← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لا توجد إلا صيغتان ثقيلتان من صيغ الفعل، هذه وزنهما: فُعّال، وهُفْعال؛ ولكن العرب يستعملون المجهول في كل الأوزان، ماضيًا ومضارعًا. وقد فاتوا بذلك لغات الدنيا جميعا. وتجد العبرانية أيضًا قليلة الأوزان في الفعل المجرد والمزيد بحيث لا تكافئ العربية في ذلك "وقد أسلفنا في موضع تقدم أن صيغة المشاركة التي هي صيغة اقتصادية، مما انفردت العربية به" وإنما وضعت الأوزان لتنمية المعاني وسياستها على وجوهها المختلفة سياسة اقتصادية. ذلك فضلًا عما امتازت به العربية من العذوبة التي كأنها شباب الحياة ورقتها بجانب ذلك الهَرَم الذي تولى العبرانية، حتى كأن ألفاظها من اللبس والتعقيد أيام الكهولة بأقدارها.... ومما لاشك فيه أن فقدان ذلك السبب الاقتصادي في العبرانية هو الذي ابتلاها بالفقر من نوابغ الكتاب والخطباء لضيق مضطرب التعبير، حتى كأنما ينفذ المتكلم بها إلى أغراضه من صدوع ومضايق، وفي هذا العسر كله.... ولما انتفى ذلك في العربية واستوفت وجوه السياسة الاقتصادية في صيغها وألفاظها، كثر شعراؤها وكتابها وخطباؤها "اللغويون"١ إلى حد ترك رجال سائر الأمم عند الترجيح، في كفة شائلة. وهنا أصل طبيعي يحسن التنبيه إليه؛ لأنه ثبت لما نحن بصدد منه، وذلك أن التثنية وهي أخص مظاهر الحياة في الطبيعة، لا أثر لها في اللغة السريانية، وهي في العبرانية مقصورة على معناها الطبيعي أو ما يكون في حكمه، فلا يثنون إلا ما وجد اثنين في الطبيعة، كاليدين والرجلين إلخ، أو ما أنزله الاستعمال هذه المنزلة، كالنعلين مثلًا، ولكنها في العربية عامة لكل الأسماء؛ لأن العدد نظام طبيعي عام لا يتخلف، ومنه الإفراد والتثنية ودرجات الجمع من الثلاثة فصاعدًا٢. بقي علينا أن نذكر شيئًا من أسرار النظام في هذه اللغة غير ما سبق لنا بيانه، وهو الصلة بين طرفي التمدن اللغوي الذين هما الحرية والنمو، وقد مضى الكلام عليهما فيما تقدم.

стр. 142

أٍسرار النظام اللغوي نظام الألفاظ بالمعاني ... أسرار النظام اللغوي: لا نريد بمعنى النظام هذه الأحكام الظاهرة في اللغة كالإعراب، والتصريف والقواعد اللسانية، من نحو عدم الجمع بين ساكنين أو متحركين متضادين؛ فهذا كله ليس إلا أسبابًا للنظام الذي نشرحه في هذا الفصل، وهو يشبه النظام النفسي من حيث تعلقه بالحكمة التي تضبط عواطف النفس وخطراتها؛ وقد رأينا ذلك في اللغة على ثلاثة ضروب: ١- نظام الألفاظ بالمعاني. ٢- نظام المعاني بالألفاظ. ٣- النظام المطلق، وهو نظام القرينة أو الحس النفسي. نظام الألفاظ بالمعاني: والمراد به مساوقة الصيغ اللفظية للمعاني الموضوعة لها؛ وقد ألممنا بأشياء منه في باب الاشتقاق، وذكرنا ثمة أن لابن جني صاحب "الخصائص" كلامًا في هذا المعنى؛ وابن جني هذا هو أول من ناهض هذا البحث اتقانًا؛ وتخلى بأمره افتنانًا؛ وإنما كان العلماء قبله يستروحون إلى أشياء منه عند الضرورة يتعللون به، وأكثرهم لزومًا لذلك شيخه أبو علي الفارسي١؛ ولهذا وضع ابن جني كتابه "الخصائص" لبيان ما أودعته هذه اللغة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائم الإتقان والصنعة؛ أقام فيه القول على أوائل أصول هذا الكلام، وكيف بدئ وإلام نمي؛ وقال في المعنى الذي عقدنا له هذا الفصل: إنه غور من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه وإن كان غفلًا مسهوا عنه. ومما حاوله في كتابه مما يتعلق بغرضنا سبعة أمور: ١- إثبات أن العرب تقارب حروب الألفاظ متى تقاربت معانيها، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] أي: تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى "تهزهم هزا" والهمزة أخت الهاء، فكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة؛ لأنها أقوى من الهاء، كما أن المعنى نفسه أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا حراك له، كالجذع ونحوه؛ أي: فيبقى الهز المقرون بالإزعاج خاصا بذي الحياة؛ لأنه متعلق بالشعور؛ وذلك ما أفادته الهمزة وحدها. ٢- إن هذه المقاربة بين الحروف تقع فيها المراعاة حتى في الحروف البعيدة التي لا تتشابه إلا بالتأويل، كقوله إن تركيب "ع ل م" في العلامة والعَلَم، وقالوا مع ذلك: بيضة غرماء، وقطيع أغرم،

стр. 143

إذا كان فيه سواد وبياض، وإذا وقع ذلك بأن أحد اللونين من صاحبه، وكان كل واحد منهما "علمًا" للآخر، وهذا المعنى من "غ ر م" ولكنه مقارب لتركيب "علم" كما ترى! ٣- إن المقاربة قد تكون بالمضارعة في الأصل الواحد بالحرفين، كسَحَل وصَهل "في معاني الصوت" فالصاد أخت السين، والهاء أخت الحاء، وسَحَل وزحر "في الصوت أيضًا" فالسين أخت الزاي، واللازم أخت الراء. ٤- إن من المضارعة نوعًا أحكم من هذا، وهو المضارعة بالأصول الثلاثية في الفعل "الفاء والعين واللام" نحو: عصر الشيء وأزله، إذا حبسه، قال: والعصر ضرب من الحبس، والعين أخت الهمزة والصاد أخت الزاي والراء أخت اللام، ونحو: الأزم "أي: المنع" والعصب "أي: الشد"، فالمعنيان متقاربان، والهمزة أخت العين، والزاي أخت الصاد، والميم أخت الباء، وقد أتى بأمثلة من ذلك ثم قال: وهذا موجود في أكثر الكلام، وإنما بقي من يثيره ويبحث عن مكنونه، بل من إذا وضح له وكشفت عنده حقيقته، أطاع طبعه له فوعاه، وهيهات ذلك مطلبًا، وعز فيهم مذهبًا. ٥- إثبات أن العرب يصورون اللفظ على هيئة المعنى، وهذا مذهب قد نبه عليه الخليل وسيبويه، قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة، فقالوا: "في العبارة عنه" صر، وتهموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صَرْصَر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على فَعَلان "بثلاث حركات" إنها تأتي للاضطراب والحركة، نحو: الغَلَيان، فقابلوا بتوالي الحركات في المثال توالي الحركات في الأفعال. قال ابن جني: ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء على سمت ما حداه ومنهاج ما مثلاه؛ منها أن المصارد الرباعية المضعفة تأتي للتكرر والزعزعة: كالقلقلة والصلصلة إلخ؛ وإن الفَعَلى من المصادر والصفات تأتي للسرعة نحو: الجَمَزَى والوَقَلى إلخ؛ ومنها أنهم جعلوا تكرير العين في المثال دليلًا على تكرير الفعل، نحو: كسر وقطع إلخ؛ وإنما خصوا العين بذلك؛ لأنها أقوى حروف الفعل، إذ الفاء قد تحذف، نحو: عِدَة وزِنَة، أصلها وعْدَة، ووزنة، واللام كذلك، نحو يد وفم، أصلهما: يَدَو، وفَمَو، ولكن قلما تجد الحذف في العين؛ فلما كانت الأفعال دليلة المعاني، كرروا أقواها، وجعلوه دليلًا على قوة المعنى المحدث به، وكذلك يضعفون العين للمبالغة، نحو: أسد غَشَمْشَم، ويوم عَصَبْصَب، ونحو: اعْشَوْشَب المكان، واغْدَودن الشعر إلخ. قلنا: ومن هذا الباب ما ذكره ابن فارس أنه سمع من يثق به يقول إن العرب تشوه صورة اللفظ وتقبحها لمقابلة مثل ذلك في المعنى، كقولهم للبعيد ما بين الطرفين المفرط الطول: طِرِماح، وإنما أصله من الطّرح، وهو البعيد، لكنه لما أفرط طوله سمي طرماح؛ ومثل ذلك كثير في أبواب الصفات. ٦- ومن نظام الألفاظ بالمعاني أنهم يقابلوا الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، فيجعلون كثيرًا أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها كقولهم: خَضم، وقَضم، فالخضم لأكل الشيء الرطب، والقضم لأكل الشيء الصلب اليابس، فاختاروا الخاء من أجل رخاوتها للرطب، والقاف من أجل صلابتها لليابس، فحذوا بمسموع الأصوات على حذو مسموع الأحداث. ومن ذلك

стр. 144

النَّضْح، للماء الخفيف، لرقة الحاء، والنضخ لما هو أقوى منه، وذلك لغلظ الخاء. ومنه أيضا قولهم: القد، للقطع طولًا، والقط، له عرضًا؛ وذلك لأن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعًا له من الدال، فجعلوا الطاء لقطع العرض لقربه وسرعته، والدال لما طال من الأثر وهو قطعه طولًا، والأمثلة من ذلك كثيرة في اللغة تبادر من يلتمسها، وقد أتى ابن جني بعدة منها، ونقل السيوطي في أوائل "المزهر" عن غيره أشياء أخرى وكلها تدل على أنهم يضبطون الألفاظ المقترنة المتقاربة بالمعاني، فيجعلون الحرف الأضعف فيها، والألين والأخفى والأسهل والأهمس، لما هو أدنى وأقل وأخف عملًا أو صوتًا، ويجعلون الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر، لما هو أقوى عملًا وأعظم حسنًا؛ ومن أجمع الأمثلة لذلك ما أورده الثعالبي في "فقه اللغة"، قال: إذا أخرج المكروب أو المريض صوتًا رقيقًا فهو الرنين، فإن أخفاه فهو الهنين، فإن أظهره فخرج خافيًا فهو الحنين، فإن زاد فهو الأنين، فإن زاد في رفعه فهو الحنين. ٧- إنهم قد يضيفون إلى اختيار الحرف تشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها, وتقديم ما يضاهي أول الحدث "المعنى" وتأخير ما يضاهي آخره؛ سوقًا للحرف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب، كقولهم: شد الحبل؛ فالشين لما فيها من التفشي تشبه بصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد، ثم يليها إحكام الشد والجذب، فيعبر بالدال التي هي أقوى من الشين لاسيما وهي مدغمة فهي أقوى لصيغتها وأدل على المعنى الذي أريد بها. وكذلك: جز الشيء، قدموا الجيم؛ لأنها حرف شديد، وأول الجر مشقة على الجار والمجرور جميعًا، ثم عقبوا ذلك بالراء، وهي حرف تكرير، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك لأن الشيء إذا جر على الأرض اضطرب في غالب الأمر صاعدًا عنها ونازلًا، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق؛ فكانت الراء لما فيها من التكرير؛ ولأنها أيضًا قد كررت في نفسها، أوفق بهذا المعنى من جميع الحروف. ومما يلتحق بهذا الباب الذي هو نظام الألفاظ بالمعاني، ما وضعوه من حكاية الأصوات، وذلك أنهم يشتقون اللفظ من نفس الصوت القائم بمعناه على جهة الحكاية وتصوير الأشياء بأصواتها، وهذا النوع يعده أدباء الغربيين من مبدعات القرائح, ومما يحضرنا منه للعرب قولهم في حكاية صوت مصراعي الباب الكبير إذا أغلق: جَلَنْبَلَقَ، وقول الشاعر: جرت الخيل فقالت حبَطَقْطَق قول الآخر في الإبل: "تداعين باسم السيب" يحكي صوت مشافرها؛ وهذا غير الأصوات التي يعبرون بها عن الأحداث وإن كانت مشتقة منها، كالعطعطة للأصوات المتتابعة في الحرب، والقهقهة للاستغراب في الضحك، وأمثال لذلك كثيرة.

стр. 145

نظام المعاني بالألفاظ: والألفاظ في هذا النوع هي التي تسوس المعاني وتنزلها في منازلها وتضعها على أقدارها، لا من حيث إن اللفظ هو الذي يوجد المعنى، فذلك ظاهر الاستحالة، ولكن على أنه هو الذي يخصص المعنى إذا كان جنسًا، وهو الذي يؤكد مبالغة في تلوين صورته النفسية حتى تنطق أجزاؤه، وحتى يقوم كل جزء منها في البيان اللغوي مقام الكل الذي هو مادة الشعور الطبيعي. ولما كانت اللغة عملًا نفسيا محضًا، كان وجود هذا النوع فيها من أخص الدلائل على تمدنها؛ لأن النظام الذي يعين درجات المعاني إنما يفصل أجزاء الموجودات على درجات شعور النفس بذوات هذه الأجواء أو بصفاتها، وهذا لا يستقيم إلا إذا كان في اللغة حياة باطنة تشبه ما في الإنسان الراقي مما يسمى بالكمال أو الحياة الروحية العالية، حتى تتكافأ النفس واللغة في تصور أجزاء المعاني وتصويرها. ولقد أثبت العلماء أن أظهر ما يكون الفقر في اللغات المنحطة، إنما هو في أنواع الدلالة المعنوية، فكلما انحطت اللغة قلت فيها هذه الأنواع، حتى لتبلغ بها تلك القلة أحيانًا إلى أن تشبه الجماد في تجرده من الشعور ومعانيه؛ ووجدوا من لغات القبائل المتوحشة في أواسط أفريقيا ما ليس فيها ألفاظ تعبر عن الحب والمؤاخاة والعبادة ونحوها من أمهات المعاني النفسية، كأن مادة تلك اللغات من الإحساس الحيواني المحض. والعربية تعتبر أحكم اللغات نظامًا في أوضاع المعاني، وسياستها بالألفاظ، وهي من هذا القبيل أعظمها ثروة وأبلغها من حقيقة التمدن بحيث لا تدانيها في ذلك لغة أخرى كائنة ما كانت، فالعرب لم يدعوا معنى من المعاني الطبيعية التي تتعلق بالحياة الروحية أو البدنية مما تهيأ لهم إلا رتبوا أجزاءه وأبانوا عن صفاته بألفاظ متباينة تعين تلك الأجزاء والصفات على مقاديرها؛ فأول معاني الحياة الروحية الحب، وهذه مراتبه عندهم: الهوى، ثم العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب؛ ثم الكَلَف، وهو شدة الحب؛ ثم العشق، وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب؛ ثم الشعف، وهو إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج، فإن تلك حرقة الهوى وهذا هو الهوى المحرق؛ ثم الشغف، وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه، ثم الجوى، وهو الهوى الباطن؛ ثم التيم، وهو أن يستعبده الحب؛ ثم التبل، وهو أن يسقمه الهوى؛ ثم التدليه، وهو ذهاب العقل من الهوى؛ ثم الهيوم، وهو أن يذهب على وجهه لا يستقر، وذلك لغلبة الهوى عليه، ومنه رجل هائم. وكذا فعلوا في معاني السرور والعداوة والغضب الحزب والسرعة وغيرها؛ ومن معاني الحياة البدنية أصول المعاش الطبيعية التي هي قوام أمرهم: اللبن، فإن له نحو سبعين اسمًا باعتبار اختلاف أحواله، وقد ذكرها السيوطي كلها في "المزهر" "الفصل ١٥- النوع ٢٩"؛ وكذلك الخيل والإبل والشاء، ثم صفاتها وتسمية أجزائها ونحو ذلك مما نكتفي لشهرته بالإشارة إليه. وعلى أكثر هذا النوع من نظام المعاني بالألفاظ بَنَى الثعالبي كتابه "فقه اللغة" وهو أشهر من أن ينبه عليه، ولذا أوجزنا في أمثلته اكتفاء، بالدلالة على مظنتها، والحقيقة تنهض بها الكلمة الواحدة. ومما ننبه إليه في هذا الفصل، أن أرقى الأمم مدنية إذا بلغت فيها المعاني النفسية مبلغ الهرم، وتعلقت بها الخواطر من كل جهة بحيث تفصل أجزاءها تفصيلًا؛ فجهد الأمة عند ذلك أن تحيط المعنى باصطلاحات علمية، وتعرف حوادثه على نحو ما تعرف به فصول العلوم، كالحب مثلًا، فإن مراتبه التي يشير إليها العرب بالألفاظ المتقدمة يشير إليها غيرهم بتعاريف وفصول واصطلاحات، ثم لا تعدو بعد ذلك كله ما كان يفهمه العرب منها برقة شمائلهم ولطف حواسهم النفسية؛ فكأنهم لما عدموا العلوم جعلوا ألفاظهم فصولًا علمية، وذلك منتهى ما يكون من تمدن اللغات. ثم أنت إذا تدبرت هذا النوع رأيته انتباهًا روحيا صرفًا، بيد أنه ممثل بالألفاظ، ورأيت فيما ترى كأن النفس العربي طيفًا يحرك اللغة حتى بأنفاس الخطرات، ويكشف لها كل عاطفة دقيقة ولو اختبأت في أشعة من النظرات!

стр. 146

نظام القرينة: وهو ما نسميه بالنظام البديع؛ لأنه في ظاهره نوع من الفوضى؛ وذلك أنهم يعتمدون في ضرب من كلامهم على اللمحة الدالة والإشارة التي تقع موقع الوحي، وعلى أضعف أثر يشير إلى وجه الكلام ومذهبه ويهدي إلى طريق المعنى فيه، ثم يطلقون الكلام إطلاقًا غير مقيد بنظام، ولا متبع لطريق غيره من سائر الكلام؛ وذلك نظم ينفردون به ولا تجد القليل منه في لغة غيرهم حيث تصيب أدلة النبوغ في أشعر الشعر ومأثور المنثور. وقد سماه علماؤنا "سنن العرب"، وعقد الثعالبي على أمثلة منه القسم الثاني من كتابه "فقه اللغة"، وسماه "سر العربية". ونحن نرى أن هذا النوع لم يكن في اللغة إلا بعد أن انصرف العرب إلى صنعة الكلام، وهذبوا حواشيه، وبلغوا الغاية في تنميق الشعر وإجادته، وذلك قبل الإسلام بما لا يتجاوز مائة سنة على الأكثر؛ لأن التفنن في العبارات لا يأتي إلا من كمال صنعة الألفاظ؛ ولأن ما عرف للعرب من ذلك قليل في جنب ما أتى به القرآن الكريم، وهذا معنى من معاني إعجازه، إذ جعل من عبارته أزمة لعقولهم، فكان يلفتها فجأة عن المعنى الظاهر، ثم يبغتها بروح الكلام، فتكون لها بينهما هزة من الطرب الذي ينشأ عن إدراك العقل لما ليس في مقدوره مع رغبته فيه. فمما ذكروه من سنن العرب التي يتحقق فيها نظام القرينة: مخالفة ظاهر اللفظ، كقولهم عند المدح: قاتله الله ما أشعره! فهم يقولون هذا ولا يريدون وقوعه، وكذلك قولهم: هَبِلَته أمه، وثكلته، وهذا يكون عند التعجب من إصابة الرجل في رميه أو في فعل يفعله؛ ومنها الحذف والاختصار، فيقولون: والله أفعل ذاك، ويريدون لا أفعل؛ فيحذفون حرف النفي؛ ومنها ذكر الواحد والمراد الجمع، كقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨] وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] والمراد الجماعة. وذكر الجمع والمراد واحد أو اثنان، كقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٦٦] وهو يريد واحدًا، وقوله في خطاب موسى وأخيه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٣٧] "والخطاب لاثنين، وقوله في خطاب زوجتي النبي ﷺ . ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ "* فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وهما قلبان. ومنها صفة الجمع بصفة الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وصفة الواحد أو

стр. 147

الاثنين بصفة الجمع، كقول العرب: ثوب أهدام، وجاء الشتاء وقميصي أخلاق١. ومنها أن تخاطب العرب الشاهد ثم تحول الخطاب إلى الغائب. وتخاطب الغائب ثم تحوله إلى الشاهد، وهو الالتفات المعروف في البديع؛ وأن تخاطب المخاطب ثم ترجع الخطاب إلى غيره، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] الخطاب الأول للنبي ﷺ وصحابته، والثاني للمشركين. ومنها الرجوع من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بدون تغيير في المعنى كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ١٣] أراد بكم، وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢١, ٢٢] ومعناه: كان لهم، وقد جاء ذلك في الشعر أيضًا كما رواه ابن الأنباري في الأضداد. ومنها أن يبتدئ بشيء ثم يخبر عن غيره، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فخبر عن الأزواج بلفظ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ وترك الذين, ومنها نسبة الفعل إلى الاثنين وهو لأحدهما كقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] إلى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩] وإنما يخرجان من الملح لا العذب, ونسبته إلى الجماعة وهو لأحدهم كقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] والقاتل واحد, وإلى أحد اثنين وهو لهما؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . ومنها أن تأمر الواحد بلفظ أمر الاثنين، كقول العرب: افعلا ذلك، ويكون المخاطب واحدًا، وكان الفراء يرى في أصل ذلك أن الرفقة عند العرب أدنى ما تكون ثلاثة نفر، فيجري كلام الواحد على صاحبيه، ولذا كان شعراؤهم أكثر الناس قولًا: يا صاحبي، ويا خليلي. ومنها أن تأتي بالفعل بلفظ الماضي وهو حاضر، أو بلفظ المستقبل وهو ماض، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ، أي: يأتي ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ما تَلَتِ الشياطين. ومنها أن تأتي بالمفعول بلفظ الفاعل نحو: سر كاتم، أي: مكتوم، وأمر عارف، أي: معروف، وبالفاعل: على لفظ المفعول، كقولهم: بيع مغبون، ويكون المعنى غابنًا، ومنها وصف الشيء بما يقع فيه، كقولهم: ليلهم نائم، إذا ناموا فيه، وليلهم ساهر، إذا سهروه. ومنها البسط، بالزيادة في حروف الاسم والفعل متى أمن اللبس بقرينة تقتضي ذلك، كإقامة وزن الشعر وتسوية قوافيه، وعلى هذا قول بعضهم في صفة الظلماء. وليلة خامدة خمودًا ... طخياء تخشى الجدي والفرقودا فجعل الفرقد كما ترى، ثم قال فيها: "لو أن عمرًا هم أن يرقودا" يريد يرقد. ومنها القبض محاذاة لذلك البسط. وهو النقصان من عدد الحروف كقولهم: لاه ابن عمك؛ أي: لله، ودرس المنا، أي: المنازل؛ ومنها الإضمار للأسماء والأفعال والحروف، كقولهم: ألا يا اسلمي، أي: يا هذه، وقولهم: أثعلبا وتفر؟ أي: أترى ثعلبًا وتفر؟ وقوله طرفة: ألا أيهذا الزاجري أشهد الوغى

стр. 148

يريد أن أشهد الوغي. منها إقامة المصدر مقام الأمر، نحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي: فاضربوا، واسم الفاعل مقام المصدر، كقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أي: تكذيب، واسم المفعول مقام المصدر نحو: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أي: الفتنة. ومنها المحاذاة، وذلك أن تجعل كلامًا بحذاء كلام فتؤتى به على وزنه لفظًا وإن كانا مختلفين في أصل الوزن، وهذا النوع يسمى الازدواج أيضًا، كقولهم: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة وهي من الواو على غَدَايا، محاذاة للفظ العشايا وهي جمع العشية، وقول بعضهم: هتاك أخبية ولاج أبوية فجمع الباب على أبوية ليشاكل لفظ الأخبية. ومنها إتيانهم بالمصدر من غير الفعل لأن المعنى واحد، كقولهم: اجتوروا تجاورًا، وتجاوروا اجتوارًا، وانكسر كسرًا وكُسِر انكسارًا، وعليه قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] . ومنها مجيء صفات المؤنث على فاعل، كقولهم: امرأة بادن أي: بادنة، وجارية عاتق، بمعنى صغيرة، ومجيء فاعل في المؤنث بمعنى المفعول كقولهم: دابة حاسر، أي: حسرها السير. وغلالة رادع، أي: مردعة بالطيب بالزعفران في مواضع منها، وقد أفاض صاحب "المخصص" في أبنية المؤنث والمذكر مما يجري هذا المجرى "الجزء ١٦". ومن سننهم العجيبة حذف الحرف وهو مقدر لصحة معنى الكلام، فيسقطون الوسيط تفننًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوفكم بأوليائه، ومثله كثير في كلامهم، وقد عقد له ابن سيده بابًا في "المخصص" "الجزء ١٤". ومنها أيضًا قلب الكلام تفننًا، كقول العباس بن مرداس: فديت بنفسه نفسي ومالي أي: فديت نفسه بنفسي ومالي، وقول الأعشى في قلب الإعراب: ما كنت في الحرب العوان مغمرًا ... إذ شب حر وقودها أجزالها وإنما هو: إذ شب حر وقودها أجزالها، ولكن روي القصيدة بالفتح. ولكل ما قدمناه أمثلة كثيرة، وإنما أوجزنا فيها؛ لأننا نرمي بما شرحناه إلى تعيين الجهات التي تحصر معاني التمدن في اللغة، وبيان كل شيء في حصر معانيه. وبعد، فهذا ما حضرنا من القول في إثبات ما سميناه "تمدن العرب اللغوي" وهو كما ترى يصح أن يكون غرضًا لكتاب من أمتع الكتب، بيد أنه لا يخرج إلا من الصدر الرحب والقلب المعتزم، وبعد أن يتعاون على إخراجه الفكر الصحيح والذهن الشفاف والفطنة الوقادة، وبعد أن تبلغ به الوسائل في تصفح العربية ومقابلة معانيها ومعارضة ألفاظها بعضها ببعض، فإن ثم ما وصفناه وإلا فهو أمر منتشر ومذهب وعر وفن غامض وما برح ذلك شأن الحكمة من قديم؛ لأنها الطبقة الباطنة من كل الأشياء، حيث تخلق الأسرار، وتسدل عليها الأستار، فلا يرفع منها شيء إلا بعون من الله، وكل شيء عنده بمقدار.

стр. 149

اللغة العامية اللحن وأوليته ... اللغة العامية: وهذه هي اللغة التي خلفت الفصحى في المنطق الفطري، وكان منشؤها من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة، ثم صارت بالتصرف إلى ما تصير إليه اللغات المستقلة بتكوينها وصفاتها المقومة لها، وعادت لغة في اللحن بعد أن كانت لحنًا في اللغة. ولا بد للكلام على تأريخ العامية وشيوعها، من التوطئة ببعض القول في تاريخ اللحن؛ إذ هو أصلها ومادتها، بل هو العامية الأولى؛ لأنه تنويع في الفصيح غير طبيعي، خلاف ما قد يشبهه من اللهجات العربية المختلفة كما ستعرفه. اللحن وأوليته: والمراد باللحن الزيغ عن الإعراب، وهو أول ما اختبل من كلام أعرب ولم يكن منه قبل الإسلام شيء، وإنما كانت له طيرة على عهد النبي ﷺ ، حين اجتمعت كلمة المسلمين على تباين قبائلهم واختلاف جهاتهم، فتساوى الأحمر والأسود؛ ووجد فيهم من يرتضخ أنواعًا من اللكنة، ومن هؤلاء بلال؛ كان يرتضخ لكنه حبشية؛ وصهيب لكنه رومية؛ وسلمان لكنة فارسية١. ثم إنه ليس كل العرب سواء في قوة الفصاحة وجفاء الطبيعة العربية؛ فلا بد أن يكون بدء ظهور اللحن في الألفاف المستضعفين ممن لم يبلغ به الجفاء ولم تتوقح فصاحته، فربما جذبه طبعه الضعيف وقد دار في سمعه شيء من كلام المتعربين بعد الإسلام فيزيغ ويسترسل إلى ما انجذب إليه. هذا إذا لم نعتبر في أمر أولئك الألفاف ما يكون عادة من ذهول الطبع. وتبلده إذا فجأه ما ليس في قوته ولا تسمو طبيعته إليه؛ كفصاحة القرآن الكريم، فإنه فضلًا عن نزوله بغير اللغات الضيقة واللهجات الشاذة، قد انطوى على أسرار من سياسة الكلام لا تتعلق بها إلا الطبيعة الكاملة؛ ولذا كان أكثر اللحن فيه بادئ بدء؛ لأن لسان كل عربي يركب منه قياس لغته، ويدرك من أسراره بحسب قوته؛ فإذا لم يكن صليبًا جافيا قصر به طبعه فاختبل وتلبد، كما ترى فيمن يقرأ الفصيح وليس من أهله؛ ولو لم يكن ذلك لما كان أبو بكر ﵁ يستحب أن يسقط القارئ الكلمة من قراءته على أن يلحن فيها؛ لأن لحن العربي خَورَ في طبعه فهو من هذه الجهة لا يستقيم إلا بمراجعته والتغيير عليه حتى يثبت على الصواب بنوع من التعلم والتلقين، وأنى لهم ذلك؟ فلا جرم كان إسقاط الكلمة وهو في حكم السهو، خيرًا من إثبات اللحن الطبيعي فيها وهو في حكم العمد. وقد رأينا العلماء فريقين في أمر الإعراب وإطباق العرب عليه: فمنهم من يرى أنهم يتساندون في ذلك إلى السليقة ويجرون على مقتضى الطبع فلا يفطنون إلى اختلاف مواقع الكلام باختلاف

стр. 150

جهاته؛ وعلى هذا متقدمو العلماء؛ ومنهم من يرى أنهم إنما يتأملون مواقع الكلام ويعطونه في كل موقع حقه وحصته من الإعراب عن ميزة وعلى بصيرة، وأن ذلك منهم ليس استرسالًا ولا ترجيعًا، وإلا لكثر اختلاف الإعراب في كلامهم وانتشرت جهاته ولم تنفذ مقايسه، فلم يجمعوا مثلًا على رفع الفاعل ونصب المفعول ونحو ذلك. ومن هؤلاء ابن فارس في كتابه "فقه اللغة"١، وابن جني كما يؤخذ من كلامه في كتاب "الخصائص". والذي عندنا أن ذلك من "خرفشة النحاة" كما يقول ابن خلدون في تحذلقهم وتنطسهم، والصواب رأي الفريق الأول؛ لأن ما ذكره ابن جني في معنى التعليم والتلقين، فإذا ثبت أنهم يتصفحون وجوه الكلام ويتأملون مواقعه، لم يجز أن ينتقل لسان العربي عن لغة إلى لغة أخرى، ولا أن يستدرج في بعض الكلام، ولا أن تضعف فصاحة الفصيح منهم، للزومهم طريقًا واضحًا ومهيعًا معروفًا، وما كان بالتعليم لا يكون بالفطرة. وقد جاءت الروايات بكل ذلك عنهم، ولا سبب له غير الاختلاف الفطري الذي تبتدئه الوراثة وتكملة الطبيعة كما أومأنا إليه في محله. فالصحيح أن الطباع العربية مختلفة قوة وضعفًا. فمنها المتوقح الجافي، ومنها الرخو المضطرب وبحسب ذلك تكون اللغة فيهم؛ وقد نقل ابن جني نفسه في موضع من كتابه أن العرب أشد استنكارًا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة، فقد ينطق بعضهم بالدخيل والمولد ولكنه لا ينطق باللحن, ثم قال في موضع آخر: إن أهل الجفاء وقوة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيغ الإعراب. ولم يأت هذا التفاوت -كما ترى- إلا من اختلاف الطباع الذي أشرنا إليه، فأحر بما اتفقوا عليه أن يكون سببه في الطبع أيضًا؛ لأن الاختلاف في جهات من الشيء إنما يتميز بالاتفاق على جهات أخرى منه. بهذا الاعتبار نقطع بأن اللحن لم يكن في الجاهلية ألبتة، وكل ما كان في بعض القبائل من خور الطباع وانحراف الألسنة فإنما هو لغات لا أكثر؛ وسنزيد هذا الموضع بيانًا في الفصل التالي. هذه أولية اللحن، كانت كما عرفت على عهد النبي ﷺ ، وقد رووا أن رجلًا لحن بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم فقد ضل" ويروى: "فإنه قد ضل" , فلو كان اللحن معروفا في العرب قبل ذلك العهد، مستقر الأسباب التي يكون عنها، لجاءت عبارة الحديث على غير هذا الوجه؛ لأن الضلال خطأ كبير، والإرشاد صواب أكبر منه في معنى التضاد، بل إن عبارة الحديث تكاد تنطق بأن ذلك اللحن كان أول لحن سمعه أفصح العرب ﷺ . ثم لما استفاضت الأسباب التي ذكرناها في صدر هذا المقال، وفتحت الروم وفارس، كثر

стр. 151

اللحن بالضرورة. ولكن العرب كانوا يستمجونه ويعتبرونه هُجنة وزراية، وينتقصون أهله ويبعدونهم، ومما رووه أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بقوم يرمون، فاستقبح رميهم، فقال: ما أسوأ رميكم! فقالوا: نحن قوم "متعلمين". فقال عمر: لحنكم أشد علي من فساد رميكم١. وقد تضافرت الروايات بأن كاتبًا لأبي موسى الأشعري كتب إلى عمر فلحن، فكتب إليه عمر: عزت عليك لما ضربت كاتبك سوطًا -وفي رواية كتب إليه أن قنع كاتبك سوطًا- ولكنهم لم يذكروا موضع اللحن في كتاب أبي موسى حتى وقفنا عليه، فإذا هو لحن قبيح يشق على عمر وغير عمر؛ لأن ذلك الكاتب جعل صدر كتابه هكذا: "من أبو موسى" وهذا على ما نظن أول لحن وقع في الكتابة، ثم شاع بعد ذلك حين نقلت الدواوين إلى العربية من الرومية والقبطية٢، وكان أكثر ما يكون ذلك من ألفاف كتاب الخراج والصيارفة، وقد عثروا في بعض قرى مصر على رقاع مكتوبة، يرجع تاريخ أقدمها إلى سنة ١٢٧هـ، ومنها رسائل موجزة إلى أصحاب البُرُد، كبريد أشمون وغيره، وهي على إيجازها قبيحة اللحن، ولكن منها رسائل مؤرخة في سنة ١٨٢هـ و٢٥٠هـ و٢٧٩هـ و٢٩٥هـ وقد كتب الأخيرتين "شمعون بن مينا، ونقله ابن اندونه" ولحنها من أقبح اللحن، يكتبون فيها دنانير هكذا "دنَنِير" على أنها كلها تكتب بصيغة واحدة لا تتجاوز كلمات معدودة، مما يرجع أنها أمثلة موضوعة لهم ينقلونها في تلك الأغراض الثابتة ولا يغيرون منها إلا الأسماء والأرقام، وذلك شأن حثالة العامة إلى اليوم. ومن تلك الرسائل التي أصابوها، رقعة أملاها بعض المتحذلقين إلى بقال ولا تاريخ لها، ونحن ننقل نصها تفكهة، وهو: رقعة عبد الرازق: "بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاك، وأدام عزك وكرامتك، وجعلني فداك، قد وجهنا إليك ربع درهم، فتفضل ادفع إلى الغلام دانق سكبينج، ونصف دانق بزْر كَرَفْس، وادفع إليه كسرين، وسرني بذلك إن شاء الله" ... أملي في غدا القدر٣.

стр. 152

انتشار اللحن: ولما نشأ الجيل الثاني في الإسلام اضطربت السلائق، وذلك بعد أن كثر الدخيل وعلقته الألسنة لدورانه في المعاملات وتنزله من الاجتماع منزلة المعاني الثابتة، فانحرفت به ألسنة الحضر عن نهجها العربي، وخيف من تمادي ذلك على لسان العرب من الفساد؛ فوضع أبو الأسود الدؤلي أصول النحو؛ ثم كان الناس يختلفون إليه يتعلمونها منه، وهو يفرع لهم ما كان أصله -وسنأتي على ذلك في موضعه- ومن خشيتهم فساد اللسان، كانوا يأخذون أولادهم بالإعراب أخذًا شديدًا، حتى كان ابن عمر ﵄ يضرب بنيه على اللحن تقويما لهم. ثم فشا النحو بعد ذلك وتناوله الموالي والمتعربون, وصار يعلم في المساجد، فانحصر اللحن القبيح الذي هو مادة العامية في الزعانف من الطبقات الوضعية، كالمحترفين وأهل الأسواق، وكان الخطيب البليغ خالد بن صفوان -توفي في أوائل الدولة العباسية- يدخل على بلال بن أبي بردة يحدثه فيلحن، فلما كثر ذلك على بلال قال له: أتحدثني أحاديث الخلفاء وتلحن لحن "السقاءات"؟ فكان خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب. واشتهر النحو وغيره من العلوم التي وضعت لذلك العهد بأنها علوم الموالي؛ فكان يرغب عنها الأشراف لذلك؛ وقد روى المبرد في "الكامل" أن المنتجع قال لرجل من الأشراف: ما علمت ولدك؟ قال: الفرائض. قال: ذلك "علم الموالي" لا أبا لك! علمهم الرجز فإنه يهرت أشداقهم. ومر الشعبي "سمير عبد الملك بن مروان" بقوم من الموالي يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. وسنقول في الموالي بعد. قال الجاحظ: وأول لحن سمع بالبادية: عصاتي، والصواب عصاي؛ وأول لحن سمع بالعراق؛ حيِّ على الفلاح، صوابه حيَّ؛ بالفتح١. وفي الدولة المروانية العربية كان يعتبر اللحن من أقبح الهجنة؛ لأن العرب يومئذ كانوا لا يزالون على حميتهم الأولى، وكانت جماهيرهم تحضر مجالس الخلفاء والأمراء وتنادي كل طائفة منهم باسم قبيلتها، فيقال مثلًا: لتقم همدان، ولتقم تميم، ولتقم هوازن، ونحو ذلك؛ وهم يريدون من حضر من هذه القبائل؛ فكان عبد الملك يستسقط من يلحن، قال العتبي: استأذن رجل من عِلْيه أهل الشام عليه وبين يديه قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: يا غلام، غطها فلما دخل الرجل فتكلم لحن، فقال عبد الملك: يا غلام، اكشف عنها الغطاء؛ ليس للاحن حرمة. ولحن محمد بن سعد بن أبي وقاص لحنة، فقال: حَسَّ! -كلمة تقال عند الألم- إني لأجد حرارتها في حلقي, وقد أحصوا الذين لم يسمع منهم لحن قط في ذلك العهد، فعدوا منهم عبد الملك بن مروان، والشعبي، والحسن البصري، وأيوب بن القرية؛ وقال الحسن يومًا لبعض جلسائه: توضيت، فقيل له: أتلحن يا أبا سعيد؟ فقال: إنها لغة هذيل؛ وكان هذا الجواب أبين عن فصاحته من الفصاحة نفسها. وأحصوا اللحانين من البلغاء، فعدوا منهم خالد بن عبد الله القسري٢ وخالد بن صفوان وعيسى بن المدور؛ وكان الحجاج بن يوسف يلحن أحيانًا.

стр. 153

وقد كان بنو مروان يلزمون أولادهم البادية لينشؤهم هناك على تقويم اللسان وإخلاص المنطق، ومن أجل ذلك قال عبد الملك: أضر بالوليد حبنا فلم نوجهه إلى البادية! والوليد هذا ومحمد أخوه كانا لحانين، ولم يكن في ولد عبد الملك أفصح من هشام ومسلمة؛ وذكروا أنه قيل للوليد يومًا: إن العرب لا تحب أن يتولى عليها إلا من يحسن كلامها، فجمع أهل النحو ودخل بيتًا ليتعلم فيه، فأقام ستة أشهر ثم خرج أجهل من يوم دخل, ومما نقلوا من لحنه أنه خطب الناس يوم عيد, فقرأ في خطبته: "يا ليتها كانت القاضية" بضم التاء، فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحنا منك! وما صار الأمر إلى العباسيين حتى كانت العجمة قد فشت في الحضر وغلبت على السليقة وأصبحت السلامة من الحلن لا تتهيأ إلا بالتصون والتحفظ وتأمل مواقع الكلام، ولذا صاروا يشبهون اللسان الفصيح بأنه لسان أعرابي قح، وكانوا يمسون عثمان البتي النحوي "معاصر للأصمعي" عثمان العربي، من فصاحته واستقامة لسانه؛ ولكن أذى اللحن بقي ثابتًا في الغرائز القوية، حتى ذكروا أن الرشيد كان مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم؛ فقال يومًا: قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرًا فيتغنون فيه؛ فقيل له: ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية، وهو في الحبس. قال أبو العتاهية: فوجه إلي الرشيد أن قل شعرًا حتى أسمعه منهم؛ ولم يأمر بإطلاقي، فغاظني ذلك؛ فقلت: والله لأقولن شعرًا يحزنه ولا يسر به, ثم عمل شعرًا رقيقًا في الموعظة والتذكير بانصراف الدنيا وانصرام لذتها، يقول فيه: خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح هل لمطلوب بذنب ... توبة منه نصوح كيف إصلاح قلوب ... إنما هن قروح موت بعض الناس في الأر ... ض على قوم فتوح نح على نفسك يا مسـ ... ـكين إن كنت تنوح ودفعه إلى من حفظه من الملاحين، فلما سمعه الرشيد جعل يبكي وينتحب، وكان من أغزر الناس دموعًا في وقت الموعظة، وأشدهم عسفًا في وقت الغضب والغلظة. نقول: ولو أنا أبا العتاهية لم يطرح ظل نفسه على ذلك الشعر وقتئذ وعمل على أن يصيب حقيقة غرض الرشيد، لكان أول واضع في الإسلام للشعر الذي يسمى أغاني الشعب، ولجاء بعده من يأخذ في طريقه ويفتن فيها حتى توضح أغاني الشعب الاجتماعية والسياسية على حقيقتها، ويكون ذلك من أرقى أبواب الأدب العربي، ولكن ظل الشاعر كان في ذلك الغضب ثقيلًا باردًا كأنه قطعة من ظلمة حبسه، أو كأنه ظل شيطاني لا ينبسط إلا ليطوي الأشعة المنبعثة من الأفكار الصالحة١.

стр. 154

وكان المأمون يقول: أنا أتكلم مع الناس كلهم على سجيتي، إلا علي بن الهيثم، فإني أتحفظ إذا كلمته؛ لأنه يعرف في الإعراب، وعلي هذا كان كاتبًا في ديوانه، وكان كثير الاستعمال لعويص اللغة، وله نوادر عجيبة في التشادق: دخل مرة سوق الدواب، فقال له النخاس: هل من حاجة؟ قال: نعم؟ أردت فرسًا قد انتهى صدره، وتقلقلت عروقه، يشير بأذنيه ويتعاهدني بطرف عينيه، ويتشوف برأسه، ويعقد عنقه، ويخبط بذنبه، ويناقل برجليه، حسن القميص، جيد الفصوص، وثيق القصب، تام العصب، كأنه موج لجة، أو سيل حدور. فقال النخاس: هكذا كان فرسه ﷺ ! وكان مثل هذا التقعر خاصا بجفاة الأعراب ممن يطرءون من البادية، فلما فشا اللحن ولانت جوانب الكلام، أخذ في طريقهم جماعة من النحويين، فكانوا يبالغون في التقعير والتعقيب والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم، يريدون بذلك أن يتبادَوْا في الحضريين ليكونوا أعرابهم، فكانت هذه الأعرابية الكاذبة تمثيلًا مضحكًا عند العامة، وثقيلًا مبغضًا عند العلماء. ومن أشهر أولئك: عيسى بن عمر الثقفي، وهو رأس المتقعرين وفاتحة تاريخهم "توفي سنة ١٤٩هـ"، وأبو علقمة النحوي، وأبو خالد النميري، وأبو محلم الراوية، وغيرهم، ومن أثقل ما رأينا في التقعير، هذا الكتاب الذي كتبه أبو محلم "في أواخر القرن الثاني" إلى بعض الحذائين، في نعل كانت له، وهذه عبارته كما رواها القالي في أماليه: "دِنها، فإذا همت تأتدن فلا تخلها تُمَرْخِد، وقبل أن تقْفعِل، فإذا ائتدنت فامسحها بخرقة غير وَكِبة ولا جَشِبة، ثم امعسها معسًا رقيقًا، ثم سن شفرتك وأمهها، فإذا رأيت عليها مثل الهوة فسن رأس الإزميل، ثم سم بالله وصل على محمد ﷺ ، ثم انحها وكوف جوانبها كوفًا رقيقًا، واقبلها بقبالين أخنسين أفطسين غير خليطين ولا أصمعين، وليكونا وثيقين من أديم صافي البشرة غير نَمِش ولا حَلم، ولا كَدِش، واجعل في مقدمتها كمنقار النغر١". لا جرم عد أمثال هؤلاء في الثقلاء؛ لأن هذا الفصيح في العامة أقبح من اللحن في مخاطبة الأعراب الفصحاء. وقد ألف أبو الفرج النحوي المتوفى سنة ٤٩٩هـ كتابًا جمع فيه أخبار المقعرين وساق نوادرهم. على أن النحويين لم يكونوا كلهم من الفصحاء، بلْهَ المتقعرين، ولا الرواة أيضًا، فقد كان حماد الراوية وهو في شباب الدولة العربية لحانة، حتى اعتذر عن ذلك في مجلس الوليد بن عبد الملك بأنه رجل يكلم العامة ويتكلم بكلامها.

стр. 155

وقد ألف عمر بن شبة النحوي الراوية المتوفى سنة ٢٦٢هـ كتابًا فيمن كان يلحن من النحويين إلى عهده. واستمرت العامية فاشية بما كثر من أسبابها وتوفر من وسائلها، ولم يغن الخلفاء ولا الأمراء اتخاذ المؤدبين لأولادهم يقومون ألسنتهم ويأخذونهم بالفصيح، واندفع الناس في ذلك، وخاصة بعد أن فسدت سلائق الأعراب أيضًا في القرن الخامس كما سيجيء؛ وكلما تقدمت البلاد في مذاهب الترف وتقلبت في أعطاف الرقة، بلغت مثل ذلك من العامية، حتى صارت الأندلس -وهي التي انفردت بمشاهير النحاة الذين أعادوا عصر الخليل وسيبويه١- تكاد تكون عامية محضة؛ وقد نقل صاحب "نفح الطيب" أن الخاص منهم إذا تكلم بالإعراب وأخذ يجري على قوانين النحو: استثقلوه واستبردوه!.

стр. 156

فساد اللغة في البادية: هذا ما يحضرنا من تاريخ اللحن في الحضر، حيث توفرت أسبابه من الاختلاط والملابسة؛ أما في البادية فقد بقيت اللغة على خلوصها إلى آخر القرن الرابع، على ما يكون من الاختلاف الذي لا بد منه بين طبائع الأعراب كما أومأنا إليه فيما سبق. وقد حكى ابن جني في "الخصائص" أنه كان يرد عليهم من عقيل بن يؤنس ولا يبعد عن الأخذ بلغته. وابن جني توفي سنة ٢٩٢هـ وكلامه في "الخصائص" يشعر أن ألسنة البدو يومئذ بدأت تضطرب حتى كان ينبه بعضهم بعضًا إلى الصواب، وحتى ظهر في بعض طوائفهم شيء من مرذول القول؛ قال: وقد طرأ علينا مرة أحد من يدعي "الفصاحة البدوية" ويتباعد عن الضعفة الحضرية؛ فتلقينا أكثر كلامه بالقبول وميزناه تمييزًا حسن في النفوس موقعه، ثم ذكر أن هذا البدوي ركب في بعض شعره قياسًا غير صحيح، وتكرر منه ذلك، فطرحوا لغته، قال: وكان من أمثل من رأيناه ممن جاءنا. على أن اختلاف طبائع الأعراب قديم؛ لأنهم يرثونه عن سلفهم وأوليتهم، وقد يكون من ضعف تلك الطبائع ما يعده الثقات فسادًا، لانحطاطه في الفصاحة، لا لأن فيه لحنًا؛ إذ العلماء إنما يطلبون فصح اللغة ويقدرون الأعراب على حسب ما عندهم من ذلك. وقد ذكرنا في الكلام على "أفصح القبائل" من نصوا على قوة الفصاحة فيهم بعد الإسلام، أما الضعاف الذين يوجه ضعفهم على جهة ما أشرنا إليه فلم نقف على نص يعين قومًا منهم، إلا ما ذكروه عن أعراب الحُلَيْمات١ فقد روى العسكري عن أبي زيد أن الكسائي المتوفى سنة ١٨٩هـ بعد أن أخذ العلم الصحيح عن أساتذة البصرة، خرج إلى بغداد، فقدم أعراب الحُلَيْمات، وهم غير فصحاء فأخذ عنهم شيئًا فاسدًا فخلط هذا بذاك فأفسده: وهذا الفساد ظاهر المعنى كما ترى. ولم نعثر على نص يثبت خلوص لغة الأعراب فيما وراء القرن الرابع: ولا يمكن أن يكون ذلك مع اضطراب الفتن واستعجام الدولة وغلبة العامة وانقطاع حاجة العلماء إلى عربيتهم الفطرية، ودروس معاهد الرواية ثم فُشوّ الاختلاط بين العرب وعامة الأمصار كما سيمر بك، وخاصة في الحجازيين منهم، حيث يختلف إليهم الحجيج من جميع الآفاق، غير أننا رأينا في "معجم البلدان" لياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦هـ في لفظ العكوتين "تثنية عكوة: وهو اسم جبلين منيعين مشرفين على زبيد باليمن" قوله: ومن أحدهما عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر، من موضع فيه يقال له الزرائب ...

стр. 157

وقال الزاجر: إذا رأيت جبلي عكاد ... وعكوتين من مكان باد فأبشري يا عين بالرقاد قال: وجبلا عكاد فوق مدينة الزرائب، وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم: لم تتغير، بحكم أنهم لم يختلطوا بغيرهم من الحضارة في مناكحة، وهم أهل قرار لا يظعنون عنه ولا يخرجون منه. ثم رأينا في "القاموس" لمجد الدين بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى بمدينة زبيد سنة ٨١٧هـ في مادة "ع ك د" أن عكاد جبل باليمن قرب مدينة زبيد "وأهله باقية على اللغة الفصيحة"؛ وقد زاد شارحه مرتضى الزبيدي -أقام بمدينة زبيد مدة طويلة فعرف بهذا اللقب- المتوفى سنة ١٢٠٥هـ قوله: "إلى الآن"، ثم قال: ولا يقيم الغريب عندهم أكثر من ثلاث ليال خوفًا على لسانهم. ولا يعرف قوم خلصت لغتهم غير أولئك العكاديين؛ وعبارة ياقوت تدل على أنه لم يكن يعرف في زمنه غيرهم أيضًا، على أن لسان البدو النازلين في الجنوب من شبه جزيرة العرب لا يزال إلى اليوم أكثر شبهًا بالفصيح من بعض الوجوه دون غيرهم من سائر العرب، وأظهر ما يكون ذلك على ما تبينه الرواد في سكان حارب وبيحان. وكذلك يقال في قبائل فهم وقحطان في الحجاز: إنهم أكثر انطلاقًا في الألسنة من سائر عرب الشمال، والله أعلم.

стр. 158

طبائع الأعراب: بقي أن نذكر شيئًا عن طبائع الأعراب الفصحاء الذين كانوا يطرءون على الحضر فتؤخذ عنهم اللغة؛ لأن العلماء كانوا إذا وجدوا منهم من يفهم اللحن وعلل الإعراب بَهْرَجوه وزيفوا طبعه وطرحوا لغته؛ كما يفعلون بمن لم يخلص منطقه وبمن يرق طبعه وتضعف فصاحته، لإغراقه في علل الحضارة وأسبابها، فقد ذكروا أن أبا عمرو بن العلاء "توفي سنة ١٥٤هـ" استضعف يومًا فصاحة أبي خيرة العدوي الأعرابي، فسأله: كيف تقول: حفرت الإران؟ فقال: حفرت إرانًا. فقال له أبو عمرو: ألان جلدك يا أبا خيرة حين تحضرت١! وهكذا كانوا: إذا ارتابوا بفصاحة أعرابي وظنوا أن جلده قد لان وذهب جفاؤه الذي يعدونه مادة الفصاحة، وضعوا له قياسا غير صحيح وسألوه عنه, فإن نطق به طرحوه, وإلا كان عندهم بتلك المنزلة, وإنما يعمدون إلى الأقيسة غالبًا؛ لأن قياس العربي قريحته كما بيناه من قبل، والقريحة مظهر الفطرة؛ قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو يقول: ارتبت بفصاحة أعرابي فأردت امتحانه، فقلت بيتًا وألقيته عليه، وهو: كما رأينا من "مسحب" مسلحب ... صار لحم النسور والعقبان فأفكر فيه ثم قال: ردّ علي ذكر "المسحوب"، حتى قالها مرات، فعلمت أن فصاحته باقية٢. ولا تجد الأعرابي ينطق بمثل هذا إلا إذا ضعفت فصاحته وبدأت سليقته تتحضر، فكأنما انصدع مفصل العربية من لسانه. قال ابن جني: سألت مرة الشجري -وهو أعرابي من عقيل كانوا يرجعون إليه في اللغة -ومعه ابن عم له دونه في الفصاحة، وكان اسمه غصنًا- فقلت لهما: كيف تحقّران حمراء؟ فقالا: حُمَيْراء. وواليت من ذلك أحرفًا وهما يجيئان بالصواب، ثم دسست في ذلك عِلْباء، فقال غصن: عُلَيْبَاء، وتبعه الشجري؛ فلما هم بفتح الباء تراجع كالمذعور، ثم قال: آه عَليْبيّ٣. وقال في موضع آخر من "الخصائص": سألته يومًا -يعني الشجري- كيف تجمع دُكانًا؟ فقال: دكاكين. قلت: فسرحانًا؟ قال: سراحين.. قلت: فعثمان؟ قال: عثمانون، فقلت له: هلا قلت عثامين؟ قال: أيش عثامت؟ أرأيت إنسانًا يتكلم بما ليس من لغته؟ كذلك نقل عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني "توفي سنة ٢٥٥هـ" في كتابه الكبير في

стр. 159

القراءات، وقال: قرأ علي أعرابي بالحرم: "طِيبي لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب" فقلت له: طوبى ... فقال: طيبي، فأعدت فقلت: طوبى، فقال: طيبي؛ فلما طال علي قلت: طُوطُو ... فقال: طي طي ... وهكذا نبا طبع هذا الأعرابي إلا عن لحن قومه وإن كان غيره أفصح منه، ولو يؤثر فيه التلقين، ولا ثنى طبعه هز ولا تمرين! على أن طبع العربي قد يجذبه إذا توهم القياس، ومن ذلك ما رواه صاحب "الأغاني" أن عمارة بن عقيل الشاعر "في القرن الثالث وهو الذي يقال إن الفصاحة ختمت به في شعراء المحدثين"١ أنشد قصيدة له جاء فيها "الأرباح والأمطار" فقال له أبو حاتم السجستاني: هذا لا يجوز، إنما هو الأرواح، فقال: لقد جذبني إليها طبيعي ... أما تسمع قولهم رياح؟ فقال له أبو حاتم: هذا خلاف ذلك! قال: صدقت! ورجع إلى الصحيح, وقبله كان الفرزدق يلحن، وكان عبد بن يزيد الحضرمي البصري مغرى باعتراضه ونسبته إلى اللحن الحضري، حتى هجاه بقوله: فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى المواليا! فقال له الحضرمي: لحنت.. ينبغي أن تقول: مولى موال، والفرزدق هو القائل: وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف٢ قال ابن قتيبة: وأتعب أهل الإعراب في طلب العلة، فقالوا وأكثروا ولم يأتوا بشيء يرتضى, ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه؛ وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه هذا البيت، فشتمه وقال: علي أن أقول وعليك أن تحتجوا ... ! وبعد أن فشت العامية وغلبت على أكثر الجيل، لم يعد الأعراب الفصحاء يفهمون إلا عن أهل البصرة بسؤالهم من الرواة والعلماء، وكذلك كانوا لا يخاطبون العامة إلا بمحضرهم ومساعفتهم في "الترجمة"؛ والآثار من ذلك كثيرة نكتفي منها بما رواه الجاحظ في "البيان"، قال: رأيت عبدًا أسود لبني أسد قدم عليهم من شق اليمامة، فبعثوه ناطورًا، وكان وحشيًا لطول تغربه في الإبل، كان لا يلقى إلا الأكرة "الحراثين"، فكان لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلي، وسمعته يقول: لعن الله بلادًا ليس فيها عرب.... أبا عثمان، إن هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جميع جلد الفرس؛ فئلولا أن الله رق عليهم فجعلهم في حاشية لطمست هذه العجمان آثارهم! وقد بقيت أشياء مما يصلح لهذا الباب أمسكنا عنها حتى يقتضيها مكانها في بحث الرواية.

стр. 160

العامية في العرب: قد علمت كيف بدأت العامية وكيف خرجت من اللحن، وأن ذلك لم يكن إلا في أوائل الإسلام؛ فلا عبرة بما يهجس به بعض أولئك الذين تراهم في مجازفتهم وتحرصهم كأنما يشرحون للناس "علم" الغيب. فيزعمون أن العامية كانت لغة بعض العرب في الجاهلية الأولى، وأن القوم كان لهم فصيح وعامي، معتلين لذلك بما عثر عليه من آثار بعض رعاة تلول الصفا وغيرهم مما يرجع إلى غابر أزمانهم، ثم ما وجدوه من المخطوطات التي جرت فيها كلمات تشبه الفصيح, ونحن نقول إن كل ذلك لا يلحق العرب من سيئه شيء؛ لأن أطراف الجزيرة لم تكن خالصة العروبة في القديم، بل كان أهلها مغلوبين على أمرهم؛ فلم يكن لهم من معنى اللغة إلا تعاور المنطق والاستبداد بالكلمات يتلقفونها ممن حولهم؛ لأن ملكات الوضع العربي فيهم غير صحيحة، وشروطه غير تامة، وليس كل عربي الجنس عربي اللسان: وإلا فما بال الحميريين ومن قبلهم من الأمم السالفة؟ فكما أن لهؤلاء لغة متميزة عن العربية الفصحى نشأت عن أسباب خاصة، كذلك يقال في غيرهم ممن تميزت لغتهم عن المضرية؛ ولا يذهبن عنك أن هذه المضرية الفصحى لم تخلق مضرية فصحى، بل مرت في أطوار زمنية هذبت منها وأخلصتها كما بيناه في موضعه، فلا يمكن أن يقال إنه كان للعرب فصيح وعامي، إلا إذا أجرينا عليهم أحكامنا وألزمناهم ما لزمنا من ضعف النظر وسوء التأول، واعتبرنا ما بيننا وبينهم من تقادم التاريخ كأنه سواد ليل ختم به الأمس! وكل ما صح من ذلك قبل الإسلام حين فشت المضرية؛ أن الذين كانوا يسكنون الريف من العرب ويضربون على حدود الأعاجم، كانت ترق طباعهم وتلين ألفاظهم ويكثر الدخيل فيها، ومن ثم لا يكون لهم جفاء الخلص وقوة ملكاتهم، واعتبر ذلك بعدي بن زيد العبادي الشاعر الذي نشأ في ديوان كسرى؛ فكل شعره فصيح لا لحن فيه، إلا أن رقة ألفاظه سوغت للرواة أن يحملوا عليه شعرًا كثيرًا مما يسهل وضعه ولا يباين ديباجته الحضرية فيصعب تمييزه في النسبة. ومما نذكره ثبتًا لما نحن فيه، أن الرواة قد جاسوا خلال البادية بعد الإسلام بقليل، وضربوا في أطرافها، وشافهوا القبائل، ونقلوا عنهم كثيرًا من الشاذ والدخيل والوحشي والمتروك، ورأيناهم عدوا ذلك جميعه لغات، بل كانوا يجعلون الاحتجاج بلغاتهم على نسبة بعدهم من قريش التي هي سرة العرب، فاعتبروا لغة قريش أفصح اللغات وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم، ثم تركوا عمن بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن؛ لمجاورتهم الفرس والروم والحبشة، فاعتدوا لغاتهم غير صريحة لذلك؛ وهم على كونهم أغفلوا أمرها قد نقلوا منها أشياء كما مر في لهجات العرب؛ فلو أنهم عرفوا لهم عامية أو ما هو في حكمها، لأشاروا إليها في بعض الروايات، ولما صح أن يعدوا ما نقلوه عنهم في باب اللغات؛ هذا على أنهم أدركوهم وقد تتابعت

стр. 161

أجيالهم وانثالوا أواخر على أوائل في مخالطة الأعاجم وملابستهم، فلأن ينزهوا عن العامية في جاهليتهم أولى. وما زالت لغات العرب جارية على سنن الفطرة، معتبرة في حكم اللغات المستقلة -على ما يكون في طبقات كلامهم من الجزل والسخيف والمليح والحسن والقبيح والسميج والخفيف والثقيل، وذلك كما قال الجاحظ: كله عربي، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا -ما زالت لغاتهم على ذلك حتى خالطوا السوقة في الأمصار الإسلامية، ونشأت أجيالهم على سماع العرب والعامة، فأخذوا من هؤلاء وهؤلاء، وكان ذلك سريعًا في ألسنتهم؛ ففسدت السليقة العربية فسادًا عربيا أحال منطقهم، وقد كانت مخالطتهم للأعاجم أبقى على فطرتهم؛ لأنهم إنما يعربون وينقلون عنهم، ولكنهم لا يحكونهم في المنطق، بخلاف أمرهم مع العامة؛ ولكل شيء آفة من جنسه؛ ولهذا رأينا الجاحظ يعد أقبح اللحن في زمنه لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة وبقرب مجامع الأسواق؛ ومن هنا دب الفساد في ألسنتهم بما يدور على مسامعهم من رطانة السوقة ولحن البلديين، ثم ما يتعاطونه من هذا الشأو في مخاطبتهم التي بها قوام المعاملات. فلا سبيل إلى القول إذن بأن للعرب فصيحًا وعاميا، إلا بعد فشو هذا الفساد العربي في منطقهم منذ القرن الخامس، أما ما وراء ذلك في بادية العرب فلحن أو لغة لا أكثر.

стр. 162

شيوع اللغة العامية وفساد العربية: كانت العامية في الأمصار الإسلامية أول عهدها لحنًا صرفًا، لما بقي في أهلها من آثار السليقة؛ على حساب هذه الآثار كانت درجاتها في القرب من الفصيح والبعد عنه؛ فكانت لا تزال قريبة من الفصحى في عوام الحجاز والمصرين: البصرة والكوفة، إلى القرن الثالث، حتى عرف بعضهم المولد بأنه ما يكون من هذا الضرب لحنًا وتحريفًا كما أومأنا إليه من قبل. وقد ذكر الجاحظ لغة أهل المدينة لعهده، فقال: إن لهم ألسنة ذلقة، وألفاظًا حسنة، وعبارة جيدة.... ثم قال: "واللحن في عوامهم فاش، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب". أما العامة في الشام ومصر والسواد، فقد علقوا ألفاظًا كثيرة من الفارسية والرومية والقبطية والنبطية، فسدت بها لغتهم فسادًا كبيرًا؛ لأنهم خلطوها بها خلطًا، ولم يجانسوا بين الأصل والدخيل، وليس يخفى أن أكثر ما تقتبسه العامية إنما هو من الأسماء، وأن اقتباس الصفات فيها قليل؛ لأن الأسماء هي في الحقيقة أدوات الاجتماع، والعوام إنما يلتمسون التعبير والإبانة كيفما اتفق لهم هذا الغرض، ولقد كانت الشام ومصر وسواد العرب أوفر خصبًا وأكثر عمرانًا من سائر الأمصار الإسلامية، فمن ثم كان عوامها أسقط ألفاظًا. وقد رأينا العلماء يصفون اللفظ العامي الساقط المبذوء وما يدخل في باب الرطانة من ذلك، بالسوقي -نسبة إلى السوق- لا يتجاوزون هذا الوصف؛ لأنه أبين في الدلالة في الفساد والابتذال؛ ولأن الأسواق لا تعنى من أمر الجيد والزيف إلا بألفاظ لغة الأرزاق "الدراهم" ... وهي بعد مجامع العامة على تباين أجناسهم، ومعارض الأشياء على اختلاف جهاتها، وقد قلنا في اللغات التجارية التي لا قوام لها من نفسها، وتلك حقيقة لغات الأسواق. ورأينا العلماء ألفوا كتبًا "فيما تلحن فيه العامة" ككتاب أبي عبيدة، وأبي حنيفة الدينوري، وأبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وكتاب "الفاخر في لحن العامة" للمفضل بن سلمة، "ولحن العامة" للفراء١، وكل هؤلاء لا يتجاوزون المائة الثالثة، ولا يعدون في صنيعهم أن يوردوا ألفاظًا من الفصيح حرفتها العامة، ثم يذكرون أصلها على صحته، وذلك يدل على أن العامية لم تكن طغت على

стр. 163

الكلام، وإلا لما أمكن حصر ما يلحن فيه أهلها، بل لما كان لهذا الحصر معنى لا في القليل ولا في الكثير. أما بعد القرن الثالث فكان يؤلف في "لحن الخاصة" كالكتاب الذي وضعه أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥هـ وسماه "لحن الخاصة" وكتاب الحريري المسمى "درة الغواص، في أوهام الخواص" وقد وضع له الجواليقي تتمة؛ لأن اللحن بعد ذلك إنما كان يؤاخذ به خواص العلماء والأدباء -في كتابتهم لا في أقوالهم- أما العامة فكانت مناطقهم كما قلنا: لغة في اللحن لا لحنًا في اللغة! ومما أعان على فصاحة العامية في صدر الإسلام، قيام الدولة الأموية العربية، وديانة العرب فيها بالعصبية، إلى سقوطها، حتى إن الموالي -وهم من الأوشاب والزعانفة في رأي العرب يومئذ لاحترافهم وخدمتهم إياهم كانوا يسمونهم بالحمراء١- أقبلوا على النحو والعلوم وأولعوا بها، حتى خرج منهم فقهاء الأمصار جميعًا في عصر واحد؛ ولولا خوفهم معرة اللحن ما ثبتوا على ذلك؛ لأنه إن كانت العرب قد أبقت عليهم فلأن خطبهم في ذلك لم يستفحل. فلما جاءت الدولة العباسية وكان قيامها بنصرة الفرس -وخصوصًا أهل خراسان، حتى لقبوها بالدولة الخراسانية الأعجمية- ضعفت العصبية للعرب بما سكن من سورتهم وفثئ من حدتهم؛ فكان ذلك فتقًا في العربية أيضًا؛ ولم ينتصف القرن الثالث حتى اختلط العرب بالفرس والترك والفراعنة وغيرهم من طبقات الأعاجم الذين اتخذوا للدولة، وكان ذلك بدء شيوع الألسنة الحضرية التي هي لهجات العامية. والبعد عن اللسان -كما قال ابن خلدون- إنما هو بمخالطة العجمة. فمن خالط العجم أكثر كانت لغتة عن ذلك اللسان الأصلي أبعد؛ لأن الملكة إنما تحصل بالتعليم، وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الأولى التي كانت للعرب ومن الملكة الثانية التي للعجم، فعلى مقدار ما يسمعونه من العجمة ويربون عليه، يبعدون عن الملكة الأولى. قال: واعتبر ذلك في أمصار إفريقية والمغرب والأندلس والمشرق: أما إفريقية والمغرب فخالطت العرب فيها البرابرة من العجم بوفور عمرانها بهم، ولم يكد يخلو عنهم مصر ولا جيل؛ فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي الذي كان لهم، وصارت لغة أخرى ممتزجة، والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه؛ فهي عن اللسان الأول أبعد، وكذا المشرق: لما غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم وتداولت بينهم لغاتهم في الأكرة والفلاحين والسبي الذين اتخذوهم خولًا ودايات وأظآرًا ومراضع، فسدت لغتهم بفساد الملكة حتى انقلبت لغة أخرى، وكذا أهل الأندلس مع عجم الجلالقة والإفرنجة، وصار أهل الأمصار كلهم من هذه الأقاليم

стр. 164

أهل لغة أخرى مخصوصة بهم تخالف لغة مضر ويخالف أيضًا بعضها بعضًا. ولما تملك العجم من الديلم والسلجوقية بعدهم بالمشرق وزناتة والبربر بالمغرب "منذ القرن الرابع" وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية -فسد اللسان العربي لذلك وكاد يذهب، لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين، وصار ذلك مرجحًا لبقاء العربية المضرية من الشعر والكلام، إلا قليلًا بالأمصار؛ فلما ملك التتر والمغل بالمشرق "في النصف الثاني من القرن السابع" ولم يكونوا على دين الإسلام، ذهب ذلك المرجح وفسدت اللغة العربية على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال وبلاد الروم، وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام، إلا قليلًا يقع تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من كلام العرب. قال ابن خلدون. وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس والمغرب لبقاء الدين طالبًا لها، فانحفظت ببعض الشيء، وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق لها أثر ولا عين، حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي؛ وكذا تدريسها في المجالس. لهجات العامية وأسباب اختلافها: وقد اختلفت لهجات العامية اختلافًا بينًا، ونهجت في كل مصر من الأمصار منهجًا متميزًا؛ بل هي قد جرت في ذلك مجرى اللغات المقتطعة من أصل واحد، كالعربية والعبرانية والسريانية، وكاللغات المشتقة من اللاتينية ونحوها مما هو من تكوين الزمن، وليس يخفى أن صنعة الزمن إنما تجري على المباينة والتنويع، ومدارها على إضافة الأعمار التاريخية في المصنوعات بحيث لا تنقطع الصنعة ما دامت لها مادة في الوجود؛ وذلك متحقق في كل ما ترى فيه آثار الزمن من أرقى أنواع الإحياء، كتكوين الأمم والأخلاق والعادات إلى أدنى أنواع الجماد كالجبال وغيرها؛ فالجبل من ذرات مجتمعة، والأمم كلها من أصل واحد، واللهجات العامية كافة من العربية الفصحى؛ ولكن الزمن لم يحفظ في الجميع إلا نسبة المادة فقط، فكأن كل يوم من الدهر إنما هو عامل مستقل يترك تأريخ عمله في كل الموجودات. وإنما اعتبرنا اللغات العامية بسبيل الأعمال الزمنية؛ لأنها مطلقة غير مقيدة بالقيود الثابتة، كالكتابة والقواعد العلمية، ونحوها، مما يعتبر حدا للعمر التاريخي؛ فإن ما كتب لا يتغير، وما لا يتغير فقد فرغ منه الزمن؛ لهذا لا يمكن أن تكون اللغات العامية مستقرة على حالة واحدة في كل مصر من الأمصار من عهد نشأتها، بل لا بد من تغيرها في المصر الواحد جيلًا بعد جيل، ولولا هذا التغير ما تباينت في الجملة؛ لأن جميعها راجع إلى لغة واحدة وهي العربية الفصحى؛ وإذا أردت أن تعتبر ذلك فالق رجلًا من المعمرين في العامة، فإنك تلقى فيه تأريخ طبقتين أو ثلاث من هذا التغير اللغوي. وليس يمكن ألبتة تأريخ هذا التغير في الشعوب التي تنطق باللهجات العامية على وجه من التفضيل وضرب واضح من البيان؛ لأن هذه اللهجات غير معروفة، وقد جهدنا كثيرًا في البحث فلم نعرف أن أحدًا نقل منها أمثلة في أدوارها الماضية؛ لأنها لغة الحاجة الراهنة، فلا يتصرف فيها بالتفنن

стр. 165

في العبارات وتشقيق الألفاظ وما إلى ذلك مما ذهب الفصيح بمزيته؛ إلا ما يكون في بعض آدابها: كالموالي، والزجل، والشعر البدوي، وغيرها؛ وهذه الأنواع كلها يتوخى فيها أقرب الوجوه إلى الفصيح، وأكثر القائمين عليها من الفصحاء، وإنما يأتون بها تفننًا في وجوه الكلام. وقد وقفنا على أشياء كثيرة منها في عصور مختلفة إلى عصرنا هذا، فلم نر بينها على تباين جهات القائلين إلا فروقًا قليلًا في الصيغ العامية، وألفاظًا نادرة من اللغة البلدية، كان أكثر ما أصبناه منها في ديوان ابن قزمان الأندلسي "رأس الزجالين كما سيجيء في بابه" على أن شعر البدو وحده يمتاز بتصوير اللهجة البدوية. بيد أننا وقفنا على قاعدة واحدة من قواعد عامية شرق الأندلس في القرن السادس، وهي مثال من شذوذ التصرف العامي الذي أومأنا إليه. قد نقل السيوطي "في بغية الوعاة" في ترجمة الحافظ أبي محمد بن حوط الله المتوفى بغرناطة سنة ٦١٢هـ في تفسير هذا اللقب "حوط الله": قال ابن عبد الملك: كأنه مصدر حاط يحوط مضافًا إلى الله تعالى ... "وذكر شيخنا أبو الحكم أن أصله حوطلة، مصغر حوت مؤنث على لغة شرق الأندلس؛ فإنهم يفتحون أول الكلمة من نحو: الحوت والسعود وينطقون بالتاء طاء -فيقولون في حُوت: حَوط- ويلحقون آخر المصغر لامًا مشددة مفتوحة في المؤنث مضمومة في المذكر، وهاء ساكنة؛ فيقولون في تصغير حوت: خَوْطلّة، وحوْطلّه". فمن الذي يسمع "حَوطلُّه" في هذه الأيام، ويفهم أن المراد بها تصغير حوت؟ وقس على هذه الطرفة الغريبة ما لا سبيل إلى العثور عليه. وتاريخ اختلاف اللغات العامية في جملته ما لا سبيل إلى العثور عليه. وتاريخ اختلاف اللغات العامية في جملته يرجع إلى أربعة أسباب: ١- وراثة المنطق: فإن التقليد في حكاية اللغة أصل طبيعي في الإنسان ولما بدأ الفساد والاضطراب في كلام أهل الأمصار، كان أهل كل مصر يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب١. قال الجاحظ: ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر ... قال أهل مكة لمحمد بن مناذر الشاعر: ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة في أهل مكة، فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها موافقة له، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم. أنتم تسمون القدر برمة، وتجمعونها على برام، ونحن نقول قِدر، ونجمعها على قدور، وقال الله : ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علِّيَّه وتجمعون هذا الاسم على علالي، ونحن نسميه غرفة، ونجمعها على غرفات؛ وقال الله ﵎: ﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] وقال: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] .. إلى أن عد عشر كلمات. فحكاية الألفاظ واقتباس الأخف من اللغات -وإن كان أضعف وأقل استعمالًا في أصل اللغة- هو من خواص العامة: لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال، فضلًا عن أن

стр. 166

يحكموا اللهجات العربية نفسها، كما وهم بعضهم في استدلال بالمنطق على النسب، وقد أشرنا إلى ذلك في موضعه. وكذا يقال في حكايتهم ألفاظ الأعاجم؛ كالذي كان في لغة أهل المدينة مما علقوه من الفرس النازلين بهم، وفي لغة البصرة إذ نزلوا بأدنى فارس وأقصى بلاد العرب، وفي لغة الكوفة إذا نزلوا بأدنى بلاد النبط وأقصى بلاد العرب، وفي لغة الشام إذ كانوا من بقايا الروم، وفي لغة مصر إذ كانوا من بقايا القبط؛ وكذلك في لغة الأندلس والمغرب؛ وهذا أيسر أسباب الاختلاف التي أشرنا إليها. ٢- علل الوراثة وطبيعة الإقليم: وذلك أن الناس يختلفون اختلافًا طبيعيا في كيفية النطق بما يكون في ألسنتهم من عيوب الوراثة: كاللفف، واللجلجة، والغمغمة، وما إليها؛ وبذا تختلف الكلمة الواحدة باختلاف الناطقين بها، حتى كأن فيها لغات كثيرة وهي لغة واحدة؛ وهذا فضلًا عن أن اللغات الأعجمية: كالفارسية والرومية والنبطية ونحوها؛ تصنع الألسنة على طرق متباينة بما فيها من التباين في المنطق بحسب الجهر والهمس والشدة والرخاوة وغيرها مما يكون في اللغات كزّا أو دِمثًا بحسب الأقاليم، حتى كأنه صورة ما بين الأمكنة من التباين الطبيعي؛ إذ اللغة صورة نفسية للإنسان، والإنسان صورة نفسية للإقليم. وعلى هذا تجد منطق الإنجليزي لعهدنا ... كأنه نفخ آله تدار بالفحم الحجري ... وتكاد تحسب منطق الفرنسوي غناء موسيقيا؛ وهكذا مما لو تدبرت حقيقة الاختلاف فيه لرأيتها دلالة طبيعية على اختلاف الأقاليم، كأن الطبيعة تَسِم الألسنة كما تَسِم الوجوه، وكأنها مصنع إنساني فلا يخرج منه كل إنسان إلا برقمه وسمته؛ ولهذا السبب صارت كيفية النطق كأنها تنتشئ لغة أحيانًا، وصارت اللهجات العامية تختلف في المصر الواحد بل في البلدين المتجاورين، كما تراه في سوريا ومصر، وكما حدثوا به عن عرب تونس، فإن كل قبيلة هناك على ما يقال تتميز بخواص منطقية، حتى كأن كلام الواحد منهم انتساب صريح لقبيلته. ومما لا نشك فيه أن العرب أنفسهم كانوا يعرفون تأثير الإقليم على فصاحتهم، ويعتبرون اختلاف ألسنتهم بهذا السبب. وقد وقفنا على ثَبَت لذلك، وهو ما رواه القالي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: لقيت أعرابيا بمكة، فقلت له: ممن أنت؟ قال: أسدي. قلت: ومن أيهم؟ قال: نهدي. قلت: من أي البلاد؟ قال: من عُمان. قلت: فأنى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنا سكنا قطرًا لا نسمع فيه ناجخة التيار١. قلت: صف لي أرضك. قال: سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صردح، ورمل أصبح٢. فكأنه أراد أن لغته إنما جانست هذه الطبيعة في نقائها جفائها، فمن ثم كانت فصيحة خالصة.

стр. 167

٣- الإعراق في العجمة: فإن العجمة تصنع اللسان كما قلنا؛ ولذلك فهو إذا تناول الألفاظ العربية أداها على الوجه الذي يستقيم له وإن كان معوجًا وتصرف فيها بالحذف والقلب والإبدال، ومزجها بمادة العجمة حتى تنقلب إلى رطانة أو ما يشبهها, ولذا قال ابن خلدون: ما كان من لغات أهل الأمصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مُضَر، قصّر بصاحبه عن تعلم اللغة المضرية حصول ملكتها، لتمكن المنافاة حينئذ. قال: واعتبر ذلك في أهل الأمصار، فأهل أفريقية والمغرب لما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الأول، كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم. ولقد نقل ابن رشيق أن بعض كتاب القيروان كتب إلى صاحب له: "يا أخي ومن لا عدمت فقده ... أعلمني أبو سعيد كلامًا أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تأتي، وعافنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج، وأما أهل المنزل الكلاب من أمر الشين فقد كذبوا هذا باطلًا ليس من هذا حرفًا واحدًا، وكتابي إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله"١. "هكذا كانت ملكتهم في اللسان المضري شبيه ما ذكرنا؛ وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة، نازلة عن الطبقة، ولم تزل كذلك لهذا العهد "سنة ٧٧٩هـ" ولهذا ما كان بأفريقية من مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف، وأكثر ما يكون فيه الشعراء طارئين عليها..... وأهل الأندلس أقرب منهم إلى تحصيل هذه الملكة، بكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظمًا ونثرًا ... وتداول ذلك فيهم مئين من السنين، حتى كان الانفضاض والجلاء أيام تغلب النصرانية "في القرن الخامس" وشغلوا عن تعلم ذلك، وتناقص العمران فتناقص ذلك، شأن الصنائع كلها، فقصرت الملكة فيهم عن شأنها حتى بلغت الحضيض ... وبالجملة فشأن هذه الملكة بالأندلس أكثر، وتعليمها أيسر وأسهل، "بما هم عليه من معاناة علوم اللسان" ولأن أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارئون عليهم وليست عجمتهم أصلًا للغة أهل الأندلس. والبربر في هذه العدوة هم أهلها ولسانهم لسانها، إلا في الأمصار فقط، وهم فيها منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربرية، فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللسانية بالتعليم، بخلاف أهل الأندلس ... ". قلنا: ولهذا السبب عينه تتبين الجفاء في عامية تونس والجزائر ومراكش حتى لتحسبها مخلفة عن بعض اللغات الأعجمية، فضلًا عما فيها من جشأة المنطق ونبوه إلا عن مسامع أهلها، بحيث يكاد لا يدور في مسمع الغريب عنهم إلا مقاطع صوتية يحسبها لأول وهلة ميتة في ذهنه؛ لأنها لا تتعلق بشيء فيما يسمع من معاني الحياة الذهنية. قال: ولهذا السبب عينه تتبين الجفاء في عامية تونس والجزائر ومراكش حتى لتحسبها مخلفة عن بعض اللغات الأعجمية، فضلًا عما فيها من جسأة المنطق ونبوه إلا عن مسامع أهلها، بحيث يكاد لا يدور في مسمع الغريب عنهم إلا مقاطع صوتية يحسبها لأول وهلة ميتة في ذهنه؛ لأنها لا تتعلق بشيء فيما يسمع من معاني الحياة الذهنية. ومما يجري مجرى الإعراق في العجمة، ضعف اللسان ورخاوته بحيث لا يحتمل الكلمات التي

стр. 168

تتألف من أحرف كثيرة، أو تكون مركبة تركيبًا غير مستخف، فيحصل الذهن من الكلمة صورة مجملة تتركب من أخف أحرفها، ثم تصاغ عن طريقتي القلب والإبدال بحيث تخرج كأنها وضع جديد، وأكثر ما تصيب أمثلة ذلك في لغات الأطفال وألفاف العوام الذين لا مران لهم على تصريف الكلام والتقلب في فنونه، وإذا التمست ذلك في كلامهم أصبت كثيرًا من أمثلته، وتراهم فيه يختلفون ضعفًا وقوة، فلا بد أن تكون طائفة من ألفاظ العامية قد جرت في أصلها على هذا الوجه. ٤- مخالطة الأعاجم: وهذا السبب مما ينوع مادة العامية تنويعًا محدودًا؛ لأنه مقصور على ما يقتبسه أهل الأمصار ممن يلابسونهم من الأمم المستعجمة، كأسماء الأدوات ومرافق الحياة ونحو ذلك مما لا أصل له في مواضعاتهم واصطلاحهم، وهو الدخيل بعينه إلا أن العامية تحيله إليها وتلحقه بمادتها كيف كان ما دامت لها حاجة إليه -وهي لغة الحاجة كما قلنا- فإذا مضى وقته أو انقطع سببه أهملته فتنزل منها منزلة الألفاظ المماتة، وذلك كأسماء الثياب التي كانت مستعملة في مصر لعهد المماليك مثلًا وما يجري مجراها من الألفاظ الفارسية والتركية والكردية وغيرها. بيد أن الأمصار تختلف في هذا الاقتباس أيضًا بحسب الأسباب الثلاثة التي قدمناها، فمنها ما لا يتناول أهله إلا الألفاظ التي تمس إليها حاجتهم ثم يصقلونها ويعربون عجمتها ويخففون من غرابتها بما استطاعوا من المجانسة؛ وهؤلاء هم الذين بقيت لغتهم أقرب إلى العربية، كأهل مصر. ومن أهل الأمصار من يذهبون في ذلك مذهبًا وسطًا لتكافؤ تلك الأسباب فيهم، كعامة الشام؛ ومنهم من يأخذ في ذلك كل مأخذ، كأهل طرابلس الغرب وتونس والجزائر ومراكش، على تفاوت قليل بينهم؛ فقد أثبت الذين عنوا بدراسة هذه اللغات من المستشرقين١ أن الجزائريين ينقلون الألفاظ الفرنسوية أقبح نقل، حتى ليتعذر أحيانًا ردها إلى أصولها "وفي لغتهم ألفاظ تركية أيضًا، وقليل من الإسبانية والإيطالية" وإن في منطق التونسيين كثيرًا من الألفاظ الفرنسوية والتركية والإيطالية، وأن عامية المراكشيين خليط من العربية والبربرية والفرنسوية والإيطالية والإسبانية. وجماع القول إنه لا بد من المجانسة الطبيعية في اقتباس الدخيل؛ فكلما رقت عذبات الألسنة ولانت جوانبها، كان الدخيل بحسب ذلك في منقطها؛ ومن ثم لا تسرف فيه بل تقف منه عند حد الحاجة. ولقد رأينا رجلًا من المعمرين في بعض القرى المصرية لا ينطق لفظة "البوليس" للشرطة إلا هكذا: "البلوص"، ولا يرجع عن لحنه مهما راجعته؛ لأن البلوص في اصطلاحهم "بلوص الزمارة، وهو هنة من القصب تشق على وجه معروف ثم توضع في رأس اليراع المثقب" فكأنه استروح لهذا الوضع الثابت في لغته فألحق به الوضع الطارئ عليها وترك تعيين الدلالة للقرينة, وبخلاف ذلك ترى الدخيل في المناطق الجاسية والألسنة الكزة كما أشرنا إليه.

стр. 169

وقد بقيت عامية البدو أقرب إلى الفصيح من سائر اللهجات، لقلة مخالطتهم للأعاجم، ولا يزالون على حيال لغات آبائهم إلا في الزيغ عن الإعراب، وإلا في ملكة الوضع ونظام اللغة١ ولهم في عاميتهم المحافل والمجامع والخطباء والشعراء؛ وقد اعتبر ابن خلدون تغير ألسنتهم من قبيل ما تغير في لسان مضر عن موضوعات اللسان الحميري "أي: تغيرًا قياسيا في الملكات"؛ وذلك بعض ما وهم فيه، وإنما استدرجه الغلو في الرد على "خرفشة النحاة أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق" كما يقول، حيث يزعمون أن البلاغة لعهده قد ذهبت، وأن اللسان العربي فسد اعتبارًا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الإعراب الذي يتدارسون قوانيه إلخ. وإنما نظر النحاة إلى معنى كمالي في الطبيعة، ونظر ابن خلدون إلى الطبيعة في معناها؛ فإن اللغة من الملكات المتوارثة، وشرط الكمال في الوراثة ارتقاء النوع وتحسينه، إذا كان العرب قد ورثوا لغتهم ثم أضافوا إليها أسبابًا كثيرة من معاني الكمال وورثوها أعقابهم فنقص هؤلاء من كمالها ونكروا من محاسنها، أفلا يكون ذلك خليقا بأن يسمى فسادًا باعتبار المعنى الكمالي وإن كان عن أسباب طبيعية ثابتة. ولما تعطلت ألسنة البدو من الإعراب تصرفت في الكلام على غير نظام، فاختلفت من ثم لهجاتهم، حتى لتسمع العربي منهم فيغطي منطقه عندك على ما يعطيه كلامه؛ فإذا هو فصل ألفاظه رأيتها عربية صريحة؛ وقد سمعنا بعض شعرائهم من المعاصرين ينشد في رثاء الحسين ﵇ شعرًا بدويا مطلعه: تمنتن بلفين فوق احصنا ... يوم كربلا وونجيه قبل الجنا وألقى الشطر الأول متلاحق الكلمات مختلس الحركات فلم نفهم منه شيئًا حتى كشف لنا عن معناه، فإذا "تمنيتني بألفين فوق أحصنة" يريد نجدة الحسين ﵇ بفرسانه قبل أن يستشهد؛ وانظر أين ما نطق مما أراد، وبهذا تتبين ما قدمناه، من أن كيفية النطق قد تنشئ لغة أحيانًا. هذا ما نراه في أسباب اختلاف اللغات العامية، وهي في جملتها تاريخ طبيعي لهذا الاختلاف، غير أن كل سبب منها في تفصيله يحتمل أبحاثًا مستفيضة بما يلتمس له من الأمثلة في اللهجات المتباينة على كثرتها، ثم ما يستقصى مع ذلك من حوادث التاريخ الاجتماعي التي أنشأت اللغة إنشاء وجعلت لها في كل مصر معنى متميزًا، وفي كل بلد هيئة مقومة وصفة بينة، حتى كأن لغة الأمة على الحقيقة أمة من اللغة.

стр. 170

ومما ننبه عليه أن العربية الفصحى مدنية معنوية لم تبرح قائمة على تحرير هذه اللهجات العامية وتهذيبها كلما خالطتها في التعليم والقراءة -فإن ميراث العامة إنما يثبت في الأميين- واعتبر ذلك في البلاد التي تفتح فيها المدارس وتنشر الصحف وتبث المؤلفات؛ فإنك ترى عامية أهلها تتفصح على نسبة مطردة بما يلين من حواشيها ويرق من جوانبها ويستأنس من غريبها؛ وهذا هو السبب في رقة لهجات الحواضر لعهدنا دون ما يجاورها من القرى، ثم في تفاوت لهجات بعض القرى الكبيرة، ثم في اخلاتف اللهجة في أهل القرية الواحدة؛ حتى لقد تجد لهجة الرجل أرق وأعذب من لجهة زوجه وأولاده، ثم تجد مذهبه من ذلك غير مذهب جاره وصاحبه؛ ولا يكون السبب في هذا التفاوت غير صحيفة يقرؤها كل يوم، فقد بدءوا يرجعون إلى شأن "عامة التاريخ" يوم كان الفصيح منتشرا وأسباب البيان متوفرة ومجالس العلم آهلة وحلقات الدروس حافلة، وهكذا يعيد التاريخ نفسه بما تقضي به سنة الله، وإلى الله ترجع الأمور.

стр. 171

الباب الثاني: الرواية والرواة مدخل ... الباب الثاني: الرواية والرواة وهذا باب من الأدب وقف التاريخ على عتبته إلى اليوم وليس من يتسبب لفتحه أو يتطوع لمعاناته أو يتقلد بعض البلية في الصبر على مكروه ذلك، حتى كأنه قطعة من الأرض سويت على دفين مضى حسابه، وكان جسمه بيت الحياة المقفر، فكل الأرض إذا أغلقت عليه بابه؛ على أنه -كما تعلم- ذلك الباب الذي خرجت منه اللغة منذ زمان، وكان قبل هذا الصدأ المتراكب يفتح قفله "باللسان" فعاد كأنه جحر سدت به الأيام على الأيام، وكأن الأدب قد تدرع منه فما تزال تندق فيه أسنة الأقلام؛ بيد أننا وصلنا به أسباب المطعمة، وناهضناه من حيث يهتز، وعالجناه من حيث يندفع، وأعان الله وله الحمد والمنة، فأنطق للقلم ما خرس من صريره، وألان ما قد استمر من مريرة، وإذا لم نكن مددنا لك في هذا الأدب، فقد جئنا بما يوقفك على سره وصميمه، وينحرف بك عن معوج ذلك المنهج إلى مستقيمه، وآتيناك من البحث ما يكبر عن أن يعد من قليله إذا لم يعد من عظيمه.

стр. 172

الأصل التاريخي في الرواية: كان العرب أمة أمية؛ لا يقرءون إلا ما تخطه الطبيعة، ولا يكتبون إلا ما يلقنون من معانيها، فيأخذون عنها بالحس ويكتبون باللسان في لوح الحافظة؛ فكان كل عربي على مقدار وعيه وحفظه: كتابًا، أو جزءًا من كتاب؛ وكانت كل قبيلة بذلك كأنها سجل زمني في إحصاء الأخبار والآثار. ولقد رأينا كثيرًا من الباحثين يزعمون أن الأصل في حفظ العرب كونهم قومًا بادين، وأن قلة مرافق الحياة التي في أيديهم كانت هي الباعث لهم على التوسع في الحفظ والمران عليه؛ وهو رأي لا يستقيم على النظر، ولا يصح عند التحقيق؛ لأن أقوامًا غير العرب قد تبدوا في عصور مختلفة ولم يؤثر عنهم من نوادر الحفظ وفنونه بعض ما أثر من هؤلاء؛ ولكن الصحيح ما قدمناه في غير هذا الموضع، من أن العرب قوم معنويون، ولم يجر من الأحكام النفسية على أمة من الأمم ما جرى عليهم؛ ولهذا كان لا بد لهم في أصل الخلقة من الحوافظ القوية التي ترتبط مآثر تلك النفوس ارتباطًا، وإلا اختل تركيبهم الطبيعي، وانتفت الموازنة بين قواهم، فلم يقم صلاح القوة الواحدة بفساد الأخرى. وإذا أردت أن تعرف مصداق ذلك فاعتبر ما اتسعوا فيه من المحفوظ؛ فإنك لست واجده إلا في المعاني النفسية، مما يرجع إلى التفاخر والتفاضل بالأحساب والأنساب والتعاير بالمثالب والتنابز بالألقاب؛ ولو أن الكتابة كانت فاشية فيهم ما عدلوا إليها ولا استغنوا بها عن الحفظ؛ لأن سبيل تلك المعاني الطبيعية أن تجيء من أداة طبيعية أيضًا، حتى تكون عند الخاطر إذا خطر، والهاجس إذا بدر، وليس لذلك غير اللسان. والعربي إذا فاخر أو نافر لا يكون من همه أن يقنع بطريقة من المنطق يدير لها الكلام على أشكاله وقضاياه، وإنما همه أن يضع لسانه في مفصل الحجة ثم يرسلها غير ملجلجة. وكل أمة تضطر إلى شيء مما عددناه فإنها تنزل على هذا الحكم الطبيعي؛ كاليونان في جاهليتهم؛ فقد حفظوا ما وضعوه من أنساب آلهتهم ثم قرنوا بها أنسابهم، حتى لم يكن فيهم بيت من بيوت الشرف والحكمة إلا وهو معلق بسلسلة من النسب فرعها في الأرض وأصلها في السماء ... وكذلك كان الرومان في أجيالهم الأولى؛ فإن فئة "البطارقة" منهم كانوا يرجعون بما يحفظونه من أنسابهم إلى أصول ليست عتيقة في الأرض. فمثل هذه المعاني لا يتكل فيها على الكتب والخطوط دون الحفظ؛ وعلى حسب ما كان من اختلافها وتعدد أنواعها في العرب بما لم يكن في غيرهم من سائر الأجيال, كان العرب بطبيعتهم أثبت الناس حفظًا وأتمهم حافظة؛ وكانت الكتابة غير طبيعية في نظامهم الاجتماعي؛ ومن ثم نشأ فيهم الأخذ والتحمل، فكان كل عربي بطبيعته راويًا فيما هو بسبيله من أمره وأمر قومه؛ فلما أن اهتدوا إلى الشعر وتوسعوا فيه -وسنأتي على تاريخ ذلك في بابه- جعلوا يرتبطون به أرقى تلك المعاني النفسية،

стр. 173

حتى صار الشاعر لسان قومه: يذود عنهم، ويدفع عن أحسابهم، ويغتمز في أعدائهم؛ وبهذا انفرد بمعنى تاريخي في الرواية؛ إذ صار كأنه إنما يروي للتاريخ، بخلاف غيره من شيوخ القبيلة وأهل أنسابها القائمين على مفاخرها؛ ممن يرجع إليهم في علم ذلك خاصة دون الرواية العامة، وذلك فيما نرى أصل المعنى التاريخي في الرواية العلمية عند العرب؛ وثبته ما كان من صنيع الرواة أنفسهم، وفي اتخاذهم الشعر عمودًا للرواية والاستشهاد به على الخير وسواه، واطراح كثير مما لا شاهد له منه كما سيمر بك. ولما صارت للشعر تلك المنزلة، مست الحاجة إلى من يتفرغ لرواية المفاخر والمثالب، ويتقصص أخبارها في أجذام العرب على نحو من الاستقصاء والاستغراق، كما هو الشأن في الأوضاع العلمية؛ فنشأت لذلك طبقة النسابين، وهم رواة الجاهلية وعلماؤنا، وكان أمرهم قبيل الإسلام؛ ومن أشهرهم دغفل بن حنظلة، وعبيد بن شَرْيَة الجرهمي، وابن الكيس النمري، وابن لسان الحمرة، وغيرهم؛ وبهذا تميزت الرواية بالمعنى العلمي.

стр. 174

الرواية بعد الإسلام: فلما جاء الإسلام وكان مرجع الأحكام فيه إلى الكتاب والسنة، كان الصحابة يأخذون عن رسول الله ﷺ أخذًا علميا؛ ليتفقهوا في الدين وليكونوا في جهة القصد من أمرهم، اختيارًا للصواب، وصدا عن الخطأ؛ فكانت مجالسه ﵊ هي الحلقات العلمية الأولى التي عرفت في سلسلة التاريخ العربي كله، كما كان هو ﷺ أول من علم، وأول من صدرت عنه الرسائل التي تشبه لمؤلفات العلمية: كرسالة الزكاة التي أملاها وكانت عند أبي بكر ﵁. فلما قبض ﷺ ، بدأ من بعده علم الرواية؛ إذ لم يعد من سبيل إلى الاستدلال والفضل إلا بها، حتى يكون الرأي عن بينة، وحتى تكون المعرفة بالحق عيانًا؛ فوضع أبو بكر ﵁ أول شروط هذا العلم، وهو شرط الإسناد الصحيح؛ إذ احتاط في قبول الأخبار؛ فكان لا يقبل من أحد إلا بشهادة على سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم١، والعهد يومئذ قريب، والصحابة متوافرون، والمادة لم تنقض بعد؛ لذلك كانت الشهادة على السماع في وزن العدالة والضبط, وكل ما تقوم به صحة الإسناد. ثم كان عمر ﵁ أول من سن للمحدثين التثبت في النقل؛ إذ كانت طائفة من الناس قد مردت على النفاق، وكان الحاجة قد اشتدت إلى الرواية واعتبرها الناس بمنزلة علمية، لانفساح المدة وانتباه النفوس إلى تقادم العهد بصاحب الرسالة ﷺ ، وأن هذه الآثار ستكون علم من يتخلفون عن مراتب أهل السابقة من التابعين فمن بعدهم؛ فكان عمر وعثمان وعائشة وجلة من الصحابة ﵃ يتصفحون الأحاديث ويكذبون بعض الروايات التي تأتي ويردونها على أصحابها، ثم خشي عمر أن يتسع الناس في الرواية وقد شعروا بالحاجة إليها فيدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، فكان يأمرهم أن يقلوا الرواية، وكان شديدًا على من أكثر منها أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه؛ لأن المكثر وإن جاء بالصحيح فقد لا يسلم من التحريف، أو الزيادة أو النقصان في الرواية، وقد سمعوه ﵊ يقول: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار".! وعلى هذه الجهة من التوقي والإمساك في الرواية كان كثير من جلة الصحبة وأهل الخاصة بالرسول ﵊: كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا، كسعيد بن زيد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وكان أكثر الصحابة رواية أبو هريرة، وقد صحب ثلاث سنين وعمر بعده ﷺ نحوًا من خمسين سنة -توفي سنة ٥٩هـ- ولهذا كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه، وهو أول راوية اتهم في الإسلام، وكانت عائشة أشدهم إنكارا عليه، لتطاول الأيام بها وبه، إذ توفيت قبله بسنة، غير أنه كان رجلًا فقيرًا معدمًا، فكان يلزم رسول الله ﷺ لخدمته وشِبَع ِبطنه، لا يشغله عن الصفق

стр. 175

بالأسواق "البيع والشراء"، والتصرف في التجارات، ولا لزوم الضياع والعمل في الأموال كغيره من الصحابة، فلهذا حفظ ما لم يحفظوا، وأتى عنه من الرواية ما لم يأت عن غيره منهم. ثم كانت الفتنة أيام عثمان ﵁، واضطراب من بعدها حبل الكلام من الخلافة، وخاض الناس في ضروب من الشك والحيرة والقلق، فكان فيهم من لا يتوقى ولا يتثبت، وألف كثير من الناس أمر هؤلاء فلم يبالوا أن يتبينوا فيرجعوا في الرواية إلى شهادة فاطمة، أو دلالة قائمة، على أن كل ما كان يقع في الحديث قبلهم من خطأ فإنما كان من قبل ما يعترض المحدث من السهو والأغفال، مما هو غلط لا شوب فيه من تعمد الكذب. وقد قال عمران بن حصين, وهو من الصحابة، توفي سنة ٥٢هـ: والله إن كنت لأرى أني لو شئت لحدثت عن رسول الله ﷺ يومين متتابعين، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالًا من اصحاب رسول الله ﷺ سمعوا كما سمعت وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون١. غير أن الأعلام كانت يومئذ لا تزال قائمة، والفروع لا تزال باسقة؛ فكان الخطب لم يستفحل؛ حتى إذا خرجت الخوارج وتحزب الناس فرقًا وجعلوا أهلها شيعًا بدءوا يتخذون من الحديث صناعة، فيضعون ويصنعون ويصفون الكذب؛ ثم ظهر القصاص والزنادقة وأهل الأخبار المتقادمة مما يشبه أحاديث خرافة؛ فوقع الشوب والفساد في الحديث من كل هذه الوجوه في عصور مختلفة. أما القصاص فإنهم كانوا يميلون وجوه القوم إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغرائب والأكاذيب من الأحاديث؛ ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبًا خارجًا عن فطر العقول، أو كان رقيقًا يحزن القلوب ويستغزر العيون؛ وللقوم في هذه الفنون الأكاذيب العريضة والأخبار المستفيضة. وأما الزنادقة فقد جعلوا يحتالون للإسلام ويهجنونه بدس الأحاديث المستشنعة، والمستحيلة مما يشبه خرافات اليونان والرومان وأساطير الهنود والفرس، ليشنعوا بذلك على أهل السنة في روايتهم ما لا يصح في العقول ولا يستقيم على النظر. وأما أهل الأخبار المتقادمة فقد قصدوا من ذلك إلى إثبات الخرافات الجاهلية وجعلها بسبيل من الصحة للاستعانة بها على التفسير وما إليه. وأمثلة ذلك كله فاشية في كتب موضوعات الحديث، ولا محل لها في هذا الفصل؛ فإنما نريد به متابعة تأريخ النشأة الأولى لعلم الرواية، وهي إنما كانت في الحديث كما علمت.

стр. 176

تدوين الحديث: واستمر الحديث بعد الطبقة التي كان منها صغار الصحابة وكبار التابعين -كطبقة ابن عباس- على ما يعترض فيه من عوارض السهو والإغفال، وما يدخل عليه من الشبه والتأويلات، وعلى أن بعض الثقات ربما أخذه عن غير الثقة -حتى كانت خلافة عمر بن عبد العزيز "بويع سنة ٩٩هـ وتوفي سنة ١٠٢هـ" فرأى أن الحديث متعلق بأفراد الرجال وقد أسرع الموت فيهم، وأن أحدهم ربما طويت معه طائفة من الخبر إذا هو مات، وخشي تزيد الناس وشيوع الكذب إذا قل الصحيح، وكانت قد فشت في زمنه أشياء مما يتعمد فيه الكذب لغير مصلحة يتأول عليها: كالأحاديث التي كان يكذب فيها عكرمة؛ مولى عبد الله بن عباس "توفي عكرمة سنة ١٠٥هـ" وبرد؛ مولى سعيد بن المسيب "توفي سعيد سنة ٩٤هـ" وغيرهما. وقبل ذلك تكلم معبد الجهني ثم غيلان الدمشقي في القدر، وهما أول من فعل ذلك١، وجعلا الكلام في القدر نحلة يناظر يها، وقد وضعا شيئًا من الأحاديث؛ ثم كان أمر الخوارج قد بلغ الغاية، فخشي عمر عاقبة ذلك وما أشبهه، فكتب إلى أبي بكر بن حزم نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة "توفي سنة ١٢٠هـ" أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ : فاكتبه: فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وكان هذا أول البدء في تدوين الحديث وجمعه؛ إذ كتب منه أبو بكر أشياء كانت عند أفراد, ولم يكن الحديث يدون قبل ذلك، إلا ما كان يقيده بعض الصحابة، كعبد الله بن عمر وغيره، ممن رأوا أن السنن تكثر وتفوت الحفظ، فكتبوا. أما سائر الصحابة فأكثرهم أميون، وقليل منهم يكتبون ولكن لا يتقنون الكتابة ولا يصيبون التهجي إذا كتبوا، فتركوا التدوين لذلك. ولما فشت الكتابة بينهم، كانت الصدور أوثق من الكتب؛ لتوافر الرجال؛ ولأن الحديث كان يطلب للعمل به، فكان لا بد من معرفة حامله لتحقق عدالته قبل معرفة الحديث نفسه، على نحو ما مر بك آنفًا؛ ومضوا على هذه السنة حتى حدثت الأحداث وانصدعت الفتوق؛ ولقد روي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة نهيًا، وقال: إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة. وجاءه رجل فقال: إني كتبت كتابًا أريد أن أعرضه عليك، فلما عرضه عليك أخذه منه ومحاه بالماء، ولما سئل في ذلك قال: إنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم. ثم أمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم الزهري عالم الحجاز والشام وصاحب اليد البيضاء

стр. 177

على فن الرواية؛ لأنه أول من قرر شروطها "٥٠-١٢٤هـ" فدون الحديث تدوينًا مراعيًا فيه شروط الرواية الصحيحة. وقيل: إن أول من جمع في الحديث لذلك العهد، الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن انتهى الأمر لكبار الطبقة الثالثة، وصنف الإمام مالك بن أنس "٩٤-١٧٩هـ" كتاب "الموطأ" بالمدينة، وعبد الملك بن جريح بمكة "توفي سنة ١٥٠هـ" وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام "ولد سنة ٧٢هـ وتوفي ببيروت سنة ١٥٧هـ" وسفيان الثوري بالكوفة "٩٧-١٦١هـ" وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة "توفي سنة ١٦٧"١. ونسبوا لمالك تدوين الحديث؛ لأنه أودع كتابه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه، ورتبه على أبواب الفقه؛ وجاء به مع ذلك على شروط الرواية٢؛ وكان أول من فعل ذلك، وقيل إن عبد الملك بن جريج سبقه إليه٣. ثم شاع التدوين بعد هؤلاء فيمن تلاهم من الأئمة، كل على حسب ما سنح له، فمنهم من رتب على المسانيد، ومنهم من رتب على العلل، بأن يجمع في كل متن من متون الحديث طرقه واختلاف الرواة فيه، بحيث تتضح علل الحديث المصطلح عليها بينهم -وسيأتي شيء منها- ومنهم من رتب على أبواب الفقه ونوعه أنواعًا, وجمع ما ورد في كل نوع وفي كل حكم إثباتًا ونفيًا بابًا فبابًا، إلى غير ذلك مما يخرجنا بسط الكلام فيه عن الكلام فيما نريد أن نبسطه؛ فنجتزئ بالإيماء إليه. الإسناد في الحديث: بعد أن دُوّنت أوائل الكتب ورأوا ما دخل على الحديث من الشبه والتأويلات، وما هجّن به من التزيد، والاختلاق، صار لا بد من حياطة الصحيح منه بأسماء الذين صح نقله عنهم وصح نقلهم عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو الإسناد. وقد كانت أحوال النقلة من الصحابة معروفة، وكان الجميع مشهورين في أعصارهم، فلم يكن من باعث على الإسناد المصطلح عليه في الرواية. وكان منهم أفراد بالحجاز، ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق، ومنهم بالشام ومصر، فلما أدركهم التابعون أدركوا منهم عددًا، وربما كان عند الواحد ما ليس عند الآخر، وربما جاء الحديث الواحد عن طائفة منهم، فاضطر الآخذون أن يضبطوا أسانيد ما حملوه؛ ولقد أدرك الشعبي وحده ٥٠٠ من الصحابة، وهو عامر الشعبي رأس الأدباء والمؤدبين، ولد في سنة ٢١هـ على الأكثر،

стр. 178

وتوفي سنة ١٠٧هـ على أوسع الأقوال، وكان يعد عالم الكوفة بين التابعين ويقرن به ابن المسيب في المدينة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. ولما أمعن الناس في الرحلة إلى أفراد الصحابة المتفرقين في الأمصار، ومن اشتهر من التابعين من بعدهم، تعددت طرق الرواية، فمن ثم تعين على الرواة أن يبينوا إسناد كل طريقة، وابتدأ ذلك من عهد الإمام مالك بن أنس، وهو سند الطريقة الحجازية بعد السلف ﵃، ثم كثر طالبوا الحديث ورواته، فتشعبت الأسانيد، وصار لا بد من تعديل الرواة وبراءهم من الجرح والغفلة، وذلك لا يتهيأ إلا بمعرفة طبقات الرجال على مراتبهم من العدالة والضبط، وكيفية أخذ بعضهم عن بعض؛ ومن ذلك نشأ علم الرواية؛ وأول من قرر شروطه الزهري كما قدمنا، واستمر بعده زمنًا لا يعمل به إلا الثقات كما رأيت فيما ذكروه عن شيوخ مالك. ولما كانت الأحاديث معروفة، وكان لا مطمع لمتأخر أن يستدرك شيئًا منها على المتقدمين، انصرفت عناية العلماء من المتأخرين إلى تمحيص ما يروى، وتصحيح الأمهات المكتوبة: كالموطأ، وصحيحي البخاري ومسلم، وضبطها بالرواية عن مصنفيها، والنظر في أسانيدها إلى مؤلفيها، وانصرف جماعة منهم إلى الاتساع في الإسناد، فطلبوا الحديث الواحد من طرق مختلفة قد تبلغ إلى عشرين طريقًا بأسانيدها؛ وكان من ذلك أن استبحروا في الحفظ واشتغلوا به، وتبسطوا في فنون الرواية وجهاتها، بما لا تتعلق بقليله أمة من الأمم؛ ولكل ذلك تاريخ طويل أمسكنا عن كثيره وسيأتي قليل منه فإننا لا نقصد مما قدمناه إلا أن نتصل بما يلي:

стр. 179

اتصال الرواية بالأدب: ولقد جرت العرب في إسلامها على مثل عادتها في جاهليتها؛ لأن الإسلام لم يهدم مما قبله إلا ما كان شركًا أو داعية إلى الشرك، فاستمرت الرواية للشعر والخبر والنسب والأيام والمقامات ونحوها، مما أثروه عن أسلافهم في أعقاب الجاهلية، بل توسعوا في بعض هذه الفنون أول عهدهم بالإسلام، لمعالجة الحجة في الرد على شعراء المشركين ممن كانوا يهاجون شعراء النبي ﷺ ، كما سنفصله في موضعه -وقد علموا أنهم لا يؤلون من مفاخر العرب وحكمتها إلا إلى ما يحفظونه عنهم؛ فإذا هم أغفلوا رواية ذلك والتعلق به وارتبط ما بقي منه، لم يأمنوا أن يذهب على من بعدهم، فيفوت الناس علم ظهرت حاجتهم إليه بعد ذلك في تفسير القرآن والحديث. وكان أحفظ الصحابة للأنساب أبو بكر الصديق، وأرواهم للشعر عمر بن الخطاب؛ أما أبو بكر فخبره مع دغفل النسابة مشهور، وسنومئ إليه، وأما عمر فقد نقل المبرد في "الكامل" في سياق المناظرة التي جرت بين ابن عباس ونافع بن الأزرق من زعماء الأزارقة "قتله المهلب سنة ٦٥هـ وسنأتي على ذكر هذه المناظرة في باب القول في القرآن" أن ابن عباس بعد أن مل من مساءلة نافع وأظهر الضجر، طلع عمر بن أبي ربيعة عليه فأنشده من شعره قصيدة في ثمانين بيتًا، فحفظها ابن عباس ولم يكن سمعها إلا ساعته تلك، وقال: لو شئت أن أرددها لرددتها، ثم أنشدها١؛ فقال له نافع: ما رأيت أروى منك قط! قال ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر ولا أعلم من علي. وكان عمر مع ذلك غاية من الغايات في الأنساب وقيافة الناس، وستعلم شرح ذلك في بابه. بيد أن كل ما حفظوه وتناقلوه لم يدون منه شيء ولم يكن فيه إسناد؛ لأنه لا خطر ولا يتعلق به أمر من أمور الدين، بل هو لا يعدو أن يكون أدبًا ونافلة وبابًا من التطوع؛ ومضوا على ذلك وهم يضيفون إليه رواية أشعار المخضرمين -الذين أدركوا الجاهلية والإسلام- حتى انقضى عهد الراشدين، دون أن تكتب قصيدة أو يدون خبر من أخبار العرب، وهم قد تركوا ذلك في السنة كما علمت, فلأن يتركوه في هذا ونحوه أولى.

стр. 180

أولية التدوين في الأدب مدخل ... أولية التدوين في الأدب: وهذا موضع بعيد المنزع منتشر الجهات، أمعنا له في البحث وأبعدنا في الطلب عن فسحة في الرأي وبسطة في الذرع وروية وأناة، حتى أمد الله بعونه وسنى لنا ويسر، فظهرنا من ذلك على مقدار يغني شيئًا في تبين نسق التاريخ ويعين على تأمله بما تتهيأ معه السلام في الحكم ويستقل به عمود الرأي إن شاء الله. وقد رأينا أنه لم يكتب شيء مما يكون بسبيل من العلوم -غير ما سبقت الإشارة إليه من كتابة بعض الحديث- إلا في عهد كبار التابعين؛ وأول ما عرف من ذلك أن ابن عباس كان يكتب الفتاوي التي يسأل فيها، ثم كان أول ما كتب في الأدب صحيفة أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة ٦٩هـ "وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز بين سنة ٩٩ و ١٠١هـ عن ٨٥ سنة" وهي المعروفة عند النحاة بتعليقة أبي الأسود، وفيها اختلاف بينهم نذكره في محله١. ثم كان زمن معاوية بن أبي سفيان أول خلفاء بني أمية "توفي سنة ٦٠هـ بعد أن ولي عشرين سنة" فوفد عليه عبيد بن شرية الجرهمي النسابة الأخباري٢، وكان استحضره من صنعاء اليمن، فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وافتراق الناس في البلاد ونحو ذلك؛ فلما أجابه أمر معاوية أن يدون قوله وينسب إلى عبيد هذا؛ وكان ذلك أول ما دون في الأخبار. ولما استلحق معاوية زيادًا بن أبيه "مات سنة ٥٣هـ" وهو من الموالي، وكان قد ادعى أبا سفيان أبا وأَنِفَت العرب لذلك ونافروه فظفروا عليه، وعلى نسبه، عمل "أي: زياد" كتابًا في المثالب ودفعه إلى ولده
следующие страницы →