← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بالحسن بن هانئ وأصحابه: مسلم بن الوليد، وأبي الشيص، ودعبل، وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين حبيب والبحتري "ص٥٥ ج١: العمدة" على أنه ليس من الممكن أن يحاط بالشعراء المعروفين في قبائلهم وعشائرهم في الجاهلية والإسلام، ولم يقع لأحد من العلماء أنه استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته منها شاعر إلا عرفه، وأشهر من يعرفون أكثر شعرائهم قبائل هذيل، فقد رووا منها لأربعين شاعرًا في الجاهلية والإسلام، وجمع بعض شعرهم في ديوان شرحه العسكري "وطبع الجزء الأول منه في أوروبا"؛ وقد ترجم منهم ابن قتيبة في طبقاته طائفة قليلة، وكان منهم بنو مرة، وهم عشرة رهط كلهم دهاة شعراء، وهم أبو خراش وأبو جندب والأبح والأسود وأبو الأسود وعمرو وزهير وجناد وسفيان وعروة. ومرة أبوهم هو أحد بني قرد بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل. وأمهم أم سفيان لبني وهي امرأة من بني حنيفة. وذلك لم يتفق في العرب لغير هذيل, ومن شعراء هذه القبيلة، جنوب المشهورة أخت عمرو ذي الكلب وأختها عمرة، وأول من عرف من شعرائها خويلد بن وائلة بن مطحل من بني سهم بن معاوية وهو أبو معقل بن خويلد الشاعر المعدود -وكان معقل زمن أبي يكسوم ملك الحبشة صاحب الفيل- ولكن أشهرهم جميعًا وأشعرهم أبو ذؤيب الذي كان في زمن عبد الله بن الزبير وخرج معه في مغزى نحو المغرب فمات. ومن عجيب أمر الشعر في القبائل ما ذكره الجاحظ أن عبد القيس بعد محاربة إياد، تفرقوا فرقتين؛ ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب، قال: ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية، وفي معدن الفصاحة " ج١: البيان" وهذا يصح دليلًا على ما قدمناه من أن الشعر لم ينشأ في العرب حين كانوا قبائل مجتمعين، وإنما نشأ بعد تفرقهم وتمزيق الحروب لهم، إذ مثلت لهم أغراضه واتفقت البواعث عليه. وقال يونس بن حبيب الضبي: ليس في بني أسد إلا خطيب أو شاعر أو قائف أو زاجر أو كاهن أو فارس، وليس في هذيل إلا شاعر أو رام أو شديد العدو "ج١: البيان" وقد يظن بعضهم أنه لم تخل قبيلة من قبائل العرب بعد الإسلام أن ينبغ فيها شاعر أو شعراء، ولكن ذلك غير مطرد، فقد ذكر صاحب "الأغاني" أن قبيلة قيس لم يكن بها في الإسلام شعر قبل أشجع السلمي وهو من شعراء الرشيد، وإنما كان الشعر في ربيعة واليمن، فلما نجم أشجع وقال الشعر انتهضت به قيس وافتخرت على العرب "ص٣٦٠ ج١٧: الأغاني". بيوتات الشعر والمعرقون فيه جاهلية وإسلامًا: تلك وراثة الشعر في القبائل، وأما وراثته في البيوتات فهم قد عدوا من ذلك أشياء، لقرب بعضها من الإسلام ولظهور بعضها معه وبعده، ولكنهم لم يذكروها في المفاخرات كما ذكروا بيوتات المجد الغلابة في عرب الجاهلية، وهم بيت تميم بنو عبد الله بن دارم ومركزه بنو زرارة، وبيت قيس بنو فزارة ومركزه بنو بدر، وبيت بكر بن وائل بنو شيبان ومركزه بنو ذي الجدين "ص٣٥ ج١: الكامل للمبرد". ومن بيوتات الشعر في الجاهلية بيت أبي سلمى.... إلخ "ص٢٣٥ ج٢: العمدة".

стр. 527

سيما الشعراء: لا بد لكل متميز من شكل ومنظر يلقي في الأنفس عنوان حقيقته؛ ومرجع التميز في الأشكال من اللباس والحلية وهيئة الحالة ونحوها إنما يكون إلى مطابقة إحساس الشخص أو موافقة إحساس المجتمع الذي هو مناط العادات ومبنى الصفة القومية، فليس زي الشاعر في بيته وهيئته فيما ينشد لنفسه كزيه في يوم الحفل وبين السماطين، ولا كهيئته فيما ينشد للناس يومئذ. وقد اصطلح أهل الأدب والمناصب العلمية وغيرها من رتب الملك في الاجتماع الإسلامي على أزياء يرون فيها أنفسهم أجزل اعتبارًا وأكمل وقارًا وأفخم أقدارًا، وكذلك تحشو هذه الآلات صدور الناس من إفراط التعظيم، وتملأ قلوبهم من سكون المهابة؛ وقد شاع ذلك في الحضارة الإسلامية منذ أمر أبو جعفر المنصور رجاله سنة ١٥٣هـ أن يتخذوا القلانس الفارسية الطويلة تدعم بعيدان من داخلها، بدل العمائم التي كانت إلى ذلك العهد من مميزات العرب، وأن يعلقوا السيوف في أوساطهم وأن يكون شعارهم السواد كما كان البياض شعار الأمويين؛ ثم تنوعت الأزياء، فكان للقضاة زي ولأصحابهم زي وللشرط زي، وللكتاب زي، ولكتاب الخبر زي؛ وأصحاب السلطان ومن دخل داره على مراتب، فمنهم من يلبس المبطنة، ومنهم من يلبس الدراعة، ومنهم من يلبس القباء، وهكذا مما لا محل لاستيفائه وتفصيله هنا. وفي علم الفراسة نوع من قيافة الآثار النفسية يمتاز به الناس، وربما وجدت من الشعراء مثلًا من يكون منظر وجهه وحالة تركيبه أشعر عند التأمل من شعره؛ وكان العرب يعرفون هذه القيافة ولكنهم يستعملونها في تحقيق الأنساب وتميز القبائل، وفي الحديث: أن قومًا يزعمون أنهم من قريش أتوا عمر بن الخطاب ﵁ وكان قائفًا ليثبتهم في قريش. فقال: اخرجوا بنا إلى البقيع، فنظر في أكفهم ثم قال: اطرحوا العطف "جمع عطاف" ثم أمرهم فأقبلوا وأدبروا، ثم أقبل عليهم فقال: ليست بأكف قريش ولا شمائلها، فأعطاهم فيمن هم منه "ص١٣ ج٢: الكامل للمبرد". ولسنا بسبيل ما يكون من هذه القيافة في الشعراء، ولكنا نذكر ما وقفنا عليه من تمييز الهيئة دلالة السيما بعد مطاولة التعب في البحث والتنقيب. ذكر المرتضى في أماليه في خبر وفود العامريين على النعمان بن المنذر وكانوا ثلاثين رجلًا فيهم لبيد بن ربيعة وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان القيسيون قد صدوا وجه النعمان عنهم فأرادوا تقديم لبيد ليرجز بالربيع بن زياد رجزًا مؤلمًا ممضًا، وكان هو الذي صرف الملك بالطعن فيهم وذكر معايبهم، فحلقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين وألبسوه حلة وغدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فقام وقد دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلًا واحدة، قال: وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء "ص١٣٥ ج١: أمالي المرتضى". وكانت لشعراء الأعراب هيئة في الإنشاد إلى ما بعد الإسلام، فئقد دخل العماني الراجز على الرشيد ينشده شعرًا وعليه قلنسوة طويلة على الزي العباسي

стр. 528

وخف ساذج، فقال له الرشيد: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور "الطي" وخفان دمالقان فبكر عليه من الغد وقد تزيّا بزي الأعراب فأنشده.... "ج١: البيان" وكان الشاعر العربي ينشد في يوم الحفل وقد أخذ المخصرة بيده أو اتكأ على سية قوسه؛ وإذا فاخر جاثى خصمه والناس حولهما؛ وكذلك كان للخطيب زي خاص سنذكره في بحث الخطابة. وكان زي حسان بن ثابت في خضابه، فكان يلوث شاربيه وعنفقته بالحناء دون سائر لحيته، فيبدو لأول وهلة كأنه أسد والغ في الدم "ص٣ ج٤: الأغاني". ومن أزياء الجاهلية وإن كانت في غير ما نحن بسبيله، أن فرسان العرب كانوا في أيام المواسم والجموع وأسواق العرب كعكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك، يتقنعون، وذلك زيهم، إلا ما كان من أبي سليط طريف بن تميم أحد بني عمرو بن جندب، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن يثبت عينه جميع فرسان العرب، وكانوا يكرهون أن يعرفوا، وربما أعلم الفارس نفسه بسيما، كريشة نعامة أو عمامة مصبغة "ج٢: البيان". وكان من زي الكاهن أن لا يلبس المصبغ، والعراف لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر "ج٢: البيان". وكان الشعراء في أوائل الدولة العباسية يلبسون الوشي والمقطعات والأردية السود وكل الثوب مشهر، قال الجاحظ: وكان عندنا منذ نحو خمسين سنة شاعرًا يتزيا بزي الماضين وكان له برد أسود يلبسه في الصيف والشتاء "ج٢: البيان" وهذا يدل على أن ذلك الزي بطل في زمنه. وقد اخترعوا في تلك الدولة أثواب المنادمة وهي خاصة بالشعراء والأدباء ولا تقييد لها بشكل خاص إلا ما يكون من الأصباغ والخلوق ونحو ذلك مما يستعان به على زيادة التبسط والانشراح، ولا يزال مثل ذلك في جهات العراق إلى اليوم؛ ومن هذه الثياب رداء يسمونه رداء الشرب، ويظهر أنه كان خاصًا بالشعراء في منادمة الملوك والأمراء، وقد وصفه ابن الحجاج من شعراء المهلبي بقوله: أبيض الغزل فيه خط سواد ... مثل خط الرئيس في القرطاس "ص٢٣٧ ج٢: اليتيمة"

стр. 529

حالة الإنشاد: أما حالة الإنشاد فإن شعراء العرب إنما كانوا يتحققون بجهارة الصوت ووضوح المخرج ونفض الكلام نفضًا، ولا يخلون ذلك من الترنم على اللحن الذي يتسمح به الطبع؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا من أوزان الموسيقى الفارسية والرومية ولا الغناء الرقيق، وليس بينهم اختلاف إذا أرادوا الترنم ومد الصوت إلى الفصل "ص٢٣٩ جزء ٢: العمدة". ولما شاع الغناء بعد الإسلام ووضعت قواعده صار تلحين الشعر مقصورًا على ما يغنى به منه في بعض أبيات من الرقائق إلا ما كان في بعض شعراء الأندلسيين، وسيأتي ذلك في موضعه. ثم بقي الإنشاد جاريًا مجراه الأول، لا يتأثر إلا بما يكون في المنشد من الزهو واهتزاز العطف، كما كان يفعل البحتري، فإنه كان إذا أنشد اهتز ونظر في عطفيه وطرب طربًا بينًا، وربما أقبل على جلسائه فقال: ما لكم لا تعجبون؟ وكان مثل هذا وأكثر منه في جملة من الشعراء، إلا أننا لم نقف على أن الإنشاد كان تمثيلًا صحيحًا وإن خالطه الزهو والعجب الثقيل، إلا فيما ذكره الصاحب بن عباد -في كتابه المعروف بالروزنامجة- في وصف إنشاد أبي الحسن علي بن هارون بن المنجم، قال يخاطب أستاذه ابن العميد: "دعاني الأستاذ أبو محمد فحضرت وابنا المنجم في مجلسه وقد أعدا قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد لأحضره فأنشدا قعودًا وجودا بعد تشبيب طويل وحديث كثير، فإن لأبي الحسن رسمًا أخشى تكذيب سيدنا إن شرحته، وعتابه إن طويته.... يبتدئ فيقول ببحة عجيبة بعد إرسال دموعه وتردد الزفرات في حلقه واستدعائه من جؤذر غلامه منديل عبراته: والله، والله ... إلخ "ص٢٨٤ ج٢: يتيمة الدهر". [ولعل فعل أبي الحسن هذا على بساطته أول ما عرف من صنعة التمثيل في الإسلام، فإن الأصل في التمثيل على ما حققه علماء النفس هو تأدية المراكز العصبية المحركة للوظيفة العضوية؛ لأن الأعصاب الممتدة من ظاهر الجسد إلى مراكز الجهاز العصبي، وكذلك هذه المراكز نفسها والأعصاب الممتدة منها إلى العضل، تكون جميعها آلة واحدة علائق أجزائها بعضها ببعض عضوية آلية، فمتى حركت من أي موضع تسرد سائر أجزاء وظيفتها الآلية سردًا. وهم بذلك يحققون وجود ارتباط قوي بين الصور الذهنية والحركات العضلية، ويثبتون تفاعل الصور في الحركات والحركات في الصور. فإذا مثلت هيئة الحزين، أي: الحركات التي تبدو بها تلك الحالة النفسية وهي الحزن، وحركت العضلات الخاصة بها من الإطراق والدمع، أثرت هذه الحركات فيك حتى لتحزن حقيقة، وبالعكس

стр. 530

إذا جرت في ذهنك صورة مضحكة لا تلبث أن ترى عضلات الضحك والابتسام قد انفعلت بهذه الصورة فتضحك أو تبتسم] *

стр. 531

ألقاب الشعراء: كان العرب ربما أخذوا الكلمة يصيبونها في بيت من الشعر فيطلقونها لقبًا على قائله بحيث تغلب على اسمه وكنيته فئلا يعرف إلا بها، كشأس بن نهار العبدي؛ وفي "البيان" للجاحظ: سالم؛ لقب بالممزق لقوله. فإن كنت مأكولًا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق والممزق هذا بالفتح، قال الآمدي: وهو جاهلي، وأما الممزق الحضرمي فبكسر الزاي متأخر وابنه عباد ولقبه "الممزق" وهو القائل: إني الممزق أعراض الكرام كما ... كان الممزق أعراض اللئام أبي وقد نقل السيوطي في "المزهر" عن الوشاح لابن دريد وغيره، وأورد الجاحظ في الجزء الأول من "البيان"، وابن رشيق في كتابه "العمدة" زهاء ستين لقبًا لشعراء من الجاهلية والإسلام. قال ابن رشيق في سبب هذه التسمية: وإنما هذا لمكان الشعر من قلوب العرب وسرعة ولوجه في آذانهم وتعلقه بأنفسهم. وليس ذلك بشيء وإلا لزم أن يطرد ذلك في مشاهير الشعراء، ولم يقل به أحد، والذي عندنا أنه لا يصح كل ما نقلوه من ذلك، وأن بعضه من وضع الرواة والنقلة، وإلا فما وجه تسمية منبه بن سعد بأعصر لقوله: أعمير إن أباك غير لونه ... مر الليالي واختلاف الأعصر إلا أن تكون الكلمة قد ارتجلها منبه هذا ولم تكن معروفة قبله في لغات العرب بحيث تستغرب منه فيكون السبب في التسمية وجه الغرابة، وهو ما لا سبيل إلى تحقيقه وتصديقه. والذي تغلب عليه الصحة من ذلك ما يكون سبب التسمية به صفة يحكيها الشاعر عن نفسه, ويمكن أن يكون في إطلاقها عليه نوع من الغرابة كالمرقش الذي لقب بذلك لقوله: الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم فهذه صفة غريبة من شاعر أمي يمكن أن ينبز بها تهكمًا أو مزحًا، كما يمكن أن تطلق عليه تحببًا أو مدحًا أو تكون الصفة المسمى بها من الصفات التي تدل على عمل يصح أن ينعت به، كالجواب الذي سمي بذلك لقوله: لا تسقني بيديك إن لم تأتني ... رقص المطية، إنني جواب أو تكون الكلمة التي تطلق على الشاعر مما يصح أن تشق منه صفة ذلك سبيلها، كجابر الكلبي المسمى المرني لقوله: إذا ما مشى يتبعنه عند خطوه ... عيونًا مراضًا طرفهن روانيا

стр. 532

ولا بد من هذا القياس؛ لأن الألقاب إنما تشعر بمدح أو ذم، والأسماء لم توضع إلا للامتياز في التعريف، فأما أن تجيء الكلمة لا هي مما يمتاز بمثله عادة، وليست موضع مدح أو ذم ولو من طريق العتب، ثم يقال إنها اسم أو لقب فهذا ما لا يصدق. ولو أجزنا ذلك لاستغرق جميع الشعراء إلى اليوم، وذلك شيء لم يكن، وقد ذكر الجاحظ أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة -وكان خطيبًا من وجوه قريش ورجالهم سمي القباع- قال: وإنما سمي القباع؛ لأنه أتى بمكتل لأهل المدينة فقال: إن هذا المكتل لقباع، فسمي به. والقباع الواسع الرأس القصير "ج١: البيان" فهذا سبب يدلك على أنهم لم يكونوا يجازفون بالتلقيب والتسمية، ولا بد من معنى لذلك، وهو أمر شائع في كل زمن؛ ومن هذا القبيل -وإن كنا نورده استجمامًا وفكاهة- ما ذكره الجاحظ أيضًا في سبب تسمية علي بن إسحاق بن يحيى المجنون المسمى بمقوم الأعضاء، أنه جلس مع بعض متعاقلي فتيان العسكر وجاءهم النخاس بجوار، فقال: ليس نحن في تقويم الأبدان، إنما نحن في تقويم الأعضاء، ثمن أنف هذه خمسة وعشرون دينارًا، وثمن أذنيها ثمانية عشر، وثمن عينيها ستة وسبعون، وثمن رأسها بلا شيء من حواسها مائة دينار. فقال صاحبه المتعاقل: ههنا باب فهو أدخل في الحكمة من هذا؛ كان ينبغي لقدم هذه أن تكون لساق تلك، وأصابع تلك أن تكون لقدم هذه؛ وكان ينبغي لشفتي تيك أن تكونا لفك تيك، وأن يكون حاجبا تيك لجبين هذه؛ فسمي مقوم الأعضاء "ج٢: البيان" والشرط في التلقيب بالكلمات أن تسير الكلمة؛ فإذا قرنت بالاسم زادته معنى، وإذا كانت مفردة أغنت؛ وهذا ما لا يتفق إلا بمثل الأسباب التي ذكرنا، فتنبه له.

стр. 533

المقلون والمكثرون: من الشعراء شاعر نفسه الذي يقول على مؤاتاة السجية والطبع دون أن يستكره على الشعر أو يرهق بالأغراض المتنوعة، وهذا إنما جهده أن يصيب حظ نفسه أقل أو أكثر؛ ولكن منهم شاعر الناس الذي يحرث حياته الأرضية على أقفيتهم، فهم إن تركوه أو تركهم مات، ومثل هذا لا يصيب حظ روحه من القول إلا بعد أن يصيب حظ جسمه منه، فهو مكثر أبدًا من الشعر، يقلبه على أغراض الناس ليأخذ به مكانًا على الأفواه ينزل فيه بضاعته من سوق الكلام، ولا يعرف المقل من المكثر في شعراء الجاهلية إلا بهذا التقسيم؛ لأنهم قد استووا في ضياع كثير من شعرهم وسقوطه من أيدي الرواة المصححين، بحيث لو اعتبرت شهرة أحدهم بقيمة ما يصح له من الشعر لنبا به موضعه حيث وضع من الشهرة والتقدم. فقد عدوا من المقلين طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة الفحل، وعدي بن زيد، وسلامة بن جندل، وحصين بن الحمام المري، والمتلمس، والمسبب بن علس، وهؤلاء الثلاثة فيما رووا عن أبي عبيدة أشهر المقلين في الجاهلية باتفاق، وعدوا منهم عنترة، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن معديكرب، والأشعر بن حمران الجعفي، وسهيل بن أبي كاهل، والأسود بن يعفر، ومن أولئك من يعرف بالقصيدة الواحدة كطرفة، ومنهم من يعرف بثلاث قصائد كعلقمة، ومنهم من يعرف بالأربع كعدي بن زيد، ومنهم من يعرف بالأبيات المتفرقة ولا عبرة بما ينسب إليهم عند غير المصححين وأهل التحقيق، فإن الحمل على شعراء الجاهلية كثير، وهو يتفاوت في هذه الكثرة بحسب صنعة الشاعر المحمول عليه وتلاحم كلماته وامتلاء أعطافها، ولذلك قالوا: إن عدي بن زيد لقربه من الريف وسكناه الحيرة في جيرة النعمان بن المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، وقد ذكر ابن رشيق بعض مطالع القصائد المشهورة في أيدي الناس التي صحت نسبتها لبعض هؤلاء المقلين "ص٦٦ ج١: العمدة". ولا يبعد أن يشتهر الشاعر الجاهلي بالقصيدة الواحدة، بل بالأبيات القليلة، بل بالبيت المفرد؛ لأنهم يزنون الكلمة بمقدار ما تحرك من ميزاتها الطبيعي الذي هو القلب، وكانوا يسمون البيت الواحد يتيمًا، فإذا بلغ البيتين والثلاثة، فهي نتفة، وإلى العشرة تسمى قطعة، وإذا بلغ العشرين استحسن أن يسمى قصيدًا؛ قال ثعلب: وذلك مأخوذ من المخ القصيد، وهو المتراكم بعضه على بعض، وهو ضد الراد، ومثله الرئيد "ص١١٩: إعجاز القرآن"؛ وهذا أصح مما ذهب إليه المتأخرون من أن أدنى حد القصيدة سبعة أبيات؛ لأنه لا يلتئم مع وجه الاشتقاق الذي رواه ثعلب كما ترى. وكانوا يستحبون الإطالة عند الإعذار والإنذار والترهيب والترغيب والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير والحارث بن حلزة وغيرهما، والقطع أطير في بعض المواضع كالمحاضرات والمنازعات والتمثيل والملح وغيرها مما ليس من المواقف المشهورات. وكان العرب يعرفون للإكثار من الشعر صفة طبيعية، وهي قرع روثة الأنف بطرف اللسان، كأن

стр. 534

اللسان إذا طال كان ذلك أدعى إلى رقته ولينه ومؤاتاته على التغليب فيبعث من الصغر على الارتياض للكلام والحمل في شعابه وفنونه؛ ولا نعرف أصل هذه الصفة ولا تاريخها فيهم، ولكن ذكر الجاحظ في البيان أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت: "ما بقي من لسانك"؟ فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أنفه، ثم قال: "والله إني لو وضعته على صخر لفلقه، أو على شعر لحلقه، وما يسرني به مقول من معد"! فهذا يدل على أن الصفة كانت معروفة فيهم، وإلا فلا أسقط من هذا الكلام. قال الجاحظ: وأبو الصمت مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة وأبوه وابنه في نسق واحد: يقرعون بأطرف ألسنتهم أطراف أنوفهم "ج١: البيان". والعجيب في أمر الإقلال والإكثار أنك تجد شعراء من المطبوعين لا يقدر على جمع شعرهم لكثرته "شرح العيون ص٣٢٠" وقد عدوا من هؤلاء بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبا العتاهية، وابن أبي عيينة؛ وكان يشار يقول إن له اثني عشر ألف قصيدة؛ قال الجاحظ: وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل، وسلما الخاسر، وخلف بن خليفة، قال: وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء، وبشار أطبعهم كلهم "ج١: البيان". وتجد شعراء آخرين لا يزيدون في شعرهم الجيد عن البيتين والثلاثة إلى القطع الصغيرة، وقد يتعمدون ذلك في أغراض معلومة، كعقيل بن علفة الذي كان يقصر هجاءه ويقول في الاحتجاج لذلك: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق، وأبي المهوس أيضًا وكان يقول محتجا: لم أجد المثل النادر إلا بيتًا واحدًا، ولم أجد الشعر السائر إلا بيتًا واحدًا "ج١: البيان". وكان ابن الزهري يقصر أشعاره ويقول: إن القصار أولج في المسامع، وأجول في المحافل، ويكفيك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة، وقد يكون الإقلال في بعض أولئك عاما في جميع الجيد من شعرهم كالجماز وقال له بعض المحدثين وقد أنشده بيتين: ما تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن أنشدك مذارعة! وهو القائل: أقول بيتًا واحدًا أكتفي ... بذكره من دون أبيات وكابن لنكك البصري "من شعراء القرن الرابع" قال الثعالبي في "اليتيمة": وما أشبه شعره في الملاحة وقلة مجاوزة البيتين والثلاثة إلا بشعر كنية أبي الحسن بن فارس، وأقدر أنه في الجبال كهو في العراق؛ وكان يقال في منصور الفقيه: إذا رمح بزوجيه قتل١! وكذلك ابن لنكك: إذا قال البيت والبيتين والثلاثة أغرب بما جلب وأبدع فيما صنع، فأما إذا قصد القصيد فقلما يفلح "١١٧ جزء٢: اليتيمة". واشتهر بجودة القطع من المولدين قبل هؤلاء، بشار بن برد، وعباس بن الأحنف، والحسين بن الضحاك، وأبو نواس، وأبو علي البصير، وعلي بن الجهم، وابن المدل، وابن المعتز، وإن كان بعضهم يحسن في الإطالة، كبشار وأبي نواس وابن الجهم؛ ومن الإسلاميين قبلهم الفرزدق، حتى قال الجاحظ: إن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرًا لم يسمع بمثله فالتمس ذلك في قصار

стр. 535

قصائد الفرزدق، فإنك لم تر شاعرًا قط يجمع التجويد في القصار والطوال غيره، وقد قيل: للكميت: الناس يزعمون أنك لا تقدر على القصار، قال: من قدر على الطوال فهو على القصار أقدر. وهذا الكلام يخرج في ظاهر الرأي والظن، ولم نجد ذلك عند التحصيل على ما قال "ص٣١ ج٣: الحيوان". أما المعروفون بالإطالة فهم كثير، وأشهرهم ابن الرومي، وهو على إطالته محسن، وربما تجاوز حتى يسرف.

стр. 536

الارتجال والبديهة والروية: قد يكون لفظ الارتجال مأخوذًا من الانصباب والسهولة، ومنه قيل: شعر رجل إذا كان سبطًا مسترسلًا غير جعد، أو من ارتجال البئر، وذلك أن ينزلها الرجل برجليه من غير حبل؛ لأن الشعر لا يسمى مرتجلًا إلا إذا كان انهمارًا واندقاقًا لا تعمل فيه ولا تروئة، وكانت هذه سنة العرب في جاهليتهم، إذ هم لم يحتذوا الشعر على مثال، بل كان ذلك نوعًا من كلامهم متى بعث أحدهم عليه انبعث، ولما كانت أسبابه الطبيعية فيهم ترجع إلى جملة النفس، كان هذا الكلام كامنًا فيها، لا يهيجه إلا اضطرابها فكان من أسبابه الطبيعية فيهم ترجع إلى جملة النفس، كان هذا الكلام كامنًا فيها، لا يهيجه إلا اضطرابها فكان من أسباب ذلك ما تجد النفس في لذة المغالبة والمدافعة، كالمماتنة والمقارضة ونحوها، وما يرفه عليها ويحسم عنها كالحداء وما في حكمه مما ينشدونه على أفواه القلب وعند الانكفاء من الغارات وأمثال ذلك، ومما يغمر النفس فتكون فيه طافية راسبة، ومن هذا النوع شعر العواطف، كالغزل والرثاء والاستغاثة والتحريض وما إليها، ومن أجل ذلك ابتدأ الشعر عند العرب بالبيتين والأبيات يقولها الرجل في حاجته، حتى وجد فيهم من جعل تلك الأسباب همه وهو الشاعر، فتركوا ذلك له وصار من عدا الشعراء منهم كما كان العرب في أوليتهم: لا يكاد الرجل يجد سبب الأبيات حتى ينتزعها من نفسه وينبعث بها طبعه، ثم فعلت الوراثة في ذلك فعلها الشعر وصار في الارتجال شيء من الصنعة يكفي له تقليب العين وخطرة الوهم، فيجيء الشاعر بالقصيدة فيها من بديع الشبيه وبارع الاستعارة وكرم الديباجة وحسن الرونق، لا يتعاون عليها إلا طبعه ومادته من الأسباب التي قدمناها، فإذا اعترض النفس ما يصرفها عن تلك الأسباب، تبلد الطبع ونضبت المادة، فربما استحالت البديهة بعد الارتجال، وربما استحالت الروية بعد البديهة، كما وقع لعبيد بن الأبرص وهو من أقدم شعراء الجاهلية وأقواهم غريزة، إذ يقول له النعمان في يوم بؤسه: أنشدني، فقال: حال الجريض دون القريض! قال: أنشدني قولك: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب! فقال: لا، ولكن: أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد! فبلغت به حال الجزع إلى مثل هذا القول بعد روية ومراجعة. وقد عدوا نفرًا من الشعراء في عصور مختلفة كانوا في هذه الحال كما يكونون في غيرها من أحوال الأمن والدعة، وذلك لقدرتهم وسكون جأشهم وقوة غريزتهم، كهدبة بن الخشرم العذري، وطرفة بن العبد البكري، ومرة بن محكان السعدي، وعبد يغوث بن صلاءة، وتميم بن جميل، وعلي بن الجهم وغيرهم. قال الجاحظ: وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إحالة فكرة

стр. 537

ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا "ج٢: البيان والتبيين". واستمر ذلك شأنهم حتى نشأ الذين تكسبوا بالشعر والتمسوا به الصلات والجوائز، وجعلوه للسماطين وأيام الحفل، كالنابغة وزهير والأعشى وغيرهم فلم يجدوا من السبب ما وجد الذين قبلهم؛ لأن الشاعر إذا مدح اليد وأشاد بالصنيعة لم يكن له بد من التكلف والاستكراه، إذ يعلم أنه لا يقبل منه عفو الكلام؛ ولأن ذلك المقام لا تجدي فيه غير المبالغة التي تكون من استعراض الصفات وتخير المعاني والتغلغل والإغراق وأشباهها، فكان من ذلك القيام على الشعر ومعاودة النظر فيه وتتبع الشاعر على نفسه حتى يخرج شعره مستويًا في الجودة؛ لأن الطبع في مثل تلك المعاني يندفع ويتبلد، ويضعف ويتجلد، فإذا لم تجتذب الألفاظ ولم تجتلب المعاني جاء الشعر جديدًا مرقعًا أو لبيسًا ممزقًا، فلا يصلح أن تكون حلة الفخر التي لا تبلى على الدهر؛ وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا أن الشعر لما فشا فيهم بعد نبوغ امرئ القيس ومن في طبقته، وكان الشعراء يستعينون عليه بالروية استجماعًا لمحاسنه خشي آخرهم أن يقصر عن أولهم إذا هو لم يجار سنة النمو والارتقاء، فكان يبيت المعاني يلتمس لها وجوه الصنعة، ويدع القصيدة تمكث عنده زمنًا طويلًا يردد فيه نظره ويقلب رأيه ويرصد أوقات نشاطه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره؛ وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلًا خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا "ج١: البيان". وأول من ذهب لذلك منهم طفيل الغنوي؛ وكان يسمى محبرًا لحسن شعره "العمدة" وكلا السببين قد اجتمعا في زهير؛ لأنه كان يروي شعر ثلاثة من الفحول منهم طفيل، وكان مذهب شعره المديح كما ستراه في الكلام عنه؛ ولذلك كان أول من اشتهر بالثبات المحكك١ من الشعر، وهو الذي كان يسمي كبار قصائده الحوليات؛ لأنه ينظم القصيدة منها في شهر ثم لا يزال ينقحها ويهذبها حتى يمر عليها الحول؛ غير أن مثل زهير من أهل السيادة والورع لا يمدح لرغبة ولا يكذب في مديح، فكان بديهيا أن يكون من بعض بواعثه على الرواية مغالبة الأنفة ومدافعة الطبع والتماس عذر النفس الأبية في صدق المديح، وهذا كله مما لا يغني فيه الارتجال شيئًا. وما ظهرت الصنعة والتجويد في الشعر حتى اتقته العرب اتقاء شديدًا؛ لأنها رأت الشاعر في ترويته إنما يسم كلماته فلا يرمي بها إلا قاتلًا، ولا جرم كان ذلك أيضًا سببًا من الأسباب في ضعف

стр. 538

الارتجال؛ لأن شاعر الجاهلية الآخرة ميزان الأحساب، لا يصلح إلا لأن يرفع ويضع، غير أن سبيل هؤلاء [الصنعيين] في غير تلك الطرائق سبيل غيرهم من أهل الطبع، فهم يرتجلون في الحماسة والهجاء وغيرهما. ثم جاء الإسلام فكانت أسباب الشعر في أوله على ما كانت في أولية العرب؛ إذ كان مثل حسان ينصب له منبر في مؤخر المسجد لينافح عن رسول الله ﷺ ، ولذلك مر المخضرمون برونق الطبع ووشي الغريزة، حتى نبغ الحطيئة وهو من هو في الضراعة والجشع وسقوط الهمة، وكان راوية زهير وابنه، فاستعبده الشعر، واستفرغ مجهوده، وكان الأصمعي يسميه هو وزهيرًا وأشباههما "عبيد الشعر" لذلك. ثم ضعف شأن الارتجال إلا في بعض الماتنات، وفي الأبيات القليلة من غيرها تخرج على الطبع وتنبعث بها المادة؛ واستحال الارتجال إلى البديهة وهي الإطراق القليل التفكير غير الطويل، وما قصر عنها فهو الروية. وامتاز بالبديهة شعراء الدولة الأموية، وقليل من شعراء العباسيين، وأشهر هؤلاء في ذلك أبو نواس، فقد كان قوي البديهة والارتجال، لا ينقطع ولا يروي إلا فلتة، وقالوا إنه بهما غلب على مسلم بن الوليد. غير أن ذلك لم يكن منه إلا في الأبيات المعدودة، أما الطوال كقصائد السماطين وغيرها فلم نعثر على رواية في ارتجالها بعد المخضرمين إلا ما رواه ابن خلدون عند ذكر استقبال عبد الرحمن الناصر من أمراء الدولة الأموية بالأندلس لرسل الملوك الوافدين من رومة والقسطنطينية وغيرهما؛ قال بعد أن وصف من جلال مجلس الخلافة ما قال: وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك الحفل.... وكان من خطباء هذا المجلس منذر بن سعيد "توفي سنة ٣٥٥هـ وهو فقيه شاعر كاتب خطيب جريء على ذلك كله، وقد أورد الجلسة صاحب "نفح الطيب" وفصل أبهة ذلك المجلس، وحالة الخطباء فراجعه هناك "ص١٧١ ج١: نفح الطيب". ولا يبعد أن يكون في كل عصر من يرتجل مثل ذلك حتى في المتأخرين إلا أنه لا يجيء بالجيد ولا يباري أهل الروية، ومن عجائب ذلك في المتأخرين ما ذكره صاحب "خلاصة الأثر" في ترجمة أبي السماع البصير المصري أنه كان أعجوبة الزمان وأحد الأفراد في البديهة وارتجال الشعر؛ قال: وكانت طريقته إذا أراد الارتجال أن يبدأ بإنشاد قصيدة من كلام أحد الشعراء المتقدمين بصوت شجي، وفي أثناء إنشاده يبتدر على وزن تلك القصيدة في أي باب كان من أبواب الشعر مدحًا كان أو غزلًا أو غيرهما. "ص١٣٩ ج١" ولم نقف على نظير لهذه الرواية إلى عصرنا، ولكن هناك عجيبة أخرى في ارتجال الرسائل ذكرها الثعالبي في "اليتيمة" "ص٣١ ج٤". أما البديهة فهي عند سببها في كل عصر وزمن، وقد جمع علي بن ظافر كتابًا حسنًا في ذلك سماه "بدائع البدائه" وهو مشهور. ومن البديهة سريع يقارب الارتجال، وهو الذين تجوز المتأخرون في تسميته بالارتجال، وفي كتب الأدباء أشياء كثيرة منه "كالذخيرة" لابن بسام و"القلائد" وغيرهما.

стр. 539

[كان عمود الارتجال القافية, وربما حدا بعضهم بالرجز حتى إذا شردت عليه القافية تركه وسجع بغيره] *. [من أسباب ضعف الارتجال ... غلبة اللحن ومعاشرة اللحانين، حتى صار الشاعر يحتاج إلى الإطراق ونحو ذلك] *.

стр. 540

النبوغ وألقابه في الشعراء: جرى المتأخرون على أن يصفوا الشاعر المحسن إحسانًا عاليًا بالنابغ والنابغة في المبالغة، ويطلقون هذا الوصف إطلاقًا عاما غير ملتفتين إلى أصل الكلمة ووجه اشتقاقها، ولا إلى استعمال العرب إياها، وإن كان ذلك يطابق ما ذهبوا إليه بعض المطابقة، ولكنا رأينا الاستعمال العلمي الحديث "السيكوفسيولوجيا" والاستعمال اللغوي القديم، يضعفان هذه الكلمة في جنب القوة التي يحركونها لها كما سنبينه فيما يلي: لم يكن النبوغ عند العرب لقبًا عاما كما توهموا، ولكنه كان خاصا بالشعراء الذين يقولون الشعر ويجيدونه ولم يكونوا في إرث الشعر، ومن أجل ذلك لم يلقبوا بالنابغة إلا ثمانية من الشعراء ذكرهم بأسمائهم جميعًا الزبيدي في "تاج العروس" في شرح مادة -نبغ- وهم: زياد بن معاوية الذبياني، وقيس بن عبد الله الجعدي، وعبد الله بن المخارق الشيباني، ويزيد بن أبان الحارثي المعروف بنابغة بني الديان، والنابغة ابن لأي الغنوي، والحارث بن كعب اليربوعي، والحارث بن عدوان التغلبي، والنابغة العدواني ولم يسموه. وعلى السبب في تلقيب هؤلاء بالنوابغ بنى اللغويون تعريف النبوغ في الشعر كما مر، فيظهر من ذلك أنه تعريف خاص مقيد بسبب معروف فلا يطلق إلا مجازًا، أما الألقاب العامة عند العرب فقد ذكرها الجاحظ في "البيان"، قال: والشعراء عندهم أربع طبقات: فأوليهم الفحل الخنذيذ، والخنذيذ هو التام، ودون الفحل الخنذيذ، الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور "البيان والتبيين، ج١" فالخنذيذ هو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره, وسئل رؤبة عن الفحولة قال: هم الرواة، والمفلئق الذي لا راوية له إلا أنه مجود كالأول في شعره [وقالوا في سبب هذه التسمية إنه يأتي في شعره بالفلق وهو العجب، وقيل الفلق الداهية" والشاعر فقط الذي يكون فوق الرديء بدرجة، أما الشعرور فهو لا شيء. قال الجاحظ: وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر؛ وشعرور. وأول من سمي بالشويعر امرؤ القيس؛ سمي به محمد بن حمران بن أبي حمران، وقد سمي بعده بذلك نفر، منهم المفوف شاعر بني حميس، وصفوان بن عبد ياليل من بني سعد إلا أنهم إنما ينبذون بذلك في الهجاء وعلى وجه النقيصة؛ وقبل هذه الألقاب كان عندهم لقب بسيط لا يدل على أكثر من هيئة النظم، وبهذه البساطة استدللنا على أنه أقدم من الألقاب المذكورة آنفًا؛ ذكر صاحب "المخصص" "ج٢ ص١١٥" قال أبو زيد: العرب تقول: خطيب مصقع وشاعر مرقع، فالمصقع: الذي يأخذ في كل صقع من الكلام أي: ناحية منه؛ والمرقع: الذي يصل الكلام بعضه ببعض يرقع ما انخرق منه، وبهذا قيل: للشعر نظام، لاتصاله واتساقه، فكأن هذا اللقب نشأ عندهم في أوائل العهد بإطالة الشعر ومجاوزة البيتين والثلاثة؛ لأن مد البيتين مثلًا إلى أن يبلغا أبياتًا هو حقيقة ذلك الوصل الذي وضعوا هذه الكلمة لتعريفه.

стр. 541

وبعد أن أخذ شعراء العرب في التروية والتنقيح وتحكيك الشعر نشأ عندهم لقب المطبوع واستعملوه فيمن يجري على طبعه العربي ولا يتصنع ولا يتكلف ما يلزم التروية من التبييت ومعاودة النظر ونحو ذلك، فهذه جملة ألقاب الشعراء عندهم. أما تعريف النبوغ في علم السيكوفيسيولوجيا، وهو الذي يبحث فيه عن ارتباط أحوال النفس بالوظائف العضوية، فإن أهل هذا العلم يقولون: إن النبوغ تميز المخلوق بتأدية أعمال مألوفة على وجه من الإتقان يصعب على كثير ممن يقومون بهذه الأعمال عادة، فهو إذن استعداد فطري تنميه المثابرة على العمل حتى يبلغ حظه المقسوم له من الكمال، وعلى ذلك يكون عاما في كل المخلوقات؛ لأن كل جنس منها يمتاز بعضه على بعضه في أداء الحركات والأعمال الطبيعية له. ولكن عندهم نبوغًا عبقريا خاصا بالإنسان يصح أن يسمى بالجهبذة، وهو ابتداع المرء ما يكون غيره قد غفل عنه، أو اتباعه ما جرى عليه غيره ولكن على وجه ذاتي يكون له فيه صفة من الابتداع, فهو إذن نمو عضوي كمالي يثبت للعامل شخصية العمل. وهذا المعنى في الشاعر هو الذي يريده العرب بلقب الفحل والخنذيذ -كما سبق- وبه ميزوا السرقة من الاختراع في المعاني، كما سيأتي في موضعه.

стр. 542

الاختراع والاتباع: لم يغفل علماء الأدب العربي عن معنى الجهبذة والنبوغ العبقري، وهم يسمون ذلك بقسميه الاختراع والإبداع، والفرق بينهما عندهم أن الاختراع خلق المعاني التي لم يسبق إليها والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ، قالوا: فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمر وحاز قصب السبق "ج١ ص١٧٧: العمدة" وإنما ذلك معنى شخصية الكلام التي تميزه وتجعله خلقًا وابتكارًا فيكون عملًا ذاتيا يدل على صفة شعرية متخصصة، وليس يصح لقب الشاعر لغير هذه الصفة وإلا فهو منتحل أو مغتصب. واشتقاق الاختراع من التليين، يقال: بيت خرع إذا كان لينًا، والخروع منه، فكأن الشاعر سهل طريقة هذا المعنى أو لينه حتى أبرزه، وأما البديع فهو الجديد، وأصله في الحبال، وذلك أن يفتل الحبل جديدًا، ليس من قوى حبل نقضته ثم فتلته فتلًا آخر. والاختراع في شعر العرب مما يظلمون به عند المحدثين والمولدين؛ لأن أولئك أهل البادية وتربية العراء وشعراء الفطرة، وهؤلاء أهل الحضارة التي تفتق القرائح بما تنوعه من المآخذ المختلفة؛ ولذلك كانت المعاني قليلة في شعر الجاهلية تكاد تحصر لو حاول ذلك محاول، وإنما نريد المعاني التي لا يشتركون فيها بطبيعة الاجتماع، والتي لو اختلطت جميع أشعارهم لتزايلت وانفصل بعضها عن بعض، فكأن كل معنى قلب فيه سر حياة القصيدة أو القطعة، كقول امرئ القيس: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال فهذا المعنى الذي لا تصوره إلا الحواس الدقيقة، قد سلمته له الشعراء جميعًا فلم ينازعه فيه أحد، وقد مكن مزية الاختراع فيه أنه وصف طبيعي ثابت لا يطاوع في التوليد والتشقيق إلا بالعنت والاستكراه، ومن أجل ذلك لم يأخذه أحد إلا فضحه؛ وسنلم به في ترجمة امرئ القيس. وقد جاء المخضرمون ولا مزية لهم على شعراء الجاهلية في الاختراع، ثم جاء بعدهم شعراء الصدر الأول من الإسلاميين فزادوا في ذلك بعض الزيادة بما مكنتهم منه الحالة الدينية، ثم كانت طبقة جرير والفرزدق والأخطل وأصحابهم فذهبوا في التوليد والإبداع والاختراع مذهبا واضحًا، وطرقوا لذلك طريقًا سابلة، ثم أتى أبو المحدثين بشار بن برد وأصحابه فنظروا إلى مغارس الفطن ومعادن الحقيقة ولطائف التشبيهات فأحكموا سبرها وساروا إليها بالفكر الجيد والغريزة القوية، وقد التقى إليهم طرفا العربية في منطقة البداوة الزائلة ومفتتح الحضارة الثابتة، فأصبح شعرهم خلقًا جديدًا، ووقف شعر من قبلهم عند الاستشهاد بألفاظه، حتى لتجر اللفظة الواحدة قصيدة بطولها, وكان من افتتان هؤلاء المحدثين أن نصبوا لأنفسهم منزلة تضارع المنزلة التي وقف عندها الشعر القديم، فصار يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، وعلماء الأدب مجمعون على أن أكثر الشعراء

стр. 543

المولدين اختراعًا وتوليدًا، أبو تمام وابن الرومي. وهذا الأخير كان ضنينًا بالمعاني حريصا عليها: يأخذ المعنى الواحد ويولده فلا يزال يقلبه ظهرًا لبطن، ويصرفه في كل وجه وفي كل ناحية، حتى يميته ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد يتخصص به ويزيد بذلك مادة النبوغ العبقري في شعره؛ وقد تجد من يجيء بعده ممن لا يعد في طبقته قد أخذ هذا المعنى بعينه فولد فيه زيادة ووجهه جهة حسنة تدل البصير بالصناعة على أن ابن الرومي مع شرهه لم يتركها عن قدرة. وذكر ابن رشيق في موضع من كتابه "العمدة" عزمه على تأليف كتاب يحصي فيه معاني الجاهلية ويذكر ما انفرد به المحدثون وما شركهم فيه المتقدمون، كصفات النجوم ومواقعها، والسحب وما فيها من البروق والرعود، والغيث وما ينبت عنه، وبكاء الحمام، وكثير مما لم يتسع له كتاب العمدة، وشرط [على نفسه] في ذلك إحصاء المخترعات للمحدثين وإقامة البرهان منها على أن ابن الرومي أكثر الشعراء اختراعًا. وابن رشيق [أهل لهذا] التأليف، ولكنا لم نعرف عنه خبرًا غير ما ذكره هو. والمعاني بما فيها من صفة الحياة وفسحة الروح خاضعة كالأحياء لناموس الانتخاب الطبيعي الذي يقضي بتنازع البقاء، ولولا ذلك لأقفل باب الاختراع والتوليد؛ لأنه إذا اقتصر الناس على طبقة واحدة من الشعر ولم يكن في طباعهم ما يساعد معنى من الكلام على إماتة معنى آخر أو إسقاطه والحلول محله لم يبق من الكلام ما يتفتح للتوليد، ولم يبق من القرائح ما يتمخض للولادة؛ ولو تتبعت معاني الشعر السائرة ورتبتها ترتيبًا تاريخيا على العصور التي قيلت فيها، لأمكنك أن تضع من ذلك تاريخًا لهذه الوفيات المعنوية، ومن أمثلة ذلك ما قاله الجاحظ أن الناس كانوا يستحسنون قول الأعشى: تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق فلما قال الحطيئة: متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد سقط بيت الأعشى "ج١: البيان والتبيين" مع أن بيت الحطيئة مولد من قول الأعشى، والتوليد أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه أو يزيد فيه زيادة، وليس باختراع لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضًا سرقة إذا كان الشاعر ليس آخذًا على وجهه. الاتباع وأنواعه: فالتوليد اتباع، ولكن هذا الاتباع على نوعين: اتباع في طريق المعنى، واتباع للمعنى نفسه؛ والأول يكون إلمامًا وملاحظة واسترواحًا، والثاني لا يكون إلا غصبًا وسرقة واستكراهًا، وذلك دليل البلادة وسقوط الهمة وضعف القدرة والعجز؛ وقد ذكروا للاتباع في الشعر أنواعًا سموها بأسماء خاصة، وهي ألقاب محدثة وضعوا أكثرها في القرن الرابع, وذكرها الحاتمي في حلية المحاضرة، وتبسط فيها ابن رشيق "ص١٦ ج٢: العمدة" وأورد مثالًا لكل من هذه الألقاب فارجع إليها إن شئت.

стр. 544

ولا غنى للشاعر -جاهليا أو إسلاميا- عن اتباع غيره من الشعراء، وأول ذلك الرواية، وقد كانت شائعة إلى أن انتشر الخط وكثرت الدواوين فصار الشعراء يتلقون عنها، وقد وقفنا على أسماء بعض الشعراء الذين رووا لغيرهم وتخصصوا بهذه الرواية لهم مبعثرة في بطون الأوراق فجمعناها، وهي على قلتها كافية في الدلالة، فمنهم امرؤ القيس، كان راوية أبي دؤاد الإيادي "ص٦١ ج١: العمدة" وكان زهير راوية أوس بن حجر، وهو زوج أمه، وطفيل الغنوي "ص١٣٢ و١٥٥ ج١: العمدة" وكان الحطيئة راوية زهير وابنه "ص٧٨ ج٧: الأغاني" ولم يقتصر على الرواية لهما بل كان يروي شعر الحجازيين أيضًا وكان منقطعًا لهم "ص٣٤: الطبقات" وكان هدبة بن الخشرم راوية الحطيئة، وجميل راوية هدبة، وكثير راوية جميل "ص٨ ج٧: الأغاني" وبلغ من اعتباره إياه أنه كان إذا استنشد لنفسه بدأ فأنشد لجميل "ص١٣٢ ج١: العمدة" وكان أبو ذؤيب الهذلي راوية ساعدة بن جوبة الهذلي "ص١٥٤: الطبقات" ولا نظن استغراق هذا الباب ممكنًا إلا أن يكون قد كتب فيه أحد المتقدمين من أئمة الأدب.

стр. 545

شياطين الشعراء: نذكر في هذا الفصل ما يعتقد العرب من قول الجن على ألسنة الشعراء ولا نجاوز ذلك؛ لأن استيفاء هذا البحث خاص بالتكاذيب "الميثولوجيا" ولهم من هذا القبيل عقائد وعادات كثيرة سنشير إليها في ذلك الموضع. لم يكن الشعر في فحول أهله من العرب لفظ لسان يطير ويقع، ولكنه كان حسبًا ونسبًا، وكان الشعراء هم أهل التاريخ، فإذا لم يستطع الشاعر أن يرفع ويضع، وأن يبعث لسانه مع الموت إلى الموتى بحيث يكون كما وصفوا الجني بأن فمه يتأجج نارًا، فذلك الساقط المغمور؛ من أجل هذا كان يجنح الشعراء إلى اعتقاد أن شعرهم أحرف نارية تلقي بها الجن على ألسنتهم، وأنهم إنما يتناولون من الغيب، فهم فوق أن يعدوا من الناس ودون أن يحسبوا من الجن؛ فإذا جاء أحدهم بالقصيدة البارعة، ورمى بالكلمة النافذة، ضرب قلبه أنها من هناك، وأنه إنما يؤديها عن لسان قائلها، فيكون ذلك مدعاة إلى توكيد الثقة والاعتداد، وإلى الذهاب بالنفس ونفرة الأنف، ونحو ذلك مما هو من كبر القرائح وترفع العقول. والعرب فيما حكاه أبو عبيدة يعرفون الجني بأسماء، فإذا كفر وظلم وتعدى وأفسد قيل شيطان. إلخ، وقد يسمون الغضب شيطانًا، ومن ذاك قول أبي الوجيه العكلي في أمر: كان ذلك حين ركبني شيطاني! قيل: وأي الشياطين تعني؟ قال: الغضبّ كما يسمون به الكبر، ومنه قول عمر: لأنزعن شيطانه من تغرته؛ وكذلك يريدون بالشيطان في بعض معانيه الفطنة وشدة العارضة "ج١: الحيوان" فيكون ما جاء في الشعر من ذكر شياطين الشعراء على وجه المثل؛ لأن كل الصفات التي سبقت إنما هي خصيصة بالشاعر قبل الشيطان؛ وعندنا أنهم أخذوا هذا الاعتقاد من الكهانة وهي أقدم فيهم من الشعر، وكان لكل كاهن نجي يسمونه الرئي والتابع، فذهب الشعراء هذا المذهب وسموا شياطينهم أو سماها لهم الرواة ... كما ستعرف. وقد درج شعراء الأمم على استعانة القوى الغيبية من قديم؛ لأن البيان وحي؛ ولأن الشعر يكاد يكون تفاعلًا روحيا من امتزاج روح الشاعر بروح أخرى، إذ هو كالحالة الطارئة على النفس, تشعر بها وقتًا دون وقت، وفي موضع دون موضع؛ فكان شعراء اليونان والرومان يستدعون في أوائل منظوماتهم "Les Muses" وقد اصطلحوا على تسميتها بآلهة الشعراء أو عرائسه أو ربات الأغاني، ولهم في هذه العرائس أساطير منقولة "انظر شرح الجزء الثالث من الديوان" وقد انسحب على آثارهم المتأخرون من شعراء الأوروبيين، فهم يسمون ربة الشعر، بالمنشدة السماوية، ونحو ذلك مما يتوكأ عليه القلب ويلوذ به الاعتقاد. والعرب لم يكونوا يفتتحون في أشعارهم باستدعاء تلك القوة الغيبية أو الاستمداد منها، كما فعل اليونان والرومان، ولكن ذلك كان لا يجاوز الاعتقاد وحركة النفس كبرًا وغرورًا، وكان ذلك فيهم قبيل الإسلام؛ ونظن أن الذي اخترعه الأعشى؛ لأنه أول من احترف الشعر وجعله تجارة؛ إذ هو لم يكن مكفي المؤنة ولا سري التكسب كالنابغة؛ وقد ذكر صاحب "القاموس" أن جهنام تابعة الأعشى -أي:

стр. 546

شيطانه- وهو نفس لقب عمرو بن قطن من بني سعد بن قيس بن ثعلبة، وكان يهاجي الأعشى، فكأنه شيطانه؛ لأنه لا يزال يهيجه ويبعثه على الشر، ولعل هذا هو الأصل. ثم اتخذ الأعشى بعد ذلك مسحلًا؛ أما ما نسب من ذلك إلى أوائل الشعراء كامرئ القيس، وما زعموا من أن له قصائد ومطارحات مع عمرو الجني وأن شيطانه لافظ من لاحظ، فهو من تخرصات الرواة وما يجيئون به استيفاء لهذا البحث الخرافي وتكثرًا من النظائر والأشباه في الروايات، ولهم في ذلك أخبار ذكر بعضها صاحب "جمهرة أشعار العرب" وصاحب كتاب "آكام المرجان" وغيرهما. ونحن ذاكرون ما وقفنا عليه من أسماء شياطين الشعراء، إذ هم جعلوا ذلك مادة في تاريخ آدابهم: قالوا: إن لافظ بن لاحظة هو صاحب امرئ القيس، وهبيد صاحب عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم، وهاذر بن ماهر صاحب زياد الذبياني، وهو الذي استنبغه وهو أشعر الجن وأضنهم بشعره؛ فالعجب منه كيف سلسل لذبيان به؟ "ص١٩: الجهرة"، ومسحل بن أثاثة صاحب الأعشى، وجهنام صاحب عمرو بن قطن، وعمرو صاحب المخبل السعدي وصاحب حسان بن ثابت من بني الشيصبان، ومدرك بن واغم صاحب الكميت؛ قالوا: وكان الصلادم وواغم من أشعر الجن، وسنقناق صاحب بشار؛ وذكر جرير أنه يلقي عليه الشعر مكتهل من الشياطين؛ والفرزدق يقول إن لسانه لسان أشعر خلق الله شيطانًا، ولكنهما لم يسميا هاجسيهما. وقالوا: إن رجلًا أتى الفرزدق فقال: إني قلت شعرًا فانظره، قال أنشد، فقال: وفيهم عمر المحمود نائله ... كأنما رأسه طين الخواتيم فضحك الفرزدق ثم قال: يابن أخي إن للشعر شياطانين يدعى أحدهما الهوبر والآخر الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصح كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره، وإنهما قد اجتمعا لك في هذا البيت فكان معك الهوبر في أوله فأجدت، وخالطك الهوجل في آخره فأفسدت "ص٢٤: الجمهرة". وكانوا يسمون الشعراء كلاب الحي، وأول من لقبهم بذلك عمرو بن كلثوم في مقوله: وقد هرت كلاب الحي منا ... وشذبنا قتادة من يلينا والرواية التي أتت كلاب الجن خطأ؛ لأن المراد بكلاب الجن شعراؤهم وهم الذين ينبحون دونهم ويحمون أعراضهم كما ذكر الجاحظ "ج١: الحيوان" وقد تابعه الشعراء على هذه التسمية؛ لأن كل هجاء منهم يفخر بأنه عقور. ولم يلتفت المحدثون من الشعراء بعد بشار بن برد لأمر هؤلاء الشياطين إلا ما يجيء لهم من سبيل الفكاهة والبادرة، ولكنهم لم يدعوا الاستعانة بأسماء الله في رأس القصيدة، فيكتبون اسم الفتاح أو العليم أو المعين، أو يبتدئون بالبسملة، وقد درجوا على ذلك إلى اليوم، وبخاصة في العراق.

стр. 547

طبقات الشعراء: يقسمون الشعراء باعتبار عصورهم إلى أربع طبقات: جاهلي قديم, ومخضرم، وهو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، وإسلامي، ومحدث. قال ابن رشيق: ثم صار المحدثون طبقات: أولى، وثانية مع التدريج؛ وهكذا في الهبوط؛ ويسمى المحدثون بالمولدين أيضًا، وبعضهم يطلق هذا اللقب على الإسلاميين ويخصه بهم. وأصل المخضرم عندهم من أدرك الجاهلية والإسلام، ثم أطلقوه على هذه الطبقة، فقالوا شاعر مخضرم، قال ابن بري: أكثر أهل اللغة على أنه مخضرم -بكسر الراء- لأن الجاهلية لما دخلوا في الإسلام خضرموا آذان إبلهم: قطعوا أطرافها، "وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فلما جاء الإسلام أمروا أن يخضرموا من غير الموضع الذي يخضرم فيه أهل الجاهلية" لتكون علامة لإسلامهم إن أغير عليها أو حوربوا؛ وأما من قال: مخضرم -بفتح الراء- فتأويله عنده أنه قطع عن الكفر إلى الإسلام "تاج العروس ج٧ ص٢٨". وأشهر المخضرمين من لبيد، وحسان، والحطيئة، والنابغة الجعدي، والخنساء، ثم شعراء الجاهلية عند بعض العلماء ثلاث طبقات، يعدون في الأولى: أصحاب السبع الطوال على المشهور، والنابغة وأعشى قيس، والمهلهل، وعدي بن زيد، وعبيد بن الأبرص، وأمية بن أبي الصلت؛ وفي الطبقة الثانية: الشنفري، وأبو دؤاد، وسلامة بن جندل، والمثقب العبدي، والبراق بن روحان، وتأبط شرا، والسموأل بن عادياء، وعلقمة الفحل، والحارث بن عباد، وخداش بن زهير، وعروة بن الورد، والأسود بن يعفر، وحاتم الطائي، وأوس بن حجر، ودريد بن الصمة، والخنساء؛ ولا يعدون من الطبقة الثالثة غير لقيط بن زرارة. وهذا التحديد يسقط كثيرًا من شعراء الجاهلية وشواعرهم. وهم إنما قسموهم على رتبهم في الإجادة كما يقولون؛ ثم إن من يقف على مجازفتهم في التفصيل بالقطعة والبيت، بل وبنصف بيت، لا يرى في هذا التقسيم إلا أنه رأى مرسل كما اتفق، لا كما تجري به الأدلة وتسيره البراهين؛ ولهم بعد كلام كثير فيمن هو أشعر العرب، تجده مبثوثًا في سطور الكتب، وهو مما لا يؤخذ به؛ لأن سبيله سبيل ذلك الرأي؛ وعندنا أن قولهم فلان أشعر العرب لبيت كذا أو لقصيدة كذا، محمول على المبالغة في الاستحسان، كما يقولون أشعر الإنس والجن ونحو هذا؛ فكأنهم يمدحون الشاعر بكلام على مذهب الشعر. وشعراء الجاهلية معروف أكثرهم، والمخضرمون معروفون جميعًا، ولكن الإسلاميين لا يعرف منهم إلا عدد قليل، وذلك راجع للفتن الإسلامية التي صرفت قرائحهم واستأصلت أكثر أهل الاستعداد منهم، كما سنبينه في موضعه. أما المحدثون فلم يسقط من مشاهيرهم أحد، وقد وضعت لهم كتب التراجم في عصورهم المختلفة إلى اليوم، وسنذكرها في "باب التاريخ" إن شاء الله.

стр. 548

الشاعرات *: كان ابن أبي دؤاد يقول: ليس أحد من العرب إلا وهو يقدر على قول الشعر، طبع ركب فيهم، قل قوله أو كثر، فإن صدق هذا على رجالهم صدق على نسائهم، إذ الطبع واحد واللغة متفقة والغريزة لا تختلف، وإنما يتفاوت الجنسان في فنون القول لا في القول نفسه، ثم في براعة الصناعة من جهة قوة الشعر وسبكه ورصفه والتئامه، ومن ناحية المعنى وصحته والإبداع فيه؛ أما في استقامة الألفاظ وفصاحتها، وفي استقامة الأوزان الشعرية بعضها أو كلها فما أحسب ذلك يعيي أحدًا منهم رجالًا ونساء متى أراد وحمل طبعه عليه، إن لم يكن في جميعهم ففي أكثرهم؛ ولهذا كان الذي قصر بالشعر العربي وجعل أكثره متخلفًا لا يثبت على أفواه الرواة، كثرته وتعاطي كل أصوله، حتى العامة والسفلة؛ وما من قائل إلا وهو معد لقوله سامعًا، ولا من سامع إلا وهو يحفظ ويروي بعض ما سمع، فقد خرج الأمر إلى أن صار كالعادة والطبيعة؛ وإذا وجدت أمة كلها شعراء تساقط شعراؤها حتى لا يثبت منهم ولا يتفرد إلا من كان فوق الطبيعة وجاء من وراء العادة فيما قالوا وفيما سمعوا، أو من احتاجوا أن يعتبروه كذلك لأمر من أمورهم كما يحتاج أهل المملكة إلى الملك، وما هو بنفسه صار ملكًا ولكنه بما رضوا وخضعوا وبما سمعوا وأطاعوا. فهذان سببان إن وقعا في حكم الشعراء من الرجال لم يتفق أحدهما ولا كلاهما للشاعرات من النساء؛ إذ كانت المرأة دون الرجل في هذه القوة، فلا هو ينقلب أنثى ولا هي تنقلب رجلًا، ثم كان لها من الشأن في التاريخ على مقدارها، فما قط عرفت شاعرة أخملت شعراء دهرها، ولا كاتبة غطت على كتاب زمنها، ولا عرف مثل هذا في الأدب ولا في الرواية ولا في شيء من هذه الصناعة بوسائلها وأسبابها، فكانت الطبيعة نفسها حجابا مضروبًا على النساء قبل الحجاب الذي ضربه الرجال عليهن. بهذين السببين قل الشاعرات من النساء طبيعة، ثم زادهن قلة في العرب أن تاريخ النساء فيهم كان [ينشئ] جزءًا من تاريخ السيوف، فكانت المرأة العربية كأنها طبيعة من طبائع النقمة؛ إذ لم تكن

стр. 549

إلا عرضًا يحمي بالسيف أو عرضًا يسلب بالسيف، وجعلها ذلك منهم بمنزلة الذاكرة من وقائع التاريخ، فهي التي تذكرهم الثأر وأيام الدم، وهي التي لا تنسى شيئًا مما هيأتها له الطبيعة الاجتماعية في أرضها وقومها، فإن كانت لم تعش إلا في ظلال السيوف، وإن كانت أما لم تلد إلا قاتلًا أو مقتلولا، فهي في الأولى يتصل بها تاريخ القتلى من أهلها، وفي الثانية تتصل هي بتاريخ القتلى من ذويها؛ فمن ثم انصرفت عن الشعر إلا في أخص شئونها، وشغلت من الخيال بإحساسها الذي لا هم لها إلا أن تستمده من الحادثات لتوقع منه حادثات مثلها، سيئة بسيئة، فهي بعيدة عن القول بمقدار قربها من العمل. ولذلك بنيت المرأة العربية على أخلاق شديدة، لمكان الطباع والعادات والحوادث التي أنشأتها [وانحدرت] فيها وجرت عليها، فجاءت في مثل تركيب الصحراء إن يكن فيها ساعات ندية من الليل وضوئه ونسجه وأحلامه، ففيها نهار يصب النار على [الأحياء] ملء أقطار السموات، كأنه لم يقسم لها إلا شدة الحب وشدة البغض، تجري فيهما على أسباب وعلل مذ صارت جزءًا من طبيعتها الثانية فتستفرغ فيهما كل وسائلها وتبلغ بهما ما بلغت قواها، فتنتهي إلى خلقين ثابتين: شدة الجزع، وشدة الصبر؛ وكل ذلك مما لا يترك للشعر في طبعها إلا مكانًا محدودًا في معان محدودة. وسبب رابع في قلة الشاعرات عند العرب، وهو أن كل قبيلة إنما تعتد الشاعر لسانها السياسي، وتعده للخصومة في تاريخها والنضح عن أحسابها، وتنال به ما ينال الأسد من أنيابه، فهو منهم إن أرادوه كان المعنى المتوحش في المعنى الإنساني، وإن أرادوه [لأفئدتهم] كان المعنى الإنساني في المعاني الوحشية ولذلك يسمون الشعراء "أظفار العشيرة" والمرأة لا تصلح ظفرًا ولا نابًا، ولا تحسن أن تمضغ لحوم الأعداء في هجائها، ولا أن تأتي بالكلام الذي تترقرق فيه دماؤهم، ثم هي نفسها [جزء] تقع عليه الخصومة بينهم، وفيها أكثر المعاني التي يستبون بها، بل هي أم هذه المعاني.... ثم كانت [طبيعة جنسهم] أن ينشئوها في الحلية لا في الخصام، وأن يجعلوها فاكهة العيش لا ثمره المر، وكل هذه حدود تتراجع فيها حدا وراء حد، والشعراء منطلقون من جميعها*. والعرب لا يرون كل من تقول الشعر شاعرة؛ إذ كان ذلك طبيعيا فيهم وإنما الشأن فيمن تتخطى حدود الحجاب الطبيعي وتكثر من القول وتتصرف في فنونه ومعانيه بما يتعدد من حوادثها ومصائبها؛ فتلك هي الشاعرة عندهم لا غيرها، وبذلك جرت لهم العادة في السماع والرواية، إذ المصائب تجعل المرأة في [جو] الرجل أو قريبة منه، بما تضيف إليها من الشعور وبما تبعثها عليه من العمل، ثم هي في تلك الحال إنما تدون لهم بعض التاريخ وتزيدهم لسانًا في رواية المفاخر، ومن هذه الجهة تشبه الشعراء، فيتناشدون شعرها ويستمعون إليها، وتنبغ بالمصائب ثم تكون ندرتها فيهم نبوغًا آخر، وقلما

стр. 550

تقدمت المرأة عندهم في باب من أبواب الكلام أو العمل إلا كانت غريبة نادرة، وهي سنة طبيعية في التاريخ انتفعت بها النساء الشاعرات إلى يومنا هذا؛ فإن الشيء الغريب لو لم تكن له قيمة لكفى بغرابته قيمة فيه. وكان نساء العرب يقلن الشعر في معان متقاربة يرجع [أكثرها] إلى إحساس المرأة وحسن تصريفه بين عقلها ولسانها؛ ولم يكن لهن من معاني الشعر غير الرثاء وبعض الغزل، وشعر ترقيص الأطفال، وشعر التحضيض يثرن به نخوة الرجال ويحضضنهم على طلب الثأر والثبات والاستماتة في الحرب؛ وقد تجعل المرأة جسمها قصيدة مع شعرها في التحضيض، كالذي فعلته ابنتا الفند الزماني، فقد قالوا إنه لما اشتدت الوغى يوم التحالق وخاف بنو بكر من الفرار، عمدت إحداهما إلى أثوابها فألقتها عنها وأقبلت عارية مجردة وجعلت تحض الناس وترتجز, وفعلت أختها مثل ذلك، فتحمس القوم ووثبوا يقاتلون قتالًا منكرًا؛ فهذه مادة من شعر النساء لا يستطيعها أبلغ الشعراء من الرجال. والرجز الذي ارتجزت به إحدى هاتين هو الرجز المشهور: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق وهذه الأبيات تروى أيضًا لهند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان، فقد كانت ترتجز بها في وقعة أحد وخلفها النساء يضربن بالدفوف، وهند هذه هي التي شقت بطن حمزة لما قتل، وقد كان أسدًا من أسود الله على قومها، فاستخرجت كبده فلاكتها في فمها فلم تطق إساغتها فلفظتها، وهذا من شر ما يعرف عن امرأة، وليس يشبهه إلا من فعلته ريحانة أخت عمرو بن معديكرب الفارس المشهور؛ وأم دريد بن الصمة فارس هوازن وسيد بني جشم، فإنه لما قتل ابنها عبد الله بن الصمة لم تزل تعير أخاه دريدًا وتحضه، حتى نفر في طلب الثأر من غطفان، فغزاهم وقتل منهم قومًا، ثم أسر قاتل أخيه وأتى به إلى [فناء] أمه فقتله تحت عينيها، فأحضرت السيف وجعلت تلحس الدم بلسانها إلى أن انقطع منه شيء وهي لا تشعر لغلبة الفرح عليها؛ ومع هذا الظمأ إلى الدم لا يروى لريحانة شعر في ابنها، ولا هي معدودة في الشواعر، وإنما رثته أختها كبشة بنت معديكرب، فأجزأت الخالة عن الأم؛ ومن أعجب ما يروى عن شاعرة، خبر عجوز تسمى خويلة، وكان يدخل عليها أربعون رجلًا كلهم لها محرم بنو إخوة وبنو أخوات، طرقتهم بنو واهن وبنو ناغب فقتلوا منهم ثلاثين، فوقفت خويلة على مصارعهم ثم عمدت إلى خناصرهم فقطعتها [ونظمت] منها قلادة وألقتها في عنقها وخرجت حتى لحقت بابن أختها تستنفره للثأر في شعر جاف [مقتضب] كخناصر قتلاها، رواه القالي في أماليه "ص١٢٧ ج١". ومن أعجب شعر النساء القديم في الجاهلية الأبيات المشهورة المروية لليلى بنت لكيز الملقبة بالعفيفة، وهي التي تصف فيها ابتذال الأعداء لعفافها بهذا البيت النادر: قيدوني غللوني ضربوا ... ملمس العفة مني بالعصا وقولها "ملمس العفة" من الكلام الذي لا يفنى التعجب من بلاغته ومن حسن التعبير فيه؛ وكذلك أبيات جليلة أخت جساس، وكان أخوها قتل زوجها كليبًا بن ربيعة؛ فلما اجتمع النساء يندبنه

стр. 551

أخرجنها وحسبنها شامتة؛ لأنها أخت القاتل، فبلغ ذلك إليها فقالت أبياتًا من أعجب الشعر: جلّ عندي فعل جساس، فوا ... حسرتا مما انجلى أو ينجلي! فعل جساس على وجدي به ... قاطع طهري ومدن أجلي لو بعين فقئت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل يا قتيلًا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعًا من عل هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأول يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل مثكلي إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي١ قال صاحب المثل السائر: وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون لاستعظمت، فكيف بها من امرأة! ولا يهولنك كثرة أسماء النساء اللاتي قلن شعرًا، فعمود الشعر عندهن الرثاء، وليس لهن إلا المقاطيع والأبيات القليلة، ولم تبن منهن إلا الخنساء وليلى [الأخيلية] ؛ وما شعرت الخنساء حتى كثرت مصائبها؛ وكانت قبل ذلك كغيرها من النساء: تقول البيتين والثلاثة، حتى قتل أخوها صخر [....] به من كان مثله، فأجادت وأطالت؛ لأنها أصبحت مصروفة الهم إلى نوع من الحب في نوع من الشعر؛ وسمت همتها إلى أن صارت تعاظم العرب في مصيبتها بأبيها وأخويها صخر ومعاوية؛ فصارت تشهد المواسم وقد سومت هودجها براية وتقول: أنا أعظم العرب مصيبة! وتبكي أهلها وتنشد مراثيهم فدارت أشعارها على الألسنة؛ وقد قلدتها في هذا الصنيع هند بنت عتبة، فإنه لما قتل أبوها وعمها وأخوها، وبلغها ما تفعل الخنساء في الموسم وتسويمها هودجها ومعاظمتها العرب بمصيبتها، قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة! وأمرت بهودجها فسوم براية، وشهدت الموسم بعكاظ، وجعلت تسأل عن الخنساء فدلت عليها، وجعلت كل منهما تعاظم الأخرى وتنشد مراثي أهلها. فلو كان يعرف عندهم أشعر من هاتين لسموهن. وقد استفحلت الخنساء في رثاء أخيها صخر، وكان أخاها لأبيها ولكنه كان أحب إليها من معاوية وهو لأبيها وأمها. غير أن المصائب لا تجعل غير الشاعرة شاعرة، ولا بد من تركيب ملائم في بعض الناس لتلقي مادة الشعر عن الروح والقلب والطبيعة، ولم يأت في شعر النساء [خاصة] أفحل ولا أجزل من شعر الخنساء، كأن فقد رجالها جعلها رجلًا. وكثير من أشعار النساء يضعه الرواة ويهيئون له أخبارًا يجري فيها ذلك الشعر، ولكن ما تقوله المرأة في لوعتها لا يحسن الرجل أن يقول مثله مهما تكلف لذلك ولبسه على تصنع؛ وبهذا تستطيع

стр. 552

أن تميز الصحيح والمنحول من شعر النساء. وقد [يمسك] لسان امرأة في مصيبتها زمنًا إلى الحول إذا فجعت بحبيبها، فلا تقول شيئًا مع قدرتها على القول؛ لأنها لا تسلو ولا تفيق، ولا تريد أن تسلو ولا تفيق، كامرأة مالك بن عمرو الغساني، فلما زوجوها بعد زوجها الأول نطقت ترثيه ليلة عرسها؛ فكان شعرها طلاقها من بعلها الثاني! ومن نادر الشعر في مراثي النساء أبيات تروى لامرأة من بني الحارث بن كعب كان لها طفلان من عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان عبيد الله هذا عاملًا لعلي بن أبي طالب على اليمن، فوجه معاوية إلى اليمن بسر بن أرطأة فأرشد على الطفلين، فوارتهما أمهما تحت ذيلها، فأخذهما وذبحهما تحت عينيها؛ فكانت تقول في رثائهما وندبهما أبياتًا، منها: يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف يا من أحس بنيي اللذين هما ... سمعي وطرفي فطرفي اليوم مختطف يا من أحس بنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف ولا أبلغ في البلاغة ولا أحسن حكاية لصوت البكاء والندب من قولها "بنيي" فهاتان الياءان المشددتان تعصران الدموع عصرًا وتصوران غصص العبرات مترددة في حلق الباكية أبدع تصوير. ولم يكن نساء العرب يقلن في الغزل ووصف الهوى إلا قليلًا، لمكان المرأة بينهم وشدة الغيرة فيهم، ثم لا يكون غزلهن إلا عفيفًا، كهذه الأبيات التي رواها ثعلب لامرأة من العرب* تقول فيها تصف خلوة مع حبيبها: وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان وبتنا يقينا ساقط الطل والندى ... من الليل بردًا يمنة عطران نذود بذكر الله عنا من الصبي ... إذا كان قلبانا بنا يردان** وهذا المصراع الأخير من أبدع الكنايات ومن أبلغ البلاغة العربية. فلما تحضر العرب ونشأت طبقة الشعراء العشاق، وبدأ عصر القيان النادبات المغنيات -مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن في طبقتهن- فشا الغزل في شعر النساء، وكان يندر بعد ذلك أن تظهر الشاعرة المتفحلة التي تجري على سنة العربيات، كليلى بنت طريف الشاعرة [الفارسة] التي كانت في أواسط القرن الثاني للهجرة، وكانت تسلك في رثاء أخيها الوليد بن طريف الشيباني الخارجي مسلك الخنساء في رثاء صخر، ولها الأبيات الطائرة التي منها هذا البيت البليغ المشهور في كتب النحاة:

стр. 553

أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف ولا غرابة في فروسية هذه الشاعرة وفصاحتها وجزالتها؛ فهي من نساء الخوارج، وهن في النساء الإسلاميات كالعضل في الجسم! وللقيان النادبات تاثير بعيد في تاريخ الأدب؛ لأنهن يتهالكن رقة وظرفًا وحبا، وشعر الشاعرات منهن كخفقان القلوب، كله مقاطيع لا قصائد، وكان منهن من تجلي للشعراء تناقضهم وللأدباء تحاورهم، كخلوب جارية يحيى بن خالد البرمكي، وفضل الشاعرة جارية المتوكل، ولم تكن تشعر الواحدة منهن حتى يتصل [الهوى] بينها وبين شاعر أو شعراء وكاتب أو كتاب، تأخذ منهم وتدع، وتعرف منهم وتنكر، وليس بعد الخنساء وليلى الأخيلية أشهر من فضل الشاعرة جارية المتوكل؛ وروى صاحب الأغاني في أخبار سعيد بن حميد الشاعر الكاتب المترسل، وكانت تهواه فضل، عن إبراهيم بن المهدي، قال: كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطا وأفصحهم كلامًا وأبلغهم في مخاطبة وأثبتهم في محاورة؛ فقلت يومًا لسعيد بن حميد: أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها وتفيدها [وتخرجها] فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك، فقال لي وهو يضحك: ما أخبث ظنك! [والله] يا أخي لو أخذ [أوائل] الكتاب و [أماثلهم] عنها لما [استغنوا] عن ذلك. ومن مضحكات فضل هذه أنها كانت تهاجي خنساء الشاعرة جارية هشام المكفوف، وذلك ما لم نعرف له نظيرًا في الأدب العربي، فقد عرفنا أن الهجاء قد يلج بين شاعرين، أو بين شاعر وشاعرة، ولكنا لم نعرفه بين شاعرة وأخرى مثلها، إلا ما قيل عن فضل وخنساء؛ وكان هجاؤهما نسائيا [حييا] وكانت كلتاهما تستعين في ذلك بالرجال؛ فكان أبو شبل عاصم بن وهب يعاون فضلًا، وكان القصيري والحفصي يعينان خنساء، وبهذا رجع الهجاء إلى حقيقته فصار بين رجال بعضهم وبعض. وكان عند المتوكل شاعرتان غير فضل، هما: بنان ومحبوبة، غير أن السبق لفضل؛ فهي شاعرة زمنها. وعلى كثرة أسماء النساء الشاعرات في التاريخ الأدبي وروايتهم؛ عن أبي نواس أنه قال: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة منهن الخنساء وليلى، وقول أبي تمام: لم أنظم شعرًا حتى حفظت سبعة عشر ديوانًا للنساء خاصة, لم ينته إلينا ولا ديوان واحد إلا المقطعات التي جمعت للخنساء، وهي ليست ديوانها؛ ولعل السبب في ذلك أن الناس لم يكونوا يحفلون بشعر النساء، إذ كان شعر الرجال قد ملأ الدنيا وذهب المذاهب كلها في فنون الكلام وبلاغته، وإنما كان يجمع بعض الرواة والعلماء أشياء من ذلك، كالكتاب الذي جمعه أبو عبد الرحمن العتبي الشاعر البصري المتوفى سنة ٢٢٨هـ من أشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن، وكلهن من العرب، وأشعار النساء للمرزباني، وهذا الكتاب لا يزال موجودًا؛ ثم ما ألف في طبقاتهن، كالإماء الشواعر للأصبهاني المتوفى سنة ٣٥٠هـ، والنساء الشاعرات لعدة أدباء.

стр. 554

والعجب أن الذين ألفوا في طبقات الشعراء لم يذكروا الشاعرات معهن، لا في الحجاز ولا في الشام ولا في العراق، ولا في مصر ولا في المغرب ولا في الأندلس؛ وضربوا الحجاب عليهن؛ إذ كان شعر النساء تظرفًا، وإذ لا يكاد يعرف في التاريخ كله من تستحق اسم الشاعرة غير بضع نساء معدودات أشهرهن من عددنا؛ وإذا عرفت امرأة واحدة في عصر؛ غطى عليها مائة رجل في حجاب من لحى الرجال فلا تكاد تظهر؛ فيا رحمتا لهؤلاء الضعيفات!

стр. 555

تنوع الشعر العربي وفنونه: الشاعر إنسان منفرد في الناس، وهو في نفسه عالم مجتمع من حيث تشتبك في نفسه علائق الموجودات وترتبط أسباب الحوادث وتتألف من ذلك كله صور مرتبة تلقيها إليه حقائق هذا العالم التي يستمد منها الشعر؛ غير أن تلك الصور يدخل عليها ما يعتري الصور الحسية من الجمال والقبح على اختلاف أنواعها من الرقة والمناسبة والغلظة واختلال التركيب ونحوها؛ وذلك تابع لتأثير العصور على الشاعر ومقدار ما يكون قد تخلف في عصره من أسباب الرقي الإنساني، فإن جهد الشاعر أن يكتنه حكمة الخالق في خلقه -وليس العالم كله إلا تفسيرًا مرتبًا على أجزاء هذه الحكمة البالغة- فالعصرالطويل بحوادثه التي تغير وجه الأرض إنما هو صفحة تطوى لتترك من المعاني ما تبنى عليه صفحة أخرى، وما هذا التشابه في حوادث العالم إلا نوع من التئامها كلها على حسب ما يقدر له في كماله. وعلى ذلك يمكن تقسيم الشعر مطلقًا إلى ثلاثة أقسام باعتبار علاقة روح الإنسان بالقوى الغيبية؛ وعلاقتها بأحوال الناس؛ وعلاقتها بسائر الموجودات الأخرى؛ لأن الشعر ليس أكثر من أن يكون لغة الروح؛ فجميع أنواعه إلى هذه الأقسام الثلاثة؛ وعلى مقدار ارتقاء كل أمة يكون مبلغ شعرها منها؛ فالعرب في جاهليتهم كانوا منصرفين عن الفكر في حقائق القوى الغيبية، مستسلمين للأوهام بحكم العادة ولذلك فقدت من شعرهم مادة الجمال الروحاني التي يتألق فيها نور السماء، فكان شعرًا ماديا لا يصف المحسوس بأكثر من كونه محسوسًا وإن تنوعت العبارات واختلفت الأساليب، وكذلك كانت علائقهم الاجتماعية بسيطة في أكثر أحوالها؛ لأنهم أهل بادية لا يختلطون بغيرهم ولا يعرفون من تاريخ العصور أكثر من عوائد أسلافهم الأقربين، فكأنهم في أوائل من عمروا الأرض، وكأنهم عند أنفسهم من آباء التاريخ؛ ولذلك جاءت فنون شعرهم غير مرتبة ولا مستقصاة، بل تنحصر في أنواع لا تكافئ ما يكون من العلائق في أمة راقية، وكانوا يعرفون ذلك النقص في مادة أشعارهم فوجهوا جهدهم وصرفوا قواهم إلى الفصاحة وتشقيق الكلام وتصريف اللغة؛ فبلغوا في ذلك منزعًا بعيدًا؛ لأنها من الصناعات التي تلائم الظواهر النفسية، وكانت أحوالهم الاجتماعية كلها بعيدة عن أن يغاص عليها في قرارة النفس، فلما صادف ذلك الاتفاق منهم المشابهة التامة والمطابقة الصحيحة، نهضت به طباعهم الراقية إلى ما قصرت فيه عنهم سائر الأمم، لانصراف طباعها إلى غير ذلك وتوزع قوى الابتكار في أفرادها ونوابغها المعدودين. وبهذا يتضح لك خطأ ما حكاه ابن خلدون وأقره من اعتقاد أئمة الصناعة الأدبية أن ما لم يجر على أساليب العرب كشعر المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء؛ وهو يريد بأساليب العرب ما صرفوا إليه جهدهم مما وافق ظواهر أحوالهم على نقصه؛ وقد سقط في ذلك جمهور الأدباء حتى كبارهم كالجاحظ وغيره؛ فكان من هذا علة أصل الجمود الذي جعل الشعر العربي يضطرب في دورة

стр. 556

الأزمنة؛ لأنه لا يدور معها إلا قليلًا عندما يدفعه أهل القرائح المستقلة، ومدار الاستقلال في القريحة على نوع من الإبداع خاص بها هو الذي يقال فيه نفس فلان وروح فلان، فإذا اقتدت القرائح بعضها ببعض فقد استعبدت وذلت؛ لأنها تتبع آثارًا في طريق مصنوعة؛ ولكن طريق الإلهام لا أثر فيها إلا حسن الأرواح بعضها ببعض، وليس يمحق هذا الحس إلا خذلان من الله، فالقريحة المستقلة لا تتبع صفة قريحة أخرى؛ ولكنها تتبع الروح الملهم وتتبين آثاره في الصنعة وتبالغ في تمييزها حتى تتجه إلى مصدر الإلهام؛ وذلك سر النبوغ العبقري. وقد يتفق للجاحظ أن يحوم بخاطره حول المعنى المقصود من الشعر ولكنه لا يسقط إلا على أطرافه وأعالي فروعه، وإنما يعمي عليه أن ينظر إلى أن الشعر عمل فردي مبدؤه الشخص وغايته الشخص؛ وكان ذلك صحيحًا في العرب؛ لأنه ينطبق على حالتهم الاجتماعية؛ إذ كانوا أفرادًا أو في حكم الأفراد؛ وكانت كل أعمالهم تجري هذا المجرى، فهم لا يغزون مثلًا مدافعة عن الحياة العامة للقبيلة؛ أي: من أجل باعث سياسي؛ ولكنهم يغزون للحياة الفردية؛ أي: مدافعة عن العيش أو التماسًا له أو مغالبة عليه؛ وكذلك هم في كل شأنهم ما دام قوام الاجتماع عندهم بالعصبية، وقد ظهر أثر ذلك في شعرهم فهو شخصي في معانيه، ممتاز بهذه الشخصية، حتى لا تجد فيه الحوادث المركبة التي يرمي بها إلى غرض عام، كتاريخ قبيلة من القبائل؛ وكالشعر التمثيلي الذي يتحيل فيه على تصريف المعاني وسياسة الحوادث؛ وكان ذلك سهلًا عليهم لو أنه في طبيعة معيشتهم ومن مقتضى نظامهم الاجتماعي، أما فيما عدا ذلك، أي: في المعاني الشخصية، فقد بلغوا في إجادتها مبلغًا يناسب إحكام اللغة وإتقانها؛ وهو الذي خدع به الرواة حتى ظنوه كمالًا إنسانيا كان مقسومًا للعرب فخصوا به وذهب في مآثر زمنهم؛ لأن على أسلوبهم وشي الغريزة، وفيه حوك الطبيعة، وذلك معدوم في طبع من بعدهم بالضرورة، ولما سئل أبو عمرو بن العاء عن المولدين قال: ما كان من حسن فقد سبقوا إليه وما كان من قبيح فمن عندهم، ليس النمط واحدًا، ترى قطعة ديباج وقطعة [نسيج] وقطعة نطع ... قال الجاحظ: عامة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب أشعر من عامة شعراء الأمصار والقرى من المولدة, وليس ذلك بواجب لهم في كل ما قالوه؛ وقد رأيت ناسًا منهم يبهرجون أشعار المولدين ويستسقطون من رواها؛ ولم أر ذلك قط إلا في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروي، ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان وفي أي زمان كان.... إلى أن قال: والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك؛ فإنما الشعر صناعة وضرب من الصبغ وجنس من التصوير ... ونقول إن الفرق بين المولد والأعرابي أن المولد يقول بنشاطه وجمع باله الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلت قوته واضطرب كلامه. ا. هـ "ج٣ ص٤٠: الحيوان". قلت: وإذا كان الشعر ضربًا من الصبغ وجنسًا من التصوير فلا ينبغي أن يكون كله ماء ورونقًا، وهو اللون اللبليغ الذي يريدونه؛ لأن تصوير الحياة العامة يحتاج إلى الألوان الكثيرة؛ وربما دخل فيها

стр. 557

أقبح الألوان فكان أحسن شيء، لوقوعه مع المناسبة بين الألوان الأخرى. على أن المحدثين قد خالفوا العرب في كثير من الشعر إلى ما هو أليق وأمس بأزمانهم، ولكن ذلك إنما كان من تأثير العصور عليهم ضرورة ولم يتجاوزوا به التشبيه والأوصاف، أما فنون الشعر فبقيت على ما تركها العرب، إلا ما كان من التصرف القليل في بعضها -كما ستعرفه- وأول من عد هذه الفنون وميز الشعر بها تمييزًا أخذ عنه، أبو تمام؛ فإنه رتب كتاب الحماسة في عشرة أبواب: هي الحماسة، والمراثي، والأدب، والتشبيب، والهجاء، والإضافات، والصفات، والسير، والملح، ومعرفة النساء، ثم جاء عبد العزيز بن أبي الأصبغ فجعلها بعد التتبع والاستقصاء ثمانية عشر: وهي الغزل، والوصف، والفخر، والمدح، والهجاء، والعتاب، والاعتذار، والأدب، والخمريات، والأهديات، والمراثي، والبشارة، والتهاني، والوعيد، والتحذير، والتحريض، والملح، وباب مفرد للسؤال والجواب. وقد ذكر الثعالبي في ترجمة ابن حجاج الشاعر الهذلي الكبير وكان في القرن الرابع، أن البديع الأسطرلابي رتب ديوانه على مائة وأربعين بابًا وواحد؛ ثم قفى كل باب وجعله في فن من فنون شعر الزجل، ولكن هذه الفنون غير متباينة في تنوعها، بل ربما كان منها مائة نوع من الهجاء والسباب وحده، والباقي في المديح وغيره. فأنت ترى أن تلك الفنون جميعها متداخل بعضها في بعض من حيث الوصف الشعري، وإنما هي أسماء نوعية تتباين مسمياتها بالحالة إلا بالذات، فإن الشعر في الأعم الأغلب واحد في جميع تلك المتناقضات والمتشابهات من حيث روحه وأسلوبه والمبدأ الذي يأخذ منه والغرض الذي ينتهي إليه، ولكن أحواله متعددة بحسب اختلاف تلك الأنواع، فإن حالة الرثاء وصفة الفجيعة مثلًا غير حالة الشعر الخمري وصفة الطرب والانشراح. ولكن تنوع الشعر في الحقيقة إنما يكون ذاتيا، أي: في الروح والأسلوب والمبدأ والغرض، فروح الشعر هو نوع التأثير الذي يخلقه الشاعر فيه، والأسلوب هو الطريقة التي يخصص بها نوع هذا التأثير، والمبدأ هو المعنى النفسي الخاص الذي يكيف به الشعر المؤثر، والغرض هو المعنى العام النفسي الذي يقصده من التأثير. وبذلك يكون الشعر تمثيلًا حقيقيا للحياة؛ لأن الحياة مجموع من العادات العملية والانفعالية والذهنية مرتبة ترتيبًا منظمًا يؤدي إلى سعادة أو شقاء، ويسوق إلى الأقدار أيها كان؛ والناس كذلك مختلفون في قيمة التأثر بأحوال هذه الحياة، ونوع هذا التأثر، وفي المبادئ الخاصة التي تبنى عليها تلك الأحوال، والأغراض العامة التي تساق إليها، فالشاعر ينبغي أن يكون قوة من قوى الطبيعة التي تساعد في تكوين هذا الاجتماع على حالة من أحواله المختلفة، والقوى الطبيعية كلها متغايرة متباينة، ولكن هذا التغاير فيها إنما هو شكل الانتظام الذي قامت به الحياة. والذي يحتاج إلى المطر لا يشترط في السحاب أن يجيء من هنا أو من هناك، ولا أن يكون قد تصاعد من بحر كذا أو غيره، ولا أن يساق بريح شديدة أو لينة؛ وكذلك الشاعر لا يقيد في شعره بنوع أو حالة؛ لأن الشعر قوة مؤلفة من

стр. 558

عناصر دقيقة تنتظم بطبيعتها على النحو الذي يصورها في شكلها الملائم لتصريف مادة القوة فيها وعلى حسب ما يصرف الشاعر من هذه القوة. فإذا اتفق الشعراء على شكل واحد وعلى أنواع معروفة لا تكافئ أغراض الحياة، فقد سقطوا من منزلتهم الطبيعية المبنية على تنوع القوى، وعند ذلك تظهر في مجموعة شعرهم الزيادة عن الحاجة الخاصة بأكثر مما يظهر فيه النقص عن الحاجة العامة اللازمة للاجتماع، وتكون النتيجة من ذلك أن يضج أكثرهم [من وقت الحرفة] لأن المتفردين منهم بظهور القوة هم الذين يكونون شعراء الناس فيجتازون، والباقين يكونون شعراء أنفسهم فيغيبون في شعراء الناس. وليس يؤخذ مما ذكرناه أن شعراء العرب لم يكونوا على بينة من حقيقة الشعر، بل هم قد تبينوها ولكن لم تمكنهم حالة عصرهم التفنن في أقسام الشعر وتنويعه على معاني الحياة الراقية؛ إذ كانت هذه الحياة غير متيسرة لهم، وكان حقا على من جاءوا بعدهم، ولكنهم إنما درسوا الشعر في الغالب لينوعوا به الحياة، وكان الصحيح لو أثبتوا سنة العرب أنفسهم ودرسوا الحياة لينوعوا بها الشعر. وسنأخذ في تاريخ أهم الأبواب التي فيها يدخل النظم العربي وهي: الهجاء، والمديح، والحماسة، والرثاء، والتشبيب، والوصف، والسياسة، والحكمة، والهزل، وشعر الحكاية، وشعر الترقيص. ونتبعها بفصل في الشعر العلمي، وهو الذي تنظم فيه المتون والضوابط والكتب، مقتصرين على تاريخ كل باب دون البحث في وجه المعنى وطريق صنعته، فذلك من موضوع البلاغة ونقد الشعر.

стр. 559

الهجاء مدخل ... الهجاء: نحن في تأريخ هذه الأبواب لا نبسط فلسفة الأخلاق، ولا نكتنه أسرار تركيبها نريد أن نلون أجزاء الصورة الإنسانية بالأصباغ حتى نعين منها ما يكون صباغة بالشعر وما لا يكون؛ لأننا لو ذهبنا نعد لذلك لأدخلنا في هذا الكتاب كتابًا آخر، وأحدهما لا محالة مخرج الثاني من غرضه الذي وضع له؛ فالكلام في الهجاء يحتمل كثيرًا من فلسفة النفس، كتعريف العيوب والرذائل وما يتأثر بها من الأخلاق والأحوال التي يكون فيها هذا التأثير على اختلافه لينًا وشدة، إلى ما يتصل بهذه المعاني أو يقاربها. فنحن نتجاوز ذلك كله إلى التاريخ. وإنما نلم فيه بما لا يحسن بنا أن نتخطاه وإن ترامت أطراف الكلام، وكان الإسراع وسيلة السائر فيه إلى الأمام. العرب أمة أخلاق، لم تصفها الحضارة، ولم يذهب بخشونتها النعيم والترف، فهي جارية طبيعية في مجرى العادات الوراثية الذي تخطه العصور ويتحيف جوانبه تيار الاجتماع؛ وبديهي أن ذلك المجرى لا يكون مطردًا على اتساق، بل هو يستقيم وينحرف، وتلتئم جوانبه وتتمزق على مقتضى سنة التكون الطبيعي الذي يرجع في كل ظواهره إلى الاتفاق [وقذفات] الأقدار. لذلك يرى العربي نفسه خلقًا محضًا، ولكن فطرة الحياة غطت على بعض جوانب منه وكشفت عن بعضها. فهذا يظهر منه جانب الكرم وإن كان شجاعًا، ويظهر من الآخر جانب الشجاعة وإن كان كريمًا، وهلم جرا، حتى إنهم لا يميزون بوصف من الأوصاف إلا من تناهى فيه، وتجد ذلك في أمثالهم، فيقولون: أكرم من فلان، وأشجع من فلان، وأحلم من فلان؛ ولكنهم لا يميزون من يستجمع الفضائل الكثيرة ويكون كلها غالبًا ظاهرًا، فلا يضربون به أمثالهم؛ لأنه عندهم دون من يستغرق الخلق الواحد ويستوفي مناقبه على ما يعرفونها؛ فلما قضى عليهم نظام الحياة بالمغالبة، كان جانب التنافس بالأخلاق أغلب فيهم على جانب المنازعة بالأعمال؛ لأن العمل مظهر الخلق، وقلما يأتون شيئًا من أعمالهم إلا ابتغاء أن يظهروا تلك الخلاق أو يكتسبوا ما يساعدهم على المبالغة في إظهارها، وذلك بين في حروبهم ومنافراتهم وكثير من عوائدهم؛ فكان من الطبيعي أن يدعو إلى ظهور الهجاء. ولهذا لم يكن الهجاء عند العرب في اعتبار السباب والإفحاش؛ ولكنه سلب الخلق أو سلب النفس، أو فصل المرء من مجموع الخلق الحي الذي يؤلف قومية الجماعة وتركه عضوًا ميتًا يتواصفون ازدراءه ويحركه جسم الأمة حركة جامدة كلما نهض أو تقدم. لا جرم كان للهجاء عندهم ذلك الشأن؛ وعدوا بكاء الأشراف منه أول مكارمهم كما ستعرف؛ وكان السباب والإفحاش فيه مما يحيله عن أن يكون هجوًا ولا يضر المهجو شيئًا؛ فالهجاء عندهم قسمان: قسم يسمونه هجو الأشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سبابًا مقذعًا، بل هو [التضريب] بين الأحساب، وتعليق الكلام على الأخلاق يمتص منها مادة الحياة؛ وقسم هو السباب، ولا يعبئون به؛ لأنه هجو المهجوين بطبيعتهم وهم السفلة؛ فليس يجنح إليه الشاعر إلا إذا عجز عن إصابة المغمز

стр. 560

الذي يكمن فيه الألم من الموضع الصحيح. ولما قدم النابغة بعد وقعة حسي سأل بني ذبيان: ما قلتم لعامر بن الطفيل وما قال لكم؟ فأنشدوه؛ فقال: أفحشتم على الرجل وهو شريف لا يقال له مثل ذلك؛ ولكني سأقوله؛ ثم قال: فإن يك عامر قد قال جهلًا ... فإن مطية الجهل السباب الأبيات "ص١٣٩ ج٢: العمدة" فلما بلغ عامرًا ما قال النابغة شق عليه وقال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة؛ جعلني القوم رئيسًا وجعلني النابغة سفيها جاهلًا وتهكم بي!. ولذلك السبب كان أليق ما يسمى به الهجاء "شعر التاريخ" لأن الهجاءة مؤرخ يذكر مثالب الناس ومناقبهم، ويقص من التاريخ ما يستعين به على إحكام معنى الهجاء؛ حتى إنك لتقرأ كثيرًا من الشعر الذي أثر عنهم في ذلك وفيه ذكر العادات وأخبار من التاريخ فلا تجد فيه شعرًا، حتى إذا عرفت شرحه وتأويله وجدت فيه شعرًا لا يكون ذلك المنظوم إلا إشارة إليه، وذلك كقول جرير يعير الفرزدق ويعلمه فخر قيس عليه: تحضض يابن القين قيسًا ليجعلوا ... لقومك يومًا مثل يوم الأراقم كأنك لم تشهد لقيطًا وحاجبًا ... وعمرو بن عمرو إذا دعوا يال دارم ولم تشهد الجونين والشعب والصفا ... وشدات قيس يوم دير الجماجم وقد أوردها المبرد في كتابه "الكامل" "ص١٣٤ ج١" وشرحها، وعلى هذا التأويل قال يونس بن حبيب: لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس. ومن الهجاء بالعادة قول ابن لسان الحمرة لرجل من بني أسد مر به: قد علمت العرب يا معشر بني أسد أنكم أشدها بياض جعور! فعطف عليه الأسدي فضربه بالسيف حتى برد. وتأويل ذلك أنه عيره بأنهم لا يعرفون البقل ولا يعرفون إلا اللبن؛ لأنهم يقولون إن الجعور قد تبيض إذا كان قوت صاحبها اللبن. وقال الشاعر يهجو ناسًا منهم بذلك "ص٧٥ ج٢: الحيوان": عراجلة بيض الجعور كأنهم ... بمنعرج الغيطان شهب العناكب وهذا وإن كان تطرفًا في الهجاء إلا أنه شائع فيهم؛ لأنهم يهجون بكل شيء حتى بأكل الكراث، كما عير به جرير عبد قيس بالبحرين "ص٨١ ج٢: الكامل"؛ وبأكل السخينة، وعيرت بها قريش، وبأكل لحوم الكلاب، وعيرت به بنو أسد؛ وبأكل لحوم الناس أيضًا ... وهجيت به هذيل وأسد وبلعنبر وباهلة "ص١٣٩ ج١: الحيوان"؛ وبكثرة الأكل، وهجيت به تميم. والأشعار في ذلك مأثورة تفيض بها الكتب.

стр. 561

الهجاء في القبائل: وكان هجاء الشريف عندهم مما [ينذرع] إلى هجاء قبيلته وتشعيثها؛ لأنه لا يشرف إلا إذا فخرت القبيلة به وجعلته معقد ألسنتها فيما بينها وعنوان شرفها بين القبائل، وكان له عز الأمر والنهي، وعقد المنن في أعناق الرجال وسرور الرياسة، وثمرة السيادة. قال الجاحظ في سبب ذلك: وإذا بلغ السيد في السؤدد الكمال حسده من الأشراف من يظن أنه الأحق به، وفخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيد عشيرته فهجاه. ومن طلب عيبًا وجده، فإن لم يجد عيبًا وجد بعض ما إذا ذكر وجد من يغلط فيه ويحمله عنه. ولذلك هجي حصن بن حذيفة، وهجي زرارة بن عدس، وهجي عبد الله بن جدعان، وهجي حاجب بن زرارة. وإنما ذكرت لك هؤلاء؛ لأنهم من سؤددهم، وطاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم ومن حلفائهم وجيرانهم مذهب كليب بن ربيعة، ولا مذهب حذيفة بن بدر، ومذهب عيينة بن حصن، ولا مذهب لقيط بن زرارة -أي: في إعنات الناس بطغيانهم وبغيهم كما كان يفعل كليب إذ كان يحمي موقع السحاب فلا يرعى ونحو ذلك- "ص١٥٦ ج١: الحيوان. وص٢٣٧ ج١٠: ابن الأثير" فإن هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون.... وكان أولئك السادة لم يكن شأنهم أن يردوا الناس إلى أهوائهم، وإلى الانسياق لهم بعنف السوق وبالحرب في القود؛ وهم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء. ومتى أحب السيد الجامع والرئيس الكامل قومه أشد الحب، وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حب قومه "ص٣١ ج٢: الحيوان". هذا إذا لم يتوثب إليه، ولم يعترض عليه من بني عمه وإخوته من قد أطمعته الحال في اللحاق به، كخبر أوس بن حارثة بن لأم الطائي حين ألبسه النعمان الحلة التي جعلها لأكرم العرب، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة! فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلًا لا أرى في بيتي أثاثًا ولا مالًا إلا من عنده؟ ثم أخذها بشر بن أبي خازم أحد بني أسد وهجاه. والخبر بجملته ساقه المبرد في "الكامل" "ص١٣٧ ج١". ولذلك لم يكن يسلم من ضروب الهجاء إلا القبائل المغمورة والمنسية، حيث لا يكون فيها خير كثير ولا شر كثير، وحيث يكون محلهم من القلوب محل من لا يغيظ الشعراء ولا يحسدهم الأكفاء، فيسلمون من أن يضرب بهم المثل في قلة ونذالة، بخلاف القبائل التي يعرفونها بالمناقب والمثالب. وقد تكون القبائل متقادمة الميلاد، ويكون في شطرها خير كثير وفي الشطر الآخر شر وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان؛ ومثل فزارة ومرة وثعلبة؛ ومثل عبس وعبد الله بن غطفان؛ ثم غنى وباهلة واليعسوب والطفاوة؛ فالشرف والخطر في عبس وذبيان؛ وربما ذكروا القبائل الوضيعة ببعض الذكر، مثل اليعسوب والطفاوة وهاربة البقعاء وأشجع الخنثى؛ ولكن البلاء كله لم يقع إلا بغنى وباهلة، وهم أرفع من هؤلاء وأكثر مناقب، ولكنهم لقوا من صوائب سهام الشعراء ومر الهجاء كأنهم آلة لمدارج الأقدام ينكب فيها كل ساع ويعثر بها كل ماش، حتى صار من لا خير فيه ولا شر عنده أحسن حالًا ممن فيه الخير الكثير وبعض الشر، قال الجاحظ: ومن هذا الضرب تميم بن مر وثور وعكل وتيم ومزينة، ففي عكل ومزينة من الشرف ما ليس في ثور؛ وقد سلم ثور إلا من الشيء اليسير مما لا يرويه إلا العلماء؛ ثم حلت البلية وركد الشر والتحف الهجاء على عكل وتيم، وقد شعثوا بين مزينة شيئًا؛ ولكنهم حببهم إلى المسلمين قاطبة ما تهيأ لهم من الإسلام حين قل حظ تيم فيه. ولولا الربيع بن خثيم وسفيان الثوري لما علم العامة أن في العرب قبيلة يقال لها ثور؛ ولشريف واحد ممن قبلت تميم أكثر من ثور وما ولد؛ وكذلك بلعنبر قد ابتليت وظلمت وبخست مع ما فيها من

стр. 562

الفرسان والشعراء ... ومن نوادر الرجال إسلاميين وجاهليين؛ وقد سلمت كعب بن عمرو؛ فإنه لم ينلها من الهجاء إلا الخمس والنتف. ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، وهذا من أول كرمها، كما بكي مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن علاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان "ص١٧٦ ج١: الحيوان"؛ أما مخارق بن شهاب فذكر في البيان أنه وفد رجل من بني مازن على النعمان بن المنذر، فقال له النعمان: كيف مخارق بن شهاب فيكم؟ قال: سيد كريم، وحسبك من رجل يمدح نفسه ويهجو ابن عمه، ذهب إلى قوله. ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وجار ابن قيس جائع يتحوب ولعله بكى لذلك؛ وأما علقمة بن علاثة فقد ذكر ابن بسام في "الذخيرة" أنه لما سمع قول الأعشى: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا بكى وقال: أنحن نفعل ذلك بجاراتنا؟ وأما بعد الله بن جدعان، فئقد قال الجاحظ في "الحيوان": إنه بكى من بيت لخداش بن زهير ولم يذكره، ولم نقف عليه؛ وكان خداش قد هجاه من غير أن يكون قد رآه؛ وكذلك فعل دريد بن الصمة؛ لأنه رأى فيه شرفًا ونبلًا فأراد أن يضع شعره موضعه "ص ٢٥٤: سرح العيون". ومن أسباب الهجاء في القبائل أيضًا أن يكون القبيل متقادم الميلاد قليل الذلة قليل السيادة؛ فيتهيأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل والعدد التام؛ فإنه يستبين حينئذ لكل من رآهم أو سمع بهم أضعاف الذي هو عليه من القلة والضعف، وتكون البلية في شرف إخوتهم؛ وكذلك عندهم كل أخوين إذا برع أحدهما وسبق وعلا الرجال في الجود والإفضال أو في الفروسة والبيان؛ فإنهم يقصدون بمآثر الآخر في الطبقة السفلى لتبين البراعة في أخيه، وقد يكون مع ذلك وسطًا من الرجال، فصارت قرابته التي كانت مفخرة هي التي بلغت به أسفل السافلين "ص١٧٩ ج١: الحيوان". ولما صار للهجاء في القبائل هذا الشأن واعتقدوه سياسة، صار البيت الواحد يربطه الشاعر في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، فيدور بهم في الناس دوران الرحى؛ كما أهلك الحبطات وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم قول الشاعر فيهم: رأيت الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بني تميم فلزمهم هذا القول؛ وكما أهلك ظليم البراجم قول الآخر: إن أبانا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم وكما أهلك بني عجلان قول النجاشي: وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ العقب واحلب أيها العبد واعجل

стр. 563

وكما أهلك نميرًا قول جرير يهجو الراعي: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا وهذه القصيدة تسميها العرب: الفاضحة، وقيل: سماها جرير: الدماغة، وقد تركت بني نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرًا إلى أبيه عامر؛ هربًا من ذكر نمير، وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة "ص٢٦ ج١: العمدة"، وكان بنو نمير من جمرات العرب الذين تجمعوا في أنفسهم ولم يداخلوا معهم غيرهم في أنسابهم بالمحالفة ونحوها؛ والجمرات هم بنو نمير؛ وبنو الحارث بن كعب؛ وبنو ضبة، وبنو عبس بن بغيض؛ قال المبرد في "الكامل": وأبو عبيدة لم يعدد فيهم عبسًا في "كتاب الديباج" ولكنه قال: فطفئت جمرتان وهما: بنو ضبة؛ لأنها صارت إلى الرباب فحالفت؛ وبنو الحارث؛ لأنها صارت إلى مذحج؛ وبقيت بنو نمير إلى الساعة؛ لأنها لم تحالف "ص٣٧٧ ج١: الكامل" وقد أجاب شاعرهم جريرًا فلم يغن عن قومه شيئًا. وعلى الضد من ذلك خبر بني أنف الناقة؛ فإن الواحد منهم كان إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع، فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة ابن قريع بن عوف بن مالك؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟ حتى صاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة "ص٢٩ ج١: العمدة". وقد بلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السبب عليهم وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب ويسب به الأحياء والأموات، أنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق؛ وربما شدوا لسانه بنسعة كما صنعوا بعبد يغوث بن وقاص حين أسرته بنو تميم يوم الكلاب، وأبياته في ذلك مشهورة "ج٢: البيان" وأسر رؤبة في بعض حروب تميم فمنع الكلام؛ فجعل يصرخ: يا صباحاه! ويا بني تميم؛ أطلقوا من لساني "ج٢: البيان". ثم صاروا يستنجدون بالشعراء ليحضوا لهم الأشراف في رد الغارة وغيرها فيخشى الشريف إن هو لم يغثه أن يفضحه بهجائه "ص١٧٠ و١٧١ ج١: الحيوان". وكما سلم بعض القبائل من الهجاء بالخمول والقلة، كغسان وغيلان من قبائل عمرو بن تميم سلمت بعض القبائل بالنباهة العالية من مضرة الهجاء فكأنها لم تهج، مثل نباهة بني بدر وبني فزارة، ومثل نباهة بني عدس بن زيد وبني عبد الله بن دارم، ومثل نباهة الذبان بن عبد المدان، وبني الحارث بن كعب، فليس يسلم من مضرة الهجاء إلا خامل جدا أو نبيه جدا "ج٢: البيان". وذكروا عن حجناء بن جرير أنه قال لأبيه: يا أبت إنك لم تهج أحدًا إلا وضعته إلا التيم. فقال جرير: إني لم أجد حسبًا فأضعه ولا بناء فأهدمه "ج٢: البيان". وقد سمر يزيد الرقاشي ذات ليلة عند السفاح فحدثه بحديث ساقه فيه أشعارًا هجيت بها ثلاث وأربعون قبيلة، وقد حكاه المسعودي في "مروج الذهب - ص٢" فالتمسه هناك. وكان الشعراء يعرفون تاريخ الهجاء في القبائل حتى ليستطيعون أن يميزوا القبائل التي انتضلت بينها تلك السلام من القبائل التي تحاجزت فلم يكن بينهما هجاء، وقد أنشد الكميت بن زيد نصيبًا الشاعر فاستمع له، فكان فيما أنشده قوله يصف غليان القدر: كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارًا "يشبه غليان القدر وارتفاع اللحم فيها بالموج الذي يرتفع". فقال لهلنصيب: ما هجت أسلم غفارًا قط، فاستحيا الكميت فسكت "ص ٣٣٥ ج١: الكامل".

стр. 564

الهجاء في الشعراء: قد عرفت أن الشاعر لا يكون هجاء إلا وهو في معنى المؤرخ، فليس كل القبائل يعرف بعضها مثالب بعض، ولا كل الناس يعرف ذلك، فمتى سير الشاعر قصيدة فكأنه نشر كتابًا في أمة كلها يقرأ ويكتب، ومن أجل هذا لما استأذن حسان النبي ﷺ أن يهجو قريشًا قبل إسلامهم ويسله منهم سل الشعرة من العجين، أمره أن يستعين بأبي بكر، ولم يكن في زمنه أعلم بالأنساب منه، حتى إن أنسب العرب إنما أخذوا عنه كما ستعرفه في موضعه. ولمكانة ذلك الشعر من التاريخ، صار الراوية للأشعار لا يكون راوية حتى يكون نسابة عالمًا بالأخبار، وقد تغلب على بعضهم رواية المثالب خاصة كعقيل بن أبي طالب، وهو أحد الأربعة من قريش الذين كانوا رواة الناس للأشعار وعلماءهم بالأنساب والأخبار، وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى، وعقيل هذا "ج٢: البيان" وممن تخصصوا بالمثالب والعيوب في الرواة: دغفل النسابة، والنخار العذري، وابن الكيس النمري، وصحار العبدي، وابن شرية، وابن أبي الشطاح وهشام بن الكلبي. ولم يبلغ جرير مبلغه من الهجاء إلا لمكان علمه بالنسب والمثالب من جده الخطفي، وهو حذيفة بن بدر بن سلم. وكان الخطفي هذا من العرفاء العلماء بالنسب وبالغريب "ج١: البيان" وكذلك الفرزدق، كان هو شاعر الناس وراوية أخبارهم، وهما يكادان لشهرتهما يكونان فكي الهجاء فيما يلاك ويمضغ من الأعراض. ولما كان الشعراء ألسنة قبائلهم ونوابها في السياسة العامة، كان هجاء بعضهم بعضًا لا يزال عاما حتى إذا ذهبت عصبية القبائل ووهنت عقدة الجاهلية وسكنت ثائرة الأحزاب، صار الهجاء كسائر أغراض الشعر: يقال فيه للبراعة وابتكار المعاني فاتخذ لحك الحزازات وشق المرائر وتحول إلى كذب وسخف وإفحاش وإقذاع وكان من هذا شيء في الجاهلية حين يكون الشاعر منبوذًا من قبيلته، أو حين يلتمس لنفسه الذكر في القبائل وشيوع المقالة باسمه، فيقصد الأسواق والمواسم؛ كالذي نقله السكري في شرح أشعار الهذليين قال: أقبل رجل من أهل اليمن شاعر يقال له حبيب -والناس بذي المجاز- يهجو الناس، فأشار له بعضهم إلى خباء أبي ذرة الهذلي حتى وقف عليه فرجز به فخرج إليه أبو ذرة من قبل أن يعرفه فأشار له بيده ورجز به أيضًا، ثم سأله عن اسمه فعرفه، فعاد إلى الرجز به، فطرده أهل اليمن؛ ثم كان الحطيئة وهو الحسب الموضوع، فسلح بالشعر سلحًا، ثم جاء جرير وطبقته فصار

стр. 565

أكثر الهجاء من يومئذ فحشًا خالصًا وكذبًا مصمتًا وسبابًا محضًا، ثم كان كل متعاصرين من الشعراء يكون بينهما مثل ذلك ويعدونه من منافسة الحرفة وطبع الصناعة، فمن نظم الشاعر قصيدة نقضها الآخر عليه، ويسمون هذه القصائد بالنقائض، وأشهرها نقائض جرير والفرزدق، وهي محفوظة متدارسة، وقد نقل المبرد في "الكامل" شيئًا منها "ج١: ص٢٨٢". وقالوا إن جنازة مرت بجرير فبكى وقال: أحرقتني هذه الجنازة! قيل: فلم تقذف في المحصنات؟ قال: يبدو لي ولا أصبر "ج٢: البيان"؛ فكذلك كان يبدو لمن في طبقته حتى صار الناس يستجيرون بقبر أبي الفرزدق من هجائه فيجيرهم "ج١ ص٢٩١: الكامل". وقد نسب الفرزدق في آخر عمره وتعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلمًا، وذكر ذلك في شعره "ص٧٠ ج١: الكامل" وكان جرير مولعًا بقذف المحصنات يعدهن شطر الهجاء ومادة الإقذاع؛ وقد دعا مرة رجلًا من شعراء بني كلاب إلى مهاجاته فقال الكلابي: إن نسائي بأمتعتهن ولم تدع الشعراء في نسائك مترقعًا "ج١: البيان". ولانطباع الشعراء على هذه الشراسة الشديدة والجرح العريض لما يدلون به من طول اللسان وإحجام الناس عن مخاشنتهم كان الأشراف يتجنبون ممازحة الشاعر خوف لفظة تسمع منه مزحًا فتعود جدا "ج١ ص٤٦: العمدة" كما كانوا يتقون من أنفسهم مأثور القول في المصيبة والمرزئة، خوف أن يسبق لسانهم بكلمة من التوجع فتؤخذ عليهم وتجري في الناس مثلًا مضروبًا وعيبًا منسوبًا.
следующие страницы →