← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الهجاء في القبائل: وكان هجاء الشريف عندهم مما [ينذرع] إلى هجاء قبيلته وتشعيثها؛ لأنه لا يشرف إلا إذا فخرت القبيلة به وجعلته معقد ألسنتها فيما بينها وعنوان شرفها بين القبائل، وكان له عز الأمر والنهي، وعقد المنن في أعناق الرجال وسرور الرياسة، وثمرة السيادة. قال الجاحظ في سبب ذلك: وإذا بلغ السيد في السؤدد الكمال حسده من الأشراف من يظن أنه الأحق به، وفخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيد عشيرته فهجاه. ومن طلب عيبًا وجده، فإن لم يجد عيبًا وجد بعض ما إذا ذكر وجد من يغلط فيه ويحمله عنه. ولذلك هجي حصن بن حذيفة، وهجي زرارة بن عدس، وهجي عبد الله بن جدعان، وهجي حاجب بن زرارة. وإنما ذكرت لك هؤلاء؛ لأنهم من سؤددهم، وطاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم ومن حلفائهم وجيرانهم مذهب كليب بن ربيعة، ولا مذهب حذيفة بن بدر، ومذهب عيينة بن حصن، ولا مذهب لقيط بن زرارة -أي: في إعنات الناس بطغيانهم وبغيهم كما كان يفعل كليب إذ كان يحمي موقع السحاب فلا يرعى ونحو ذلك- "ص١٥٦ ج١: الحيوان. وص٢٣٧ ج١٠: ابن الأثير" فإن هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون.... وكان أولئك السادة لم يكن شأنهم أن يردوا الناس إلى أهوائهم، وإلى الانسياق لهم بعنف السوق وبالحرب في القود؛ وهم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء. ومتى أحب السيد الجامع والرئيس الكامل قومه أشد الحب، وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حب قومه "ص٣١ ج٢: الحيوان". هذا إذا لم يتوثب إليه، ولم يعترض عليه من بني عمه وإخوته من قد أطمعته الحال في اللحاق به، كخبر أوس بن حارثة بن لأم الطائي حين ألبسه النعمان الحلة التي جعلها لأكرم العرب، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة! فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلًا لا أرى في بيتي أثاثًا ولا مالًا إلا من عنده؟ ثم أخذها بشر بن أبي خازم أحد بني أسد وهجاه. والخبر بجملته ساقه المبرد في "الكامل" "ص١٣٧ ج١". ولذلك لم يكن يسلم من ضروب الهجاء إلا القبائل المغمورة والمنسية، حيث لا يكون فيها خير كثير ولا شر كثير، وحيث يكون محلهم من القلوب محل من لا يغيظ الشعراء ولا يحسدهم الأكفاء، فيسلمون من أن يضرب بهم المثل في قلة ونذالة، بخلاف القبائل التي يعرفونها بالمناقب والمثالب. وقد تكون القبائل متقادمة الميلاد، ويكون في شطرها خير كثير وفي الشطر الآخر شر وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان؛ ومثل فزارة ومرة وثعلبة؛ ومثل عبس وعبد الله بن غطفان؛ ثم غنى وباهلة واليعسوب والطفاوة؛ فالشرف والخطر في عبس وذبيان؛ وربما ذكروا القبائل الوضيعة ببعض الذكر، مثل اليعسوب والطفاوة وهاربة البقعاء وأشجع الخنثى؛ ولكن البلاء كله لم يقع إلا بغنى وباهلة، وهم أرفع من هؤلاء وأكثر مناقب، ولكنهم لقوا من صوائب سهام الشعراء ومر الهجاء كأنهم آلة لمدارج الأقدام ينكب فيها كل ساع ويعثر بها كل ماش، حتى صار من لا خير فيه ولا شر عنده أحسن حالًا ممن فيه الخير الكثير وبعض الشر، قال الجاحظ: ومن هذا الضرب تميم بن مر وثور وعكل وتيم ومزينة، ففي عكل ومزينة من الشرف ما ليس في ثور؛ وقد سلم ثور إلا من الشيء اليسير مما لا يرويه إلا العلماء؛ ثم حلت البلية وركد الشر والتحف الهجاء على عكل وتيم، وقد شعثوا بين مزينة شيئًا؛ ولكنهم حببهم إلى المسلمين قاطبة ما تهيأ لهم من الإسلام حين قل حظ تيم فيه. ولولا الربيع بن خثيم وسفيان الثوري لما علم العامة أن في العرب قبيلة يقال لها ثور؛ ولشريف واحد ممن قبلت تميم أكثر من ثور وما ولد؛ وكذلك بلعنبر قد ابتليت وظلمت وبخست مع ما فيها من

стр. 562

الفرسان والشعراء ... ومن نوادر الرجال إسلاميين وجاهليين؛ وقد سلمت كعب بن عمرو؛ فإنه لم ينلها من الهجاء إلا الخمس والنتف. ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، وهذا من أول كرمها، كما بكي مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن علاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان "ص١٧٦ ج١: الحيوان"؛ أما مخارق بن شهاب فذكر في البيان أنه وفد رجل من بني مازن على النعمان بن المنذر، فقال له النعمان: كيف مخارق بن شهاب فيكم؟ قال: سيد كريم، وحسبك من رجل يمدح نفسه ويهجو ابن عمه، ذهب إلى قوله. ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وجار ابن قيس جائع يتحوب ولعله بكى لذلك؛ وأما علقمة بن علاثة فقد ذكر ابن بسام في "الذخيرة" أنه لما سمع قول الأعشى: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا بكى وقال: أنحن نفعل ذلك بجاراتنا؟ وأما بعد الله بن جدعان، فئقد قال الجاحظ في "الحيوان": إنه بكى من بيت لخداش بن زهير ولم يذكره، ولم نقف عليه؛ وكان خداش قد هجاه من غير أن يكون قد رآه؛ وكذلك فعل دريد بن الصمة؛ لأنه رأى فيه شرفًا ونبلًا فأراد أن يضع شعره موضعه "ص ٢٥٤: سرح العيون". ومن أسباب الهجاء في القبائل أيضًا أن يكون القبيل متقادم الميلاد قليل الذلة قليل السيادة؛ فيتهيأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل والعدد التام؛ فإنه يستبين حينئذ لكل من رآهم أو سمع بهم أضعاف الذي هو عليه من القلة والضعف، وتكون البلية في شرف إخوتهم؛ وكذلك عندهم كل أخوين إذا برع أحدهما وسبق وعلا الرجال في الجود والإفضال أو في الفروسة والبيان؛ فإنهم يقصدون بمآثر الآخر في الطبقة السفلى لتبين البراعة في أخيه، وقد يكون مع ذلك وسطًا من الرجال، فصارت قرابته التي كانت مفخرة هي التي بلغت به أسفل السافلين "ص١٧٩ ج١: الحيوان". ولما صار للهجاء في القبائل هذا الشأن واعتقدوه سياسة، صار البيت الواحد يربطه الشاعر في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، فيدور بهم في الناس دوران الرحى؛ كما أهلك الحبطات وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم قول الشاعر فيهم: رأيت الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بني تميم فلزمهم هذا القول؛ وكما أهلك ظليم البراجم قول الآخر: إن أبانا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم وكما أهلك بني عجلان قول النجاشي: وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ العقب واحلب أيها العبد واعجل

стр. 563

وكما أهلك نميرًا قول جرير يهجو الراعي: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا وهذه القصيدة تسميها العرب: الفاضحة، وقيل: سماها جرير: الدماغة، وقد تركت بني نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرًا إلى أبيه عامر؛ هربًا من ذكر نمير، وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة "ص٢٦ ج١: العمدة"، وكان بنو نمير من جمرات العرب الذين تجمعوا في أنفسهم ولم يداخلوا معهم غيرهم في أنسابهم بالمحالفة ونحوها؛ والجمرات هم بنو نمير؛ وبنو الحارث بن كعب؛ وبنو ضبة، وبنو عبس بن بغيض؛ قال المبرد في "الكامل": وأبو عبيدة لم يعدد فيهم عبسًا في "كتاب الديباج" ولكنه قال: فطفئت جمرتان وهما: بنو ضبة؛ لأنها صارت إلى الرباب فحالفت؛ وبنو الحارث؛ لأنها صارت إلى مذحج؛ وبقيت بنو نمير إلى الساعة؛ لأنها لم تحالف "ص٣٧٧ ج١: الكامل" وقد أجاب شاعرهم جريرًا فلم يغن عن قومه شيئًا. وعلى الضد من ذلك خبر بني أنف الناقة؛ فإن الواحد منهم كان إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع، فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة ابن قريع بن عوف بن مالك؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟ حتى صاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة "ص٢٩ ج١: العمدة". وقد بلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السبب عليهم وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب ويسب به الأحياء والأموات، أنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق؛ وربما شدوا لسانه بنسعة كما صنعوا بعبد يغوث بن وقاص حين أسرته بنو تميم يوم الكلاب، وأبياته في ذلك مشهورة "ج٢: البيان" وأسر رؤبة في بعض حروب تميم فمنع الكلام؛ فجعل يصرخ: يا صباحاه! ويا بني تميم؛ أطلقوا من لساني "ج٢: البيان". ثم صاروا يستنجدون بالشعراء ليحضوا لهم الأشراف في رد الغارة وغيرها فيخشى الشريف إن هو لم يغثه أن يفضحه بهجائه "ص١٧٠ و١٧١ ج١: الحيوان". وكما سلم بعض القبائل من الهجاء بالخمول والقلة، كغسان وغيلان من قبائل عمرو بن تميم سلمت بعض القبائل بالنباهة العالية من مضرة الهجاء فكأنها لم تهج، مثل نباهة بني بدر وبني فزارة، ومثل نباهة بني عدس بن زيد وبني عبد الله بن دارم، ومثل نباهة الذبان بن عبد المدان، وبني الحارث بن كعب، فليس يسلم من مضرة الهجاء إلا خامل جدا أو نبيه جدا "ج٢: البيان". وذكروا عن حجناء بن جرير أنه قال لأبيه: يا أبت إنك لم تهج أحدًا إلا وضعته إلا التيم. فقال جرير: إني لم أجد حسبًا فأضعه ولا بناء فأهدمه "ج٢: البيان". وقد سمر يزيد الرقاشي ذات ليلة عند السفاح فحدثه بحديث ساقه فيه أشعارًا هجيت بها ثلاث وأربعون قبيلة، وقد حكاه المسعودي في "مروج الذهب - ص٢" فالتمسه هناك. وكان الشعراء يعرفون تاريخ الهجاء في القبائل حتى ليستطيعون أن يميزوا القبائل التي انتضلت بينها تلك السلام من القبائل التي تحاجزت فلم يكن بينهما هجاء، وقد أنشد الكميت بن زيد نصيبًا الشاعر فاستمع له، فكان فيما أنشده قوله يصف غليان القدر: كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارًا "يشبه غليان القدر وارتفاع اللحم فيها بالموج الذي يرتفع". فقال لهلنصيب: ما هجت أسلم غفارًا قط، فاستحيا الكميت فسكت "ص ٣٣٥ ج١: الكامل".

стр. 564

الهجاء في الشعراء: قد عرفت أن الشاعر لا يكون هجاء إلا وهو في معنى المؤرخ، فليس كل القبائل يعرف بعضها مثالب بعض، ولا كل الناس يعرف ذلك، فمتى سير الشاعر قصيدة فكأنه نشر كتابًا في أمة كلها يقرأ ويكتب، ومن أجل هذا لما استأذن حسان النبي ﷺ أن يهجو قريشًا قبل إسلامهم ويسله منهم سل الشعرة من العجين، أمره أن يستعين بأبي بكر، ولم يكن في زمنه أعلم بالأنساب منه، حتى إن أنسب العرب إنما أخذوا عنه كما ستعرفه في موضعه. ولمكانة ذلك الشعر من التاريخ، صار الراوية للأشعار لا يكون راوية حتى يكون نسابة عالمًا بالأخبار، وقد تغلب على بعضهم رواية المثالب خاصة كعقيل بن أبي طالب، وهو أحد الأربعة من قريش الذين كانوا رواة الناس للأشعار وعلماءهم بالأنساب والأخبار، وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى، وعقيل هذا "ج٢: البيان" وممن تخصصوا بالمثالب والعيوب في الرواة: دغفل النسابة، والنخار العذري، وابن الكيس النمري، وصحار العبدي، وابن شرية، وابن أبي الشطاح وهشام بن الكلبي. ولم يبلغ جرير مبلغه من الهجاء إلا لمكان علمه بالنسب والمثالب من جده الخطفي، وهو حذيفة بن بدر بن سلم. وكان الخطفي هذا من العرفاء العلماء بالنسب وبالغريب "ج١: البيان" وكذلك الفرزدق، كان هو شاعر الناس وراوية أخبارهم، وهما يكادان لشهرتهما يكونان فكي الهجاء فيما يلاك ويمضغ من الأعراض. ولما كان الشعراء ألسنة قبائلهم ونوابها في السياسة العامة، كان هجاء بعضهم بعضًا لا يزال عاما حتى إذا ذهبت عصبية القبائل ووهنت عقدة الجاهلية وسكنت ثائرة الأحزاب، صار الهجاء كسائر أغراض الشعر: يقال فيه للبراعة وابتكار المعاني فاتخذ لحك الحزازات وشق المرائر وتحول إلى كذب وسخف وإفحاش وإقذاع وكان من هذا شيء في الجاهلية حين يكون الشاعر منبوذًا من قبيلته، أو حين يلتمس لنفسه الذكر في القبائل وشيوع المقالة باسمه، فيقصد الأسواق والمواسم؛ كالذي نقله السكري في شرح أشعار الهذليين قال: أقبل رجل من أهل اليمن شاعر يقال له حبيب -والناس بذي المجاز- يهجو الناس، فأشار له بعضهم إلى خباء أبي ذرة الهذلي حتى وقف عليه فرجز به فخرج إليه أبو ذرة من قبل أن يعرفه فأشار له بيده ورجز به أيضًا، ثم سأله عن اسمه فعرفه، فعاد إلى الرجز به، فطرده أهل اليمن؛ ثم كان الحطيئة وهو الحسب الموضوع، فسلح بالشعر سلحًا، ثم جاء جرير وطبقته فصار

стр. 565

أكثر الهجاء من يومئذ فحشًا خالصًا وكذبًا مصمتًا وسبابًا محضًا، ثم كان كل متعاصرين من الشعراء يكون بينهما مثل ذلك ويعدونه من منافسة الحرفة وطبع الصناعة، فمن نظم الشاعر قصيدة نقضها الآخر عليه، ويسمون هذه القصائد بالنقائض، وأشهرها نقائض جرير والفرزدق، وهي محفوظة متدارسة، وقد نقل المبرد في "الكامل" شيئًا منها "ج١: ص٢٨٢". وقالوا إن جنازة مرت بجرير فبكى وقال: أحرقتني هذه الجنازة! قيل: فلم تقذف في المحصنات؟ قال: يبدو لي ولا أصبر "ج٢: البيان"؛ فكذلك كان يبدو لمن في طبقته حتى صار الناس يستجيرون بقبر أبي الفرزدق من هجائه فيجيرهم "ج١ ص٢٩١: الكامل". وقد نسب الفرزدق في آخر عمره وتعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلمًا، وذكر ذلك في شعره "ص٧٠ ج١: الكامل" وكان جرير مولعًا بقذف المحصنات يعدهن شطر الهجاء ومادة الإقذاع؛ وقد دعا مرة رجلًا من شعراء بني كلاب إلى مهاجاته فقال الكلابي: إن نسائي بأمتعتهن ولم تدع الشعراء في نسائك مترقعًا "ج١: البيان". ولانطباع الشعراء على هذه الشراسة الشديدة والجرح العريض لما يدلون به من طول اللسان وإحجام الناس عن مخاشنتهم كان الأشراف يتجنبون ممازحة الشاعر خوف لفظة تسمع منه مزحًا فتعود جدا "ج١ ص٤٦: العمدة" كما كانوا يتقون من أنفسهم مأثور القول في المصيبة والمرزئة، خوف أن يسبق لسانهم بكلمة من التوجع فتؤخذ عليهم وتجري في الناس مثلًا مضروبًا وعيبًا منسوبًا.

стр. 566

مشاهير الهجائين: ليست الشهرة بالهجاء مما تيسر لكل شاعر يسب ويفحش، فلو كان هذا لقد كان غلب الهجاء على كل شاعر، ولكن أصحاب الهجاء كأصحاب السياسة من أهلها وغير أهلها؛ يستطيع كل امرئ أن يتأول ويتنبأ وينذر ويأتي بصنوف القول كلها، ومع ذلك لا تجد شهرة السياسة إلا لنوادر الرجال؛ لأن حوادثها أرزاق وحظوظ، فلا يتفق لكل من ينتحل السياسية أن يصرف الدول ويضع ويرفع، كما لا يتفق مثل ذلك لكل هجاء؛ قال أبو عبيدة: والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوه وهجاهم قوم فردوا عليهم وأفحموهم وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم وهم إسلاميون الحطيئة، وجرير، والفرزدق، والأخطل؛ وفي الجاهلية زهير، وطرفة، والأعشى، والنابغة "ج٢: البيان". فهؤلاء أفراد الهجائين وأقطاب السياسة اللسانية، ولم يبلغوا أن يكونوا كذلك حتى كانت فيهم السلطة والسلاطة معًا؛ وهي جماع الصفات التي ذكرهم بها أبو عبيدة، فانظر أين يقع ثمانية من جمهور شعراء الجاهلية والإسلاميين لولا أن في الشر كما في الخير أرزاقًا وأقسامًا؛ وهذا الفرزدق نفسه قد تجنب مهاجاة زياد الأعجم ووهب لمخافته عبد القيس "ج١ ص٣٧ العمدة" وتجنب هو وجرير معًا مهاجاة الأحوص إكبارًا لشعره "ص٣٨ منه" ومع ذلك لم يذكر معهما هذان الشاعران في قليل ولا كثير، ولو بقي الأمر بعد الدولة الأموية عربيا كما كان فيها لظهرت طبقات أخرى تستحق التاريخ، ولكن الذين ظهروا، وأولهم بشار بن برد، إنما صرفوا بأسهم بعضهم إلى بعض، وهجوا

стр. 567

الكبراء لأموالهم لا لأحسابهم، حتى قيل فيهم إنهم يمدحون بثمن ويهجون مجانًا.... وقد صار الهجاء من يومئذ كما قلنا ضربًا من الصناعة ونوعًا معدودًا من الشعر، وإن لم تكن إجادته في طبع كل شاعر، كما قالوا عن ذي الرمة، فقد كان أحسن الناس نسيبًا وأجودهم تشبيهًا وأوصفهم لرمل، وهاجرة، وفلاة، وماء، وقراد، وحية، فإذا صاء إلى المديح والهجاء خانه الطبع؛ وذلك الذي أخره عن الفحول، فقالوا: في شعره أبعار غزلان ونقط عروس "ص١٤: طبقات". وأشهر المحدثين بالهجاء على هذا الوصف بشار بن برد، وكان إذا غضب وأراد أن يقول هجاء صفق بيديه وتفل عن يمينه ويساره "ص٢١٠: سرح العيون" ودعبل بن علي الخزاعي، وكان هجاء الملوك جسورًا على الخليفة متحاملًا لا يبالي ما صنع حتى عرف بذلك وطار اسمه فيه، وكان لذلك يقول عن نفسه إنه يحمل خشبة منذ كذا سنة لا يجد من يصلبه عليها، وابن الرومي علي بن عباس، وكان لسانه أطول من عقله حتى قتله الهجاء، وأكثر إجادته فيه؛ لأنه كان سلك طريقة جرير من الإطالة والإفحاش، فإن جريرًا أول من أطال الهجاء، وكان يقول: إذا هجوت فأضحك "ص ١٤٠ ج٢: العمدة" وابن بسام، وكان يهجو أباه وأقاربه، يستن في ذلك سنة الحطيئة الذي هجا أمه، وابن الحجاج البغدادي خبيث العراق؛ وأبو بكر المخزومي هجاء الأندلس في القرن الخامس؛ وكان أعمى شديد الشر كأنه صاعقة، وكان يهجو في كلامه من شعر وغير شعر؛ ويقول عن نفسه: لا تبديل لخلق الله. ومع سبقه في الهجاء كان إذا مدح ضعف شعره "ص٨٩ ج١: نفح الطيب"؛ وابن القطان المتوفى سنة ٤٩٨هـ كان هجاء لم يسلم منه الخليفة فمن دونه، وأبو القاسم [الشميشي] الأندلسي في القرن السادس وقد جمع هجاءه في ديوان سماه "شفاء الأمراض في أخذ الأعراض" وعلي بن حزمون هجاء المغرب في أوائل القرن السابع وكانوا يتدارسون هجاءه حتى لم تخل بلدة في المغرب من شعره "ص١٩٦ المعجب" وابن عنين هجاء مصر في القرن السابع. قال المقري في "نفح الطيب": وله ديوان سماه "مقراض الأعراض" ولكن ابن خلكان وكان معاصرًا له ورآه قال: إن المقراض قصيدة طويلة جمع فيها خلقًا كثيرًا من رؤساء دمشق، وقد نفاه صلاح الدين الأيوبي إلى اليمن لإفحاشه في هجاء الناس، وتوفي سنة ٦٣٠هـ. فهؤلاء أشهر أهل الهجاء لغلبته على شعرهم وإتيانهم فيه بالأوابد وذهابهم في معاريضه كل مذهب، وهم في المحدثين كالذين عدهم أبو عبيدة في الإسلاميين والجاهليين وإن كان من عداهم كلهم يهجون؛ ومن الشعراء قوم يسمونهم المغلبين وهم الذين غلبوا بالهجاء وإن كان ممن ليسوا إليهم في الشعر ولا قريبًا منهم، ومعنى المغلب عندهم الذي لا يزال مغلوبا. قال ابن رشيق: ومنهم نابغة بني جعدة، وقد غلب عليه أوس بن مغراء القريعي وغلبت عليه ليلى الأخيلية.... وقد علم الكافة ما صنع جرير بالأخطل والراعي جميعًا.. ومن المغلبين: الزبرقان، غلبه عمرو بن الأهتم وغلبه المخبل السعدي وغلبه الحطيئة، وقد أجاب الاثنين ولم يجب الحطيئة، ومنهم تميم بن أبي مقبل، هجاه النجاشي فقهره وغلب عليه، وهاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان فغلبه عبد الرحمن وأفحمه..... ومن مغلبي المولدين على جلالته بشار بن برد، فإن حماد عجرد وليس من رجاله ولا أكفائه هجاه فأبكاه ومثل به أشد تمثيل، وعلي بن الجهم هاجى أبا السمط مروان بن أبي الجنوب فغلبه مروان،

стр. 568

وهاجاه البحتري فغلب عليه أيضًا، على أن عليا أقذع منه لسانًا وأسبق إلى ما يريده من ذلك وأقدم سنا، ومنهم حبيب "الطائي" وهاجى السراج وعتبة فما أتى بشيء.... وهاجى دعبلًا فاستطال عليه دعبل أيضًا "٦٧ و٦٨ ج١: العمدة"، وربما هجى الشاعر من هو أكبر منه وأبعد صيتًا، لا ليغلبه، ولكن ليجيبه فيعد في طبقته، كما فعل بشار فإنه هجا جريرا بأشعار كثيرة فلم يجبه جرير أنفة واحتقارًا، فقال: لو هجاني لكنت أشعر الناس "ص٧٠ ج١: العمدة".

стр. 569

المديح: والمديح في فطرة الإنسان؛ لأنه إحساس الكبرياء التي هي عمود الإنسانية فيه، فإن الناس متفاضلون في القوة على الأعمال، وهم كذلك متفاضلون في حسهم لهذه القوة، فالواثق بنفسه الذاهب بها مذهب الغناء والاعتداد يجد في طبعه حركة واهتزازًا متى حققت له أعماله تلك الثقة، ولم يكذب وهمه في الاعتداد باطلًا؛ فذلك الاهتزاز هو إحساس الكبرياء الكامنة، فيه، وهو الذي يقصد تصويره بالفخر والمديح. ولا تكون الكبرياء رذيلة ممقوتة إلا إذا جاوزت مقدارها الطبيعي الذي يكون دائمًا مكافئًا لحقيقة بالنفس، فهي حينئذ تنقلب صلفًا وتدخل في حكم الطباع المتكلفة ولا تحدث من الاهتزاز إلا وهمًا وغرورًا، كالذي يحدث من نشوة الخمر؛ فإذا هي زادت كانت عند العقلاء عربدة ... والمديح الذي يصور هذه الكبرياء الكاذبة لا بد أن يكون أكذب منها حتى تعوض عليه غرابة المبالغة شيئًا من رونق الحقيقة، وهو حينئذ صنعة وتكلف، ثم هو الذي عناه المتأخرون بقولهم: أعذب الشعر أكذبه. فهذان شطرا المديح، لا يكون إلا في أحدهما، وقد ذهب العرب بالشطر الأول قبل أن تضعف أعصاب البداوة، فكان مديحهم فخرًا كله؛ لأنه أساس الطبيعة البدوية فضيلة الاعتماد على النفس، وهي التي تحدث الكبرياء الصحيحة، فلا تكاد تجد في شعر المهلهل أو امرئ القيس وطبقتهما مدحًا مبنيا على الملق والمداهنة وتصنع الأخلاق، وإن وجد شيء من ذلك قبل النابغة وزهير فهو مصنوع لا شك في صنعته وتوليده؛ وقد زعم الأصمعي "ص١٨٨ ج٢: الكامل" أن هذا البيت الذي يروى لمهلهل مصنوع محدث، وهو قوله: أنبضوا معجس القسي وأبرقنا ... كما ترعد الفحول الفحولا لأن فيه غلطًا لغويا، إذ لا يقال إلا رعد وبرق إذا أوعد وتهدد، وأرعدنا نحن وأبرقنا إذا دخلنا في الرعد والبرق، وليس الخطأ اللغوي وحده وهو الذي [يدل] * على الصنعة والتوليد، ولكن الخطأ الأخلاقي أمكن منه في باب الدلالة. ولما وهنت أعصاب البداوة في بعض الشعراء بما وجدوا من مس الترف والنعيم، جعلوا يبتغون بالشعر المنالة والكسب، وبذلك حولوا شيئًا من مديحهم إلى الشطر الثاني، وقد ذكرنا منشأ ذلك في باب البديهة والارتجال؛ غير أن هذا التحول المرضي في المديح إنما كان يأخذ منه على التدريج في أول أمره، فبقي مديح زهير طبيعيا لم يحاول فيه صبغ الحقيقة بذلك اللون الأسود الذي يعطيها في الوهم منظر الاستعباد، ولذلك فضله عمر بن الخطاب بأنه كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه؛ ولكن الذي سلم من أمر زهير لم يسلم من أمر النابغة؛ لأن زهيرًا كان لا يقول على الرغبة والطمع، وكان

стр. 570

يمدح رجلًا من الأشراف بصفات مثله الصحيحة، والنابغة كان يتكسب من المناذرة والغساسنة، وهم ملوك، فكان يرى النابغة أن مديحهم لا بد أن يكون طبقة في الشعر تساوي طبقتهم في الناس، ولما هرب من النعمان وجعل يعتذر إليه باعتذاراته المشهورة، عمد إلى تجويد المديح وزخرفته ينفخ به كبرياءه فيصغر في جنبها ما أتاه ويتجاوز عنه. وقد جاء بعدهما الأعشى، فلم تكن له همة إلا في المدح والهجاء، وكان رجلًا مجدودًا في الشعر؛ ما مدح أحدًا إلا رفعه ولا هجا أحدًا إلا وضعه، والأمور يومئذ تطير للشعر طيرانًا؛ فكان الأعشى على التحقيق أول من احترف المديح وابتذله في طبقات الناس؛ ولذلك اضطر أن ينفخ معانيه بالمبالغة والإغراق، وإن تجاوز موضع الحقيقة إلى ما يقع وراءها من نواحي التصور البعيدة؛ وقد عرف العرب ذلك منه وألفوه؛ لأن حظ هذا النوع من الشعر أن يسير وإن كان كذبًا، فإن ركد في لسان الشاعر لم يبالوا به وإن كان حقيقة؛ ولذلك لما نزل الأعشى بمكة وأضافه المحلق -وهو رجل فقير خامل الذكر ذو بنات قد كسدن عليه، وأراد الأعشى إنفاقهن وأن يكفيه أمرهن- أصبح بعكاظ ينشد قصيدة وقد اجتمع الناس "٢٥ ج١: العمدة". يقول فيها: أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق فما أتم القصيدة إلا والناس ينسلون إلى المحلق يهنئونه، والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جريًا يخطبون بناته، لمكان شعر الأعشى، فلم تمس منهن واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف. وافتنان هذا الشاعر في صنعة المديح وقصده فيه إلى تصوير الكبرياء الكاذبة، هو الذي طوع له أن يكذب في التاريخ حين نظم قصائده التي ذكر فيها منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة، وقد كانا تنافرا إلى هرم بن قطبة. فأقاما عنده سنة لا يقضي لأحدهما على الآخر، حتى قدم الأعشى، وكانت لعامر عنده يد؛ فقال شعره في ذلك فرواه الناس، وافترقوا وقد نفر عامر على علقمة بحكم الأعشى، والقصة مشهورة "العمدة: ج١ ص٢٨؛ وسرح العيون ص١٠٦" وفيها أقوال ولكن الرواة مجمعون على حكم هذا الأعشى. وكذلك كذب الحطيئة على التاريخ في مديح قومه، وكانوا من القائمين في أهل الردة، فقال: فدى لبني نصر طريفي وتالدي ... عشية ذادوا بالرماح أبا بكر قال المبرد: قوله ذادوا بالرماح أبا بكر، كذب؛ إنما خرجوا على الإبل فقعقعوا لها بالشنان فنفرت وفرت "ج١ ص٢٣٢: الكامل" والمعاني تخضع الحقائق وتصرفها فيما شاءت ولكنها لا تخضع التاريخ؛ لأنه في نفسه حقيقة خالدة لا تمسخ ولا تموت، فإذا حاول الشاعر أن يكذب فيه فلا يكون ذلك إلا إذا اعتاد تحويل الحقائق فيمدح كذبًا، ويهجو كذبًا، وذلك من ضرورة الصنعة والاحتراف، فلا يفعله إلا وقد ابتذل الشعر واتخذه حرفة، وذلك ما ذهبنا إليه في أمر الأعشى. وقد نقلت في فصل "الشعر في القبائل" قول الجاحظ إنه لم تمدح قبيلة في الجاهلية من قريش

стр. 571

كما مدحت مخزوم، ولم يتهيأ من الشاهد والمثل لمادح في أحد من العرب ما تهيأ في بني بدر. ولما دجا الإسلام وتحضرت الدولة واستأصلت الفتن أهل الطبع الشعري من العرب، انفرد بالشعر جماعة هم الذين اتصلوا بدولة الذهب "الأمويين" فاستقلت طريقة المديح من يومئذ وأطاله الشعراء، وقد أجمعوا على أن كثيّرًا أول من فعل ذلك "ص٦٢ ج١: العمدة" كما أن جريرًا هو أول من استن إطالة الهجاء وتقصير الممادحة، قال: فإنه ينسى أولها ولا يحفظ آخرها "ص١٠٣ ج٢: العمدة". وقد نصوا على أن أمدح الناس في طبقة الجاهلية والإسلاميين زهير والأعشى ثم الأخطل وكثير "ص١٠٤ ج٢: العمدة" أما المحدثون فقل منهم من لا يحترف المديح ويجعله عمود شعره وموضع كده وإجادته، وقد جرأهم على ذلك جود الخلفاء والأمراء ورغبتهم في اصطناعهم وتسنية الجوائز لهم من أجل ذلك، ولا أعجب من أن يدخل الحيص بيص الشاعر المتوفى سنة ٥٧٤هـ على خالد القسري أحد أمراء الدولة الأموية فيقول له: إني مدحتك ببيتين قيمتهما عشرة آلاف درهم فأحضرها حتى أنشدهما، فيحضر خالد الدراهم ثم ينشد الحيص بيص قوله: قد كان آدم قبل حين وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء! فيدفع إليه خالد الدراهم ويأمر أن يضرب أسواطًا وينادى عليه: هذا جزاء من لا يعرف قيمة شعره، ثم يقول له: إن قيمتها مائة ألف "ص٢٠٤ سرح العيون"، وخالد هذا هو الذي كان يجلس للشعراء في يوم معين ويجيزهم فيه، وهو أول من فعل ذلك، وقد حذا حذوه الخليفة المهدي العباسي، ولكنه لم يقصر اتخاذ الأيام على الشعراء، بل اتخذ أيامًا لأرباب الصناعات والغايات؛ وكان الوليد بن يزيد بن خلفاء بني أمية أول من تخرق في البذل للشعراء، فعد أبيات الشعر وأعطى على كل بيت ألف درهم "ص١٤٨ ج١٧: الأغاني" فلما جاء المهدي من خلفاء العباسيين وصل مروان بن أبي حفصة بمائة ألف درهم على قصيدته التي مطلعها: طرقتك زائرة فحي خيالها يعارض بها قصيدة للأعشى؛ وكذلك كان يعطيه الرشيد؛ وقد كثر الشعراء في أيامه فكان ببابه منهم من لم يجتمع لأحد قبله -وسنذكر فحولهم لمناسبة تأتي في بحث الأدب الأندلسي- وضاقت بهم بغداد فاضطروا إلى تقديرهم بالاختبار وترتيبهم في الجوائز؛ فعهد يحيى بن خالد بذلك إلى شاعره أبان اللاحقي "ص٧٣ ج٢٠: الأغاني"؛ وكان ذلك عهد البرامكة وهم من هم؛ فقد نال شاعرهم أبان اللاحقي على قصيدة واحدة فيهم مثل ما ناله مروان من الرشيد كل عمره "ص٧٣ ج٢٠: الأغاني"؛ وأعطى المتوكل حسين بن الضحاك ألف دينار عن كل بيت من إحدى قصائده؛ وهو أول من أعطى ذلك "ص١٩٤ ج٦: الأغاني"، ولم يساو هؤلاء في ذلك غير الأندلسيين -وسنلم بشيء من خبرهم في موضعه- ولو ذهبنا نتتبع تاريخ الجوائز ونستقصي مقاديرها للزمتنا لذلك مئونة في التأليف وكلفة في الجمع؛ لأنها مع تاريخ الشعر في كل عصر؛ وقد كان من الشعراء من يتراجع

стр. 572

طبعه وتنضب مادته بعد ممدوحه الذي اختص به، كأبي الحسن السلامي توفي سنة ٣٩٤هـ شاعر عضد الدولة؛ وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلسي ظننت أن عطارد نزل من الفلك إلي ووقف بين يدي! فلما توفي تراجع طبعه ورقت حاله ولم ينتفع بنفسه "ص١٦٣ ج٢: يتيمة الدهر" ومثله كثيرون. ويحسب الناس أن من نقائص شعراء المتأخرين أنهم ينقلون المديح من رجل إلى رجل؛ فيلقون بالقصيدة الواحدة جماعة من الناس، ولكن ابن رشيق يقول إن ذلك كان دأب البحتري؛ وفعله أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك اتئد أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى بن ثابت إلى محمد بن حسان "ص١١٤ ج٢: العمدة" وإن كان وجه ذلك في المتأخرين العجز عن الشعر فلا نرى له وجهًا في المتقدمين إلا أن يكون إخلاف الأمل في المثوبة والإجازة بالحرمان؛ فيقول قائلهم: هي بنياتي أنكحهن من أشاء! شعر الكدية أو الشعر الساساني: الكدية حرفة السائل الملح؛ وهي أيضًا شدة الدهر؛ وكان من شعراء العرب صعاليك وشطار ومتلصصون؛ وأشهرهم عروة بن الورد المعروف بعروة الصعاليك، وتأبط شرا، وسعد بن ناشب؛ ولكن لم يكن فيهم مكدون؛ والفرق بين الحالتين أن الشطارة تبسط اليد قوية عزيزة؛ والكدية بسطها بالسؤال ضارعة ذليلة؛ فلما استفحل التمدن الإسلامي وامتزج العرب بالفرس؛ أخذ خبثاؤهم فيما أخذوه منهم تلك الحرفة؛ ولذلك يسمون بني ساسان كما أخذوا عن الهنود مذهب الخناقين واستعدوا له استعدادًا عجيبًا؛ فانتحله جماعة من أصحاب المنصورية والغالية وغيرهما؛ وقد ذكر الجاحظ من ذلك طرفًا صالحًا "ص٩٧ و٩٨ ج٢: الحيوان" وأورد شعرًا لحماد الراوية يذكر فيه القبائل المشهورة بالخنق لعهده؛ أي: في منتصف القرن الثاني؛ وهي عجل وكندة وبجيلة، فراجعه هناك، ثم نسب هذا الشعر في موضع آخر لأعشى همدان "ص١٩ب ج٦: الحيوان". أما الكدية فهي عند أهلها كل ما يحتال به على الشر والأذى في سبيل العيش من الشعوذة والمخرفة وما إليهما، ولهم فيها رموز لا يفهمها غيرهم، وأصحابها أهل بأس وشدة وفساد كبير، ولكن من الشعراء من كان يقبل على هذه الحرفة لا يبغي بها بدلًا من عرض الحياة ووفرة الغنى وإقبال الأمراء، ومنهم من كان يحفظ رموزها تطرفًا وتملحًا، ونظن أنهم لم يظهروا بها إلا في القرن الرابع، وأشهرهم في ذلك الأحنف العكبري، وكان فرد بني ساسان بمدينة السلام، وهو من جماعة الصاحب بن عباد "ص٢٨٥ ج٢: يتيمة الدهر". وكان من شعرائه فيها أيضًا أبو دلف الخزرجي الينبوعي، قال الثعالبي فيه: شاعر كثير الملح والظرف، مشحوذ المدية في الكدية، خنق التسعين في الأطراب والاغتراب، وركوب الأسفار الصعاب، وضرب صفحة المحراب بالحراب.... قال: وكان الصاحب يحفظ مناكاة بني ساسان حفظًا عجيبًا، ويعجبه من أبي دلف وفور حظه منها، وكالنا يتجاذبان أهدابها، ويجريان فيما لا يفطن له حاضرهما، ولما أتحفه أبو دلف بقصيدته التي عارض بها دالية

стр. 573

الأحنف العكبري في المناكاة وذكر المكدين والتنبيه على فنون حرفهم وأنواع رسومهم وتنادر بإدخال الخليفة المطيع لله في جملتهم، وقد فسرها تفسيرًا شافيا كافيًا اعتز ونشط لها وتبجح بها، وتحفظ كلها، وأجزل صلته عليها، وقد اختار منها الثعالبي ١٩٥ بيتًا وساقها في يتيمته مع شرحها "جزء ثالث" وأكثر مصطلحاتها فارسي، ورأينا صاحبها يقول فيها: منا شعراء الأر ... ض أهل البدو والحضر فإذا لم يكن منهم يومئذ طائفة كبيرة طواهم التاريخ بأجناسهم على أدناسهم، فإن أبا دلف إنما أراد صنعة المديح وتكسب الشعراء بها، وهي فن من تلك الفنون اختص به الشعراء كما اختص غيرهم بغيره من فنونها الكثيرة، ومدار جميعها على أخذ "جزية الخلق" كما يقولون، وليس للمديح عند الشعراء الذين يتكسبون به معنى أكثر من ذلك.

стр. 574

الفخر والحماسة: يقول ابن رشيق: إن الفخر هو المديح نفسه، ولكن الشاعر يخص نفسه وقومه. ونحن كذلك نراه قد يكون شطرًا من الهجاء؛ إذ يقصد به التفضيل والترجيح بين الصفات الممدوحة التي يعتز بها والصفات المهجوة التي يفتخر عليها، أما في الهجاء فهو طبيعي كما ترى؛ لأنه بعض مادته، ولكن مدح النفس مرذول، يدل على سقوط الهمة، وعلى فسولة الرأي، وعلى أن المرء يزور من نفسه لسانًا غير مخلوق، وهذا أدخل في باب المذلة والضعة منه في باب الفخر والحمية؛ والصحيح أن هذا الفخر الذي عناه ابن رشيق إنما هو الفخر الصناعي الذي تزيد فيه المتأخرون واستظهرت به طبيعتهم، فصنعته مديح صرف، وكل من قدر على أن يقول حاتم كريم، فهو قادر بديا على أن يقول أنا كريم، وقس على ذلك؛ لأن التاريخ يعتبر دائمًا ميتًا موتًا حقيقيا إذا أريد تقليد أعماله الخالدة بالأقوال، فلو كان الذي يقول: أنا كريم كرم حاتم؛ إنما هذا القول في الناس الذين شهروا حاتمًا بالكرم؛ لكان قد وجد التاريخ حيا فإما يكذبه أو يصدقه؛ على مقدار عمله الذي يساوي به عمل حاتم، ولا يكون لكلمته معنى إلا التنبيه على هذه الفضيلة فيه. فحقيقة الفخر إذن ليست مدحًا كما قيل، ولكنها تاريخ، وسواء في معنى التاريخ فضيلة الفرد وفضيلة الجماعة؛ لأنه كما يكون ظفر الجيش في الحرب نتيجة حوادث كثيرة، كذلك تكون فضيلة الكرم عن حوادث معروفة أنتجت هذه التسمية؛ والمرء لا يكون كريمًا في العرب بلا شيء، ولا بشيء قليل. وعلى هذا التأويل نرى الفخر فطرة في العرب، فلا يكاد السيد منهم يأتي عملًا إلا تناوله شاعر قبيلته وفخر به؛ لأنه لسان القبيلة ومؤرخ أحسابها، وإذا فخر أحدهم بفضيلة في نفسه كالشجاعة أو الكرم أو غيرهما، فإنما يكون ذلك في معرض التذكير بهذه الفضيلة واستشهاد التاريخ الحي عليها، أو يكون توطينًا لنفسه وتحميسًا لها بما يهيج من كبريائها، كما يغني الشجاع في الحرب، وكما ينبه عن نفسه عند الضربة القاضية والطعنة النافذة؛ وهذا هو باب الحماسة. وفيما عدا ذلك فلا يكون في الفخر معنى المديح إلا لأن فيه معنى الهجاء، كالمنافرات المشهورة في العرب؛ وكانوا إذا تنازع الرجلان منهم وادعى كل واحد أنه أعز من صاحبه، تحاكما إلى عالم من حكمائهم المحيطين بالأنساب والتاريخ، فمن نفر منهما -أي: فضل نفره على الآخر- لا يفلح الثاني بعدها أبدًا؛ والأصل في هذا كما ترى الهجاء لا المدح؛ لأن الذي يقارع الآخر عن حسبه ويكاثره بالأحياء والأموات من أشراف قومه، إنما يريد الغض منه، ليظهر هو وقبيلته بهذه المقابلة، ولو أراد معنى التمدح وحده لقد كان في حسب قومه غنى. وثم نوع آخر من الفخر عند العرب هو شبيه بالفخر المصنوع في ظاهره لا في حقيقته، وذلك أن العربي يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلى به ملأ ماضغيه فخرًا، ولكنه لا يفخر به لنفسه من

стр. 575

جهة ما هجا به صاحبه، قال الجاحظ: فافهم هذه، فإن الناس يغلطون على العرب ويزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به، وهذا باطل، فإنه ليس شيء إلا وله وجهان وطريقان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين؛ وإذا ذموا ذكروا أقبح الوجهين "ص٥٧ ج٥: الحيوان". ويدخل في هذا النوع باب العيوب الخلقية كالبرص فإنهم يهجون به، ولكن من ابتلي به من شعرائهم ضرب له المثل الذي يستغرقه ويشغل عنه كقول ابن حبناء: إني امرؤ حنظلي حين تنسبني ... لا من عتيك ولا أخوالي العوق لا تحسبن بياضًا في منقصة ... إن اللهاميم في أقرانها البلق "ص٥٤ ج٥: الحيوان". وقس على ذلك، فهذا المدح المصنوع، ولكن عذرهم فيه أنهم اضطروا إليه فرارًا من معنى الهجاء، ومن هذه الجهة اكتسب معنى المديح. فكيفما أدرنا القول لا نجد هذا الباب خالصًا عند العرب غير مقصود به إلا صنعة الكلام وحدها كما يفعل المولدون، ولذلك لم يغلب هذا النوع على قول الشاعر منهم كما يغلب المديح الهجاء والوصف، بل لم يكد يتميز به بعضهم على بعض؛ واعتبر ذلك بالأبيات التي يعدونها أفخر الشعر، وقد روى منها ابن رشيق طائفة، فإنك لا تجد لجاهلي بيتًا يبرعها أو يكون منها بمنزلة في الصنعة، وإنما تجد أكثر ذلك الإسلاميين والمولدين. أما الإسلاميون فقد شاع الفخر في أيامهم، للخلافات التي كانت بين بني هشام وبني أمية، وبين هؤلاء وبني العباس، ولكنه بني على الهجاء كما مر في منافرات العرب، ولذلك استغرقته الخطب والكتب ولم تكن سهمة الشعر منه إلا القليل؛ وكان منهم من يغري بين الوجوه من الناس وبين العلماء بالأنساب، يحب أن يعرف حالات الناس وعيوب الأشراف، كعبد الله بن عامر، ومصعب بن الزبير، قال الجاحظ: فلا جرم أنهما كانا إذا سبا أوجعا "ج١: البيان" وسنلم بشيء من هذا الباب في بحث الخطابة. وكان فيهم قوم متميزون دون سائر القبائل بالكبر، أبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة، ولم يكن في قوى عقولهم وديانتهم فضل على قوى دواعي الحمية فيهم، وهم من قريش بنو مخزوم، وبنو أمية. ومن العرب بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس خاصة "ص٢١؛ ٢٢ ج٦: الحيوان" فلا جرم كان من هؤلاء ديوان مفرد لمعاني الفخر والحماسة، وقد ذهب بشهرة الفخر في الإسلاميين من الشعراء جرير والفرزدق؛ لذهابهما بشهرة الهجاء. أما في المولدين فالذين برعوا في صنعة الفخر والحماسة كثيرون، وقد صارت الإجادة في ذلك على حسب قوة الشاعر وبمقدار ما تؤتي القريحة من التصرف؛ لأن هذا الشعر لا يصنع لرغبة ولا لرهبة وليس وراء معانيه ظل، فلا يجيده إلا مجيد، ولكن شهرته أكثر ما تعلق بالأمراء والشجعان وأهل النسب؛ كالشريف الرضي، وهم يقصدون إلى هذا النوع في شعرهم قصدًا، ويتخذون منه لسانًا للسياسة والتاريخ. ثم هو شيء في طباعهم، لا يتكلفون منه الكثير كما يفعل من دونهم، ولذلك لا

стр. 576

يعدوه وشي الطبيعة ورونق الغريزة، وذلك شائع فيهم. وأول هذه الطبقة في الإسلام شعراء الخوارج، وأشهرهم قطري بن الفجاءة، ثم الأمراء والوزراء كأمراء بني حمدان، وأشهرهم أبو فراس الحمداني، وكالوزير الطغرائي، وكثيرين من وزراء الأندلس، وسنذكرهم في موضعهم، وكان آخر من أداه إلينا الزمان من هذه الفئة، المرحوم محمود سامي البارودي. وقد استحدث المتأخرون طريقة صناعة في الحماسة؛ وهي مزجها بالغزل والافتتان في ذلك، وأخذوا هذه الطريقة عن عنترة في البيتين المنسوبين إليه: ولقد ذكرتك والرماح نواهل وكان يتفق ذلك في الأبيات من القصيدة؛ حتى صنع فيه القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك قصيدته الشهيرة التي مطلعها: سواي يخاف الدهر أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يكون مخلدا وقسمها على الحماسة والغزل؛ وهي أشهر القصائد في هذا النوع.

стр. 577

الرثاء: الشعر في المراثي إنما يقال على الوفاء، فيقضي الشاعر بقوله حقوقًا سلفت، أو على السجية إذا كان الشاعر قد فجع ببعض أهله، أما أن يقال على الرغبة فلا؛ لأن العرب التزموا في ذلك مذهبًا واحدًا، وهو ذكر ما يدل على أن الميت قد مات؛ فيجمعون بين التفجع والحسرة والأسف والتلهف والاستعظام، ثم [يذكرون] صفات المدح مبللة بالدموع، حتى قال قدامة: إنه ليس بين المرثية والمدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك؛ ومن أجل ذلك لم يتبسطوا في معاني الرثاء والفجيعة من [الموجودات] وما يتبع ذلك من درس العواطف المحزنة والبحث عن أماكن الألم في نفس الإنسان، كما كان ذلك عند اليونان، إذ كان من شعرائهم من تخصيص للفواجع وعرف بصفات الحزب كأوريبيذس وغيره، وكما كان عند العبرانيين، وهم أبكى الناس، حتى إن الرثاء من الصفات المميزة لأشعارهم؛ ويرجع ذلك النقص في العرب إلى أسبابه الطبيعية مما يتعلق بالبداوة والأخلاق التي تكون عنها، وقد مر ذكر ذلك في مواضع كثيرة. ومن تلك الأخلاق كانوا لا يرثون قتلى الحروب؛ لأنهم ما خرجوا إلا ليقتلوا، فإذا بكوهم كان ذلك هجاء أو في حكمه؛ ولكن الرثاء لمن يموت حتف أنفه؛ أو يقتل في غير حرب من حروب التاريخ، كالغارة ونحوها، فحينئذ يعددون المآثر ويبالغون في الفجيعة كأن هذا الموت غير طبيعي فيمن يستحق أن يموت. وقد مر في الكلام عن شواعر العرب شيء عن موضعهن من الرثاء؛ لأنهم أشجى الناس قلوبًا عند المصيبة وأشدهم جزعًا على هالك؛ لما ركب في طبعهم من الخور، وفي قلوبهن من سهولة الانخلاع. أما الرجال فلم يشتهر منهم بالرثاء إلا أفراد عضتهم المصيبة بما لم يبرأ من الألم فصاحوا تلك الصيحة التي ينجذب معها القلب إلى الشفتين. قال المبرد في "الكامل" "ص٣٩٠ ج٢": وكانت العرب تقدم مراثي وتفضلها، وترى قائلها بها فوق كل مؤبّن. وكأنهم يرون ما بعدها من المراثي منها أخذت وفي كنفها تصلح ... ثم ذكر منها قصيدة أعشى باهلة التي يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي وساق خبرها. وكذلك روى قصيدة متمم بن نويرة في أخيه مالك، وهذه القصائد التي يشير إليها المبرد هي عيون المراثي التي رواها محمد بن أبي الخطاب القرشي في كتابه "جمهرة أشعار العرب" وهي لأبي ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبي زبيد الطائي، ومالك بن الريب، ومتمم بن نويرة. ولم يذكروا منها شعر النابغة في حصن بن حذيفة، ولا مراثي أوس بن حجر في فضالة بن كلدة، ولأوس هذا فيه مراث جيدة، من أحسنها القصيدة السائرة التي أولها: أيتها النفس أجملي جزعًا ... إن الذي تحذرين قد وقعا! وبديهي أن الرثاء لا يتعلق بالنسيب كما يتعلق به المدح والهجاء وغيرهما ولكن وردت للعرب

стр. 578

في ذلك قصيدة واحدة, قال ابن الكلبي: لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة: أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعافية وأخلفت كل موعد وقال ابن رشيق: "وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة وحين أخذ ثأره وأدرك طلبته، وربما قال الشاعر في مقدمة الرثاء: تركت كذا أو كبرت عن كذا وشغلت عن كذا، وهو في ذلك كله يتغزل ويصف أحوال النساء، وكان الكميت ركابًا لهذه الطريقة في أكثر شعره، فأما ابن مقبل فمن جفاء أعرابيته أنه رثى عثمان بن عفان بقصيدة حسنة أتى فيها على ما في النفس ثم عطف وقال: فدع ذا ولكن علقت حبل عاشق ... ...................... "الأبيات" والنسيب في أول القصيدة على مذهب دريد خير مما ختم به هذا الجلف على تقدمه في الصناعة "ص١٢١ و١٢٢ ج٢: العمدة". ومما حدث بعد الإسلام في طرق الرثاء الجمع بين التعزية والتهنئة، وهو مخصوص بالخلفاء في تعزية من يلي عهد أبيه منهم، وكان أول ذلك حين مات معاوية وقدم يزيد ولده فلم يقدم أحد على تعزيته، حتى دخل عليه عبد الله بن همام السلولي فأنشده "ج١: البيان" ففتح للناس بعده باب القول، وقد روى ابن رشيق هذه الأبيات في العمدة "ص١٢٤ ج٢" ووطأ لها بسجعات نسبها للسلولي، والصحيح أن الشعر وحده، أما السجع فهو لعطاء بن أبي صيفي الثقفي، وهو من الخطباء الذين فتح لهم الكلام بذلك الشعر "ج١: البيان". ولما توفي عبد الملك وجلس ابنه الوليد دخل عليه الناس وهم لا يدرون أيهنئونه أو يعزونه؟ فأقبل غيلان ابن مسلمة الثقفي، فسلم عليه ثم خطب معزيا ومهنئًا. وكذلك لما توفي المنصور دخل ابن عتبة مع الخطباء على المهدي فسلم ونحا هذا المنحى، وقد روى كلامهما الجاحظ في الجزء الأول من "البيان". والذي ابتدأ بالإجادة في هذه الطريقة من الشعراء أبو نواس في قصيدته النونية التي يعزي بها الفضل بن الربيع عن الرشيد ويهنيه بالأمين، يقول منها: وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا الملك مغبون ولا الموت غابن ثم اتبعه أبو تمام في قصيدته التي أولها: ما للدموع تروم كل مرام يقولها للواثق بعد موت المعتصم، وقد صرف الكلام فيها كيف شاء وأطنب كما أراد، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الناحية من الشعراء؛ وليس في المتأخرين من يؤم في هذه الطريقة غير جمال الدين بن نباتة المصري -من شعراء القرن السابع- فإنه جاء في قصيدته الميميمة التي عزى فيها عبد الملك المؤيد صاحب حماه وهنأ ولده الأفضل، بما يعد من عجائب الصناعة؛ لأنه استطرد في القصيدة على طولها بالجمع بين التهنئة والتعزية إلى آخرها، وهي مشهورة، مطلعها: هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما وأبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء خاصة، حتى قيل فيه إنه نواحة ندابة؛ وكذلك عبد

стр. 579

السلام بن زعبان المعروف بديك الجن؛ واشتهر في الرثاء بطريقة انفرد بها لا ترجع إلى الأسلوب ولا إلى الصناعة، ولكن إلى معنى الفجيعة، وذلك أنه قتل له جارية وغلامًا كان يهواها ثم جعل ينوح عليهما ويرثيهما، فاشتهر بهذه الطريقة، وليس أدل على جودة رثائه من قوله فيها: لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه، بكى له في قبره وكان للرثاء شأن في أول الدولة الأموية، حتى كانت المراثي يناح بها نوحًا على القتلى والأموات، وأشهر من عرف بذلك الغريض المغني، وقد ربته الثريا بنت عبد الله بن الحارث وعلمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرة "ص٨٥ ج١: الأغاني"؛ وكان المشهور قبله بالنوح ابن سريج المغني، وقد عدل بعد ظهور الغريض إلى الغناء فعدل معه الغريض إليه "ص١٠٠ ج١: الأغاني"، ثم كان بنو أمية يشترطون في تقريب الراوية منهم أن يكون لمراثي العرب [أحفظ] وكان القائم برثاء المتقدمين منهم النصيب الشاعر، كان إذا قدم على هشام بن عبد الملك أخلى له مجلسه واستنشده مراثي قومه، فإذا أنشده بكى وبكى معه "ص١٣٥ ج١: الأغاني" وكان يتقرب بذلك إلى ملوكهم وأمرائهم، حتى إنه لم دخل على عمرو بن عبد العزيز وهو أمير المدينة ابتدأه في الاستئذان أن ينشده من مراثي أبيه عبد العزيز، فقال: لا تفعل فتحزنني "ص١٣٧ ج١: الأغاني"؛ وقد عارض بني أمية في الولع بالرثاء شعراء الطالبيين ومن نبغ بعد ذلك من هذه الشيعة إلى اليوم. ومن طرق الرثاء التي أحدثها المتأخرون، ما يرثون به الدواب والأثاث والأدوات، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في موضع آخر، ولكن القصيدة التي احتذوها في ذلك إنما هي القصيدة الهرية الشهيرة التي نظمها ابن العلاف الشاعر المتوفى سنة ٣١٨هـ، وكان له هر يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها، وكثر ذلك منه فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بها؛ وقيل: إنه رثى بها عبد الله بن المعتز وخشي من الإمام المقتدر؛ لأنه هو الذي قتله، فنسبها إلى الهر وعرض به في أبيات منها، ويقال بل كنى بالهر عن الوزير أبي الحسن بن الفرات أيام محنته؛ لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه. وقيل: غير ذلك، وهذه القصيدة في ٦٥ بيتًا، وهي معدودة من أحسن الشعر وأبدعه، وقد نقل زبدتها ابن خلكان في تاريخه "الجزء الأول ص١٣٧". وللعلاف قصائد أخرى في المهر أيضًا ولكن هذه أشهرها. [واستحسن] من بعده هذا المذهب، فعارض ابن العميد القصيدة الهرية صناعة، ونقل الثعالبي شيئًا من قصيدته في "اليتيمة" "الجزء الثالث ص٢٣" ولما نفق برذون أبي عيسى المنجم بأصبهان وكان قد طالت صحبته له، أوعز الصاحب بن عباد إلى الندماء المقيمين في حلبته أن يعزوا أبا عيسى ويرثوا برذونه، فقال كل منهم قصيدة فريدة، نقل الثعالبي مختارات منها "الجزء الثالث ص٥٥: يتيمة الدهر". ثم شاع هذا النوع بعد ذلك وتقلبوا في أغراضه.

стр. 580

الغزل والنسيب: ليست هاتان الكلمتان مترادفتين بالمعنى الأخص كما جرى في عرف الناس، ولكن بينهما فرقًا نبه عليه قدامة فقال: إن النسيب ذكر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن، وقد يذهب [عن] قوم موضع الفرق بين النسيب والغزل، والفرق بينهما أن الغزل هو المعنى الذي اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل والغزل المعنى نفسه. قال: والغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء..... وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة أكثر مما يكون من الخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر فيه ما ضاد التحافظ والعزيمة ووافق الانحلال والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض. لا جرم كانت هذه الأخلاق التي يحلو بها النسيب ويعذب الغزل غير صريحة في البداوة، ولا خالصة في تلك الخشونة الفطرية التي طبع عليها العرب في جاهليتهم، فكان نسيب شعرائهم قليلًا بمقدار تلك الأخلاق التي انسلخت من الطبيعة العربية وتحولت عن صميمها بما فيها من المادة الحضرية الموروثة أو المكتسبة؛ لأن أول من تعهر في شعره من العرب وشبب بالنساء، إنما هو امرؤ القيس بإجماع الرواة، وكان أبوه من ملوك كندة فظهرت في غزله الحضارة اليمنية وأفسدتها صعلكة الرجل؛ إذ كان على أنه ابن ملك لا يستتبع إلا صعاليك العرب وذؤبانهم، وقد شبب حتى بنساء أبيه. وكان هذا سبب نفيه، لا ما زعموه من أن الملوك كانت تأنف لأبنائها من الشعر، وقد نبه على ذلك الجاحظ "في الحيوان" وسنكشف قلب هذا الشاعر متى وصلنا إلى ترجمته. وكان قبل امرئ القيس خاله مهلهل، وهو زير نساء، ولكنه كان بعين أخيه كليب فارس العرب المشهور -وقد مر وصفه- فلم يك بالمفحش ولا بالبذيء، ولما كان مهلهل أول من أرق الشعر كان كذلك أول من غنى بالتشبيب من شعره "ص٦١: سرح العيون". ولم يجئ بعد هذين الشاعرين من يتهالك في غزله غير النابغة الذبياني، وقد أفحش في بعض نسيبه إفحاشًا كأنه رومي أو فارسي، لطول ما صحب المناذرة والغساسنة، أما سائر الشعراء من العرب فكانوا على سنة قومهم من الغيرة والأنفة؛ ولذلك ظهر النسيب فيهم طبيعيا [فقامت] فيه الطلول والآثار، وتشوقوا بالرياح الهابة والبروق اللامعة والحمائم الهاتفة والخيالات الطائفة وبكوا على آثار الديار العافية وأشخاص الأطلال الدائرة. وهم إذا وصفوا محاسن النساء لم يزيدوا على الأوصاف الطبيعية التي تقع عليها الأعين؛ إذ كن غير مقصورات ولا محجوبات، وإنما تجيء طهارة الغزل من اعتبار الحسن اعتبارًا طبيعيا، كالذي تعرفه النفس من جمال الشمس والقمر، وخضرة الرياض، وأريج الأزهار، ونحو ذلك؛ وأظن أن

стр. 581

إجماع الناس كافة على اختلاف أممهم في تشبيه الحسن النسائي بتلك المعاني إنما جاءهم من ذلك الاعتبار؛ لأنه فيهم إرث الطهارة الطبيعية من لدن الإنسان الأول؛ ولذلك السبب عينه لم تكن تأنف العربية أن توصف محاسنها؛ لأن الحسناء فيهم [صفة] نفسها، وإنما كان الشأن في ريبة النظر ودنس الفؤاد، وذلك الذي كان يستطير له الشر بينهم وتعقد عليه الغارات فهو غزل الأسنة لا غزل الألسنة، وهو أيضًا كان السبب في أن النسيب لم يغلب على شعر واحد من شعرائهم فيعرف به كما عرف قوم بالهجاء والمديح وغيرهما، وعلى أن هذا النسيب كان نوعًا من أنواع الوصف فهو كذلك لم يتميز به شاعر تميزه بالأوصاف الأخرى، وهذه تراجم شعراء الجاهلية وأشعارهم بين أيدينا، وهي بجملتها الدليل على ما أسلفنا بيانه. فلما جاء الإسلام آمنت العيون المريبة، وصدق النظر في عفته، وتلجلجت الألسنة فيما كانت تنطلق به؛ فكان ذلك أبلغ في عفة النسيب، حتى صار يؤخذ من طرف اللسان، ولا يقصد به إلا إقامة السنة التي درج عليها العرب، وتحريك ما في القلوب من بقايا الشباب؛ حتى يستجيب الطبع للشاعر وتسلس له الخواطر، كما قال مالك بن زغبة الباهلي "ص٩٨ ج٢: العمدة". وما كان طبي حبها غير أنه ... يقام بسلمى للقوافي صدورها ولولا ذلك ما سمعه رسول الله ﷺ في مسجده من قصيدة كعب بن زهير الشهيرة؛ ولتبين الناس منه الكراهة له؛ وهم لم يرووا من ذلك شيئًا كما رووا في غيره "هو منافرة الزبرقان؛ راجع العمدة". ومضى الشعراء على ذلك إلى زمن عمر بن الخطاب، وكان لشدته في الدين ينكر من الشعر غير معالي الأخلاق وصواب الرأي وما يرجع إلى الأنساب؛ حتى لقد مر بحسان وهو ينشد في مسجد رسول الله ﷺ فأنكر ذلك، ثم قال: أرغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني عنك يا عمر، فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فما يغير علي ذلك؟ لا جرم أنه استبطل النسيب ورآه عبثًا، إن لم تكن فيه حرمة فقد يكون سببًا إليها، خصوصًا وقد تواصف الناس في زمنه معاني الغزل بما جلبته لهم الفتوح من السراري، فتقدم عمر إلى الشعراء أن لا يتشبب أحد بامرأة إلا جلده "ج٤ ص٩٨: الأغاني"؛ وكان يأبى أن يساكنه جميل من الرجال تهتف به العواتق في خدورهن؛ وقصة نصر بن حجاج معه مشهورة، ولكن ما جاءتهم به الفتوح كان قد أدخل عليهم رخاوة المدينة ونقض من طباعهم، ثم جعلت قلوبهم تسيب وتسيب معها أخلاق البداوة؛ فما هدأت الفتن بعد عثمان واستقر الأمر لمعاوية حتى قويت قلوب وضعفت عقول، وانصرف أكثر القرشيين إلى ما ألهاهم به معاوية من الترف والنعمة، وما جرأهم عليه من مباحات النظر واللسان، وهو كان يبذل إليهم الأموال في هذا السبيل ويعينهم عليه بما وسعه من الجهد، ليكسر من قرشيتهم التي هي قوام الخلافة. وظهر يومئذ الغناء [ممترى] فيه حتى أباحه يزيد بن معاوية "٦٠-٦٤هـ" ففشا في الحجاز؛ والنسيب مادة الغناء الطبيعية وبه يقوم أمره؛ فكان المغنون يتناولون في أول أمرهم نسيب الجاهليين والمخضرمين؛ كالمهلهل وامرئ القيس والنابغة وذي الإصبع العدواني وحميد بن ثور وغيرهم؛ وكان هذا منشأ الظرف الحجازي الذين ضربوه مثلًا؛ لأن أهل العراق كانوا ينكرون الغناء ولكن لا يرون بأسًا

стр. 582

بالرجز، وهو ما يحدى به "ص١٦٣ ج١: الأغاني"؛ وكذلك صاروا يكرهون النسيب من أجله؛ حتى قال فيهم سعيد بن المسيب: إنهم نسكوا نسكًا أعجميا. ونبغ في ذلك العهد عمر بن أبي ربيعة الغزل المترف، وكانت أمه سبيت من حضرموت، ويقال من حمير، ومن هناك أتاه الغزل "ص٣٢ ج١: الأغاني" كما أتى امرؤ القيس من قبله، وليس بينهما من يساويهما في هذه الطريقة، وإنما نشأ لزمنه فتيان الشعر من القرشيين، كأبي دهبل الجمحي، ومن ينزل منزلتهم بما يدل به من سابق الحرمة كعبد الرحمن بن حسان، فلم يتركوا أن يقولوا النسيب في كل من جاز أن يقولوه فيه وكل من لم يجز، حتى تناولوا به بنت معاوية؛ ولكن ابن أبي ربيعة هو الذي استقلت [له] هذه الطريقة وكان أول من شهر بها، فبرع نظراءه بسهولة الشعر وشدة الأسر وحسن الوصف وإرسال شعره قصصا غزلية حتى كأنه إنما يدون فيه تاريخ قبله، ولذلك فتن به الناس، وكان أشهر أهل الحجاز يومئذ بالظرف والرقة وطباع الغزل، ابن أبي عتيق، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فكان عمر يذهب في شعره إلى أخلاقه "ص٢٨ ج٢: الحيوان" وأخبارهما مشهورة، ثم كان يغني في أشعاره ابن سريج المغني النواحة، فلو أن القلوب لا ترى ببصائرها إلا لونًا واحدًا لكان هو اللون الذي يعطيه غناء ابن سريج بشعر ابن أبي ربيعة، ولذلك طار نسيبه وصار الحسان يتعرضن في آفاق لحظه كواكب وأقمارًا ليشهرن فيرتفعن في الناس بصفته؛ وبلغ من فتنة شعره للنساء أنهن كن يتدارسنه ويكتبنه "ص٣٧ ج١: الأغاني". وقد خلقت تلك البيئة عمر خلقًا نسائيا، حتى كأنما كن ينجذبن إليه للمناسبة الجنسية.... فقد كان في أيام الجمع يلبس حلل الوشى ويركب النجائب المخضوبة بالحناء عليها القطوع والديباج ويسبل لمته ويخرج يتلقى العراقيات إلى ذات عرق، ويتلقى المدنيات إلى مر ويتلقى الشاميات إلى الكديد "ص٨٨ ج١: الأغاني" كل ذلك التماسًا للغزل وطلبًا لمأتاه، وأخباره كثيرة مثبتة في موضعها من كتاب الأغاني. وظهرت مع عمر طبقة العشاق من شعراء العرب: كجميل، وكثير، ونصيب، وجنادة العذري وغيرهم؛ ثم الشعراء الذين صاغتهم البيئة: كالأحوص الذي كان يشبب بالنساء ذوات الأخطار من أهل المدينة، حتى نفاه سليمان بن عبد الملك "ص٤٨ ج٤: الأغاني"؛ ووضاح اليمن وكان يشبب بامرأة الوليد بن عبد الملك. وفشا أمر الغناء فكان ابن سريج وابن محرز ومعبد والغريض ومالك وابن عائشة وغيرهم [يغنون] في النسيب من شعر تلك الطبقة كلها، وبذلك ظهر النسيب في وضع يشبه أن يكون فارسيا أو روميا ولا يلتئم مع أخلاق العرب؛ إذ تحكى فيه قصة الغزل ويفتخر فيه بنقض العفة وانحلال الطباع، إلى أمثال هذه المعاني؛ وكان ذلك أصل ما ورثه المولدون من هذه الصناعة. وثم نوع من الهجاء استخدم فيه النسيب، واستعين على البلوغ إلى حقيقته بهذا الغزل الحديث، وأول من فعل ذلك الشاعر الملقب بالعرجي، وهو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد نبغ بعد موت ابن أبي ربيعة ونحا نحوه وتشبه به فأجاد، وكان جريئًا في شعره على نساء قريش ونساء

стр. 583

بني أمية، قليل [المحاشاة] لأحد، وكان يهجو محمد بن هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، فلما رأى أنه لم يبلغ منه ولم [يُمِضّه] جعل يشبب بأمه وامرأته "ص١٦١ ج١: الأغاني" وينسب بهما، وخصوصًا أمه، على تلك الطريقة من حكاية الوقائع وافتراء الإفك، لا لمحبة ولا لمعنى من معاني الغزل "ص١٥٤ ج١: الأغاني"؛ ولكن ليفضح الرجل بإشاعة الشعر على ألسنة المغنيين؛ وليس يؤخذ بالنسيب هذا المأخذ إلا وقد استقامت طريقته تلك بما يمتهد لها من الأعراض ويوطأ من الأخلاق؛ ولذلك صار الأشراف والأمراء يتقون تلك الألسنة أكثر مما يتقون العيون المريبة بعد أن شددوا في الحجاب وفرقوا بين الرجال والنساء في الطواف، وذلك في إمارة خالد القسري عامل سليمان بن عبد الملك على مكة، إذ بلغه قول بعض الشعراء "ص١١٦ ج٢: المسعودي": يا حبذا الموسم من موقف ... وحبذا الكعبة من مسجد وحبذا اللاتي يزاحمننا ... عند استلام الحجر الأسود فتحولت الأخلاق يومئذ في سواد الأمة بهذا النسيب، حتى كان من الأشراف من يحاول أن يعيد الأخلاق العربية، كعبد العزيز بن مروان [والي] عبد الملك على مصر، فإنه كان لا يعطي شاعرًا شيئًا حتى يذكر أمه في مدحه لشرفها، فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم "ص١٣٦ ج١: الأغاني". ولما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز تحامى شعراء الغزل أن يشهروا بالنساء في نسيبهم، وتحولوا عن طريقة ابن أبي ربيعة، حتى إن النصيب الشاعر المقدم في ذلك لم يأخذ جائزته إلا بعد أن شهدوا له أنه عاهد الله أن لا يقول نسيبًا يشهر به النساء "ص١٣٨ج١: الأغاني" واستمر أكثرهم على ذلك لا ينسب إلا تملحًا واستجمامًا على غير ريبة ولا فاحشة، ومالوا في ذلك إلى طريقة العرب، إلا ما لا بد منه من صنعة الأخلاق التي تناسب الغزل والتشاجي، حتى ظهر أبو المحدثين بشار بن برد، فأفرط في الصنعة؛ لأنه كان أعمى، وبالغ في تصوير الإحساس ليمتاز بذلك على المبصرين "وهو والأعشى معدودان كذلك عندهم" فكان سبيله إلى هذا الغرض أن نصب في شعره حبائل الشيطان وزخرفه بتزويق اللسان وقارب في غزله الناس بما كان يجتزئ ابن أبي ربيعة بنظره عن التحدث به في النسيب، حتى [اشتهر] نساء البصرة وشبابها بشعر بشار، وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي بن المنصور العباسي، وكان أشد الناس غيرة، فنهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب "ص٤١ ج١: الأغاني" ثم ظهر بعد ذلك أبو فراس والعباس بن الأحنف، وهذا الأخير ليس في شعره مديح، إنما هو مصروف إلى النسيب يتوخى فيه صفة المعنى لا صفة الحكاية، وشعره عكس شعر الفرزدق؛ لأنه كان لا يقول في الغزل "ج١: البيان" والعباس لا يقول إلا فيه. ومن ذلك العهد شاع النسيب والتحم بالشعر، ورغب فيه الخلفاء من شعرائهم حتى إن الرشيد أمر بحبس أبي العتاهية والتضييق عليه لما تزهد وآلى على نفسه أن لا يقول شعرًا في الغزل "ص١٦٠ ج٣: الأغاني"؛ ثم أضاف البحتري إلى النسيب معنى تعلق به وردده في شعره واستقصاه، حتى كان الباب الذي شهر به على أنه أرق الناس نسيبًا وأملحهم طريقة، وذلك المعنى هو ذكر الطيف والخيال،

стр. 584

وكان من ذلك شيء قليل في أشعار المتقدمين يركبون فيه صنعة جافية تتخون محاسنه وتعفي على معنى الغزل فيه، إذ كانوا يطردونه؛ وأشهر ما في ذلك قول جرير: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام وممن انفرد بطريقته في النسب بعد البحتري وشهر بالغزل خاصة، أبو الوليد بن زيدون، وهو الذي لقبه أهل الأندلس ببحتري المغرب، وقصائده مشهورة، وخصوصًا النونية التي يتشوق بها إلى ولادة، وكذلك أبو الوليد بن الجنان من شعراء الملك الناصر صاحب الشام في القرن السابع، قال ابن سعيد المغربي: ومقاطيعه الغرامية قلائد أهل الغرام "ص٣٧٩ ج١: نفح الطيب". وكان في ذلك القرن أيضًا أبو الفضل زهير الشهير ببهاء الدين، وهو صاحب الديوان المشهور الذي يقال في غزله إنه السهل الممتنع، وقد انفرد بهذه الطريقة حتى لا يذكر معه فيها أحد من المتأخرين إلا تابعًا، ثم تتابع الشعراء بعد هؤلاء وكلهم ينسبون وأكثرهم يجيدون، ولكنا لا نعرف لواحد منهم طريقة يتبع فيها بل كلهم، إلا ما اشتهروا من السخافات، كالغزل الممقوت الذي يصفون فيه الأحداث والمخنثين، وكان منشأ ذلك في أوائل الدولة العباسية بعد اقتناء المماليك من الروم والترك وغيرهم؛ ولبعض خلفائهم ولع به واستهتار، كالمعتضد وغيره، وليس هذا موضع شرحه ولا تاريخه، وقد رأينا لبعض المتأخرين فيه كتابًا مطبوعًا، ولكننا ننزه كتابنا عن الإشارة إليه. ويدخل في تاريخ النسيب بعض المذاهب الصناعية التي استحدثت فيه، ونخص بالذكر من ذلك مذهبين: الأول ما سلكه المتنبي من التغزل بممدوحه، وقد نبه عليه الثعالبي في "اليتيمة"، والثاني ما استنه الوزير الطغرائي من الجمع بين مدح فتيان الحي والتغزل بفتيانه، وقد شغف بهذه الطريقة من المتأخرين ابن معتوق الموسوي وأكثر غزله فيها.

стр. 585

الشعر الوصفي: الوصف جزء طبيعي من منطق الإنسان؛ لأن النفس محتاجة من أصل الفطرة إلى ما يكشف لها من الموجودات وما يكشف للموجودات منها، ولا يكون ذلك إلا بتمثيل الحقيقة وتأديتها إلى التصور في طريق من طرق السمع والبصر والفؤاد، أي: الحس المعنوي، فالأمم الطبيعية هي أصدق الأمم في الوصف طبيعة؛ لأنه سبيل الحقيقة في ألسنتها؛ ولأن حاجاتها الماسة إليه تجعل هذا الحس فيها أقرب إلى الكمال، فإذا أضفت إلى ذلك سعة العبارة ومطاوعة اللغة في التصريف -كما هو الشأن عند العرب- كان أجمع للحس وأبدع في تصوير الحقيقة بما تكثر اللغة من أصباغها ويجيد الحس في تأليف بينها وتكوين المناسبات الطبيعية التي تظهرها تلك الألوان المهيأة على حسب هذه المناسبات. ولما كان الوصف الشعري هو أرقى ما يكون في اللغة من صناعة الأصباغ والتلوين، كان لا يقع إلا على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، وكان أجوده لذلك ما استجمع أكثر المعاني التي يتركب منها الشيء الموصوف وأظهرها فيه وأولاها بتمثيل حقيقته، وهي الطريقة التي اتبعها العرب في أوصافها بدلالة الفطرة القوية والطبيعة الراقية، وقد كان هذا سببًا في تطبيقهم وصف الحيوان والنبات وغيرهما على علومهم ومعارفهم التي خلدوها بذلك في أشعارهم؛ لأن من أخص مزايا العلم التدقيق والاستقصاء، حتى قال الجاحظ: قل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين إلا ونحن قد وجدنا قريبًا منه في أشعار العرب والأعراب "ص٨٣ ج٣: الحيوان". فاستقصاء المعاني التي يتركب منها الموصوف طبيعة عامة في شعرائهم، ولكنهم يتفاوتون في قوة الاحتيال على إبراز هذه المعاني وابتداع الأساليب في تصويرها، وهذا هو موضع التفضيل بينهم؛ لأنه راجع إلى اختلاف القرائح خلقة واستعدادًا. وقد غفل أكثر الأدباء عن هذه الحقيقة، فتراهم يعجبون لما يرونه في بعض أشعارهم مما يكون سبيله الاحتيال على تصوير أجزاء الموصوف، ويعدونه خشونة وجفاء طبع، كالذي يذكرونه في وصف الناقة بأن هرا قد ثبت في دفها، كقول عنترة: وكأنما ينأى بجانب دفها الـ ... ـوحشي من هزج العشي مؤوم هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم وهم إنما أرادوا صفة الناقة بأنها رواغة شديدة التفزع لفرط نشاطها ومرحها، فجاءوا بهذا المعنى الذي تلزم عنه تلك الصفة، وخصوا الهر؛ لأنه يجمع العض بالناب والمحض بالمخالب، فيكون ذلك أبلغ فيما أرادوه. ومنه قول أوس بن حجر؛ وقد جاء بأكثر من ذلك، يريد أنها لا تستقر: كأن هرا جنيبًا تحت غرضتها ... والتف ديك بحقويها وخنزير وقول الشماخ: كأن ابن آوى موثق تحت غرضها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا

стр. 586

"والغرضة والغرض: حزام الرحل "ص٧٤ ج٢: الكامل"". وعلى ذلك يؤول كل ما ورد في أوصافهم من أمثال تلك المعاني التي يستقصون بها أجزاء الصفة وأساليب التركيب، وهي عامة في الشعر الجاهلي والطبقة التي تليهم من الإسلاميين، ومن أعجبها قول الراعي حين أراد أن يصف لون الذئب: متوقع الأقران فيه شهبة ... هش اليدين تخاله مشكولا كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرم عرفجا مبلولا المرتجل: الذي أصاب رجلًا من جراد فهو يشوبه، وجعله غرثان؛ لأنه على طول الغرث لا يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. وأدار الراعي هذا الكلام ليكون لون الدخان بلون الذئب الأطحل متفقين "ص٢٤ ج٥: الحيوان". ومن تفاوتهم في الأساليب قول الشماخ في صفة الحر: كأن قتودي فوق جاب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز "الأبيات ... ص٢٨ ج٥: الحيوان". قال الجاحظ: ولهذه الأبيات كان الحطيئة والفرزدق يقدمان الشماخ بغاية التقديم. وسجد الفرزدق مرة إذ سمع رجلًا ينشد بيتًا للبيد: وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها فقيل له: ما هذا؟ قال: موضع سجدة في الشعر أعرفه كما تعرفون مواضع السجود في القرآن! "ص٢٧٥: سرح العيون". ولما كان الوصف عند العرب أشبه بالحقيقة كما مر، كان الشاعر منهم لا يتعاطى إلا ما يحسن من ذلك ضرورة، وقد يشارك في أوصاف كثيرة ولكنه ينفرد بالشهرة في بعضها، من جهة العلم لا من جهة الصناعة، فكلما كان أعلم بأجزاء الموصوف وحالاته، وأقدر على استقصاء هذا العلم في شعره، كان أبلغ في الوصوف وأولى بالتقديم فيه؛ وإن أحسن ما يكون الوصف الصادق إذا خرج عن علم، وصرفته روعة العجب، فإن العلم يعطي مادة الحقيقة، والعجب يكسبها صورة من المبالغة الشعرية، وكل وصف لا يكون عن هذين أو أحدهما فهو تزيد من الكذب، وتكثر بالباطل؛ لأن سبيله سبيل المصنوع المتكلف، ولا يسلم متعاطيه من الخطأ، كما ترى شعراء المولدين يصنعون في صفة الإبل ونحوها من خصائص الشعر الجاهلي. وقد أخطأ أبو نواس على جلالته في وصف الأسد حين تعاطاه، وسيأتي ذلك في موضع آخر. وعلى جهتي الوصف الصادق اللتين ذكرناهما، يجري كل شعر العرب ومن بعدهم من طبقتي المخضرمين والإسلاميين، ولا يبقى موضع للعجب في تناولهم بالوصف كل أجزاء طبيعتهم، حتى الحشرات، وحتى ما لا يستحسن مثله عادة من الوصف، كما فعل مخارق بن شهاب المازني، وهو على سيادته وكرمه، وعلى أنه من رؤساء العرب، تراه يصف تيس غنمه، ولولا روعة العجب لترك ذلك لأخلاق الرعاة ومن في طبقتهم "ص١٤٣ ج٥: الحيوان".

стр. 587

على أنهم في ذلك جميعه إنما كانوا يتوسعون فيما يتعلق بالهيئة الخاصة، والمعاني متعلقة بالحالة العامة؛ فإذا وصفوا الناقة مثلًا وهي ذات هيئة خاصة مميزة بأجزائها أتوا على هذه الأجزاء واستغرقوا كل ما يتعلق بالهيئة؛ وحسبك أن تقرأ قصيدة التغلبي في وصف القطاة، وقد رواها الجاحظ وقال: إنها أجود قصيدة قيلت في القطاة "ص١٦٩ ج٥: الحيوان" وإنما كانت كذلك لاستغراقها كل أجزاء الصفة بحيث تصورها تصويرًا حيا، ولكنهم إذا وصفوا حربًا انصرفوا عما فيها من المعاني العامة وردوها إلى النوع الأول فجزءوها أجزاء واعتبروها هيئة، فربما وصفوا منها الخيل وفرسانها وأدوات القتال وذكروا الصفة العامة للحرب، من النقع والدماء والطير التي تتبع القتلى ونحو ذلك مما ترد جملته إلى أجزاء مفردة بأعيانها، ولكنهم لا يصفون حالة المتقاتلين مما يبنى على معاني النفس وتقام به فلسفة الإنسانية، لأن ذلك بعيد عن نظام اجتماعهم، ولو اقتضاه الاجتماع لاهتدوا إليه؛ ولهذا السبب عينه لم يؤثر عنهم شيء في الأوصاف التاريخية التي يستمد منها الشعر القصصي، وقد ذكر شعراؤهم واقعة الفيل وسيل العرم وغيرهما "انظر ج٧: الحيوان" ولكنهم لم يحتالوا على أن يصفوا ذلك بمعانيه العامة في قصة أو شبه قصة، كما رأيتهم يحتالون على إبراز الصفات الطبيعية ويتكلفون لذلك نوعًا من القصص على ما سلف بيانه*. وقد تجدهم يزحمون أجزاء الهيئة ويبالغون في استقصائهم حتى تقصر الألفاظ عن بسط المعنى وتترك في التصوير مواضع للنظر والفكر، كقول الشماخ يصف أرضًا تسير النبالة فيها: تقعقع في الآباط منها وفاضها ... خلت غير آثار الأراجيل ترتمي قال قدامة: فقد أتى هذا البيت بذكر الرجالة وبين أفعالها بقوله: "ترتمي"، ومن الحال في مقدار سيرها بوصفه تقعقع الوفاض، إذ كان في ذلك دليل على الهرولة أو نحوها من ضروب السير، ودل أيضًا على الموضع الذي حملت فيه الرجالة الوفاض، وهي أوعية السهام، حيث قال "في الآباط" فاستوعب أكثر "هيئات" النبالة وأتى من صفاتها بأولادها وأظهرها عليها، وحكاها حتى كأن سامع قوله يراها "ص٤١: نقد الشعر" ولم يلتزم المولدون سنن العرب في الوصف، بل قلبوه إلى التشبيه، وبينهما فرق عند العرب، وهو أن الوصف إخبار عن حقيقة الشيء، والتشبيه مجاز وتمثيل؛ لأنه مبني على أن يوقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، إذ لا بد أن يكون بين المشبه والمشبه به اشتراك في معان تعمهما ويوصفا بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما بصفتها، فهو يدخل في الوصف كما ترى وليس في الحقيقة. ومن أجل ذلك بالغوا في أوصافهم وجاءوا بالتشبيه المفرط والبعيد، وكأن هذا شيء اقتضته حضارتهم المبنية على الترف وتمويه الأشياء بالزخرفة، وقل منهم من يصف عن علم كأبي نواس في أوصافه للكلاب واستغراقه في سنها؛ لأنه كان عالمًا راوية، وكان قد لعب بالكلاب زمانًا وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب؛ قال الجاحظ: وذلك موجود في شعره، وصفات الكلاب مستقصاة في أراجيزه؛

стр. 588

هذا مع جودة الطبع وجودة السبك والحذق بالصنعة؛ وإن تأملت شعره فضلته، إلا أن تعترض عليك فيه العصبية أو ترى أن أهل البدو أبدًا أشعر وأن المولدين لا يقاربونهم في شيء. وقال: فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحق من الباطل ما دمت مغلوبًا "ص١٠ ج٢: الحيوان" وهذه الصفات هي التي تذكر في شعر الصيد والطرد؛ ولانصراف المولدين عن حقائق الموصوفات كانوا يسمون الأوصاف الشعرية بما يجري مجرى العويص "ص٢٢٨ ج٣: اليتيمية" وجعلوا لبعض التشبيهات ألفاظًا سموها بالألفاظ الملوكية "زهر الآداب ص٥٣: على هامش العقد الفريد" وهي خاصة بوصف ما يكون عند الملوك من أدوات الترف والنعمة. أما مشاهير الوصافين في تاريخ الأدب جاهلية وإسلامًا فهم وإن كانوا يجيدون أكثر الأوصاف لكنهم اشتهروا بأنواع غلبت عليهم الإجادة فيها، فاشتهر من نعات الخيل امرؤ القيس وأبو دؤاد وطفيل الغنوي والنابغة الجعدي، ومن نعات الإبل طرفة وأوس بن حجر وكعب بن زهير والشماخ، وإن كان أكثر القدماء يجيدون وصفها؛ لأنها مراكبهم؛ وكان عبيد بن حصين الراعي النميري أوصف الناس لها، ولذلك سمي راعيًا؛ وأما الحمر الوحشية والقسي والنبل فأوصف الناس لها الشماخ، ولقد أنشد الوليد بن عبد الملك شيئًا من شعره في الحمر فقال: ما أوصفه لها! إني أحسب أن أحد أبويه كان حمارًا.... وأما الحمر فمن أوصاف الأعشى والأخطل وأبي نواس، واشتهر أبو نواس وابن المعتز أيضًا بصفة الصيد والطرد، ولا يذكر مع امرئ القيس في منزلته من اخترع التشبيه إلا ابن المعتز، وكان ذو الرمة أوصف الناس لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحية، وهو رئيس المشبهين الإسلاميين، وكان يقول: إذا قلت كأن..... ولم أجد مخلصًا منها فقطع الله لساني! وقد اشتهر بوصف الطبيعة الوحشية أيضًا عبيد بن أيوب العنبري، وكان نافرًا من الإنس جوالًا في مجهول الأرض، فاستغرق ذلك شعره "ص٥٠ ج٦: الحيوان" ومن الوصافين المتفننين في الأوصاف علي بن إسحاق المعروف بالراجحي المتوفى سنة ٣٥٢هـ، وأبو طالب المأموني المتوفى سنة ٣٨٣هـ وله أشياء كثيرة فيما يجري مجرى العويص، واشتهر كشاجم بآلات المنادمة، والصنوبري بالروضيات، وابن خفاجة الأندلسي بأوصاف الطبيعة الحضرية وابن حمديس الصقلي بأوصاف البرك والمياه والأنهار، وسنذكر كلمة عن أوصاف الأندلسيين متى وصلنا إلى تاريخ الأدب الأندلسي إن شاء الله. والوصف باب من الشعر قلما تجد شاعرًا لا يحسن منه شيئًا أو أشياء، ولكن هؤلاء الذين عددناهم قد ذهب لهم بالأوصاف التي غلبت عليهم الإجادة فيها صيت بعيد وذكر، ولم يكن مثل ذلك لمن جاءوا بعدهم وإن أحسنوا في أشياء كثيرة، إما لأن الإجادة لم تغلب عليهم في نوع دون آخر، وإما لإهمال الأدباء والمؤرخين أن يعينوا لهم مثل تلك الأوصاف. والله أعلم.

стр. 589

الشعر الحكمي *: إذا استصفينا المأثور من شعر العرب ومن بعدهم، وميزنا كل نوع منه بغرضه الذي يجمع جملته كما فعلنا في هذه الأبواب التي نكتب فيها، خرج لنا من ذلك هذا النوع الذي نسميه الشعر الحكمي، وهو المقصور على الدين والفلسفة وما يرمي إلى هذه الناحية، ونحن وإن لم نكن نراه شعرًا خالصًا ولكنا نراه مذهبًا من مذاهب الشعر، ولذلك خصصناه بالتاريخ. كانت حكمة العرب راجعة إلى وثاقة الحلوم وشدة العقول وفضل المنزلة في تجارب الأيام، فهي حكمة لا تجري على مذهب ولا تدور على نحلة ولا يبلغ بها الزمن مبلغ أحد هذين النوعين بالقياس والاستنباط، كما يكون ذلك في القضايا العلمية وعلى النحو الذي أخذت إليه شرائع الرومان وفلسفة اليونان مثلًا، وإنما كان أساس تلك الحكمة رسوخ الأخلاق فيهم بحكم العادة ونظر كل امرئ لنفسه بحكم الطبيعة، وذلك كان محور دينهم الطبيعي. لا جرم أنهم صرفوا حكمتهم في الشعر إلى ما يتعلق بالأخلاق والسياسة ولم يبالوا بتقرير مذهب من مذاهب أديانهم ولا أقاموا لظواهر هذه الأديان في شعرهم وزنًا، وقد صرفهم عن ذلك أنهم لم يدرسوا شيئًا من كتب الأديان، وأنهم كانوا يحتقرون هذه الحمراء من الفرس والنبط والروم وغيرهم، وقد كانت النصرانية واليهودية في بعض قبائلهم، فكانت اليهودية في بني كنانة وكندة وبني الحارث، وكانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة وبني تغلب وأهل نجران، غير من كانوا في الحيرة ممن يطلقون عليهم اسم العباد، ومنهم عدي بن زيد العبادي "انظر الحيوان ص٦٦ ج٧" ففيه أسماء القبائل المحلين ومن كانوا على غير دين مشركي العرب. وقال الجاحظ في نحو هذا: والمحلون من العرب ممن كان لا يرى للحرم ولا لشهر الحرام حرمة.... إلخ. وخرج من أهل الملتين شعراء معروفون ومع ذلك تؤثر لهم أشعار دينية على نحو ما تجد في الشعر العبراني مثلًا، إلا أن يكون لذلك سبب تستدعيه طبيعة الشاعر فيغلب على الأسباب الأخرى، والطبيعة دائمًا تقوى أسبابها وتضعف على هذا التقدير، ولم نعثر بعد جهد التفتيش وطول التنقيب إلا على [اثنين] من الشعراء اشتهروا بهذا النوع الديني من الشعر. وهما عدي بن زيد العبادي، وأمية بن أبي الصلت؛ أما عدي فكان يسكن الحيرة ويجاور الريف، وشعره لإحكام أمثاله مثل في الحكم، ومن مشهوره أبياته في الاعتبار بذهاب القرون وهلاك الملوك، ومطلعه: أيها الشاعر المعير بالدهـ ... ـر أأنت المبرأ الموفور؟

стр. 590

قال الجاحظ في عدي "ص٦٥ ج٤: الحيوان" وكان نصرانيا ديانًا وترجمانًا وصاحب كتب؛ وكان من دهاة أهل ذلك الدهر ... ثم أورد شعرًا له يذكر فيه شأن آدم ومعصيته وكيف أغواه إبليس وكيف دخل في الحية وأن الحية كانت في صورة جمل فمسخها الله عقوبة لها حين طاوعت عدوه على وليه، ومطلع هذا الشعر: قضى لستة أيام خليقته ... وكان آخرها أن صور الرجلا دعاه آدم صوتًا فاستجاب له ... بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا وهذا هو المذهب الذي قلنا إننا لم نعرف به في شعراء العرب غير اثنين، عدي هذا أحدهما. وأما أمية بن أبي الصلت فقد كان أعرابيا مدريا، قال الجاحظ: وكان داهية من دواهي ثقيف، وثقيف من دهاة العرب، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنه قد كان هم بادعاء النبوة وهو يعلم كيف الخصال التي يكون بها الرجل نبيا أو متنبيا إذا اجتمعت له. نعم وحتى ترشح لذلك بطلب الروايات ودرس الكتب، وقد بان عند العرب علامة ومعروفا بالحولان في البلاد وراوية "ص١١٧ ج٢: الحيوان". قال ابن قتيبة: وكان أمية يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي ﷺ كفر به حسدًا له، ولما أنشد النبي ﷺ شعره قال: $"آمن لسانه وكفر قلبه" "ص١٠٧: طبقات"؛ وله من الشعر الديني شيء كثير، يقص فيه أحوال الثواب والعقاب وخرافات الأمم ونحو ذلك، وبعضه مذكور في المجموعة المسماة شعراء النصرانية. وممن يذهب هذا المذهب من العرب غير هذين الاثنين وإن كان ليس مذكورًا بالشعر ولا يتعلق بهما فيه -ورقة بن نوفل، وكان يتناشد مع زيد بن عمرو بن نفيل أشعارًا في التوحيد وعبادة الله، ومنهم قيس بن ساعدة الإيادي الحكيم الخطيب، وكان مذهبه الوعظ والاعتبار، ولم يكن يقص كأمية وعدي؛ لأنه صرف ذلك إلى الخطابة، وهو بها أعرف وأشهر. ذلك شأن الجاهلية، أما الإسلام فقد مضى الصدر الأول منه والشعراء على سنة العرب، وإنما تتفق لبعضهم الأبيات مما يذكر فيه أمر الآخرة أو تحقيق معنى من معاني الحكمة الأخلاقية ونحو ذلك، حتى نشأت الخلافات الأموية بين علي ومعاوية، وكان شاعر الشام يومئذ كعب بن جعيل، وشاعر العراق النجاشي أحد بني الحارث بن كعب "ص١٩٤ ج١: الكامل"، فاستنجد كل منهما بشاعر مصره ودفعاهما إلى التشيع، وكان هذا فيما نعلم أول ما تشيع الشعراء في الإسلام، ثم استبحرت هذه الفتن في الأعقاب واستحرت المفاخرات، فكان من المتشيعين لآل علي الفرزدق وكثير والكميت، فكانوا ينظمون في تفضيلهم ومدحهم وأنهم أحق بالأمر الذي خرج من أيديهم، وكان الكميت شيعيا من الغالية، وكان صاحبه الطرماح خارجيا من الصفرية يتعصب لأهل الشام، ومع ذلك كانت بينهما من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين "ج١: البيان" ثم فشت المقالات وتفرقت الفرق وشاعت المذاهب، فدخل أكثر الشعراء والرواة في غمار أهلها، وسنذكر في بحث الرواية شيئًا

стр. 591

عن الرواة* ولكنا نقول هنا إنهم جعلوا يستخرجون من بعض شعر الجاهلية مذاهب كالتي ينتحلونها، فكان أبو عمرو بن العلاء يقول: كان لبيد مجبرًا؛ وكان الأعشى عدليا، وأنشد لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وأنشد للأعشى "ص٢٩٢: سرح العيون": استأثر الله بالوفاء والعد ... ل وولى الملامة الرجلا أما الشعراء فكان غيلان ذو الرمة على ما يقال أول من تكلم في القدر وخلق القرآن في الإسلام، وقيل: أول من تكلم في القدر رجل من أهل العراق كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان الدمشقي "ص٢٠١: سرح العيون"؛ وكان رؤبة الراجز من أهل الجبر؛ وقد تحاكم في ذلك مع غيلان إلى بلال بن أبي بردة صاحب القضاء؛ وكان السيد الحميري من المفرطين في التشيع، وهو يقول برأي الإمامية، وكان أبو المحدثين بشار بن برد -على جلالته في الشعر- يسخف شعره بالاعتذار عن إبليس في أن النار خير من الأرض، ونحو ذلك من آراء الزنادقة "ج١: البيان". وكذلك كان سليمان الأعمى أخو مسلم بن الوليد، ثم كان بشار ينكر على حماد عجرد وحماد الراوية وأبان بن عبد الحميد اللاحقي وسائر إخوانهم في الرأي، وكانوا يتواصلون كأنهم نفس واحدة "ص٣ ط١: الحيوان". وكان أبو نواس يجلس لبعض هؤلاء وينظم في سخيف ما يذهبون إليه، وذكر الجاحظ في "البيان": أنه كان لابن عقب الليثي "انظر الأغاني: ص١٦٩ ج١ وتصحيح اسم ابن أبي العقب وأنه مجهول لا يعرف ... إلخ" مذهب شعري في الملاحم والمغيبات، وأن أبا نواس والرقاشي كانا يقولان أشعارًا على مذاهب أشعار ابن عقب هذا وينحلانها أبا ياسين الحاسب الذي ذهب عقله بسبب تفكيره في مسألة، فلما جن كان يهذي أنه سيصير ملكًا، وقد ألهم ما يحدث في الدنيا من الملاحم؛ وقد روى في "البيان" "ص٧ ج٢" قطعة من تلك الأشعار. وكان أبو العتاهية يتشيع على مذهب الزيدية، وكان مجبرًا، وكان كثيرًا ما يعارض ثمامة بن أشرس بين يدي المأمون، ومن شعراء النحل زرارة بن أيمن مولى بني أسعد بن همام، وهو رأس النميمية "ص٣٩ ج٧: الحيوان" وأبو السري معدان الأعمى الشميطي؛ وله قصيدة صنف فيها الرافضة ثم الغالية وشرح مذاهبهم وذكر رؤساءهم "ص٩٨ ج٢: الحيوان". ومنهم أبو سهيل بشر بن المعتمر، وكان خاصا بالفضل بن يحيى من البرامكة؛ فإن له قصيدتين ذكر فيها آيا الله في صنعه وخلقه؛ ودل على مواضع الحكمة ومغزى الاعتبار، وصنف في الأولى منهما الرافضة والإباضية

стр. 592

والنابتة، وقد رواهما الجاحظ في "الحيوان" "ج٦" وشرح منهما ما يختص بالحكمة دون النحلة؛ وكان بشر أروى المعتزلة للشعر، ولكن كل أولئك ومن حذا حذوهم لم يتخذوا الفلسفة والنحلة إلا مذهبًا، وإنما كان شعرهم لسان اعتقادهم فيها ولهذا كان خيرًا لهم لو كانوا على غير ذلك، بخلاف الفلاسفة من شعراء الأندلس -وسنذكرهم في موضع الكلام عليهم- وبخلاف من استعان بالحكمة اليونانية والفارسية في الشعر، كأبي العتاهية وأبان بن عبد الحميد اللاحقي شاعر البرامكة، وكالمتنبي والمعري وأبي علي بن الشبل الحكيم البغدادي المتوفى سنة ٤٧٣هـ وغيرهم، فإنهم إنما وصلوا بالحكمة بين العقل والقلب، وجعلوا لها من الشعر منفذًا بينهما إلى الروح، ولذلك قال بعضهم: لو سألوا الحقيقة أن تختار لها مكانًا تشرف منه على الكون لما اختارت غير بيت من الشعر. وكان صالح بن عبد القدوس من الشعراء الفلاسفة، وجميع شعره في الحكمة والأمثال؛ ولذلك عابه الجاحظ عليه وقال إنه لو تفرق في أشعار كثيرة لزانها، وكان مذهبه مذهب السوفسطائية الذين يزعمون أن الأشياء لا حقيقة لها، وأن حال اليقظان كحال النائم؛ وله كتاب سماه كتاب الشكوك، قال فيه: كتاب وضعته من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان! الشعر الإلهي: وهو النوع الذي يكون إلهيا محضًا تستخدم فيه المادة الشعرية للرمز عن الحقائق كأشعار الصوفية ومن أخذ أخذهم، والعلماء يسمون طريقة ذلك النظم "طريقة التحقيق" ويقول المتصوفة فيه: جسوم أحرفه للسر عاملة ... إن شئت تعرفه جرب معانيه وقد كان بعض العلماء ينكر هذه الشطحات وهو يعتقد بها، صيانة لظاهر الشرع، إلا أن الأدب لا ظاهر له دون حقيقته، فيمكن أن نقول إن هذا الشعر نوع من العلم موزون، وقد سميناه علمًا؛ لأنه لا بد أن يكون مؤولًا لا يقصد ظاهره وإنما تكون له محامل يحمل عليها، كقول الشيخ محيي بن العربي "كان المغاربة يقولون ابن العربي واصطلح أهل المشرق على ذكره بغير ألف ولام، فرقًا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي "ص٤٠٤ ج١: نفح الطيب": يا من يراني ولا أراه ... كم ذا أراه ولا يراني فلو أدرت القول في هذا سنة ما عرفت وجه تأويله، ولكن بعض إخوان الشيخ سأله: كيف تقول إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال مرتجلًا: يا من يراه مجرما ... ولا أراه آخذا كم ذا أراه منعما ... ولا يراني لائذا! "ص٤٠١ ج١: نفح الطيب". وكان أصل هذا النوع من الشعر في الأندلس في أواخر القرن الثاني أيام الحكم بن هشام الملقب بالربضي، فإنه كان طاغيًا مسرفًا له آثار سوء قبيحة، وقد كان من قبله أهل تقوى ودين، وكان أهل

стр. 593

الأندلس يومئذ كأنهم من بلادهم في مسجد؛ فأوقع الحكم هذا بالفقهاء؛ لأنهم كانوا أشد الناس عليه؛ ولذلك أحدثوا في أيامه إنشاد أشعار الزهد بديا حتى شاعت وألفها الناس، ثم خلطوا على ذلك شيئًا من التعريض بالحكم على جهة الرمز والإشارة، ثقة بفهم الناس عنه؛ "ص١٣: المعجب" فلما طويت أيامه ولم تبق حاجة إلى التعريض بشخص معين، أطلقوا تلك الرموز وقصروها على الحقائق، حتى ظهرت الفلسفة الإلهية واستعمل أهلها في كتبهم الرموز والاصطلاحات، فاتسع الصوفية بذلك في شعرهم، خصوصًا بعد أن تلقوا كتب الشيخ أبي حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ، قال الفيلسوف أبو جعفر بن طفيل في صفة تعاليمه: وأكثره إنما هو رمز وإشارة لا ينتفع به إلا من وقف عليها بصيرة نفسه أولًا، ثم سمعها منه ثانيًا، أومن كان معدا لفهمها فائق الفطرة يكتفي بأيسر إشارة، وقد ذكر في كتاب "الجواهر" أن له كتبًا مضنونًا بها على غير أهلها، وأنه ضمنها طريق الحق "ص٦: حي بن يقظان" يريد كتبه المشتملة على علم المكاشفة، ولم نعرف قبل هذا الزمن شاعرًا من شعراء الإلهيات الذين ينظمون على "طريقة التحقيق" وإن كان للمعري المتوفى سنة ٤٤٩هـ شيء من ذلك، ولكنه مكشوف ليس فيه من أسرار المكاشفة شيء، وإنما كان المعري حكيمًا متفلسفًا ولم يكن إلهيا محققًا وإن كان على قدم التجرد في طريقة الفقراء. وكان قبل المعري الحسين بن منصور الحلاج الذي أحرق سنة ٣٢٢هـ، وينسبون له أبياتًا قليلة على طريق الاصطلاح والإشارة وإن كان ليس من الشعراء كقوله: لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن والبيت المشهور: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء! ولسنا نصحح مثل هذه النسبة، فإن هذا رجل اشتهرت حاله فسهل الحمل عليه، وكان أشعر شعراء القرن السادس في هذه الطريقة وما ناسبها محمد بن عبد المنعم الغساني الجلياني "جليانة: قرية من أعمال غرناطة" المتوفى بدمشق سنة ٦٠٢هـ، وكان يقال له حكيم الزمان, وأكثر شعره في الحكم والإلهيات وآداب النفوس والرياضيات والكلام على طريق القوم "ص١٦ ج٢: نفح الطيب" وفي القرن السابع نشأ أكبر شعراء الصوفية الذين تركوا لغيرهم هذا الميراث، وهم الشيخ ابن الفارض المتوفى سنة ٦٣٢هـ، والشيخ ابن العربي المتوفى سنة ٦٤٠هـ، وأبو الحسن التستري المتوفى سنة ٦٦٨هـ "ص٤١٠ ج١: نفح الطيب". وابن سبعين المتوفى سنة ٦٦٩هـ، ولم ينشأ بعد هؤلاء من يساويهم أو يذكر معهم في طريقة التحقيق؛ على أن أشهر المتأخرين بعدهم الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى سنة ١١٤٣هـ. ولم يكن نظمهم مقصورًا على الشعر وحده، بل كانوا ينظمون في المرشح والزجل أيضًا. ولكن ذلك منهم قليل؛ لأنهم إنما يريدن بالشعر المدارسة والحفظ، وأن يكون من أشعار المذاكرة عندهم وأبيات الطرائف.

стр. 594

الشعر الأخلاقي والمبادئ الاجتماعية: قد عرفت ما نريده من الفرق بين الشعر الحكمي والأخلاقي، فهذا الأخير هو ديوان التجارب، وإن في كتاب القلب صفحتين: واحدة يحفظها التاريخ وينساها الاجتماع، وهي التي تخط عليها تفاصيل الحوادث، والأخرى يحفظها الاجتماع وينساها التاريخ، وهي صفحة الحكمة الأخلاقية التي تستخلص من جملة التاريخ، فهذه هي التي تستملي منها النفس معاني الشعر الأخلاقي دائمًا ولذلك تجد هذا النوع من الشعر كثيرًا عند العرب يصورون فيه أخلاقهم تصويرًا طبيعيا لم تخلق فيه صنعة الكلام شيئًا، ويذكرون حكمتهم المستفادة من التجارب، ويدونون نصائحهم التي هي صفوة تلك الحكمة، وذلك هو الذي سماه أبو تمام في حماسته "باب الأدب". نرى العرب لصفاء فطرتهم وحدة أذهانهم وقوة طباعهم كأنما ينظمون في شعرهم الأخلاقي قضايا الفلسفة التي ذهب في تحقيقها شطر كبير من عمر اجتماع الإنساني، حتى لا تكاد تجد مبدأ من المبادئ الاجتماعية التي قررتها الفلسفة الحديثة إلا ولمثله ذكر في شعر هؤلاء الأعراب، وتأويل ذلك أن هذا الاجتماع الحديث مصنوع لا طبيعي، والفلسفة إنما هي حقائق الطبيعة، فهي تدعو لها أبدًا، ولكون الناس مجتمعين على صورة يجهلون حقيقة ألوانها وأصباغها اختلفوا في الدلالة على ذلك اختلافًا بينًا نشأت منه هذه المذاهب الكثيرة التي ترمي بجملتها إلى غرض واحد، وهو تلوين الصورة الاجتماعية بألوانها التي تصلح لها في الحقيقة حتي تظهر من دقة التناسب وإحكام الملاءمة وسلامة الوضع في صبغ كأنه إلهي؛ فالعرب لما كانوا من صميم البداوة وفي إقليم كأنه بموافقته لنمو العقل أقرب إلى السماء من سواه، كانوا يذكرون الصفات الأخلاقية للفرد والمجتمع فلا يعدون حقيقة الصفة؛ ولو أخذت تلك الصفات اليوم لخرجت عن موضعها إلى أن تكون في اعتبارنا مبادئ؛ لأنها قيلت في حالة طبيعية فكانت صفة تحق، ولما استدار الزمان صارت حقا يوصف؛ خذ مثلًا قول زهير: على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل فمهما أدرت مذهب الاشتراكية، ومهما قلبت آراء علمائه، لا تجد صوابه يخرج عن هذا البيت؛ فلو راعى المكثرون حق من يعتريهم ممن يعملون عندهم ومن هم مادة قوتهم -والحق كلمة جامعة لكل ما يوافق حقيقة المرء- وكذلك لو صار المقلون من أهل السماحة والبذل يتجاوزون عما لا يضر بالحق ولا يريدون من هذا الحق إلا أن يبذلوه في إصلاح أحوالهم حتى لا يأخذهم طمع الإدخار بوهم المزاحمة للمكثرين, لو راعوا ذلك حق مراعاته لبقي أهل المال مهنئين بأموالهم؛ والمقلون مغتبطين بإقلالهم؛ والاشتراكية إنما هي الموصل الذي يشرك هذين الطرفين في الامتزاج بالرضى. ولعل أديبًا أن يستقرئ هذه المعاني في الشعر العربي ويشرحها بالمبادئ الحديثة، فإنه لا يعدم من ذلك كتابًا حكيمًا. وكان الشعراء من العرب أثبت الناس على أخلاقهم التي يصفونها، ولذلك دلت عليهم دلالة

стр. 595

المطابقة، بخلاف الإسلاميين فإنهم مارسوا صفة الأخلاق ومرنوا عليها، حتى تجد للشاعر منهم في الباب الواحد أقوالًا متناقضة، وهم مع ذلك لا يدرسون تلك الأخلاق، بل يتلقون من تجارب غيرهم، ومن الحكمة التي وضحت لهم، ثم يرسلون الشعر في ذلك على أن صنعة دقيقة يستدل بها على لطف الحس وذكاء الفؤاد، ثم لا يعجب من ذلك إلا من يصيب بفطنته موضع الدقة ويقع على مكمن الخاطر، ولذلك لم يكن للشعر الأخلاقي تأثير في الاجتماع الإسلامي، ولم تستمد منه مبادئ ذلك الاجتماع شيئًا؛ لأنهم لم [يداوروا] من السياسة، ولا أرادوا به مكامن الاعتقاد، ولا أجروه مجرى النظر في طبقة من الطبقات؛ وإذا أخرج الكلام على أنه صنعة، نظر فيه الناس على أنهم متفرجون "يقال تفرج بكذا إذا جعل منه لنفسه لهوا". أما من خالف ذلك من الشعراء بعض المخالفة؛ وحاول أن يجعل كلامه في الأخلاق للناس لا لنفسه، وأن يقرر فيه مبادئ قد درسها؛ ويعطيه من مادة التأثير الاجتماعي، كالمعري في بعض ديوانه "اللزوميات" فإنه يطرح ويجفى؛ لأنه لا يؤتى من قبل الناس وفسولة آرائهم، بل من قبل نفسه أيضًا؛ لأن أحدًا من الشعراء في التاريخ الإسلامي كله لم يترك أن يتخذ الشعر [صفة] تأدبًا أو تكسبًا، ولم يقف أحد منهم شعره أو جزءًا منه على مذهب واحد في السياسة أو الاجتماع يتفنن في شرحه والاحتجاج له والاحتيال في تصوير معانيه وإيراد أجزائها على نحو ما يقتضي "لعصره"، بل تراهم يخرجون أشعارهم مخرج الخواطر والسانحات، وهمهم أن يجمعوا فيها أبوابًا من الحكمة وفنونًا من الأخلاق، ثم يتركوا للناس شأن الاختيار، وإطلاق الاختيار وحده كاف في إضعاف كل مذهب؛ لأن من توخى الإقناع توخى به الحمل عليه. وذلك هو شعر المواعظ والنصائح والحكم، وهو كثير، وقد اشتهر به أفراد، كصالح بن عبد القدوس، وأبي الشيص، وغيرهما؛ وتهافت به بعض العلماء حتى وضعوا فيه الكتب المستقلة، كسعد بن ليون التجيبي في القرن الثامن؛ وهو من أشياخ لسان الدين بن الخطيب، فقد نظم في ذلك ثلاثة كتب وأورد في بعضها أشياء لغيره، وقد ساق منها المقري -في "نفح الطيب"- قطعة كبيرة "ص٣٠٢ ج٣". وعندنا أن شعراء الجاهلية لو قدر لهم أن يسخروا الشعر في السياسة والاجتماع الراقي "الديموقراطي" لقلدهم الإسلاميون في ذلك ولبلغوا بهذا النوع مبلغ الكمال، لكن من أين للعرب سياسة الملك ونظام الاجتماع؟ على أنهم مع ذلك لم يهملوا نوعًا من الشعر السياسي، وإن كان قليلًا بينهم لقلة البواعث عليه، كقصيدة لقيط بن يعمر الإيادي التي ينذر بها قومه غزو كسرى إياهم، وكان كاتبًا في ديوانه، ويعلمهم وجه الحزم في تدبير أمرهم وسياسة مجتمعهم واختيار من يلقون إليه المقادة في ذلك، وهي شهيرة متدارسة، وكأبيات سلمة بن خرشب التي أرسل بها إلى سبيع التغلبي في شأن الرهن التي وضعت على يديه في قتال عبس وذبيان، يذكر فيها لسبيع سياسة القضاء وتدبير الحكم، وقد رواها الجاحظ في "البيان" "ج١" ولا بد أن يكون لهم من مثل ذلك أشياء لم تقع إلينا، والله أعلم.

стр. 596

الشعر الهزلي: وهذا النوع آخر ما تبلغ إليه رقة الحضارة من فنون الأدب؛ لأنه إنما يتخصص به أناس لا يبالون أن يغمرهم سواد الحمقى وأهل المجون، وهم يعلمون أنهم شعراء العامة، وأنهم لا يلجون إلى الخاصة إلا من باب الطبع المنسجم، ومن جهة الذهن المتفكه، وإنما قوام أمرهم الحيلة الطريفة والنادرة المعجبة والكلمة المتهالكة، وهذا كله وإن كان محتاجًا إلى ظرف اللسان، وإلى شدة المعارضة، وإلى نبوغ متميز في القريحة إلا أنه لا يقوم عليه شيء من أمر اللغة، فإذا كان فيها لم يزدها، وإذا سقط منها لم ينقصها، ولذلك ترى هذا النوع أكثر ما يكون في الأمم التي هرمت لغتها، كاللاتين واليونان، ومن أشهر نوابغ اليونان فيه: الشاعر تراس، والشاعر مياندر الذي يقال إنه ألف ثمانمائة رواية كلها قصائد مضحكة، وكان قبل الميلاد بثلاثة قرون، وقد عثروا من زمن قريب في إحدى القرى المغمورة في ضفة النيل على أربع قطع له كانت ضحكًا مدفونًا في الأرض من ٢٢٠٠ سنة. ولا جرم أنه لم يكن للعرب شعر هزلي في جاهليتهم، لكنهم مع ذلك لم يدعوا التنادر؛ إذ هو شيء في أصل الفطرة وفي مذاهب المعاني، فجاءوا لذلك في شعرهم بنوع من التهكم يستخف الوقور ويرمي إلى الغاية من سياسة الهزل، فيبقى حسرة ولا يذهب ضحكا، كقول بعضهم: إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد من ذا، كيف أكلك للضب وقول المكعبر الضبي في بني العنبر، وكان قومه أغير عليهم فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم "ص٤٩ ج١: الكامل": وإني لأرجوكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء! يتهكم بهم ويقول: هذا رجاء غير صادق ولا موقوف عليه، كما أن هذه الحوامل لا يعلم ما في بطونها وليس بميئوس منهم. وأكثر ما يكون ذلك عندهم في معاني الهجاء، ولهذا سماه المتأخرون التهكم، والهزل الذي يراد به الجد، وقالوا في الفرق بينهما إن التهكم ظاهرة جد وباطنه هزل، وهو ضد الثاني؛ لأن ظاهره يكون هزلًا وباطنه جد، وقد ورد منه في القرآن قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم﴾ . وقد مر عصر الجاهلية والإسلاميين لا يعدو بهما الشعراء ذلك هزلًا، حتى إذا استبحر الترف وفسدت مرة الاجتماع، وتهالكت طبيعته، جعل الشعراء يتظرفون ويتنادرون ويفتنون في أساليب الهزل؛ لأن ذلك كان سببًا من أسباب معاشهم؛ إذ رأوا الخلفاء والأمراء قد اتخذوا لأنفسهم مقربين ممن يضحكونهم بالنوادر والمجون، شعراء وغير شعراء، كأشعب الطماع، وأبي دلامة الشاعر، وأبي الحسين بن الضحاك المعروف بالخليع المتوفى سنة ٢٥٠هـ، وأبي العبر، وأبي العيناء، ومزيد

стр. 597

وغيرهم؛ ومن هؤلاء نوع يحكون ألفاظ الناس من الأقطار المختلفة مع مخارج حروفهم، لا يغادرون من ذلك شيئًا، ويحكون ألسنة الدواب والبهائم؛ وذكر الجاحظ من مشاهيرهم أبا ربوبة الزنجي مولى آل زياد، وقال إنه يقف بباب الكرخ لحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق ... "ج١: البيان". وليس ذلك عجيبًا في مثل طبقة أبي ربوبة، ولكن العجيب أن يكون مثله في الشعراء الظرفاء؛ فقد ذكر الثعالبي في ترجمة أبي محمد بن زريق الكوفي الكاتب الشاعر أنه كان من عجائب الدنيا في المطايبة والمحاكاة وكان يخدم مجلس الوزير المهلبي، ويحكي شمائل الناس وألسنتهم فيؤديها كما هي، فيعجب الناظر والسامع ويضحك الثكلان "ص١٤٢ ج٢: بتيمة الدهر"؛ وهذا نوع من التمثيل انفرد به اليوم في أوروبا قوم ربما صور الواحد منهم في نفسه العالم مناطق ولهجات وأزياء. وقد يكون من البواعث على الشعر الهزلي والتزام هذا المذهب أن يجد الشاعر نفسه لا يقع مع فحول المعاصرين له في شيء، فيسلك هذا المسلك يتميز به بينهم، كما فعل رأس الشعراء الهزليين ابن الحجاج البغدادي المتوفى سنة ٣٩١هـ، وهو الذي جعلوه بعد ذلك مقياسًا في الشعر الهزلي؛ ويقال إنه في الشعر كامرئ القيس ولم يكن بينهما مثلهما؛ لأن كل واحد منهما مخترع طريقة وكان مع ذلك من كبار شعراء الشيعة، وعاصره أبو حامد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق المتوفى سنة ٣٩٩هـ. قال الثعالبي: هو بالشام كابن حجاج بالعراق، وكما فعل أبو عبد الله محمد الوهراني الكاتب، وقد دخل البلاد المصرية في زمن صلاح الدين فرأى بها القاضي الفاضل، وعماد الدين الأصبهاني، وتلك الحلبة، وعلم من نفسه أنه ليس من طبقتهم، فتنفق عندهم برسائله الهزلية ومقاماته المشهورة، وسنذكرها في موضعها، وتوفي الوهراني سنة ٥٧٥هـ. ويكون من ذلك أيضًا التزام الشاعر مذهبًا واحدًا في الهجاء يريد أن يعرف به ويجعله عرضة ملحه ونوادره، كما فعل ابن سكرة الهاشمي معاصر ابن الحجاج، وكان يقال فيهما: إن زمانًا جاد بابن سكرة وابن الحجاج لسخي جدا، وهو من شعراء المجون والسخف كابن الحجاج، إلا أنه انفرد عنه بهجائه الهزلي في قينة له سوداء يقال لها خمرة، وقد نظم في هجائها عشرة آلاف بيت "ص١٨٩ ج٢: يتيمة الدهر". وكما فعل إسماعيل بن إبراهيم البصري الحمدوني الشاعر في الطيلسان الذي أعطاه إياه أحمد بن حرب، وكان خليعًا، فسير فيه الحمدوني مائتي مقطوع، في كل مقطوع معنى بديع، حتى ذهب طيلسان ابن حرب مثلًا إلى اليوم، وكان الأصل الذي عمل عليه الحمدوني أنه وقف على أبيات عملها أبو حمران السملي في طيلسانه، وكان قد أخلق حتى بلي، فتهافت بمعارضتها وجعل ذلك له طريقة يعرف بها "ص٤٧٣ ج٢: ابن خلكان". ومن ذلك أيضًا أن يهزل الشاعر في تصوير حالة من الفقر أو الضعف أو نحو ذلك من الصفات التي يتباين فيها الناس، فكأنه يرمي إلى انتقاد الخطوط والأقسام، كما فعل أبو الشمقمق في ذكر فقره وفقر بيته من الفئران ومصيبة سنوره من ذلك، وساق الجاحظ بعض أشعاره تلك في "الحيوان" "ص٨٢ ج٥".

стр. 598

وكان عند الأعراب كثير من هذا النوع، وكذلك ترى منه قصائد وقطعًا في شعر المولدين والمتأخرين، وبعضهم خص أكثر شعره بالفحش والتعهر حتى ضربوه مثلًا فنحن نضرب عنه صفحًا. وجاء بعد هؤلاء علي بن عبد الواحد صريع الدلاء وقتيل الغواني المتوفى سنة ٤١٢هـ، فسلك مسلك أبي الرقعمق، ونبز بلقب ذي الرقاعتين، وله مقصورة في الهزل يعارض بها مقصورة ابن دريد المشهورة، وابن الهبارية الملقب بنظام الدين البغدادي المتوفى سنة ٥٤٠هـ، قال العماد الكاتب في "الخريدة": إنه غلب على شعره الهجاء والهزل والسخف، وسبك في قالب ابن الحجاج وسلك أسلوبه وفاقه في الخلاعة، قال: والنظيف من شعره.... في غاية الحسن، ثم كان بعده الشاعر المتصرف في أكثر فنون الهزل أبو الحكم الباهلي الأندلسي المتوفى بدمشق سنة ٥٤٩هـ، قال المقري: وكان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة، وله ديوان شعر سماه "نهج الرضاعة لأولى الخلاعة"، ذكر فيه جملة شعراء كانوا بمدينة دمشق كطالب الصوري، ونصر الهيثمي وغيرهما.... ورثى فيه أنواعًا من الدواب ومن الأثاث وخلقًا من المغنين والأطراف، قال: وشرح هذا الديوان ابنه الحكيم الفاضل أبو المجد محمد بن أبي الحكم الملقب بأفضل الدولة "ص١٧ ج٢: نفح الطيب" فانظر ما عسى أن يكون هذا الشرح؟ ولأبي الحكم هذا مقصورة هزلية عارض بها مقصورة ابن دريد أيضًا، ومثل هذه المعارضة كثيرة للقصائد المعروفة يتعلق عليها أهل الظرف والملح، وقد رأيت شاعرًا من شعراء الحلبة التي سبقت وقتنا هذا وغاب عني اسمه، تناوله ألفية ابن مالك فقلبها كلها تطفلًا ونقل ما فيها من أحكام اللسان على الأضراس والأسنان، وكان يفتخر دائمًا بهذا الطبخ! وأورد المقري أيضًا قصيدة من هزل الأندلسيين ومجونهم قال إنها منسوبة لأبي عبد الله بن الأزرق وقد ذكر فيها صوت الصفع وصوت الضحك، كما هو، على نحو ما صورت العرب أصوات الأشياء كقولهم: "جرت الخيل فقالت حبطقطق" ونحو ذلك، والقصيدة متشعبة الفنون "ص١٩٣ ج٢: نفح الطيب". ثم نبغ محمد بن دانيال الموصلي الحكيم المتوفى بمصر سنة ٦٠٨هـ قال فيه الصفدي: هو ابن حجاج عصره، وابن سكرة مصره، وله غرائب يتناقلها المصريون عنه من النكت والنوادر؛ وتقي الدين بن العربي المتوفى سنة ٦٨٤هـ وهو صاحب القصيدة الدبدبية الشهيرة التي جمعت فنونًا من الهزل، وقد ذكرها العاملي في "الكشكول". وبالجملة فقلما تجد شاعرًا قد نضجت قريحته ونفذ خاطره في أسرار الأشياء إلا وله في مطارح نظره شيء من الضحك يخرج تهكمًا واستهزاء، فكأنما تكشف له الطبيعة عن حقيقة تركيبها على ما خلقها الله، فكلما قارن بها هذا الوضع الاجتماعي المصنوع رأى تركيبًا مضحكًا؛ ولولا ذلك لمحقت مادة الانتقاد، والانتقاد قوة إلهية في قريحة الشعراء؛ فإذا أردنا بهزل القرائح هذا المعنى الجدي فالشاعر الذي لا يكون فيه هذه القوة يشبه أن يكون على نقص تركيبه في نظر الحكيم المتأمل، كائنًا من الكائنات المضحكة أيضًا. أما إذا أردنا المعنى العام وهو التطرف في الانتقاد بمقدار ما يتطرف المتبسم إلى القهقهة أو

стр. 599

المجون، والسخف أو العمل في صناعة الضحك وتركيبه في النوادر والملح حتى تكون قابلة للانفجار ضحكًا.... فذلك الذي جئنا بمساقه، وهو عند العرب كما علمت كثير في جهتي المجون والانتقاد، قليل في جهة المطايبة والإضحاك، لاستغنائهم عنه بالنوادر، ولمخالفته فطرة الشعر فيهم.

стр. 600

الشعر القصصي: المراد بهذا النوع ما يسميه الإفرنج epic، وهو عندهم ما تروى فيه الوقائع والحوادث على طريقة الشعر، ما لا يخلو من الغلو والإطراء، حتى يتميز عن التاريخ البحت؛ والنظم فيه قديم في الأمم التي اغتذى خيالها بالدين والعادات كالمهابهاراتا عند الهنود، والأوديسا عند اليونان، والإنياذا عند الرومان، وكذلك نظمت فيه شعراء الأمم المتأخرة كالفرنسيين والألمان والطليان والإنكليز، وعندهم في ذلك الملاحم المأثورة "ذكرت هذه اللفظة في باب الشعر الحكمي، وقد استعملها الجاحظ في الحوادث والوقائع التي يتضمنها الشعر، ثم نقلها أدباء المغاربة لما يقارب في المنظوم العامي معنى الشعر القصصي". وللفرس والترك في تاريخهم الإسلامي منظومات من هذا النوع، أشهرها شاهنامة الفردوسي، وشاهنامة الشاعر التركي الملقب بالفردوسي الطويل، قال في "كشف الظنون": إنه نظمها في مليون وستمائة ألف بيت، وكتبها في ٣٣٠ مجلدًا، فلما عرضت على السلطان بايزيد العثماني أمر بانتخاب ثمانين مجلدًا وإحراق الباقي، فترك المؤلف بلاد الروم وذهب إلى خراسان فمات فيها كمدًا. وفي كل ذلك شرح طويل لا موضع لبسطه هنا، ونحن إنما نتكلم عن العرب خاصة، ولقد حار المتأخرون الذين كتبوا في تاريخهم وآدابهم عندما ألموا بذكر هذا النوع والتمسوه في أشعارهم ثم قطع بهم دونه, كيف يعللون ذلك وكيف يتأولونه؛ فمنهم من زعم أن العرب نظموا فيه كثيرًا وضاع ما نظموه، فلم يبق لعهد التدوين والرواية إلا القليل مما ذكرت فيه أخبار الحروب؛ ومنهم من رجع إلى أبعد من ذلك وتعلق بذنب التاريخ فزعم أن سفر أيوب في التوراة ليس إلا منظومة غربية نقلت إلى العبرانية ولحق أصلها بدفائن العدم، والكلام في هذا المعنى لا يحمل على التاريخ، فإن حمل عليه خطا به إلى الخطأ؛ لأننا لا نتصور أن العرب خلقوا من فطرتهم شعراء ينحتون الأوزان ويؤلفون الكلام على هذا النحو الذي وصل إلينا، بل ذلك شيء أوجدته الحاجة إليه في عصر يعينه تأريخ الاجتماع كما أشرنا إليه من قبل، ولو ذهب عنا تاريخ الأندلس مثلًا ثم رأينا بعض الموشحات أكنا نزعم أن ذلك النمط قديم في عرب الجاهلية ونغفل دلالة اللغة التي نظمت بها الموشحات وحالة الاجتماع التي تشير إليها؟ ثم إن الرواة الموثوق بهم والعلماء "المفتشين" كالجاحظ وغيره يقطعون على الجزم بأنه لم يضع من شعر الجاهلية منذ جودوه على كثرة القبائل، ولا من أرجازهم، شيء كثير؛ والجاحظ يكرر هذا المعنى في مواضع من كتاب "الحيوان"، والتكرار أبلغ في التوكيد، فلو كان في طبيعة اللغة وحالة الاجتماع ما يدعو إلى نظم الوقائع الكبرى لما أغفلوه ولا ذهب عن الرواة خبره؛ وفي أيدينا أثر مما يشبه ذلك وهو قاطع في الدلالة التاريخية التي تؤخذ منه على أنه قائم بنفسه وأنه نوع صحيح الكفاية لا تدعو الحاجة لأكثر منه، والحاجة دائمًا أم الاختراع، وهذا هو الذي خصصناه بالكلام.
следующие страницы →