← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عباس، وساق السيوطي جميعها في "الإتقان" إلا بضعة عشر سؤالًا- فكان هذا الصنيع من ابن عباس داعيا إلى اعتبار اللغة اعتبارا علميا؛ إذ نظر إلى لغات العرب من وجه واحد واعتبرها مادة واحدة في الاستشهاد، وسمى هذه المادة "لغة العرب". ولما وضع أبو الأسود النحو وأطلق عليه لفظ "العربية"١ -وكان الناس يختلفون إليه يتعملونه منه وهو يفرع لهم ما كان أصّله، وشاع ذلك. وكان الغرض منه صيانة اللسان من الخطأ، وتقويمه من الزيغ، ورد السليقة إلى حدود الفطرة التي خرجت عنها- ظهر ذلك المعنى اللغوي في الشكل اصطلاحي، ولكن لم يتميز من اللغة بالتعريف إلا العويص النافر منها الذي يعلو عن طبقة الحضريين ومن ضعفت ملكاتهم، فكان هذا وأشباهه كأنه غريب عليهم خارج عما ألفه سوادهم من تصاريف القول، بعد أن أطبق الناس على اللغة القرشية الفصحى، ولذلك اصطلح أهل العربية يومئذ على تسميته "بالغريب" وهو أول معاني الدلالة اللغوية. وكان أبو الأسود قد روى الشعر وتتبع كلام العرب واستقصى في ذلك وبالغ٢ ومع ذلك فلم يسم علم هذا الكلام "باللغة"، ولم يعرف في زمنه إلا "العربية" للنحو وإلا "الغريب" لمثل ما يسميه المتأخرون بالكلام اللغوي ... نقل الجاحظ في "البيان" أن غلامًا كان يقعر في كلامه، فأتى أبا الأسود يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمى، فطبخته طبخًا، وفنخته فنخًا، وفضخته فضخًا، فتركتعه فرخًا!

стр. 212

قال: فما فعلت امرأته التي كانت تشاره وتماره وتهاره وتضاره؟ قال: طلقها وتزوجت غيره فرضيت وحظيت وبظيت١؟ فقال أبو الأسود: قد علمنا رضيت وحظيت وبظيت! قال: بظيت حرف من "الغريب" لم يبلغك! فقال أبو الأسود: يا بني، كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور خزءها! وأشهر من عرف بالغريب يومئذ، يحيى بن يعمر العدواني، وهو آخر أصحاب أبي الأسود كما سنبينه. ثم لما اتسعت العربية وفشا اللحن وفسد الكلام وجعل الناس يبغونها عوجًا، وذلك في أواخر القرن الثاني، وخرج الرواة إلى البادية ينقلون عن العرب ويتحققون معاني العربية وأبوابها؛ تهيأت أسباب المعنى اللغوي وصارت اللغة لغتين: العربية، والمولدة. بل صارت العربية نفسها كأنها في الاعتبار العلمي لغتان، بما قام بين البصريين والكوفيين، وتحقق كلتا الطائفتين بمذاهب متميزة، فمن ثم وجد الناس السبيل إلى تسمية ما يؤخذ عن العرب "باللغة"؛ لأنها صارت من "العهد الذهني" بعد اشتغال العلماء بها وبعد تميزها عما انتهت إليه لغتهم المولدة. فلما وضع الخليل بن أحمد كتاب "العين" الذي رتب فيه كلام العرب وضع به علم اللغة، وتمت هذه الكلمة على الناس بما صنع. بيد أن الرواة، وهم القائمون بفنون اللغة، لم يكن يطلق على أحد منهم لفظ "اللغوي" إلا بعد أن ضعفت الرواية في أواخر القرن الثالث، وذلك لأن أحدًا منهم لم يتخصص من الرواية بعلم الألفاظ دون سائر فنونها من الخبر والشعر والعربية ونحوها، ولم نقف على هذا اللقب "اللغوي" في كلام أحد من علماء القرون الثلاثة الأولى، وقد كان يوجد في الرواة من تغلب عليه النوادر، وهي أساس علم اللغة: كأبي زيد الأنصار المتوفى سنة ٢١٦هـ، وكان أحفظ الناس للغة وأوسعهم فيها رواية وأكثرهم أخذًا عن البادية، ومع ذا فلم يلقبوه باللغوي، ووجد فيهم كذلك من انفرد بأولية التصنيف في بعض الأنواع اللغوية المحضة: كقطرب المتوفى سنة ٢٠٦هـ وهو أول من ألف المثلث من الكلام، وكان يرمي بافتعال اللغة أيضًا -كما سيجيء- ولكن لم يلقبه أحد "باللغوي"؛ وعندنا أن هذا اللقب إنما ظهر في القرن الرابع بعد أن استفاض التصنيف في اللغة وتميزت العلوم العربية واستعجمت الدولة فصار صاحب اللغة يعرف بها كما ينسب كل ذي علم إلى عمله الغالب عليه، وخلف ذلك اللقب لقب الرواية؛ وممن عرفوا به في القرن الرابع: أبو الطيب اللغوي صاحب كتاب "مراتب النحويين"، وابن دريد صاحب "الجمهرة"، والأزهري صاحب "التهذيب"، والجوهري صاحب "الصحاح"، وغيرهم. ثم فشا بعد ذلك وأكثر أصحاب الطبقات من استعماله خطأ، حتى وصفوا به صدور الرواة؛ لأنهم لا يرون فيه أكثر من المعنى العلمي، أما الألفاظ بفروقها فهي ألفاظ الناس جميعًا، فلا تاريخ لها إلا التاريخ كله، والله أعلم.

стр. 213

الأخذ عن العرب: كان "علم العرب" في الجاهلية وصدر الإسلام مما يعرف به النسابون وأهل الأخبار؛ وقد أشرنا إلى ذلك في بعض ما مر، فلما رجعوا إلى الشعر والتمسوه للشاهد والمثل، كان ذلك بدء تاريخ الأخذ عن العرب للقصد العلمي الذي نحن في سبيل الكتابة عنه، بيد أن اللسان يومئذ كان لا يزال أقرب إلى عهده من الفطرة، فلم يأخذوا عن العرب شيئًا يسمونه اللغة، إذ كانت هذه التسمية لم تجتمع بعد أسبابها كما عرفت، فكان علم العرب مقصورًا على النسب والخبر والشعر، وأكثر من يقوم عليها النسابون والخطباء وبعض رواة الحديث؛ فلما اشتهر علم العربية بعد أبي الأسود، وكان القائمون به ولده عطاء، وعنبسة الفيل، وميمونًا الأقرن، ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز، ويحيى بن يعمر العدواني، وهو آخرهم وأفصحهم، وأعربهم، توفي سنة ١٢٩هـ بعد أن بعج العربية، وفلق بها تفليقًا؛ مست الحاجة في عصر تلك الطبقة إلى تتبع اللغات والسماع من العرب، وخاصة بعد أن قامت المناظرات بين أهل الطبقة التي أخذت عن هؤلاء، حين ابتدءوا يجردون القياس ويعللون النحويين ويعتبرون به كلام العرب؛ وأول من علل النحو فيما يقال، ابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧هـ وهو أعلم أهل البصرة وأنقلهم، وكان هو وعيسى بن عمر الثقفي "رأس المتقعرين" يطعنان على العرب، وكان معهما أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة، وهو من المشهورين في تجريد القياس، ولكنه كان أشد تسليمًا للعرب، وقد ناظره ابن أبي إسحاق فغلبه بالهمز، إلا أن أبا عمرو طالت مدته فكان أكثر طلبًا لكلام العرب ولغاتها وغريبها، حتى تميز بذلك، وهو قد أخذ النحو عن نصر بن عاصم صاحب أبي الأسود. فتلك هي العلة في أخذهم عن العرب، ولم يكونوا يأخذون عنهم قبل ذلك، وأنت تعتبر مصداق هذا أنك لا تجد رجلًا مما عنوا بالسماع من العرب طالبًا لمعرفة كلامها ولغاتها؛ وانتهت إليهم أسانيد الرواة، إلا في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني؛ ومن أشهرهم أبو عمرو الشيباني، عاش ١٢٠ سنة، وسمع النبي ﷺ في صغره؛ وقتادة بن دعامة السدوسي، توفي سنة ١١٧هـ؛ والشعبي سنة ١٠٥هـ؛ وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبان بن تغلب، سنة ١١٤هـ؛ وأبو عمرو بن العلاء؛ وسائر من تجدهم من متقدمي الرواة. ثم لما تفرعت المذاهب واشتد الخلاف بين أهل الطبقة الثالثة التي أخذت عن أولئك، وأصاب ذلك ضعف اللغة في الحضر ورقة جوانبها، ورأى العلماء أن أكثر اللغة مما لا يطرد فيه القياس، لتداخل لغات العرب بعضها في بعض, وأن أكبر العلم بهذه اللغة هو العلم بنوادرها وغريبها, صار لا بد من استقصاء ذلك في مناطق العرب، واستغراقه إلى أطراف البوادي، وتصفح تلك الجهات فيمن لا

стр. 214

يزال منطقهم خالصًا ولم يلابس فطرتهم شوب ولا فساد؛ فكان الراوية يأخذ عمن يلقاه من أهل الطبقة الثانية حتى يستنفذ ما عنده؛ ثم يرحل إلى البادية يستزيد ويتحقق من منطق العرب ما شك فيه، ويطلب ما عسى أن ينفرد بروايته، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا المعنى. وهذه الطبقة الثالثة هي أشهر طبقات الرواة في الإسلام، وعنها أخذت اللغة، وفي أيامها دونت؛ ورأسها الخليل بن أحمد إن لم يكن في اللغة كأبي زيد الأصمعي وأبي عبيدة؛ فإنهم فيها أئمة الأمة، وهم الذين أخذ عنهم جل ما في أيدي الناس من هذا العلم العربي، بل كله على ما قيل.

стр. 215

الرحلة إلى البادية: كان أهل المصرين: "البصرة والكوفة" عربًا كلهم في القرن الأول، إلا الموالي منهم؛ على أن كثيرًا من هؤلاء اشتغلوا بالعلوم وبرعوا فيها؛ أنفة وبقيا على أنفسهم؛ وكان أولئك العرب من قبائل مختلفة، وكلهم باق على فطرته؛ ثم كان الأعراب من أهل البادية وسكان الفيافي يطرءون على المصرين والمدينتين: "مكة والمدينة"؛ فلم يكن للرواة في القرن الأول من حاجة إلى البادية؛ لأنهم لم يكونوا قد بلغوا الغاية في تجريد القياس وتعليل النحو وتفريعه، وكان ذلك الأمر لما يضطرب، والمادة لا تزال باقية، وفي الناس فضل بعد؛ ولهذا نقطع جزمًا بأن الرحلة إلى البادية في طلب اللغة لم تكن في القرن الأول ألبتة، وإنما كان يعنى الرواة بالسماع من العرب كما أومأنا إليه آنفًا؛ فلما كانت الطبقة الثالثة من الرواة -طبقة الخليل وجماعته- وقد اختلفت أسانيد أهل المصرين عن العرب، واختلفت بذلك مذاهبهم، وتمكنت منهم العصبية، وأخذوا في الإزراء بعضهم على بعض، وخرج بعضهم من ذلك إلى الوضع والافتعال وصنعة الشواهد -كما نوضحه بعد- ورغب أهل التحصيل منهم في استيعاب الشواذ والنوادر، وأهل التحقيق في تمحيص المذاهب المختلفة، ورأوا أن أكثر القبائل البادية قد أخذت في مخالطة البلديين والأعاجم، ويوشك أن تختبل ألسنتهم ويلين جفاؤهم ويدخل على طباعهم الفساد، وأن شيئًا من ذلك قد خلص إلى الأجيال الناشئة في الحضر -لما اجتمعت لهم كل هذه الأسباب، ورأوا أن أهل الحديث يرحلون في طلب الأثر، ويقطعون ظهور الإبل إلى المرامي البعيدة، وإلى كل شرق وصقع يعلمون أن فيه من مصادر الحديث أحدًا -أخذوا هم أيضًا في سبيلهم، فرحلوا إلى البادية وهي مصدر اللغة، يطلبون جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، ويأخذون عن القبائل التي بعدت عن أطراف الجزيرة وبقيت في سرة البادية أو فاضت حواليها، فأخذوا عن قيس، وتميم، وأسد؛ وهؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف١، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وخاصة الذين كانوا يسكنون أطراف بلادهم المجاورة لمن حولهم من الأمم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد، لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان٢، ولا من بكر، لمجاورتهم للقبط والفرس ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن، لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة

стр. 216

وسكان اليمامة ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأنهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب صادقوهم وقد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم بالحضارة، وهم لا يأخذون عن حضري قط، مع أن أولئك كانوا هم الأصل في الفصاحة العربية، وهم الذين نزل القرآن بلغتهم، والأصل فيهم قريش؛ لأن رسول الله ﷺ قرشي ثم بنو سعد بن بكر؛ لأنه استرضع فيهم وأقام عندهم حتى ترعرع١ ثم ثقيف وخزاعة وهذيل وكنانة وأسد وضبة، وهؤلاء كانوا قريبًا من مكة، وكانت لغة أهل مكة والمدينة قد فسدت بعد رسول الله ﷺ بكثرة من خالطهم من رقيق العجم، وبمن تردد إليهم من تجارهم، وقد مر شرح ذلك في بابه. وأقدم من عرفنا ممن رحلوا إلى البادية: يونس بن حبيب الضبي المتوفى سنة ١٨٣هـ وقد جاوز المائة فيما قيل، وخلف الأحمر المتوفى سنة ١٨٠هـ، والخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥هـ، وأبو زيد الأنصاري المتوفى سنة ٢١٥هـ عن ٩٣ سنة، وهو أكثر أهل هذه الطبقة أخذًا عن البادية، وكانت له بذلك ميزة على صاحبيه: الأصمعي، وأبي عبيدة، حتى قيل إن الأصمعي جاء يومًا إلى مجلسه فأكب على رأسه وجلس، وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ عشرين سنة؛ ولقد أراد أبو زيد هذا مرة أن يعرف بابًا من الصرف ويتبين من منطق العرب ما هو أولى بالضم وما هو أولى بالكسر من باب فَعَل "بفتح العين" الذي قالوا فيه إن كل ما كان ماضيه بفتح العين ولم يكن ثانيه ولا ثالثه حرفًا من حروف اللين ولا الحلق فإنه يجوز في مضارعه ضم العين وكسرها، وليس أحدهما أولى به من الآخر ولا فيه عند العرب إلا الاستحسان والاستخفاف، كقولهم نَفَر ينفِر وينفُر، وشتَم يشتِم ويشتُم ... إلخ؛ فطاف أبو زيد في عليا قيس وتميم مدة طويلة، يسأل عن هذا الباب صغيرهم وكبيرهم، قال: فلم أجد لذلك قياسًا، وإنما يتكلم به كل امرئ منهم على ما يستحسن ويستخف لا على غير ذلك. ولما جاءت الطبقة الرابعة التي أخذت عن هؤلاء، أخذوا عنهم التلقي عن العرب في باديتهم؛ إذ صار ذلك سنة وبابًا من أبواب الكفاية عندهم؛ ومن أقدمهم وأسبقهم إليه: النضر بن شميل المتوفى سنة ٢٠٤هـ، فإنه أخذ عن الخليل بن أحمد وعن بعض الأعراب الذين أخذت عنهم الطبقة الثالثة، وأقام بعد ذلك بالبادية أربعين سنة؛ ثم الكسائي المتوفى سنة ١٨٩هـ "على الأكثر" فإنه أخذ عن الخليل ثم خرج إلى بوادي الحجاز ونجد وتهامة ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنينة من الحبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ! واستمروا يرحلون إلى البادية إلى أواخر القرن الرابع، ثم فسدت سلائق العرب كما فصلناه في بابه، وبذلك انقطعت مادة الرواية عنهم واكتفى الناس بآثار أسلافهم التي حوتها الكتب؛ وإنما كان العلماء بعد ذلك يسألون بعض الأعراب المتوسمين بشيء من جفاء البادية ممن لم تنسخ فيهم الفطرة

стр. 217

نسخًا، وكانوا يستروحون إلى ذلك ولا يأخذون به، وبقي هذا الأمر إلى منتصف القرن السادس؛ ونقلوا عن الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨هـ بعض كلمات مما سألهم فيه، ولكن لم ينقلوا أن أحدًا اعتد هذا وأمثاله من اللغة وأجراه مجرى الرواية، ولا يمكن أن يكون ذلك. فصحاء الأعراب: وقد قلنا في فرق ما بين العربي والأعرابي في موضع ذلك من صدر هذا الكتاب؛ ورأينا العلماء وأهل اللغة في الإسلام يضربون المثل بفصاحة الأعراب وخلوص لغتهم وما لهم من بارع اللفظ وسري المخرج والعارضة الشديدة واللسان السليط، ثم ما يحمل عليها من طبع جاف متوقح غير بكيء، ولا منزور، وفطرة سليمة لا تنازع إلى غير الصواب، ولا يصرفها عنه صارف من سوء العادة أو الضعفة الحضرية، وإلى ما يكون من هذا الضرب. والبلغاء في الصدر الأول إنما كانوا يتكلفون أن يحكوا الأعراب في مقامات الكلام؛ يبتغون من وراء ذلك بعض ما يرده التقليد والحكاية من تلك الصفات؛ وكان أفصح الناس إنما يرى منزلته منهم أن يجري على ما سبق إليه من أعراقهم، فهو منهم بطبيعته دون موضع الغاية وعلى حد المقاربة في منزلة بين المنزلتين. ولا نفيض هنا في هذا المعنى وأدلته، فقد أسلفنا منه أشياء وسنأتي على بقيته في باب الخطابة، وإنما نكتفي بهذا الإيماء لأنه سبيل ما نحن فيه. كان الأعراب يطرءون من البادية على الحضر، فيلقاهم الرواة بما اختلفوا فيه، يعترضون حجته في منطقتهم، ويتلقفون أدلته من أفواههم، ويتحملون عنهم بالنوادر وما إليها، ومنهم طائفة كانوا ينزلون الأمصار العربية ويقيمون بها، فيأنسون إلى الرواة ويسكنون إلى مسألتهم، ثم ينتهي الأمر بهم إلى أن يصيروا أساتذة القوم في الفتيا ومرجعهم في الخلاف، لا يتبرءون بذلك بل يتصدرون له؛ لأنهم يخشون على ألسنتهم من طول المكث في الحضر، فلا ينفكون يذاكرون الرواة؛ إذ لا يجدون غيرهم من سائر الناس، وهم الذين يسمونهم فصحاء الأعراب. ويبتدئ تاريخهم منذ مست الحاجة إليهم في الطبقة الثانية من الرواة عند تفريع النحو وقياسه كما أشرنا إليه، ولذا لم نر لأحد من هؤلاء الأعراب اسمًا مذكورًا قبل أبي خيرة وأبي الدقيش ورؤبة بن العجاج الراجز، وأبي المهدي وأبي المنتجع وأضرابهم ممن أخذت عنهم تلك الطبقة. ولما كثر تردد الأعراب على الرواة ومذاكرتهم إياهم، أقبل بعضهم على الطلب والرواية عن العلماء والتلمذة لهم؛ ولم نقف على أحد فعل ذلك قبل أبي مسحل الأعرابي الذي قدم من البادية وأخذ النحو عن الكسائي المتوفى سنة ١٨٩هـ، وروى شعرًا كثيرًا في الشواهد عن علي بن المبارك، ثم صنف في النوادر والغريب؛ أما قبل ذلك فكان فصحاء الأعراب إنما يلمون بالرواة إلمامًا، كالذين كانوا يقصدون منهم حلقة يونس بن حبيب بالبصرة، وكان بعضهم يقف على حلقة أبي زيد الأنصاري يسأله عن أشياء من العربية تظرفًا لا حاجة. ومتى طال مكث الأعرابي في الحضر ضعفت طبيعته ورق لسانه؛ فإذا آنس منه الرواة ذلك وضعوا له الأقيسة الفاسدة يمتحنونه بها كما مر في موضعه، وإذا وجدوه قد صار يفهم الكلام على

стр. 218

لحن أهل الحضر -فضلًا عن أن يحكيه مثلهم- نبذوه؛ لأن الأصل أن لا يفهم هذا اللحن إلا من زاوله ودار على سمعه حتى ألفه؛ وقال الجاحظ "توفي سنة ٢٥٥هـ": "إنهم لا يفهمون قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو...." ثم قال: "ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا وأشباهه، بهرجوه ولم يسمعوا منه؛ لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد وتنقض البيان؛ لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت واطردت وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة، لفقد الخطباء من جميع الأمم، ولقد كان بين يزيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد، على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة "تأمل" وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين". وقد سقنا مثلًا من أسئلة الأعراب في بعض الفصول التي تقدمت، ونسوق هنا بعضها توفية لفائدة هذا الفصل. وروى المبرد في "الكامل" أن الأصمعي شك في لفظ استخذى "خضع" وأحب أن يستثبت: أهي مهموزة أم غير مهموزة، قال: فقلت لأعرابي: أتقول استحذيت أم استحذأت؟ قال: لا أقولهما! فقلت: ولم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي "لا تخضع"! وقال الأصمعي لأعرابي: أتهمز الفارة؟ قال: تهمزها الهرة١. وقال الجاحظ: سمعت ابن بشير وقال له المفضل العنبري إني عثرت البارحة بكتاب وقد التقطته وهو عندي، وقد ذكروا أن فيه شعرًا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيدًا "مشكولًا". قال: والله ما أدري أكان مقيدًا أو مغلولًا.... قال الجاحظ: ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته. ومهما جهدت بالأعرابي أن ينطق بغير لحن قومه وإن كان أفصح منه، فإنه لا يستطيع إلا من ضعف؛ لأن تقليده في الصواب كتقليده في الخطأ واللغة إنما تؤخذ عن السليقة وهي سنة واحدة. قال الأصمعي: جاء عيسى بن عمر الثقفي ونحن عند أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو، ما شيء بلغني عنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب إلا المسك "بالرفع"، قال أبو عمرو: نمت وأدلج الناس! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع، ثم قال: قم يا يحيى، يعني اليزيدي، وأنت يا خلف، يعني خلف الأحمر، فاذهبا إلى أبي المهدي "أعرابي الحجاز" فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى أبي المنتجع "أعرابي تميم" فلقناه النصب فإنه لا ينصب. قال: فذهبا فأتيا أبا المهدي فإذا هو يصلي، فلما قضى صلاته التفت إلينا وقال: ما خطبكما؟ قلنا: جئنا نسألك عن شيء من كلام العرب، قال: هاتيا، فقلنا: كيف تقول ليس الطيب إلا المسك "بالرفع"؟ فقال: "تأمرني بالكذب على كبر سني"! فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل، قال

стр. 219

اليزيدي: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، فقال: هذا كلام لا دخل فيه، ثم أعادها بالنصب، فرفعها ثانية، فقال: ليس هذا لحني ولا لحن قومي. قالا: فكتبنا ما سمعنا منه، ثم أتينا أبا المنتجع فلقناه النصب وجهدنا به، فلم ينصب وأبى إلا الرفع. وإذا قال الأعرابي شعرًا وأخطأ فيه على مصطلح أهل العروض، وإن كان قد ذهب في نفسه مذهبًا، فهيهات أن يفهم الصواب أو يذكر الوجه الذي ذهب إليه إلا بالتلطف في سؤاله والحيلة على إفهامه. قال ابن جني في "الخصائص": أنشدنا أبو عبد الله الشجري لنفسه شعرًا مرفوعًا يقول فيه يصف البعير: فقامت إليه خدلة الساق أغلقت ... به منه مسمومًا دوينة حاجبه فقلت: يا أبا عبد الله، أتقول: دوينة حاجبه، مع قولك: مناسبه، وأشانبه؟ فلم يفهم ما أردت، فقال: كيف أصنع، أليس ههنا تضع الجرير على القرمة على الجرفة١؟ وأومأ إلى أنفه، فقلت: صدقت، غير أنك قلت أشانبه، وغالبه، فلم يفهم وأعاد اعتذاره الأول، فلما طال هذا قلت له: أيحسن أن يقول الشاعر: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء ومطلت الصوت "أي: مد الهمزة"، ثم يقول مع ذلك: ملك المنذر بن ماء السماء فأحس حينئذ وقال: أهذا ... ؟ أين هذا من ذاك؟ إن هذا طويل وذاك قصير. فاستروح إلى قِصَر الحركة في "حاجبه" وأنها أقل من الحروف في "أسماء، والسماء".

стр. 220

المحاكمة إلى الأعراب: وكان العلماء إذا اختلف ما بينهم في المناظرة وادعى كل منهم الفَلَجَ والظهور بالحجة والدليل، رجعوا في الحكم إلى منطق الأعراب ممن يصيبونهم من الفصحاء على أبواب الأمراء أو في المساجد أو في طرق السابلة. ولم تكن المحاكمة إليهم مقصورة على القياس وما يحتاج إلى المنطق الصحيح في التعيين صحته فحسب ولكنها كانت تكون أيضًا في معاني الألفاظ وما يدخله التصحيف، وخاصة أسماء الأمكنة والبقاع وما يجري مجراها من هذه الجوامد التي يعرفها الرواة عن سماع ويعرفها الأعراب عن يقين وعيان. قال أحمد بن يحيى: لقيني أبو محلم على باب أحمد بن سعيد بن مسلم ومعه أعرابي، فقال: جئتكم بهذا الأعرابي لتعرفوا منه كذب الأصمعي؛ أليس كان يقول في قوله: زوراء تنفر عن حياض الديلم ن الديلم الأعداء؟ فاسألوا هذا الأعرابي؛ فسألناه فقال: هي حياض بالغور قد أوردتها إبلي غير مرة. والأمثلة من هذا كثيرة. وأشهر ما عرف من محاكماتهم إلى الأعراب، المسألة الزنبورية التي اختلفت فيها سيبويه البصري والكسائي الكوفي١ بحضرة الرشيد، وقيل إنها كانت بين سيبويه والفراء بحضرة الرشيد، أو بحضرة يحيى بن خالد البرمكي؛ وذلك أن سيبويه قدم إلى بغداد، وكان الكسائي يعلم الأمين، وهو يومئذ رأس الكوفيين؛ فوفد سيبويه على يحيى بن خالد وابنيه جعفر والفضل، وعرض عليهم ما يذهب إليه من مناظرة الكسائي؛ فسعوا له في ذلك وأوصلوه إلى الرشيد، فكان فيما سأله الكسائي: كيف تقول: ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو: إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي؛ وأجاز الكسائي القولين: بالرفع والنصب "لأن نصب الخبر المعرفة

стр. 221

بعد "إذا" لا يجيزه إلا الكوفيون، ولم يأت عن العرب في سماع صحيح". ثم قال الكسائي: كيف تقول يا بصري: خرجت فإذا زيد قائم، أو: قائمًا؟ فقال سيبويه: أقول: قائم، ولا يجوز النصب. فقال الكسائي: أقول: قائم؛ وقائمًا. فقال يحيى "أو الرشيد": قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العرب ببابك، قد سمع منهم أهل البلدين؛ فيحضرون ويسألون. فجاءوا بالأعراب الذين كانوا بالباب يومئذ، وهم أبو فقعس، وأبو دثار، وأبو الجراح، وأبو ثروان؛ فوافقوا الكسائي؛ ويقال إنهم أرسوا على ذلك، أو أنهم علموا منزلة الكسائي عند الرشيد فنظروا إلى المنزلة، ويقال إنهم لم يزيدوا على أن قالوا في الموافقة: القول قول الكسائي، ولم ينطقوا بالنصب، وأن سيبويه قال ليحيى: مرهم أن ينطقوا بذلك فإن ألسنتهم لا تطوع به١. وكان الأمراء الذين يتولون الأمصار البعيدة عن البلدين يستقدمون إلى جهاتهم أعرابًا من الفصحاء، لتأديب أولادهم، وليأخذ عنهم علماء تلك الأمصار، ثم ليرجعوا إليهم في بعض ما يختلفون فيه. ومن أشهر أولئك الأمراء، عبد الله بن طاهر، فإنه لما ولي خراسان استقدم إليها جماعة، ذكروا من أسمائهم: أبا العميثل الأعرابي المتوفى سنة ٢٤٠هـ، وعوسجة, ولما ورد أبو سعيد اللغوي الضرير من بغداد على ابنه طاهر بن عبد الله، تأدب بهؤلاء الأعراب وأخذ عنهم. ومنذ القرن الخامس فسدت سلائق الأعراب في الحضر والبادية، ولم يعد العلماء يركنون إليهم في شيء إلا الاستئناس ببعض ما يسمعونه، وعز الظفر بالفصيح منهم الذي يرجع إلى نجره ويتساند إلى سليقته، حتى صار لقب الأعرابي مما يحرص عليه بعض الفصحاء من أهل العلم، يدعونه تميزًا به وإحياء للسنة العربية، كأبي محمد الأعرابي النسابة اللغوي المعروف بالأسود "وهو الذي كان يسند إلى أبي النداء كما مر"، فإنه تلقب بالأعرابي، وكان يتعاطى تسويد لونه بالقطران ويقعد في الشمس ليتحقق تلقيبه بذلك! وهذا الرجل هو آخر تاريخ الأعراب الفصحاء، لا يعرف معه أعرابي، ولا يعرف بعده من ادعى الأعرابية اللغوية٢.

стр. 222

بعض فصحاء العرب: وقد عقد ابن مريم في كتابه "الفهرست" فصلًا لأسماء أولئك الفصحاء الذين أخذ عنهم الرواة ودارت أسماؤهم في كتب القوم وفي خطوط العلماء. ولا يذهبن عنك أن جميع الأعراب إنما كانوا في العراق، وكان قليل منهم في الحجاز؛ لأن الرواية كانت قائمة بأهل هذين الصقعين، وهم لا يقيمون لعلماء الشام وزنًا، ولا يوثقون روايتهم إن لم تكن من ناحيتهم، ولهذا قل أن تجد لعلماء ذلك الشرق أعرابًا معروفين يختصون بالأخذ عنهم. بيد أن الجاحظ في بعض رسائله قد ذكر اسم عكيم بن عكيم الحبشي، وقال فيه: "كان أفصح من العجاج، وكان علماء أهل الشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق عن المنتجع بن نبهان. وكان المنتجع سنديا وقع إلى البادية وهو صبي فخرج أفصح من رؤبة ا. هـ. ولم نقف على اسم أعرابي انفرد أهل الشام بالأخذ عنه وحاكوا به أهل العراق، غير عكيم هذا. والمنتجع بن نبهان كان في القرن الثاني. وهذه أسماء المشهورين من أولئك الفصحاء، عن ابن النديم وغيره: الخثعمي، وكان راوية أهل الكوفة؛ وأبو خيرة العدوي؛ وأبو الدقيش؛ وكان من أفصح العرب؛ وأبو مهدية الأعرابي؛ وأبو المنتجع؛ وأبو البيداء الرياحي، وراويته أبو عدنان، وكان أبو البيداء حين نزل البصرة يعلم الصبيان بأجرة؛ وأبو طفيلة؛ وأبو حياة بن لقيط؛ والفقعسي محمد بن عبد الملك راوية بني أسد وصاحب مفاخرها وأخبارها، أدرك المنصور، وعنه أخذ العلماء مآثر بني أسد؛ وعبد الله بن عمرو أبي صبح، معاصر للفقعسي؛ وأبو مالك عمرو بن كركرة الأعرابي اللغوي صاحب النوادر، وكان يعلم في البادية ويورق في الحضر١؛ وأبو الجاموس ثور بن يزيد، وكان من أفصح الناس إنسانًا، وهو الذي أخذ عنه ابن المقفع الفصاحة وجرى في طريقته من البيان؛ وأبو سوار الغنوي؛ وأبو زياد الكلابي، قدم بغداد أياما المهدي فأقام بها، أربعين سنة؛ وأبو عرار العجلي؛ وأبو ثوابة الأسدي؛ وأبو ضمضم الكلابي؛ وعمرو بن عامر البهدلي، وقد أخذ عنه الأصمعي؛ وأبو شبل العقلي، وفد على الرشيد واتصل بالبرامكة؛ وأبو ثروان العكلي، وكان يعلم في البادية؛ وأبو فقعس؛ وأبو دثار؛ وأبو الجراح؛ وهؤلاء الأربعة هم الذين حكموا بين سيبويه والكسائي كما مر أبو العميثل؛ وعوسجة؛ وأبو مسهر الأعرابي؛ وأبو المضرحي؛ والحرمازي؛ وأبو الهيثم؛ وأبو المحبب الربقي؛ وأبو صاعد الكلابي؛ وأبو أدهم الكلابي؛ وأبو الصقر الكلابي؛ وأبو الصعق العدوي؛ والمفضل العنبري؛ ويزيد بن كثوة؛ وناهض بن ثومة الكلابي، وكان شاعرًا بدويا جافيًا كأنه من الوحش، وكان يقدم البصرة في منتصف القرن الثالث فيكتبون شعره ويأخذون عنه؛ وأبو السمح الطائي وهو ممن أحضر في أيام المعتز ليؤخذ عنه.

стр. 223

ومن أشهر الأعرابيات اللواتي أخذ الرواة عنهن وهن قليلات: غنية أم الهيثم الكلابية، وكانت راوية أهل الكوفة؛ وقريبة أم البهلول؛ وغنية أم الحمارس. وفيما قدمناه بلاغ، وبعض ما دون الاستقصاء في هذا الباب كفاية الباب كله.

стр. 224

الوضع والصنعة في الرواية ...

стр. 225

افتعال اللغة: قال الخليل بن أحمد: إن النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب، إرادة اللبس والتعنيت. وليس يخفى أنه لا سبيل إلى الوضع فيما يرجع من اللغة إلى الأقيسة المطردة، وإن وضع من ذلك شيء لم يجز على العلماء، وإنما الشأن في الغريب وما ينفرد به الرواية مما لا دليل على مثله إلا دعوى حامله، فإن قومًا يفتعلون من ذلك أشياء: كعَيْدَشون اسم دويبة، وصيدخون للصلابة والبد للصنم الذي لا يعبد، والبتش، وضهيد، وغنشج، وأمثالها١ يضعونها رغبة في الذكر بها، وأن يكون عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، والانفراد في اصطلاح الناس مَنْبَهة. ومن هذه الأشياء ما يقره الرواة إذا لم يجدوه مخالفًا لأبنية العرب ولم يعلموا على حامله سوءًا ولا كان ممن يتدينون بالكذب، كبعض فرق الروافض فإنه منهم من يضع الشعر ويضمنه شيئا من الغريب، ليقيم به حجة واهية، أو رأيًا متداعيًا، كما ستعرفه. وقد أفرد ابن جني بابًا في "الخصائص" لكلمات من الغريب لا يعلم أحد أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي، وثقاة الرواة كانوا يتثبتون في مثل هذا فينفرد الواحد بالكلمات القليلة ولكن مع شواهدها من كلام العرب، وهم لا يروونه مع ذلك على أنه من قول العرب الذي اجتمعت عليه، فإن هذا الضرب من الكلام المجمع عليه لا يكون إلا في المألوف، وفي الذي يسمع من الفصحاء خاصة، وعلى ذلك قول أبي زيد: "لست أقول: قالت العرب، إلا إذا سمعته من هؤلاء: بكر بن هوازن، وبني كلاب، وبني هلال، أو من عالية السافلة أو سافلة العالية٢؛ وإلا لم أقل: قالت العرب"! ولا يجيء بالغريب على أنه بسبيل من الكلام المجمع عليه إلا من أراد أن يستند بشروط الرواية فيلبس على الناس أمرهم، وهو يرمي بذلك إلى التزيد في علمه والتكثر بالباطل والتنبل عند الناس، وتراه إذا أورد الكلمة المفتعلة جعلها من سماعها وزينها بوجوه من الرواية، آمنًا أن ترد عليه أو يدعي فيها مدع؛ لأن البينة عليها منه، والحكم فيها إليه، إذ كان له سلف صدق من الرواة الذين انفردوا بالغرائب والنوادر، وقبل ذلك منهم وألحق بمادة اللغة، ولهذا وأشباهه من العلل كانوا يرجعون إلى الأعراب كما علمت. ولم يعرف أحد من الرواة كان يضع اللغة في القرن الأول، ولا في القرن الثاني، إلا ما يكون

стр. 226

من الكلمات التي يكذب فيها الأعراب١، أو توضع إرادة اللبس والتعنيت، وإلا ما يكون من خطأ بعضهم ومكابرته في الاحتجاج له، كما سيأتي مع نظائره في الكلام على وضع الشعر. وأول من رمي بافتعال اللغة وأنه يتعمد الصنعة فيها، محمد بن المستنير المعروف بقطرب، المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وكان يرى رأي المعتزلة النظامية، فأخذ عن النظام مذهبه: ولذا طرحوا لغته ولم يوثقوه في الرواية؛ قال يعقوب بن السكيت: كتبت عنه قمطرًا "أي: ملء صندوق"، ثم تبينت أنه يكذب في اللغة فلم أذكر عنه شيئًا. واتهموا بالصنعة وتوليد الألفاظ، ابن دريد صاحب الجمهرة المتوفى سنة ٣٢١هـ؛ لأنه كان مدمنًا للخمر لا يكاد يفتر عن ذلك. قال الأزهري اللغوي: وقد سألت عنه إبراهيم بن عرفة "يعني نفطويه" فلم يعبأ به ولم يوثقه في روايته٢. وكذلك اتهموا أبا عمرو الزاهد المعروف بغلام ثعلب، المتوفى سنة ٣٤٥هـ وكان واسع الحفظ جدا، حتى قيل إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة في اللغة وتلك لعمر الله مظنة. وكان بعض أهل الأدب يطعنون عليه ويضربون به الأمثال لوضعه وتلبيسه؛ فيقولون: لو طار طائر في الجو قال: حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئًا! ولكن أبا بكر بن الخطيب جعل مرد التهمة إلى سعة حفظه، ثم أثبت هذا الحفظ فنفى التهمة وقال: رأيت جميع شيوخنا يوثقونه ويصدقونه، وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر السائل أنه وضعه فيجيب عنه، ثم يسأل عنه بعد سنة فيجيب بذلك الجواب. ويروى أن جماعة من أهل بغداد اجتازوا على قنطرة الصراة وتذاكروا كذبه، فقال بعضهم: أنا أصحف له القنطرة وأسأله عنها فإنه يجيب بشيء آخر؛ فلما صرنا بين يديه قال له: أيها الشيخ، ما القنطرة عند العرب؟ فذكر شيئًا قد أنسيته، فتضاحكنا وأتممنا المجلس؛ فلما كان بعد شهر ذكرنا الحديث فوضعنا رجلًا غير ذلك فسأله فقال: ما القنطرة؟ قال: أليس قد سألت عن هذه المسألة منذ كذا وكذا فقلت هي كذا؟ فما درينا من أي الأضمين نعجب من ذكائه: إن كان علمًا فهو اتساع طريف، وإن كان كذبًا في الحال فحفظه فلما سئل عنه ذكر الوقت والمسألة فأجاب بذلك الجواب فهو أطرف.

стр. 227

وكان معز الدولة قد قلد شرطة بغداد غلامًا تركيا مملوكًا يعرف بخواجا، فبلغ أبا عمرو هذا وكان يملي كتاب "الياقوتة"، فلما جازه قال: اكتبوا "ياقوتة خواجا" الخواج في أصل اللغة الجوع؛ ثم فرع على هذا بابًا وأملاه؛ فاستعظم الناس كذبه وتتبعوه. وله مثل ذلك أشياء أضربنا عنها؛ فإن بين العلم المستطيل والحفظ المتسع موضعًا لبسط اللسان إذا أراد قائل أن يقول. وأشهر من عرف بافتعال اللغة في الإسلام قاطبة، أبو العلاء صاعد بن الحسن اللغوي البغدادي الذي ورد الأندلس في حدود سنة ٣٨٠هـ على المنصور بن أبي عامر؛ وكان يأخذ في طريق أبي عمرو المومأ إليه؛ لأنه نشأ والألسنة لا تزال تحكي عنه؛ ولذا نظروه في الأندلس في سرعة الجواب وقوة الاستحضار بأبي عمرو هذا في العراق؛ وادعى في الأندلس علم الغريب؛ وتنفق به عند المنصور بن أبي عامر، وعرض ما شاء من دعواه في الرواية والسماع من أئمة الرواة بالعراق، لضعف ذلك في الأندلسيين. قالوا: ودخل مرة على المنصور وفي يده كتاب ورد عليه من عامل له في بعض البلاد اسمه ميدمان بن يزيد يذكر فيه "القلب والتزبيل" وهي أسماء عندهم لمعاناة الأرض قبل الزرع؛ فقال له المنصور: أبا العلاء! قال: لبيك مولانا! قال: هل رأيت فيما وقع إليك من الكتب كتاب "القوالب والزوالب" لميدمان بن يزيد؟ قال: إي والله يا مولانا، رأيته ببغداد في نسخة لأبي بكر بن دريد بخط كأكرع النمل، في جوانبها علامات الوضاع؛ هكذا هكذا! فقال له: "أما تستحي أبا العلاء؟ هذا كتاب عاملي ببلد كذا إلخ، وإنما صنعت لك هذه الترجمة مولدة من هذه الألفاظ التي في هذا الكتاب ونسبته إلى عاملي لأختبرك! " فجعل يحلف له أنه ما كذب وأنه أمر وافق. وله من هذا كثير. وقال ابن بسام: إن المنصور أراه كتاب "النوادر" لأبي علي القالي، فقال: إن أراد المنصور أمليت على كتاب دولته كتابًا أرفع منه وأجل، لا أورد فيه خبرًا مما أورده أبو علي! فأذن له المنصور في ذلك وجلس بجامع مدينة الزاهرة على كتابه المترجم "بالفصوص" فلما أكمله تتبعه أدباء الوقت فلم تمر فيه كلمة صحيحة عندهم ولا خبر ثبت لديهم؛ وسألوا المنصور في تجليد كراريس بياض تزال جلدتها حتى توهم القدم، ففعل ذلك وترجم عليه: "كتاب النكت، تأليف أبي الغوث الصنعاني" فترامى عليه صاعد حين رآه وجعله يقبله وقال: إي والله، قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان؛ فأخذه المنصور من يده خوفًا أن يفتحه وقال له: إن كنت قد قرأته كما تزعم فعلام يحتوي؟ فقال: وأبيك لقد بعد عهدي به ولا أحفظ الآن منه شيئًا؛ ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر؛ فقال المنصور: أبعد الله مثلك؛ فما رأيت أكذب منك! وأمر بإخراجه وأن يقذف كتاب الفصوص في النهر١. وكان أبو صاعد هذا قوي البديهة في الشعر، يضع لسانه منه حيث يريد، وهو صاحب البيت

стр. 228

المشهور "بيت الخنفشار" الذي جرى في المتأخرين مثلًا مضروبًا في الكذب والوضع لما لا أصل له، وذلك أن المنصور قال له يومًا: ما الخنبشار١؟ فقال: حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب، وفي ذلك يقول شاعرهم: لقد عقدت محبتها بقلبي ... كما عقد الحليب الخنبشار وتوفي صاعد سنة ٤١٧هـ. وإنما كان كل ذلك قبل أن تجمع مفردات اللغة وتؤلف الأمهات والأصول وتشيع في أيدي الناس: "كالصحاح" للجوهري، و"التهذيب" للأزهري؛ ولم يوضع قبله كتاب أكبر ولا أصح منه؛ وذلك في أواخر القرن الرابع في المشرق؛ لأن الرجوع في اللغة كان إلى الرجال، وفيهم من علمت؛ أما بعد ذلك فلم يؤثر الافتعال شيئًا في اللغة، لسقوط الرواية فيها إلا من الكتب، كما أومأنا إليه في محله؛ وبهذا بطلت الصنعة وبطل تاريخها اللغوي.

стр. 229

وضع الشعر: والشعر هو عمود الرواية: عليه مدارها وبه اعتبارها؛ وقد كانت منزلته من العرب ما هي، إذ كان يتعلق بأنسابهم وأحسابهم وتاريخهم وما يجري مع ذلك، حتى كأنه الحياة المعنوية لأولئك القوم المعنويين، فلم يكن عجبًا أن يدور فيهم مع الشمس والريح، وأن تسخر له ألسنتهم فينصرفوا إلى قوله وروايته، حتى بلغ منهم مبلغه الذي نصفه لك في بابه إن شاء الله. وقد كان عند قدماء اليونان لبعض الأسباب المعنوية التي تشابهوا فيها هم والعرب رواة يتفرغون لنقل الشعر ويقومون في الناس على إنشاده ويروون قطعًا من التواريخ، وهم يسمونهم "RHAPSODIST" ومن أشهرهم في القديم رواة الإلياذة لهوميروس؛ على أن الفرق بين العرب واليونان في ذلك كالفرق بين أمة كلها شعراء بالفطرة، وأمة تميز الفطرة منها بعض شعراء. ولم يكن من سبب في جاهلية العرب يبعثهم على وضع الشعر ونحلته غير قائله وإرساله في الرواية على هذا الوجه؛ لأن شعراءهم متوافرون، ولأنهم لا يطلبون بالشعر إلا المحامد والمعاير، وقصارى ما يكون من ذلك أن يتزيد شاعرهم في المعنى ويكذب فيه إذا هو حاول غرضًا أو أراغ معنى مما تلك سبيله، وعلى أن ذلك لا يكون إلا في الأخبار التي تلحق بالتاريخ؛ لأن الشاعر موضع الثقة؛ وهو مصدر رواية في العرب، فإن أرسل القول أرسل معه التاريخ فيجريان معًا؛ وذلك كالذي ادعاه الأعشى في منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل، فإنهما تنافرا إلى هرم بن قطبة في خبر مشهور، فاحتال لهما حتى رضيا بحكمه جميعًا؛ إذ كره أن يفضل أحدهما على الآخر وهما ابنا عم فيوقع بذلك عداوة بين الحيين؛ فوصفهما بأنهما في المنزلة كركبتي البعير الأردم: تقعان إلى الأرض معًا. ولكن الأعشى ادعى أنهما حكما هرمًا، وأنه حكم لعامر على علقمة، وقال في ذلك بعض قصائده وأشاعها في العرب، فلبس على الناس؛ وإنما جاء هذا الإفك؛ لأنه كان ممن ثار مع عامر، وكان قبل ذلك حين رجع من عند قيس بن معديكرب بما أعطاه، طلب الجوار والخفرة عن علقمة فلم يكن عنده ما طلب، وأجاره وخفره عامر حتى أداه وماله إلى أهله. وهذا التزيد هو الذي يسميه الرواة أكاذيب الشعراء, أما أن يكون في عرب الجاهلية من يصنع الشعر وينحله غيره على نحو ما كان في الإسلام، فذلك ما لا نعلمه ولا نظنه كان ألبتة١. ولما جاء الإسلام واندفع به العرب إلى الفتوح، اشتغلوا عن الشعر بالجهاد والغزو حينًا من

стр. 230

الزمن؛ فلما راجعوا روايته بعد ذلك وقد أخذ منهم السيف والحيف وذهب كثير من الشعر وتاريخ الوقائع بذهاب رواته. صنعت القبائل الأشعار ونسبتها إلى غير أهلها، تتكثر بها وتعتاض مما فقدته؛ وكان في العرب قوم آخرون قلت وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بذوي الكثرة من ذلك، وإنما العزة للكاثر؛ فقالوا على ألسن شعرائهم ما لم يقولوه وأخذه عنهم الرواة. وأول القبائل التي وضعت الشعر في الإسلام، قريش، وكانت أقل العرب شعرًا وشعراء -لأسباب نذكرها في الكلام على الشعر- فإنها لما تعاضهت واستبت وكذب بعضها على بعض أول العهد بالإسلام حين كان منها المسلمون ومنها القاسطون ومنها دون ذلك، وضعوا على حسان بن ثابت أشعارًا كثيرة لا تليق به ولا تجوز عليه، وما نرى العرب إلا أخذت أخذها في ذلك من بعد. ولما كانت الرواية العلمية في القرن الثاني وشمر الرواة في طلب الشعر للشاهد والمثل، استفاض الوضع في العرب وتفرغ قوم لذلك: كمحمد بن عبد الملك الفقعسي راوية بني أسد الذي وضع للرواة أشعارًا كثيرة أدخلها في روايته عن قومه. وإن أشد ما كان يعضل بالرواة يومئذ أن يقول الرجل من ولد الشعراء في العرب عن لسان أبيه تكثيرًا لشعره، فإن هذا كان مما يشكل عليهم؛ لأنهم لا يميزون أكثر الشعراء إلا بالنسبة، وهي محمل الصدق والكذب، أما الصنعة الشعرية فقلما تختلف في أشعار العرب اختلافًا يظهر لأولئك الرواة إلا في القليل من صنعة الفحول المتقدمين. وكان القوم إذا تعلقوا برجل من ولد الشعراء وألحوا عليه في السماع، ورغبوا في شعر أبيه دونه، فكثيرًا ما يفعل بهم مثل ذلك، ومن هؤلاء داود بن متمم بن نويرة الشاعر، قال أبو عبيدة: إنه قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة، قال: فأتيته أنا وابن نوح، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته؛ فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله. شعر الشواهد: وهو النوع الذي يدخل فيه أكثر الموضوع، لحاجة العلماء إلى الشواهد في تفسير الغريب ومسائل النحو؛ وقد اشترط ذلك علماء المصرين: "البصرة والكوفة" بعد أن قامت المناظرات بينهم في فروع النحو ومسائله، وكانوا يستشهدون على ذلك بأشعار الطبقتين من الجاهليين والمخضرمين، ثم اختلفوا في الإسلاميين كجرير والفرزدق، وأكثرهم على جواز الاستشهاد بأشعارهم. وكان أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن إسحاق، والحسن البصري، وعبد الله بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم، ويعدونهم من المولدين الذين لا يستشهد بكلامهم؛ قال الأصمعي: جلست إلى أبي عمرو عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. وأبو عمرو هذا كان يقول في شعر تلك الطبقة: لقد حسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته! وللعلماء كلام كثير في الطبقات التي يجوز الاستشهاد بأشعارها من أهل الحضر، ولكن الثقات منهم مجمعون على أن ذلك لا يتجاوز نفرًا من طبقة المحدثين ممن ينتسبون في العرب، ونقل ثعلب

стр. 231

عن الأصمعي أنه قال: ختم الشعر بإبراهيم بن هرمة وهو آخر الحجج, وتوفي ابن هرمة بعد الخمسين ومائة، وهو من مخضرمي الدولتين: الأموية والعباسية١. أما ما يذهب إليه بعضهم من أن سيبويه احتج بشعر بشار بن برد، فالخبر في ذلك أن سيبويه عاب أحرفًا على بشار ونسبه فيها إلى الغلط: كالوجلى من الوجل وجمع نون "أي: الحوت" على نينان؛ فهجاه بشار، قال أبو حاتم: فتوفاه سيبويه بعد ذلك، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدًا من شعر بشار احتج به استكفافًا لشره! "وتوفي بشار سنة ١٦٨هـ وقد نيف على التسعين". وشعر الشواهد في اصطلاح الرواة على ضربين: شواهد القرآن، وشواهد النحو؛ أما الأولى فكثيرة، وقد تقدم ما رووه من حفظ ابن الأنباري فيها، ولا يبالي الرواة في هذه الشواهد إلا باللفظ، فيستشهدون بكثير من كلام سفهاء العرب وأجلافهم، ولا يأنفون أن يعدوا من ذلك أشعارهم التي فيها ذكر الخنى والفحش؛ لأنهم يريدون منها الألفاظ وهي حروف طاهرة؛ وقد روى أبو حاتم عن الجرمي أنه أتاه أبو عبيد معمر بن المثنى الراوية بشيء من كتابه في تفسير غريب القرآن الكريم، قال الجرمي: فقلت له: عمن أخذت هذا يا أبا عبيدة، فإن هذا تفسير خلاف تفسير الفقهاء؟ فقال: هذا تفسير الأعراب البوالين على أعقابهم، فإن شئت فخذ وإن شئت فذر! وأما شواهد النحو فأوسع الناس حفظًا لها فيما وقفنا عليه: خلف الأحمر النحوي المتوفى سنة ٢٠٧هـ، وهو مؤدب الأمين ابن الرشيد؛ قال ثعلب: إنه كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب؛ وأبو مسحل الأعرابي الذي أخذ عن الكسائي، قالوا إنه روى عن علي بن المبارك أربعين ألف بيت شاهد على النحو. وقد قلت شواهد النحو واللغة بعد ذهاب الرواة وعفاء مجالسهم، حتى صارت تشبه الآثار التاريخية في الضن بها والحرص عليها وتداولها كما هي؛ لأن قيمتها في نفس الحالة التي هي عليها؛ ومنشأ ذلك من تناقل الكتب بالرواية والاقتصار على ما فيها من مبالغة في تحقيق الإسناد العلمي؛ ولم يشتهر أحد في المتأخرين بالإكثار من تلك الشواهد والاتساع في حفظها كابن مالك النحوي الشهير صاحب الألفية المتوفى سنة ٦٧٢هـ، وكان قد أخذ العلم بنفسه وليس له في الانتماء ما لغيره من العلماء٢؛ قال الذهبي في ترجمته: "وأما أشعار العرب التي يستشهدون بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون ويتعجبون من أين يأتي بها" وهذه العبارة وحدها كافية في الوصف التاريخي الذي نحن فيه. والكوفيون أكثر الناس وضعًا للأشعار التي يستشهد بها؛ لضعب مذاهبهم وتسلقهم على الشواذ واعتبارهم منها أصولًا يقاس عليها؛ مجاراة عليها؛ مجاراة لما فيهم من الميل الطبيعي إلى الشذوذ كما

стр. 232

سنبينه، قال الأندلسي في شرح المفصل: "والكوفيون لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا وبوبوا عليه، بخلاف البصريين" وأول من سن لهم هذه الطريقة شيخهم الكسائي، قال ابن درستويه: كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه، فأفسد النحو بذلك. ولهذا وأشباهه اضطر الكوفيون إلى الوضع فيما لا يصيبون له شاهدًا إذا كانت العرب على خلافهم؛ وتجد في شواهدهم من الشعر ما لا يعرف قائله؛ بل ربما استشهدوا بشطر بيت لا يعرف شطره الآخر، كالشاهد الذي يحتجون به على جواز دخول اللام في خبر لكن، وهو قول القائل المجهول: ولكنني من حبها لعميد واستمروا على الوضع حتى بعد أن استبحرت الرواية في أواخر القرن الثالث؛ قال المبرد المتوفى ٢٨٥ وهو من البصريين: قال لي أبو عكرمة الضبي: ما يساوي نحوك عند ابن قادم شيئًا! "وابن قادم من الكوفيين" قلت: كيف؟ قال: لأن له لغة بخلاف هذه، وشواهد من الشعر عجيبة, فجعل ينشدني ويحدثني ويضحك، فكان من ذلك أن قال لي: سمعته يقول: أرز، ورنز؛ ثم أنشد: قربا يا صاح رنزه ... واجعل الأصل إوزه واصفف القينات حقا ... ليس في القينات عزه فقلت له: من يقول هذا؟ قال: بعض العرب المتحضرة، فقلت: بل بعض النبط المتقذرة. ا. هـ. ومن أجل هذا وأمثاله كان البصريون يغتمزون على الكوفيين فيقولون: نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز والكواميخ١. على أن البصريين وإن تثبتوا في أشعار الشواهد فقد وقع لهم أشياء من الموضوع وجازت عليهم، وهذا سيبويه الذي سمي كتابه "قرآن النحو" وقيل فيه إن شواهده أصح الشواهد؛ سأل اللاحقي: هل تحفظ للعرب شاهدًا على إعمال فُعِلٌ "الصفة"؟ قال اللاحقي: فوضعت له هذا البيت: حذر أمورًا لا تضير، وآمن ... ما ليس منجيه من الأعداء وقال المبرد في "الكامل"٢: وقد روى سيبويه بيتين محمولين على الضرورة وكلاهما مصنوع، وليس أحد من النحويين المفتشين يجيز مثل هذا في الضورة ... والبيت الأول: هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا يومًا من الأمر معظما والثاني:

стр. 233

ولم يرتفق والناس محتضرونه ... جميعًا وأيدي المعتفين رواهقه وقال الحرمي: في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتًا، سألته عنها فعرف ألفًا ولم يعرف الخمسين١. أما شواهد اللغة والغريب فلم يحصها الرواة؛ لأن مادتها أكثر شعر العرب، ولأن اللغة لم تكن علمًا برأسه. شواهد أخرى: وهنا ضرب ثالث من الشواهد نشأ في القرن الثالث، وهو ما يولده بعض المعتزلة والمتكلمين للاستشهاد به على مذاهبهم، وكان رواية الشعر فيهم يومئذ عامة؛ قال ابن قتيبة في "التأويل": وفسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يرده إلى مذاهبهم ويجعلوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر: ولا يكرسئ علم الله مخلوق٢ ونقل الجاحظ في "الحيوان" أنهم يدفعون أن الرجوم كانت حجة للنبي ﷺ ، واحتجوا على ذلك بأن عرب الجاهلية رأت الرجوم, ووضعوا أشعارًا في ذلك منها ما نسبوه لأوس بن حجر، وهو قوله: فانقض كالدري من منحدر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم قال الجاحظ: فخبرني أبو إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخر لأسامة صاحب روح بن همام وهو الذي كان ولدها. ونجتزئ من الكلام عن شعر الشواهد بهذا المقدار؛ لأنه جماع الباب كله على كثرة شواهده، ونوفر فوائده.

стр. 234

الرواة الوضاعون للشعر مدخل ... الرواة الوضاعون للشعر: وكان من الرواة قوم انفردوا بعلم قبائل العرب وأشعارها وأخبارها وما إليها. وغلب ذلك عليهم حتى لم تكن إليهم حاجة إلا فيه؛ وهؤلاء هم الذين فتقوا بألسنتهم هذه الفتوق في الأدب؛ وليس يخفى أن الحاجة وسيلة إلى الاختراع، وأن من كثرت إليه الحاجة في أمر من الأمور كان خليقًا أن يكون رأس هذا الأمر والغاية فيه، وهيهات هيهات لذلك إلا إذا استبد بفنه وأحكمه بأسره ووجد الناس عنده منه ما لا يجدون عند غيره. وقد كانت علوم أولئك النفر قاطبة تدور على الخبر والشعر، وليس في ذلك عندهم أكثر من الاستمتاع باللفظ الحسن والمعنى الطريف، مما لا يبنى عليه دين ولا يدخل الناس منه في خرج ولا يكون به من بعد إلا إفساد التاريخ العربي، وأهوِن بذلك ما دام هذا التاريخ قائمًا بالتأويلات والمفاخرات والمناشدات، وبكل ما نسخه الإسلام أو أنساه أو جاء بخير منه، وليست الغاية من أكثره إلا ضربًا من السمر ونوعًا من لهو الحديث، وقد تزيد فيه العرب أنفسهم وهم مصدر الرواية وقدوة الرواة١. وهذا هو السبب في أنك لا تكاد تجد للجاهلية تاريخًا صحيحًا، ولا ترى فيما تتصفحه إلا التكاذيب والمبالغات وما يتصل بها؛ لأن مثل هذا العلم قريب أسباب المطعمة لا يكف عنه يأس ولا يدفع دونه عي، ما دام قد تعاطاه أمثال أولئك الرواة من كل بصير بمذاهبه متحقق بمناقبه؛ ومن حذق شيئًا لم يصبر عن الزيادة منه. فأما الأخباريون الوضاعون فستعرف أمرهم، وأما أهل الشعر فهم يضعون منه لثلاثة أغراض: للشواهد على العلوم -وقد مر الكلام عليها- والشواهد على الأخبار، والاتساع في الرواية.

стр. 235

الشواهد على الأخبار: وقد نشأ هذا النوع من الاستشهاد بالشعر على التفسير والحديث وعلى كل ما قدمت به الرواية في الصدر الأول، حتى قر في أوهام الناس أن ما لا شاهد له من كلام العرب لا ثقة به كائنًا ما كان علمًا أو خبرًا؛ وكانت الأمة لا تزال على إرث الفطرة العربية في اعتبار الشعر وتمجيده والاهتزاز له، ثم كان ذلك عاما في سواد الناس من الخلفاء فمن دونهم، فلما كثر القصاصون وأهل الأخبار اضطروا من أجل ذلك أن يصنعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير حتى يلائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب الطرق إلى أفئدة العوام، فوضعوا من الشعر على آدم فمن دونه من الأنبياء وأولادهم وأقوامهم، وأول من أفرط في ذلك محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة المتوفى سنة ١٥٠هـ، وكان من علماء السير والمغازي٢، فكان الناس يعملون له الأشعار فيحمل منها كل غثاء، ويعقد قوافيها على الهواء، وقد كتب في السيرة من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود فكتب لهم أشعارًا كثيرة، حتى صار فضيحة عند علماء السير ورواة الشعر، وكان في عصره جماعة من القصاصين يأتون بمثل تلك الأشعار على وهنها وتداعيها ويعزونها إلى القدماء، ثم يزعمون أنهم أخذوها من الصحف ويروونها للأمم البائدة وغيرهم، فكان راوية ذاك العصر أبو عمرو بن العلاء يقول: لو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق ومثل ما يروي الصحفيون ما كانت إليه حاجة ولا كان فيه دليل على علم.

стр. 236

شعر الجن وأخبارها: والقصاصون إنما قلدوا في ذلك الأعراب وذهبوا مذاهبهم، فللأعراب شعر كثير يزعمونه للجن ويعقدون له الأخبار، وقد تناقله عنهم الرواة وتظرفوا به في الأحاديث، وأمثلته كثيرة. وكان أبو إسحاق المتكلم، من أصحاب الجاحظ، يقول في الذي تذكر الأعراب من عزيف الجان وتغول الغيلان: "أصل هذا الأمر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا ببلاد الوحش عملت فيهم الوحشة، ومن انفرد وطال مقامه في الفلاة والخلاء والبعد عن الإنس، استوحش، ولا سيما مع قلة الاشتغال والمذاكرين؛ والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى وبالتفكير؛ والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة، وقد ابتلي بذلك غير حاسب.... وخبرني الأعمش أنه فكر في مسألة فأنكر أهله عقله حتى حموه "من الحمية" وداووه؛ وقد عرض ذلك لكثير من الهند، وإذا استوحش الإنسان مثل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرق ذهنه وانتفضت أخلاطه، فيرى ما لا يرى ويسمع ما لا يسمع، ويتوهم على الشيء الصغير الحقير أنه عظيم جليل، ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرًا تناشدوه، وأحاديث توارثوها فازدادوا بذلك إيمانًا ونشأ عليه الناشئ وربي به الطفل، فصار أحدهم حين يتوسط الفيافي وتشتمل عليه الغيطان في الليالي الخنادس، فعند أول وحشة أو فزعة وعند صياح يوم ومجاوبة صدى، تجده وقد رأى كل باطل وتوهم كل زور، وربما كان في الجنس وأصل الطبيعة نفاجًا كذابًا وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشعر على حسب هذه الصفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان، وكلمت السعلاة؛ ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: قتلتها! ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها! ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوجتها.... ومما زادهم في هذا الباب وأغراهم به ومد لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيا مثلهم، وإلا غبيا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يوجب التكذيب أو التصديق أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط؛ وأما أن يلقوا راوية شعر أو صاحب خبر، فالرواة عندهم كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أظرف عندهم، وصارت روايته أغلب ومضاحيك حديثه أكثر! ". والأمر قريب مما قاله أبو إسحاق؛ فإن أخبار الجن لا تعرف إلا عن رجل من الأعراب أو رجل من الرواة الذي يقصون للعامة وأشباه العامة، وقد يأتي القليل من ذلك عن الراوية الثقة يريد به الإغراب في حديث إن جاء به، وشعر إن أنشده، ليدير الكلام على روعة توكد معناه وتجعله ظريفًا

стр. 237

غريبًا؛ فكأنه يستعين على بيان غرضه بضرب من التخييل، كما يستعين الكاتب أو الشاعر بمثل من المجاز. ولقد أفرط رواة الإسلام من أهل الأخبار في مزاعمهم عن الجن، ونسبوا إليها كل غريب وكل عظيم؛ لأنها مظنة كل ذلك في أوهامهم؛ وقفّى على آثارهم جماعة من المتصوفة، حين عينوا أول من أسلم من الجن؛ وهو بزعمهم "هامة بن الهام بن لاقيس بن إبليس" وأول نبي أرسل إلى الجبن فيما قالوا "عامر بن عمير بن الجان" فقتلوه وقتلوا بعده ٨٠٠ نبي! والغرائب من هذا النمط كثيرة، وما نراها استفاضت في الإسلام إلا بعدما ذكره جهلة المفسرين وأهل القصص ممن تكلموا في تفسير ما ورد في القرآن الكريم من الإشارة إلى الجن، أو ما جاء من ذلك في الحديث الشريف أو ما يشبه ذلك١، ولا بد لكل كلام عندهم من شعر يستشهد به على ما عرفت، ولا أبلغ في ذلك ولا أدعى إلى الرضى من شعر الجن أنفسهم؛ وقد سبقهم إلى بعضه الأعراب؛ فلم يبق إلا أن ينفوا عنه تلك اللوثة الأعرابية، ويرققوا حواشيه ويلائموا بينه وبين ما هم بسبيله من العلوم القديمة التي ادعى غيرهم من أهل الكتاب أن بعضها إلهي نزل من السماء، وادعوا هم أن سائرها شيطاني خرج من الأرض. على أن نادرة النوادر من ذلك، في التاريخ العربي كله، إنما هو ما جاء به أبو السري سهل بن أبي غالب الخزرجي الشاعر المفلق الذي كان في أواخر القرن الثاني، فإنه نشأ بسجستان، ثم ادعى رضاع الجن وأنه صار إليهم، ووضع كتابًا ذكر فيه أمر الجن وحكمتهم وأنسابهم وأشعارهم، وزعم أنه بايعهم للأمين بن هارون الرشيد بالعهد، فقربه الرشيد وابنه الأمين وزبيدة أم الأمين، وبلغ معهم وأفاد منهم؛ ثم جعل يتنفق عندهم بما يضعه من الشعر الجيد على ألسنة الجن والشياطين والسعالي، وقال له الرشيد: إن كنت رأيت ما ذكرت فقد رأيت عجبًا، وإن كنت ما رأيته فقد وضعت أدبًا! ولكل ما أومأنا إليه في هذا الفصل أمثلة كثيرة من الشعر والخبر: أضربنا عنها خوف الإطالة بما لا طائل تحته، ولو كان فيها شيء غير إنسي لجئنا به ... أما ما يتعلق بزعمهم في شياطين الشعراء فقد أمسكنا الكلام عند إلى بابه، فإن له ثمة موضعًا.

стр. 238

الاتساع في الرواية: وهو سبب من أسباب الوضع، يقصد به فحول الرواة أن يتسعوا في روايتهم فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من أبوابها؛ ولذا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها، ويزيدون في قصائدهم التي تعرف لهم، ويدخلون من شعر الرجل في شعر غيره، هوى وتعنتًا؛ ورأس هذا الأمر حماد الراوية الكوفي المتوفى سنة ١٥٥هـ، وقد لقب بالراوية لهذا الاتساع. قال المفضل الضبي: سُلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا! فقيل له: وكيف ذلك، أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان ذلك؛ فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم؛ فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد؛ وأين ذلك١؟ وكان حماد أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، فلا جرم أنه كان رأس الوضاعين لما يقتضى لصنعة الجمع الذي يراد به الاتساع والاستئثار من الزيادة في شعر المقل حتى يكثر، ونسبة ما يكون للخامل من الشعراء إلى المشهور حتى يروى شعره، ونحو ذلك. وكان حماد يضع من الشعر ليقربه إلى بعض الأمراء زلفى، كالذي حدثوا به عن يونس، قال: قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، فقال: ما أطرفتني شيئًا! فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة في مديح أبي موسى فقال: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به، وأنا أروي شعر الحطيئة؟ ولكن دعها تذهب في الناس٢! وكان أبو موسى جد بلال! لأن أبا بردة ابنه. وأخذ في مذهب حماد خلف الأحمر المتوفى سنة ١٨٠هـ، وهو أول من أحدث السماع بالبصرة فيما سمعه من حماد كما مر؛ وقد سلك في البصريين مذهب حماد في الكوفيين؛ غير أن أكثر ما وضعه من الشعر إنما خص به أهل الكوفة فرووه عنه؛ وكان خلف أفرس الناس ببيت شعر، وأعلمهم بمذهب الشعراء ومعانيها، وأبصرهم بوجوه الاختلاف بين ما يتميز به شاعر وشاعر؛ فإذا عمد إلى المحاكاة فيما يضعه أشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يصنع عليه؛ حتى لا يتميز منه، وحتى لا يكون من الفرق بينهما إلا فرق التعدد الطبيعي الذي لا يدرك في الجوهر الواحد، كالفرق بين الروح والروح. وكان نفاذه في ذلك سريعًا بمقدار ما أوتي من سرعة البديهة ودقة الحسن البياني، حتى ضربوا به المثل؛ وهو في باب معاني الشعر ومذاهب الشعراء معلم أهل البصرة جميعًا. ولا يصدرون الرأي في شعر دونه، حتى إن مروان بن أبي حفصة لما مدح المهدي بشعره السائر الذي أوله: طرقتك زائرة فحي خيالها

стр. 239

أراد أن يعرضه على نقاد البصرة، فدخل المسجد الجامع فتصفح الحلق، فلم ير حلقة أعظم من حلقة يونس النحوي، فجلس إليه فعرفه خبره، ثم استأذنه أن يسمعه، فقال يونس: يابن أخي، إن هنا خلفا، ولا يمكن أحدنا أن يسمع شعرًا حتى يحضر؛ فإذا حضر فأسمعه. وقد وضع خلف قصائد عدة على فحول الشعراء، ذكروا منها قصيدة الشنفرى١ المشهورة بلامية العرب التي أولها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل وما أشبه أن تكون القصيدة أو أكثرها كذلك. وقال الأصمعي: سمعت خلقًا يقول: أنا وضعت على النابغة هذه القصيدة التي فيها: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وهو من أبيات الشواهد؛ وله قصائد أخرى نص على بعضها العلماء وبينوا أنها مصنوعة، وقد وضع على شعراء عبد القيس شعرًا كثيرًا؛ وقال الجاحظ إنه هو الذي أورد على الناس نسيب الأعراب، وهذا النسيب من أرق الشعر قاطبة وما أحراه أن يكون مصنوعًا! ثم قالوا: إن خلفًا نسك في آخر أيامه فخرج إلى أهل الكوفة فعرفهم الأشعار التي أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة! فبقيت الأشعار على حالها؛ إذا كان الأمر قد مضى لوجهه، وهكذا لا يملك الإنسان من آخره الكذب ما يملك من أولاه. وإنما امتاز أهل الكوفة بكثرة الشعر والاتساع في روايته؛ لأن ذلك ميراث فيهم منذ نزلها العرب، حتى إن عليا كرم الله وجهه لما رجع بهم من قتال الخوارج على أن يستعدوا لقتال أهل الشام، ثم تخاذلوا عنه, لم ير أبلغ في ذمهم من صفة التشاغل بالشعر، فقال في خطبته حين خطبهم: "إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حِلقًا عزين "جماعات"، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار؛ تربت أيديكم، وقد نسيتم الحرب واستعدادها، وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل..". وكان الشعر علم أهل الكوفة حين كانت العربية علم أهل البصرة؛ لأن العربية لم تكثر عند أولئك إلا بآخرة كما سنبينه بعد، وللكوفيين رواية قديمة في الشعر، وكان الخثعمي راويتهم فيه قبل حماد، ومعه أبو البلاد الكوفي، وهما في خلافة عبد الملك بن مروان، ولم يشتهروا برواية الشعر إلا في أيامهما. بيد أن حمادًا جعل لامتياز الكوفيين بالشعر أصلًا تاريخيا؛ فزعم أن النعمان بن المنذر أمر فنسخت له أشعار العرب في الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد

стр. 240

الثقفي١ قيل له إن تحت القصر كنزًا، فاحتفره فأخرج تلك الأشعار، قال: فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة. ولما اشتغل هؤلاء الكوفيون بعلم العربية، وكان في طبعهم الشذوذ كما ستعرفه، سهل عليهم قبول الشواذ، ولم يتحرجوا من الصنعة للاستشهاد؛ لأن الصنعة من شذوذ الرواية أيضًا، فزاد ذلك في الشعر عندهم، ومن أشهر رواتهم بعد حماد، خالد بن كلثوم الكلبي، وله صنعة في الأشعار المدونة على القبائل، وقد ألف فيها كتابًا، وأبو عمرو الشيباني المتوفى سنة ٢٠٦هـ وقد جاوز المائة بعقد، وعنه أخذت دواوين أشعار القبائل كلها، وقد جمع نيفًا وثمانين قبيلة. وليس في الرواة جميعًا من يداني حمادًا وخلفًا في الصنعة وإحكامها، فهما طبقة في التاريخ كله، وإنما يكون لغيرهما البيت الواحد والأبيات القليلة مما لا تفتضح صنعته، يضعونه لتوجيه الحجة وتزيين الخبر ونحو ذلك، ومن هؤلاء أبو عمرو بن العلاء، قال: ما زدت في شعر العرب إلا بيتًا واحدًا، يعني ما يروى للأعشى من قوله: وأنكرتني، وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا٢ وهو من أبيات الشواهد, ومنهم الأصمعي، وأبو عبيدة، واللاحقي، وقطرب، وغيرهم. وقد يجد الرواة للشاعر الأبيات الحسنة في المعنى الجيد وهي تحتمل الزيادة، فيصنعون عليها ويولدون حتى تبلغ قصيدة، أبيات الطيرة للحارث بن حلزة, وهي أربعة أبيات ولكنهم جعلوها قصيدة طويلة. قال أبو عبيدة: أنشدنيها عمرو، وليست إلا هذه الأبيات وسائر القصيدة مصنوع مولد، وتلك قوله: يا أيها المزمع ثم انثنى ... لا يثنيك الحادي ولا الشاحج ولا قعيد أعضب قرنه ... هاج له من مربع هائج بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج يترك ما رقح من عيشه ... "يعيش منه"٣ همج هامج٤

стр. 241

وقد يزيدون في القصيدة ويبعدون بآخرها متى وجدوا لذلك باعثًا، كقصيدة أبي طالب التي قالها في النبي ﷺ ، وهي مشهورة، أولها: خليلي ما أذني لأول عاذل ... بصغواء في حق ولا عند باطل قال ابن سلام: زاد الناس في قصيدة أبي طالب وطُوّلت بحيث لا يُدرى أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها فقلت صحيحة، فقال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا، قلنا: وإنما طولت هذه القصيدة معارضة للطوال المعروفة "بالمعلقات" حتى لا يكون من شعر الجاهلية ما هو خير مما قاله عم النبي ﷺ ؛ ولكن في أصلها أبياتًا هاشمية تفي بكثير من الطوال. ولما كان علم العرب كله في البصرة والكوفة بعد أن نشأت الرواية لم يكن الناس يأبهون لما يظهر في غيرهما؛ فكانت تسقط أخبار الوضاعين في الأمصار لذلك، إلا قليلًا يأتي عن بعض علماء البلدين، كالذي ذكره الأصمعي، قال: أقمت بالمدينة زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة، إلا مصحفة أو مصنوعة؛ وكان بها ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر وكلامًا ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخبت روايته؛ وهو عيسى بن يزيد، يكنى أبا الوليد، وكان شاعرًا وعلمه بالأخبار أكثر. ولما فشا أمر الصنعة في الشعر، جعل المتأخرين يضعون القصيد والرجز وينسبونه لمن اشتهروا بالوضع من المتقدمين، كخلف؛ أو بالاتساع في الرواية، كالأصمعي؛ لأن من أجاز على الناس أجاز الناس عليه. وما ظالم إلا سيبلى بأظلم وأخذ القصاص أيضًا في هذه الناحية، فصنعوا الأخبار الكثيرة وأسندوها إلى علماء الأنساب والأخباريين، ليعطوها بذلك معنى التاريخ الذي تثبته الرواية.

стр. 242

ضرب من الوضع: وضرب آخر من الوضع سنه الأدباء فيما يتكلفون له من الشعر والرسائل والخطب١، إذ عرضوا ذلك يطلبون فيه رأي النقادين وأهل البصر بالكلام، وأن يعرفوا موقع ما يأتون به من الاستحسان، ومبلغ تجرد الهوى في الحكم عليه. قال الجاحظ يزين هذه الطريقة: "فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتنسب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة أو حبرت خطبة أو ألفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، وعجبك بثمرة عقلك، إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فيخرج عندهم مخرج المتروك وينتفي منه قائله ولا ينفيه، فعسى أن يكون فيمن سمعه من يحفظه مدخولًا، أو يرويه منحولًا، ويجريه مع سائر القصيدة أو الخطبة أو الرسالة -إن كان في شيء من ذلك- على أنه بعضه، أو يحفظ نسبته إن كان في كلام متفرق، ويكون ذلك سبب وضعه، ثم يمر في الأفواه فتصقله، ويلقيه الزمن بعد ذلك لمن ينقله؛ ولا شك عندنا أن مثل هذا في تاريخ الوضع قول ومذهب.

стр. 243

التعليق على الكتب: وههنا نوع من الرواية الموضوعة كان يذهب إليه بعض المتأخرين؛ وذلك أن الواحد منهم ربما ألحق الأبيات للشاعر المتأخر ببعض العرب ويعلق ذلك على كتاب عنده، أو ينحل الشاعر أبياتًا لغيره ثم يدسها في ديوان شعره، على أن يكون هذا مما يكاد به لذلك الشاعر، حسدًا له، ونفاسة عليه، أو عبثًا يلهو به من يفعل ذلك، أو لسبب مما يجري هذا المجرى، وقد اختلف العلماء في أشباه من هذا الجنس، قال المعري في كتاب "عبث الوليد" وحكى بعض الكتاب أنه رأى كتابًا قديمًا قد كتب على ظهره: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ثعلب: من الجآذر في زي الرعابيب١ وذكر خمسة أبيات من أول هذه القصيدة، وهذا كذب قبيح وافتراء بين، وإنما فعله مفرط الحسد، قليل الخبرة بمظان الصواب، غرضه أن يلبس على الجهال. وقد رويت أبيات أبي عبادة "البحتري" التي في صفة الذئب لبعض العرب، ويجب أن يكون ذلك كذبًا مثل ما تقدم. وقد نسبوا الأبيات التي في صفة الذئب إلى عبد الله بن أنيس صاحب النبي ﷺ وهو من بني البرك راشد بن وبرة، ولا ريب أن ذلك باطل, والشواهد من هذا النوع غير قليلة.

стр. 244

الشوارد: ومن الشعر نتف قليلة تقع في البيتين والثلاثة، ويسميها الرواة بالشوارد؛ لأنهم لا يعرفون نسبتها، بل يروونها على أنها مرسلة لا أرباب لها، وهي نادرة في الشعر؛ لأنهم لا يحفلون بما جهلوا نسبته كما مر في موضعه، بيد أنه متى كانت الأبيات لا شاهد فيها وكانت جيدة حسنة السبك رصينة المعنى طلية العبارة، عدوها من الشوارد لتجوز من هذا الباب إلى الرواية؛ فمن ذلك ما رواه أبو عبيدة، قال: من الشوارد التي لا أرباب لها قول بعضهم: إن يغدروا أو يفجروا ... أو يبخلوا لم يحفلوا يغدوا عليك مرجلـ ... ـين كأنهم لم يفعلوا كأبي براقش كل يو ... م لونه يتبد

стр. 245

اختلاف الروايات في الشعر: وقد كان العرب ينشد بعضهم شعر بعض، ويجري كل منهم في النطق على طبعه ومقتضى فطرته اللغوية، فمن ثم يقع الاختلاف الصرفي واللغوي الذي نراه في بعض الروايات، وقد يغير العربي فيما يتمثله من الشعر كله بأخرى يراها أليق بموضعها وأثبت في معناها، أو تكون الكلمة قد أصابت هوى في نفسه؛ لأنهم إنما يتمثلون الشعر لغير الغرض اللغوي الذي قامت به الرواية، وذلك كقول أبي ذؤيب الهذلي. دعاني إليها القلب إني لأمره ... مطيع فما أدري أرشد طلابها وهي رواية أبي عمرو بن العلاء، ولكن الأصمعي رواه على نقيض هذا المعنى فقال: "عصاني إليها القلب...." البيت. وظاهر أن هذا التناقض في الرواية لا يكون من الشاعر، إنما هو تفاوت في الاستحسان لا غير. وكان الرواة ينقلون الشعر على ما يكون فيه من مثل هذا الاختلاف ولا يبالون أمره؛ لأنهم يريدون لغة الشعر، والشعر متى جاء عن أعرابي كان حجة؛ لأن لسان العربي لا يطوع بغير الصواب، ولهذا تختلف الروايات في بعض الأبيات وهي في الأصل غير مختلفة. ومن أسباب الاختلاف، أن الشعراء في الصدر الأول كانوا يعتمدوا على الحفظ، ولكنهم لا يثبتون من شعرهم كل لفظ بعينه، بل ربما أنشد الرجل منهم أبياتًا فتروى عنه، ثم تأتي الأيام فينسى بعض ألفاظها؛ فلا يكون إلا أن يضع غيرها ثم ينشد الأبيات على وجه آخر؛ فتروى أيضًا؛ ومن ثم تجتمع الروايتان في شعره أو الروايات المختلفة؛ ولهذا قال ذو الرمة لعيسى بن عمر الثقفي: اكتب شعري، فالكتاب أحب إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد سهر في طلبها ليلته فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلامًا بكلام! ومن الرواة من كان يغير في ألفاظ بعض الأبيات لتوجيه حجته وإنهاض دليله فيروى عنه البيت على وجهه المغير؛ وذلك فاش بينهم، وخاصة في رواة الكوفيين، ومنهم من كان يغير في الدواوين المكتوبة ليعذر بها عند الخلاف ويقيم منها الحجة على الرواية الصحيحة؛ فيكون ذلك سببًا في الاختلاف. ولا تنس ما ينشأ عن التصحيف في الكلمات المتشابهة؛ فإنه من بعض أسباب الاختلاف أيضًا، وشواهده كثيرة في كتاب "التصحيف" للعسكري. وهذا وذاك غير ما يكون من تزيد بعض الرواة في الشعر حتى يخرج إلى الوضع والصنعة كما مر في محله، ثم يجيء غيره فينقص أو يزيد ويقدم أو يؤخر، ويعقبهما ثالث فيصيب أبياتًا حسنة على روي تلك القصيدة فيدسها فيها ويرويها على أنها منها، ثم يأتي رابع فيرى اختلاف النسبتين في القصيدة

стр. 246

الواحدة فيسقطهما جميعًا وينحلها شاعرًا آخر، وهكذا؛ ومما استجمع كل ذلك الاختلاف هذه القصيدة التي أولها: تقول ابنة العبسي قد شبت بعدنا ... وكل امرئ بعد الشباب يشيب ومنها شاهد النحاة المشهور: "لعل أبي المغوار منك قريب"* وهي مرثية رواها القالي في أماليه، وقال: قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد هذه القصيدة في شعر كعب الغنوي ... إلى أن قال: وبعضهم يروي هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي، وبعضهم يرويها بأسرها لسهم الغنوي، وبعضهم يروي شيئًا منها لسهم، وزاد أحمد بن يحيى عن أبي العالية في أولها بيتين. قال: وهؤلاء كلهم مختلفون في تقديم الأبيات وتأخيرها وزيادة الأبيات ونقصانها وفي تغيير الحروف في متن البيت وعجزه وصدره، ثم قال: والمرثي بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار، واسمه هرم، وبعضهم يقول اسمه شبيب، ويحتج ببيت روي في هذه القصيدة: "وأقام وخلى الظاعنين شبيب" ، وهذا البيت مصنوع والأول "كأنه أصح". هذا، وقد بقي الكلام في انتحال الشعر ورواة الشعراء وشياطينهم وعمل أشعارهم وتدوينها وما إلى ذلك، وكلها مما يمكن أن يتصل نسبه بما نحن فيه من أمر الرواية، ولكنه بباب الشعر أقرب مشاكلة وأدنى اتصالًا، فأنزلناه ثمة في مراتبه، وألحقناه بتلك المطالب لفائدة طالبه.

стр. 247

التزيد في الأخبار: وهذا أوسع أبواب الوضع في الرواية؛ لأنك إذا اعتبرت اللغة والشعر وجدتهما في حكم العلوم الثابتة المدونة، بما حاطهما الرواة من التثبت والتفتيش كما مر؛ ولأن اللغة كانت لسانًا فطريا في قوم معروفين لقيهم أهل الرواية وشافهوهم بها، وكان الشعر إنما يطلب أكثره للفظه ولم يأخذوه عن المحدثين، فهو في حكم اللغة من هذه الجهة، وأما الأخبار التي تأتي عن العرب وغيرهم فإنما يريدون ببعضها التاريخ، وبأكثرها السمر والمنادمة والاستعانة على حشو علوم أخرى، كالنسب والتفسير والحديث وما إليها. ولم يعن العلماء بالتثبت في شيء من الخبر إلا ما نسب إلى رسول الله ﷺ وأصحابه مما يدخل في السنن، فقد محصوا كل ذلك وميزوا جيده، ونفوا رديئه وخلصوا إلى الحقيقة فيه بكل حجة، أما ما عداه فكان أمره بحسب القائمين عليه: منهم من تثبت واستبصر ورأى أنه يبرأ من العهدة ويتحرج من التبعة بإسناد كل خبر وبيان طريقه في الرواية، وهم مشاهير الرواة. ومنهم من لم يبال معروف ذلك من مجهوله، وصحيحه من مدخوله. فكان يكذب ويصدقه الناس، ويأتي بالأخبار المتنافية المتناكرة، ويضع التهاويل والأباطيل والأضاليل، والناس مقبلون عليه، منصرفون بوجوه الرغبة إليه، وهؤلاء هم أكثر القصاص. ومنهم قوم جعلوا الأخبار علمهم فتميزوا بها ودونوا فيها الكتب الكثيرة المفننة، فهم يكذبون مبالغة في الإغراق، ورغبة في الاجتلاب والحشد؛ لأن ذلك لا يطرد لهم إلا بالتزيد؛ وهؤلاء هم الذين كتبوا في تاريخ العرب وأخبارهم وأسمارهم ومناقبهم ومثالبهم وأيامهم في الجاهلية ونحو ذلك، وقد سموهم "الأخباريين"؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون من معنى "التاريخ والمؤرخ" إلا التوقيت -وسيأتي الكلام عن الأخباريين في فصل الرواة- ولم يتسعوا في ذلك الاتساع كله إلا في أطراف القرن الثاني، حين استفحل أمر الشعوبية فوضع القوم على العرب شيئًا كثيرًا من المناقب والأخبار، رد أكثره عليهم أهل الرواية من المحققين وكذبوهم فيه وأغفلوا روايته عنهم، ومن هذا الموضوع خبر المعلقات المشهورة كما سيمر بك في بابه. والرواة إنما قلدوا العرب في صنعة الأخبار والتزيد فيها، كما قلدوهم في وضع الشعر؛ لأن العرب كانوا يكذبون بعضهم على بعض في المثالب، ويتزيدون في المناقب، وكانوا يتناقلون أخبارًا من تاريخ الأوائل والبائدة عمن خالطوهم من الأمم، على ما في أكثرها من الوهن والكذب، وهي لا تدور فيهم حتى يكون قد داخلها الكثير من مثل ذلك، وشبه الشيء منجذب إليه. ولبعضهم نوع من التاريخ الوضعي يسميه الرواة "تكاذيب الأعراب" "وأضاحيك الأعراب" وهو هو الخرافات أو "الميثولوجيا" وللكلام عليه موضع. ومن وراء ذلك أمر الهجائين والفحاشين ومن اشرأبوا للفتنة، ومردوا على النفاق وألفافهم،

стр. 248

ومادة هذا الأمر مجبولة بالكذب. فلما جاء الأخباريون بعد الإسلام أخذوا تلك الأخبار وجعلوها علمهم، وولدوا منها واحتذوا مثالها؛ لأن كل ما هو بسبيل التاريخ مما خرج عن أمر الدين، فهو عندهم في سبيل الحكاية والتلفيق وما يبتغى من القصص، ولولا اعتبارهم هذا لما بقيت الآداب العربية خالية إلى اليوم من كتاب واحد يوثق به في تأريخ العرب أو تأريخ آدابهم، وقد أشرنا إلى هذا المعنى غير مرة. وروى الجاحظ أن بعضهم قال لأحد الرواة: إنك تكذب في الحديث! فقال: وما عليك، إذا كان الذي أزيد فيه أحسن منه؟ فوالله ما ينفعك صدقه ولا يضرك كذبه! بخ بخ! وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن! هذه هي طريقتهم بعينها قبل أن تنضج العلوم وتنضب الرواية، كمخض الماء: لا يؤتي غير الماء، وقد ورثوها عن العرب أنفسهم؛ لأن العرب أمة في حكم الفرد، والفرد منها في حكم الأمة، إذ كان كل واحد منهم إنما ينهض بعبئه ولا يحمل إلا رأسه يطرحه كيف أراد، وتلك طبيعة أرضهم لا يجمعهم ولا يفرقهم إلا منفعة الفرد ومضرته, ومعلوم أن تاريخ العرب لا ينفع صدقه أحدًا ولا يضر كذبه أحدًا، إذا جعلنا مصداق النفع والضرر ما يتبينه المرء في خاصة نفسه مما يحس منه أثر النفع أو الضرر، وهل الأمر إذا رجعنا إلى هذه القاعدة إلا كما يقول الله : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] . هذا، وإن أكثر ما وضع من الأخبار لغير التصنيف إنما كان يراد به الملوك ومن في حكمهم، أو العامة ومن في وزنهم، فأما الملوك فإن الرواة كانوا يعرفون أنهم لا يستقصون، فيصنعون لهم الأخبار يُزلفونها إلى هوى أنفسهم ويديرون الكلام فيها على أغراضهم، ويأخذون في تلك الفنون، استعانة على السمر، وتكثيرًا للأحاديث. وكل من عرف من الرواة بأنه صاحب سَمَر كان ذلك غميزة في علمه، ومذهبًا للكلام فيه، كشرقي بن القطامي مؤدب المهدي فإنهم جعلوا السمر علته، وكان يجري في مذهب ابن دأب الشاعر الأخباري الذي كان بالمدينة، كما جرى خلف الأحمر في مذهب حماد. وأول من عرف من ملوك الإسلام بالرغبة في السمر والتعلق بأهل الأخبار -وإن كان ذلك لمعنى سياسي- معاوية بن أبي سفيان، فقد كان داهيًا نقابًا في أموره١, يستبين من رأيه في كل مشكل طريقًا نهجه، ويفرق له في كل معضل عن سبب إلى النفاذ صحيح، فكان يتطلب الأخبار يستعين بها على استيضاح الشبهات، ويرجع منها إلى القدوة في المعضلات، فيقال إنه كان إذا انفتل من صلاة الفجر جلس للقصاص حتى يفرغ من قصصه ثم يضطرب في أموره سائر نهاره، حتى إذا صلى العشاء الآخرة جلس لمؤامرة حاشيته فيما أرادوا، صدرًا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها، وما إلى ذلك، وقد أسلفنا

стр. 249

أنه استقدم عبيد بن شَرْية الجرهمي النسابة الأخباري من اليمن خصيصًا لبعض أغراضه تلك. وأما العامة فكلما كان الراوية أو المحدث أو القاص أموق كان عندهم أنفق، وإذا كان مستهترًا بالغرائب كان عندهم أوثق، وإذا ساء خلقه وكثر غضبه واشتد حدة وعسرة في الحديث وشغب ولوى شدقه لمن يراجعه، تهافتوا عليه، وهذا أمرهم بعد التابعين لأصحاب رسول الله ﷺ كما سيجيء. وقد كان الأعمش المحدث "توفي سنة ١٤٨هـ" يقلب الفرو ويلبسه حتى يكون صوفه إلى خارج، ويطرح على عاتقه منديل الخوان مكان الرداء؛ وسأله رجل مرة عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى الحائط وقال: هذا إسناده ... والأعمش هو القائل فيمن كانوا يسمعون منه: والله لا يأتون أحدًا إلا حملوه على الكذب!

стр. 250

القصاص: وهم الذين يقصون على الناس، ويكون من علمهم التفسير والأثر والخبر عن الأمم البائدة غيرهم؛ ينقلون ذلك تعليمًا وموعظة؛ وكانوا في القرن الأول يقدمونهم في بعض حروب بني أمية ليقصوا على المقاتلة أخبار الشهداء وفضائلهم وما وعدوا به في الجنة مما لا عين رأيت ولا أذن سمعت، وليحمسوهم بذلك قبل مباشرة القتال، حتى لا تحجزهم رهبة ولا يملكهم فزع ولا ترد وجوههم آمال الحياة؛ وهو وجه من الحيطة في السياسة وحسن النظر في التدبير؛ وكان ذلك دأب الحجاج الثقفي أمير العراقيين لبني أمية، في حروبه ووقائعه؛ لأن أكثر من قاتلهم كانوا من المستميتين ديانة أو حمية، كالخوارج والناقمين عليه وعلى بني أمية من العرب، وأخبارهم مشهورة. أما قبل هذه الدولة فكانت الموعظة في الحروب والتذكير بما يصدق الله من وعده للمجاهدين في إعلاء كلمته شأنًا من شئون القواد يخطبون بذلك على الناس ولا يتجاوزون به آيات من القرآن، وجملًا من الحديث وكلمات لهم بين ذلك. ولم يكن القصص في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر ﵄؛ لاجتماع كلمة المسلمين، ولقرب العهد من الرسالة؛ وإنما أحدثت القصص في زمن معاوية، حين كانت الفتنة بين الصحابة ﵃، وكانت مقصورة على الموعظة الحسنة والتذكير وما إلى ذلك؛ وأول من قص من الصحابة، الأسود بن سريع، وكان يقول في قصصه إذا ذكر الموت وخاطب الميت. فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... إلا فإني لا إخالك ناجيا ثم كان أول من قص من التابعين بمكة، عبيد بن عمير الليثي؛ وقد جلس إليه عبد الله بن عمر وسمع منه، فكان ذلك داعية إلى إقبال الناس ورغبتهم في استماع القصص لمكان ابن عمر من الدين والورع؛ وقد أقرته كذلك عائشة أم المؤمنين ﵂ ولم تنكر عليه، فحدث عطاء قال: دخلت أنا وعبيد عليها، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير؛ فقالت ﵂: قاص أهل مكة؟ قال: نعم! قالت: خفف، فإن الذكر ثقيل. وقد مر بك آنفًا أن معاوية اتخذ قاصا كان يجلس إليه متى انفتل من صلاة الفجر؛ فلا غرو أن يتابعه أهل الشام على ذلك ويكثر القصص فيهم؛ ولعل هذا من دهاء معاوية في السياسة. ثم صار القصص مما يلقى في مسجد النبي ﷺ بالمدينة واتخذت له حلقة كحلق الدروس؛ وأول من لزم ذلك فيه، مسلم بن جندب الهذلي، وهو إمام أهل المدينة وقارئهم، وفيه يقول عمر بن عبد العزيز: من سره أن يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب! ثم كان أول من اتخذ تلك الحلقة في مسجد البصرة، جعفر بن الحسن. ولم يكن القصص في القرن الأول مرذولًا، ولا كانوا يرون به بأسًا؛ لأن فنونه إنما ترجع إلى القرآن والحديث، ولم يكن يشوبه شيء إلا ما كانوا يسمونه "بالعلم الأول" وهو ما يتعلق بأخبار.
следующие страницы →