الواحدة فيسقطهما جميعًا وينحلها شاعرًا آخر، وهكذا؛ ومما استجمع كل ذلك الاختلاف هذه القصيدة التي أولها:
تقول ابنة العبسي قد شبت بعدنا ... وكل امرئ بعد الشباب يشيب
ومنها شاهد النحاة المشهور:
"لعل أبي المغوار منك قريب"*
وهي مرثية رواها القالي في أماليه، وقال: قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد هذه القصيدة في شعر كعب الغنوي ... إلى أن قال: وبعضهم يروي هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي، وبعضهم يرويها بأسرها لسهم الغنوي، وبعضهم يروي شيئًا منها لسهم، وزاد أحمد بن يحيى عن أبي العالية في أولها بيتين. قال: وهؤلاء كلهم مختلفون في تقديم الأبيات وتأخيرها وزيادة الأبيات ونقصانها وفي تغيير الحروف في متن البيت وعجزه وصدره، ثم قال: والمرثي بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار، واسمه هرم، وبعضهم يقول اسمه شبيب، ويحتج ببيت روي في هذه القصيدة:
"وأقام وخلى الظاعنين شبيب"
، وهذا البيت مصنوع والأول "كأنه أصح".
هذا، وقد بقي الكلام في انتحال الشعر ورواة الشعراء وشياطينهم وعمل أشعارهم وتدوينها وما إلى ذلك، وكلها مما يمكن أن يتصل نسبه بما نحن فيه من أمر الرواية، ولكنه بباب الشعر أقرب مشاكلة وأدنى اتصالًا، فأنزلناه ثمة في مراتبه، وألحقناه بتلك المطالب لفائدة طالبه.
стр. 247
التزيد في الأخبار:
وهذا أوسع أبواب الوضع في الرواية؛ لأنك إذا اعتبرت اللغة والشعر وجدتهما في حكم العلوم الثابتة المدونة، بما حاطهما الرواة من التثبت والتفتيش كما مر؛ ولأن اللغة كانت لسانًا فطريا في قوم معروفين لقيهم أهل الرواية وشافهوهم بها، وكان الشعر إنما يطلب أكثره للفظه ولم يأخذوه عن المحدثين، فهو في حكم اللغة من هذه الجهة، وأما الأخبار التي تأتي عن العرب وغيرهم فإنما يريدون ببعضها التاريخ، وبأكثرها السمر والمنادمة والاستعانة على حشو علوم أخرى، كالنسب والتفسير والحديث وما إليها.
ولم يعن العلماء بالتثبت في شيء من الخبر إلا ما نسب إلى رسول الله ﷺ وأصحابه مما يدخل في السنن، فقد محصوا كل ذلك وميزوا جيده، ونفوا رديئه وخلصوا إلى الحقيقة فيه بكل حجة، أما ما عداه فكان أمره بحسب القائمين عليه: منهم من تثبت واستبصر ورأى أنه يبرأ من العهدة ويتحرج من التبعة بإسناد كل خبر وبيان طريقه في الرواية، وهم مشاهير الرواة.
ومنهم من لم يبال معروف ذلك من مجهوله، وصحيحه من مدخوله. فكان يكذب ويصدقه الناس، ويأتي بالأخبار المتنافية المتناكرة، ويضع التهاويل والأباطيل والأضاليل، والناس مقبلون عليه، منصرفون بوجوه الرغبة إليه، وهؤلاء هم أكثر القصاص.
ومنهم قوم جعلوا الأخبار علمهم فتميزوا بها ودونوا فيها الكتب الكثيرة المفننة، فهم يكذبون مبالغة في الإغراق، ورغبة في الاجتلاب والحشد؛ لأن ذلك لا يطرد لهم إلا بالتزيد؛ وهؤلاء هم الذين كتبوا في تاريخ العرب وأخبارهم وأسمارهم ومناقبهم ومثالبهم وأيامهم في الجاهلية ونحو ذلك، وقد سموهم "الأخباريين"؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون من معنى "التاريخ والمؤرخ" إلا التوقيت -وسيأتي الكلام عن الأخباريين في فصل الرواة- ولم يتسعوا في ذلك الاتساع كله إلا في أطراف القرن الثاني، حين استفحل أمر الشعوبية فوضع القوم على العرب شيئًا كثيرًا من المناقب والأخبار، رد أكثره عليهم أهل الرواية من المحققين وكذبوهم فيه وأغفلوا روايته عنهم، ومن هذا الموضوع خبر المعلقات المشهورة كما سيمر بك في بابه.
والرواة إنما قلدوا العرب في صنعة الأخبار والتزيد فيها، كما قلدوهم في وضع الشعر؛ لأن العرب كانوا يكذبون بعضهم على بعض في المثالب، ويتزيدون في المناقب، وكانوا يتناقلون أخبارًا من تاريخ الأوائل والبائدة عمن خالطوهم من الأمم، على ما في أكثرها من الوهن والكذب، وهي لا تدور فيهم حتى يكون قد داخلها الكثير من مثل ذلك، وشبه الشيء منجذب إليه.
ولبعضهم نوع من التاريخ الوضعي يسميه الرواة "تكاذيب الأعراب" "وأضاحيك الأعراب" وهو هو الخرافات أو "الميثولوجيا" وللكلام عليه موضع.
ومن وراء ذلك أمر الهجائين والفحاشين ومن اشرأبوا للفتنة، ومردوا على النفاق وألفافهم،
стр. 248
ومادة هذا الأمر مجبولة بالكذب. فلما جاء الأخباريون بعد الإسلام أخذوا تلك الأخبار وجعلوها علمهم، وولدوا منها واحتذوا مثالها؛ لأن كل ما هو بسبيل التاريخ مما خرج عن أمر الدين، فهو عندهم في سبيل الحكاية والتلفيق وما يبتغى من القصص، ولولا اعتبارهم هذا لما بقيت الآداب العربية خالية إلى اليوم من كتاب واحد يوثق به في تأريخ العرب أو تأريخ آدابهم، وقد أشرنا إلى هذا المعنى غير مرة.
وروى الجاحظ أن بعضهم قال لأحد الرواة: إنك تكذب في الحديث! فقال: وما عليك، إذا كان الذي أزيد فيه أحسن منه؟ فوالله ما ينفعك صدقه ولا يضرك كذبه!
بخ بخ! وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن!
هذه هي طريقتهم بعينها قبل أن تنضج العلوم وتنضب الرواية، كمخض الماء: لا يؤتي غير الماء، وقد ورثوها عن العرب أنفسهم؛ لأن العرب أمة في حكم الفرد، والفرد منها في حكم الأمة، إذ كان كل واحد منهم إنما ينهض بعبئه ولا يحمل إلا رأسه يطرحه كيف أراد، وتلك طبيعة أرضهم لا يجمعهم ولا يفرقهم إلا منفعة الفرد ومضرته, ومعلوم أن تاريخ العرب لا ينفع صدقه أحدًا ولا يضر كذبه أحدًا، إذا جعلنا مصداق النفع والضرر ما يتبينه المرء في خاصة نفسه مما يحس منه أثر النفع أو الضرر، وهل الأمر إذا رجعنا إلى هذه القاعدة إلا كما يقول الله : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] .
هذا، وإن أكثر ما وضع من الأخبار لغير التصنيف إنما كان يراد به الملوك ومن في حكمهم، أو العامة ومن في وزنهم، فأما الملوك فإن الرواة كانوا يعرفون أنهم لا يستقصون، فيصنعون لهم الأخبار يُزلفونها إلى هوى أنفسهم ويديرون الكلام فيها على أغراضهم، ويأخذون في تلك الفنون، استعانة على السمر، وتكثيرًا للأحاديث. وكل من عرف من الرواة بأنه صاحب سَمَر كان ذلك غميزة في علمه، ومذهبًا للكلام فيه، كشرقي بن القطامي مؤدب المهدي فإنهم جعلوا السمر علته، وكان يجري في مذهب ابن دأب الشاعر الأخباري الذي كان بالمدينة، كما جرى خلف الأحمر في مذهب حماد.
وأول من عرف من ملوك الإسلام بالرغبة في السمر والتعلق بأهل الأخبار -وإن كان ذلك لمعنى سياسي- معاوية بن أبي سفيان، فقد كان داهيًا نقابًا في أموره١, يستبين من رأيه في كل مشكل طريقًا نهجه، ويفرق له في كل معضل عن سبب إلى النفاذ صحيح، فكان يتطلب الأخبار يستعين بها على استيضاح الشبهات، ويرجع منها إلى القدوة في المعضلات، فيقال إنه كان إذا انفتل من صلاة الفجر جلس للقصاص حتى يفرغ من قصصه ثم يضطرب في أموره سائر نهاره، حتى إذا صلى العشاء الآخرة جلس لمؤامرة حاشيته فيما أرادوا، صدرًا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها، وما إلى ذلك، وقد أسلفنا
стр. 249
أنه استقدم عبيد بن شَرْية الجرهمي النسابة الأخباري من اليمن خصيصًا لبعض أغراضه تلك.
وأما العامة فكلما كان الراوية أو المحدث أو القاص أموق كان عندهم أنفق، وإذا كان مستهترًا بالغرائب كان عندهم أوثق، وإذا ساء خلقه وكثر غضبه واشتد حدة وعسرة في الحديث وشغب ولوى شدقه لمن يراجعه، تهافتوا عليه، وهذا أمرهم بعد التابعين لأصحاب رسول الله ﷺ كما سيجيء.
وقد كان الأعمش المحدث "توفي سنة ١٤٨هـ" يقلب الفرو ويلبسه حتى يكون صوفه إلى خارج، ويطرح على عاتقه منديل الخوان مكان الرداء؛ وسأله رجل مرة عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى الحائط وقال: هذا إسناده ... والأعمش هو القائل فيمن كانوا يسمعون منه: والله لا يأتون أحدًا إلا حملوه على الكذب!
стр. 250
القصاص:
وهم الذين يقصون على الناس، ويكون من علمهم التفسير والأثر والخبر عن الأمم البائدة غيرهم؛ ينقلون ذلك تعليمًا وموعظة؛ وكانوا في القرن الأول يقدمونهم في بعض حروب بني أمية ليقصوا على المقاتلة أخبار الشهداء وفضائلهم وما وعدوا به في الجنة مما لا عين رأيت ولا أذن سمعت، وليحمسوهم بذلك قبل مباشرة القتال، حتى لا تحجزهم رهبة ولا يملكهم فزع ولا ترد وجوههم آمال الحياة؛ وهو وجه من الحيطة في السياسة وحسن النظر في التدبير؛ وكان ذلك دأب الحجاج الثقفي أمير العراقيين لبني أمية، في حروبه ووقائعه؛ لأن أكثر من قاتلهم كانوا من المستميتين ديانة أو حمية، كالخوارج والناقمين عليه وعلى بني أمية من العرب، وأخبارهم مشهورة.
أما قبل هذه الدولة فكانت الموعظة في الحروب والتذكير بما يصدق الله من وعده للمجاهدين في إعلاء كلمته شأنًا من شئون القواد يخطبون بذلك على الناس ولا يتجاوزون به آيات من القرآن، وجملًا من الحديث وكلمات لهم بين ذلك.
ولم يكن القصص في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر ﵄؛ لاجتماع كلمة المسلمين، ولقرب العهد من الرسالة؛ وإنما أحدثت القصص في زمن معاوية، حين كانت الفتنة بين الصحابة ﵃، وكانت مقصورة على الموعظة الحسنة والتذكير وما إلى ذلك؛ وأول من قص من الصحابة، الأسود بن سريع، وكان يقول في قصصه إذا ذكر الموت وخاطب الميت.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... إلا فإني لا إخالك ناجيا
ثم كان أول من قص من التابعين بمكة، عبيد بن عمير الليثي؛ وقد جلس إليه عبد الله بن عمر وسمع منه، فكان ذلك داعية إلى إقبال الناس ورغبتهم في استماع القصص لمكان ابن عمر من الدين والورع؛ وقد أقرته كذلك عائشة أم المؤمنين ﵂ ولم تنكر عليه، فحدث عطاء قال: دخلت أنا وعبيد عليها، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير؛ فقالت ﵂: قاص أهل مكة؟ قال: نعم! قالت: خفف، فإن الذكر ثقيل.
وقد مر بك آنفًا أن معاوية اتخذ قاصا كان يجلس إليه متى انفتل من صلاة الفجر؛ فلا غرو أن يتابعه أهل الشام على ذلك ويكثر القصص فيهم؛ ولعل هذا من دهاء معاوية في السياسة.
ثم صار القصص مما يلقى في مسجد النبي ﷺ بالمدينة واتخذت له حلقة كحلق الدروس؛ وأول من لزم ذلك فيه، مسلم بن جندب الهذلي، وهو إمام أهل المدينة وقارئهم، وفيه يقول عمر بن عبد العزيز: من سره أن يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب! ثم كان أول من اتخذ تلك الحلقة في مسجد البصرة، جعفر بن الحسن.
ولم يكن القصص في القرن الأول مرذولًا، ولا كانوا يرون به بأسًا؛ لأن فنونه إنما ترجع إلى القرآن والحديث، ولم يكن يشوبه شيء إلا ما كانوا يسمونه "بالعلم الأول" وهو ما يتعلق بأخبار.
стр. 251
الأمم السالفة، وأكثره يأخذونه عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وعمن أسلم منهم، وبعض هؤلاء كان غزير العلم واسع الحيلة في قصص الأولين، كعبد الله بن سلام أسلم عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وكعب الأحبار الذي أسلم في خلافة عمر وتوفي سنة ٣٢هـ؛ وعن هذين الرجلين -ووهب بن منبه المتوفى سنة ١١٤هـ- أخذوا سواد قصصهم مما يتعلق بأخبار الأمم وأحوال الأنبياء والنذر الأولى وما يجري مع ذلك؛ وكان وهب من الأبناء "أبناء الفرس" لأن جده جاء إلى اليمن فيمن بعثهم كسرى حين استنجدوه على الحبشة، وقد أخذ آباؤه عن اليمن أخبار اليهود، وأخذوا عن الحبشة أخبار النصارى، ثم كان وهب يعرف اليونانية أيضًا، فاتسع بذلك علمه، حتى قالوا في بعض ما نقلوه عنه: إنه قرأ من كتب الله اثنين وسبعين كتابًا، وهو أول من صنف قصص الأنبياء في الإسلام.
وممن أخذوا عنهم أيضًا، طاوس بن كيسان التابعي، وهو من الأبناء، وتوفي سنة ١٠٦هـ ثم ورث الرواية عنه ابنه عبد الله بن طاوس.
ولما كان القرن الثاني وانتهى عصر كبار القصاص من التابعين، ورأسهم الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠هـ١ -وكان ﵁ مفننًا ثقة في كل ما يتعاطاه من العلوم- نشأت بعده الطبقة التي أخذت عنها العامة وقد اضطربت الفتن وكثر الكلام وفشت الأكاذيب في الحديث وفي أخبار العرب وفي الشعر، فصار هم القاص أن يجيء بالغرائب، ويكثر من الرقائق؛ لأن أهل العلم انصرفوا إلى حلقات الرواية، ولم يبق في حلقات القصاص إلا العامة وأشباههم؛ وقد علمت مذهبهم والشأن فيما ينفق عندهم؛ فمن ثم ساءت المقالة فيهم، وصار القاص عند أهل العلم أحمق ممخرقًا لا يعرفونه بغير ذلك، إلا قليلًا ممن استوعبوا وتبينوا وجروا في مذهب الرواة "وهو نقل الكذب الذي لا بأس به وإسناده إلى أهله". وامتازوا مع ذلك بالفصاحة والبيان. ويبدأ تاريخ هؤلاء بعد الحسن البصري؛ بموسى بن سيار الأسواري، قال الجاحظ: وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدرى بأي لسان هو أبين، واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها، إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار؛ ولم يكن في هذه الأمة بعد أبي موسى الأشعري أقرأ في محراب من موسى بن سيار، ثم عثمان بن سعيد بن أسعد، ثم يونس النحوي، مث المعلى.
стр. 252
قال: ثم قص في مسجده "بالبصرة" أبو علي الأسواري ابن فائد، ستا وثلاثين سنة، وابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات؛ لأنه كان حافظًا للسير ولوجوه التأويلات، فكان ربما يفسر آية واحدة في عدة أسابيع، كأن تكون الآية قد ذكر فيها يوم بدر، وكان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق في ذلك من الأحاديث الكثيرة، وكان يقص في فنون كثيرة من القصص ويجعل للقرآن نصيبًا من ذلك. وكان يونس بن حبيب يسمع منه كلام العرب ويحتج به. وخصاله المحمودة كثيرة.
ثم قص من بعده القاسم بن يحيى، وهو أبو العباس الضرير، ولم يدرك في القصاص مثله. وكان يقص معهما وبعدهما ملك بن عبد الحميد المكفوف، فأما صالح المري فإنه كان يكنى أبا بشر، وكان صحيح الكلام رقيق المجلس، قال الجاحظ: فذكر أصحابنا أن سفيان بن حبيب لما دخل البصرة وتوارى عند مرحوم العطار "من أصحاب الحديث، كان في أواخر القرن الثاني" قال له مرحوم: هل لك أن تأتي قاصا عندنا فتتفرج بالخروج والنظر إلى الناس والاستماع منه؟ فأتاه على تكره؛ لأنه ظنه كبعض من يبلغه شأنه، فلما أتاه وسمع منطقه وسمع تلاوته للقرآن، وسمعه يقول: حدثنا سعيد عن قتادة، وحدث قتادة عن الحسين رأى بيانًا لم يحتبسه، ومذهبًا لم يكن يدانيه، فأقبل سفيان على مرحوم، فقال: ليس هذا قاصا، هذا نذير!
ولما نضجت العلوم في القرن الثالث، ذهب القصاص وخلفهم الوعاظ من المتصوفة والزهاد، إذا كان اسم القاص قد أصبح لقبًا عاميا مبتذلًا، وأكثر المتصدرين في الوعظ إنما يكونون من أهل الحديث المتسعين في العلوم، ولا حاجة إلى الكلام عنهم، ولم يزد المتصوفة في الأخبار إلا ما يزعمون أنهم احتووه بعلم خاص، والله أعلم بغيبه.
стр. 253
الرواة:
فرغنا من القول في الرواية ونشأتها وتأريخها والوجوه التي تقلبت عليها، وبقي الكلام على الرواة وعلومهم ما تحققوا به من المذاهب وما تميزت به طوائفهم عند أهل المقابلة والتنظير، ثم ما يداخل ذلك من معان حين تعرض، وأعراض حين تتوافى لتورد بها الفائدة مورودها ويصدر الأدب مصدره، وهو منزع لا ننكر أن المتطاول إليه هو المقصر عنه، وأن المبتدئ فيه فهو المنتهي منه؛ وذلك لأن رواتنا وإن قدح بعضهم في بعض جرحًا وتعديلًا، وتوسعوا في مذاهب النقد تعريضًا وتطويلًا؛ إلا أنهم لم يدونوا شيئًا لمن بعدهم كما دون أهل الحديث، بل اكتفوا بأن هذا الأمر كان منهم على المشاهد والعيان؛ أو قريبًا منهما بالسند والسماع، فألقوا لنا بذلك الشغل الطويل، والعناء الوبيل؛ ولو أنهم دونوا الطبقات وميزوها وفصلوا مراتبها وساقوا أخبار الرجال، على نحو ما فعل نقاد الحديث، وهم كما قالوا: "عيار هذا الشان، وأساس هذا البينان" لقد كانوا أحسنوا لأهل التاريخ الإحسان كله.
ولشذ ما كانوا يتحوبون "عفا الله عنهم" فيما يهجن به بعضهم بعضًا مما يسبق من الظنة إلى أحدهم ويتوجه من الشبهة عليه، فلا يحبون أن يثبتوا من ذلك شيئًا؛ لأنه جهاد لا يراد به وجه الله كما هو الشأن في الحديث؛ فكان الأمر بينهم مقصورًا على المناقضات والمنافسات، بيد أن كل طبقة منهم كانت تحكي عن سابقتها أشياء مما تناقلته، حتى انتهى جماع ذلك إلى مدوني كتب الطبقات، وإلى المتناظرين في تصنيف الكتب التي وضعوها للكلام في علماء المصرين، وإلى المصنفين في اللغة من متأخري الرواة الذين تعقبوا السابقين وتتبعوا ما نقل عنهم، كالأزهري صاحب "التهذيب" وغيره، فرأى كل أولئك أن القليل الذي تأدى لا يعطى من حكم النقد المباح ما كان له في زمنه، فيعتبر من الكلام المعفو عنه الذي بعثت عليه المعاصرة كما أجراه أهله، فلا يبقى له شأن متى وضح الحق وظهر وجه الصواب وتمهدت به العلوم بل رأوا فيه مادة لما كانوا بسبيله، ورأوا أن التاريخ قد أحال تلك المناقضات بعد أن طوى أشخاصها ونفض عنها رَهَج الحفيظة ووهج الأنفاس، فحرصوا عليها ودونوها، ولولا ذلك لعفا هذا الموضع من التاريخ.
أول من صنف في طبقات القوم، أبو العباس المبرد المتوفى سنة ٢٨٥هـ فإنه وضع كتابًا في علماء البصريين، وكان بصريا، ثم صنف أبو الطيب اللغوي المتوفى سنة ٣٣٨هـ "وقيل بعد الخمسين" كتابه "مراتب النحويين"، جمع فيه البصريين والكوفيين، ثم اطرد التصنيف بعد ذلك، فوضع السيرافي المتوفى سنة ٣٦٨هـ كتابه في "طبقات النحاة" البصريين، وصنف أبو بكر الزبيدي الأندلس المتوفى سنة ٣٧٩هـ "طبقات النحاة" وميز فيه البصريين من الكوفيين، ثم ظهرت بعد ذلك كتب كثيرة لا حاجة إلى الكلام عنها؛ لأننا إنما نريد أن نعين تأريخ التدوين فيما تناول أحوال الرواة ومناقضاتهم، ولم يكتب من ذلك شيء قبل القرن الثالث، ولا نعلم أنه كتب منه شيء قبل الذي أورده
стр. 254
الجاحظ في تضاعيف كتبه، وهو قد توفي سنة ٢٥٥هـ، وليس غيره أولى بأن يكون أول من اقتحم هذا الباب من الكتابة، وإن كان ما أورده قليلًا لا حفل به ولا قدر له في جانب ما تناولناه من كتب الطبقات على اختلافها وكتب أخرى، "كالتهذيب" للأزهري، و"التصحيف" للعسكري، و"الخصائص" لابن جني، وقد كسر فيه بابًا على ما يكون من قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضًا.
ولقد انتقد كثير من جلة العلماء -وخاصة علماء الأصول- إهمال الرواة والقائمين باللغة والنحو أن يبحثوا عن أحوال هذه العلوم ويفحصوا عن جرح رواتها وتعديلهم، واعتذر بعضهم من ذلك بأنهم أهملوه ولم يجاروا فيه رواة الأثر؛ لأن الدواعي كانت متوفرة على الكذب في الحديث لأسبابه المعروفة التي تحمل الواضعين على الوضع. قال: وأما اللغة فالدواعي إلى الكذب عليه في غاية الضعف. ولذلك اكتفى العلماء فيه بالاعتماد على الكتب المشهورة المتداولة، فإن شهرتها وتداولها يمنع من ذلك مع ضعف الداعية إليه. وقد رد السيوطي على أصحاب هذه الأقوال بما زعمه "الجواب الحق" ولم يزد على أن احتج بما جاء في كتب الطبقات!
البصرة والكوفة:
وقبل أن نمضي فيما أخذنا فيه، نسوق هذه الكلمات الموجزة في تاريخ هذين المصرين العظيمين اللذين خرج منهما علم العرب، واللذين يرجع إليهما سند العربية في سائر الأمصار.
أما البصرة فقد اتخذها المسلمون مصرًا كانوا يغزون من قبل البحرين ليشتوا فيه ثم ليلوذوا به إذا رجعوا من غزوهم، وأول من مصرها عتبة بن غزوان بن ياسر، وذلك في سنة أربع عشرة للهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أقرب إلى البوادي الصريحة من الكوفة، تكاد تقابل في وضعها سرة البادية التي ضربت فيها القبائل العربية الفصيحة، ولذا فصح أعرابها وتميز أهلها بالصحيح، وكانت مثابة الجفاة الخلص من أعراب البادية؛ وقد كان فيها المربد، وهو عكاظ الإسلام، يقوم فيه الخطباء ويتنافر الأشراف ويتناقض الشعراء؛ ومن ثم ضربوا المثل بأدب البصريين، وجعلوا هذا الأدب فيهم بمنزلة ما اختصت به الأمم طبيعة من الميراث التاريخي, كحكمة اليونانيين، وصناعة أهل الصين، وما إليهما.
وأما الكوفة فكان تمصيرها بعد البصرة بستة أشهر، على قول، وبعام أو عامين على قول آخر١؛ واتخذها المسلمون مصرًا حين كانوا يغزون من قبل فارس، وأكثر أهلها من عرب اليمن، وكان يطرأ عليها ضعاف الأعراب مما فوق البادية الصريحة؛ ولذا لانت جوانب ألسنتهم وضعفت فصاحتهم وكان الميل إلى الشاذ متأصلًا فيهم طبيعة؛ فأسرع الفساد في ألسنتهم قبل أن يفشو مثل ذلك في البصريين؛ وأعظم ما اشتهرت به الكوفة، ميل أهلها إلى الطاعة ديانة، دون البصرة التي اشتهر
стр. 255
أهلها في التاريخ بالنزوع إلى الشقاق والعصيان وبالعصبية العربية؛ ولذا كانت الكوفة مثلًا مضروبا في فقه أهلها، كما ضربوا البصرة مثلًا في الأدب، وكما ضربوا المثل بالمدينة في القراءة، وبمكة في المناسك١؛ وبظاهر الكوفة كانت منازل النعمان بن المنذر، والحيرة والخورنق، والسدير، وما هناك من القصور والمتنزهات، وكل ذلك غير طبيعي في تاريخ الفصاحة العربية.
ولما مصرت بغداد وجعلها المنصور ثاني الخلفاء العباسيين مدينة -وكان قد اختطها قبله أخوه أبو العباس السفاح وشرع في عمارتها سنة ١٤٥هـ ونزلها سنة ١٤٩هـ، وكانت قرب الكوفة- وهي ما هي، حاضرة الدنيا ومدينة الإسلام ومظهر أبهة الخلافة وجلال الملك, كان علماء الكوفة أسرع الناس إليها، فأكرم العباسيون لقاءهم، وبسطوا لهم بالعطاء، غير أن ذلك لم يزدهم إلا ضعفًا وشذوذًا، حتى عيرهم البصريون بأنهم يأخذون عن باعة الكواميخ كما تقدم في موضعه.
أما بغداد نفسها فلم يعتد البصريون بأحد من علمائها، ولا يرونها مدينة علم، وإنما هي عندهم مدينة ملك، وما فيها من العلم فمنقول إليها ومجلوب للخلفاء وأتباعهم؛ قال أبو حاتم: أهل بغداد حشو عسكر الخليفة، لم يكن بها من يوثق به في كلام العرب، ولا من ترتضى روايته، فإن ادعى أحد منهم شيئًا رأيته مخلطًا صاحب تطويل وكثرة كلام ومكابرة٢.
стр. 256
عنايتهم بالرواة:
وكان الرواة مَحَط الأعباء في الرحلة، وإليهم المرجع في الغريب والشعر والخبر والنسب، وقد انفردوا بالقيام على هذه العلوم أيام بني أمية، والدولة يومئذ دولة العرب، وهم لا يزالون حيال آبائهم وعلى إرث منهم؛ فلم يكن إلا أن تنفق سوق الرواة ويقبل في الدهر أمرهم، وينبه في الناس شأنهم، ويجد كل واحد منهم ما يجده الحظيظ في بضاعته، والمحتاج إليه في صناعته؛ ولم يأت ذلك من قِبَل الخلفاء وحدهم، ولكن الشأن كان في أهل الأمصار من الأمراء فمن دونهم؛ فإنهم صرفوا إلى الرواة وجوه المطالب، وقصروا عليهم الرغبات؛ لأنهم الوصلة بينهم وبين أوليتهم من العرب، بما يقصون من أخبارهم، ويروون من أشعارهم، وينقلون من آثارهم؛ وبهذه وما إليها كانت تلتئم أطراف المجالس، وتنفصل جهات الأحاديث، وتتشعب مذاهب السمر؛ وفوق ذلك فإن أكثر الرواة جمعوا إلى علومهم تلك رواية الحديث وتفسير غريبه والفتيا في مشتبه القرآن والقول في السير ونحوها، وهي من أغراض الناس جميعًا.
أما الخلفاء من لدن معاوية إلى عبد الملك بن مروان، فهؤلاء اقتصروا على أهل الشعر والنسب والخبر؛ لأن أمر اللغة لم يكن بدأ في أيامهم، ولأن ذلك كان هو علم العرب يومئذ؛ وكان معاوية يرمي
إلى اجتذابهم حوله وتألف قلوبهم عليه، وإلى التخذيل عن أهل الحق في الخلافة من رجال هاشم وفتيان قريش؛ وكان يأتي كل مأتى لانتظام أمر الملك والدولة، حتى لو عرف أنه يستكثر بالزنج لوطأ الحيلة إليهم فبالغ في إيثار الشعر والنسب والإفضال عليهم، حتى تحدث الناس بذلك، فأرسل في ألسنتهم رسائله السياسية من حيث لا يدرون؛ وكان يحث على رواية الشعر، وينتقص من لا يروي منه، حتى إنه كتب إلى زياد "الذي ادعى أبا سفيان" في إشخاص ابنه عبيد الله، وقد علم أنه يتورع عن الشعر، فأوفده زياد إليه. وأقبل معاوية يسأله، فلما سأله عن شيء إلا أنفذه، حتى سأله عن الشعر، فلم يعرف منه شيئًا، فقال: ما منعك من روايته؟ قال: كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدري! فقال معاوية: أعزب؛ والله لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين مرارًا ما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة حيث يقول:
أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإعطائي على الإعدام مالي ... وإقدامي على البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وحاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
ولا نرى هذا إلا من دهاء معاوية وحذقه في سياسة الأمور ومداورتها؛ وإلا فمتى كان الإقرار بالنقيصة من سياسة الملوك إذا لم تكن قد استبطنت غرضًا من الأغراض لا ينكشف حتى يحيلها إلى محمدة.
وقد رمى خلفاؤه من قوسه ونزعوا في وتره، وهو كان يبصرهم؛ حتى كان لا يقطع أمرًا دون
стр. 257
يزيد ابنه، ويريه أنه إنما يفزع إلى رأيه فيما يلم حتى يستخرج أقصى ما عنده ويعركه بالخلافة قبل أن يصير خليفة.
وقال أبو الحسن المدائني: كانت بنو أمية لا تقبل الراوية إلا أن يكون راوية للمراثي، قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنها تدل على مكارم الأخلاق ... فعفا الله عن أبي الحسن ظنه حتى اعتبر السياسة بالعلم! ولقد سئل أعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق! وإنما كان بنو أمية رجال مرزأة وحروب وفتن عربية؛ ولم يقم أمرهم إلا بدعوى المطالبة بدم عثمان؛ فكان همهم أن لا ترقأ الدمعة ولا تطفأ اللوعة، وأن تبقى في القلوب معان رقيقة تهيجها المراثي فتنقدح بها المعاني الغليظة في المقاتلة والمسترزقة من العامة، وهم قوة الدعوة، ومن قلوبهم قوت السياسة، وقد استقام لهم بذلك عمود من الأمر كان مائلًا، وحق كان فيما ظنه غيرهم باطلًا.
ولما استخلف عبد الملك بن مروان، أخذ بسنة معاوية، واقتدى به في إحكام السياسة وحسن التأتي للأمور، وكأن القلوب المضطربة قد استقرت أو كادت، والأعناق المائلة قد استقامت بعد أن مادت؛ فبسط عبد الملك بره للرواة، وألان لهم جانبه، وكان لا يجالسه من الناس غير ذي علم وأدب, وهو الذي قال فيه الشعبي: "ما ذاكرت أحدًا إلا وجدت لي الفضل عليه؛ إلا عبد الملك، ما ذاكرته حديثًا إلا رادني فيه، ولا شعرًا إلا زادني فيه"! ولذا اجتمع إليه الشعراء وعلماء الأخبار ورواة الناس، وضربوا إليه آباط الإبل شرقًا وغربًا، حتى حفلت بهم مجالسه، وازدهت أيامه؛ وكان يذاكرهم ويحادثهم وينوه بهم ويدني مجالسهم، ومن أجله أطلق الأدباء على دولة بني أمية قولهم: "المروانية" على جهة التغليب؛ لأن من بعده أخذوا في طريقته واتبعوا أثره وزادوا عليه بمقدار ما اتسع في أيامهم، حتى كانوا ربما اختلفوا وهم بالشام في بيت من الشعر أو خبر أو يوم من أيام العرب، فيبردون فيه بريدًا إلى العراق.
وحدث أدباء البصرة أنهم كانوا يرون كل يوم راكبًا من ناحية بني مروان ينيخ على باب قتادة بن دعامة السدوسي الراوية "وكان أجمع الناس توفي سنة ١١٧هـ" يسأله عن خبر أو نسب أو شعر، وربما سار هذا الراكب بالكلمة عن قتادة فأبلغها بالشام ثم عاد ليسأله عن معنى في نفس جوابه، حتى يكون الجواب مما يحسن السكوت عليه؛ وهذا لعمر أبيك علم الملوك!
وقد بعث هشام بن عبد الملك في إشخاص حماد الراوية من الكوفة، لبيت خطر بباله لا يعرف صاحبه، وهو قول عدي بن زيد:
ودعو بالصبوح يومًا فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
وقطع حماد طريقه إلى دمشق في اثنتي عشرة ليلة، ليذكر له صاحب البيت وسائر القصيدة.
وما كان الناس يومئذ -وهم على دين ملوكهم- بأقل رغبة في الرواة والعلماء والمتوسمين بالأدب، وخاصة بعد أن توطد أمر الرواية حتى قال عمرو بن العلاء: لو أمكنت الناس من نفسي ما تركوا لي طوبة! ... يصف تدافعهم وازدحامهم عليه.
أما العباسيون وأمراء دولتهم، وهم أهل العلوم والحكمة والأدب، فوالله إن كان أحدهم ليرى
стр. 258
الرواية عنه كأنه ديوان من أبلغ الشعر, مدحه خالص له من دون الناس، وإنشاده دائر في ألسنة الناس جميعًا؛ لأنهم رأوا آثار بني أمية وأرادوا أن يطمسوا عليها وينسوا الناس أخبارهم ولا يدعوا للرواة بابًا من الذكرى، وصار الناس يومئذ أوفر ما كانوا إقبالًا على مجالس الرواة، وأشد ما كانوا حاجة إليه؛ لشيوع العلوم وتنافس الخاصة فيها؛ حتى لا يشك من يقف على تاريخ الرواة أنهم كانوا في أمصارهم كأنهم خلفاء الدولة العظمى التي تعنو لها الدول كافة وهي دولة التاريخ.
ولقد كان الرشيد يجلس الكسائي ومحمد بن الحسن على كرسيين بحضرته ويأمرهما أن لا ينزعجا لنهضته, وكان يطارح الرواة ويناشدهم ويذاكرهم به ولما رآهم يقصرون الرواية على أشعار الجاهليين والمخضرمين ممن يحتج بهم في العربية، اتخذ له منشدًا يروي أشعار المحدثين خاصة وينشده إياها، وهو محمد الراوية المعروف بالبيدق "لقب بذلك لقصره" وكان إنشاده يطرب كما يطرب الغناء ولم يرو مثل ذلك عن أحد قبل الرشيد.
أما المأمون فناهيك من خليفة عالم، وهو لم يزل منذ دخل العراق يراسل الأصمعي في أن يجيئه "من البصرة"، وكان لا ينفك يعد أصحابه في مجالسه ويقول: كأنكم بالأصمعي قد طلع, ولكن الأصمعي احتج بضعف وكبر وعلل، ولم يجب إلى ذلك، فكان المأمون يجمع المسائل وينفذها إليه بالبصرة ثم ينتظر جوابها.
ولما كان أبو عبيدة مع عبد الله بن طاهر، ألف كتاب "غريب الحديث" وعرضه عليه، فاستحسنه ابن طاهر وقال: إن عقلًا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب، لحقيق أن لا يخرج عنا إلى طلب المعاش, فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر، ولزمه بعد ذلك، فوجه إليه أبو دلف "يستهديه أبا عبيدة مدة شهرين"، فأنفذه إليه ابن طاهر، فلما انسلخ الشهران أراد الانصراف فوصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم، فردها وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، ولا آخذ ما فيه على نقص. فلما عاد ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار، فعوضه من كل درهم دينار!!
والأمثلة من ذلك مستفيضة لا نطيل باستقصائها، وما من كتاب في الأدب والمحاضرة إلا وأنت واجد فيه شيئًا منها ومن أخبار الملوك والأمراء ومجالسهم مع الرواة.
وكان آخر خليفة جرى على هذه السنة العربية من مجالسة الندماء وتقريب العلماء، هو الراضي بالله المتوفى سنة ٣٢٨هـ "وبويع سنة ٣٢٢هـ" وهو كذلك آخر خليفة كانت مراتبه وجوائزه وخدمه وحجابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدمين، وكانت الرواية يومئذ قد بدأت آخرتها أيضًا، بيد أن الأمراء الذين استبدوا بالأمصار الإسلامية بعد ذلك، كآل بويه، وآل حمدان، وغيرهم، لم يألوا جهدًا في إحياء تلك السنة، والإفضال على العلماء، إلا أن هؤلاء كانوا غير الرواة كما بسطناه في موضعه، ولذا نجتزئ بما أوردنا، فإن أكبر غرضنا من هذا الفصل أن نخلص إلى الكلام على موضع الرواة من أنفسهم، ولم يكن لذلك سبيل إلا من الكلام على موضعهم من الناس.
стр. 259
الرواة: علومهم - أنواعهم
علوم الرواة:
واعلم أن من طريقتنا في هذا الباب أن لا نعد من الرواة كل من اقتنى علمًا من علومهم، أو قبس أدبًا من آدابهم، وإن جاء ذلك على شرط الرواية وأدبها؛ فلو أنا عددنا من أمثال هؤلاء لكان لنا منهم باب واسع "في الترادف التاريخي" يهجن نسق الكتاب ويزري على سبكه، ويتنزل منه منزلة الجملة التي تجمع مترادفات، وكان في كلمة منها أو كلمتين البلاغة كلها؛ فلما كثرت وتقطع بها نسق المعنى ذهب آخرها بفضل أولها ولم يغن أولها عن آخرها شيئًا, إنما نذكر من الرواة الأفراد الذين ذهبوا بمآثر العلوم، وكانوا مشيخة الأجيال، وانقادت لهم أزمة الأسانيد، واتخذ التاريخ منهم أقطاب رحاه؛ وقل من هؤلاء من لا يجمع علوم الرواية كلها أو أكثرها بحسب ما يكون منها في عصره، من النسب، والخبر والشعر، والعربية، واللغة بيد أنهم قد تفاوتوا في مقادير الإحسان من ذلك كله؛ فطائفة غلب عليها النسب، وأخرى ذهبت بمزية الشعر، وثالثة انفردت بعلم الأخبار، وهلم جرا؛ وسنصرف الكلام في هذا الفصل إلى التنظير بين رجال هذه الطبقات على ما أعلمناك من طريقتنا؛ فإن فيها غناء وكفاية.
стр. 260
النسب:
أما رواية النسب فقد كانت عامة في العرب، وكانوا ينسبون حتى الخيل والإبل والكلاب، ما كرم عليهم من هذه الأجناس "كما نسبت طائفة من الإسلاميين الحمام".
والنسب يستتبع رواية أخبار العرب وما فيه شاهد على التاريخ من أشعارها؛ فكان كل أولئك علم النسابين، وقد اجتمع من رؤسائهم في القرن الأول: عبيد بن شرية الجرهمي، وانفرد باتساعه في رواية الأخبار المتقدمة وما يسمونه بالعلم الأول إلى مبدأ الخليفة، عربها وعجمها، وبالحكمة والخطابة والرياسة، وقد ذكرنا أمره مع معاوية في محله, ودغفل بن حنظلة، وأبو الشطاح اللخمي، وقد جمع بينهما معاوية وتناظرا في فنون كثيرة، جاءا في جميعها بالنادر الغريب، حتى صارت مناظرتهما مثلا يضرب لكل ما يجري بين اثنين من الكلام البديع الذي يتدفق بالحكمة والبيان، وكان دغفل أوسع أهل زمانه رواية في أنساب العرب خاصة، وأخبارها وعلومها في الجاهلية، كالأنواء وغيرها؛ وقد تصادر مع أبي بكر الصديق ﵁ في حديث في النسب، ودغفل يومئذ غلام قد بقل وجهه، فكان أمره مع أبي بكر كما قال:
صادف درء السيل درءًا يدفعه ... يهيضه حينًا وحينًا يصدعه
ثم النخار بن أوس، وهو دون أصحابه يجري في قص النسب على طريقة الكهان من السجع والتشبيه، لفضل في بيانه وبسطة في لسانه، وكانت له حكمة تزين ذلك؛ دخل على معاوية أول عهده
стр. 261
به فازدراه، وكان عليه عباءة خلقة فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها!
ويجري في هذه الطريقة عبد الله بن عبد الحجر، وهو ممن وفدوا على معاوية أيضًا.
وهؤلاء ومن كان في طبقتهم: كزيد بن الكيس النمري، وابن لسان الحمرة، وصحارى العبدي، والمختار العدوي، وصبح الطائي، وميجور بن غيلان الضبي، هم رؤساء النسابين، وإليهم تنتهي الرواية، وكان علمهم مقصور على الجاهلية، وطرف من الإسلام.
وامتاز في أواخر هذه الطبقة، صعصعة بن صوحان، وكانت الرواية عند بعد الإسلام في أخبار العرب خاصة، وكان ابن عباس على سعة حفظه كثيرًا ما يسائله ويذاكره، وقد لقبه بباقر علم العرب.
واشتهر من قريش أربعة بأنهم رواة الناس للأشعار وعلماؤهم بالأنساب والأخبار، وكل ما كان قرشيا فهو عند العرب طبقة متميزة. والأربعة هم: مخرمة بن نوفل بن وهب بن عبد مناف، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزي، وعقيل بن أبي طالب.
وكانت قريش في الجاهلية دون غيرها من العرب تعاقب شعراءها القليلين إذا هجا بعضهم بعضًا؛ أما النسابون فكانوا يحمقون منهم من يروي المثالب ويقع في أعراض الناس؛ لأن ذلك هو الهجاء المنثور؛ وهم يريدون بهذا الإزراء أن يسقطوا شأن الرواية إذا شاعت له قالة السوء، حتى تخرج قبيلته مما يلحق بها انتسابه إليها واكتسابه على نفسه، أو تذهب الأحدوثة عنه بصدق الأحاديث منه اتقاء للذم بالذم، وقد كان عقيل واحد الأربعة في ذكر مثالب الناس، فعادوه لذلك وقالوا فيه وحمقوه، وسمعت ذلك منهم دهماء الناس فألف فيه بعض أعدائه الأحاديث وقرنوه فيها إلى الحمقى والمغمورين، فجعلوه بجانب أخيه علي بن أبي طالب, كعتبة بن أبي سفيان بجانب أخيه معاوية, ومعاوية بن مروان بجانب أخيه عبد الملك؛ وإنما كان عقيل رجلًا قد كف بصره، وله بعد لسانه ونسبه وأدبه وجوابه، فلما فضل نظراءه بهذه الخصال، صار لسانه بها أطول، وصار هو بذلك أجرأ وأشد صولة.
تلك هي الطبقة الأولى وما امتازت به، أما الطبقة الثانية فهي التي أخذت على هؤلاء، ونشأت منتصف القرن الأول، وكان أهلها مبدأ الرواية في الإسلام، وهم يتناولون أخبار العرب وأنسابهم وما حدث في الإسلام إلى العهد الذي هم فيه، ويضمون إلى ذلك أنساب الصحابة وطبقاتهم، وأشهرهم في أخبار العرب: قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة ١١٧هـ، والشعبي نديم عبد الملك بن مروان، وهو مفنن يمتاز عن سائر الرواة بذلك، حتى كانوا في القرن الثاني يلقبون من يجمع بين الفقه والحديث والشعر وأيام الناس والأنساب ونحوها "بشعبي زمانه"؛ وممن أطلقوا عليه هذا اللقب، القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، وكان على قضاء الكوفة١،
стр. 262
ثم قتيبة بن مسلم، وهو يمتاز بمعرفة أحوال الشعراء وأخبارهم، والبصر بأشعارهم ومذاهبهم فيها؛ والنضر بن شميل الحميري، وخالد بن سلمة المخزومي، وكانا أعلم أهل زمانهما بأنساب العرب ومغامزها، وهما اللذان وضعا كتاب "المثالب" كما مر في موضعه، والزهري عالم الشام والحجاز، وقد تقدم الكلام عليه, ومن هذه الطبقة عبد الرحمن بن هرمر بن الأعرج المتوفى سنة ١١٧هـ، وهو أحد من ينسب إليه وضع العربية، وقد امتاز من سائر طبقته بعلم أنساب قريش وأصولهم، والتغلغل في ذلك إلى أعماق بعيدة١؛ وروي أن مالكًا بن أنس ﵁ كان يختلف إليه في هذا العلم، وكان يرى أنه علم لم ينته للناس.
وأما الطبقة الثالثة فهي التي كانت في القرن الثاني؛ وهي مصدر الرواية العامة في الإسلام؛ لأن شروط الرواية تعرف إلا في عهدها؛ وتمتاز هذه الطبقة بغلبة الأخبار عليها، وبكثرة الوضع على العرب في المناقب والمثالب، وبانتحال بعضهم مذاهب من الفتنة من الدين؛ وقل منهم من لم يكن أكبر علمه الأخبار؛ ولهذا نذكرهم فيما يلي، ولم يعد لعلم الأنساب من بعدهم الشأن الذي كان له، وإنما صار يروى على أنه بعض علوم العرب.
стр. 263
الخبر والأخباريون:
وصار الخبر بعد الإسلام في طائفتين من الرواة: الأولى تروي أخبار العرب وتغلب عليها، والثانية تغلب عليها أخبار الفتوح الإسلامية وأحوال الدولة. ومن رءوس الطائفة الأولى محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير المتوفى سنة ١٤٦هـ، وكان أعلم القوم بالنسب، وهو كوفي أجمعوا على تركه واتهموه بالكذب والرفض وزيفوا كلامه عن أصل العرب والعربية وما جرى هذا المجرى؛ لكثرة ما يضع منه كذبا وزورًا، وعنه أخذ ابنه هشام بن الكلبي النسابة صاحب "الجمهرة" والكتب الكثيرة في أخبار العرب وأحوالها ومناقبها أخبار الأوائل والأمم البائدة والأحاديث والأسمار ونحوها، وتوفي سنة ٢٠٤هـ، هو أول من افترى خبر كتابة القصائد السبع "المعلقات" وتعليقها على الكعبة -كما سيأتي في بابه- وقد اتهمه العلماء كما اتهموا أباه بالرفض وتركوا حديثه لذلك ولما ظهر من كذبه؛ وشبيل بن عرعرة الضبعي١، وكان راوية ناسبًا شاعرًا عالمًا بالغريب، قالوا: وكان سبعين سنة رافضيا، ثم صار بعد ذلك خارجيا؛ ومجالد بن سعيد بن عمير؛ وهو يروي عن الشعبي؛ وقد توفي سنة ١٤٤هـ؛ والشرق بن القطامي، وهو من رواة الغريب واللغة والشعر، وكان يكذب للرجل في الكلمة ثم يحدث بها الناس في المسجد على أنها من علمه الذي يرويه؛ وعبد الله بن عياش الهمداني، وراويته الهيثم بن عدي، وكل أفراد هذه الطبقة يتقاربون، إلا ما كان من هشام بن الكلبي، فإنه
стр. 264
أوسعهم علمًا وأمدهم رواية وأكثرهم تأليفًا حتى ليصح أن يعتبر بمفرده في وزن الطبقة كلها، ويمتاز معه أبو اليقظان النسابة المتوفى سنة ١٩٠هـ، فإنه يشارك طبقته في علومها وينفرد بالاتساع في أنساب الإسلاميين وأخبارهم من الصحابة والتابعين ﵃.
وأما الطائفة الثانية وهم الذين غلب عليهم لقب الأخباريين لامتيازهم بالاتساع في أخبار الفتوح الإسلامية، فقد انفرد منهم ثلاثة بأنواع من المعرفة قلما يساويهم أحد فيها: أبو مخنف الأزدي، بأمر العراق وفتوحها وأخبارها، وأبو الحسن المدائني بأمر خراسان والهند وفارس "توفي سنة ٢١٥هـ"، والواقدي بالحجاز والسيرة النبوية "توفي سنة ٢٠٧هـ"، ويشتركون مع غيرهم في فتوح الشام وأخبارها.
ولقد عرف كثيرون بعلم السيرة والأحداث والفتوح ولا نعرفهم يمتازون بشيء عمن ذكرناهم، فإن ثلاثتهم بالغوا في الاستيعاب والاستقصاء إلى ما لا يلحق بهم فيه أحد؛ ومن أولئك: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأحمد بن الحارث صاحب أبي الحسن المدائني، وعبد المنعم بن إدريس المتوفى سنة ٢٢٨هـ وقد بلغ المائة، ونصر بن مزاحم، وإسحاق بن بشير، وسيف بن عمرو الأسدي، ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وأبو إسحاق الفزاري؛ وكلهم من أصحاب السير والأحداث.
وممن جاء بعدهم من أصحاب الأخبار العربية والإسلامية: محمد بن سلام الجمحي، والزبير بن بكار، وعمر بن شبة، وابن الأزهر؛ وكلهم في القرن الثالث؛ والفضل بن الحباب، وتوفي سنة ٣٠٥هـ.
وانفرد في القرن الرابع رجلان من الأخباريين الرواة المصنفين: أحدهما محمد بن عمران المرزباني المتوفى سنة ٣٧٨هـ، وليس لأحد في الإسلام أكثر ولا أمتع من تصانيفه في الشعر والشعراء -وسنشير إليه في باب الشعر- والثاني أبو الفرج الأصبهاني المتوفى سنة ٣٥٦هـ؛ وهو صاحب كتاب "الأغاني" وغيره من الكتب الكثيرة في الأخبار والآداب مما لا يدانيه فيه أحد.
وكان في القرن الثالث رجل من الأخباريين هو طبقة وحده في الإسلام، وهو محمد بن عبيد الله العتبي المتوفى سنة ٢٢٨هـ، وكان من ولد عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية، وقد انفرد برواية أخبار بني أمية خاصة، وليس له في غيرها يد؛ وكان يرويها عن آبائه، وهم يروونها عن سعد القصير، وسعد هذا هو مولى بني أمية؛ قتله ابن الزبير بمكة.
وهذا الذي أوردناه من القول في الأخباريين لا يداخله الكلام على المؤرخين في الإسلام؛ فإن فصل ما بين الفريقين أن الذين ذكرناهم كانوا مادة المؤرخين؛ لأنهم تميزوا بأنواع من الرواية جمع منها المؤرخون ما جمعوه، ولكل قول موضع ومقام معلوم.
стр. 265
رواة العرب:
وهؤلاء قوم كانوا في البادية بمنزلة الرواة في الحضر، من حيث هم مصادر العلم والقائمون عليه، فيتحققون بعلم الأخبار والآثار والأنساب والأشعار، وكان الرواة يأخذون عنهم ويسمونهم علماء البادية، وهم منهم في هذه العلوم كالأعراب الفصحاء في اللغة، كانت أسماؤهم دائرة في أفواه الرواة، بيد أن العلماء الذين دونوا الأخبار وصنفوا الكتب اكتفوا بنسبة الكلام إلى صدور الرواة ممن نقلوا عن علماء البادية: كالأصمعي، وأبي عبيد، وابن الكلبي وغيرهم، دون هؤلاء العلماء؛ لتحقق الرواة بالأمانة والضبط؛ ولأنهم لا يقدرون الألفاظ بمعانيها التاريخية؛ ولهذا لم نقف إلا على القليل من أسماء القوم، وعلى أن هذا القليل إنما جاء في عرض كلام مما يتعلق بالسمر ويدخل في باب الحكاية ... وقد رأينا في "الفهرست" لابن النديم أن لابن دريد كتابًا سماه "رواة العرب" ولا ندري من خبره شيئًا.
فمن هؤلاء الرواة: المسور العنزي، وسماك بن حرب؛ ومنهم ثم من علماء بني عدي: زرعة بن أذبول، وابنه سليمان، وأبو قيس، وتميم العدوي؛ وكلهم في أواخر القرن الأول؛ ومنهم أبو بردة وأبو الزعراء، وأبو فراس؛ وأبو سريرة، والأغطش؛ وكانوا في القرن الثاني، وأدركهم أبو عبيدة وطبقته وأخذوا عنهم.
ولا بد أن تكون منهم طائفة ممن عدوهم في فصحاء الأعراب، ولكنهم لم يترجموهم ولم ينبهوا عليهم ولم يذكروا ما أخذوه عنهم إن كان لغة أو خبرًا أو نسبًا أو شعرًا؛ كمحمد بن عبد الملك الفقعسي؛ فإنه معدود من فصحاء الأعراب، وقد ذكرناه ثمة، وهو من ذلك راوية بني أسد وصاحب مفاخرها وأخبارها، وعنه أخذها العلماء، والله أعلم.
стр. 266
الشعر:
والشعر كان عمود الرواية، فلا بد منه لكل راوية، وإنما يتفاضلون فيه من جهتين: الاتساع في الرواية، وأكثر ما يكون فيمن لم تقتطعه العلوم التي يفتن فيها علماء الرواة: كالنسب، والخبر، والعربية، والقراءة، والحديث، ومن هذا الاتساع ينشأ الوضع، وقد مكنا القول فيه من قبل.
والجهة الثانية معرفة تفسيره والبصر بمعانيه، وهي التي نرمي إلى الكلام عليها في هذا الفصل.
كان صدور الرواة إنما يطلبون الشعر للشاهد والمثل، وهما غرضان أكثر ما تؤديهما الألفاظ دون المعاني، ولما كانت الألفاظ عربية صريحة ينبغي أن تؤخذ بالتسليم ولا وجه لتقليبها ونقدها والتورك عليها انصرف أكثرهم عن البحث في الشعر والتصفح على معانيه، فاقتصر العلم به على رواية اللفظ كما هو وما يقتضى لها من فهم المعنى كما هو؛ وبذلك بقي الشعر أيضًا كما هو.
ومن شعر العرب نوع مما يقال على المشاهدة، فيستخرج الشاعر المعنى الغريب من شيء رآه ويكون في اللفظ إبهام لا يتعين معه أصل المعنى، وهذا النوع إن لم يفسره شاعره أو من أخذه عنه، ذهب العلم بحقيقة معناه واضطربت فيه الظنون؛ ونوع آخر يتعلق بالعادات التي كانت للعرب في جاهليتها، ولا بد لتفسيره من المعرفة بها، وبما كان خاصا منها بقبيلة الشاعر إن كان من ذلك شيء؛ ونوع ثالث يتعلق بعلوم العرب التي أخذتها عن الأمم واعتبرتها علومًا صحيحة واعتبرها من جاء بعدهم، الخرافات والتكاذيب، ويسمى الرواة كل ذلك في الشعر بأبيات المعاني؛ لأنها أشياء خارجة عن غرضهم اللفظي الذي أومأنا إليه، والعلم بتلك الأبيات وتفسيرها أكثر ما يكون عند الشعراء
стр. 267
والرجاز من العرب الذي نشئوا في البادية كما نشأ أصحاب المعاني، أو الذين رووا الشعر عمن نشأ فيها وأقاموا بالأمصار: كالحطيئة، وجرير، والفرزدق، والكميت، وغيرهم؛ لأنها طرف من صناعتهم؛ لأن الشعر كان لا يزال على بداوته وإن ضعف شيئًا قليلًا. وسيأتي الكلام على هذا النوع مفصلًا في باب الشعر.
أما الرواة فقد انصرفوا عن هذا وأشباهه، وكانوا يرون المعاني على مقادير أصحابها من الشعراء في أوهامهم. فالمعنى الذين يكون لامرئ القيس يكون كامرئ القيس في اعتباره وإجلاله وتحاميه أن يتلقى بالرد والمواجهة ولذا فشا الغلط بينهم في تفسير الشعر، وأخذ منه التصحيف كل مأخذ؛ ولقد سئل أبو عمرو بن العلاء عن معنى قول امرئ "ومر تفسيره عن الكميت":
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لامين على نابل
فقال: ذهب من يحسنه.
وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن قوله "أي: الشاعر":
زعموا أن كل من ضرب العيـ ... ـر موال لنا وأنى الولاء
فقال: مات الذين يعرفون هذا؛ وإنما يعني شعراء العرب لا الرواة. وكان أبو عمرو نفسه يقول: العلماء بالشعر أقل من الكبريت الأحمر.
فلما أخذ الخلفاء وأمراؤهم يطارحون الرواة ويذاكرونهم في المعاني، وذلك حين استبحر العلم في الدولة العباسية، وكانت قد انحرفت طريقة الشعر بما ذهب إليه المحدثون: كبشار بن برد، ومسلم، وأبي نواس، وغيرهم؛ إذ جعلوا يغوصون على المعاني ويتلومون على حوك الشعر وسبكه، وأقبل الناس أيضًا يفتشون على المعاني، وقلت عنايتهم بالألفاظ, انتبه بعض الرواة إلى هذه الجهة من الشعر، وأعطوها قسطها من العناية، فنبغت منهم طبقة لم يعرف غيرها، ولم تنبغ من ذلك إلا في معاني أشعار العرب ومن يستشهد بقولهم دون المولدين؛ وهؤلاء كان شعرهم أدق معاني وأبعد أغراضًا؛ وقد انفرد يومئذ بعلم الشعر على الإطلاق -أغراضه ومعانيه ومذاهب النقد فيه- أهل الطبع والبلاغة من أدباء الكتاب الذين صرفوا القول في فنونه واندفعوا إلى مضايقه وحزونه؛ قال الجاحظ: طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلا غريبه "الألفاظ والمعاني العربية" فسألت الأخفش فلم يعرف إلا إعرابه، فسألت أبا عبيدة فرأيته لا ينفذ إلا فيما اتصل بالأخبار؛ ولم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب، كالحسن بن وهب وغيره.
أما الطبقة التي أومأنا إليه فرجالها ثلاثة: خلف الأحمر، والأصمعي، وجهم بن خلف المازني، وهو معاصرهما؛ وكانوا ثلاثتهم يتقاربون في ذلك، وامتاز خلف بقول الشعر وإحسانه وإجادته حتى لا ينزل عن الطبقة التي يقارنه بها، ومن ثم كان ينحل الشعراء المتقدمين؛ ذهابًا بنفسه، واعتدادًا بما تطوع له؛ وكان أيضا أعلم الرواة بالشعر ومعانيه ومذاهب الشعراء فيه، ثم هو معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة، وقد أجمعوا على أنه أفرس الناس ببيت شعر، وكان علماؤهم لا يتكلمون في الشعر ونقده ما لم يكن حاضرًا، ولا يراجعونه في قول إن قال وفي رأي إن رأى؛ ولكن الأصمعي فاته
стр. 268
بمعرفة النحو مع مقاربته له في المعاني وصدقه في الرواية؛ ولذا فضلوه عليه؛ وكان للأصمعي ذهن ثاقب وطبع صحيح؛ فما لبث في آخر عهده أن صار أبعد نظرًا في الشعر من أستاذه وأوسع رواية فيه؛ حتى كان الرشيد يسميه شيطان الشعر؛ وقال ابن الأعرابي: شهدت الأصمعي وقد أنشد نحوًا من مائتي بيت ما فيها بيت عرفناه.
وأما جهم بن خلف المازني فهو يقارب الأصمعي وخلفًا، وينفرد دونهما بسعة علمه في عادات العرب وحقائق أوصافها؛ ولذا كان كثير الشعر في الحشرات والجارح من الطير ونحوها؛ إلى ما يتصل بذلك من معاني البادية التي لا ينفذ في حقائقها إلا العربي القح وإلا البدوي الجافي.
ولم يساو هذه الطبقة أحد ممن جاء بعدهم من الرواة، إلا ابن دريد المتوفى سنة ٣٢١هـ؛ وكان أحفظ الناس وأوسعهم علمًا وأقدرهم على الشعر وأبصرهم بمذاهبه؛ ولذلك نظروه بخلف، وقالوا: ما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد، ولو كان الأصمعي يجمع إلى علمه وروايته القدرة على الشعر وصوغه لكانه نادرة التاريخ العربي كله بلا امتراء.
وقد وقفنا للجاحظ على فصل نادر يصف به رواة عصره في معرفتهم بالشعر وبصرهم بمعانيه وما تلتمس من أغراضه كل طائفة منهم، وانصراف الناس يومئذ إلى حقيقة الشعر والتفتيش على دقائقه مما هو من محض البلاغة وصميم الفصاحة، ثم ما تدرجوا فيه من ذلك؛ ونحن نورد كلامه توفية لفائدة هذا الفصل، ولكنا ننبهك إلى أن الجاحظ يتحامل على من أدركه من الرواة الذين كان إليهم أمر اللغة؛ لأنهم لم يوثقوه، بل ذموه وهجنوا كتبه وتنقصوا روايته، وسنشير إلى ذلك بعد.
قال الجاحظ: قد أدركت رواة المسجديين والمربديين؛ ومن لم يرو أشعار المجانين "كمجنون بني جعدة، ومجنون بني عامر، وغيرهما من العشاق" ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المصنفة, فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة؛ ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الأحاديث والقصائد والنتف من كل شيء، ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب عباس ابن الأحنف؛ فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب فصار زهدهم في نسيب العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سنيات وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتياني متغزل؛ وقد جلست إلى أبي عبيدة والأصمعي ويحيى بن تخيم وأبي مالك عمرو بن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده؛ وكان خلف يجمع ذلك كله، ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل، ورأيت عامتهم -فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إن صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت اللسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر؛ ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارًا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر، وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدًا أن يقولوا شعرًا جيدًا، لمكان إغراقهم في أولئك الآباء، ولولا أن أكون عيابًا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة. ا. هـ.
стр. 269
العربية واللغة:
ونريد بالعربية النحو؛ والكلام فيه سابغ الذيل: إذ يتناول تاريخه وأهله ومذاهبهم فيه ومن انفرد منهم ببعض المذاهب ومن شارك، إلى ما يداخل ذلك ويلتحق به؛ وهو فن من التاريخ لا صلة له بما نحن في سبيله الآن، إلا من جهة استتباعه للشعر واللغة، ومن جهة أنه كان مثار الخلاف بين الطائفتين العظيمتين من البصريين والكوفيين، منذ تجاروا الكلام في مسائله؛ وقد تقدم لنا صدر من القول في الجهة الأولى، ونحن نردفه بفصل موجز عن الجهة الثانية؛ ثم نمسك سائر ما يتعلق بهذا النحو إلى موضعه من باب العلوم إن شاء الله.
وأما اللغة فقد أجمعوا على أنه لا معول في روايتها على أهل الكوفة، وأما أهل البصرة فقالوا إن منهم أصحاب الأهواء، إلا أربعة، فإنهم كانوا أصحاب سنة، وهم: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي؛ وهم يريدون بذلك التثبت والتحري، وتوثيق الرواية والأمانة في النقل والأداء؛ لأن هؤلاء الأربعة كانوا أركان الرواية في اللغة والعربية. ورأيناهم ذكروا أئمة اللغة الذين امتازوا دون سائر الرواة في الإسلام بما حفظوه منها، فقالوا: إن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة، وكان الخليل بن أحمد يحفظ نصف اللغة١، وكان أبو فيد مؤرج السدوسي "من تلامذة الخليل" يحفظ الثلثين، وكان أبو مالك عمرو بن كركرة الأعرابي يحفظ اللغة كلها؛ قالوا: وكان الغالب عن أبي مالك حفظ الغريب والنوادر "وهي حقيقة المراد باللغة كما شرحناه في موضعه".
وجاءت هذه الرواية من وجه آخر بأن الأصمعي يجيب في ثلث اللغة؛ وأبو عبيدة في نصفها، وأبو زيد الأنصاري في ثلثيها، وأبو مالك الأعرابي فيها كلها؛ وإنما يريدون توسعهم في الرواية والفتيا؛ لأن الأصمعي كان يضيق ولا يجوز إلا أصح اللغات ويلح في دفع ما سواه، وكان شديد التأله: لا يفسر شيئًا من القرآن، ولا شيئًا من اللغة له نظير واشتقاق في القرآن، وكذلك كان يتحرج في الحديث، ثم كان لا يفسر شعرًا يوافق تفسيره شيئًا من القرآن، ولا ينشد من الشعر ما كان فيه ذكر
стр. 270
الأنواء ولا يفسره، لقوله ﷺ : "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا". ولم يكن ينشد أو يفسر شعرًا يكون فيه هجاء١، ومن ثم فاته أبو عبيدة وأبو زيد، ولما وضع أبو عبيدة كتاب "المجاز في القرآن"٢، وقع الأصمعي فيه وعاب عليه تأليف هذا الكتاب، وقال: يفسر القرآن برأيه! فسأل أبو عبيدة عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، ثم قصد إليه وجلس عنده وحادثه، ثم قال له: يا أبا سعيد، ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله. فقال: فسرت كتاب الله برأيك؛ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦] ! فقال له الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته ولم أفسره برأيي. فقال أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبه علينا كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا.
بيد أن الأصمعي امتاز في رواة اللغة بالشعر ومعانيه، وانفرد أبو زيد دون الثلاثة بالنحو وشواهده؛ وهو الذي يعنيه سيبويه إذ قال في كتابه: "وحدثني من أثق بعربيته ... "٣ وفاتهم أبو مالك بالغريب والنوادر؛ أما أبو عبيدة فإنه استبد بهم جميعًا في العلم بأيام العرب وأخبارهم وعلومهم، وكان يقول: ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام، إلا عرفتهما، وعرفت فارسيها! وقال فيه الجاحظ: ليس في الأرض خارجي ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة!
وكان أبو زيد وأبو عبيدة يخالفان الأصمعي ويناويانه كما يناويهما؛ فكلهم كان يطعن على صاحبه بأنه قليل الرواية، وكانت اللغة متنازعة بينهم، فيتفق الصاحبان وينفرد الأصمعي وحده بالخلاف، والكوفيون لا يرون فيهم ولا في الناس أعلم باللغة من الفراء المتوفى سنة ٢٠٧هـ، وكان من رءوسهم وقالوا فيه: إنه لولاه لما كانت اللغة؛ لأنه حصلها وضبطها، ولولاه لسقطت العربية؛ لأنها كانت تنازع ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب.
ثم انتهى علم اللغة في البصريين إلى ابن دريد، وهو خاتمة رواتهم وآخر ثقاتهم، لم تفتح بعده
стр. 271
صفحة في التاريخ لما يسمى بصريا أو كوفيا من هذا العلم.
ولما دونت كتب الأئمة في اللغة وتناقلها روايتها بالأسانيد، كثر فيها التزيد، وركب النساخ منها عبثًا كثيرًا، إلى أن جاء الأزهري المتوفى سنة ٣٧٠هـ، وهو صاحب كتاب "التهذيب"؛ فتفقد كتبهم، وتأمل نوادرهم، ونظر في الكلام المصحف، والألفاظ المزالة عن وجهها أو المحرفة عن معناها، وما أدخل في الكلام مما هو ليس من لغات العرب، وما اشتملت عليه الكتب التي أفسدها الوراقون وغيرها المصحفون؛ واعتبر كل ذلك اعتبار ناقد يتصفح على الرواة ويطلب مواضع الثقة فيما يروى عنهم؛ ثم إنه بعد أن أمعن في ذلك واستقصى، قال: إنه وجد عظم ما روي لابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني وأبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي معروفًا في الكتب التي رواها الثقات عنهم والنوادر المحفوظة لهم، فخص بالثقة هؤلاء دون سائر الرواة.
ولما عد في مقدمة كتابه "التهذيب" ثقات الرواة، وهم أولئك الذين عرفتهم، ووصفهم بالإتقان والتبريز ووثقهم، قال: فلنذكر بعقب ذكرهم أقوامًا اتسموا بسمة المعرفة وعلم اللغة، وألفوا كتبًا أودعوها الصحيح والسقيم، وحَشوها بالمزال المفسد والمصحّف المغير، الذي لا يتميز ما يصح منه إلا عند الثقة المبرز، والعالم الفطن، وعد من هؤلاء: الليث بن المظفر الذي نحل الخليل تأليف كتاب "العين"١، وقطربًا، وقال: كان متهمًا في رأيه وروايته عن العرب؛ والجاحظ، وقال فيه: إن أهل المعرفة بلغات العرب ذموه، وعن الصدق دفعوه؛ ثم ابن قتيبة وابن دريد.
стр. 272
البصريون والكوفيون:
وهما الطائفتان اللتان عصب بهما طلاب العربية، وقد تضافرتا جميعًا على استخراج هذه العلوم بعد أن كانت السابقة فيها للبصريين بما أصلوا وفرعوا؛ وكان في هؤلاء غريزة التحقيق والتمحيص دون الكوفيين، فبغت لذلك إحدى الطائفتين على الأخرى نفاسة وحسدًا، ثم استطار الجدال بينهم فوقعوا من المناظرة في أمر مستدير، وتباين ما بين الفئتين إلا حيث تتصلان في الكلام لتدفع إحداهما الأخرى. ومن ثم جعل الكوفيون، يتمرءون بخصومهم١، فينتقصونهم ليعد ذلك منهم قدرة على الكمال، ويعيبون الرجال ليكونوا هم وحدهم الرجال. أما البصريون فكانوا يريدون أن أصحابهم لو ركبوا في نصاب رجل واحد ما بلغوا أن يعدلوا أضعف رجل في البصرة؛ وقد رموهم في باب الكذب بقمص الحناجر، والأخذ عن كل بر في الرواية وفاجر، وجعلوهم من علماء الأسواق، وتلامذة الأوراق، ولشد ما اندرءوا جميعًا بعضهم على بعض بمثل هذا الكلام، وقاموا في المناظرة كل مقام؛ على أن العلم منذ وجد إنما تخلص حقائقه بالجدال؛ فرحم الله الغالب فيه والمغلوب.
стр. 273
أولية العربية في الكوفة:
وقد رأينا المتوسمين بالأدب لا يميزون عهد الكوفيين من عهد البصريين، ولا يدرون متى اشتغل الكوفيون بالمذاهب المقصورة عليهم، والحدود المنسوبة إليهم؛ بل يحسبون أن أول بصري في النحاة وجد معه أول نحوي من الكوفيين؛ وذلك جهل فاحش بتاريخ الرواية والجبهة المتقدمة في الرواة, ونحن لم نقف على كلام لأحد في أولية العربية بالكوفة، بيد أن ذلك لم يقعد بنا عن التتبع والاسترواح، كسائر ما نستفرغ الهم فيه من أصول هذا الكتاب وفصوله.
والذي ثبت لنا أن أولية العربية إنما كانت في البصرة؛ لأن أبا الأسود الدؤلي قد نزل لها وأخذ عنه جماعة هناك، فكان كل أصحابه الذين شققوا العربية بعده بصريين ثم انتقل النحو إلى الكوفة، وكانت الرواية فيها مقصورة على الشعر وما يتصل به من النسب والخبر، كشأنها من أول العهد بالإسلام؛ ومن أقدم رواتهم الخثعمي، وقد أومانا إليه من قبل، ومنهم ثم من أعلمهم، أبو البلاد الكوفي، وكان أعمى جيد اللسان، وهو في زمن عبد الملك بن مروان، فلا بد أن تكون نشأته في منتصف القرن الأول؛ ثم ظهر بعده حماد الراوية، ولهو لحانة لا يذكر في العربية؛ ولكن أول من عرف بالنحو من الكوفيين إنما هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي المتوفى سنة ١٦٤هـ، وكان بصريا ثقة، غير أنه انتقل إلى الكوفة وسكن بها زمانًا، وهو من تلامذة أبي عمرو بن العلاء؛ وظهر معه معاذ الهراء واضع التصريف، وقد عمر طويلًا حتى قارب المائة، وتوفي سنة ١٨٧هـ، ثم نجم رأس علماء الكوفيين وأستاذهم وأول من ألف منهم كتابًا في العربية، وهو أبو جعفر الرؤاسي، وكان معاذ الهراء عمه، فأخذ عنه، ثم أخذ عن عيسى بن عمر من تلامذة أبي الأسود، وعن هذين "معاذ والرؤاسي" أخذ علي بن حمزة الكسائي المتوفى سنة ١٨٩هـ، وهو الذي رسم للكوفيين الحدود التي عملوا عليها وخالفوا بها البصريين؛ وكان فيهم كالخليل بن أحمد في أولئك.
ثم استفاض نحو الكوفيين من بعده، وتوسع فيه تلميذه الفراء حين ألف كتاب "الحدود"، وكان المأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، وأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار "دار الحكمة"، ووكل به من يكفيه كل حاجته حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوق نفسه إلى شيء، وحتى إنهم كانوا يؤذنونه في حجرته بأوقات الصلوات "تأمل وترحم على ملوك العلماء" وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان الوراقون يكتبون وهو يملي حتى صنف الحدود١.
وفي الكسائي وتلميذه يقول ابن الأنباري "وهو من الكوفيين أيضًا": لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفراء، لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس؛ إذ انتهت العلوم إليهما، وكان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو.
ومن لدن الكسائي غلب أهل الكوفة على بغداد، لخدمتهم الخلفاء وتقديمهم إياهم كما علمت، فغلبوا بذلك البصريين على أمرهم، ورغب الناس من يومئذ في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر، وتباهوا بالترخيصات، وتركوا الأصل واعتمدوا على الفروع، ومن ذلك بدأ اختلاط المذاهب الذي عده البصريون اختلاطًا للعلم؛ لأن مذاهب الكوفيين ليست عندهم من العلم الصريح.
стр. 274
مذاهب الطائفتين:
وقد انفرد كل من البصريين والكوفيين بمذاهب في العربية استخرجوها من كلام العرب أو وضعوها محاماة لكلامهم، كالذي كان يصنعه علماء الكوفة، وليس من عالم إلا وقد أخذ بمذاهب هؤلاء أو أولئك أو خلط بين المذهبين -كما سنفصله في باب النحو ونذكر أهله إن شاء الله- بيد أن البصريين كانوا يأنفون أن يرووا عن الكوفيين لضعفهم وتعلقهم بالشاذ وارتفاعهم عن البوادي الفصيحة، وكانوا لا يرون الأعراب الذين يحكون عنهم حجة في العربية؛ لأنهم غير خلّص؛ وكما تركوا عربيتهم تركوا شعرهم، لا لأنه فاسد كله، ولكن لمجيئه على مذاهبهم؛ قالوا: وأول من أحدث السماع في البصرة خلف الأحمر، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه الشعر، ثم تابعه البصريون فأخذوا عن حماد بعد ذلك، لانفراده بروايات من الشعر؛ فإنه هو الذي أخذ عنه كل شعر امرئ القيس؛ إلا شيئًا أخذوه عن أبي عمرو بن العلاء ومع هذا فكان البصريون لا يرون حمادًا ثقة ولا مأمونًا؛ لأنه كوفي وكفى!
أما في النحو واللغة فلا يعلم أحد من علماء البصريين أخذ شيئًا منهما عن أحد من أهل الكوفة، ولا روى عنهم شيئًا من الشعر أيضًا؛ لأن الذين أخذوا عن حماد إنما كانوا يطلبون الشعر ليرووه شعرًا لا ليقيموا منه الشواهد، ولا يعرف في تاريخ البصريين من روى الشعر عن الكوفيين للشاهد، إلا أبا زيد الأنصاري، فإنه روى عن المفضل الضبي؛ لثقته في الشعر وتحريه؛ إذ لم يكن للكوفيين راوية يذكر بإزاء علماء البصرة إلا المفضل هذا؛ وهو أوثق من روى الشعر منهم؛ وقد اختص به دون العربية واللغة؛ ولذلك أمنوا جانبه.
وكان الكوفيون يأخذون عن أهل البصرة، وما من أحد من أساتذتهم إلا وقد تلمذ لبصري، ولكنهم كانوا يتميزون بروايتهم؛ حتى لم يكن فيهم أحد أشبه رواية برواية البصريين إلا ابن الأعرابي "توفي سنة ٢٣١هـ" وهو ممن أخذوا عن الكسائي؛ ولم ير أحد في علم الشعر واللغة كان أغزر منه؛ وكذلك لا يعرف أحد في رواة المصرين كان أشد عصبية من ابن الأعرابي هذا؛ قال أبو عمرو الطوسي: كان يدع ما يعرف ويركب الخطأ ويقيم في العصبية عليه.... وكان يضع من أبي تمام، فجئته يومًا ومعي أرجوزته:
وعاذل عذلته في عذله
فقرأتها عليه "على أنها لبعض شعراء هذيل"، فقال: لا تبرح والله حتى أكتبها، فأمليتها عليه فكتبها بخطه، فلما فرغ قلت: هذا الذي تعيبه أبو تمام! فخرقها وقال: ولذا يظهر عليها أثر التكلف!
على أن مثل هذه العصبية إنما تقدر بسببها، وقد كان الأصمعي راوية البصريين، يتعصب على أبي النجم الراجز بالعشيرة؛ لعداوة ما بين ربيعة وقيس، حتى حملته العصبية على أن صرح ببغضه
стр. 275
وتتبع سقطاته، وبينهما أكثر من نصف قرن؛ وقال علي بن حمزة في كتاب "التنبيهات"١: إنه كان شديد العصبية على جماعة من الشعر لعلل.... فعلة ذي الرمة اعتقاده العدل، وكان الأصمعي جبريا، وقيل لأبي عثمان المازني: لم قلت روايتك عن الأصمعي؟ قال: رميت عنده بالقدر والميل إلى مذاهب الاعتزال؛ ثم ذكر قصة أنه جاءه يومًا فاستدرجه الأصمعي إلى الإقرار بعقيدته ليغري به العامة، وقال في آخرها: ثم أطبق "يعني الأصمعي" نعليه، وقال: نعم القناع للقدري. فأقللت غشيانه بعد ذلك. قال: وكان الأصمعي لهذه العلة يكثر الأخذ على ذي الرمة ويعترضه مخطئًا أيضًا.
ولا يزال يكون مثل ذلك في العلماء الذين يجعلون العلم وراء العقيدة؛ فهم إذا انتحلوا مذهبا يميزهم في طائفة من الأضداد، ذهبت ريحهم بهذا التضاد فصرفوا العلم إلى جانب الهوى فيه، وجعلوا ألسنتهم من وراء ما يذهبون إليه، يحوطونه ويدرءون عنه ويبغون الغوائل بمن يعترضه دافعًا أو مدافعًا، ولا بد في التسبب لذلك من ضغن علمي يرونه حلالًا بينًا، فإن كان فيه مكروه من النفاسة والتخذيل فكراهة تحليل؛ لأنه في الله أو في الحق الذي هو من الله؛ والضغن متى كانت له سبيل في العلم كان أمد في الصدور، وأرسخ في القلوب، لما يكون معه من خاصة النظر التي تكتنفه بأشعة النفس فتجعله كأنه من أخلاط الطبيعة في التركيب وإن كان من أغلاطها، وتظهره في أشعتها مظهر السحاب الذي يرتفع بقطرات الماء وإن كان بعد ذلك سبب انحطاطها؛ فرحم الله القوم، فإن لهم وجوهًا من المعذرة، تنظر فيها عيون المغفرة، و ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] .
وبعد، فهذا مجمل من أمر الرواية والرواة، ولولا أني حبست من نفس المقال، وعدلت بالقلم عن انتجاع الغيث إلى البلال لأمضيت البحث لطيته، وتركت الخاطر على سجيته، ولكنها قصبة من جناح قد طار، وأثارة من علم صار من الإهمال إلى ما صار، وإن هو إلا بساط كان منشورًا فطوي، وحديث قيل ثم روي.
стр. 276
المحتويات:
٥ تصدير
٩ مقدمة الطبعة الأولى
١٣ كلمة في هذا التأليف
نهج المؤلف: أثر المستشرقين في تبويب هذا الفن، خطأ تبويب الأدب على التاريخ الزمني، ذهاب الكثير من أصول التاريخ الأدبي، صلة الأدب بالدين والسياسة والعلم، آداب اللغة العربية كلها عصر واحد، نهج المؤلفين في تاريخ آداب العرب، ونهج المستشرقين، تعليق الحواشي وتلخيص المتون، علماء لا يعلمون، مذهب الضم ومذهب التفريق.
١٩ نمط الكتابة وأبوابه
مراجع المؤلف، وأسلوبه، الأمثلة والمختارات، تحقيق الروايات، أبواب الكتاب.
تمهيد: في فصلين:
٢١ الفصل الأول: الأدب - تأريخ الكلمة
الأدب والمأدبة، الخلق والتهذيب، علم المؤدبين، فنون الأدب، قال ابن خلدون، الأدب والرواية، وقال ابن عبد ربه، مجلس ابن عباس، علم العرب، حرفة الأدب، الكسب بالشعر، الأدب وفنون المنادمة، الآداب الرفيعة، أدب النديم، الأدباء: العلماء والمتعلمون، الأدباء: الشعراء والكتاب.
٢٦ المؤدبون
المؤدبون والمعلمون، أصحاب العلوم وأصحاب البيان، جريدة المؤدبين.
٢٨ علوم الأدب وكتبه
الشعر، اللغة والنحو، قال ابن الأنباري، وقال الزمخشري، وفي نفح الطيب، كتب الأدب، قال ابن خلدون.
٣٠ الفصل الثاني: العرب
٣١ بلاد العرب: أقسام العربية
٣٢ أصل العرب: الشعوب الشامية
٣٣ طبقات العرب - العرب البائدة - القحطانية - الإسماعيلية
٣٦ العرب والأعراب: أصل كلمة "عرب"
стр. 277
٣٧ الباب الأول: اللغات واللغة العربية
٣٩ أصل اللغات
المذهب التوفيقي، المذهب الوضعي، منطق الحيوان، الدلالة بالإشارة، الصوت.
٤٠ المواضعة على الألفاظ
صوت الطبيعة، ألفاظ الإحساس، تنوع مخارج الحروف، بدء اختراع اللغة، تطورها، أمثلة من لغات الشعوب المنحطة، الكتابة الصورية.
٤٤ تفرع اللغات
اللغة الأولى، أصول اللغات: الآري، والسامي، والطوراني.
٤٦ علوم اللغات
٤٨ اللغة العامة: وأصلها العربي فيما يقال
لغة محيي الدين بن عربي، محاولة تيمورلنك، الأسبرانتو.
٥٠ اللغات السامية
٥١ الأصل السامي: حركات الإعراب في اللغات، المشابهة بين فروع السامية
٥٣ أصل العربية: الدولة المعينية، الدولة السبئية، الدولة الحميرية، الأحباش
٥٥ مجانسة العربية لأخواتها
صيغ الأفعال، الألفاظ الطبيعية، الضمائر، العدنانية والقحطانية، العرب واليهود.
٥٧ اللسان العربي في الشمال
النبط، التدمريون، خطوط آرامية.
٥٩ تهذيب العربية الأول
أقوال العلماء في تهذيب اللغة، الإسماعيلية والقرشية، لفظ "يعرب".
٦١ انتشار القبائل العربية: والتهذيب الثاني
تفرق القبائل وتنوع اللهجات، أخذ العرب بعضهم عن بعض.
٦٣ الدور الثالث: في تهذيب اللغة
عمل قريش: أثر الكعبة والتجارة، رحلة الشتاء والصيف. ٦٥ أسواق العرب
أسماء الأسواق ومواسمها، الدخيل في أسواق البياعات.
٦٥ عكاظ
خرافة المعلقات السبع، منطق قريش، سوق المربد، الوحدة اللغوية.
стр. 278
٦٧ الأسباب اللسانية
امتياز اللسان العربي، الثقل والخفة، جمع اللغة وضبط قوانينها.
٦٨ أمثلة من هذه الأسباب
الاتباع، الفعل مع الضمير، في إسناد الفعل المضعف، المضعف إذا بني للمجهول، الواو المضمومة في أول الكلمة، والواو المفتوحة، إدغام الهاء في الحاء، من نوادر الإدغام "لغات إلى العامية المعروفة" مراتب الثقل، الاستقلال والمتابعة.
٧٠ مواقع الحروف اللسانية
اكثر الحروف العربية استعمالًا، حروف لا تأتلف في كلمة، سر التأليف في أبنية الكلام.
٧٢ عدة أبنية الكلام
طريقة الخليل بن أحمد، المهمل والمستعمل، أنواع المهمل، عناية العرب بالإحصاء واستقراء النظائر، أسرار الحروف ومعانيها، صيغ الكلام في العربية وصيغ العبرانية والسريانية.
٧٣ أوزان الأفعال في اللغات الثلاث
٧٥ مناطق العرب: الحروف العربية
ترتيب الحروف في الأولية باعتبار مخارجها، ترتيب الأبجدية العربية، كتاب "العين"، تاريخ الحركات.
٧٦ الحروف المتفرعة
٧٧ المستحسنة منها
٧٧ لغات في التخفيف
٧٨ الإمالة
٧٩ المضارعة بين الحروف
٨٠ الحروف المستهجنة
٨٢ صفات الحروف ومخارجها
٨٢ الصفات
٨٤ المخارج
٨٦ اختلاف لغات العرب
٨٧ قبائل العرب
стр. 279
٨٨ أفصح القبائل
معنى الفصيح، الأرحاء، الجمرات، أثر العزلة والمخالطة، القبائل الفصيحة، فصاحة النبي، كتبة المصحف، قال الأزهري.
٩٠ معنى اختلاف اللغات
تباين اللهجات وتنوع المنطق، اختلاف دلالة اللفظ. لغة الآحاد، تدرج القبائل في سبيل الوحدة اللغوية، معنى كلمة "لغات"، نسبة اللغات إلى أصحابها.
٩١ تحقيق معنى اللغات في الاصطلاح
إغفال القدماء تدوين اللغات، الاعتبار الديني، اللغات هي الشواذ والنوادر و..
٩٤ أمثلة اختلاف اللغات
٩٤ النوع الأول: لغات منسوبة ملقبة
الكشكشة، الكسكسة، الشنشنة، العنعنة، الفحفحة، العجعجة، الوتم، الوكم، الوهم، الاستنطاء، التلتلة، القطعة، اللخلخانية، الطمطمانية.
٩٦ النوع الثاني: لغات منسوبة غير ملقبة
إبدال الباء جيمًا، إبدال تاء الجمع هاء، إبدل الياء ألفًا، إبدال الهمزة هاء، اسم المفعول من الثلاثي المعتل بالياء، ألف المقصور، المضاف لياء المتكلم، إبدال الألف ياء في الوقف، أو واوًا، أو همزة، حذف نون "من" الجارة والألف من "على" الجارة, أولا لك قومي، حذف النون من اللذين واللتين في الرفع، أو تشديدها، "ذو" الطائية، الوقف بالسكون على المنصوب المنون، أو قلب التنوين حرفًا لينًا، أو تضعيف الحرف الأخير، قلب الباء الساكنة ألفًا بعد الفتح، إلزام المثنى الألف، إبدال الحاء هاء، إبدال الهاء فاء، أو نونًا، علامة الإنكار من الاستفهام.
١٠٠ النوع الثالث: لغات في تغير الحركات
هلم. كسر الفاء من فعيل وفعل، كسر لام الجر مع الضمير، ضم هاء الغائب في لديه وعليه، ضم هاء التنبيه، كسر ياء المتكلم المضافة إلى جمع المذكر، حكاية العلم وحكاية النكرة، منون أنتم، المعاقبة بين الباء والواو "غزيت، غزوت"، إسكان عين المتحرك الثلاثي، تسكين ضمير الجر المتصل.
١٠٤ النوع الرابع: لغات غير منسوبة ولا ملقبة
إبدال بعض أواخر الكلمات المجرورة ياء، ألفاظ ينطق فيها بلغتين مع أمن التصحيف، الكاف والجيم، لغات في "لعل، لغات في "عند" و"لدن" و"الذي" وغيرها. لغات في "هو" و"هي". لغات "لا جرم". هاء التأنيث تاء في الوقف.
стр. 280
١٠٦ النوع الخامس: لثغات في لغة العرب
١٠٨ عيوب المنطق العربي
التمتمة والفأفأة وأخواتها, لغات العرب واللهجات العامية المعروفة, رأى في ميراث أهل العامية من لغات العرب القبائل، مناقشة هذا الرأي، العامية لا ترجع إلى قاعدة مضبوطة، أثر التقليد في اللغات العامية، مثال من اختلاف اللغات العامية في كلمة "عليه".
١١١ البقايا الأثرية في اللغة
الألفاظ ومدلولاتها، زوال مدلولات بعض الألفاظ، التطور في معاني الألفاظ، لاتين العربية، الغريب والمنكر والمتروك والممات، أسماء الشهور العربية المماتة، ومن الممات لغات التصريف، الممات من أسماء العادات بتطور الحضارة، ضمير المعظم نفسه.
١١٤ نمو العربية: وطرق الوضع فيها
سعة اللغة العربية، سبيل اللغات إلى الفناء، اللغة صورة الأمة الناطقة بها.
١١٥ طرق الوضع: استمداد اللغة
١١٥ الارتجال: المناسبة بين اللفظ والمعنى. معاني الأصوات
١١٦ الاشتقاق
الاشتقاق هو الوضع الثاني، أصالة المقاطع الثنائية في حروف العربية وتسلسل اللغة منها، رأي ابن جني في المناسبة بين الألفاظ والمعاني، أمثلة لبيان هذه المناسبة، أسرار الوضع.
١١٩ المجاز
المجاز هو الوضع الأخير في اللغة، تنوع الحقيقة الواحدة إلى أجزاء، المجاز من مظاهر التمدن اللغوي، الوضع بالمجاز هو اشتقاق معنوي، صور من التوسع في اللغة بالمجاز، كلمة ومعانيها "ك ف ف". رأي: اللغة كلها حقيقة!
١٢٢ أنواع النمو في اللغة
١٢٢ الإبدال
نوعا الإبدال، ترادف الألفاظ المتقاربة على المعاني المتقاربة.
١٢٣ القلب
١٢٤ النحت
آراء في النحت، أحرف المضارعة، أصل باء الجر في اللغات السامية.
стр. 281
١٢٥ المترادف
آراء في الترادف، الفروق اللغوية بين المترادفات، لا ترادف في اللغة ولكنها أسماء وصفات، الترادف الجملي والترادف اللفظي، أكثر العلماء على إثبات الترادف مطلقًا، مناقشة هذه الآراء، أسباب الترادف، المترادف نوعان، أمثلة وإحصاء، النوع الثاني من المترادف، تأليف العلماء في المترادف.
١٢٧ المشترك
١٢٨ المشجر والمسلسل
١٢٩ الأضداد
١٣٢ الدخيل
أسباب الدخيل، تصرف العرف في الدخيل، أمارة الدخيل.
حروف لا تجتمع في كلام العرب، اللغات التي دخل منها على كلام العرب، دخيل له رديف في لغة العرب.
١٣٤ الدخيل في الإسلام
في أيام العباسيين، دار الحكمة والكتب المترجمة، ترجمة الأعلام، الكتب التي وضعت في الدخيل.
١٣٦ المولد
١٣٦ الألفاظ الإسلامية
مصطلحات أهل الفنون. النقل المجازي في الجاهلية، كلمات عربية كرهوا النطق بها في الإسلام.
١٣٨ أمثلة المولد وكتبه
١٣٨ الغريب المولد: من توليد المفسرين
١٤٠ تمدن العرب اللغوي: فلسفة الفصل
شروط التمدن الاجتماعي.
١٤٢ بعض وجوه التمدن
مراعاة النسب الللفظي بين الحروف، عناية الحروف، عناية العرب بالألفاظ دون المعاني، مناقشة هذا الرأي، الاقتصاد اللغوي، حركات الإعراب، حركات التصريف، حركات الفروق التي تنوع المعاني، تصرف العرب في حروف المعاني، المبني للمجهول، المجرد والمزيد، صيغة المفاعلة، عذوبة لغة العرب، التثنية والجمع بأنواعه
стр. 282
١٤٥ أسرار النظام اللغوي
١٤٥ نظام الألفاظ بالمعاني
ابن جني، الألفاظ المتقاربة للمعاني المتقاربة، أنواع هذا التقارب، تصوير اللفظ على هيئة المعنى، مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، تشبيه أصوات الحروف بالأحداث المعبر عنها إلخ، حكاية الأصوات.
١٤٧ نظام المعاني بالألفاظ
الألفاظ المعبرة عن المعاني الطبيعية في مختلف مراتبها، مراتب الحب، معاني السرور والغضب وما إليها، فقه اللغة للثعالبي، تحديد أجزاء المعاني بالاصطلاحات العلمية في هرم اللغات.
١٤٩ نظام القرينة
سنن العرب، ألفاظ لمعان تعينها القرينة "قاتله الله" الجمع في موضع التثنية ونحوه، المشاكلة والاتباع، القلب.
١٥٢ اللغة العامية
اللحن وأوليته، الإعراب في مناطق العرب ورأى العلماء في أمره، خرفشة النحاة، النحو والعروض في العرب العاربة، لا لحن في الجاهلية، أسباب شيوع اللحن، أمثلة من لحن الدواوين. ١٥٤ انتشار اللحن
وضع النحو، النحو علم الموالي، أول لحن سمع بالبادية، اللحن في الدولة المروانية، اللحانون والبلغاء، أبناء الأمراء في البادية، الوليد بن عبد الملك، في الدولة العباسية، غناء الملاحين، أغاني الشعب، المتقعرون اللحانون من الرواة والنحويين، عامية أهل الأندلس.
١٥٩ فساد اللغة في البادية
قال ابن جني. أعراب الحليمات، لحن الحجازيين، أعراب عكاد. ١٦١ طبائع الأعراب
الأعراب الفصحاء لا يعرفون النحو وعلل الإعراب، امتحان الأعراب، أمثلة من ذلك، لحن الفرزدق، لغة الأعراب ولغة العامة، قال الجاحظ.
١٦٣ العامية في العرب
لم يكن للعرب فصيح وعامي، سكان الريف من عرب الجاهلية
فصاحة الأعراب بمقدار بعدهم عن بلاد العجم، مخالطة السوقة في الأمصار شر من مخالطة العجم.
стр. 283
١٦٥ شيوع اللغة العامية وفساد العربية
أول العامية اللحن، اللحن في المدينة، تأثير الأمصار المفتوحة في لغة العرب، السوقي، الكتب المؤلفة فيما تلحن فيه العامة، اللحن في لسان الخاصة، فصاحة العامية في عهد الأمويين، الدولة العباسية والخراسانية، قال ابن خلدون، عامية المغرب والأندلس، الاعتبار الديني في حفظ اللغة.
١٦٧ لهجات العامية وأسباب اختلافها
تاريخ التطور في عامية الشعوب، من قواعد العامية من شرق الأندلس، وراثة المنطق، علل الوراثة وطبيعة الإقليم، الإعراق في العجمة، قال ابن رشيق، العربية في الأندلس، ضعف اللسان ورخاوته، مخالطة الأعاجم، اختلاف أهل الأمصار، في التأثر بالمخالطة، فرنسية أهل الجزائر، عامية البدو، أنساب بقايا العرب في الأمصار، أثر الفصحى في تذهيب ألسنة المتعلمين.
١٧٥ الباب الثاني: الرواية والرواة
١٧٧ الأصل التاريخي في الرواية
الباعث على توسع العرب في الحفظ، أكثر محفوظهم في المعاني النفسية، محفوظ اليونان، الكتابة والحافظة، الشاعر لسان قومه، رواة الجاهلية.
١٧٩ الرواية بعد الإسلام
بدء علم الرواية، شروط الإسناد، التثبت في النقل، أبو هريرة، الرواية على عهد عثمان، الأحزاب والشيع، القصاص وأهل الأخبار، الزنادقة، أول من كذب على النبي.
١٨١ تدوين الحديث
صنيع عمر بن عبد العزيز، كتابة الحديث، الصدور أوثق من الكتب، أول من قرر شروط الرواية، أول من جمع الحديث، كتاب الموطأ، ترتيب الحديث في التدوين.
١٨٢ الإسناد في الحديث
سببه، تعدد طرق الرواية لتفرق الرواة في الأمصار. التبسط في فنون الرواية.
١٨٤ اتصال الرواية بالأدب
أحفظ الصحابة للأنساب، أرواهم الشعر، ابن عباس، الإسناد في رواية الأدب.
١٨٥ أولية التدوين في الأدب
صحيفة أبي الأسود الدؤلي، أول ما دون في الأخبار، كتاب زياد ابن أبيه، أول
стр. 284
التأليف في السير، وهب بن منبه، ابن إسحاق، كتاب العين في اللغة، الأنساب وأيام العرب، أول الكتب المسندة في الحديث، كتب أبي عمرو بن العلاء، الحافظ الزهري.
١٨٧ تاريخ الإسناد في الأدب
إسناد نصر بن عاصم، الإسناد في المغازي، طبقة حماد وأبي عمرو، غريب الحديث، بدء الإسناد في الأدب، ليس في رواية الأدب سند يتصل بالجاهلية.
١٨٩ فائدة الإسناد إلى الرواة
١٩٠ حفظ الأسانيد في الحديث
شيء من مصطلح الحديث، التخصيص في الرواية، حفاظ الأسانيد، نادرة.
١٩٢ حفظ الأسانيد في الأدب
فرق ما بين الإسناد في رواية الحديث والإسناد في رواية الأدب.
١٩٣ أصل التصحيف
الرواية عن الكتب، النقل والشكل، الصحفيون، ضعف الإسناد في الأدب، أبو محمد الأعرابي.
١٩٤ إسناد الكتب
شروط الصحة في إسناد الكتب السماع، موفق الدين النحوي، ابن القطاع الصقلي، مقامات الحريري، أول من أدخل كتب اللغة والنحو إلى مصر.
١٩٦ الحفظ في الإسلام
نوابغ الحفاظ في التاريخ، الأسباب الدينية في العرب، اختلاف قوة الحافظة، مشتقة الكتابة وأثرها في تقوية الحافظة، بدء تاريخ الحفاظ، ابن عباس صاحب السبعين الأولى، حديث عن أصحاب المئات، الشعبي, نوادر عن الحفاظ، حماد، الأصمعي، أبو محلم الشيباني، بندار بن عبد الحميد، بانت سعاد، ابن الأنباري، حفظ الكتب، نادرة. الفيروزآبادي، أثر الحفظ في التأليف، سنة يجب أن تعود!
٢٠٣ علم الرواية
مصطلح الحديث، أول من قرر شروط الرواية، أول من صنف، رواية الأدب، ما شرطوه في ناقل اللغة.
٢٠٤ تقاسيم الرواية
٢٠٥ وظائف الحفاظ في اللغة
стр. 285
الإملاء. الإفتاء في اللغة، الرواية والتعليم، رواية الأكبار عن الأصاغر، مراتب هذه الوظائف.
٢٠٧ طرق الأخذ والتحمل
السماع، القراءة على الشيخ، السماع على الشيخ بقراءة غيره، الإجازة، الإجازات و"الشهادات"، نموذج من الإجازات، المكاتبة، الوجادة.
٢٠٩ رواية اللغة
تاريخ لفظتي: اللغة واللغوي.
وفود العرب على النبي، تفسير القرآن وغريب الحديث، ابن عباس ونافع ابن الأزرق، في وضع النحو، أبو الأسود، الخليل بن أحمد واضع "علم اللغة".
٢١٢ الأخذ عن العرب
علم العرب والقائمون عليه. تتبع اللغات والسماع من العرب، تجريد القياس. ضعف اللغة في الحضر. طبقات الرواة.
٢١٤ الرحلة إلى البادية
بين البصريين والكوفيين، بدء الرحلات إلى البادية، الاقتداء بأصحاب الحديث, تحصيل الشواذ والنوادر، القبائل التي أخذت عنها اللغة، قبائل مشكوك في خلوص عربيتها، أقدم من رحل إلى البادية، رواة الطبقة الرابعة، انتهاء الرحلة إلى البادية.
٢١٦ فصحاء الأعراب
تكلف البلغاء محاكاة الأعراب، طروق الأعراب على الحضر، أول الطارئين منهم، إذا تحضر الأعرابي فسدت لغته، الأعرابي لا ينطق الخطأ ولا يتأتى له، ولا ينطق بغير لحن قومه، ولا يفهمه، مثال.
٢١٩ المحاكمة إلى الأعراب
تصحيح القياس وضبط الألفاظ وتحقيق المعاني, المسألة الزنبورية, الأعراب في مجالس الأمراء, فساد لسان الأعراب في القرن الخامس.
٢٢١ بعض فصحاء الأعراب
٢٢٣ الوضع والصنعة في الرواية
الصدق والكذب، أسباب الوضع، الكسائي يبكي!
٢٢٤ افتعال اللغة
كلمات من الغريب، قطرب، ابن دريد، بين نفطويه وابن دريد، غلام ثعلب، نادرة، أبو العلاء صاعد بن الحسن البغدادي، نوادر، حديث الخنفشار.