← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تدوين الحديث: واستمر الحديث بعد الطبقة التي كان منها صغار الصحابة وكبار التابعين -كطبقة ابن عباس- على ما يعترض فيه من عوارض السهو والإغفال، وما يدخل عليه من الشبه والتأويلات، وعلى أن بعض الثقات ربما أخذه عن غير الثقة -حتى كانت خلافة عمر بن عبد العزيز "بويع سنة ٩٩هـ وتوفي سنة ١٠٢هـ" فرأى أن الحديث متعلق بأفراد الرجال وقد أسرع الموت فيهم، وأن أحدهم ربما طويت معه طائفة من الخبر إذا هو مات، وخشي تزيد الناس وشيوع الكذب إذا قل الصحيح، وكانت قد فشت في زمنه أشياء مما يتعمد فيه الكذب لغير مصلحة يتأول عليها: كالأحاديث التي كان يكذب فيها عكرمة؛ مولى عبد الله بن عباس "توفي عكرمة سنة ١٠٥هـ" وبرد؛ مولى سعيد بن المسيب "توفي سعيد سنة ٩٤هـ" وغيرهما. وقبل ذلك تكلم معبد الجهني ثم غيلان الدمشقي في القدر، وهما أول من فعل ذلك١، وجعلا الكلام في القدر نحلة يناظر يها، وقد وضعا شيئًا من الأحاديث؛ ثم كان أمر الخوارج قد بلغ الغاية، فخشي عمر عاقبة ذلك وما أشبهه، فكتب إلى أبي بكر بن حزم نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة "توفي سنة ١٢٠هـ" أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ : فاكتبه: فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وكان هذا أول البدء في تدوين الحديث وجمعه؛ إذ كتب منه أبو بكر أشياء كانت عند أفراد, ولم يكن الحديث يدون قبل ذلك، إلا ما كان يقيده بعض الصحابة، كعبد الله بن عمر وغيره، ممن رأوا أن السنن تكثر وتفوت الحفظ، فكتبوا. أما سائر الصحابة فأكثرهم أميون، وقليل منهم يكتبون ولكن لا يتقنون الكتابة ولا يصيبون التهجي إذا كتبوا، فتركوا التدوين لذلك. ولما فشت الكتابة بينهم، كانت الصدور أوثق من الكتب؛ لتوافر الرجال؛ ولأن الحديث كان يطلب للعمل به، فكان لا بد من معرفة حامله لتحقق عدالته قبل معرفة الحديث نفسه، على نحو ما مر بك آنفًا؛ ومضوا على هذه السنة حتى حدثت الأحداث وانصدعت الفتوق؛ ولقد روي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة نهيًا، وقال: إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة. وجاءه رجل فقال: إني كتبت كتابًا أريد أن أعرضه عليك، فلما عرضه عليك أخذه منه ومحاه بالماء، ولما سئل في ذلك قال: إنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم. ثم أمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم الزهري عالم الحجاز والشام وصاحب اليد البيضاء

стр. 177

على فن الرواية؛ لأنه أول من قرر شروطها "٥٠-١٢٤هـ" فدون الحديث تدوينًا مراعيًا فيه شروط الرواية الصحيحة. وقيل: إن أول من جمع في الحديث لذلك العهد، الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن انتهى الأمر لكبار الطبقة الثالثة، وصنف الإمام مالك بن أنس "٩٤-١٧٩هـ" كتاب "الموطأ" بالمدينة، وعبد الملك بن جريح بمكة "توفي سنة ١٥٠هـ" وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام "ولد سنة ٧٢هـ وتوفي ببيروت سنة ١٥٧هـ" وسفيان الثوري بالكوفة "٩٧-١٦١هـ" وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة "توفي سنة ١٦٧"١. ونسبوا لمالك تدوين الحديث؛ لأنه أودع كتابه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه، ورتبه على أبواب الفقه؛ وجاء به مع ذلك على شروط الرواية٢؛ وكان أول من فعل ذلك، وقيل إن عبد الملك بن جريج سبقه إليه٣. ثم شاع التدوين بعد هؤلاء فيمن تلاهم من الأئمة، كل على حسب ما سنح له، فمنهم من رتب على المسانيد، ومنهم من رتب على العلل، بأن يجمع في كل متن من متون الحديث طرقه واختلاف الرواة فيه، بحيث تتضح علل الحديث المصطلح عليها بينهم -وسيأتي شيء منها- ومنهم من رتب على أبواب الفقه ونوعه أنواعًا, وجمع ما ورد في كل نوع وفي كل حكم إثباتًا ونفيًا بابًا فبابًا، إلى غير ذلك مما يخرجنا بسط الكلام فيه عن الكلام فيما نريد أن نبسطه؛ فنجتزئ بالإيماء إليه. الإسناد في الحديث: بعد أن دُوّنت أوائل الكتب ورأوا ما دخل على الحديث من الشبه والتأويلات، وما هجّن به من التزيد، والاختلاق، صار لا بد من حياطة الصحيح منه بأسماء الذين صح نقله عنهم وصح نقلهم عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو الإسناد. وقد كانت أحوال النقلة من الصحابة معروفة، وكان الجميع مشهورين في أعصارهم، فلم يكن من باعث على الإسناد المصطلح عليه في الرواية. وكان منهم أفراد بالحجاز، ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق، ومنهم بالشام ومصر، فلما أدركهم التابعون أدركوا منهم عددًا، وربما كان عند الواحد ما ليس عند الآخر، وربما جاء الحديث الواحد عن طائفة منهم، فاضطر الآخذون أن يضبطوا أسانيد ما حملوه؛ ولقد أدرك الشعبي وحده ٥٠٠ من الصحابة، وهو عامر الشعبي رأس الأدباء والمؤدبين، ولد في سنة ٢١هـ على الأكثر،

стр. 178

وتوفي سنة ١٠٧هـ على أوسع الأقوال، وكان يعد عالم الكوفة بين التابعين ويقرن به ابن المسيب في المدينة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. ولما أمعن الناس في الرحلة إلى أفراد الصحابة المتفرقين في الأمصار، ومن اشتهر من التابعين من بعدهم، تعددت طرق الرواية، فمن ثم تعين على الرواة أن يبينوا إسناد كل طريقة، وابتدأ ذلك من عهد الإمام مالك بن أنس، وهو سند الطريقة الحجازية بعد السلف ﵃، ثم كثر طالبوا الحديث ورواته، فتشعبت الأسانيد، وصار لا بد من تعديل الرواة وبراءهم من الجرح والغفلة، وذلك لا يتهيأ إلا بمعرفة طبقات الرجال على مراتبهم من العدالة والضبط، وكيفية أخذ بعضهم عن بعض؛ ومن ذلك نشأ علم الرواية؛ وأول من قرر شروطه الزهري كما قدمنا، واستمر بعده زمنًا لا يعمل به إلا الثقات كما رأيت فيما ذكروه عن شيوخ مالك. ولما كانت الأحاديث معروفة، وكان لا مطمع لمتأخر أن يستدرك شيئًا منها على المتقدمين، انصرفت عناية العلماء من المتأخرين إلى تمحيص ما يروى، وتصحيح الأمهات المكتوبة: كالموطأ، وصحيحي البخاري ومسلم، وضبطها بالرواية عن مصنفيها، والنظر في أسانيدها إلى مؤلفيها، وانصرف جماعة منهم إلى الاتساع في الإسناد، فطلبوا الحديث الواحد من طرق مختلفة قد تبلغ إلى عشرين طريقًا بأسانيدها؛ وكان من ذلك أن استبحروا في الحفظ واشتغلوا به، وتبسطوا في فنون الرواية وجهاتها، بما لا تتعلق بقليله أمة من الأمم؛ ولكل ذلك تاريخ طويل أمسكنا عن كثيره وسيأتي قليل منه فإننا لا نقصد مما قدمناه إلا أن نتصل بما يلي:

стр. 179

اتصال الرواية بالأدب: ولقد جرت العرب في إسلامها على مثل عادتها في جاهليتها؛ لأن الإسلام لم يهدم مما قبله إلا ما كان شركًا أو داعية إلى الشرك، فاستمرت الرواية للشعر والخبر والنسب والأيام والمقامات ونحوها، مما أثروه عن أسلافهم في أعقاب الجاهلية، بل توسعوا في بعض هذه الفنون أول عهدهم بالإسلام، لمعالجة الحجة في الرد على شعراء المشركين ممن كانوا يهاجون شعراء النبي ﷺ ، كما سنفصله في موضعه -وقد علموا أنهم لا يؤلون من مفاخر العرب وحكمتها إلا إلى ما يحفظونه عنهم؛ فإذا هم أغفلوا رواية ذلك والتعلق به وارتبط ما بقي منه، لم يأمنوا أن يذهب على من بعدهم، فيفوت الناس علم ظهرت حاجتهم إليه بعد ذلك في تفسير القرآن والحديث. وكان أحفظ الصحابة للأنساب أبو بكر الصديق، وأرواهم للشعر عمر بن الخطاب؛ أما أبو بكر فخبره مع دغفل النسابة مشهور، وسنومئ إليه، وأما عمر فقد نقل المبرد في "الكامل" في سياق المناظرة التي جرت بين ابن عباس ونافع بن الأزرق من زعماء الأزارقة "قتله المهلب سنة ٦٥هـ وسنأتي على ذكر هذه المناظرة في باب القول في القرآن" أن ابن عباس بعد أن مل من مساءلة نافع وأظهر الضجر، طلع عمر بن أبي ربيعة عليه فأنشده من شعره قصيدة في ثمانين بيتًا، فحفظها ابن عباس ولم يكن سمعها إلا ساعته تلك، وقال: لو شئت أن أرددها لرددتها، ثم أنشدها١؛ فقال له نافع: ما رأيت أروى منك قط! قال ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر ولا أعلم من علي. وكان عمر مع ذلك غاية من الغايات في الأنساب وقيافة الناس، وستعلم شرح ذلك في بابه. بيد أن كل ما حفظوه وتناقلوه لم يدون منه شيء ولم يكن فيه إسناد؛ لأنه لا خطر ولا يتعلق به أمر من أمور الدين، بل هو لا يعدو أن يكون أدبًا ونافلة وبابًا من التطوع؛ ومضوا على ذلك وهم يضيفون إليه رواية أشعار المخضرمين -الذين أدركوا الجاهلية والإسلام- حتى انقضى عهد الراشدين، دون أن تكتب قصيدة أو يدون خبر من أخبار العرب، وهم قد تركوا ذلك في السنة كما علمت, فلأن يتركوه في هذا ونحوه أولى.

стр. 180

أولية التدوين في الأدب مدخل ... أولية التدوين في الأدب: وهذا موضع بعيد المنزع منتشر الجهات، أمعنا له في البحث وأبعدنا في الطلب عن فسحة في الرأي وبسطة في الذرع وروية وأناة، حتى أمد الله بعونه وسنى لنا ويسر، فظهرنا من ذلك على مقدار يغني شيئًا في تبين نسق التاريخ ويعين على تأمله بما تتهيأ معه السلام في الحكم ويستقل به عمود الرأي إن شاء الله. وقد رأينا أنه لم يكتب شيء مما يكون بسبيل من العلوم -غير ما سبقت الإشارة إليه من كتابة بعض الحديث- إلا في عهد كبار التابعين؛ وأول ما عرف من ذلك أن ابن عباس كان يكتب الفتاوي التي يسأل فيها، ثم كان أول ما كتب في الأدب صحيفة أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة ٦٩هـ "وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز بين سنة ٩٩ و ١٠١هـ عن ٨٥ سنة" وهي المعروفة عند النحاة بتعليقة أبي الأسود، وفيها اختلاف بينهم نذكره في محله١. ثم كان زمن معاوية بن أبي سفيان أول خلفاء بني أمية "توفي سنة ٦٠هـ بعد أن ولي عشرين سنة" فوفد عليه عبيد بن شرية الجرهمي النسابة الأخباري٢، وكان استحضره من صنعاء اليمن، فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وافتراق الناس في البلاد ونحو ذلك؛ فلما أجابه أمر معاوية أن يدون قوله وينسب إلى عبيد هذا؛ وكان ذلك أول ما دون في الأخبار. ولما استلحق معاوية زيادًا بن أبيه "مات سنة ٥٣هـ" وهو من الموالي، وكان قد ادعى أبا سفيان أبا وأَنِفَت العرب لذلك ونافروه فظفروا عليه، وعلى نسبه، عمل "أي: زياد" كتابًا في المثالب ودفعه إلى ولده

стр. 181

وقال: استظهروا به على العرب فإنهم يكفون عنكم١؛ وكان هذا أول كتاب وضع في المثالب. وقد رأينا في "الفهرست" لابن النديم أن أبا مخنف من أصحاب علي كرم الله وجهه، ألف كتابًا ضمنه بعض التراجم؛ فإذا صح هذا يكون أو مخنف أول من دون في ذلك؛ وكان هذا الرجل صاحب أخبار وأنساب، والأخبار عليه أغلب. ويقال إن أول من ألف في السير عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٣هـ، وألف وهب بن منبه، صاحب الأخبار والقصص "وهو من أبناء الفرس المولدين باليمين وتوفي سنة ١١٦هـ عن تسعين سنة٢ فكان أول من دون هذه الموضوعات التاريخية، ووضع بعد ذلك محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة ١٢٤هـ كتابًا في المغازي، فكان أول من دونها؛ وكتب بعده محمد بن إسحاق المتوفى سنة ١٥١هـ كتابه الشهير في السيرة ومزجه بالخرافات والموضوعات على نحو ما فعل ابن منبه، وجعل كل ذلك عربيا، وعدوه أول من ألف في السيرة؛ لأنه وضع كتابه للمنصور؛ ولأنه اتسع فيه بما لم يحمل عن أحد غيره كما رأيت, ثم جاء ابن النطاح من الأخباريين في أواخر القرن الثاني، وهو أول من ألف في الدولة الإسلامية وأخبارها كتابًا. ثم وضع الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٦٠هـ "وقيل ١٧٠ و١٧٥هـ" كتاب "العين" في اللغة، وهو أول كتاب جمعت فيه. وجاء ابن الكلبي النسابة المتوفى سنة ٢٠٤هـ فدون أنساب العرب، وكان أول من فعل ذلك؛ ثم كان أبو عبيدة الراوية المتوفى سنة ٢١١هـ "وقارب المائة" فصنف في أيام العرب، وهو أول من صنف فيها. هذا ما وقفنا عليه من الخبر في أولية التدوين في الأدب خاصة، دون ما استفاض بعد ذلك، ودون هنات تركناها وستأتي في أخبار الرواة، وكل تلك الكتب لا إسناد لها على نحو ما كان في كتب الحديث. وأول من صنف الكتب مسندة في الحديث، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي المتوفى سنة ١٥٠هـ، ولذا عدوه أول من صنف الكتب في الحجاز، كما أن سعيد بن أبي عمرو أول من صنف بالعراق؛ لأنهم لا يعتبرون من الكتب إلا ما كان مسندًا؛ أما غير ذلك فلا يعدون به شأن ما كان

стр. 182

يكتبه العلماء قديمًا لأنفسهم أو لمريديهم؛ فإن بعضهم كانوا يكتبون ما يحدثون في صحيفة ويعطونها للمريدين فيحدثون منها، ولذلك يقال مثلًا: إن فلانًا ثقة وبعض روايته صحيفة. ومن هنا نشأت لفظة الصحفي كما سيأتيك. على أن العلماء في أواخر القرن الأول كانوا يكتبون عن العرب ما يصيبونه من الشعر والخبر ونحوهما، ولكنهم لا يدون مثل هذا تأليفًا؛ وقد ذكروا أن كتب أبي عمرو بن العلاء "٧٠-١٥٩هـ على الأكثر في التاريخين" التي كتبها عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتًا إلى قريب من السقف١؛ مع ذلك فلم يذكروا له تصنيفًا واحدًا. ونظن أن أول من كتب عن العرب هو الحافظ الزهري الذي دون الحديث؛ فقد نقل الجاحظ في "البيان" عن أبي زياد قال: كنا لا نكتب إلا سنة، وكان الزهري يكتب كل شيء، فلما احتيج إليه عرف أنه أوعى الناس.

стр. 183

تاريخ الإسناد في الأدب: قد علمت كيف كان بدء الإسناد في الحديث وما أمر الحاجة التي بعثت عليه وكيف انتهى إلى التدوين, أما تأريخ اتصال ذلك بالأدب فقد دللناك على أن العرب إنما جرت في إسلامها من أمر الشعر والخبر والنسب ونحوها على مثل عاداتها في جاهليتها، فلا جرم أنهم كانوا ينسبون أكثر ما يتناقلونه إلا أن النسبة غير الإسناد فيما اصطلح عليه الرواة؛ لأن الإسناد لا يراد به إلا شهادة الزمن على اتصال النسب العلمي بين راوي الشيء وصاحب الشيء المروي، حتى يثبت العلم بذلك على وجه من الصحة، كالدعوى التي تتلقى بثبتها من البينة، وهذا لا يستقيم إلا إذا صارت الرواية صناعة علمية، ولم يكن في العرب شيء من ذلك بالتحقيق، إلا بعد قيام دولة بني مروان حين اتخذوا المؤدبين لأولادهم؛ وذلك هو العهد الذي تسلسل فيه إسناد الحديث أيضًا لتشعب طرقه كما أومأنا إليه من قبل. وأول إسناد عرف في الأدب كمان علميا بحتا، وذلك إسناد نصر بن عاصم الليثي إلى أبي الأسود الدؤلي في كتابه الذي وضعه في العربية وأشرنا إليه, ثم كان العلماء يروون المغازي، وهذه لا بد فيها من الإسناد وإن كان قصيرًا لقرب التابعين من عهدها الذي حدثت فيه ثم لما خيف على لسان العرب من الفساد ومست الحاجة إلى الكتابة عن العرب لصيانة اللغة والاستعانة على فهم القرآن والحديث وتجريد القياس في العربية وما إلى ذلك -نشأت الطبقة التي ابتدأ الإسناد في الأدب إلى رجالها:

стр. 184

كحماد الراوية، وأبي عمرو بن العلاء، وغيرهما, وصارت الرواية علمية محضة, وبهذا تحقق معنى الإسناد في الاصطلاح، وكان ذلك بدء تاريخه في الأدب. ثم ظهرت الطبقة التي أخذت عن هؤلاء، وكانوا جميعًا إنما يطلبون رواية الأدب للقيام به على تفسير ما يشبه من غريب القرآن والحديث، حتى لا تجد فيهم ألبتة من لا رواية له في الحديث كثرت أو قلت، والمحدثون يرون أنه ليس براو عندهم من لم يرو من اللغة١؛ لأن موضوع الحديث أقوال النبي ﷺ ، وهو أفصح العرب، ولذا لا يمكن أن يقيموا آراءهم في غريب الأثر ومشتبه الحديث إلا لما يحتجون به من الشعر وكلام العرب، مرويا بسنده أو مأخوذًا عمن يسنده؛ انتفاء مما عسى أن يرموا به من الوضع والصنعة، وتابعهم الفقهاء بعد ذلك، فجعلوا المهارة في الشريعة والحذق بالفقه والبراعة في الفتيا مفتقرة إلى الأصلين: الكتاب والسنة، وأقسام العربية، حتى إن الشافعي ﵀ قال إنه طلب اللغة والأدب عشرين سنة لا يريد بذلك إلا الاستعانة على الفقه. وقد رأت تلك الطبقة التي أشرنا إليها أن ما بعث على الإسناد في الحديث قد تحقق في الأدب، من افتعال اللغة والتزيد في الأخبار والصنعة في الشعر, وأرادوا أن يطرد علمهم من ينبوع واحد، فجعلوا الصنفين سواء في الرواية وأوجبوا الإسناد فيهما جميعًا. ولم يكن الإسناد واجبًا قبل ذلك على نحو ما هو في الحديث، وأنت تعتبر هذا بأن كل أسانيد الأدباء على اختلاف عصورهم إنما تنتهي إلى الطبقة الأولى فحسب، كأبي عمرو بن العلاء، وحماد الراوية، وغيرهما ممن تصدروا للرواية وكانوا ظهور هذه الصناعة في السماع والتدوين، ولا تكاد تجد رواية واحدة يتصل سندها إلى الجاهلية في شيء من الشعر والخبر, وإنما يكتفون بالنسبة إلى أولئك؛ لأنهم في أول تاريخ الرواية؛ ولأنهم جميعًا يزعمون أنهم أخذوا أكثر ما يروونه عن قوم أدركوا عرب الجاهلية أو نقلوا عمن أدركهم٢. ولم يكن من سبيل إلى رد ما تناقلوه عن الجاهلية؛ لأنه كان كل ما في أيدي الرواة.

стр. 185

ولم نعثر في كل ما وقفنا عليه على سند في إحدى الروايات يتصل بالجاهلية، وإنما وقفنا من ذلك على شيء لبعض الشعراء، كالذي نقله علي بن حمزة في كتاب "أغاليط الرواة" قال: إن رؤبة بن العجاج الراجز "توفي سنة ١٤٥هـ عن سن عالية" سئل عن قول امرئ القيس: نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لامين على نابل١ فقال: حدثني أبي عن أبيه، قال: حدثتني عمتي وكات في بني درام، قالت: سألت امرأ القيس وهو يشرب طلى "خمرًا" له مع علقمة بن عبيدة: ما معنى قولك: كرك لامين؟ مررت بنابل وصاحبه يناوله، فما رأيت أسرع منه، فشبهت به. وخبر آخر، وهو ما نقلوا عن حماد الراوية أنه قال: كانت للكميت "الشاعر المتوفى سنة ١٢٦هـ" جدتان أدركتا الجاهلية، فكانتا تصفان له البادية وأمورها، وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية: فإذا شك في شعر أو خبر عرضه عليهما فتخبرانه عنه؛ فمن هناك كان علمه. والله أعلم بأمر هاتين الروايتين وأين تقعان من الصحة.

стр. 186

فائدة الإسناد إلى الرواة: مما تقدم تعلم أنه لولا الحديث لما خلصت اللغة، ولجاءت مشوبة بالكذب والتدليس، ولفسد هذا العلم وما بني عليه، وذلك قليل من بركة رسول الله ﷺ ونضرته، غير أنا رأينا قومًا ممن يردون على الرواية ويتحكمون على السماع بالغرض مجردًا من النصفة، وبالرأي مستهترين به دون أن يجعلوا له نصيبًا من التثبت والتوقي, يجحدون فائدة الإسناد ولا يرون له خطرًا كبيرًا، ثم لا يجدون في سلسلة تلك الأسماء التي توصل بها الأخبار إلا لغوًا تاريخيا, ومنهم من يرى أن ذلك إنما جاء من أثرة الرواة ومحبتهم أن تبقى أسماؤهم مذكورة متدارسة، فكأنهم دسوا تراجمهم في العلوم لتبقى ببقائها، وأن ذلك من حبائل ثقفهم وفطنتهم..... إلى آخر ما يعقدون فيه أعناقهم من مثل هذه الآراء التي يموهون بها على قصار النظر، وذوي العقول المدخولة؛ وهؤلاء وأشباههم كمن ينظرون إلى الدوحة الباسقة من أعلاها فيحسبونها قد نبتت من السماء؛ لأنهم لم يستقروا تاريخ الإسناد، ويظنون أن هذه العلوم المسندة قد دفعت للناس على الكفاية, ووقعت إليهم على قريب من التمام، فهي هي في الكتب وفي الصدور، لم يعترضها عارض ولا دخل عليها وهن ولا فساد. وفريق آخر رأيناهم ينكرون كل ما جاءت به الروايات ويتهمون الكتب ويطعنون على الإسناد،

стр. 187

ومن غريب التناقض في أمر هؤلاء أن في نفس اعتراضهم الجواب عليه، فهم يقولون إن الخبر من الأخبار لا يثبت إلا عن رؤية حتى تكون حكايته على يقين، فإذا عارضتهم بخبر وناظرتهم فيه قالوا لك: هل رأيت؟ هل شهدت؟ هل لقيت صاحب الخبر، وليت شعري، هل غاية الإسناد إلا أن تكون كأنك رأيت وشهدت ولقيت صاحب الخبر الذي تسنده؟ وهل هو -الإسناد- إلا تحقيق المعاصرة التي هي الشرط في ثبوت الرواية حتى كأنك أشهدت الزمان على صحة ما ترويه؛ لأن كل رجل في سلسلة الإسناد إنما هو قطعة من الزمن تتصل بقطعة إلى قطعة حتى يتهيأ من ذلك مسلك التاريخ ويتضح نهجه كأنك تبصره على رأي العين ويقين الخبرة.

стр. 188

حفظ الأسانيد في الحديث: وقد عني المحدثون بعلم الرجال أتم عناية وأكملها، بحيث لا يتعلق بغبارهم في ذلك الشأو مؤرخو الأمم جمعاء، حتى جعلوا الإسناد عاليه ونازله كأنه علم الأخلاق التاريخي، قد رتبوا فيه الرجال على طبقاتهم، وأنزلوهم على المراتب المتفاوتة من العدالة والضبط، ووزنوهم في كفتي التجريح والتعديل١، وحاسبوهم على كل دقيق وجليل، وبحثوا فيما كان من أمرهم على العزيمة وما كان على الرخصة، وحفظوا أسماءهم وتبينوا صفاتهم، وتصفحوا على أخلاقهم، كما يعرف الرجل الحكيم مثل ذلك من بنيه وأقرب الناس إليه. وهذا شأن لا تصوره الكلمات، ولا يصفه إلا النظر في كتبه المدونة، كالكتب الموضوعة للطبقات والموضوعات وشورح الأمهات من كتب الحديث، كصحيح البخاري ونحوه. وقد قال دغفل بن حنظلة: "إن العلم أربعًا: آفة، ونكدًا، وإضاعة، واستجاعة؛ فآفته النسيان،

стр. 189

ونكده الكذب، وإضاعته وضعه في غير موضعه، واستجاعته أنك لم تشبع منه". قال الجاحظ: وإنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، ولخرق سياسة أكثر الرواة؛ ولأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد والجمع عن تحفظ ما قد حصلوه وتدبر ما قد دونوه، كان ذلك الازدياد داعيًا إلى النقصان، وذلك الربح سببًا إلى الخسران.... ا. هـ. والازدياد الذي وصفه كان شأن طائفة من العلماء انصرفوا إلى حفظ الأسانيد وطلبوا الحديث الواحد من طرق كثيرة، رغبة في تنوع أسانيدها، لا لفائدة إلا التميز بهذا النوع من الحفظ، فإنه بعد أن اتسعت فنون الرواية أخذ أهلها في مذاهب التخصيص، فبعضهم كان أحفظ للنسب، وبعضهم أحفظ للإسناد، وبعضهم أحفظ للمعاني، وبعضهم أحفظ لمتون الألفاظ؛ وكل طائفة إنما تشارك غيرها فيما تعلمه وتنفرد دونها بما عرفت به، ليكون إليها المرجع فيه. ولكن أغرب ما وقفنا عليه مما يتعلق بالاتساع في حفظ الأسانيد، ما ذكروه من أن ابن الأنباري المتوفى سنة ٣٢٧هـ كان يحفظ ١٢٠ تفسيرًا للقرآن بأسانيدها١، وهو الذي قيل فيه أن من جملة تصانيفه كتابًا عن غريب الحديث يقع في خمسة وأربعين ألف ورقة، وله أخبار أخرى من نوادر الحفظ نذكر بعضها في محله. وهذا الرجل لو سمع أو قرأ مائتي تفسير بأسانيدها لحفظها؛ فإنه كان آية من آيات الله في الوعي وقوة الحافظة. وبعد أن ضعف علم الرواية واقتصروا في الحديث على ما لا بد منه، كان لا ينبغ من حفاظ الأسانيد المتسعين فيها إلا الأفذاذ الذين تعقم بهم الأزمنة المتطاولة؛ ومن أشهرهم الحافظ أبو الخطاب بن دحية الأندلسي المتوفى سنة ٦٣٣هـ، وقد انفرد هذا الرجل بحفظ حواشي اللغة، حتى صار عنده مستعملًا، وامتاز بذلك في المتأخرين، كما انفرد بحفظ الأسانيد، حتى إنه لما حضر إلى مصر في دولة بني أيوب -أيام الملك الكامل- جمعوا له علماء الحديث فذكروا له أحاديث بأسانيد حولوا متونها ليعرفوا مبلغ حفظه فأعاد المتون المحولة وعرف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية وردها إلى أسانيدها الصحيحة. وكان مثل هذا يعد غريبًا في القرن الثالث، والحفاظ متوافرون، والأسانيد قريبة الأطراف، فإن علماء مصر الذين امتحنوا أبا الخطاب إنما حذوا في ذلك حذو علماء بغداد في امتحان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح المتوفى سنة ٢٥٦هـ ﵀؛ فقد نقل كثير أنه لما قدم بغداد اجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا من هذا الإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس؛ امتحانًا لحفظه، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من العشرة التي حفظها؛ فئقال: لا أعرفه! واستمروا يسألونه وهو يقول: لا أعرف! حتى أتوا على المائة! فلما علم أنهم فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني قلت فيه كذا صوابه كذا؛ واستمر حتى أتى على تمام العشرة، ثم فعل بالآخرين مثل ذلك ما يخطئ ترتيب حديث علي غير ما ألقي عليه، ولا في نسبة حديث إلى غير صاحبه الذي ألقاه، وهو كل ذلك يرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأقر الناس له بالحفظ. وقيل إنه كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطته، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن؛ فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة، لا في الإسناد ولا في المتن؛ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .

стр. 190

حفظ الأسانيد في الأدب: ذلك شأن الإسناد في الحديث وعنايتهم بحفظه، أما الإسناد في الأدب فلا يراد منه إلا توثيق الرواية وإثبات صحتها، وضمان عهدتها، لا أن يطلب الرواية بذكر الإسناد حكاية ما يرويه على أنه معدل، وإثبات ما يسنده على أنه إلى مقنع؛ فإن اللغة ترجع إلى أقيسة معروفة، وإن ما شذ عن هذه الأقيسة موضوع قطعًا إلا أن يحمل عن الثقة، أو ينفرد به أهل الكفاية فيوردونه على أنه من الأفراد والنوادر؛ وإن الشعر والخبر قد فشا فيهما الكذب والتوليد منذ القرن الأول، ونشأ كثيرون من الرواة يشدون من العلوم الموضوعة، وينفقون من الأخبار المكذوبة، ويموهون بمزج هذه الأمور على الناس، ويخترعون الأشعار الكثرة عند مناقلة الكلام وموازنة الأمور؛ ومع ذلك فلم يعن بأمرهم أهل التفتيش والتحقيق من العلماء، إلا حيث يكون الخبر أو الشعر مظنة الشاهد وموضع المثل، فهناك يضربون دونه الإسناد؛ مخافة أن يجري في شيء من العلوم التي هي قوام الأصليين من الكتاب والسنة؛ فحيث وجدت المعنى الديني تجد التثبت والتحقيق الذي لا مساغ فيه إلى خطرات الظنون، فضلًا عن فَرَطات الأوهام؛ ومتى انتفى هذا المعنى عن شيء فأمره عندهم بحساب ما يدور عليه, وإذا أردت أن تعرف مصداق ذلك فاعتبره بما وضعه العلماء من ترجمة الإمام البخاري ونقد كتابه؛ فما رأينا في الإسلام كتابًا استوفى شروط النقد الصحيح كلها كهذا الكتاب١، ولو أنهم تناولوا ببعض تلك العناية كبار الرواة وفحول الشعراء ونوابغ الكتاب، لكانت العربية اليوم أغنى اللغات آدابًا وأمتنها أسبابًا وأوسعها في تاريخ الآداب كتابًا؛ ولكن الأدباء لم يجنوا من ذلك إلا ثمرة المراء ونكد الخلاف، ولم يحصلوا إلا الأشياء القليلة مما يتعلق باللغة؛ لأنها موضع الشاهد؛ وذلك من أمرهم كما أومأنا إليه، بل كان أهل الشعر منهم يرون أنهم أضاعوا العمر في الباطل، ولم يحلوا من ثواب الأعمال بطائل٢. والأسانيد في الأدب قصيرة؛ لأن الرواة ما زالوا يحملون عن العرب قرونًا بعد الإسلام على ما سبق لنا بيانه في الباب الأول، ومن حمل شيئًا فهو سنده؛ ثم إن الرواية قد درست بعد القرن الخامس على أبعد الظن، ولم يبق إلا بعض الأسانيد العلمية كما سيجيء، فكان عمر الإسناد ثلاثة قرون على الأكثر؛ دع عنك ما كان من شأنهم في هذا الإسناد؛ فإن الصدور منهم يكتفون بالنسبة غالبًا -وهي بعض طرق الرواية كما ستعرفه- فيقولون: روينا عن فلان، وحُدثنا عن فلان، ويكون بين الراوي والمروي عنه جيلان وأكثر. بيد أن كل ذلك لا يدفع الثقة بما يرويه أهل الضبط والتحصيل منهم، وهم قوم معدودون يعرفونهم بالعدالة؛ ثم لأنهم يأخذون عن الثقات؛ ولأن أكثر ما يروونه لا وجه للخلاف فيه، وإذا اختلفوا في شيء فلا يكون ذلك قادحًا فيهم؛ لأن مظنة الخلاف إنما تكون في ضعف الرواية أو الراوية, وسيأتي شرح ذلك فيما يأتي.

стр. 191

أصل التصحيف: وقد قلنا إن الإسناد في الحديث استتبع الإسناد في الأدب، وذكرنا في أخذ المحدثين عن الصحف أنهم يغمزون بذلك، وإن كان ما في الصحيفة صحيحًا، فيقولون مثلًا: إن فلانًا ثقة وبعض روايته صحيفة١، وقد جرى أهل الأدب في أمر الإسناد على ذلك أيضًا. وأصل التصحيف رواية الخطأ عن قراءة الصحف باشتباه الحروف؛ فقد كانوا يكتبون في القرن الأول بدون نقط ولا شكل، يفعلون ذلك في المصاحف وغيرها؛ فكان الذي يأخذ القرآن من المصحف ولا يتلقاه من أفواه القراء تشتبه عليه الحروف فيصحف، وغبر الناس على ذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان، ففزع الحجاج إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات؛ فيقال إن نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط، فغبر الناس بذلك زمانًا لا يكتبون إلا منقوطًا، وكان أبو الأسود قد وضع النقط قبل نقط نصر لضبط الحروف -شكلها- فاشتبه الأمر واستمر يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام -أي: الشكل بالحركات على ما أرادوه في أول التعبير بذلك- فكانوا يتبعون النقط بالإعجام. ولكن ذلك لم يكن مستقصى في كل ما يكتب ولا كان كل من يقرأ يستقصي ضبط الكلمة ونقطها٢ فلم يزل يعتري التصحيف؛ فالتمسوا حيلة فلم يقدروا على غير الأخذ من أفواه الرجال، وكان ذلك كله قبل أن تستبحر فيهم الرواية؛ فلهذا وأشباهه قالوا: لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي! ولما استجرت لهم أطراف الرواية وكثر التبدين، كان أشد ما يهجى به الرواية إسناده إلى الصحف؛ لأن ذلك غميزة في ضبطه تحصيله، ولأن الرواة كانوا يتفاوتون بمقدار ما يصحفون أو

стр. 192

يصححون١؛ ولا يكون التصحيح إلا بلقاء العلماء والرواة والمتقدمين في صناعتهم المتقنين لما حفظوه والإسناد إليهم؛ وقد هجا بعض الشعراء أبا حاتم السجستاني المتوفى سنة ٢٥٠هـ وهو واحد عصره في فنه، فلم يزد على أن قال في عيبه والزراية عليه: إذا أسند القوم أخبارهم ... فإسناده الصحف والهاجس وأورد العسكري في موضع من كتابه "التصحيف" شرح البيت لابن مقبل، فنبه قبل إيراده على أنه كتبه من كتب لبعض العلماء، قال: "ولا أضمن عهدته؛ لأني لا أعتد إلا بما أخذته رواية من أفواه الرجال أو قرأته عليهم". فلما كان القرن الخامس وابتدأت الرواية تعفو وتجود بأنفاس أهلها، بعد أن تميزت العلوم ووضعت فيها الكتب الكثيرة، ودونت روايات الصدور المتقدمين -ضعف أمر الإسناد شيئا غير قليل، ولكن بقيت فيه بقية يتماسك بها، حتى إن أبا محمد الأعرابي المعروف بالأسود العلامة النسابة الذي تصدر في القرن الخامس للرد على العلماء والأخذ على القدماء كان لا يستطيع أن يروي بغير إسناد؛ فكان يسند إلى رجل مجهول يسميه "محمد بن أحمد أبا النداء" وكان أبو يعلى بن الهبارية الشاعر يعيره بذلك ويقول: من أبو النداء في العالم؟ لا شيخ مشهور ولا ذو علم منشور٢!

стр. 193

إسناد الكتب: ومن يومئذ صار أمر الإسناد مقصورًا على تلقي الكتب العلمية وروايتها بالسند عن مؤلفيها؛ لأن العلم كان قد نضج وكملت فنونه، ثم كان لسان العرب قد اختبل وكان أمرهم قد اختل، فلم تعد الرواية عنهم تجدي شيئا، وذلك ما سميناه آنفًا بالأسانيد العلمية. وكان سماع الكتب وروايتها عن مؤلفيها معروفًا من أول عهد التأليف، ولكنه لم يكن مما يتباهى به إلا منذ بدأت الرواية تضعف في القرن الرابع، وحين كثرت الكتب، فكان الصولي الأديب المتوفى سنة ٣٣٥هـ يتباهى عظيمًا بكتبه وهي مصفوفة وجلودها مختلفة الألوان، ويقول: هذه الكتب كلها سماع! وقد هجي بذلك؛ لأن الناس لم يكونوا قد ساروا هذه السنة بعد١.

стр. 194

ومن ثم صاروا يطلقون لفظ "الصُّحُفي" على من يأخذ من الكتب بنفسه دون أن يتلقاها بإسناد معروف إلى مؤلفيها، حتى إنهم لما عابوا الحسن بن أحمد النحوي "في أواخر القرن الخامس" وكان يحسن كتاب سيبويه في النحو، قالوا: إنما كان في فهم الكتاب صُحُفيا. وكان موفق الدين النحوي المتوفى سنة ٨٥٨هـ آية عصره في النحو، ولم يكن أخذه عن إمام، إنما كان يحل مشكله بنفسه، ويراجع في غامضه صادق حِسّه، فلما جرت المناظرة بينه وبين عمر بن الشحنة النحوي المشهور وظهر فيها موفق الدين هذا، لم يكن لابن الشحنة قرار إلا أن قال له: أنت صحفي! يعيبه بذلك، فسافر موفق الدين من إربل إلى بغداد ولحق بها مكي بن ريان، فقرأ عليه أصول ابن السراج وكثيرًا من كتاب سيبويه، ولم يفعل ذلك حاجة به إلى إفهام، وإنما أراد أن ينتمي على عاداتهم إلى إمام١. ومن كان ثقة مسندًا للكتب وفاته إسناد كتاب مما يعده الناس من الأمهات والأصول، عدوه متساهلًا في الرواية، وقد نقل ياقوت أن علي بن جعفر المعروف بابن القطاع الصقلي "من صقلية" إمام وقته بمصر في علم العربية وفنون الأدب المتوفى سنة ٥١٥هـ؛ لما قدم إلى مصر سأله نقاد المصريين عن كتاب الصحاح، فذكر أنه لم يصل إليهم، قال: ولذلك نسبوه إلى التساهل في الرواية، ثم لما رأى اشتغالهم به ركب لهم إسنادًا وأخذه الناس عنه مقلدين له٢. ولهذا قلما كان يظهر كتاب لإمام في فنه إلا سارع الناس إلى قراءته عليه، ورحلوا إليه في ذلك بغية الانتماء وتحقيق الإسناد؛ وقد ذكروا أن بعضهم كان يقرأ المقامات على الحريري "توفي سنة ٥١٦هـ" فوصل إلى قوله: يا أهل ذا المغني وقيتم شرا ... ولا لقيتم ما بقيتم ضرا قد رفع الليل الذي اكفهرا ... إلى ذراكم شعثًا مغبرا فقرأها "سغبًا معترا" ففكر الحريري ساعة ثم قال: "والله لقد أجدت التصحيف، فرب شعث مغبر غير سغب، والسغب المعتر موضع الحاجة، ولولا أني كتبت بخطي إلى هذا اليوم على سبعمائة نسخة قرئت علي لغيرته كذلك! ". ولا يزال إسناد كتب الحديث وبعض كتب العربية معروفًا عند كبار العلماء إلى اليوم.

стр. 195

الحفظ في الإسلام: بسطنا في أول الكلام ما حَضَرنا من أسباب حفظ العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ونريد هنا أن نذكر تأريخ الحفظ بعد ذلك؛ فإنه كان مادة الرواية ومدارها. ولقد رأينا كثيرًا من أهل عصرنا يمضغون علماء العرب مضغًا، ويلوون ألسنتهم بعبارات من الإزراء على ما وردت به الرواية من أنباء حفظهم، لا يعجبون في أنفسهم من أن يكون ذلك صدقًا فحسب، ولكنهم يعجبونك من كذبه، وينبهونك على سخافة المغالاة فيه بزعمهم؛ لما يشق عليهم من النزوع إلى مثله والأخذ في ناحيته، ولقصر نظرهم عن الطموح إلى بعض مراتبه! فيأتونك بالكلام اعتسافًا، ويتخرصون بالأحكام جزافًا، ويزعمون أن أكثر ما روي عن علمائنا من الحفظ فهو إما تنفيق لهم في سوق التاريخ, أو تلفيق عليهم في مساقه؛ ولو أنك اعترضت الحجة في مدارج أنفاسهم لرأيتها هواء، أو كلامًا هراء: فهم يقيسون على ما في طباعهم من الكلال، وما في أنفسهم من الهَوْينا والوكال؛ ثم هم قوم لا يكشفون عن أسباب الحوادث العربية، ولا ينفذون بين معاقد تلك الأمور ومصادرها؛ وقد جهلوا تاريخ الرواية، وجهلوا معه الأسباب التي بعثت من تلك الهمم سوابق غاياتها، وأظهرت لها معجزات الحفظ خوارق آياتها، ورفعت للأجيار على قمة التاريخ العقلي خوافق راياتها؛ فهؤلاء لا نزيد على أن نقول فيهم: هؤلاء. وليس تاريخ العرب وحدهم هو الذي امتاز بنوابغ الحفاظ، بل الحفظ موجود من أقدم أزمنة التاريخ؛ لأن الحافظة كانت وحدها عند القدماء كتاب التاريخ والتقاليد والشرائع والآداب وما إليها؛ فكانت هي صورة الفكر الإنساني على الحقيقة؛ وقد ذكروا من قدماء الحفاظ "متيريداتس" الكبير الذي كان مالكًا على الشمال من غربي آسيا الصغرى في القرن الأول قبل الميلاد، فقالوا إن هذا الملك كان يحكم على اثنتين وعشرين أمة مختلفة، وزعموا أنه كان يخطب على كل منها بلغتها، ويدعو كل واحد من جنده باسمه، وذكروا مثل ذلك عن "قورش" ملك الفرس و"سيبيون" الآسيوي، والإمبراطور أدريان وغيرهم؛ وهذا أمر لا ينقطع في عصر من العصور، فإن من الناس من تكون أذناه وعيناه أبوابًا للتاريخ، فلا يسمع أو يقرأ شيئًا إلا حفظه ثم لا ينساه؛ وفي أوروبا وأمريكا لعهدنا شواهد كثيرة لا نطيل باستقصائها فإن أحدًا لا ينكرها. بيد أن تاريخ العرب إنما امتاز بسعة مادة المحفوظ وتنوعها، وبالأسباب الدينية التي بعثتهم على الحفظ، مما أومأنا إليه في محله؛ ومن القواعد المطردة التي تبنيناها من البحث في التاريخ العربي، أن كل شيء للعرب إذا تعلق به سبب من الدين جاءوا فيه بالمعجزات التي يبزون فيها الأمم كافة ويجعلونها من أنفسهم طبقة التاريخ وحدها، ولم نر هذه القاعدة تخلفت في أمر من أمورهم؛ وهي بعض ما خص به هذا الدين الحنيف الذي وجد العالم في كتابه الكريم معجزته الخالدة. وبعد: فإن الحافظة نفسها تتفاوت درجاتها في الناس؛ وتتفاوت في أدوار الحياة للشخص

стр. 196

الواحد باعتبار الأسباب الوراثية والآفات والعلل وما يكون من الإهمال والاستعمال، كما تختلف قوة وضعفًا في بعض أنواع المحفوظات دون بعضها، على حسب ما ركب في الفطرة وما تمس إليه الحاجة؛ فليس ما يحفظه الرياضي، بالذي يستطيعه المحدث أو اللغوي، ولا حفظ هذين كحفظ غيرهم من أهل الطبقات الأخرى، وهلم جرا. وإن نوادر الحفظ التي تُروى عن العرب إنما جاءت عن أفراد رزقوا سمو هذه القوة الطبيعية، وتفرغوا لها برهة العمر مما يشغل الذرع، ويملك الطاقة، ويقسم القلب، ويشعث الفكر؛ فلم يكن من العجيب أن يحفظوا ما حفظوه، ولكن العجيب أن لا يكونوا قد حفظوا أكثر من ذلك؛ فأولئك قوم هيأهم الله لما برعوا فيه بالأسباب الآخذة إليه، والعلل المقصورة عليه؛ فاجتمعت له أنفسهم، وتوفرت قواهم، وفرغت أذهانهم؛ حتى لم يكن من هم أحدهم إلا أن يرى نفسه شخصًا للعلم الذي هو بسبيله، فيقال فلان صاحب الفن والفن هو فلان. دع عنك ما كان على الناس من مؤنة الكتابة في القرن الأول وبعض الثاني إذا ابتغوا أن يتكلوا على الخطوط ويدونوا ما يقع إليهم من فنون العلم تدوينًا يغنيهم عن الحفظ ويجزئ ما تجزئه المؤلفات المعدة للمراجعة والتصفح؛ إذ كانوا إنما يكتبون على الرقاع واللخاف "حجارة بيض رقاق عراض" وعسب النخل والجلود والعظام ونحوها، مما يأتي على ما فيه أيسر أسباب التلف أيها كان؛ واستمروا يكتبون بعد الإسلام على الجلود، والرقوق المهيأة بالصناعة من الجلد، وعلى الورق الصيني وغيره نادرًا، إلى آخر عهد الأمويين؛ فلما كان زمان "السفاح" أول الخلفاء العباسيين "توفي سنة ١٣٦هـ" غير وزيره خالد بن برمك "توفي سنة ١٦٣هـ" الدفاتر من الأدراج "لفائف الجلد" إلى الكتب؛ ولكنها كانت كتبًا من الجلد، وبقيت كذلك حتى اتخذ الفضل بن يحيى البرمكي هذا الكاغد "الورق" وأشار بصناعته؛ فشاعت الكتابة فيه مع الجلود والقراطيس وأصناف أخرى من الورق الصيني والتهامي والخراساني؛ واتخذ الناس من ذلك الصحف والدفاتر، ومن ثم تمت لهم أدوات التأليف، ولكن بعد أن استبحرت فنون الرواية ودرج أهلها على الحفظ ورأوا فيه صلاح الأمر وسداد الرأي وبلغوا منه كل مبلغ؛ وإنما كانوا يكتبون قبل ذلك في الرق لكثرة الحفظ وقلة الرسائل السلطانية والصكوك، فلما طما بحر التآليف والتدوين، وكثر ترسيل السلطان وصكوكه ضاق الرق عن ذلك فلم يكن لهم بد من تلك الصناعة. ويبتدئ تاريخ الحفاظ المعدوديين في الإسلام بعبد الله بن عباس ﵄؛ فقد كان لا يدور في مسمعيه شيء إلا وعاه وأثبته، وقد مر بك الخبر الذي رد فيه قصيدة ابن أبي ربيعة ولم يكن سمعها إلا تلك المرة صفحًا؛ فلا جرم أن كان صدره ﵁ خزانة العرب، إليه مرجعهم في التفسير والحديث والحلال والحرام والعربية والشعر؛ لو صحت نسبة ما رواه بعض الرواة عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس من أنه قال: إنه يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء١،

стр. 197

لكان ابن عباس نفسه صاحب السبعين الأولى في الإسلام؛ أما إن كان الخبر من أكاذيب عكرمة، فيكون قد وصف به أستاذه ابن عباس أصدق الوصف. ثم كان بعد ابن عباس الشعبي من التابعين، وكان يقول: ما كتبت سوادًا في بياض إلى يومي هذا، ولا حدثني أحد بحديث قط إلا حفظته! وفساد الحفظ في كثير من طبقة التابعين، وإنما نوهنا بالشعبي لأنه أوحدهم في حفظ الأدب، كما أنه أوحدهم في حفظ الحديث؛ وقد صار في التفنن مثلًا دائرًا على الألسنة، وكان يقول: لست لشيء من العلوم أقل رواية من الشعر، ولو شئت لأنشدت شهرًا ثم لا أعيد بيتًا واحدا. وما أظلهم القرن الثاني حتى كثر الحفاظ واتسعوا في فنون المحفوظ، وخاصة بعد أن نشأ الإسناد واشتغلوا بطرقه؛ والإسناد إنما يعتبر به اتصال السماع، فهو راجع إلى التلقي والتلقين، ونحن نرى أن لولا حفظ الحديث ما اشتغلوا بالإسناد، ولولا الإسناد ما ثبتوا على الحفظ، وقد وجدا في الرواية جميعًا وذهبا جميعًا. وبعد، فقد كان التدبير عندما أجمعنا النية على كتابة هذا الفصل؛ أن نفيض في ذكر الحفاظ جيلًا بعد جيل إلى سقوط الرواية، ثم نستقصي أسماء من اشتهروا منهم بعد ذلك إلى هذه الغاية ممن وقفنا على أخبارهم في بطون الكتب، ولكنا رأينا الشوط بطينًا والمادة حافلة وفي دون ذلك بلاغ، فاجتزأنا بالنتف والنوادر مما يتعلق بالأدب دون الحديث١؛ تفاديًا من أن يعد ذلك منا في الحشد

стр. 198

والاجتلاب، وتوسعًا من الضيق في هذا الباب. ذكروا عن حماد الراوية المتوفى سنة ١٥٥هـ "وهو أول من خصص بلقب الراوية من الأدباء" وكانت ملوك بني مروان تقدمه وتؤثره وتسني بره, أن الوليد بن يزيد قال له يومًا: بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الرواية؟ قال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم مم تعترف بأنك لا تعرفهم ولا سمعت بهم، ثم لا ينشدني أحد شعرًا لقديم أو محدث إلا ميزت القديم منه من المحدث. قال: إن هذا العلم وأبيك كثير؛ فكم مقدار ما تحفظه من الشعر؟ قال: كثير، ولكني أنشدك على أي حرف شئت من حروف المعجم مائة قصيدة سوى المقطعات من شعر الجاهلية. قال: سأمتحنك. وأمره الوليد بالإنشاد، فأنشده حتى ضجر الوليد، ثم وكل من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفي قصيدة وتسعمائة قصيدة للجاهلين! وروي عن الطرماح الشاعر أنه قال: أنشدت حمادًا الراوية في مسجد الكوفة -وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي: بان الخليط بسحرة فتبددوا وهي ستون بيتًا، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد؛ ثم أقبل علي فقال: هذه لك؟ قلت: نعم! قال: ليس الأمر كذلك! ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتًا زادها في وقته، فقلت: له: ويحك! إن هذا شعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد! فقال: قد والله قلت هذا الشعر منذ عشرين سنة، وإلا فعلي وعلي....! فقلت: لله علي حجة أحجها حافيًا راجلًا إن جالستك بعدها أبدًا! وكان الأصمعي "المتوفى سنة ٢١٥هـ" آية في سرعة الحفظ والتعلق: كان يحفظ ست عشر ألف أرجوزة دون الشعر والأخبار، وذكروا أنه لما قدم الحسن بن سهل العراق، قال: أحب أن أجمع قومًا من أهل الأدب؛ فأحضر أبا عبيدة، والأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي، وأبا بكر النحوي؛ فابتدأ الحسن فنظر في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم فوقع عليها، فكانت خمسين رقعة، ثم أمر فدفعت إلى الخازن، ثم أقبل عليهم فقال: قد فعلنا خيرًا ونظرنا في بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرعية فنأخذ الان فيما نحتاج إليه؛ فأفاضوا في ذكر الحفاظ، فذكروا الزهري، وقتادة، ومروا؛

стр. 199

٠فالتفت أبو عبيدة فقال: ما الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى وبالحضرة ههنا من يقول إنه ما قرأ كتابًا قط فاحتاج أن يعود فيه، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه؟ فالتفت الأصمعي وقال: إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير، والأمر في ذلك ما حكى، وأنا أقرب إليك١: قد نظر الأمير فيما نظر من الرقاع، وأنا أعيد ما فيها وما وقع به الأمير على رقعة رقعة! قال: فأمر وأحضرت الرقاع، فقال الأصمعي: سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا فوقع له بكذا، والرقعة الثانية، والثالثة، حتى مر في نيف وأربعين رقعة؛ فالتفت إليه نصر بن علي فقال: أيها الرجل، أبق على نفسك من العين! فكف الأصمعي. وكان أبو محلم الشيباني المتوفى سنة ٢٤٨هـ لا ينسى شيئًا، حتى قيل فيه إنه صاحب السبعين لعهده؛ ولما قدم مكة لزم ابن عيينة فلم يكن يفارق مجلسه، فحدث أنه قال له يومًا: يا فتى، أراك حسن الملازمة والاستماع، ولا أراك تحظى من ذلك بشيء! "قال أبو محلم": قلت: وكيف؟ قال: لأني لا أراك تكتب شيئًا مما يمر! قلت: إني أحفظه! قال: كل ما حدثت به حفظته؟ قلت: نعم! فأخذ دفتر إنسان بين يديه وقال: أعد علي ما حدثت به اليوم. فأعدته فما خرمت حرفًا، فأخذ مجلسًا آخر من مجالسه فأمررته عليه، فأورد حديث السبعين عن ابن عباس، وضرب بيده على جنبي وقال: أراك صاحب السبعين! وسأل الواثق يومًا أبا محلم هذا عن شاهد من الشعر فيه ذكر المَرْت "وهو الفقر الذي لا نبت فيه" فأفكر طويلًا حتى أنشد بعض الحاضرين بيتًا لبعض بني أسد، فضحك أبو محلم، ثم قال للذي أنشده: ربما بعد الشيء عن الإنسان وهو أقرب إليه مما في كمه، والله لا تبرح حتى أنشدك، فأنشده للعرب مائة بيت معروف لشاعر معروف في كل بيت منها ذكر المرت. وكان بندار بن عبد الحميد "وهو معاصر لأبي محلم" لا يشذ عن حفظه من شعر الجاهلية والإسلام إلا القليل: ذكروا أنه يحفظ سبعمائة قصيدة أول كل قصيدة منها: بانت سعاد٢. وكان ابن دريد المتوفى سنة ٣٢١هـ أحفظ الناس وأوسعهم علمًا، تقرأ عليه دواوين العرب كلها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها من حفظه، وقد تصدر في العلم ستين سنة. وأبو بكر الأنباري المتوفى سنة ٣٢٧هـ، فقد كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر شاهدًا في

стр. 200

القرآن، وكان لا يملي إلا من حفظه، ومرض يومًا فعاده أصحابه فرأوا من انزعاج والده أمرًا عظيمًا، فطيبوا نفسه فقال: كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون، وأشار إلى خزانة مملوءة كتبًا١ وأعجب ما عرف من أمره أن جارية للراضي بالله سألته يومًا عن شيء في تعبير الرؤيا، فقال: أنا حاقن! ثم مضى من يومه فحفظ كتاب الكرماني وجاء من الغد وقد صار معبرًا للرؤيا. وللمتأخرين من بعد القرن الخامس ولوع بحفظ الكتب؛ لأن الحفظ خلف الرواية من ذلك العهد، فقامت الكتب مقام الرواة أنفسهم، ومن أعجب ما يُروى من ذلك أن الملك عيسى ابن الملك العادل الأيوبي سلطان الشام المتوفى سنة ٦٠٤هـ أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبيه "محمد وأبي يوسف"٢ فجردوه في عشرة مجلدات وسموه، "التذكرة" فكان يديم قراءته ولا يفارقه حتى حفظه، وذكروا أنه كتب على جلد منه: "حفظه عيسى". وهذا الملك هو الذي شرط لكل من يحفظ "المفصل" للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة. وكان علماء الأندلس يتهافتون على حفظ الكتب، وخاصة كتاب سيبويه في النحو، وأخبارهم في ذلك مستفيضة. بيد أن من أعجب ما وقفنا عليه من تاريخ الحفظ في المتأخرين وفي البلاد التي يكون أهلها بالفطرة أبعد عن العربية وآدابها، ما ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" من أنه كانت في بلاد قرامان -لعلها القريم- مدرسة مشهورة بمدرسة السلسلة، شرط بانيها أن لا يدرس فيها إلا من حفظ كتاب "الصحاح" للجوهري، وذلك في أواخر القرن الثامن، وهي مدرسة نشأ منها علماء على مذهب من التحقيق، يظهر أنه كان لعلماء الروم عناية بالصحاح؛ فقد أورد صاحب "الشقائق" في موضع آخر في ترجمة المولى المشهور بالمليجي "في النصف الأخير من القرن التاسع" أنه كان يحفظ "الصحاح"، وكان يرجع إليه إذا شكلت كلمة منه فيقرأ ما يتعلق بتلك الكلمة من حفظه. على أن خاتمة حفاظ اللغة في المتأخرين بلا نزاع، إنما هو الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي

стр. 201

صاحب "القاموس" المتوفى سنة ٨١٧هـ، فقد كان سريع الحفظ آية في الذكاء، كان يقول: لا أنام إلا بعد أن أحفظ مائتي سطر؛ وكانت ولادته سنة ٧٢٩هـ فلو قضى قريبًا من نصف هذا العمر لا يحفظ كل يوم إلا ما شرط على نفسه على أن يهمل أيامًا كثيرة، لكان مبلغ حفظه مائة ألف ورقة أقل ذلك١؛ وعلى أن هذا المحفوظ ما يختاره من عيون اللغات والآداب والفنون دون المألوف من ذلك كله؛ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [غافر: ٢] . ونقف عند هذا الحد مكتفين بما تقدم وإن كان غيضًا من فيض؛ فإن الاستقصاء يمد في كل صفحة من هذا الفصل بابًا، ويجعل من الفصل كله كتابًا؛ بيد أنه لا يفوتنا أن ننبه في هذا الموضع على أصل من أصول التاريخ العلمي في الإسلام؛ وذلك أن كثرة المؤلفات العربية على امتداد النفس في أكثرها وتوفير أوراقها وتعدد أجزائها وامتلاء مادتها واستغراق أبوابها، وعلى ما فيها من سمو العبارة ومتانة التركيب وبلاغة الأداء وحلاوة الكفاية واتساق القول واطراد ينبوعه, كل ذلك إنما جاءهم من الحفظ، وهو نتيجة الرواية؛ فترى الواحد منهم يملي المجالس الحفيلة بأنواع الآداب من حفظه ثم يكتبه السامعون، فتخرج منه الأجزاء الكثيرة الممتعة؛ وإذا ألف استملى من حافظته فأمدته وسالت على قدمه، فهو يجمع ويرتب ويستخرج من فكره، وليس أسرع من حركة الفكر؛ وهذه السرعة هي التي تخرج لهم ما تخرجه من آثار الصناعة المتقنة على ما فيها من الجمال والكمال؛ فهم يستعينون في أعمالهم بالأدوات العقلية الحية التي تشبه الآلات الكهربائية في معجزات الصناعة الحديثة. ولا سواء من يكون كذلك ومن لزمه من أيسر مؤنة العمل كد الفكر واستحثاث الخاطر وكثرة الإطراق وتقطيع الوقت في البحث والتفتيش، ثم يخرج من ذلك على حسرات يرسلها وراء ما ند عنه مما لا تصل يده إليه في الأصول والأمهات من كتب القوم؛ وبعد هذا كله لا يكاد يجد في مدته ما ينفقه على وجوه الإتقان الصناعي في عمله إن خرج قصدًا أو مقاربًا. فلا سبيل إلى إحياء العربية وآدابها إلا بإحياء سنة الحفظ والرجوع إلى طريقة الرواة في التعليم، وهي هي الطريقة الجامعة "الإنسكلوبيديا" التي بها العلم في أوروبا وأمريكا، وكل سبب يغني شأنه إن أريد به الغناء، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] .

стр. 202

علم الرواية مدخل ... علم الرواية: وذلك بدء الرواية وسببها ومعناها وخطرها، أما اعتبارها على أنها علم بأصول قد أفردوه بالتدوين فلم يكن إلا في الحديث خاصة، وكانوا يسمونه قديمًا "علم أصول الحديث" وسماه المتأخرون "مصطلح الحديث"١ وكانت أصوله مقررة في منتصف القرن الثاني كما علمت مما أوردناه عن رواية الإمام مالك بن أنس ﵁، ولكنهم اكتفوا من ذلك بالاصطلاح ومعنى العرف؛ لأن من العرف ما يكون علمًا. وأول من قرر شروط الرواية، ابن شهاب الزهري الذي جمع الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز كما مر، ثم كان أول من تكلم في الرواة جرحًا وتعديلًا شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠هـ وذلك بعد أن دونوا الحديث والتزموا فيه بالإسناد، وكان شعبة هذا يرى أنه في الشعر أسلم منه في الحديث حتى قال لأصحابه: "لو أردت الله ما خرجت إليكم، ولو أردتم الله ما جئتموني ولكنا نحب المدح ونكره الذم". فمن ثم تنبه إلى أسباب الجرح والتعديل في الرواة على ما نظن، وكثيرًا ما تجود عيوب النوابغ بالقواعد التي تعد من محاسن العلوم. ثم كان أول من صنف في هذا العلم القاضي أبو محمد الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠هـ، وضع فيه كتاب "الفاصل بين الراوي والواعي"، واستوعب فيه أكثر ما يتعلق بعلوم الحديث، قال ابن حجر: وهذا في غالب الظن؛ وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه. ولعله يشير بهذه الأشياء إلى ما كتب عن الزهري وشعبة، ثم إلى مصنف الإمام مسلم صاحب الصحيح المتوفى سنة ٢٦١هـ في علل الحديث، ونحو ذلك مما ذهب علمه من المتأخرين. وجاء الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥هـ فتصدى للتأليف في معرفة علوم الحديث، وتناول روايته ورواته، وأبدع في ذلك ما شاء الله واحتذى مثاله أفراد ممن جاءوا بعده، ولكنهم لم يبتدعوا شيئًا جديدًا. أما في الأدب فلم تكن الرواية علمًا متميزًا، وإنما كانوا يجرون عليه ما يناسبه من علوم الحديث، وتكلموا في ذلك، وأكثر ما ورد منه مدونًا كان في كتب أصول النحو التي دونت في القرن الرابع وما بعده، ككتاب "الخصائص" لابن جني المتوفى سنة ٣٩٢هـ، و"لمع الأدلة" لكمال الدين بن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧هـ وهو أجمع الكتب في ذلك؛ ثم كتاب "اللمع الجلالية في كيفية التحدث في علم العربية" لعثمان بن محمد المالقي المتوفى سنة ٦٣٥هـ، وغيرها إلى أن جاء العلامة جلال

стр. 203

الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ فحاكى علوم الحديث في التقاسيم والأنواع ووضع في ذلك كتابه "المزهر في علوم اللغة"؛ وهو متداول مشهور. ولما أوجبوا الإسناد قديمًا في نقل اللغة لوجوبه في الحديث، إذ بها معرفة تفسيره وتأويله، وكانت اللغة قائمة بالشعر والخبر وهما يرويان عن الرجال والصبيان والعبيد والإماء من العرب, وكان لابد أن يتناولوا مصطلحات الحديث؛ فاشترطوا في ناقل اللغة العدالة بحسب ما يناسب اللغة؛ ولذا قبلوا نقل أهل الأهواء والمبتدعين ممن لا تكون بدعتهم حاملة لهم على الكذب، ورفضوا المجهول الذي لم يعرف ناقله، كما رفضوا الاحتجاج بشعر لا يعرف قائله؛ خوفًا من أن يكون مولدًا فتدخل به الصنعة على اللغة. واعتبروا من اللغة متواترًا وآحادًا ومرسلًا ومنقطعًا وأفرادًا، ونحو ذلك مما بوب عليه السيوطي في "المزهر"، ولا بد لفهمه من الرجوع إلى ما اصطلح عليه أهل الحديث؛ ونحن نورد بعض ذلك عنهم بما قل ودل مكتفين بما يجري على اللغة مما جرى على الحديث.

стр. 204

تقاسيم الرواية: فمنها: ١- "المتواتر": وهو الذي يرويه عدد من الناس تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. ٢- "والمسند": وهو ما اتصل سنده من رواته إلى منتهاه؛ أما ما انقطع سنده فهو "المرسل". ٣- "والمنقطع": ما سقط من رواته واحد. ٤- "والمعضل": ما سقط من رواته أكثر من الواحد. ٥- "والمعنعن": الذي قيل فيه "عن فلان عن فلان" من غير لفظ صريح بالسماع أو التحديث أو الإخبار. ٦- "والمؤنن": قول الراوي: "حدثنا فلان أن فلانًا قال" ويشترط فيه وفيما قبله أن يكون المسند إليهم قد لقي بعضهم بعضا مع السلامة من التدليس. ٧- "والغريب": ما انفرد أحد الرواة بروايته، وينقسم باعتبار حالة راويه إلى غريب صحيح، وضعيف، وحسن. وتسمى الكلمات التي ينفرد بها الراوية بالأفراد والآحاد. ٨- "والمعلل": وهو ما كان ظاهره السلامة لجمعه شروط الصحة لكن فيه علة خفية غامضة تظهر لأهل النقد عند التخريج. ٩- "والشاذ": ما خلف الراوي الثقة فيه جماعة الثقات. ١٠- "والمنكر": الذي لا يعرف من غير جهة راويه فلا متابع له ولا شاهد. ١١- "والموضوع": ما كان كذبًا واختلافًا، وهو المصنوع أيضًا، وسنفرد للكلام عليه فصلًا يأتي إن شاء الله.

стр. 205

وظائف الحفاظ في اللغة: وقد أخذ أهل اللغة في هذه الوظائف أخذ المحدثين واتبعوا سنتهم فيها لتعلق ما كان في اللغة بما كان في الحديث كما علمت؛ ولأن هذه العلوم كانت سواء في طلبها لقوام الدين والتماسها لفضل الاستبانة وتلك الوظائف أربع كلها ترجع إلى بث العلم ونشره، وهي: ١- الإملاء: وهذه هي الوظيفة العليا عند المحدثين واللغويين، وطريقتها واحدة عند الطائفتين: يكتب المستملي أول القائمة: مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا١ في يوم كذا ... ويذكر التاريخ ثم يورد المملى بإسناده كلامًا عن العرب الفصحاء فيه غريب يحتاج إلى التفسير، ثم يفسره ويورد من أشعار العرب وغيرها بأسانيده، ومن الفوائد اللغوية بإسناد وغير إسناد ما يختاره. وقد كان هذا في الصدر الأول فاشيًا كثيرًا لتحقق معنى الرواية به، ثم مات الحفاظ وانقطعت الأسانيد وبطلت أسباب الرواية واعتمد الناس على الدواوين والكتب المصنفة، فانقطع إملاء اللغة واستمر إملاء الحديث لوجود الإسناد فيه وتحقق السماع. قال السيوطي: ولما شرعت في إملاء الحديث سنة ٨٧٢هـ وجدته بعد انقطاعه عشرين سنة، من سنة مات الحافظ أبو الفضل ابن حجر٢ أردت أن أجدد إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره، فأمليت مجلسًا واحدًا فلم أجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركته. قال: وآخر من علمته أملى على طريقة اللغويين، أبو القاسم الزجاجي: له أمال كثيرة في مجلد ضخم، وكانت وفاته سنة ٢٣٩هـ ولم أقف على أمال لأحد بعده. ا. هـ. هكذا قال في "المزهر"؛ وهو بعيد؛ لأن مجالس الإملاء بقيت آهلة إلى منتصف القرن

стр. 206

الخامس، وقد أملى كثيرون بعد الزجاجي، وأورد السيوطي نفسه في "بغية الوعاة" في ترجمة الأديب محمد بن أبي الفرج الصقلي المعروف بالذكي "٤٢٧-٥١٦هـ" وكان قيمًا باللغة وفنون الأدب، قال: إنه ورد إلى بغداد وخراسان وجال في تلك البلاد حتى وصل إلى الهند.... وحضر مرة "مجلس إملاء" محمد بن منصور السمعاني فأملى المجلس، فأخذ عليه الذكي أشياء، وقال: ليس كما تقول، بل هو كذا؛ فقال السمعاني: اكتبوا كما قال فهو أعرف به، فغيروا تلك الكلمة وكتبوا كما قال الذكي؛ فبعد ساعة قال: يا سيدي أنا سهوت والصواب ما أمليت؛ فقال: غيروه واجعلوه كما كان. فلما فرغ من الإملاء وقام الذكي، قال السمعاني: ظن المغربي أني أنازعه في الكلام حتى يبسط لسانه في كما بسطه في غيري، فسكت حتى عرف الحق ورجع إليه! ولكن يمكن أن يقال إن خاتمة أهل الإملاء على طريقة المتقدمين هو إمام العربية في عصره أبو السعادات ابن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢هـ، وله كتاب "الأمالي" في فنون الأدب يقع في أربعة وثمانين مجلسًا. ٢- الإفتاء في اللغة: أي الإجابة عما يسأل عنه اللغوي، وهي وظيفة أدبية لا مجال فيها للتاريخ، وإنما ألبسوها هذا التعبير؛ لأنها تناظر وظيفة من وظائف المحدثين والفقهاء؛ ومن أدب المفتي في اللغة أن يقصد التحري والإبانة والإفادة، والوقوف عندما يعلم والإقرار بما لا يعلم، وأن لا يحدث برأيه من غير سماع، وأن يصير في الشيء الذي لا يعرفه إلى من يعرفه غير مستنكف، وأن لا يصر على غلطه إذا أخطأ في شيء ثم بان له الصواب من بعد؛ فإن الرجوع عن الخطأ خروج إلى الصواب، وقد وصفوا الذي يصر على خطئه ولا يرجع عنه بأن "كذاب ملعون". ومتى سئل عن شيء من الدقائق التي مات أكثر أهلها فلا بأس أن يسكت عن الجواب إعزازًا للعلم وإظهارًا للفضيلة. قالوا: وإذا فسر غريبًا وقع في القرآن أو في الحديث فليتثبت كل التثبت وليتقص كل الاستقصاء؛ فإنهما هو علم لا يراد للمناقشة والشهوة ولا يبتغي به عرض الدنيا. وليس يخفى أن تلك الآداب هي جملة الأخلاق العلمية وجماع الفضائل الأدبية، ولا تكون إلا في العالم الذي يطلب علمه لفضيلته وكرمه، وقد أخذ بها أفاضل المحدثين وأماثل الرواة، وبها محص هذا العلم العربي ونما وطرح الله في ألسنة أهله البركة، وله سبحانه الحمد والمنة. ٣ و ٤- الرواية، والتعليم: والمراد بهما أن يتعلم ويعلم، فيخلص النية في طلب العمل والتماسه ولا يبتغي من تعليمه المنالة والكسب، وإنما يصد إلى نشره وإحيائه، فيلزم جانب الصدق ولا يفتأ يتحرى لنفسه وينصح لغيره، وإذا كبر ونسى ولم يجد له عزمًا وخاف التخليط أمسك عن الرواية ليتحقق إخلاصه١؛ وقد نقلوا أن الرياشي رأى أبا زيد الأنصاري وقد قارب من سنه المائة فاختل

стр. 207

حفظه وإن لم يختل عقله، فأراد أن يقرأ عليه كتابه في الشجر والكلأ فقال له أبو زيد: لا تقرأه علي فإني أنسيته. تلك الوظائف الحفاظ، وهي متداخلة ترجع إلى معنى واحد، غير أن بينها فروقًا في آداب الرواية، وأدناها كلها عندهم التعليم لتعلق الحفاظ عليه ولابتغائهم به الوسيلة إلى الرزق في الأعم الأغلب، وذلك ما لا ينبغي أن يتواضع له شرف العلم الإلهي، بيد أن كل ما مر إنما ينزل على حكم العرب ويعتبر بالسنة المألوفة، فالتعليم اليوم إذا كان على حقه كما نراه في أوروبا وأمريكا وفى تلك الوظائف كلها في معنى الفائدة.

стр. 208

طرق الأخذ والتحمل: والمراد بهذه الطرق، الاصطلاحات التي تثبت بها اللغة لمن يأخذها وتصح روايته عند الأداء، وهي أيضًا من أوضاع المحدثين، ولهم فيها كلام مستفيض، وعندهم لها علامات خاصة بالأسانيد والصيغ لم تجر على اللغة ولا محل لبسط الكلام عليها. وطرق الأخذ في اللغة ست، نذكرها توفية للفائدة، وليتبين بها القارئ مواقع الأخبار من درجات الرواية فيما يقرؤه منشورًا في كتب الأدب، ثم ليعلم ما كان يرمي إليه العلماء بهذه الاصطلاحات التي يراها متشابهة في الدلالة وبينها عندهم اختلاف؛ وهي: ١- السماع من لفظ الشيخ أو العربي، وللمتحمل بهذه الطريقة عند الأداء صيغ تتفاوت بحسب منزلة الرواية، فأعلاها أن يقول: أملي علي فلان، ويليها: سمعت فلانًا، ويلي ذلك أن يقول: حدثني أو حدثنا فلان ثم أخبرني أو أخبرنا فلان، ثم قال لي فلان، ثم قال فلان "بدون الإضافة إلى نفسه"، ومثله زعم فلان؛ ويلي ذلك قول الراوي عن فلان، ومثلها إن فلانًا قال: وهذا في اللغة والخبر، أما في الشعر فيقال: أنشدني وأنشدنا، وقد تستعمل فيه بعض تلك الاصطلاحات أيضًا. والسماع أصل الرواية؛ ولكن علماء البصرة كانوا يأنفون أن يأخذوا من علماء الكوفة، أو يسمعوا من أعرابهم١، وقالوا: وأول من أحدث السماع بالبصرة خلف الأحمر، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية "وهو كوفي" فسمع منه وكان ضنينًا بأدبه. ٢- القراءة على الشيخ، ويقول عند الرواية: قرأت على فلان. ٣- السماع على الشيخ بقراءة غيره، ويقول عند الرواية: قرأ علي فلان وأنا أسمع، أو أخبرني قراءة عليه وأنا أسمع.

стр. 209

٤- الإجازة: وهي في رواية الكتب، والأشعار المدونة، وقد أشرنا إلى أصلها في الكلام على معنى الصحفي، وتكون الإجازة بكتاب معين وتكون بغير معين، كقول الشيخ: أجزتك بجميع مسموعاتي ومروياتي. وعند المحدثين أنواع من الإجازة يبطلونها ولا يعملون بها، كإجازة الراوي من يولد له أو إجازته بما لم يتحمله بوجه صحيح في الرواية كالسماع ونحوه. ولما بطلت الرواية صارت النسبة إلى الشيوخ محصورة في الإجازة؛ فتهافت الناس عليها، وصار الأمراء يطلبونها للمباهاة، وكبار العلماء في الأقطار المتباعدة يقارض بها بعضهم بعضًا، وتفنن العلماء في كتابتها وتجويد إنشائها، وقد بقي العمل بها في كتب الحديث والعربية إلى قريب من هذه الغاية حين قامت مقامها "الشهادات". ومن أراد أن يقف على صورة من أحسن ما كتب فيها فليقرأ إجازة حافظ عصره الإمام أثير الدين ابن حيان الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥هـ للصلاح الصفدي الأديب البارع؛ وقد ساقها برمتها صاحب "نفح الطيب" في الجزء الأول من كتابه في ترجمة أثير الدين المومأ إليه. ٥- المكاتبة: وذلك أن يكتب الراوية الثقة إلى غيره أبياتًا أو خبرًا فيروي ذلك عنه. ٦- الوجادة: وهي أن يسوق ما يرويه على أنه وجده في كتاب؛ وهذا هو أضعف وجوه الأخذ؛ لأنه لا ضمان فيه لعهدة المروي، وإنما اضطروا إليه حين كثرت الكتب. هذه هي طرق الرواية، وكان الرواة إلى آخر القرن الرابع يبالغون في بيانها، ويقرنون كل خبر بطريقته؛ انتفاء من الظنة، وقيامًا بحقوق العلم، وحياطة لهذا الأدب الذي اصطلحوا عليه؛ ثم ضعف الأمر في القرن الخامس، ثم صار العلم كله "وجادة" وعاد أول هذا الأمر آخره.

стр. 210

رواية اللغة تاريخ لفظتي: اللغة واللغوي ... رواية اللغة: كانت هذه اللغة سليمة من الفساد، خالصة من الشوب؛ والإسلام لا يزال في ريعانه، واندفاع موجته، والعرب في أمر الأدب على إرث من جاهليتهم، يأخذون في سَمْتِها، ويتجاذبون على منهاجها، فيسمرون بالأخبار ويتحملون بالأشعار؛ لا يرون إلا أن ذلك علم آبائهم، وإرث أبنائهم, حتى بدأت اللغة تلتوي بعد سلاستها، وتمرض بعد سلامتها، ونزلت من بعض الألسنة في موضع نفار ومرمى شراد، فطار اللحن في جنباتها، وخيفت عليها عاقبة الاختبال، وما يتوقع في تداول النقص من هذا الوبال، فتقدم الكفاة من أهل عصمتها ينهجون إليها السبيل، ويقيمون عليها الدليل، وكان من ذلك وضع النحو كما فصلناه في موضعه. ومنذ وضع النحو اكتسب هذا الكلام العربي أول معنى لغوي اصطلاحي؛ لأن اللغة ما دامت في حياطة من السليقة وإلى ملجأ من الفطرة، لا يكون من وجه للنظر فيها على أنها علم يفيده الدرس ويثبته التلقي، ولا سواء في الاعتبار العلمي ما تنشأ على معرفته صحيحًا، وما تعرف صحته وخلوصه بعد أن تنشأ وتتحرى ذلك وتأخذ في أسبابه بالتلقين والتخريج. تاريخ لفظتي: اللغة واللغوي وقد تتبعنا الأطوار التي تعاقبت على هذا اللسان حتى أطلق عليه المعنى العلمي الذي يفهمه المتأخرون عند إطلاق لفظة "اللغة"، وصار يقال فيه وفي العالم به: اللغة واللغوي، ولنستخرج تأريخ هذه الكلمة "اللغة" في دلالتها الاصطلاحية، فرأينا أن بداءة هذا التاريخ كانت لعهد النبي ﷺ ، حين جاءته وفود العرب فكان يخاطبهم جميعًا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم، وعلى ما في لغاتهم من اختلاف الأوضاع وتفاوت الدلالات في المعاني اللغوية، على حين أن أصحابه رضوان الله عليهم ومن يفد عليه من وفود العرب الذين لا يوجه إليهم الخطاب, كانوا يجهلون من ذلك أشياء كثيرة؛ حتى قال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وسمعه يخاطب وفد بنى نهد: "يا رسول الله، نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره"، فكان رسول الله ﷺ يوضح لهم ما يسألونه عنه مما يجهلون معناه من تلك الكلمات، ولكنهم كانوا يرون هذا الاختلاف فطريا في العرب فلم يلتفتوا إليه. فلما تكلموا في تفسير القرآن وغريب الحديث، وكانوا يلتمسون لذلك مصادقه من أشعار العرب، وضح هذا المعنى اللغوي، وأكثر ما كان هذا المعنى وضوحًا في زمن ابن عباس ﵄؛ فهو الذي سن ذلك للمفسرين، وقال إن الشعر ديوان العرب؛ فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله "بلغة العرب" رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه. وقد سأله نافع بن الأزرق وصاحبه نجدة بن عويمر مسائل كثيرة في التفسير، وجعلا الشرط عليه أن يأتي لكل كلمة بمصداقها من كلام العرب -وهي أسئلة مشهورة أخرج الأئمة أفرادًا منها بأسانيد مختلفة إلى ابن

стр. 211

عباس، وساق السيوطي جميعها في "الإتقان" إلا بضعة عشر سؤالًا- فكان هذا الصنيع من ابن عباس داعيا إلى اعتبار اللغة اعتبارا علميا؛ إذ نظر إلى لغات العرب من وجه واحد واعتبرها مادة واحدة في الاستشهاد، وسمى هذه المادة "لغة العرب". ولما وضع أبو الأسود النحو وأطلق عليه لفظ "العربية"١ -وكان الناس يختلفون إليه يتعملونه منه وهو يفرع لهم ما كان أصّله، وشاع ذلك. وكان الغرض منه صيانة اللسان من الخطأ، وتقويمه من الزيغ، ورد السليقة إلى حدود الفطرة التي خرجت عنها- ظهر ذلك المعنى اللغوي في الشكل اصطلاحي، ولكن لم يتميز من اللغة بالتعريف إلا العويص النافر منها الذي يعلو عن طبقة الحضريين ومن ضعفت ملكاتهم، فكان هذا وأشباهه كأنه غريب عليهم خارج عما ألفه سوادهم من تصاريف القول، بعد أن أطبق الناس على اللغة القرشية الفصحى، ولذلك اصطلح أهل العربية يومئذ على تسميته "بالغريب" وهو أول معاني الدلالة اللغوية. وكان أبو الأسود قد روى الشعر وتتبع كلام العرب واستقصى في ذلك وبالغ٢ ومع ذلك فلم يسم علم هذا الكلام "باللغة"، ولم يعرف في زمنه إلا "العربية" للنحو وإلا "الغريب" لمثل ما يسميه المتأخرون بالكلام اللغوي ... نقل الجاحظ في "البيان" أن غلامًا كان يقعر في كلامه، فأتى أبا الأسود يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمى، فطبخته طبخًا، وفنخته فنخًا، وفضخته فضخًا، فتركتعه فرخًا!

стр. 212

قال: فما فعلت امرأته التي كانت تشاره وتماره وتهاره وتضاره؟ قال: طلقها وتزوجت غيره فرضيت وحظيت وبظيت١؟ فقال أبو الأسود: قد علمنا رضيت وحظيت وبظيت! قال: بظيت حرف من "الغريب" لم يبلغك! فقال أبو الأسود: يا بني، كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور خزءها! وأشهر من عرف بالغريب يومئذ، يحيى بن يعمر العدواني، وهو آخر أصحاب أبي الأسود كما سنبينه. ثم لما اتسعت العربية وفشا اللحن وفسد الكلام وجعل الناس يبغونها عوجًا، وذلك في أواخر القرن الثاني، وخرج الرواة إلى البادية ينقلون عن العرب ويتحققون معاني العربية وأبوابها؛ تهيأت أسباب المعنى اللغوي وصارت اللغة لغتين: العربية، والمولدة. بل صارت العربية نفسها كأنها في الاعتبار العلمي لغتان، بما قام بين البصريين والكوفيين، وتحقق كلتا الطائفتين بمذاهب متميزة، فمن ثم وجد الناس السبيل إلى تسمية ما يؤخذ عن العرب "باللغة"؛ لأنها صارت من "العهد الذهني" بعد اشتغال العلماء بها وبعد تميزها عما انتهت إليه لغتهم المولدة. فلما وضع الخليل بن أحمد كتاب "العين" الذي رتب فيه كلام العرب وضع به علم اللغة، وتمت هذه الكلمة على الناس بما صنع. بيد أن الرواة، وهم القائمون بفنون اللغة، لم يكن يطلق على أحد منهم لفظ "اللغوي" إلا بعد أن ضعفت الرواية في أواخر القرن الثالث، وذلك لأن أحدًا منهم لم يتخصص من الرواية بعلم الألفاظ دون سائر فنونها من الخبر والشعر والعربية ونحوها، ولم نقف على هذا اللقب "اللغوي" في كلام أحد من علماء القرون الثلاثة الأولى، وقد كان يوجد في الرواة من تغلب عليه النوادر، وهي أساس علم اللغة: كأبي زيد الأنصار المتوفى سنة ٢١٦هـ، وكان أحفظ الناس للغة وأوسعهم فيها رواية وأكثرهم أخذًا عن البادية، ومع ذا فلم يلقبوه باللغوي، ووجد فيهم كذلك من انفرد بأولية التصنيف في بعض الأنواع اللغوية المحضة: كقطرب المتوفى سنة ٢٠٦هـ وهو أول من ألف المثلث من الكلام، وكان يرمي بافتعال اللغة أيضًا -كما سيجيء- ولكن لم يلقبه أحد "باللغوي"؛ وعندنا أن هذا اللقب إنما ظهر في القرن الرابع بعد أن استفاض التصنيف في اللغة وتميزت العلوم العربية واستعجمت الدولة فصار صاحب اللغة يعرف بها كما ينسب كل ذي علم إلى عمله الغالب عليه، وخلف ذلك اللقب لقب الرواية؛ وممن عرفوا به في القرن الرابع: أبو الطيب اللغوي صاحب كتاب "مراتب النحويين"، وابن دريد صاحب "الجمهرة"، والأزهري صاحب "التهذيب"، والجوهري صاحب "الصحاح"، وغيرهم. ثم فشا بعد ذلك وأكثر أصحاب الطبقات من استعماله خطأ، حتى وصفوا به صدور الرواة؛ لأنهم لا يرون فيه أكثر من المعنى العلمي، أما الألفاظ بفروقها فهي ألفاظ الناس جميعًا، فلا تاريخ لها إلا التاريخ كله، والله أعلم.

стр. 213

الأخذ عن العرب: كان "علم العرب" في الجاهلية وصدر الإسلام مما يعرف به النسابون وأهل الأخبار؛ وقد أشرنا إلى ذلك في بعض ما مر، فلما رجعوا إلى الشعر والتمسوه للشاهد والمثل، كان ذلك بدء تاريخ الأخذ عن العرب للقصد العلمي الذي نحن في سبيل الكتابة عنه، بيد أن اللسان يومئذ كان لا يزال أقرب إلى عهده من الفطرة، فلم يأخذوا عن العرب شيئًا يسمونه اللغة، إذ كانت هذه التسمية لم تجتمع بعد أسبابها كما عرفت، فكان علم العرب مقصورًا على النسب والخبر والشعر، وأكثر من يقوم عليها النسابون والخطباء وبعض رواة الحديث؛ فلما اشتهر علم العربية بعد أبي الأسود، وكان القائمون به ولده عطاء، وعنبسة الفيل، وميمونًا الأقرن، ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز، ويحيى بن يعمر العدواني، وهو آخرهم وأفصحهم، وأعربهم، توفي سنة ١٢٩هـ بعد أن بعج العربية، وفلق بها تفليقًا؛ مست الحاجة في عصر تلك الطبقة إلى تتبع اللغات والسماع من العرب، وخاصة بعد أن قامت المناظرات بين أهل الطبقة التي أخذت عن هؤلاء، حين ابتدءوا يجردون القياس ويعللون النحويين ويعتبرون به كلام العرب؛ وأول من علل النحو فيما يقال، ابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧هـ وهو أعلم أهل البصرة وأنقلهم، وكان هو وعيسى بن عمر الثقفي "رأس المتقعرين" يطعنان على العرب، وكان معهما أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة، وهو من المشهورين في تجريد القياس، ولكنه كان أشد تسليمًا للعرب، وقد ناظره ابن أبي إسحاق فغلبه بالهمز، إلا أن أبا عمرو طالت مدته فكان أكثر طلبًا لكلام العرب ولغاتها وغريبها، حتى تميز بذلك، وهو قد أخذ النحو عن نصر بن عاصم صاحب أبي الأسود. فتلك هي العلة في أخذهم عن العرب، ولم يكونوا يأخذون عنهم قبل ذلك، وأنت تعتبر مصداق هذا أنك لا تجد رجلًا مما عنوا بالسماع من العرب طالبًا لمعرفة كلامها ولغاتها؛ وانتهت إليهم أسانيد الرواة، إلا في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني؛ ومن أشهرهم أبو عمرو الشيباني، عاش ١٢٠ سنة، وسمع النبي ﷺ في صغره؛ وقتادة بن دعامة السدوسي، توفي سنة ١١٧هـ؛ والشعبي سنة ١٠٥هـ؛ وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبان بن تغلب، سنة ١١٤هـ؛ وأبو عمرو بن العلاء؛ وسائر من تجدهم من متقدمي الرواة. ثم لما تفرعت المذاهب واشتد الخلاف بين أهل الطبقة الثالثة التي أخذت عن أولئك، وأصاب ذلك ضعف اللغة في الحضر ورقة جوانبها، ورأى العلماء أن أكثر اللغة مما لا يطرد فيه القياس، لتداخل لغات العرب بعضها في بعض, وأن أكبر العلم بهذه اللغة هو العلم بنوادرها وغريبها, صار لا بد من استقصاء ذلك في مناطق العرب، واستغراقه إلى أطراف البوادي، وتصفح تلك الجهات فيمن لا

стр. 214

يزال منطقهم خالصًا ولم يلابس فطرتهم شوب ولا فساد؛ فكان الراوية يأخذ عمن يلقاه من أهل الطبقة الثانية حتى يستنفذ ما عنده؛ ثم يرحل إلى البادية يستزيد ويتحقق من منطق العرب ما شك فيه، ويطلب ما عسى أن ينفرد بروايته، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا المعنى. وهذه الطبقة الثالثة هي أشهر طبقات الرواة في الإسلام، وعنها أخذت اللغة، وفي أيامها دونت؛ ورأسها الخليل بن أحمد إن لم يكن في اللغة كأبي زيد الأصمعي وأبي عبيدة؛ فإنهم فيها أئمة الأمة، وهم الذين أخذ عنهم جل ما في أيدي الناس من هذا العلم العربي، بل كله على ما قيل.

стр. 215

الرحلة إلى البادية: كان أهل المصرين: "البصرة والكوفة" عربًا كلهم في القرن الأول، إلا الموالي منهم؛ على أن كثيرًا من هؤلاء اشتغلوا بالعلوم وبرعوا فيها؛ أنفة وبقيا على أنفسهم؛ وكان أولئك العرب من قبائل مختلفة، وكلهم باق على فطرته؛ ثم كان الأعراب من أهل البادية وسكان الفيافي يطرءون على المصرين والمدينتين: "مكة والمدينة"؛ فلم يكن للرواة في القرن الأول من حاجة إلى البادية؛ لأنهم لم يكونوا قد بلغوا الغاية في تجريد القياس وتعليل النحو وتفريعه، وكان ذلك الأمر لما يضطرب، والمادة لا تزال باقية، وفي الناس فضل بعد؛ ولهذا نقطع جزمًا بأن الرحلة إلى البادية في طلب اللغة لم تكن في القرن الأول ألبتة، وإنما كان يعنى الرواة بالسماع من العرب كما أومأنا إليه آنفًا؛ فلما كانت الطبقة الثالثة من الرواة -طبقة الخليل وجماعته- وقد اختلفت أسانيد أهل المصرين عن العرب، واختلفت بذلك مذاهبهم، وتمكنت منهم العصبية، وأخذوا في الإزراء بعضهم على بعض، وخرج بعضهم من ذلك إلى الوضع والافتعال وصنعة الشواهد -كما نوضحه بعد- ورغب أهل التحصيل منهم في استيعاب الشواذ والنوادر، وأهل التحقيق في تمحيص المذاهب المختلفة، ورأوا أن أكثر القبائل البادية قد أخذت في مخالطة البلديين والأعاجم، ويوشك أن تختبل ألسنتهم ويلين جفاؤهم ويدخل على طباعهم الفساد، وأن شيئًا من ذلك قد خلص إلى الأجيال الناشئة في الحضر -لما اجتمعت لهم كل هذه الأسباب، ورأوا أن أهل الحديث يرحلون في طلب الأثر، ويقطعون ظهور الإبل إلى المرامي البعيدة، وإلى كل شرق وصقع يعلمون أن فيه من مصادر الحديث أحدًا -أخذوا هم أيضًا في سبيلهم، فرحلوا إلى البادية وهي مصدر اللغة، يطلبون جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، ويأخذون عن القبائل التي بعدت عن أطراف الجزيرة وبقيت في سرة البادية أو فاضت حواليها، فأخذوا عن قيس، وتميم، وأسد؛ وهؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف١، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وخاصة الذين كانوا يسكنون أطراف بلادهم المجاورة لمن حولهم من الأمم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد، لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان٢، ولا من بكر، لمجاورتهم للقبط والفرس ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن، لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة
следующие страницы →