام؛ أما معد فهو البطن العظيم الذي تناسلوا منه، وكانت قبيلة كبرى ثم انشقت إلى فرعين: نزار، وقنص؛ وتفرعت نزار إلى خمسة فروع وهي: أنمار، ومضر، وقضاعة١ عند من لا يعدها من القحطانية، وربيعة، وإياد، وتحت كل فرع -من هذه الخمسة- قبائل كثيرة، إلا أن الفصاحة اشتهرت في مضر، حتى عرفت اللغة بالمضرية، ومن أشهر قبائلها كنانة ومن بطونها قريش ثم تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وضبة، ومزينة؛ وتحت كل قبيلة بطون وأفخاذ بسط النسابون عليها الكلام في كتبهم ولا فائدة في استقصائه لمثل هذا الفصل؛ وسنلم بشيء من تاريخ تفرق القبائل ومنازلها عند الكلام على أولية الشعر العربي؛ فهناك موضع الحاجة إليه.
стр. 82
أفصح القبائل:
وهذا فصل لا يؤخذ فيه إلا بأقوال الرواة الذين جمعوا اللغة وتلقوها عن أهلها؛ وذلك لتقادم العهد بزمان العرب؛ ولأن لغاتهم غير مميزة في التدوين حتى يعارض بعضها ببعض ويفصل بينها بطبقات من النظر يعلو إليها وينحدر عنها كما هو الشأن في التنظير والمقابلة بين المتفاضلات.
والفصيح عندهم ما كثر استعماله في ألسنة العرب ودار في أكثر لغاتهم؛ لأن تكراره على الألسنة المستقلة بطبيعتها في سياسة المنطق دليل على تحقق المناسبة الفطرية فيه.
وليس يخفى أن فصاحة العربي إنما هي عمل من أعمال الطبيعة المحيطة به، فإن كانت خالصة وإلا كثر في لسانه الابتذال والتنافر، كما تجد في لغات القبائل الضاربة إلى العراق واليمن والشام؛ وهذه أيضا تقرب أو تبعد من الفصاحة على نسبة مضبوطة باعتبار قربها وبعدها من ذلك الاختلاط الطبيعي١؛ فحقيقة الفصاحة أنها عمل تبتدئه الطبيعة وتكمله الوراثة، فإن وقع اختلال في أحد العاملين وقع مثله في العمل، على نسبة واحدة.
ومن قبائل العرب قوم لم يخرجوا من ديارهم، ويسمونهم الأزحاء؛ لأنهم أحرزوا دورًا ومياهًا فلم ينزحوا عن أوطانهم بل هم يدورون في دورهم كالأرحاء على أقطابها، إلا أن ينتجع بعضهم في البرحاء وعام الجدب، وذلك قليل؛ وهم ست قبائل: تميم بن مرة، وأسد بن خزيمة في مضر؛ وكلب بن وبرة، وطيء بن أزد في اليمن؛ وقبيلتان أخريان في ربيعة لم يذكروهما؛ ومنهم قبائل يسمونها الجمرات، لاجتماعهم٢ على أن لا يخرجوا منهم إلى غيرهم ولا يدخلوا من غيرهم فيهم، وهم: بنو تميم بن عامر بن صعصعة، وبنو الحرث بن كعب وبنو ضبة، وبنو عبس بن بغيض٣.
وبالأرحاء والجمرات نستدل على أن الطبيعة العربية تتفاوت في الميل إلى العزلة والمخالطة، وهي بحسب ذلك أيضًا متفاوتة في خلوص المنطق وانتشابه.
ولسنا نريد المخالطة على إطلاقها، بل مخالطة الأعاجم خاصة، والمخالطة الدائمة على الأخص، وهي التي تكون في القبائل النازلة على حدودهم؛ وذلك عند العلماء هو الحد بين من ترتضى عربيته ولا من يوثق بلغته، حتى إنهم نصوا على أن نطق من ترضى عربيته بالشاذ الذي يخالف قياسهم لا يخل بفصاحته؛ لأنه لا بد من أن يكون قد حاول به مذهبًا أو نحا نحوًا من الوجوه التي يتأول عليها؛ وذلك لأن الجادة على غير ما جاء به فيكون ما شذ من منطقه مأمونًا عليه من فساد المخالطة؛ ولهذا يلحقونه بقياس القريحة الصحيحة.
стр. 83
وأفصح القبائل الذين هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، والعجز من هوازن الذين يقال لهم عليا هوازن١، وهم خمس قبائل أو أربع، منها: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وذلك لقول رسول الله ﷺ : "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر" وكان مسترضعًا فيهم, وهم أيضًا الذين يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلي تميم٢.
ولهذا كان لا يكتب في المصاحف برأي عمر وعثمان إلا كاتب ثقيف. وتلك القبائل كلها كانت تسكن في بوادي نجد والحجاز وتهامة، وقد بقيت معادن الفصاحة العربية زمنًا بعد الإسلام، وإليها كان يرحل الرواة، حتى إن الكسائي لما خرج البصرة فلقي الخليل بن أحمد وجلس في حلقته، قال له رجل من الأعراب: تركت أسدًا وتميمًا وعندهما الفصاحة وجئت إلى البصرة! فقال للخليل: من أين أخذت علمك؟ قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. فخرج إليهم ولم يرجع حتى أنفذ خمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب.
ولم تزل هوازن وتميم وأسد متميزة بخلوص المنطق وفصاحة اللغة إلى آخر القرن الرابع للهجرة؛ وهذا الأزهري صاحب "تهذيب اللغة" المتوفى سنة ٣٧٠هـ يقول في مقدمة كتابه: "لما وقعت في إسار القرامطة، وكان الذين وقعت في سهمهم عربًا، عامتهم من هوازن واختلط بهم أصرام من تميم وأسد.... يتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في نطقهم لحن ولا خطأ فاحش.... إلى أن يقول: واستفدت من مخاطبتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب" ا. هـ.
أما القبائل التي اختلطت بغيرها فلم ينقلوا عنها ولا عدوها خالصة الفصاحة، فسنذكرها مع تفصيل لما تقدم عند الكلام على رواية اللغة إن شاء الله.
стр. 84
معنى اختلاف اللغات:
رأينا محصل ما يروي من كلام العلماء في معنى اختلاف اللغات يرجع في كل وجوهه إلى ثلاث معان:
١- ما يكون من تباين اللهجات وتنوع المنطق؛ وهذا رأس الأنواع؛ لأنه يشمل اختلافهم في إبدال الحروف وحركات البناء والإعراب واختلاف بناء الكلمة في اللغتين والتقديم والتأخير والحذف والزيادة ونحوها مما يرجع في جملته إلى صيغة الكلمة أو كيفية النطق بها. والعرب أنفسهم يعدون مثل ذلك في اللغات الأصلية التي تمثل نوعًا من أنواع الاختلاف الطبيعي فيهم؛ وقد رووا أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب: ما ترى برجل ظحى بظبي؟ فعجب عمر ومن حضر، وقال: ما عليك لو قلت: ضحى بظبي؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إنها لغة! فكان عجبهم من هذه أشد.
٢- ما يكون من اختلاف الدلالة للفظ الواحد باختلاف اللغات التي تنطق به؛ ومن هذا النوع المترادف والأضداد وغيرهما مما سيأتي في محله. ورووا أن أبا هريرة لما قدم من دَوْس عام خيبر، لقي النبي ﷺ وقد وقعت من يده السكين، فقال له: "ناولني السكين"! فالتفت أبو هريرة يمنة ويسرة ولم يفهم ما المراد بهذا اللفظ، فكرر له القول ثانية وثالثة، وهو يفعل كذلك، ثم قال: آلمدية تريد؟ وأشار إليها، فقيل له: "نعم"! فقال: أوتسمى عندكم سكينًا؟ ثم قال: والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ، ودَوْس بطن من الأزد.
٣- ما يكون قد انفرد به عربي مع إطباق العرب على النطق بخلافه؛ وهذا أقل الأنواع. وإنما يعد من اختلاف اللغات، لجواز أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال عهدها وعفا رسمها؛ وقد رووا عن أبي حاتم أنه سأل أم الهيثم الأعرابية عن نوع من الحب يسمى "اسفيوش": ما اسمه بالعربية؟ فقالت: أرني منه حبات! فأراها، فأفكرت ساعة ثم قالت: هذا البحدق! ولم يسمع ذلك من غيرها.
وعندنا أن لغات القبائل في اختلافها إنما هي درجات تاريخية في سلم النشوء والارتقاء يستقرى فيها سير التاريخ اللغوي من طبقة إلى طبقة؛ لأن هذه اللغات جرت من أول عهدها على اندماج النوع الأدنى منها في النوع الأرقى، واستمر ذلك بين العرب، فكلما انتشرت لغة أو لغات لقوم دون قوم تعاورها كل، وبهذا جعلت القبائل تدرج في سبيل الوحدة اللغوية العامة التي تقضي بها سنة الحياة، واعتبر هذا بما حصل آخرًا، فإنه لم يبق بين اللغات كلها إلا فروق جنسية، ثم لما ذهب عصر العرب وفسدت السلائق واختبل الكلام وأصبح اللسان تعليمًا، لم يبق من اللغة إلا اللغة، وأودعت تلك الفروق الجنسية في معرض التاريخ؛ على أن العلماء أنفسهم قد أضرحوا لهذه الفروق قبل أن تموت؛ وذلك لمكان القرآن من الوحدة اللغوية، فلم يكونوا يسمونها لغات إلا للدلالة على أنها مخالفة لما أطبق عليه أكثر العرب، وهو المعنى الاصطلاحي القديم منذ دونت اللغة.
روى أبو بكر الزبيري الأندلسي في "طبقات النحويين": قال ابن نوفل: سمعت أبي يقول لأبي
стр. 85
عمرو بن العلاء "توفي سنة ١٥٤هـ": أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا. فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أحمل على الأكثر وأسمي ما خالفني: لغات.
وقد نبهنا فيما سبق إلى أن العلماء إنما يريدون بلغات العرب ما كان باقيًا لعهدهم في ألسنة من أخذوا عنهم من القبائل، وهم أقوام يمكن حصرهم والإحاطة بلهجاتهم؛ ولذا ترى سيبويه يقول في مواضع من كتابه: هذا عربي كثير في جميع لغات العرب، وهذا عربي كثير في كلامهم، وذلك قول العرب سمعناه منهم؛ ونحو هذا مما يحقق أنهم يريدون باللغات ما بيناه؛ وكذا نقلنا عن صاحب "المخصص" في بعض المواضع أنهم يعتبرون لغة الحجازيين الأصل عند اختلاف اللغات؛ لأن أصل العربية إسماعيل ﵇؛ وهذا المعنى قد كشفه سيبويه في باب الإدغام من كتابه حين ذكر أن أهل الحجاز دعاهم سكون الآخر في المثلين أن يبينوا في الجزم، فقالوا: اردُدْ ولا تَرْدُد، بخلاف بني تميم فهم يدغمون, قال: "وهي اللغة العربية القديمة الجيدة". وسنشير إلى هذا المعنى ببيان أوسع فيما يلي.
وبقيت اللغات مسماة منسوبة إلى أصحابها من العرب عند الرواة والعلماء إلى آخر القرن الثالث على أضعف الظن، لكثرة الرواة يومئذ وتشعب فنون الرواية، وإن كان الجوهري صاحب "الصحاح" وهو في أواخر القرن الرابع قد ذكر أنه شافه بهذه اللغة العرب العاربة في باديتها١.
ومما يروونه: أن الخليفة الواثق المتوفى سنة ٢٣٢هـ لما قدم عليه أبو عثمان المازني سأله: ممن الرجل؟ فقال: من بني مازن. قال: أي الموازن أمازن تميم أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ فكلمه الواثق بكلام قومه وقال: "باسْبُك"؟ يريد: ما اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميمًا، قال المازني: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر -لأن اسمه بكر- فقلت: بكر يا أمير المؤمنين! فأعجبه ذلك وقال لي: اجلس فاطبئن، يريد: اطمئن.
وبديه أن مثل هذا الاختلاف لا يتدارس ويجعل من رياضة اللسان ما لم يكن أهله في شباب أمرهم؛ لأن هرم لغة من اللغات لا يكون إلا بوشك انقراض أهلها أو تغير تاريخهم بما يشبه الانقراض، إذا تفقد أكثر مميزاتهم الاجتماعية الأولى فكأنهم غير ما كانوا.
تحقيق معنى اللغات في الاصطلاح:
رأينا علماء اللغة وأهل العربية قد طرحوا أمثلة اختلاف اللغات في كتبهم فلا قيمة لها عندهم إلا حيث يطلبها الشاهد وتقتضيها النادرة في عرض كلامهم؛ لأنهم لم يعتبروها اعتبارًا تاريخيا، فقد عاصروا أهلها، واستغنوا بهذه المعاصرة عن توريث تاريخها لمن بعدهم؛ ولو أن منهم من نصب نفسه لجمع هذه الاختلافات وإفرادها بالتدوين بعد استقصائها من لهجات العرب، وتمييز أنواعها بحسب المقاربة والمباعدة، والنظر في أنساب القبائل التي تتقارب في لهجاتها والتي تتباعد، وتعيين منازل كل
стр. 86
طائفة من جزيرة العرب والرجوع مع تاريخها إلى عهدها الأول الذي يتوارث علمه شيوخ القبيلة وأهل أنسابها، لخرج من ذلك علم صحيح في تأريخ اللغة وأدوار نشأتها الاجتماعية، يرجع إليه على تطاول الأيام وتقادم الأزمنة؛ ولكان هذا يعد أصلًا فيما يمكن أن يسمى تاريخ آداب العرب، يفرعون منه ويحتذون مثاله في الشعر وغيره من ضروب الأدب.
ولكن القوم انصرفوا عن هذا وأمثاله لاعتقادهم أصالة اللغة، وأنها خلقت كاملة بالوحي والتوقيف، وإذا أفصح اللهجات إنما هي لهجة إسماعيل ﵇، وهي العربية القديمة الجيدة كما قال سيبويه.
والرجوع بالتاريخ اللفظي إلى عهد إسماعيل ضرب من المحال، ومن تكلم فيه فقد أكبر القول؛ لأن الله يقول لنبيه ﷺ عن الأمم وسيرهم: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] . وعلى هذا اعتبروا لهجات العرب لعهدهم كأنها أنواع منحطة خرجت عن أصلها القرشي بما طرأ عليها من تقادم العهد وعبث التاريخ، فلم يجيئا ببعضها إلا شاهدًا على الفصاحة الأصلية في العربية وخلوها من التنافر والشذوذ، وتمامًا على الذي جمعوه من أصول العربية، وتفصيلًا لكل شيء إلا التاريخ.
مع أن الرواة قد وضعوا كتبًا كثيرة ومصنفات ممتعة في قبائل العرب ومنازلها وأنسابها وأسمائها واشتقاق الأسماء وألقابها ومدحها وأشعارها وفرسانها وأيامها، ونحو ذلك مما يرجع إلى التاريخ المتجدد، فلو اعتقدوا اللغات بسبب من ذلك ولم يعرفوها بالوصف الديني الثابت الذي لا يتغير
في حقيقته, لأجروها مجرى غيرها من آثار التاريخ ولكن ذلك الزمن قد طوي بأهله, ولحق فرعه بأصله، فبقي ذلك الخطأ التاريخي كأن صوابه من بعض التاريخ الذي هو حديث الغيب!
نقول هذا وقد قرأنا ما بين أيدينا من كتب الفهرست والتراجم والطبقات على كثرتها، وتبينًا ما يسرد فيها من أسماء الكتب والأصناف، عسى أن نجد من آثار أحد الرواة أو العلماء ما يدل على وضع كتاب في تاريخ لهجات العرب وتمييز لغاتها على الوجه الذي أومأنا إليه، أو ما عسى أن نستدل به على أنهم كانوا يعتبرون ذلك اعتبارًا تأريخيا؛ ولكنا خرجنا منها على حساب ما دخلنا فيها: صفر في صفر؛ ولم يزدنا تعداد أسماء الكتب علمًا بموت هذا العلم وأنه لا كتب له، للسبب الذي شرحناه من اعتبارهم أصالة العربية.
بيد أننا استفدنا تحقيق معنى اللغات في اصطلاحهم بما يقطع الريب ويمتلخ عرق الشبهة فيما أيقنا به، فقد وجدنا كتاب التراجم، والطبقات مجمعين في صنيعهم على أن اللغات: إنما هي الشواذ والنوادر واختلاف المعاني للكلمة الواحدة باختلاف المتكلمين بها، وما يتعاور الأبنية من الاختلاف الصرفي والنحوي؛ لأن كل وجه من ذلك إنما هو أثر من لغة، وعلى هذه السبيل يقولون مثلًا: كان منفردًا في حفظ اللغات والآداب، وكان من شيوخ العلم عارفًا باللغات والإعراب، وكان حافظًا للتفسير والحديث ذاكرًا للأدب واللغات، وكان مبرزًا في علم العربية حافظًا للغات. وأوضح من هذا أننا رأينا لعمر بن شبة النحوي المتوفى سنة ٢٦٢هـ كتابًا سماه "الاستعانة بالشعر وما جاء من اللغات"
стр. 87
ورأينا ياقوتًا يقول في ترجمة عمر بن جعفر الزعفراني: "إنه متخصص بمعرفة علم الشعر والقوافي والعروض، وله كتاب اللغات". ونهاية البيان ما ذكره ياقوت أيضًا في ترجمة أبي مالك الأعرابي الراوية المشهور، من أنه يقال إن أبا مالك هذا كان يحفظ لغات العرب. وقد فسر أبو الطيب اللغوي ذلك بأن المراد التوسع في الرواية والفتيا؛ لأن الأصمعي مثلًا كان يضيق ولا يجوز إلا أصح اللغات، وغيره كأبي مالك يتوسع في ذلك ولا يرى حرجًا في نقل ما شذ وندر -كما سيأتي في بحث الرواية- وقرأنا كذلك أن لكثير من الرواة: كأبي عبيدة، وأبي زيد، الأصمعي، والفراء، وغيرهم، مصنفات يتواردون جميعًا على تسميتها "بكتاب اللغات"؛ فهذا الإجماع دليل على تعيين المعنى وتحديده كما أسلفنا؛ ولكنا رأينا فيما استقريناه من أسماء المؤلفات، أن لحسين بن مهذب المصري اللغوي كتابًا سماه "كتاب السبب في حصر لغات العرب"؛ والذي يبادر الظن من معنى هذه التسمية -إن لم تكن لفظة "السبب" قد جيء بها للسجع- أن الكتاب يتناول الكلام عن تأثير القرآن في حصر اللغات وتغليب القرشية عليها؛ فإن كانت اللفظة للسجع فالكتاب في حصر ما يسمونه باللغات، من نحو المصنوع والضعيف والمنكر والمتروك والرديء والمذموم والحوشي والنوادر، إلى مثال ذلك مما بوب على أكثره السيوطي في "المزهر"، وهو نفس ما تواضعوا عليه من معنى "اللغات" كما علمت، والله أعلم.
стр. 88
أمثلة اختلاف اللغات
النوع الأول
...
أمثلة اختلاف اللغات:
وقد فلينا كتب العربية والأدب، وتناسينا حساب الوقت في تصفحها لاستخراج هذه الدفائن التي نعتبرها بمنزلة الآثار التاريخية؛ وإنما جهدها مما جمعناه أن ندل على علم مات في رءوس علمائنا ﵏، وتصور من بقاياه هيكلًا نصفه، كما يفعل علماء عصرنا في درس البقايا العظمية القديمة التي استحجرت عليها طبقات الأرض، والمثالان سواء في ذلك الموت الأبدي؛ ورأينا أن نقسم أنواع الاختلاف التي جمعناها إلى خمسة أقسام:
١- لغات منسوبة ملقبة.
٢- لغات منسوبة غير ملقبة تجري في إبدال الحروف.
٣- لغات من ذلك في تغير الحركات.
٤- لغات غير منسوبة ولا ملقبة.
٥- لغة أو لثغة في منطق العرب.
وكما قدمنا أشياء من ذلك في بعض الفصول التي سلف ولا نعيدها، كذلك أخرنا أشياء لبعض الفصول التي تأتي فلا نثبتها؛ لأن لكل موضعًا متى اقتضاه استوفاه.
النوع الأول:
وقد عده العلماء من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ، وهو كذلك بعد أن هذبت اللغة وأطبقت العرب على المنطق الحر والأسلوب المصفى؛ ومن أمثلته:
١- الكشكشة، وهي في ربيعة ومضر: يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيئًا، فيقولون في رأيتك: رأيتكش، وبكش، وعليكش؛ وهم في ذلك ثلاثة أقسام: قسم يثبت الشين حالة الوقف فقط، وهو الأشهر؛ وقسم يثبتها في الوصل أيضًا؛ وقسم يجعل الشين مكان الكاف ويكسرها في الوصول ويسكنها في الوقف، فيقولون في مررت بك اليوم: مررت بِشِ اليوم، وفي مررت بِك في الوقف: مررت بِشْ.
وقال ابن جني في "سر الصناعة": قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قول بعضهم:
علي فيما أبتغي أبغيش ... بيضاء ترضيني ولا ترضيش
وتطبي ود بني أبيش ... إذا دنوت جعلت تنئيش
وإن نأيت جعلت تدنيش ... وإن تكلمت حثت في فيش
حتى تنقي كنقيق الديش
стр. 89
فشبه كاف الديك لكسرتها بكاف ضمير المؤنث.
وقد تروى الكشكشة لأسد وهوازن وقال ابن فارس في فقه اللغة: إنها في أسد.
٢- الكسكسة، وهي في ربيعة ومضر أيضًا: يجعلون بعد الكاف أو مكانها في خطاب المذكر سينًا على ما تقدم؛ وقصدوا بالفرق بين الحرفين: السين والشين، تحقيق الفرق بين المذكر والمؤنث في النطق.
ونقل الحريري أن الكسكسة لبكر لا لربيعة ومضر، وهي فيما نقله زيادة سين بعد كاف الخطاب في المؤنث لا في المذكر.
وروى صاحب القاموس أنها لتميم لا لبكر، وفسرها كما فسر الحريري.
٣- الشنشنة في لغة اليمن: يجعلون الكاف شينًا مطلقًا، فيقولون في لبيك اللهم لبيك: لبيش اللهم ليبش.
٤- العنعنة في لغة تميم وقيس: يجعلون الهمزة المبدوء بها عينًا، فيقولون في إنك: عِنّك، وفي أسلم: عسلم، وفي إذن: عذن، وهلم جرا.
٥- الفحفحة في لغة هذيل: يجعلون الحاء عينًا، فيقولون في مثل حلت الحياة لكل حي: علت العياة لكل عي. وعلى لغتهم قرأ ابن مسعود: عَتّى عِين، في قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات: ٤٣] ، [الأعراف: ٨] فأرسل إليه عمر بن الخطاب: إن القرآن لم ينزل على لغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش.
٦- العجعجة في لغة قضاعة: يجعلون الياء المشددة جيما فيقولون في تميمي: "تميمج"؛ وكذا يجعلون الياء الواقعة بعد عين، فيقولون في الراعي: الراعج، وهكذا -وسيأتي في النوع الثاني عكس هذه اللغة- وكانت قضاعة إذا تكلموا غمغموا فلا تكاد تظهر حروفهم، وقد سمى العلماء ذلك منهم "غمغمة قضاعة".
٧- الوتم في لغة اليمن أيضًا: يجعلون السين تاء، فيقولون في الناس: النات، وهكذا.
٨- الوكم في لغة ربيعة، وهم قوم من كلب يكسرون كاف الخطاب في الجمع متى كان قبلها ياء أو كسرة، فيقولون في عليكم وبكم: عليكِمِ وبِكِم.
٩- الوهم في لغة كلب: يكسرون هاء الغيبة متى وليتها ميم الجمع مطلقًا "والفصيح أنها لا تكسر إلا إذا كان قبلها ياء أو كسرة نحو: عليهم وبهم" فيقولون في منهُم وعنهُم وبينهُم: منهِم وعنهِم وبينهِم.
١٠- الاستنطاء في لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والأنصار يجعلون العين الساكنة نونًا إذا جاوزت الطاء، فيقولون في أعطى: أنطى.
وعلى لغتهم قرئ شذوذًا: "إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ" وجاءت أمثلة منها في الحديث الشريف.
١١- التلتلة في بهراء، وهم بطن من تميم، وذلك أنهم يكسرون أحرف المضارعة مطلقًا، وقد
стр. 90
ذكر سيبويه في الجزء الثاني من كتابه مواضع يكون فيها كسر أوائل الأفعال المضارعة عامًا في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز وذلك في نحو مضارع "فعِل" إذا كانت لامه أو عينه ياء أو واوًا، نحو: وجِل وخشِي، مثلًا، فيقولون: نيجَل، ونِخشي؛ هكذا، فراجعه في الكتاب فإن فيه تعليلًا حسنًا. وقال في آخر هذا الفصل: إن بني تميم يخالفون العرب ويتفقون مع أهل الحجاز في فتح ياء المضارعة فقط. ونسب ابن فارس في "فقه اللغة" هذا الكسر لأسد وقيس، إلا أنه جعله عاما في أوائل الألفاظ، فمثل له بقوله: "مثل تعلمون ونعلم وشِعير وبِعير"١.
١٢- القُطعة في لغة طيئ: وهي قطع اللفظ قبل تمامه, فيقولون في مثل يا أبا الحكم: يا أبا الحكا, وهي غير الترخيم المعروف في كتب النحو؛ لأن هذا مقصور على حذف آخر الاسم المنادى, أما القطعة فتتناول سائر أبنية الكلام.
١٣- اللَّخلخانية، وهي تعرض في لغة أعراب الشحَر وعمان، فيحذفون بعض الحروف اللينة، ويقولون في نحو ما شاء الله: مشا الله. ومن لغات الشحر المرغوب عنها ما نقله صاحب "المخصص" من أن بعضهم يقول في السيف: شَلَقَى.
١٤- الطُّمطمانية في لغة حِمْيَر: يبدلون لام التعريف ميمًا، وعليها جاء الحديث في مخاطبة بعضهم: $"ليس من امبر امصيام في امسفر"، أي: ليس من البر الصيام في السفر.
стр. 91
النوع الثاني:
لغات منسوبة غير ملقبة عند العلماء، ومن أمثلته:
١- في لغة فُقيم١: يبدلون الياء جيما، ولغتهم في ذلك أعم من لغة قضاعة التي مرت في النوع الأول؛
لأنها غير مقيدة، فيقولون في بختي وعلي: بختجّ وعلجّ، ومنه قول الحماسي:
خالي عُوَيف وأبو عَلِجّ ... المطعمان اللحم بالعشج
أي: بالعشي، وأنشد أبو زيد لبعضهم:
يا رب إن كنت قبلت حجتج ... فلا يزال ساجح يأتيك بج
يريد: حجتي، ويأتيك بي؛ والساجح: السريع من الدواب٢. وقال ابن فارس في "فقه اللغة":
стр. 92
إن الياء تجعل جيما في النسب، عند بني تميم: يقولون غلامج أي: غلامي؛ وكذلك الياء المشددة تحول جيما في النسب، يقولون: بَصْرِجّ وكُوفِجّ، في بصري وكوفي. وعكس هذه اللغة في تميم -على ما نقله صاحب "المخصص"- وذلك أنهم يقولون: صهريّ والصهاريّ، في صهريج والصهاريج.
٢- في لغة مازن يبدلون الميم باء والباء ميمًا، فيقولون في بكر: مكر، وفي اطمئن: اطبئن، وقد تقدمت.
٣- في لغة طيئ يبدلون تاء الجمع هاء إذا وقفوا عليها، إلحاقًا لها بتاء المفرد؛ وقد سمع من بعضهم: "دفن البناه، من المكرماه" يريد: البنات، والمكرمات؛ وحكى قطرب قول بعضهم: كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه؟ وسيأتي في النوع الرابع عكس هذه اللغة.
٤- في لغة طيئ أيضًا يقلبون الياء ألفًا بعد إبدال الكسرة التي قبلها فتحة، وذلك من كل ماض ثلاثي مكسور العين، ولو كانت الكسرة عارضة كما لو كان الفعل مبنيا للمجهول، فيقولون في رضي وهُدي: رضا، وهدى؛ بل ينطقون بها قول العرب "فرس حظية بظية" فيقولون: حظاة بظاة. وكذلك يقولون: النصاة، في الناصية.
ومن لغتهم أنهم يحذفون الياء من الفعل المعتل بها إذا أُكّد بالنون، فيقولون في: اخْشَينّ وارمينّ.... إلخ. اخشنّ وارمنّ. وجاء من ذلك في الحديث الشريف على لغتهم: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء تنطحها". وتنسب هذه اللغة إلى فزارة أيضًا كما تنسب إلى طيئ.
٥- في لغة طيئ على ما رواه ابن السكيت أنهم يبدلون في الهمزة في بعض المواضع هاء، فيقولون: هن فعلت فعلت، يريدون: إن فعلت، ومنه قول شاعرهم:
ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم
أي: لإنك وسيأتي عكس هذه اللغة في النوع الرابع.
٦- في لغة تميم يجيئون باسم المفعول من الفعل الثلاثي إذا كانت عينه ياء على أصل الوزن بدون حذف، فيقولون في نحو: مبيع مبيوع؛ ولكنهم لا يفعلون ذلك إذا كانت عين الفعل واوًا إلا ما ندر، بل يتبعون فيه لغة الحجازيين، نحو: مَقُول ومَصُوغ؛ وهكذا.
٧- في لغة هذيل لا يبقون ألف المقصور على حالها عند الإضافة إلى ياء المتكلم، بل يلقبونها ياء ثم يدغمونها، توصلًا إلى كسر ما قبل الياء، فيقولون في عصاي وهواي: عَصِيّ وهَوِيّ؛ قال شاعرهم:
سبقوا هوِيّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع
ولا يفعلون ذلك إلا إذا كانت الألف في آخر الاسم للتثنية، كما في نحو: "فتياي" بل يوافقون الجمهور في إبقائها دون قلب، كأنهم كرهوا أن يزيلوا دلالتها على المعنى الذي ألحقت بالكلمة له.
٨- في لغة فزارة وبعض قيس يقلبون الألف في الوقف ياء، فيقولون: الهُوي وأفعي وحُبلي.
стр. 93
ومن تميم من يقلب هذه الألف واوًا فيقول: "الهُدو وأفعو وحبلو" ومنهم من يقلبها همزة فيقول: ألهُدأ وأفعأ وحُبلأ".
وقريب من قلب الألف واوًا ما رواه ابن قتيبة عن ابن عباس: "لا بأس بلبس الحِدَوْ للمحرم" أي: الحذاء, وهو دليل على أن من بعض لغاتهم قلب الألف مطلقًا واو.
٩- في لغة خشعم وزبيد يحذفون نون "من" الجارة إذا وليها ساكن، قال شاعرهم.
لقد ظفر الزوار أقفية العدا ... بما جاوز الآمال م الأسر والقتل
وقد شاعت هذه اللغة في الشعر واستخفها كثير من الشعراء فتعاوروها.
١٠- في لغة بلحرث يحذفون الألف من "على" الجارة واللام الساكنة التي تليها، فيقولون في على الأرض، علأرض، وهكذا.
١١- في لغة قيس وربيعة وأسد وأهل نجد من بني تميم، يقصرون "أولاء" التي يشار بها للجمع ويلحقون بها "لامًا" فيقولون: أولالك، قال بعضهم:
أولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالك١
١٢- في لغات أسماء الموصول:
بلحرث بن كعب وبعض ربيعة يحذفون نون اللذين واللتين في حالة الرفع، وعلى لغتهم قول الفرزدق:
أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلال
وقول الأخطل:
هما اللتا لو ولدت تميم ... لقيل فخر لهم صميم
وتميم وقيس يثبتون هذه النون ولكنهم يشددونها، فيقولون: اللذان، واللتان؛ وذلك في أحوال الإعراب الثلاثة، وللنحاة في حكمة هذا التشديد أقوال ليست من غرضنا.
وطيئ تقول في الذي ذو، وفي التي ذات. ولا يغيرونهما في أحوال الإعراب الثلاثة رفعًا ونصبًا وجرا. وقال أبو حاتم: إن "ذو" الطائية للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإعرابها بالواو في كل موضع.
وسيأتي في النوع الرابع بعض لغات غير منسوبة في أسماء الموصول.
١٣- في لغة ربيعة يقفون على الاسم المنون بالسكون في كل أحوال الإعراب، فيقولون: رأيت خالد، ومررت بخالد، وهذا خالد؛ وغيرهم يشاركهم إلا في النصب.
وفي لغة الأزد يبدلون التنوين في الوقف من جنس حركة آخر الكلمة فيقولون جاء خالدو، ومررت بخالدي.
стр. 94
وفي لغة سعد يضعفون الحرف الأخير من الكلمة الموقوف عليها، إلا إذا كان هذا الحرف همزة أو كان ما قبله ساكنًا، فيقولون: هذا خالد، ولا يضعفون في مثل رشأ وبكر.
١٤- في لغة بلحرث وخثعم وكنانة يقلبون الياء بعد الفتحة ألفًا، فيقولون في إليك وعليك ولديه: "إلاك، وعلاك، ولداه"، ومنه قول الشاعر:
طاروا علاهن فطر علاها
ومن لغتهم أيضًا إعراب المثنى بالألف مطلقًا، رفعًا ونصبًا وجرا؛ وذلك لقلبهم كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفًا؛ فيقولون: جاء الرجلان، ورأيت الرجلان، ومررت بالرجلان؛ وأنشد ابن فارس في "فقه اللغة" لبعضهم:
تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم
غير أنه خص هذه اللغة ببني الحارث بن كعب١.
١٥- ذكر المبرد في "الكامل" أن بني سعد بن زيد بن مناة، ولخم من قاربها، يبدلون الحاء هاء لقرب المخرج، فيقولون في مدحته: مدهْتُه؛ وعليه قول رؤبة:
لله درّ الغانيات المده
أي: المدح؛ وفي هذه الأرجوزة:
براق أصلاد الجبين الأجله
أي: الأجلح.
وقل في موضع آخر: العرب تقول: هودج، وبنو سعد بن زيد مناة ومن وليهم يقولون: فودج؛ فيبدلون من الهاء فاء.
وفي أمالي ثعلب: أزد شنوءة تقول: تفكهون، وتميم يقولون تفكنون، بمعنى تعجبون.
وأمثلة الاختلاف من هذا الضرب غير قليلة.
١٦- في "أمالي القالي" عن أبي زيد أن الكلابيين يلحقون علامة الإنكار في آخر الكلمة، وذلك الاستفهام إذا أنكروا أن يكون رأي المتكلم على ما ذكر في كلامه أو يكون على خلاف ما ذكر.
فإذا قلت: رأيت زيدًا، وأنكر السامع أن تكون رأيته قال: زيدًا إنيه! بقطع الألف وتبيين النون، وبعضهم يقول: زيدنيه! كأنه ينكر أن يكون رأيك على ما ذكرت.
وهذه الزيادة تجري في لغة غيرهم على النحو الذي تسمعه في لغة العامة من مصر، فإنك إذا قلت لأحدهم: رأيت الأسد، يقول: الأسد إيه! فالعرب تحرك آخر الكلمة إذا كان ساكنًا٢. وتلحق به
стр. 95
الزيادة، فإذا قال رجل: رأيت زيدًا، قالوا: أزيدنيه! ويقول: قدم زيد، فنقول: أزيدنيه! أما إذا كان آخر الكلمة مفتوحًا فإنه يجعلون الزيادة ألفًا، ويجعلونها واوًا إذا كان مضمومًا، وياء إذا كان مكسورًا، فإن قال: رأيت عثمان، قلت: أعثماناه! ويقول: أتاني عمر، فتقول: أعمروه! هكذا. فإن كان الاسم معطوفًا عليه أو موصوفًا، جعلوا الزيادة في آخر الكلام؛ رأيت زيدًا وعمرًا، فتقول: أزيدًا وعمرنيه! ويقال: ضربت زيدًا الطويل: فتقول: أزيدًا الطويلاه!
وذكر سيبويه أنه سمع رجلًا من أهل البادية وقيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنيه! وإنما أنكر أن يكون رأيه على خلاف الخروج١؛ وسيأتي وصف لغة أخرى للحجازيين في النوع التالي.
стр. 96
النوع الثالث:
وهو من تغيير الحركات في الكلمة الواحدة حسب اختلاف اللهجات؛ ومن أمثلته:
١- "هلم" في لغة أهل الحجاز تلزم حالة واحدة "بمنزلة رُوَيَد" وتلزم في كل ذلك الفتح؛ وفي لغة نجد من بني تميم تتغير بحسب الإسناد؛ فيقولون هلم يا رجل، وهلمي، وهلما وهلموا، وهلممن؛ وإذا أسندت لمفرد لا يكسرونها كما قال سيبويه، فلا يقولون: هلم يا رجل، ولكنها تكسر في لغة كعب وغني.
٢- في لغة تميم يكسرون أول فعِيل وفَعِل إذا كان ثانيهما حرفًا من حروف الحلق الستة، فيقولون في لئيم ونحيف ورغيف وبخيل: لئيم، ونحيف..... إلخ، بكسر الأول، ويقولون: هذا رجل لعِل، ورجل محِك، وهذا ماضغ لهم "كثير البلع" وهذا رجل وغِل "طفيلي على الشراب"، وفخِد، ونحوها١ كل ذلك في لغتهم بالكسر وغيرهم بفتحه؛ وقد نقل صاحب "المخصص" في ذلك تعليلًا حسنًا يرجع إلى الأسباب اللسانية.
٣- في لغة خزاعة يكسرون لام الجر مطلقًا مع الظاهر والضمير، وغيرهم يكسرها مع الظاهر
стр. 97
وبفتحها مع الضمير غير ياء المتكلم؛ فيقولون: المال لك ولِهُ. ونقل اللحياني ذلك عن خزاعة أيضًا.
وفي "سر الصناعة" لابن جني عن أبي عبيدة والأحمر ويونس، أنهم سمعوا العرب تفتح اللام الجار مع المظهر، وقال أبو زيد، سمعت من يقول: وما كان الله ليعذبهم؛ وفي لغة هؤلاء يقولون: المال للرجل؛ ومثل هذه اللغة في عامية الشام.
ولكن العرب إجماع "ومنهم خزاعة" على كسر اللام إذا اتصلت بباء المتكلم فلا يفتحها منهم أحد.
٤- هاء الغائب مضمومة في لغة أهل الحجاز مطلقًا إذا وقعت بعد ياء ساكنة، فيقولون: لديهُ وعليهُ؛ ولغة غيرهم كسرها، وعلى منطق أهل الحجاز قرأ حفص وحمزة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان﴾ ، و ﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ وهي القراءة المتبعة، أما غيرهما من القراء فيكسر الياء.
٥- في لغة بني مالك من بني أسد يضمون هاء التنبيه؛ فيقولون في: يا أيها الناس، ويا أيها الرجل، يا أيه الناس ويا أيه الرجل؛ إلا إذا تلاها اسم إشارة، نحو: أيّهذا؛ فإنهم يوافقون فيها الجمهور.
٦- في لغة بني يربوع -وهم من بني تميم- يكسرون ياء المتكلم إذا أضيف إليها جمع المذكر السالم فيقولون في نحو ضاربيَّ ضاربيِّ، وهكذا.
٧- في لغة الحجازيين يحكون الاسم المعرفة في الاستفهام إذا كان علمًا كما نطق به؛ فإذا قيل: جاء زيد، ورأيت زيدًا، ومررت بزيد، يقولون: من زيد ومن زيدًا؟ أم إذا كان غير علم: كجاءني الرجل، أو كان علمًا موصوفًا: كزيد الفاضل, فلا يستفهمون إلا بالرفع، يقولون: من الرجل؟ ومن زيد الفاضل؟ في الأحوال الثلاث.
وإذا استفهموا عن النكرة المعربة ووقفوا على أداة الاستفهام، جاءوا في السؤال بلفظة "من"، ولكنهم في حالة الرفع يلحقون بها واوًا لمجانسة الضمة في النكرة المستفهم عنها، ويلحقون بها ألفًا في حالة النصب، وياء في حالة الجر؛ فإذا قلت: جاءني رجل، ونظرت رجلًا، ومررت برجل؛ يقولون في الاستفهام عنه: "مَنو؟ ومَنا؟ ومني؟ ". وكذلك يلحقون بها علامة التأنيث والتثنية والجمع، فيقولون: "مَنَه"؟ في الاستفهام عن المؤنثة، ومَنان ومَنَين؟ للمثنى المذكر، ومَنَتَان؟ ومَنَتَين؟ للمثنى المؤنث، ومنون، ومنين؟ للجمع المذكر، ومنات؟ للجمع المؤنث؛ وهكذا كله إذا كان المستفهم واقفًا؛ فإذا وصل أداة الاستفهام جردها عن العلامة، فيقول: من يا فتى؟ في كل الأحوال. قال الزمخشري: وقد ارتكب الشاعر في قوله:
أتوا ناري فقلت منون أنتم
شذوذين: إلحاق العلامة في الدرج، وتحريك النون.
وبعض الحجازيين لا يفرق بين المفرد وغيره في الاستفهام، فيقول: مَنُو، ومنا، ومَنِي، إفرادًا وتثنية وجمعًا، في التذكير والتأنيث.
стр. 98
٨- من لغة الحجازيين أيضًا أنهم يعاقبون بين الواو والياء فيجعلون إحداهما مكان الأخرى؛ والمعاقبة إما أن تكون لغة عند القبيلة الواحدة، أو تكون لافتراق القبيلتين في اللغتين، وليست بمطردة في لغة أهل الحجاز بين كل واو وياء، ولكنها محفوظة عنهم، فيقولون في الصواغ: الصياغ؛ وقد دوخوا الرجل، وديخوه. وسمع الكسائي بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني لك ولا يضورني أو يضيرني. قوم يقولون في سريع الأوبة: سريع الأيبة؛ ومنهم من يقول في المصايب: مصاوب، ويقول بعضهم: حكوت الكلام، أي: حكيته؛ وأهل العالية يقولون: القَصْوَى، ويقول فيها أهل نجد١: القُصْيا.
وقد وردت أفعال ثلاثة تحكى لإماتها بالواو والياء، مثل: عزوت وعزيت، وكنوت وكنيت، وهي قريب من مائة لفظة نظمها ابن مالك النحوي في قصيدة مشهورة.
٩- في لغة بكر بن وائل وأناس كثير من بني تميم، يسكنون المتحرك استخفافًا، فيقولون في فخذ، والرجل، وكرم، وعلم: فخْذ، وكرم، والرجْل، وعلْم. وقال أبو النجم الراجز، وهو من بكر ابن وائل، يصف الشعر المتعهد بالبان والمسك:
لو عصر منه البان والمسك انعصر
وهذه اللغة كثيرة أيضًا في تغلب، وهو أخو بكر بن وائل. ثم إذا تناسبت الضمتان أو الكسرتان في كلمة خففوا أيضًا فيقولون في العنق والإبل. العنق، والإبل، قال سيبويه: ومما أشبه الأول فيما ليس على ثلاث أحرف، قولهم: أراك منتفخًا، وانطلق يا فتى، أي: منتفخًا وانطلق، ثم قال: حدثنا بذلك الخليل عن العرب وأنشدنا بيتًا لرجل من أزد السراة:
عجبت لمولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان!
وسمعناه من العرب كما أنشده الخليل، وأصله "لم يلده" فلما أسكنوا اللام على لغتهم حركوا الدال لئلا يجتمع ساكنان٢.
١٠- في "الخصائص" لابن جني عن أبي الحسن الأخفش: أن من لغة أزد السراة تسكين ضمير النصب المتصل، كقول القائل:
وأشرب الماء ما بي نحو عطش ... إلا لأن عيونه سال واديها
١١- لغات في كلمات:
تميم من أهل نجد يقولون: نِهْي، للغدير، وغيرهم يفتحها.
الوتر في العدد حجازية، والوتر -بالكسر- في الذحل: الثار. وتميم تكسرهما جميعًا، وأهل العالية يفتحون في العدد فقط.
стр. 99
اللَّحد واللُّحد: للذي يحفر في جانب القبر، والرَّفع والرُّفع: لأصول الفخذين، فالفتح لتميم، والضم لأهل العالية.
يقال: وتِد، ووتَد، وأهل نجد يدغمونها فيقولون: وَدّ.
وفي لغة بعض الكلابيين يقولون: الدِّواء، وغيرهم يفتحها.
والعرب يقولون: شُواظ من نار، والكلابيون يكسرون الشين.
ويقولون: رُفقة، للجماعة، ولغة قيس كسر الراء.
وقالوا: وَجنة ووُجنة، وبالكسر لغة أهل اليمامة.
أهل الحجاز يقولون: خمس عشرة، وتميم يقولون: خمسَ عَشَّرَة، ومنهم من يفتح الشين. والحجازيون يقولون: لعمري، وتميم تقول: رعَمْلي، وتحكى عنهم رعَمْري أيضًا.
واللص في لغة طيئ، وغيرهم يقول: اللصت.
وبقيت ألفاظ أخرى كنا جمعناها فأضربنا عن ذكرها؛ لأن هذا الاختلاف غير مطرد، فلا يعتد به فيما نحن بصدد منه.
١٢- لغات في الإعراب:
في لغة هذيل يستعملون "متى" بمعنى "من" ويجرون بها؛ سُمِع من بعضهم: أخرجها متى كُمُّه أي: من كمه؛ ويروون من ذلك البيت المشهور:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
وفي لغة تميم ينصبون تمييز "كم" الخبرية مفردًا، ولغة غيرهم وجوب جره وجواز إفراده وجمعه، فيقال: كم درهم عندك، وكم عبيد ملكت! وتميم يقولون: كم درهمًا، وكم عبدًا!
في لغة الحجازيين ينصب الخبر بعد "ما" النافية نحو: ما هذا بشرًا، وتميم يرفعونه.
في لغة أهل العالية ينصبون الخبر بعد "إن" النافية، سُمَع من بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية.
الحجازيون ينصبون خبر "ليس" مطلقًا، وبنو تميم يرفعونه إذا اقترن بإلا؛ فيقول الحجازيون: ليس الطيب إلا المسك، وبنو تميم: إلا المسك.
في لغة بني أسد يصرفون ما لا ينصرف فيما عِلة منعه الوصفية، وزيادة النون؛ فيقولون: لست بسكران، ويلحقون مؤنثة التاء، فيقولون: سكرانة.
في لغة ربيعة وغنم، يبنون "مع" الظرفية على السكون، فيقولون: ذهبت معه، وإذا وليها ساكن يكسرونها للتخلص من التقاء الساكنين، فيقولون: ذهبت مع الرجل. وغنم: حي من تغلب بن وائل.
في لغة بني قيس بن ثعلبة يعربون "لدُن" الظرفية، وعلى لغتهم قرئ: "من لدُنِه علمًا".
الحجازيون يبنون الأعلام التي على وزن فعال: كحزام، وقطام، على الكسر في كل حالات
стр. 100
الإعراب؛ وتميم تعربها ما لم يكن آخرها راء وتمنعها من الصرف للعلمية والعدل؛ فإذا كان آخرها ياء كوبار "قبيلة" وظفار "مدينة" فهم فيها كالحجازيين.
في لغة هذيل أن "عقيل" يعربون "الذين" من أسماء الموصول إعراب جمع المذكر السالم، قال شاعرهم:
نحن الذون صبحوا الصباحا ... يوم النخيل غارة ملحاحًا
ومن لغة هذيل أيضًا فتح الياء والواو في مثل: بَيضات، وهَيآت، وعورات، فيقولون: بَيَضات، وهَيَآت، وعَوَرات، والجمهور على إسكانها، وقد وقفنا على أمثلة أخرى نتجاوزها اكتفاء بما قدمناه.
стр. 101
النوع الرابع:
وهو يشمل اللغات التي ذكرها العلماء ولم ينسبوها وتكون في جملتها راجعة إلى تباين المنطق واختلاف اللهجات، وهذا القسم هو اللغة أو أكثرها؛ لأن الذين دونوها جمعوا كل لغات العرب وجعلوها لغة جنسية لم يميزوا منطقًا من منطق، ولا أفردوا لغة عن لغة؛ إذ كان من سبيل خدمة التاريخ اللغوي، وهم إنما أرادوا بصنيعهم خدمة القرآن وعلومه، فلولاء لمضت لغة العرب في سبيل ما تقدمها، ولماتت مع أهلها، وكأن من يظفر اليوم بحرف منها فقد أحيا شيئًا من التاريخ.
ولو أردنا استغراق هذا النوع لخرجنا بالكتاب عن معناه إلى أن يكون معجمًا من معاجم اللغة، ولكنا نأتي بشيء من نادره ونقتصر على القليل من غريبه مما يجانس ما قدمناه ويتحقق به نوع من أنواع الاختلاف اللساني في العرب، ومن أمثلة ذلك:
١- إبدالهم أواخر بعض الكلمات المجرورة ياء، كقولهم في الثعالب والأرانب والضفادع: الثعالي، والأراني، والضفادي. وقال ابن جني في "سر الصناعة" وقد أورد قول الشاعر:
لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثعالي ووخز من أرانيها١
لم يمكنه أن يقف الباء فأبدل منها حرفًا يمكنه أن يقفه في موضع الجر وهو الياء..... ليس ذاك أنه حذف من الكلمة شيئًا ثم عوض منها الياء. وقال وقد ذكر قول الآخر:
ومنهل ليس له حوازق ... ولضفادي جمه نقانق٢
كره أن يسكن العين "من الضفادع" في موضع الحركة، فأبدل منها حرفًا يكون ساكنًا في حال الجر وهو الياء.
стр. 102
وفي "الصحاح": قد يبدلون بعض الحروف ياء كقولهم: في أما١: أيما، وفي سادس: سادي، وفي خامس: خامي. وجاءت لغات الإبدال وكلها غير منسوبة ولا مسماة، وهي كثيرة؛ ومنها نوع طريف يعد من "لغات اللغويين" لأنهم جمعوه ورتبوه؛ وهو في الألفاظ التي ينطق فيها بلغتين بحيث يؤمن التصحيف: كالتي تنطق بالياء والتاء والباء والثاء؛ والتاء والثاء ونحوها مما يقع في حروفه التصحيف، وهذه الحروف هي:
ب ت ث ج ح خ د ذ
ر ز س ش ص ض ط ظ
ع غ ف ق ك ل ن
وفالنون تشتبه بالتاء والثاء، والواو تشتبه بالراء؛ أما سائر الحروف فالاشتباه فيها ظاهر. وعلى أن هذا مما يرجع إلى الخط ويبعد أن يكون العرب أرادوه، ولكن اللغويين وفقوا في عده عن لغات الإبدال، ومن أمثلته: الثّري والبري: بمعنى التراب، وثجّ الجريح ونجّ: سال دمه، وفاح الطيب وفاخ، وهلم جرا....
٢- من العرب من يجعل الكاف جيما، فيقول مثلًا: الجعبة، في "الكعبة" وبعضهم ينطق بالتاء طاء: كأفلطني، في "أفلتني" قال الخليل: وهي لغة تميمية قبيحة٢.
٣- نقل صاحب "المخصص" في "باب ما يجيء مقولًا بحرفين وليس بدلًا" أن بعض العرب يقول: أردت عن تفعل كذا، وبعضهم يقول. لألني. في "لعلني" وقال في موضع آخر: وفي "لعل" لغات يقولها بعض العرب دون بعض، وهي لعلي، لعلني، وعلي، علني، لعني، ولغني؛ وأنشد للفرزدق:
هل أنتم عائجون بنا لعنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام
وقال أبو النجم:
اغد لعِلْنا في الرهان ترسله
يريد "لعلَّنا" وبعضهم يقول: لأنني؛ وبعضهم: لأني، وبعضهم: لونّي؛ وقال رجل: من يدعو إلي المرأة الضالة؟ فقال أعرابي: لوَنذ عليها خمارًا أسود؛ يريد: لعل عليها؛ ومما وقفنا عليه من
стр. 103
لغاتها، ولم يذكره في "المخصص": رَعَن ورعّن وعنّ، وأنّ ولَعَاء، بالمد، ومنه قول الشاعر:
لعاء الله فضلكم علينا ... بشيء أن أمكم شريح
وتروى في "لعل" لغة بكسر اللام لِعلّ؛ وقد أسلفنا أن لغة عقيل الجر بلعل* وهو مما عزاه إليهم أبو زيد، وغيره يقول إن ذلك في لغة بعض العرب.
ومما أورده في هذا الباب: قرأ فما تلعثم، وبعضهم يقول: تَلَعْزم. وتضيّفت الشمس للغروب، وتصيّفت، قال: ومنه اشتقاق الصيف.
٤- وفي "المخصص" أيضًا عن السكيت في "لغات: عند" تقول: هو عِندي، وعُندي، وعَندي؛ ومنه أيضصا "لدن" فيه ثماني لغات، وهي: لَدُن، ولُدُن، ولدَي ولَدُ، ولَدْن، ولُدْن، ولَدْ، ولدًي؛ ومنه أيضًا في "الذي" لغات: الذي بإثبات الياء، واللذِ، واللذْ، واللذيّ؛ وفي التثنية اللذانِ، واللذانّ، واللذا؛ وفي الجمع: الذي والذون واللاءون، واللاءوا، واللاتي -بإثبات الياء في كل حال- والأولى؛ وللمؤنث اللائي، واللاء، واللاتي، واللتِ، واللتْ، واللتان، واللتا، واللتانّ؛ وجمع التي، اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات, واللوا، واللاء، واللآت.
ومن لغات "هو وهي": هوْ، وهيْ -بالسكون- وهوّ، وهيّ: قال بعضهم:
وإن لساني شهدة يشتفى بها ... وهوْ على من صبه الله علقم
وتحكى فيها لغة رابعة، وهي أن تحذف الواو والياء وتبقى الهاء متحركة فتقول: هُـ، هِـ.
ومن لغات "نعم، حرف الإيجاب": نِعَم، ونِعِم، ونَخَم، بإبدال العين حاء كما أبدلت الحاء من "حتى" عينًا في فحفحة هذيل فقيل: عَتَّى، كما مر في موضعه.
٥- بعض العرب يبدل هاء التأنيث تاء في الوقف، فيقول: هذا أمَتْ، "في أَمَهْ" وسمع بعضهم يقول: يا أهل سورة البقرت، فقال مجيب: ما أحفظ منها ولا آيت! ويؤخذ مما ذكره ابن فارس في "فقه اللغة" أن هذه اللهجة كانت من اللغات المسماة المنسوبة إلى أصحابها في القرن الرابع، ولكنا لم نقف على نسبتها, ونقتصر من ذلك هذا القدر فإنه كفاء الحاجة فيما نحن بصدد منه.
стр. 104
النوع الخامس:
وهو ما يروونه على أنه لغة في الكلام أو لثغة من المتكلم، كالألفاظ التي وردت بالراء والغين، أو بالراء واللام، أو بالزاي والذال، أو بالسين والثاء، أو بالشين والسين؛ فكل ذلك مما يشك فيه الرواة، لا يجزمون بأنه لغة فرد أو لغة قبيلة، وقد قال الأنباري في شرح المقامات يذكر أنواع اللثغة في منطقهم: اللثغة تكون في السين، والقاف، والكاف، واللام، والراء؛ وقد تكون في الشين. فاللثغة في السين أن تبدل ثاء، وفي القاف أن تبدل طاء، وربما أبدلت كافًا؛ وفي الكاف أن تبدل همزة، وفي اللام أن تبدل ياء، وربما جعلها بعضهم كافًا؛ وأما اللثغة في الراء فإنها تكون في ستة أحرف: "ع غ ي د ل ط"، وذكر أبو حاتم أنها تكون في الهمزة. ا. هـ.
قلنا: وليس ما ذكره أبو حاتم بغريب، فقد رأينا في "بغية الوعاة" في ترجمة ركن الدين بن القوابع النحوي المتوفى سنة ٧٣٨هـ أنه كان يلثغ بالراء همزة.
وبعضهم يلثغ في اللام فيجعلها تاء، ويسمونه الأرَتّ؛ أما النطق بالحاء هاء فيسمونه ههّة، كقول صاحب "الصحاح": اللَّهْسُ لغة في اللِّحْس، أو ههّة.
стр. 105
عيوب المنطق العربي:
وقد رأينا توفية لفائدة هذا الفصل أن نذكر عيوب المنطق بأسمائها، وهي:
"التمتمة": ويقال لصاحبها: التمتام، وذلك إذا تعتع في التاء، فإذا تردد في الفاء فتلك:
"الفأفأة": وصاحبها فأفاء.
"والعقلة": وهي التواء اللسان عند الكلام.
"والحبسة": تعذر النطق ولم يبلغ المتكلم أحد الفأفاء ولا التمتام، ويقال إنها تعرض في أول الكلام فإذا مر فيه انقطعت.
"واللفف": إدخال بعض الكلام في بعض.
"والرتة": إيصال بعض الكلام ببعض دون إفادة، وقد تقدم لها معنى آخر في اللثغة.
"والغمغمة": أن يسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف ولا تفهم معناه.
"والطمطمة": أن يكون الكلام شبيهًا بكلام العجم؛ وقيل هي إبدال الطاء تاء؛ لأنهما من مخرج واحد، نحو: السلتان في "السلطان".
"واللكنة" وهي إدخال بعض حروف العجم في بعض حروف العرب، ومنها قولهم: فلان يرتضخ لكنة فارسية، وعدوا منها إبدال الهاء حاء، والعين همزة.
"والغنة": وهي أن يشرب الصوت الخيشوم، ثم هي عيب إذا جاءت في غير حروفها.
"والخنة": ضرب منها.
"والترخيم": حذف بعض الكلمة لتعذر النطق به.
"اللثغة": وقد تقدم الكلام عليها، غير أنا رأينا فيها كلامًا حسنًا لبعضهم قال: وتكون في أربعة حروف "ق س ر ل" فالتي تعرض للقاف يجعلها صاحبها طاء، فيقول: طلت في "قلت"، ومنهم من يبدلها كافًا. وأما السين فتبدل ثاء. والتي تعرض في الراء أربعة أحرف: منهم من يجعلها غينًا، ومنهم عينًا، ومنهم ياء، ومنهم زايا فينطقون لفظ "عمرو" على أنواع اللثغة هكذا: "عمغ، وعمع، وعمي، وعمز" وأما التي تعرض في اللام فإن من أهلها من يبدلها ياء، ومنهم من يجعلها كافًا وهي لغة قبيحة. ا. هـ.
ولا حاجة بنا لإيراد الأمثلة من ذلك جميعه؛ فإنما أردنا بيان نوع من أنواع الاختلاف الطبيعي في لهجاتهم، وذكر هذه الحروف التي تغير شيئًا من هيئة المنطق، حتى نُقَفِّي بذلك على ما أوردناه، ونُوفّي الفائدة مما أردناه.
стр. 106
تنبيه:
ولا يفوتنا أن ننبه القراء إلى أن أنواع الاختلاف التي بسطناها لا تزال متحققة في اللهجات العامية المعروفة اليوم في مصر والشام والعراق وسائر الأقطار التي يتكلم أهلها الفصيح البلدي أو العربية المطلقة، وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الاختلاف لم يأت عبثًا، بل هو طبيعة الاختلاف بين العرب الأولين الذين استوطنوا البلاد أيام الفتوح فخرج من أصلابهم هؤلاء المتأخرون؛ ومن لم يمت إليهم بنسب كان منهم بسبب من الولاء والمخالطة ونحو ذلك. وعلى هذا يكون ما تصيبه في لهجات العوام مما يوافق لغات العرب ليس إلا نسبًا لفظيا يدل على ما وراءه من النسب التاريخي بين طوائف العوام وقبائل العرب.
نعم إن اللغة ميراث تاريخي، ولكنها كذلك في الجملة، فيقال إن لغة أمة متفرعة تدل على تحقيق النسبة التاريخية بينها وبين أمة اللغة نفسها، ولكن من الخطأ الواضح أن يقال إن نسب المفردات في الكلام يرتبط بنسب الأفراد في المتكلمين؛ فإذا رأيت أهل مصر جميعًا يقولون: مشالله في "ما شاء الله" فلا يدل ذلك على أنهم من بقايا عرب الشَّحر وعمان الذين يحذفون بعض الحروف اللينة، وهي اللخلخانية كما مر في موضعه، وإذا رأيت كثيرين من أهل البحيرة والغربية يقولون: أَحْمَا في "أحمد" وتاكوا "في تأكل". والبَصَا "في البصل"، فذلك لا يدل على أنهم من عرب طيئ الذين يقطعون اللفظ قبل تمامه، وهي القطعة كما بيناه.
لو ذهبنا نعارض كل ما كان من هذا القبيل بالمأثور من لهجات العرب على أن نحقق نسبة هذا الميراث المنطقي إلى قبائله، لتقحمنا خطة من الغيب، ولأوشكنا أن نضع علمًا كله جهل، وإن كان هذا البحث مما ينهج للنظر سبلًا من الكلام ويفتق للذهن أمورًا من الجدل، بيد أنه التاريخ المزور، والشهادة الظنية على حق اليقين.
والصحيح أن الألسنة هي الألسنة في كل زمان، وما جرى عليه العرب في لغتهم جرت عليه العامة في لغتها؛ فهو يتصرفون في المنطق تصرف المتمكن المستقل؛ لأن العامية لا ترجع إلى قاعدة مضبوطة، ولا هي من اللغات المكتوبة، فتقف عند حد محدود؛ ولكنهم يلوون بها ألسنتهم على ما يصرفها من الأسباب الخلقية، ثم ما تقوم عليه من أحوال المجتمع بين موروث ومكتسب؛ ولسنا ننكر ألبتة أن التقليد قد فعل في اللغة العامية ما فعله في العربية قبلها، بل كان أهل الأمصار في صدر الإسلام -وهم أصل العامية- يتكلمون على لغة النازلين فيهم من البدو، كما كان العرب النازلون بقرب السبل ومجامع الأسواق يتكلمون على لغة من يليهم من العامة. واللغة لا تخلق على لسان أحد، بل لا بد من التقليد والمحاكاة؛ ولكنا ننكر نسبة الناطقين إلى قبائل من العرب توافقها في هيآت المنطق، بعد أن تصرف أهل الأمصار في اشتقاق اللغة كما تصرف العرب، وأخذوها بالتقليد والمحاكاة عن كل شفة، وكان لهم في سياستها استقلال أوسع بكثير مما كان للعرب.
ونحن نذكر هنا كلمة واحدة صح نقلها عن العامية أول عهدها في الشام، ثم هي لا تزال دائرة إلى اليوم في العامي والفصيح. وهي لفظة "عليه" فقد نقل صاحب "الأغاني" كلمة من الشعر العامي
стр. 107
في دمشق زمن الوليد بن عبد الملك جاءت فيها هذه الكلمة "ويلي علَوه" وهي تنطق كحرف "O" وينطقونها اليوم في الشام "علاه" وقد مرت هذه اللغة عن العرب، وفي الفصيح "عليه" وفي اللهجات المصرية الغالبة "عَليه" و"عَلايَه" و"عَلِيَهُ" و"عَلِيه" بالإمالة كحرف "E" و"عَلِيه" بغيرها كحرف "I" وذلك أكثر ما يمكن أن تدار عليه اللفظة؛ فإذا استطعنا تحقيق نسبة هذا المنطق إلى قبائل معينة فهل تحقق بها نسبة الناطقين أيضًا؟ هذا ما لا جواب عليه إلا أنه لا جواب له؛ والتاريخ وإن كان من الكلام غير أنه ليس كل الكلام من التاريخ.
стр. 108
البقايا الأثرية في اللغة:
الألفاظ في كل لغة من اللغات إنما هي أدوات الحياة الذهنية الخاصة بالنفس، كما أن مدلولاتها أدوات الحياة المادية الخاصة بالحواس؛ فالذهن يشبه أن يكون في علم الحياة كتابًا موضحًا بالرسوم: يقرر الحقيقة ويمثلها ويداخلها بين أجزائها, ولكنه لا يعطيها؛ فقد تعلم لذة الطعام إذا كنت جائعا وتتصوره أقرب من فوت ما بين اليد إلى الفم، وتتخيل منه كل ما تشتهي النفس، بل قد تجد طعمه ورائحته إذا كنت شاعرًا دقيق موضع الاتصال بين الحواس الظاهرة والباطنة؛ ولكن تلك المائدة الذهنية على كثرة ما وسعت وطيب ما احتوت، لا تعدل عندك لقمة واحدة تلجلج الفكين!
فالألفاظ مقصرة دائمًا عن بيان معانيها بيانًا يطابق نوع الخلق، ويوافق حالة الوجود، فإذا قيل أمامك: جاء زيد، وكنت لا تعرف من زيد هذا، لم تعد أن تتمثل رجلًا من الرجال، ولكنك إذا عرفته تمثلت نوعًا من الخلق متميزًا بحالة خاصة من أحوال الوجود؛ ومن هنا كان التاريخ -الذي هو بيان نفسي محض لا يؤدى إلا بالألفاظ- من المعاني الكلية والمبهمة التي لا تثبت على قياس واحد الحقيقة، بل لا بد فيها من الزيادة والنقص؛ لأن مرجعها إلى التصور، وهو مجموع ظلال متقلبة على النفس.
ومن التاريخ ما لا يقتصر الإبهام على مدلوله فقط، ولكن يتناول الألفاظ الدالة أيضًا، وذلك لأن صورته الذهنية تكون في مجموعها ملفقة، غير مضبوطة على قياس مألوف من حياة المتكلم؛ فإذا أصاب تلك الألفاظ لم يجد لها في ذهنه رسمًا معينًا؛ لأنها أطلال زمنية؛ وأكثر ما يكون ذلك في العادات والمصطلحات اللغوية التي تتغير بتغير الأزمان والأقوام، فإذا انقرض أهلها انقرضت معهم وبقيت ألفاظها في اللغة مبهمة في ذاتها، حتى إذا ألحقت بالشرح التاريخي أو اللغوي الذي يكشف غموضها ويزيل إبهامها دخلت في الحياة الذهنية، ولكنها تبقى مع ذلك بالنسبة لانقطاعها من الوجود بقايا أثرية في اللغة١.
ولو ذهبنا إلى المعارضة بين ألفاظ الحياة العربية الأولى، وما اختصت به من المعاني، وبين هذه الحياة الحضرية ومستحدثاتها، لرأينا قسمًا كبيرًا من اللغة يتنزل منها منزلة البقايا الأثرية؛ لأننا لا نحتاجه ولا هو مما يعد فضلًا عن الحاجة فينتظر به وقتها؛ وذلك كأسماء الإبل وصفاتها الكثيرة، وكأسماء كثير من الحشرات وما جاءت به اللغات المتعددة، وهو كثير تطفح به معاجم اللغة؛ ولقد نرى أن ذلك مما يصح أن يسمى "لاتينَ العربية" قياسًا على اللغة اللاتينية التي لا يستعملها الأوروبيون، ولكن يشتقون منها أسماء المصطلحات التي تمس إليها الحاجة فيما يستحدثون من أمورهم؛ لولا أن "لاتيننا العربي" يحتاج منا إلى عربية تلائمه؛ فإن استحياء الماضي لا يكون إلا
стр. 109
بالملاءمة بينه وبين روح الحاضر.
ولسنا إلى ذلك نذهب، فهو بجملته لا يخرج عما يسمونه وحشيا١ أو غريبًا٢ أو حوشيا٣، وإنما نريد بالبقايا الأثرية ما أراده علماء اللغة أنفسهم حين جمعوها، فإنهم عدوا من اللغات: منكرًا، ومتروكًا، ومماتًا؛ فالمنكر: ما لا يعرفه بعض أئمة اللغة لكونه مهمل الاستعمال في العرب إلا قليلًا، وهو دون الضعيف الذي ينحط عن درجة الفصيح: كقول بعض أهل الحجاز: ذَأَي يَذْأَي، وهي في لغة أهل نجد: ذوى يذوي، وعليها الاستعمال. والمتروك: ما كان قديمًا من اللغات ثم ترك واستعمل غيره، وهذا ما سميناه آنفا "بالمصطلحات اللغوية" كالغزِّين في بعض تلك اللغات المتروكة أي: الشدقين، واحدهما غز؛ والبعقوط والبلقوط أي: القصير، ونحو ذلك. والممات: ما أميت استعماله: كأسماء الأيام والشهور في اللغة الأولى على ما زعموا، وقد ذكرها صاحب "الجمهرة"، وهي هذه:
ومن الممات عندهم لغات في التصريف: كقول الكسائي: محبوب، من حببت، وكأنها لغة قد ماتت، كما قيل: دمت أدوم، ومت أموت، وكان الأصل أن يقال أمات وأدام٥ في المستقبل -المضارع- إلا أنها قد تركت. ومن ذلك "ليس" الفعل الناقص؛ فإن بعضهم يظن مضارعه وأمره من
стр. 110
الأفعال الممات؛ ومما عدوه متروكًا من أسماء العادة العربية لزوال معانيه في الإسلام: المرباع: وهو ربع الغنيمة، وكان خاصا بالرئيس، ثم صار في الإسلام، الخمس. والنشيطة: هي أن ينشط* الرئيس عند قسمة المتاع الشيء النفيس يراه، إذا استحلاء. والفضول: وهي فضول المقاسم كالشيء إذا قسم وفضلت فضلة منه: كاللؤلؤة والسيف والدرع والبيضة والجارية؛ فكان ذلك من قسم الرئيس. وقد جمع هذه العادات كلها ابن غنمة الضبي في مرثيته لبسطام بن قيس إذ يقول:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
أما الصفايا فبقيت في الإسلام، وخص بها النبي ﷺ ؛ لأنه اصطفى في بعض غزواته من المغنم أشياء: كالسيف اللهذم، والفرس العتيق، والدرع الحصينة، والشيء النادر؛ وذلك يسمى الصفي، قالوا: وقد زال هذا الاسم بعد وفاته ﷺ .
والممات من أسماء العادات شيء كثير يستجر الكلام إلى قسم من تاريخ العرب لا يسعه هذا الموضع؛ فقد كانوا أهل مغاورات وإغرام بالمعاقرة والمياسرة ونحوها، ولكل ذلك أسماء وصفات، فنجتزئ بما ذكرناه، ولكن لا بد من التنبية على شيء دقيق في هذا الباب، وذلك أنا لو تدبرنا الكلام الذي نستعمله لرأينا أشياء كانت من عادات العرب الخاصة بها ثم نقلتها الحضارة إلى معنى يناسبها بعد أن انتزعت منها الأصل التاريخي، فمن ذلك أن الواحد يقول: نحن فعلنا، وليس معه غيره، فلا يظن إلا أنه أراد تعظيم نفسه، وأنه ليس لهذا الاستعمال من أصل تاريخي في الكلام, وإنما الأصل أن العرب كانوا قبائل وجماعات, فكان الرئيس الذي له أتباع يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه ويتداعون لألمه،
كأنهم أجزاء من شخصه، يقول: أمرنا، ونهينا، وغضبنا، ورضينا لعلمه بأنه إذا فعل شيئًا فعله تباعه لا يخذلونه ولا يخالفونه، ثم كثرة استعمال العرب لهذا الجمع ملحوظة فيه تلك الدلالة، ثم استفاض في الكلام حتى صار الواحد من عامة الناس يقول وحده: قمنا، وقعدنا، لا يريد إلا المعنى الحضري المصنوع، وهو التعظيم الحقير.
..