← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الشعر الهزلي: وهذا النوع آخر ما تبلغ إليه رقة الحضارة من فنون الأدب؛ لأنه إنما يتخصص به أناس لا يبالون أن يغمرهم سواد الحمقى وأهل المجون، وهم يعلمون أنهم شعراء العامة، وأنهم لا يلجون إلى الخاصة إلا من باب الطبع المنسجم، ومن جهة الذهن المتفكه، وإنما قوام أمرهم الحيلة الطريفة والنادرة المعجبة والكلمة المتهالكة، وهذا كله وإن كان محتاجًا إلى ظرف اللسان، وإلى شدة المعارضة، وإلى نبوغ متميز في القريحة إلا أنه لا يقوم عليه شيء من أمر اللغة، فإذا كان فيها لم يزدها، وإذا سقط منها لم ينقصها، ولذلك ترى هذا النوع أكثر ما يكون في الأمم التي هرمت لغتها، كاللاتين واليونان، ومن أشهر نوابغ اليونان فيه: الشاعر تراس، والشاعر مياندر الذي يقال إنه ألف ثمانمائة رواية كلها قصائد مضحكة، وكان قبل الميلاد بثلاثة قرون، وقد عثروا من زمن قريب في إحدى القرى المغمورة في ضفة النيل على أربع قطع له كانت ضحكًا مدفونًا في الأرض من ٢٢٠٠ سنة. ولا جرم أنه لم يكن للعرب شعر هزلي في جاهليتهم، لكنهم مع ذلك لم يدعوا التنادر؛ إذ هو شيء في أصل الفطرة وفي مذاهب المعاني، فجاءوا لذلك في شعرهم بنوع من التهكم يستخف الوقور ويرمي إلى الغاية من سياسة الهزل، فيبقى حسرة ولا يذهب ضحكا، كقول بعضهم: إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد من ذا، كيف أكلك للضب وقول المكعبر الضبي في بني العنبر، وكان قومه أغير عليهم فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم "ص٤٩ ج١: الكامل": وإني لأرجوكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء! يتهكم بهم ويقول: هذا رجاء غير صادق ولا موقوف عليه، كما أن هذه الحوامل لا يعلم ما في بطونها وليس بميئوس منهم. وأكثر ما يكون ذلك عندهم في معاني الهجاء، ولهذا سماه المتأخرون التهكم، والهزل الذي يراد به الجد، وقالوا في الفرق بينهما إن التهكم ظاهرة جد وباطنه هزل، وهو ضد الثاني؛ لأن ظاهره يكون هزلًا وباطنه جد، وقد ورد منه في القرآن قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم﴾ . وقد مر عصر الجاهلية والإسلاميين لا يعدو بهما الشعراء ذلك هزلًا، حتى إذا استبحر الترف وفسدت مرة الاجتماع، وتهالكت طبيعته، جعل الشعراء يتظرفون ويتنادرون ويفتنون في أساليب الهزل؛ لأن ذلك كان سببًا من أسباب معاشهم؛ إذ رأوا الخلفاء والأمراء قد اتخذوا لأنفسهم مقربين ممن يضحكونهم بالنوادر والمجون، شعراء وغير شعراء، كأشعب الطماع، وأبي دلامة الشاعر، وأبي الحسين بن الضحاك المعروف بالخليع المتوفى سنة ٢٥٠هـ، وأبي العبر، وأبي العيناء، ومزيد

стр. 597

وغيرهم؛ ومن هؤلاء نوع يحكون ألفاظ الناس من الأقطار المختلفة مع مخارج حروفهم، لا يغادرون من ذلك شيئًا، ويحكون ألسنة الدواب والبهائم؛ وذكر الجاحظ من مشاهيرهم أبا ربوبة الزنجي مولى آل زياد، وقال إنه يقف بباب الكرخ لحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق ... "ج١: البيان". وليس ذلك عجيبًا في مثل طبقة أبي ربوبة، ولكن العجيب أن يكون مثله في الشعراء الظرفاء؛ فقد ذكر الثعالبي في ترجمة أبي محمد بن زريق الكوفي الكاتب الشاعر أنه كان من عجائب الدنيا في المطايبة والمحاكاة وكان يخدم مجلس الوزير المهلبي، ويحكي شمائل الناس وألسنتهم فيؤديها كما هي، فيعجب الناظر والسامع ويضحك الثكلان "ص١٤٢ ج٢: بتيمة الدهر"؛ وهذا نوع من التمثيل انفرد به اليوم في أوروبا قوم ربما صور الواحد منهم في نفسه العالم مناطق ولهجات وأزياء. وقد يكون من البواعث على الشعر الهزلي والتزام هذا المذهب أن يجد الشاعر نفسه لا يقع مع فحول المعاصرين له في شيء، فيسلك هذا المسلك يتميز به بينهم، كما فعل رأس الشعراء الهزليين ابن الحجاج البغدادي المتوفى سنة ٣٩١هـ، وهو الذي جعلوه بعد ذلك مقياسًا في الشعر الهزلي؛ ويقال إنه في الشعر كامرئ القيس ولم يكن بينهما مثلهما؛ لأن كل واحد منهما مخترع طريقة وكان مع ذلك من كبار شعراء الشيعة، وعاصره أبو حامد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق المتوفى سنة ٣٩٩هـ. قال الثعالبي: هو بالشام كابن حجاج بالعراق، وكما فعل أبو عبد الله محمد الوهراني الكاتب، وقد دخل البلاد المصرية في زمن صلاح الدين فرأى بها القاضي الفاضل، وعماد الدين الأصبهاني، وتلك الحلبة، وعلم من نفسه أنه ليس من طبقتهم، فتنفق عندهم برسائله الهزلية ومقاماته المشهورة، وسنذكرها في موضعها، وتوفي الوهراني سنة ٥٧٥هـ. ويكون من ذلك أيضًا التزام الشاعر مذهبًا واحدًا في الهجاء يريد أن يعرف به ويجعله عرضة ملحه ونوادره، كما فعل ابن سكرة الهاشمي معاصر ابن الحجاج، وكان يقال فيهما: إن زمانًا جاد بابن سكرة وابن الحجاج لسخي جدا، وهو من شعراء المجون والسخف كابن الحجاج، إلا أنه انفرد عنه بهجائه الهزلي في قينة له سوداء يقال لها خمرة، وقد نظم في هجائها عشرة آلاف بيت "ص١٨٩ ج٢: يتيمة الدهر". وكما فعل إسماعيل بن إبراهيم البصري الحمدوني الشاعر في الطيلسان الذي أعطاه إياه أحمد بن حرب، وكان خليعًا، فسير فيه الحمدوني مائتي مقطوع، في كل مقطوع معنى بديع، حتى ذهب طيلسان ابن حرب مثلًا إلى اليوم، وكان الأصل الذي عمل عليه الحمدوني أنه وقف على أبيات عملها أبو حمران السملي في طيلسانه، وكان قد أخلق حتى بلي، فتهافت بمعارضتها وجعل ذلك له طريقة يعرف بها "ص٤٧٣ ج٢: ابن خلكان". ومن ذلك أيضًا أن يهزل الشاعر في تصوير حالة من الفقر أو الضعف أو نحو ذلك من الصفات التي يتباين فيها الناس، فكأنه يرمي إلى انتقاد الخطوط والأقسام، كما فعل أبو الشمقمق في ذكر فقره وفقر بيته من الفئران ومصيبة سنوره من ذلك، وساق الجاحظ بعض أشعاره تلك في "الحيوان" "ص٨٢ ج٥".

стр. 598

وكان عند الأعراب كثير من هذا النوع، وكذلك ترى منه قصائد وقطعًا في شعر المولدين والمتأخرين، وبعضهم خص أكثر شعره بالفحش والتعهر حتى ضربوه مثلًا فنحن نضرب عنه صفحًا. وجاء بعد هؤلاء علي بن عبد الواحد صريع الدلاء وقتيل الغواني المتوفى سنة ٤١٢هـ، فسلك مسلك أبي الرقعمق، ونبز بلقب ذي الرقاعتين، وله مقصورة في الهزل يعارض بها مقصورة ابن دريد المشهورة، وابن الهبارية الملقب بنظام الدين البغدادي المتوفى سنة ٥٤٠هـ، قال العماد الكاتب في "الخريدة": إنه غلب على شعره الهجاء والهزل والسخف، وسبك في قالب ابن الحجاج وسلك أسلوبه وفاقه في الخلاعة، قال: والنظيف من شعره.... في غاية الحسن، ثم كان بعده الشاعر المتصرف في أكثر فنون الهزل أبو الحكم الباهلي الأندلسي المتوفى بدمشق سنة ٥٤٩هـ، قال المقري: وكان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة، وله ديوان شعر سماه "نهج الرضاعة لأولى الخلاعة"، ذكر فيه جملة شعراء كانوا بمدينة دمشق كطالب الصوري، ونصر الهيثمي وغيرهما.... ورثى فيه أنواعًا من الدواب ومن الأثاث وخلقًا من المغنين والأطراف، قال: وشرح هذا الديوان ابنه الحكيم الفاضل أبو المجد محمد بن أبي الحكم الملقب بأفضل الدولة "ص١٧ ج٢: نفح الطيب" فانظر ما عسى أن يكون هذا الشرح؟ ولأبي الحكم هذا مقصورة هزلية عارض بها مقصورة ابن دريد أيضًا، ومثل هذه المعارضة كثيرة للقصائد المعروفة يتعلق عليها أهل الظرف والملح، وقد رأيت شاعرًا من شعراء الحلبة التي سبقت وقتنا هذا وغاب عني اسمه، تناوله ألفية ابن مالك فقلبها كلها تطفلًا ونقل ما فيها من أحكام اللسان على الأضراس والأسنان، وكان يفتخر دائمًا بهذا الطبخ! وأورد المقري أيضًا قصيدة من هزل الأندلسيين ومجونهم قال إنها منسوبة لأبي عبد الله بن الأزرق وقد ذكر فيها صوت الصفع وصوت الضحك، كما هو، على نحو ما صورت العرب أصوات الأشياء كقولهم: "جرت الخيل فقالت حبطقطق" ونحو ذلك، والقصيدة متشعبة الفنون "ص١٩٣ ج٢: نفح الطيب". ثم نبغ محمد بن دانيال الموصلي الحكيم المتوفى بمصر سنة ٦٠٨هـ قال فيه الصفدي: هو ابن حجاج عصره، وابن سكرة مصره، وله غرائب يتناقلها المصريون عنه من النكت والنوادر؛ وتقي الدين بن العربي المتوفى سنة ٦٨٤هـ وهو صاحب القصيدة الدبدبية الشهيرة التي جمعت فنونًا من الهزل، وقد ذكرها العاملي في "الكشكول". وبالجملة فقلما تجد شاعرًا قد نضجت قريحته ونفذ خاطره في أسرار الأشياء إلا وله في مطارح نظره شيء من الضحك يخرج تهكمًا واستهزاء، فكأنما تكشف له الطبيعة عن حقيقة تركيبها على ما خلقها الله، فكلما قارن بها هذا الوضع الاجتماعي المصنوع رأى تركيبًا مضحكًا؛ ولولا ذلك لمحقت مادة الانتقاد، والانتقاد قوة إلهية في قريحة الشعراء؛ فإذا أردنا بهزل القرائح هذا المعنى الجدي فالشاعر الذي لا يكون فيه هذه القوة يشبه أن يكون على نقص تركيبه في نظر الحكيم المتأمل، كائنًا من الكائنات المضحكة أيضًا. أما إذا أردنا المعنى العام وهو التطرف في الانتقاد بمقدار ما يتطرف المتبسم إلى القهقهة أو

стр. 599

المجون، والسخف أو العمل في صناعة الضحك وتركيبه في النوادر والملح حتى تكون قابلة للانفجار ضحكًا.... فذلك الذي جئنا بمساقه، وهو عند العرب كما علمت كثير في جهتي المجون والانتقاد، قليل في جهة المطايبة والإضحاك، لاستغنائهم عنه بالنوادر، ولمخالفته فطرة الشعر فيهم.

стр. 600

الشعر القصصي: المراد بهذا النوع ما يسميه الإفرنج epic، وهو عندهم ما تروى فيه الوقائع والحوادث على طريقة الشعر، ما لا يخلو من الغلو والإطراء، حتى يتميز عن التاريخ البحت؛ والنظم فيه قديم في الأمم التي اغتذى خيالها بالدين والعادات كالمهابهاراتا عند الهنود، والأوديسا عند اليونان، والإنياذا عند الرومان، وكذلك نظمت فيه شعراء الأمم المتأخرة كالفرنسيين والألمان والطليان والإنكليز، وعندهم في ذلك الملاحم المأثورة "ذكرت هذه اللفظة في باب الشعر الحكمي، وقد استعملها الجاحظ في الحوادث والوقائع التي يتضمنها الشعر، ثم نقلها أدباء المغاربة لما يقارب في المنظوم العامي معنى الشعر القصصي". وللفرس والترك في تاريخهم الإسلامي منظومات من هذا النوع، أشهرها شاهنامة الفردوسي، وشاهنامة الشاعر التركي الملقب بالفردوسي الطويل، قال في "كشف الظنون": إنه نظمها في مليون وستمائة ألف بيت، وكتبها في ٣٣٠ مجلدًا، فلما عرضت على السلطان بايزيد العثماني أمر بانتخاب ثمانين مجلدًا وإحراق الباقي، فترك المؤلف بلاد الروم وذهب إلى خراسان فمات فيها كمدًا. وفي كل ذلك شرح طويل لا موضع لبسطه هنا، ونحن إنما نتكلم عن العرب خاصة، ولقد حار المتأخرون الذين كتبوا في تاريخهم وآدابهم عندما ألموا بذكر هذا النوع والتمسوه في أشعارهم ثم قطع بهم دونه, كيف يعللون ذلك وكيف يتأولونه؛ فمنهم من زعم أن العرب نظموا فيه كثيرًا وضاع ما نظموه، فلم يبق لعهد التدوين والرواية إلا القليل مما ذكرت فيه أخبار الحروب؛ ومنهم من رجع إلى أبعد من ذلك وتعلق بذنب التاريخ فزعم أن سفر أيوب في التوراة ليس إلا منظومة غربية نقلت إلى العبرانية ولحق أصلها بدفائن العدم، والكلام في هذا المعنى لا يحمل على التاريخ، فإن حمل عليه خطا به إلى الخطأ؛ لأننا لا نتصور أن العرب خلقوا من فطرتهم شعراء ينحتون الأوزان ويؤلفون الكلام على هذا النحو الذي وصل إلينا، بل ذلك شيء أوجدته الحاجة إليه في عصر يعينه تأريخ الاجتماع كما أشرنا إليه من قبل، ولو ذهب عنا تاريخ الأندلس مثلًا ثم رأينا بعض الموشحات أكنا نزعم أن ذلك النمط قديم في عرب الجاهلية ونغفل دلالة اللغة التي نظمت بها الموشحات وحالة الاجتماع التي تشير إليها؟ ثم إن الرواة الموثوق بهم والعلماء "المفتشين" كالجاحظ وغيره يقطعون على الجزم بأنه لم يضع من شعر الجاهلية منذ جودوه على كثرة القبائل، ولا من أرجازهم، شيء كثير؛ والجاحظ يكرر هذا المعنى في مواضع من كتاب "الحيوان"، والتكرار أبلغ في التوكيد، فلو كان في طبيعة اللغة وحالة الاجتماع ما يدعو إلى نظم الوقائع الكبرى لما أغفلوه ولا ذهب عن الرواة خبره؛ وفي أيدينا أثر مما يشبه ذلك وهو قاطع في الدلالة التاريخية التي تؤخذ منه على أنه قائم بنفسه وأنه نوع صحيح الكفاية لا تدعو الحاجة لأكثر منه، والحاجة دائمًا أم الاختراع، وهذا هو الذي خصصناه بالكلام.

стр. 601

إذا كان الغرض من الشعر القصصي ما يجمع من التاريخ ويحفظ من الأخبار، فذلك موجود في أشعارهم، ولكنهم لم يطيلوها إطالة الإلياذة وغيرها؛ لأن ذلك يقتضي له عمل من النظم وضرب من التأليف المقصود لا يتم حسنه لا بالتنسيق وسياسة الألفاظ واستكراه المعاني واقتسارها، ثم إحكام اللحمة بين فصل وفصل بين قطعة وقطعة، ثم تحكيك الألفاظ وتصفية الأسلوب واستيفاء صنعة التأليف، ولا يكون ذلك جميعه إلا بالصبر والمطاولة ورصد الأوقات التي تكون أجم للنشاط وأصفى للخواطر؛ ولو أن في العرب من انقطع لهذا العمل لهجنوا صنيعه ورموه بالعي ولتركوه مثلًا وآية؛ لأن الشعر فيهم عند أسبابه التي ذكرناها فيما تقدم، وتأريخ البديهة والروية معروف أجمع عليه الرواة، ولم يسقط بعد طبقة المصنعين -كزهير والنابغة- شيء من الشعر، وهذا النوع لا يتفق على الارتجال أبدًا ولا بد فيه من الصنعة، فلو كان مما تدعو إليه الحاجة لقاله مثل زهير والنابغة، ولكنهم لم يقولوه بإجماع الرواة، فدل ذلك على أنه ليس من حاجة اجتماعهم. ووجه آخر، وهو أن العرب لا يطيلون أشعارهم إلا في المواقف وفي أيام الحفل، كما فعل الحارث بن حلزة في طويلته، وهي أقرب دليل على الشعر القصصي ومنزلته وأسبابه عندهم، وسيأتي الكلام عن سببها في موضعه؛ ثم إن طبيعة لغتهم تأبى الإطالة إلى أكثر مما تبعث عليه حاجة المفاخرة والمقارعة؛ [لأن] البلاغة فيها مبنية على الحذف أو الإشارة والإيجاز والاكتفاء من المعنى باللمحة الدالة ومن القصة بالمثل المعروف، ثقة بفهم بعضهم عن بعض، ثم هم إنما يتفاخرون [على هذه السنة] وبهذه البلاغة، فلو أنهم ابتلوا بمفاخرة اليونان أو الرومان مثلًا لاحتالوا في نوع آخر من الشعر يبسطون فيه اللغة ويمدون معاني الخطاب؛ لأن مفاخرة القبيلة للقبيلة إنما تكون بمعاني من تاريخ الاثنتين، ولكن مفاخرة أمة لأمة لا تكون إلا بتاريخ كلتيهما دون بعض معانيه، كما فعل الشعوبية والعرب، ومن تدبر طرق الخطاب التي جاء بها القرآن وهو أبلغ ما يمكن أن تصل إليه العربية، وجده يوجز في مخاطبة العرب ويكتفي بأيسر إشارة وأدنى لمحة، فإذا خاطب اليهود بسط الكلام وفرع منه وكرر بعض المعاني بزيادة في بعضها عن بعض، فكذلك كان يفعل العرب. وإذا كان الغرض من الشعر القصصي ما يحمله من الخرافات أو القصص الموضوعة، فهذا أيضًا قد نظم فيه العرب، ولكنهم لم يفردوه بالقصائد ولم يطيلوه إطالة بالغة، لذهاب معنى التقديس من عقائدهم وعاداتهم، فليس لهم آلهة ولا أنصاف آلهة ولا أساطير من هذا القبيل على نحو ما كان عند الهنود واليونان والرومان، وإنما كانوا يتناقلون من ذلك أشياء تناسب طبيعتهم ومذهبهم الاجتماعي، كالقصص الموضوعة على ألسنة الحيونات والجمادات وبعض الخرافات المادية، فهذه كلها نظموها في شعرهم على طريقة المثل كما فعل اليونان، لا على طريقة التاريخ كما سنبينه. يخرج من ذلك أن الشعر القصصي -بالمعنى المصطلح عليه- لم يكن في طبيعة العرب ولا هو من مقتضيات اجتماعهم، فهم لم ينظموه في جاهليتهم قطعًا، ولم ينظمه من بعدهم لوقوفهم عند حد التقليد كما أشرنا إليه مرارًا فيما سبق، أما ما كان من ذلك عند الجاهليين والإسلاميين فنحن ذاكروه فيما يلي:

стр. 602

قد تتبعنا أشعارهم وتقصصناها في دواوينهم ودرسنا أكثر ما استخرجه العلماء، ومنها شواهد وأمثلة على الأخبار والعلوم، ثم اعتبرنا ذلك وتدبرناه فلم نرهم يقصون في شعرهم إلا في مواضع معدودة. أولًا: إذا كانت القصة ترمي إلى خلق من الأخلاق، كالوفاء والغدر والحفيظة ونحوها، فتكون صبغًا من أصباغ الشعر يعطيه لونًا ثابتًا من ألوان الحفيظة التي يرمى الشاعر إلى تأييدها، ولا أثبت في ذلك من لون التاريخ؛ ومن هذا النوع قصص الحارث بن حلزة في طويلته. وقد يكون في القصة من هذا النوع مواضع تصلح أن تبنى عليها المعاني الكثيرة في الأخلاق فيتجاوزونها ويختصرون القصة بضرب من الإشارة إليها، ثقة بالفهم عنهم، كأنهم يريدون أن يجعلوا القصة كلها معنى واحدًا من معاني الشعر، كقول جابر بن حني التغلبي: "ص٤٢ ج٣: الحيوان". ولسنا كأقوام قريب محلهم ... ولسنا كمن يرضيكم بالتملق فسائل شرحبيلًا بنا ومحلما ... غداة نكر الخيل في كل خندق لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق فقام ابن كلثوم إلى السيف مغضبًا ... فأمسك من ندمانه بالمخنق وعممه عمدًا على السيف ضربة ... بذي شطب صافي الحديدة مخفق والقصة مشهورة وهي من مفاخر العرب*؛ فكأن جابرًا يقول: أنا وإياك فيما تريده من التملق كابن كلثوم فيما أراده عمرو بن هند، فجعل القصة معنى من معاني شعره واقتصر منها على ما يؤدي غرضه، فذكر الباغي والمبغي عليه وعاقبة البغي؛ وترك ما وراء ذلك للأسماء التي تنبه إليه الذاكرة. ثانيًا: إذا كانت القصة ذريعة لجلاء صفة من الصفات التي يريدون تحقيقها، فإنها حينئذ تكون ضربًا من التمثيل الذي يقرب الحقيقة ويكشفها للعقل، كأبيات النابغة في بعض اعتذاره للنعمان "ص ٦٧ جد٣: الحيوان": واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد يحفه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد فإن ظاهرها يؤدي معنى من القصص، ولكن باطنها يؤدي إلى غرض لا حيلة في إبرازه بغير هذا الوضع، فإنه أراد أن يصور للنعمان اضطراب أمره، وأن ذنبه مظنة الخطأ في الحكم لما فيه مما يثير الحمية ويهيج الكبرياء، ثم يستنزله إلى العفو والصفح والنظر فيما أتاه بالعقل لا بالقلب، وأن ذلك أحمد له وأليق بموضعه من الفضل والتمكن، فصور له هذه الفتاة تحزر طيرًا، والطير أخف من غيره،

стр. 603

ثم جعله حمامًا، والحمام أسرع الطير، ثم جعله كثيرًا؛ لأنه يكون أكثر اجتهادًا في السرعة إذا كثر عدده، وذلك أنه يشتد طيرانه عند المسابقة والمنافسة، ثم لم يرض بذلك حتى جاء بما يدعو إلى منتهى السرعة الممكنة فقال: "يحفه جانبًا نيق ويتبعه" ، وذلك أن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتسع عليه الفضاء، فشدد الأمر وضيقه على الفتاة كما ترى، بما يقيم لها ألف عذر إن اخطأت في الحساب، ثم لم يكفه أن يذكر مع ذلك أنها أصابت، بل جعل إصابتها مثلًا في الفطنة، إذ عبرت في تلك الحالة عن تسع وتسعين بمجموع ونصفه أي: ٦٦ و٣٣ فهذه غاية البيان، وإذا لم تكن القصة من وضع النابغة وكانت صحيحة النسبة إلى زرقاء اليمامة، فلا شك عندنا في أن النابغة قصد منها هذا التصوير بعينه، لا عجب مع هذا أن يكون من أهل الصنعة والتنقيح. ولا يشترط أن تكون القصة في هذا النوع تاريخية، بل ربما وضعها الشاعر كقول بعضهم في صفة صائد يعنيه بقصة معيشته وحياته، والضمير في البيت الأول راجع للصيد: أتيح له طلح أذاه بكفه ... خنوف وأشباه تخيرن من حجر أبو صبية لا يستدر إذا شتا ... لقوحًا ولا عنزًا، وليس بذي وفر له زوجة شمطاء يدرج حولها ... فطيم تناجيه، وآخر في الحجر "الأبيات ص١٤٠ ج٤: الحيوان" فقد بالغ في صفة هذا الصائد بالتوحش والقوة وحسن الإصابة، وذكر كل ما يدل على انفراده بالكدح، ليكون أقوى له وأبلغ في الاعتماد؛ إذ زوجته شمطاء، وأولاده فطيم وآخر في الحجر، ثم وصف انفراد قلبه كذلك بما شوه من عجوزه، حتى لا يكون فيه موضع للرقة على الحيوان، وليس يتعين أن يكون هذا الصائد كذلك، ولكن صفة الرمية النافذة اقتضت هذه القصة. ثالثًا: إذا كانت القصة خرافة من الخرافات، فيضربونها مثلًا لتوكيد الحقيقة، وأكثر ما يكون ذلك في الخرافات الموضوعة على ألسنة الحيوان، وهي شائعة في الأعراب، ومثلها في كل أمة، ولها في أكثر الأمم شعراء يتفردون بها، وأشهرهم في المتأخرين لافونتين الشاعر الفرنسي، ومن هذا النوع قول النابغة في هذا المثل البديع: أليس لنا مولى يحب سراحنا ... فيعذرنا من مرة المتناصره "الأبيات في خرافة الحية وحليفها ص٦٨ ج٤: الحيوان، وص١١: حسن التوسل". وقول الهذلي: وإخال إن أخاكم رعنانة ... إذ جاءكم بتعطف وسكون "الأبيات في خرافة النعامة التي ذهبت تطلب أذنين فعادت صلماء، ص١٠٧ ج٤: الحيوان". وقوله ابن هرمة في خرافة الضب والضفدع: ألم تأرق لضوء البر ... ق في أسحم لماح "الأبيات ص٣٨ ج٦: الحيوان"

стр. 604

ومن أراد أن يقف على بعض خرافات الأعراب فعليه بقصيدة الحكم بن عمرو البهراني، وكان أتى بني العنبر بالبادية فنفوه إلى الحاضرة، فجعل يتفقه ويفتي فتيا الأعراب، وكان مكفوفًا دهريا، وقصيدته كلها ظريف غريب، وكلها باطل، والأعراب تؤمن بها أجمع، وقد رواها الجاحظ في "الحيوان" "ص٢٤ ج٦" وشرحها شرحًا مطولًا. وقد وقفنا على نوع غريب من الشعر القصصي كنا نظن أن العرب لم يقولوا فيه، وذلك محاورة الحيوان ومساءلته، في نظم قائم بنفسه وعلى نمط فات المتأخرين الذين عربوا مثل هذا الشعر عن اليونان والفرنسيين وغيرهم، فإنهم ينظمون ذلك شعرًا مزاوجًا من الرجز، يستقل كل بيت منه بقافيتين، ولكن هذا الشاعر أطلق القوافي في رجزه، فهو يغيرها عند انتقاله من معنى لمعنى مباين؛ ولا جرم أن الشعر القصصي لو نظم على هذا النحو لأمكن منه ما ظنه الأدباء غير ممكن، أما الأرجوزة فهي عن أبي زياد الكلابي، قال: أكلت الضبع شاة رجل من الأعراب، فجعل يخاطبها ويقول: ما أنا يا جعار من خطابك ... علي دق العصل من أنيابك "الأبيات ص١٥١ ج٦: الحيوان" أما الأساطير الدينية فليس في العرب من يتعمل لنظمها غير أمية بن أبي الصلت، لما مر من شأنه في باب الشعر الحكمي، وله من ذلك أشياء مروية، كقصة سفينة نوح، وقصة الحمامة التي بعثها ترتاد في الأرض موضعًا يكون مرفأ للسفينة بعد أن بعث الغراب فوقع على جيفة ونحو ذلك؛ ومما نظم أمية من خرافات الأعراب خرافة الغراب والديك التي يقولون فيها إن الديك كان نديمًا للغراب، وإنهما شربا الخمر عند حمار ولم يعطياه شيئًا، وذهب الغراب ليأتيه بالثمن ورهن الديك، فخاس به ولم يرجع، ولذلك ذهب الغراب مطلقًا في الأرض وبقي الديك محبوسًا عند الناس؛ ولكن نظم أمية في هذه المعاني لا يرمي إلى شيء غير معنى القصص، كأنه لا يريد من الشعر إلا أن يكون دليلًا على علمه وترشحه للأمر الذي يحدث به نفسه كما سبق. وقد نظم بعض المولدين في الشعر القصصي بما يقارب المعنى المصطلح عليه. من ذلك قصيدة محمد بن عبد العزيز السوسي من شعراء "اليتيمة"؛ قال الثعالبي فيه إنه أحد شياطين الأنس، يقول قصيدة تربي على أربعمائة بيت في وصف حاله وتنقله في الأديان والمذاهب والصناعات، وقد أورد منها قطعة "ص٢٣٧ ج٣: يتيمة الدهر" ونظم المتأخرون في السيرة النبوية خاصة، وأشهرهم في ذلك حكمة وإحكامًا، الإمام شرف الدين البوصيري، وشهرة قصيدتيه البردة والهمزية قد ملأت الدنيا.

стр. 605

الشعر العلمي *: قد علمت أن الشعر كان مستودع علوم العرب وكتاب تجاربهم وحكمهم، فليس هذا الذي نريده بالشعر العلمي، ولكنا نريد القصائد التاريخية أو العلمية التي جاءت في حكم الكتب، وكذلك الكتب التي نظموها فجاءت في حكم القصائد، وهو ما يعبر عنه المتأخرون بالمتون المنظومة، كألفية ابن مالك وغيرها مما يجمع مسائل الفنون وضوابطها، وليس من عالم في هؤلاء إلا وله شيء قل أو كثر نصيبًا مفروضًا. ونحن نريد أن نتكلم هنا عن أصل هذا النوع وأقدم ما وقفنا عليه من أمثلته التي احتذاها المتأخرون، وهم مجمعون على استعمال هذا النمط من الرجز الذي يستقل فيه كل مصراعين بقافية، حتى لقبوه بحمار الشعر لسهولة الحمل عليه، ثم هم مع ذلك التهافت لا تكاد تجد فيهم من يعرف اسمه عند المتقدمين؛ والعرب أنفسهم لم يضعوا له اسمًا لم يأت في مشهور أراجيزهم منه شيء، ولم نقف منه عندهم إلا على مثال واحد، وهو ما ذكره الخطيب التبريزي في شرحه على تهذيب الألفاظ "ص٣٣٢" من أن رجلًا من هذيل أقبل إلى عمر بن الخطاب وهو جالس فأنشده شعرًا يتجرم فيه على أبيه ويستظهره عليه، فبعث عمر إلى أبيه فدعاه، فقال: ماذا يقول ابنك؟ زعم أنك نفيته. فقال: يا أمير المؤمنين، غذوته صغيرًا وعقني كبيرًا، أنكحته الحرائر، وكفيته الجرائر، فأخذ بلحيتي وأظهر مشتمتي: شاهد ذاك من هذيل أربعة ... مسافع وعمه ومشجعه وسيد الحي جميعًا مالك ... ومالك محض العروق ناسك وهذا الرجز كما تراه إنما انساق مع الكلام واستجر للحكاية، فإما أن يكون بعض ما يتفق من أحاديثهم العامة وأهملوا حفظه وروايته؛ لأنه في سبيلها، وإما أن يكون شيئًا جرى على لسان ذلك العربي؛ وعلى أي الوجهين فما كان ليروى لولا أنه جاء تابعًا للشعر الذي قبله؛ وفيه شاهد من شواهد اللغة فحفظوه ليساق مع الحديث. ثم جاء بشر بن المعتمر الذي مر ذكره في الشعر الحكمي، وكان من أروى المعتزلة للشعر، فبنى على هذا الأصل أرجوزة طويلة ذكر فيها المل والنحل وضرب الأمثال وأخذ في قواعد مذهبه. ويظهر من كلام الجاحظ أن هذه الأرجوزة قد رفعت إلى الناس وذهب لها صيت، وقد ذكرها مرتين في كتاب "الحيوان" ونقل قطعة من أمثالها "ص٨٠ ج٤: الحيوان" وقطعة أخرى في ذكر فضل علي على الخوارج "ص١٥٥ ج٦" وهو في كل مرة يقول: قال بشر بن المعتمر في شعره المزاوج. وهذه التسمية أليق ما يسمى به هذا النوع من الأراجيز، ولا بد أن تكون هذه الأرجوزة الأولى من نوعها،

стр. 606

لأن الجاحظ نسب هذا النوع إليه وعينه به وكان يكفي أن يقول: قال بشر فقط، ولأنه قد ظهر قبل بشر شعراء نظموا في أمثال هذه المعاني، ولكن على طريقة الشعر المقفى، ولم يرد لواحد منهم شيء من المزاوج، وكان أسهل عليهم لو عرفوه؛ وقد اشتهر هذا النمط بعد بشر، ونظم فيه ابن المعتز في أواخر القرن الثالث كتابه "بشر الإمام" في أرجوزة طويلة مثبتة في ديوانه، ثم كان حذو المتأخرين في المتون بعد ذلك على منظومة الإمام محمد بن عبد الله بن مالك المتوفى سنة ٦٧٢هـ علامة النحو واللغات الغريبة والآية في حفظ أشعار العرب، وهذه المنظومة هي الألفية الشهيرة في علم النحو، تبع فيها ابن معطي، قالوا: ونظمه أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب "ص٤٣٢ ج١: نفح الطيب". ولابن مالك منظومات أخرى غير الألفية، ولكن هذه هي أشهر المتون المنظومة، يكاد ذلك يكن إجماعًا. أما الشعر الذي تنظم فيه الضوابط العلمية لسهولة حفظها، فأكثر ما يكون قطعًا وأبياتًا قليلة، والأغلب فيه أن لا يكون مزاوجًا، وقد وقفنا على مثال منه عند العرب، وهو قول طفيل الغنوي "يصف كيف تزجر الخيل فجمعه في بيت واحد" هكذا قال المبرد في "الكامل"، وقوله دليل على أن نظم الضوابط لم يكن معروفًا إلى زمنه، وإنما هو مما أحدثه المتأخرون: وقيل اقدمي واقدم وأخ وأخري ... وها وهلا واضبر وقادعها هبي وهذه كلها كلمات تزجر بها الخيل، ولم يتسع البيت للفظتين من هذا القبيل؛ هما هقب وهقط "ص١٦١ ج١: الكامل". والمتأخرون من العلماء الذين يأبون أن يتركوا شيئًا غير متروك إلى أصله يزعمون أن أول من نظم المتون العلمية هو هرمس الحكيم الذي يزعم قوم من الصابئة أنه إدريس ﵇؛ ويقولون إنه أول من نظر في الطب وتكلم فيه وصنف لأهل زمانه "كتبًا بأشعار موزونة" بلغتهم في معرفة الأشياء العلوية والأرضية "ص١٣٨: سرح العيون". هذا في نظم المتون والضوابط، أما الشعر الذي يحمل معاني التاريخ وأنواع الفنون على غير تلك الطريقة فإنما يجيء به المولدون على جهة الفخر بما يضمنونه، كقصيدة رياح بن سنيح الزنجي مولى بني ناجية، وكان فصيحًا، فلما قال جرير: لا تطلبن خئولة في تغلب ... فالزنج أكرم منهم أخوالًا تحرك رياح فذكر أكثر من ولدته من أشراف العرب في قصيدة مشهورة معروفة ومنها البيت السائر: إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأجبالا يريد طالت الأجبال فليس تنالها "ص٨ ج٢: الكامل". ومن هذا النوع القصيدة الحميرية التي نظمها نشوان الحميري صاحب "كتاب شمس العلوم"، وقد نشرها بعض المستشرقين "تاريخ العرب" وقد عد فيها من ملكوا من الحميريين وافتخر بقومه هؤلاء وصارت هذه القصيدة اليوم عند الباحثين في التاريخ العربي القديم لا يقاس بها شعر شاعر، لما فيها من الأسماء التاريخية.

стр. 607

وقد ينظمون ذلك الشعر على جهة الفخر بالنظم نفسه وقوة التصرف كما فعل أبو العباس الناشئ المعروف بابن شرشير، وهو الناشئ الأكبر وكان متبحرًا في عدة علوم، وهو في الشعر من طبقة البحتري وابن الرومي وأضرابهما، قال ابن خلكان: وله قصيدة في فنون من العلم على روي واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وتوفي سنة ٢٩٣هـ؛ فلو أنه جعل هذه القصيدة في فنون من التاريخ والقصص ونحوها، لما خلا الشعر العربي إلى اليوم من النمط القصصي الذي نفاخر به الإلياذة وأمثالها في كل شعر غير عربي. وكذلك فعل أبو الحسن الأنصاري الجياني المتوفى سنة ٥٩٣هـ في نظم كتابه "شذور الذهب في صناعة الكيمياء"؛ وقد قالوا فيه: إن لم يعلمك صنعة الذهب علمك صنعة الأدب؛ وقيل في الجياني: شاعر الحكماء وحكيم الشعراء. ومما يحسن ذكره في هذا الموضع، توفية للفائدة، كتب الحكمة والأمثال التي نظمها المولدون لتسهيل حفظها ومدارستها؛ وأهم هذه الكتب كليلة ودمنة الذي عربه ابن المقفع؛ فقد نظمه أبان بن عبد الحميد اللاحقي شاعر البرامكة، ونظمه أيضًا ابن الهبارية البغدادي، وسمى كتابه "نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة"، وكلا الشاعرين مر ذكرهما؛ وكذلك نظمه الأسعد بن مماتي المصري ناظر الدواوين بالديار المصرية المتوفى سنة ٦٠٦هـ؛ ولابن الهبارية أيضًا كتاب "الصادح والباغم"؛ نظمه على أسلوب كليلة ودمنة؛ وهو أراجيز في ألفي بيت نظمها في عشر سنين؛ ولم نذكره في الشعر القصصي؛ لأن هذا الموضع أليق به؛ ومن منظومة السير أرجوزة ابن عبد ربه صاحب "العقد الفريد"، في أخبار الملك الناصر صاحب الأندلس؛ وسيرة صلاح الدين التي نظمها الأسعد بن مماتي المذكور؛ وذلك في الجملة ليس من الشعر، ولكنه نوع مما أخذنا في تاريخه، فكان لا بد من الإشارة إلى بعض أمثلته في التاريخ.

стр. 608

الفنون المحدثة من الشعر: ذكرنا تاريخ الشعر وأفضنا في مناحيه، وبقي علينا تاريخ هذه الفنون التي أحدثها البلديون، وهي الموشح، والزجل، والدوبيت، والمواليا، والكان وكان، والقوما، وهذا الكتاب وإن كان ليس فيه متسع للفنون التي خرجت بها آداب اللغة الملحونة، ولكنا سنلم بها إلمامًا، ونتجوز في ذلك بعد أن نتكلم على الموشح مقتصرين على مبتدأ خبرها، فإن لها طرقًا ورجالًا؛ إذ هي آداب لغة منفردة يتكلم بها شعراء الناس، واستيفاء ذلك هنا يعد من تداخل التواريخ، وهو في رأينا دليل على فساد النظر وسوء الاحتمال لهذه العلوم؛ فلو أن مؤلفًا كتب في تاريخ لغة العامة وآدابها، ثم بسط في كتابه الكلام بأن يدل فضل اطلاعه على فساد صنعته في تأليف الكتاب، وكذلك ليس خلط الأعداد وهي مادة الحساب، مما يعد في شيء من صحة الحساب.

стр. 609

الموشح اختراعه ... الموشح: ويقال له التوشيح أيضًا، والذي نراه في أصل هذه اللفظة أنها منقولة عن قولهم: ثوب موشح، وذلك لوشي يكون فيه، فكأن هذه الأسماط والأغصان التي يزينونه بها من الكلام في سبيل الوشي من الثوب، ثم صارت اللفظة بعد ذلك علمًا؛ إلا أن يكون الأندلسيون قد أخذوا هذه التسمية عن المشارقة، فتكون منقولة عن التوشيح الذي عده قدامة بن جعفر في نقد الشعر من أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وجرى عليه أهل البديع، فيكون اشتقاقها من معنى الوشاح كما نصبوا عليه؛ لأنهم عرفوا هذا النوع بأن يكون معنى أول البيت دالا على قافيته، فينزل فيه هذا المعنى منزلة الوشاح، وينزل أول الكلام وآخره محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما. اختراعه: قال ابن خلدون في أصل استحداث هذا الفن: "أما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنا سموه بالموشح ينظمونه أسماطًا أسماطًا وأغصانًا أغصانًا.... واستظرفه الناس جملة، الخاصة والكافة؛ لسهولة تناوله وقرب طريقه، وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم من معافر الفربري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب "العقد"، ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية..... إلخ". وعبادة هذا توفي سنة ٤٢٢هـ، فالذي يفهم من كلام ابن خلدون أحد معنيين: إما أن يكون مقدم بن معافر شاعر الأمير عبد الله [في القرن الثالث] هو الذي سمى هذا النوع بالموشح حين اخترعه، فيكون قد بقي إلى زمن عبادة لم ينبغ فيه أحد، ويكون الأندلسيون في القرن الثالث "قد كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية" وإما أن تكون هذه التسمية قد أحدثها المتأخرون من زمن عبادة، وزمنه أرقى عصور الشعر في الأندلس، وكلاهما خطأ، وذلك مما وهم فيه ابن خلدون؛ لأنه إنما ذهب كعادته إلى التعليل، فظن أن استحداث هذا الفن من فضل القوة وإتقان الصناعة، وذلك لا يكون إلا على ما وصف، ولكن الشعر لم يكن قد بلغ في الأندلس ذلك المبلغ في القرن الثالث كما سنفصله متى انتهينا إلى الكلام على الأدب الأندلسي، ولو كان كما زعم ابن خلدون لحفظوا اسم مقدم بن معافر، وإننا على طول ما عنينا من نصب البحث ومطاولة التعب في التنقيب، وقد قرأنا لتهيئة مواد هذا الكتاب حتى لم نغادر كتابا في الأدب والتاريخ بأنواعه لم نظفر بكلام عن مقدم هذا ولا تكشف لنا من تاريخه شيء. ومما يدل على فساد المعنى الثاني، أن ابن بسام -وهو أعلم بهذا من ابن خلدون وغيره من المتأخرين- ذكر في كتابه "الذخيرة" أنه نشأ بين مخترع الموشح وبين عبادة، يوسف بن هارون الرمادي، وهو الشاعر الأندلسي في القرن الرابع "توفي سنة ٤٠٣هـ".

стр. 610

فلا بد أن يكون عبادة قد أخذ عنه مثال الإتقان في هذه الصنعة، وحينئذ يتعين أن لاختراع الموشح سببًا آخر غير كثرة الشعر وبلوغ الغاية في تنميقه، ونحن ذاكروه بعد، ولكنا ننقل هنا عبارة "الذخيرة" فإن فيها قولًا آخر في اختراع هذه الأوزان؛ قال ابن بسام في ترجمة عبادة: "كان في ذلك العصر شيخ الصناعة وأحكم الجماعة..... وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها ووصفوا حقيقتها غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا عمادها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه، واشتهر بها اشتهارًا غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته؛ وأول من صنع أوزان هذه الموشحات: محمد بن محمود المقبري الضرير، وقيل: إن ابن عبد ربه صاحب "العقد" أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات؛ ثم نشأ يوسف بن الرمادي؛ ثم نشأ عبادة هذا فأحدث التصفير، وذلك أنه اعتمد على مواضع الوقف في المراكز "ص١٩٩: فوات الوفيات".

стр. 611

سبب اختراعه: وعندنا أن الذي نبههم إلى اختراع أوزان التوشيح إنما هو الغناء لا غيره، فإن تلحين البيت من الشعر قد يجيء على بعض الوجوه كالموشح؛ إذ يخرج جملًا مقطعة [تتساوق] مع النغم، فلو تنبه إلى ذلك أديب موسيقي لأمكن أن يضع أوزانًا على هذه التقاطيع، وهم لا يختارون للغناء من الشعر إلا ما احتمل في حركاته حسن التجزئة وصحة التقسيم وإجادة المقاطع والمبادئ. والذي يدل على أن الغناء هو الأصل في التوشيح، أن الأندلس فتحت في أواخر القرن الأول، ولم يخترع التوشيح إلا في الربع الأخير من القرن الثالث، فكانت الفترة قريبة من مائتي سنة، والسبب الطبيعي في ذلك أن أمر الأندلس كان في مبدئه دينيا محضا -كما تراه في موضعه- وبقي الشعر عندهم متعلقًا بنوابغ مميزين بالضعف والقلة إلى زمن الأمير عبد الرحمن بن الحكم في أوائل القرن الثالث، حتى نبغ يحيى الغزال شاعر الأندلس وفيلسوفها؛ ثم قدم زرياب المغني من العراق على هذا الأمير سنة ٢٠٦هـ وكان الأمير مفتونًا بالغناء، فلم يمض على ذلك زمن حتى شاع الغناء وانحرف إليه الأندلسيون، وكان ذلك أول تاريخه عندهم، فلعل المدة بين شيوع الغناء واستحداث التوشيح لا تزيد عن نصف قرن. وقد أقبل أدباء الأندلس في أواخر القرن الرابع على الموسيقى، ومن ههنا دعت الحاجة إلى التفتن في تلك الأوزان، فاستقل بذلك عبادة الذي أومأنا إليه، وليس هذا فيه بعجيب إذا عرفت أن ابن الحداد وهو معاصر عبادة، وكلاهما من شعراء المعتصم بن صمادح، قد وضع كتابًا في العروض مزج فيه بين الموسيقى وبين آراء الخليل وكل ذلك سيأتيك في موضعه مفصلًا إن شاء الله. والأندلسيون لم يلحقوا المشارقة في الغناء، ولم يكاثروا فحولهم فيه؛ ولذلك انصرفوا عن الغناء في الشعر إلى تحميله أوزان التوشيح، فأغربوا بذلك كما قال ابن دحية على أهل المشرق؛ لأنهم جمعوا فيه جملة التطريب؛ وقد نبه على ذلك ابن رشد فيلسوف الأندلس في تلخيصه كتاب أرسطاطاليس في الشعر حيث قال كلامه على المحاكاة: "والمحكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل

стр. 612

ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه، وهذه قد يوجد كل واحد منها منفردًا عن صاحبه، مثل وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص والمحاكاة في اللفظ، أعني الأقاويل المخيلة "غير الموزونة" وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها, مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة ا. هـ "العذارى المائسات". وهذا هو السبب في اختلاف أوزانه وأوضاعه؛ لأن الغرض منه تطبيق ألفاظه على مؤلفات من الأصوات [بمقتضى] صناعة الموسيقى، فكانوا يؤلفون من الأصوات التي تخرجها الضربات على الأوتار المختلفة كلامًا يناسب أن يقابل في وزنه تلك الأصوات بحروف متحركة أو ساكنة وعلى ذلك يكون مؤلف التوشيح تابعًا لما تقتضيه أصوات الموسيقى وأوزانها، وذلك قد يوافق الأوزان العربية التي يلحن فيها الشعر وقد يخالفها وعليه أكثر عملهم، ولم يلتفت أكثر أدباء المتأخرين إلى هذه الحقيقة فحسبوا التوشيح كغيره من الأوزان، ولذلك اقتصر شعراؤهم على النظم في مذهب العروض منه وتركوا ما عداه؛ لأنهم لا يعرفون له وزنًا، إلا أهل الموسيقى منهم؛ فإنهم ذهبوا فيه كل مذهب، وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في سفينته المشهورة أن موشحات المتقدمين قد بطل العمل في تلحينها، ولذلك اقتصر في السفينة على إيراد موشحات المتأخرين، واثبت من ذلك ٣٠٠ موشح فيها ٣٥٠ لحنًا. وعلى الأصل في أوزان التوشيح اختراع المتأخرون نوعين آخرين هما المستجاد والبنود، وسنذكرهما في بحث الصناعات؛ لأن موضعهما هناك أليق بهما.

стр. 613

الموشح الملحون: ومن التوشيح ما لا يكون معربًا، وهو من اختراع أدباء اليمن؛ قال صاحب "سلافة العصر": ولأهل اليمن نظم يسمونه الموشح، غير موشح أهل المغرب، والفرق بينهما أن موشح أهل المغرب يراعى فيه الإعراب بخلاف موشح أهل اليمن فإنه لا يراعى فيه شيء من الإعراب، بل اللحن فيه أعذب؛ وحكمه في ذلك حكم الزجل ا. هـ "ص٢٤٣". ولم نزل نبحث عن أصل هذا النوع حتى وقفنا في كتاب "نفحة اليمن" لأحد الأنصاري اليمني الشرواني١، وهو مطبوع في مصر، على نوع سماه الشعر الحميني لا يكون إلا ملحونًا، وقال إنه منسوب إلى الفضل الأديب محمد بن حسين الكوكباني اليمني، وهو توشيح أوله: ما لقلبي لم يزل عشقو فنون ... في هوى حال التثني والمجون زي الغصون قد فنى صبري وقل الاحتيال قد قسم قلبي بأسياف الجفون ... وقسم لي الهوى تلك العيون ريب المنون ما حياتي بعد ذا إلا محال وقال: إن شعراء اليمن هم فرسان هذا الميدان، وحاملوا لواء هذا الشأن؛ وعلى هذه الطريقة نظم بعض علماء المتأخرين على نمط الشعر، كقصيدة الشيخ عليش الشهيرة التي مطلعها: الزم باب ربك ... واترك كل دون وأورد في النفحة قصيدة في هذا النمط قال إنها للفاضل البكري؛ فهذا هو الشعر الحميني على ما عرفت، وهي تسمية أهل اليمن؛ أما المغاربة فقد استحدثت عامتهم من هذا النمط أنواعًا بأسماء أخرى، وسنشير إليها بعد.

стр. 614

بعض أنواع الموشح: لم يوضع في صناعة الموشح ووجه نظمه وأسماء أوزانه فيما نعلم، غير كتاب واحد وضعه صفي الدين الحلي الشاعر المتوفى سنة ٧٥٠هـ، وهذا الكتاب لم ينته إلينا إلا خبره، وسنذكر اسمه في كتب التوشيح، ثم إن هذه الصناعة لا ضابط لأوزانها إلا الألحان كما سلف، فهي موطأة للاختراع بمقدار ما تجرؤ عليه القرائح؛ ولذلك تعددت فيها الأوزان واختلفت طرق الصنعة. فلا سبيل إلى حصرها إلا بالتلقي واتصال السند عن أهلها، ولا ندري إن كانوا قد وضعوا لكل وزن اسمًا يعرف به أم كان اسم التوشيح عاما لجميعها فلا تخصص الأوزان إلا بأسماء ألحانها فقط كما هو الشأن في أدوار الغناء؛ وقد بحثنا في ذلك كثيرًا فلم نرجع بطائل، وكنا نظن أننا نصل إلى تسمية كل وزن وتعيين مخترعه، ولكنا لم نقف من ذلك إلا على النذر القليل الذي لا يعتد به في استنباط التاريخ، وقد رجح عندنا أنهم لم يسموا الموشحات بأسماء معينة كما فعلوا بالصناعات الشعرية، كالتخميس والتشطير وغيرهما، إلا ما دخل فيه الشعر من ذلك، كهذا النوع الذي اخترعه الصفي الحلي وسماه الموشح المضمن، ومثل له بتضمين الأبيات المنسوبة لأبي نواس، وقيل: إنها للحريري، ومطلع موشحه "ص٢٩٨: ديوان صفي الدين الحلي": وهو الهوى، ما حلت يومًا عن الهوى ... ولكن نجمي في المحبة قد هوى وما كنت أرجو وصل من قتلتي نوى ... وأضنى فؤادي بالقطيعة والنوى ليس في الهوى عجب ... إن أصابني العطب "حامل الهوى تعب ... يستفزه الطرب" فالبيت الأخير "حامل الهوى ... إلخ" هو المضمن، وما قبله توطئة له من نظم الصفي؛ وكالموشح المجنح، ويسمونه أيضا الشعري؛ لأنه قصيدة على وزن وروي واحد من الشعر يفصل بين كل بيتين منها بيت من الموشح يناسب وزنه لحن القصيدة، ويشترط فيه أن تكون كل أبيات التوشيح مصرعة على قافية واحدة "انظر ص٢٩٩: ديوان الحلي". وكما خلطوا بين أوزان الشعر وبين أوزان التوشيح، يخلطون بين وزن الدوبيت والزجل وبينه، وكل ذلك لأن التوشيح لا ضابط لوزنه إلا المناسبة كيفما اتفقت. ومن الأوزان التي عينوا مخترعها، هذا الوزن الذي قال الصفي إن مخترعه السلطان المؤيد صاحب حماة المتوفى سنة ٧٣٢هـ "انظر ص٣٩١: ديوان صفي الدين الحلي". وهو -كما ترى- يكد لسان الناطق، ولكنه إذا قطع ألحانًا وصححت تجزئته وأحكمت مخارج ألفاظه وجرى فيه الغناء كان طربًا عجيبًا، وعلى ذلك وضع؛ ومن أراد أن يقف على كثير من أوزان الموشحات فليقرأ ما ورد من ذلك في "نفح الطيب" و"فوات الوفيات" و"كتاب العذارى المائسات" و"سفينة" للشيخ شهاب الدين، وكلها مطبوعة؛ وكنا هممنا أن نحصي ما وقفنا عليه من ذلك، لولا إننا [رأينا] أن الفائدة لا تتم إلا إذا أثبتنا مطلع كل وزن ليتصفح القارئ وجوه الأنواع ويستثبت مواضع الاختلاف في أوزانها، وذلك يستغرق قطعة كبيرة من هذا الكتاب، ثم هو عمل تعليمي فليتتبعه من مست إليه حاجته.

стр. 615

نوابغ الوشاحين: يبتدئ تاريخ النبوغ في التوشيح من القرن الخامس، ورأس أدبائه عبادة، وشاح المعتصم الذي أومأنا إليه من قبل، ثم جاء بعده ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طيطلة، وبعدهما الحلبة التي كانت في دولة الملثمين إلى القرن السادس، وسابق فرسانها التطيلي الأعمى "كذلك يذكره صاحب نفح الطيب، وقد ورد اسمه في مواضع، وفي مقدمة ابن خلدون: الطيطلي" ثم يحيى بن بقي، ومحمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض، والحكيم أبو بكر بن باجه صاحب التلاحين المعروفة "وسيأتي بيان ذلك في الأدب الأندلسي"؛ ثم اشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف، وأبو إسحاق الرويني؛ ثم كان حسنة هذه المائة السادسة الفيلسوف أبا بكر بن زهر المتوفى سنة ٥٩٥هـ، والوشاحون عيال على إحسانه فيما اتفق له من بدائع الموشحات التي شرقت وغربت؛ واشتهر بعده ابن حيون، والمهر بن الفرس، ثم نبغ ابن جرمون بمرسية، وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة، وأبو بكر بن الصابوني، واشتهر بين أهل العدوة ابن خلف الجزائري، وابن هزر البجائي، ولكن الذي انفرد بشهرة هذه المائة إبراهيم بن سهل الإسرائيلي وشاح إشبيلية وشاعرها؛ وقد طبعت له قطع صغيرة في مصر على أنها ديوانه؛ ولكن الذي يقول في "نفح الطيب"إن ديوانه كبير مشهور بالمغرب حاز به قصب السبق في النظم والتواشيح، ومات ابن سهل غريقًا سنة ٦٤٩هـ؛ وظهر بعده أحمد المقريتي المعروف بالكساء، وهو شاعر وشاح زجال "ص٣٠٣ ج٢: نفح الطيب". ثم كان نابغة المائة الثامنة في الأندلس لسان العربية ابن الخطيب، وله في التوشيح بدائع كثيرة، وكان من أبرع تلامذته في ذلك ابن زمرك وزير الغني بالله، ثم اشتهر بعده العربي العقيلي الوشاح، ثم ظهر في المائة التاسعة في النصف الأول أبو يحيى بن عاصم الذي يقول عنه الأندلسيون إنه ابن الخطيب الثاني؛ ثم استعجمت الأندلس وظهر في المغرب في أواخر القرن العاشر عبد العزيز بن محمد القشتالي وزير أبي العباس أحمد الشريف الحسيني، وسنذكره بعد؛ أما المشارقة قد تكلفوا التوشيح وبقي للأندلسيين فضل الطبع لم ينازعهم فيه إلا ابن سناء الملك المصري المتوفى سنة ٦٠٨هـ فقد طارت موشحاته خصوصًا موشحته التي اشتهرت شرقًا وغربًا وأولها: يا حبيبي ارفع حجاب النور ... عن العذار ننظر المسك على الكافور ... في جلنار كللي، يا سحب تيجان الربى، بالحلي ... واجعلي، سوارها منعطف الجدول ولا تزال في أفواه المغنيين إلى اليوم.

стр. 616

كتب التوشيح: وضع صفي الدين الحلي ديوانًا سماه "العاطل الحالي والمرخص الغالي" "وذكر في "كشف الظنون" العاطل الحادي خطأ" وقد أوضح فيه قاعدة الفنون الشعرية جميعها، وهي الموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما، وأورد أمثلة ذلك من نظمه، وذكر ابن خلكان في ترجمة ابن سناء الملك أنه جمع موشحاته التي نظمها في ديوان سماه "دار الطراز". وفي "نفح الطيب" أن لسان الدين بن الخطيب ألف في هذا الفن كتابه المسمى بجيش التوشيح وأتى فيه بالغرائب. قال: وذيل عليه صاحبنا وزير القلم بالمغرب عبد العزيز بن محمد القشتالي بكتاب سماه: "مدد الجيش ... " وأتى فيه بكثير من موشحات أهل عصرنا من المغاربة، وضمنه من كلام أمير المؤمنين مولانا المنصور أبي العباس أحمد الشريف الحسيني ما زاده زينًا، وأخبرني أنه ذكر فيه لأهل العصر في أمير المؤمنين، ولأمير المؤمنين المذكور أزيد من ٣٠٠ موشح "ص٢٢٧ ج٤: نفح الطيب". وقد طبع بعض الأدباء مجموعة صغيرة قال إنه انتخبها من كتاب وجده في بعض مكاتب رومة اسمه "العذارى المائسات في الأزجال والموشحات" هذا غير ما تجده في كتاب "نفح الطيب" و"سفينة" للشهاب وبعض الدواوين.

стр. 617

الدوبيت: وهذا الاسم من كلمتين، إحداهما فارسية وهي "دو" بمعنى اثنين، والأخرى "بيت" العربية؛ وسموه كذلك؛ لأنه لا يكون أكثر من بيتين، وقد أخذه أدباء العرب عن الفرس، ويعرف عندهم بالرباعي، واختص بالإجادة فيه بعض شعرائهم، كعمر الخيام، ورباعياته مشهورة مترجمة باللغات الأجنبية، وهي ٥٠٠ بيت. ولا نعرف أول من استعمل هذا النوع في العربية، ولكن نشأته كانت في بغداد؛ ولا ندري كيف يعده ابن خلدون من شعر عامتها، وهو كالموشح والشعر: لا تكون ثلاثتها إلا معربة، فإذا دخلها اللحن خرجت عن هذه الأسماء إلى أسماء أخرى، كالشعر الحميني في الموشح عند أهل اليمن، "وعروض البلد" فيه نفسه عند أهل الأمصار بالمغرب. ونحن نرجح أن هذا النوع لم يكن في العربية قبل القرن السابع؛ لأننا لم نجده في شعر أحد قبل ذلك الزمن ولا وجدنا إشارة إليه، ولم نجد للشعراء ولعًا به إلا في أواخر تلك المائة وما بعدها؛ والرباعي يعد من المخترعات الحديثة في اللغة الفارسية؛ لأن أول من وضعه أبو سعيد بن الخير المتوفى سنة ٤٦٥هـ، وبعضهم يقول إنه كان موجودًا قبل ذلك ولا يرجع اختراعه إلى تاريخ معين؛ غير أن ممن عرفوا بنظمه أبا جعفر رودكي الشاعر المتوفى سنة ٣٠٢هـ حتى افتن فيه الخيام وأجاده فاشتهر بما نظمه فيه شهرة بعيدة؛ لأنه ضمنه أفكارًا سامية وانتقادات مرة، ثم أقبل الأدباء عليه من بعده ... وقد عارضها في العربية سديد الدين الأنباري كما ذكر صاحب "خلاصة الأثر" "ص٣٩٠ ج٤" ولم يقع لنا شيء من رباعياته. وللدوبيت وزن واحد، وهو فعْلن "بسكون العين" متفاعلن "وتارة يغير إلى متفاعيلن"، فعولن، فعلن "بتحريك العين وسكونها" وأمثلته كثيرة؛ وقد يضمنونه أنواعًا من البديع، ومن أكثر الشعراء ولوعًا بذلك، الصفي الحلي، وله في ديوانه منه مقاطيع كثيرة، وللدوبيت باعتبار القوافي خمسة أنواع: الأول يسمونه الرباعي المعرج ويشترط في قوافيه أن يكون بين الثلاثة منهما أو [بين] أربعتها الجناس التام، كقول بعضهم: يا من بسنان رمحه قد طعنا ... والصارم من لحظه قطعنا أرحم دنفا في سنه قد طعنا ... في حبك لا يصيبه قط عنا والرباعي الخاص، ويشترط فيه أن تكون كل قافيتين متقابلتين بينهما جناس تام؛ ويقولون إن مثاله: أهوى رشا بحظه كلمنا ... رمزا وبسيف لحظه كلمنا لو كان من الغرام قد سلمنا ... ما كان له بيده سلمنا والرباعي الممنطق ومثاله:

стр. 618

قد قد لمهجتي غرام ونشر ... والقلب ملك من كان يراك قال ما أنت بشر ... بل أنت ملك والرباعي المرفل كقوله: بدر إذا رأته شمس الأفق ... كسفت ورقى في يوم أحد عوذت جماله برب الفلق ... وبما خلقا من كل أحد وهذان نوعان لا يشترط في قوافيهما الجناس. والخامس الرباعي المردوف، ويحسن فيه التزام الجناس، ومثاله: يا مرسلًا للأنام جاهًا وحمى ... ها أنت لنا عزا وهدى في أي مدد يا أفضل من مشى بأرض وسما ... يا شافعنا في الحشر غدا غوثًا ومدد

стр. 619

الشعر العامي والمواليا: لا نعرف بالتحقيق أصل الشعر العامي ولا منشأه؛ ولكنا لا نشك أنه قديم، وأن ظهوره كان في أواخر القرن الأول للهجرة، بعد ظهور الغناء وانتشاره؛ لأن طبقات كثيرة من العامة -ومن حكمهم ممن لا أدب لهم- لا يطربون للغناء في الشعر الفصيح؛ وخاصة عامة أهل الشام، ولعلهم أصل الشعر العامي في العربية؛ لأن الفصيح استبحر في بلادهم، وهم مع ذلك أسقم الناس ألسنة، فكان لا بد لعامتهم من هذا الشعر، وقد وقفنا على شيء من شعرهم الذي يطربون له؛ من ذلك ما رواه صاحب الأغاني في أخبار معبد أنه أشخص إلى الوليد بن يزيد، ثم كان في منزل بعض أهل الشام من ذوي الحال الرفيعة وقال في وصف غنائه عنده: فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى ما هو أحسن منه، وهو لا يرتاح ولا يحفل لما يرى مني فلما طال عليه أمري، قال: يا غلام، شيخنا شيخنا! فأتى بشيخ، فلما رآه هش إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغني: سلور في القدر، ويلي علوه ... جاء القط أكله، ويلي علوه! والسلور: السمك بلغة أهل الشام، قال: فجعل صاحب المنزل يصفق ويضرب برجله طربًا وسرورًا. ا. هـ. "ص٢٨ ج١: الأغاني". وذكر في أخبار حنين الحيري، وكان في أيام عبد الملك بن مروان، أنه خرج إلى حمص يلتمس الكسب بها ويرتاد من يستفيد منه شيئًا، فاجتمع بفتيانها ثم غناهم في هنيات معبد، وغناء الغريض، وخفائف ابن سريج، وأهزاج حكم، وفي غنائه هو، فلم يتحرك منهم أحد ولا فكهوا لذلك، وجعلوا يقولون: ليت أبا منبه قد جاءنا، حتى جاء أبو منبه، فخنس حنين وصار كلا شيء، خوفًا منه ورهبة أن يفتضح بإحسانه، قال: فأخذ العود ثم اندفع يغني: طرب البحر فاعتبري يا سفينه ... لا تشقي على رجال المدينه فأقبل القوم يصفقون ويطربون ويشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء "ص١٢٣ ج٢: الأغاني". ولا بد أن تكون مثل هذه الأشعار قد شاعت في العامة يومئذ وجعلوها فنهم، ولكن الأدباء لم يحفلوا بها فلم يصل إلينا من خبرها شيء، ويدل على ذلك ما نقله صاحب الأغاني [من مثل ذلك] في أخبار إسحاق الموصلي. ثم ظهر بعد ذلك هذا النوع الذي يسمونه المواليا، وقالوا في أصله أقوالًا أشهرها عند الأدباء أن الرشيد أمر بعد نكبة البرامكة أن لا يرثيهم أحد بشعر، وتنكر لمن يفعل ذلك، فرثت إحدى جواريهم جعفرًا بهذا النوع الذي يدخله اللحن ولا يجري على أوزان الشعر، لتتقي بذلك نقمة الرشيد، وجعلت تقول بعد كل شطر: يا مواليا! فعرف هذا النوع به وتناقله الناس؛ والذي قالته في ذلك هو: يا دار، أين ملوك الأرض أين الفرس ... أين الذين حموها بالقنا والترس قالت: نراهم رمم تحت الأراضي الدرس ... سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس!

стр. 620

وليس هذا النوع ملحونًا أبدًا كالزجل والكان وكان والقوما، ولكنه يحتمل الإعراب واللحن، ولا يجيزون فيه مع ذلك أن يختلط الاثنان في قول واحد فتكون بعض ألفاظ البيت معربة وبعضها ملحونة، فهذا من أقبح العيوب التي لا تجوز؛ وإنما يكون المعرب منه نوعًا بمفرده؛ والملحون منه ملحونًا لا يدخله الإعراب "المستطرف عن كتاب العاطل والحالي". وللمواليا وزن واحد وأربع قواف؛ منها واحدة اخترعها صفي الدين الحلي "المستطرف" وقد حمله المتأخرون محاسن البديع كما فعلوا بالدوبيت؛ وحرف المصريون هذه الكلمة بكلمة "موال" وأهل الصعيد منهم أشهر الناس بهذه المواويل؛ وخاصة أهل مديريتي قنا وجرجا، ويقسمون الموال إلى نوعين: أحمر، وهو الذي ينظم في الحماسة والحرب والحكمة، وأخضر وهو ما دخل في الغزل والنسيب وما إليهما من الأنواع الرقيقة؛ وقد يجعلونه مخمسا ومسبعا، ويسمى النعماني، وذلك كله مأثور بينهم مستفيض في مناقلاتهم وقريب منه نوع آخر يسمونه "فن الواو" ووزنه كوزن بحر المجتث في الشعر: مستفعلن فاعلاتن، ويكون في أربع شطرات، كل شطرة تسمى في اصطلاحهم فردة -ومنه أحمر وأخضر كما مر في الموال- ولكنهم يسمون المحتوى منه على الجناسات مغلوقًا، والأمثلة في ذلك كله كثيرة ولها رسائل متداولة معروفة.

стр. 621

الزجل: قال ابن خلدون: ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيها إعرابًا، واستحدثوا فنا سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم فجاءوا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة. وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية، أبو بكر بن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، ولكن لم تظهر حلاها ولا انسكبت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه، وكان لعهد الملثمين "أول القرن الثامن" وهو إمام الزجالين على الإطلاق ا. هـ. ورأيت في بعض الكتب أن ابن قزمان هذا أول من تكلم بالزجل، وسبب ذلك أنه وهو في المكتب عشق بعض الصبيان، فرفع أمره للمؤدب فزجره ومنعه من مجالسة الصبي، فكتب في لوحه: الملاح ولاد أماره ... [ولاوحاش] ولا نصاره وابن قزمان جا يغفر ... ما قبلوا الشيخ غفاره فاطلع عليه المؤدب [فقال] : قد هجوتنا بكلام مزجول، فيقال إنه سمي زجلًا من هذه الكلمة. ولست أثبت هذه الرواية ولا أنفيها؛ أما ابن قزمان فهو الوزير الكاتب أبو بكر بن قزمان، اشتمل عليه المتوكل على الله صاحب بطليوس في أواخر القرن الخامس، فاقتطع في دولته أسمى الرتب، وهو شاعر بليغ وصفه الفتح ابن خاقان في القلائد بأنه "مبرز في البيان، ومحرز للسبق عند تسابق الأعيان" وقال لسان الدين بن الخطيب: كان ابن قزمان نسيج وحده أدبًا وظرفًا ولوذعية.... وكان أديبًا بارعًا حلو الكلام مليح النثر مبرزًا في نظم الزجل، قال: وهذه الطريقة الزجلية بديعة تتحكم فيها ألقاب البديع وتنفسح لكثير مما يضيق على الشاعر سلوكه، وبلغ فيها أبو بكر ﵀ مبلغًا حجره الله عمن سواه، فهو آيتها المعجزة، وحجتها البالغة، وفارسها المعلم "والمبتدي فيها والمتمم" ص٣٥٦ ج٢: نفح الطيب. وقد شاعت أزجال ابن قزمان وأولع بها الناس خصوصًا المشارقة، حتى كانت في القرن السابع كما قال ابن سعيد العربي، مروية في بغداد أكثر مما هي في حواضر المغرب. واشتهر مع ابن قزمان من معاصريه بهذه الطريقة عيسى البليدي، وأبو عمرو بن الزاهر الأشبيلي، وأبو الحسن المقري [الداني] وأبو بكر بن [مدين] ، وكان في عصرهم بشرق الأندلس محلف الأسود، إلا أن إمامهم المجمع عليه إنما هو ابن قزمان. ثم جاءت بعد هؤلاء حلبة كان سابقها عبد الله بن الحاج المعروف بمدغليس، وهو خليفة ابن قزمان في زمانه وقد وقعت له العجائب في هذه الطريقة، وامتاز عن ابن قزمان بصنعة ألفاظه حتى طارت شهرته بذلك، وكان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء، ومدغليس بمنزلة أبي تمام، بالنظر إلى الانطباع والصناعة، فابن قزمان

стр. 622

ملتفت إلى المعنى، ومدغليس ملتفت إلى اللفظ، وكان أديبًا معربًا لكلامه مثل ابن قزمان، ولكنه لما رأى نفسه في الزجل أنجب، اقتصر عليه "ص٢٣٧ ج٢: نفح الطيب"، وقد ذهب مدغليس بشهرة القرن السادس، حتى ظهر ابن جحدر الأشبيلي في النصف الأول من القرن السابع، وكان إمام الزجالين في عصره، ثم كانت الإمامة بعده لإمام الأدب أبي الحسن سهل بن مالك، ثم استقل بها في أول المائة الثامنة أبو عبد الله الألوسي، ثم محمد بن عبد العظيم من أهل وادي آش، ومعاصره لسان الدين بن الخطيب الشهير، وفي هذه المائة صارت الطريقة الزجلية فن العامة بالأندلس، واستحدثوا منها نوعًا سموه الشعر الزجلي، وذلك أنهم ينظمون بها في بحور الشعر، لكن بلغتهم العامية، فتجمع وزن الشعر ولحن الزجل على المبالغة المألوفة. أما المشارقة فقد أولعوا بالزجل وأكثروا في أوزانه، حتى قالوا: صاحب ألف وزن ليس برجال، والمتأخرون من أهل هذا الفن يقولون إنه لم يتصل بهم أكثر من خمسين وزنًا. وتفننوا في إيداعه أنواع البديع، ومن أشهرهم في ذلك علاء الدين بن مقاتل الحموي من أدباء الملك المؤيد صاحب حماة، وقد استشهد ببعض أزجاله ابن حجة في كتابه "خزانة الأدب" في باب الجناس المقلوب وفي باب التوجيه وغيرهما "ص٥٠، ١٧٠" متابعًا في ذلك الشيخ شمس الدين بن الصائغ، فقد ذكر أنه استشهد في شرحه المسمى "رقم البردة" بشيء من أزجال أهل عصره على بعض أنواع البديع "١٧٦ خزانة الأدب"، وقلده هو في ذلك ولكنه لم يورد لغير علاء الدين بن مقاتل، لذهاب شهرته شرقًا وغربًا، وإبداعه في إيداعه، وافتراعه في اختراعه. وللمصريين تاريخ خاص في الزجل؛ لأن هذه الطريقة توافق ما في طباعهم من اللين ومشايعة الكلام بشيء من التهكم الذي تبعث عليه صفة [الفتور] الطبيعية فيهم، وهي التي يقال فيها إنها ذوق حلاوة النيل. وقد اخترع المصريون في الزجل نوعين سموهما البليقة والقرقية. قال صاحب كتاب "الأقصى القريب"، وهو أبو عبد الله محمد التنوخي، في كلامه على الموشحات والأزجال: ومنها قرقيات المصريين وبليقاتهم، والفرق بينهما وبين الزجل أن الزجل متى جاء فيه الكلام المعرب كان معيبًا، والبليقة ليست كذلك، فيجيء فيها المعرب وغير المعرب، ولذلك سميت بليقة؛ من البلق، وهو اختلاف الألوان، وتفارق البليقة القرقية في أن البليقة لا تزيد على خمس حشوات غالبًا، وقد تنتهي إلى السبع قليلًا، والقرقية تزيد كثيرًا على حكم الزجل في ذلك، وسميت القرقية كذلك من القرقة وهي لعبة يلعب بها صبيان الأعراب، وهذه اللعبة سماها صاحب "القاموس": القرِق، ووصفها ورسمت خطوطها في "تاج العروس"، فانظرها هناك. وقد كان اختراع البليقة في القرن السابع، ثم تبسطوا فيها بعد ذلك فكانت القرقيات، ولا تحقق تاريخها، ولكنها متأخرة عن المائة السابعة حتمًا، وقد استدللنا على ذلك بما ذكره صاحب "فوات الوفيات" إذ قال في ترجمة صدر الدين بن المرحل المتوفى سنة ٧١٦هـ بالقاهرة، وهو المعروف في كتب الشاميين بابن الوكيل المصري: "وشعره مليح إلى الغاية، وكان ينظم الشعر والموشح والدوبيت والمخمس والزجل والبليق". فلو كانت القرقيات يومئذ معروفة لذكرها وإن كانت من الزجل، فقد ذكر

стр. 623

المخمس وهو من الشعر "ص٢٥٤ ج٢: فوات الوفيات". وأشهر نوابغ المصريين في الأزجال من المتقدمين، الغباري الذي نبغ في عهد السلطان حسن، فإن له أزجالًا بعيدة الشهرة بما فيها من دقة الصنعة وإبداع المعاني وكثرة [التفنن] . وقد رأينا في مجموعة من مدائحه حملًا زجليا "أهل هذا الفن يسمون ما يعادل القصيدة في الشعر منه: حملًا" لرئيس العامة في هذا الفن على عهد محمد على باشا، وهو محمد الحباك القشاشي، يزاهي ٥٦٠ بيتًا، مدح فيه أهل مصر على طريقة عامية، وذكر علماءها وأشرافها ومتنزهاتها وعد أكثر أسواقها -لأنه من سوق كان يسمى القشاشين ذكره في الزجل- وقال في آخره ما يستدل منه أنه يعارض الغباري في حمل له بهذا المعنى، وقال: إن الغباري ما استطاع أن يضبط محاسن مصر فيما وصف. ومما استفدناه من هذه المجموعة، أن للزجل أوزانًا كانت مشهورة، منها وزن: "أصبحت مصر نزهة للناظرين"، ووزن "على داري"، ووزن "في الهند مكتوب" وللمتأخرين من عوام العصر مثل هذه الأوزان أيضًا، ويعدون منها "بفته هندي يا بنات". ولم يزل فن الزجل مشهورًا بمصر إلى عهدنا، ولأهله فيه إحسان كثير وهم يرتجلونه ويحاضرون به، وقد ذكر الأديب عبد الله نديم المصري الشهير في مجلة الأستاذ واقعة في المساجلة بالزجل مع بعض رؤساء الفن من العامة، وكان الشرط أن من تلعثم أو استبلع الآخر ريقه يبتغي بذلك مهل البديهة وخلسه الفكر فهو المغلب، وذكر هناك بعض الأوزان التي أخذوا فيها؛ فارجع إليها فإنها عجيبة. والزجل اليوم أحد أنواع الشعر العامي الباقية لعهدنا، وقد اختص به المصريون، فيقال: الزجل المصري، كما يقال: المعنَّى السوري، والزهيري البغدادي. ومما نوفي به فائدة هذا الفصل، أن ظرفاء المصريين يقولون في الفنون السبعة التي نكتب تاريخها: "السبعة وتمّتها" ويريدون هذه "التمة" فن الواو الذي ذكرناه وأبحرا أخرى ينظمون عليها العامية في أوزان خاصة، يعارضون بها أسماء البحور الشعرية، ومنها المستطيل في معارضة الطويل، والممتد في معارضة المديد، والمتوفر في معارضة الوافر، وغير ذلك مما يبعث عليه الظرف المصري، وهو بجملته معدود من الزجل فلا حاجة إلى إيراد أنواعه وأمثلته. فنون أخرى: قال ابن خلدون بعد كلامه على الأزجال: ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح، نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضًا وسموه عروض البلد، وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، فنظم قطعة على طريقة الموشح ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب، مطلعها: أبكاني بشاطي النهر نوح الحمام ... على الغصن في البستان قريب الصباح فاستحسنه أهل فاس وأولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم وكثر

стр. 624

سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم وفرعوه أصنافًا إلى المزدوج الكاري والملعبة والغزل، واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها ... إلخ "انظر: ص٣٤٨ وما بعدها: مقدمة ابن خلدون". ونقل قطعة كبيرة من هذه الملعبة تشبه الشعر التاريخي المعروف بالقصصي، حتى ذهب بعض المتأخرين إلى أن أمثال هذه الملاعب تعتبر نوعًا من الشعر القصصي وإن كانت عامية. الأصمعيات والبدوي: وذكر ابن خلدون أيضًا أن العرب المستعجمين عن لغة سلفهم من مضر يقرضون لعهده الشعر في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات..... إلخ "ص٣٣٣: مقدمة ابن خلدون" وقد أورد في مقدمته بعض قصائد أمثلة على ما ذكر. كان وكان والقوما: وهما كما قال أصحاب الفنون فرعان من الزجل، وإنما أفردوهما نوعين لتغيرات فيهما لا تكون في الزجل، أما الأول فلا نعرف من تاريخه شيئًا، وله وزن واحد وقافية واحدة، ويستعملونه كثيرًا في الوعظ ونحوه من المعاني التي تدخل فيها الحرقة والحدة ونحو ذلك، كقول بعضهم: ما ذقت عمري جرعة ... أمر من طعم الهوى الله يصبر قلبي ... على الذي يهواه وأما القوما فقيل إن أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر، والصحيح أنه مخترع من قبله، وإنما كان الناصر يطرب له فاشتهر في زمنه، وهو من اختراع البغداديين، قيل: كانوا ينشدونه عند السحور في رمضان كما يفعل المسحرون بالقصص والأدعية لعهدنا، وسمي بذلك من قول المغنيين "قومًا نسحر قومًا" وجعلوه على وزن هذه الكلمات الثلاث، ثم فرعوا منه فروعًا دعوها الزهري والخمري وغيرهما على حسب المعاني التي ينظمون فيها، ومن هذا النوع ما نظمه الصفي الحلي يسحر به بعض الخلفاء: لا زال سعدك جديد ... دائم وجدك سعيد "ص٢٥٤ ج٢: المستطرف" الحمق: وهو نوع قد يدخلونه في الزجل، ولكن أكثرهم على أنه منفرد، وهم ينظمونه قطعًا، كل بيتين من القطعة في قافية "انظر: ص٢٥٥ ج٢: المستطرف". العامي: وهو نوع من النظم نشير إليه استطرادًا ونلم به تفكهة وتملحًا، وذلك أن "اللغويين" من أدباء العامة يخترعون ألفاظًا غريبة لا تجري على وزن ولا تدخل في لغة، ثم ينظمونها معاياة بها في

стр. 625

الحفظ، أو إغرابًا في التفكهة، أو مبالغة في التشدق والتقعير، كالقصيدة التي أوردها صاحب كتاب "إعلام الناس" ونسبها للأصمعي، وقصتها هناك فارجع إليها، وهي من تكاذيب الظرفاء وباطل المنحول. ورأينا في كتاب "نفحة اليمن" للأنصاري أنه اجتمع في بلدة كلكتة سنة ١٢٢٢هـ برجل من العرب اسمه جواد ساباط وقد ارتد عن الإسلام وسمي ناثانائيل ساباط، وهو واحد فيما يرويه من المضحكات والعجائب، قال: وله نظم على أسلوب أبي الهميسع المنسوب إليه لفظ "حَجْلَنْجَع" وذكر هناك بعض شعره، ومنه قصيدة شينية يقول فيها: بهشوا الخرباش عنه برخشوا ... طسعوا عن دارمي حين تشوا وذلك يدل على أن أبا الهميسع كان متميزًا بهذه الطريقة، وقد أولع بها أهل التقعير من المتأخرين، ومنها قول بعضهم وقد ضبطناه بإملائه: يا سائلي عن حبلطنج عجرفت ... عجرفتاه تمر كالعنبعلص ولا نشك في أن هذه القافية في معارضة كلمة أبي الهميسع التي ذكرها الأنصاري وأول من ابتدأ هذه الطريقة من الفصحاء بشار بن برد أبو المحدثين كان يجيء بالكلمات اليسيرة التي لا حقيقة لها فيحشوا بها شعره ليتنادر بذلك، ومنه ما حكاه قال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: لم مت؟ ألم أكن أحسن إليك؟ فقال: سيدي خذ بي أتانا ... عند باب الأصبهاني تيمتني ببنان ... وبدل قد شجاني ولها خد أسيل ... مثل خد الشيفران فقال له بعضهم: ما الشيفران؟ قال: ما يدريني؟ هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فاسأله! "ص٦٤ ج٣: الأغاني"، ثم استظرف الناس منه ذلك فمروا فيه حتى بلغ مبلغه في المتأخرين. والله أعلم.

стр. 626

الباب السادس: في حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها السبع الطوال ... السبع الطوال: هي المعروفة بالمعلقات المروية لامرئ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، والحارث بن حلزة، وكلهم جاهليون إلا لبيدًا فإنه من المخضرمين؛ وإنما سميت المعلقات؛ لأن العرب اختارتها بين أشعارها فكتبوها بالذهب على الحرير، وقيل: بماء الذهب في القباطي "جمع قبطية - بالكسر والضم، وهي ثياب إلى الرقة والدقة والبياض، كانت تتخذ بمصر من الكتان" ثم علقوها على أركان الكعبة، وقيل: في أستارها، وزاد بعضهم أنهم كانوا يسجدون لها كما يسجدون لأصنامهم. أما أن هذه القصائد من مختارات الشعر فأمر لا ندفعه؛ لأن العرب في الجاهلية، كان يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يعبأ به حتى يأتي مكة فيعرضه على قريش، فإن استحسنوه روي وكان فخرًا لقائله، وإن لم يستحسنوه طرح وذهب فيما يذهب؛ قال أبو عمرو بن العلاء المتوفى سنة ١٥٤هـ "وقيل: ١٥٩هـ": وكانت العرب تجتمع في كل عام بمكة، وكانت تعرض أشعارها على هذا الحي من قريش. وأما خبر الكتابة بالذهب أو بمائه والتعليق على الكعبة ففي روايته نظر، وعندي أنه من الأخبار الموضوعة التي خفي أصلها حتى وثق بها المتأخرون، وإنما استدرجهم إلى ذلك أن هذه القصائد تكاد تكون الصفحة المذهبة في ديوان الجاهلية، وأن العرب قوم لم يصح من أديانهم إلا دين الفصاحة وهو الذي دانوا به أجمعين، فلو أنهم فعلوا ذلك لكانوا قد أتوا بشيء غير نكير، وسنقص في أخبارهم وكتبهم أثر تلك الرواية ونورد ما رجح عندنا أنها موضوعة: نقل ابن خلكان عن ابن جعفر النحاس المتوفى سنة ٣٣٧هـ "وقيل: ٣٣٨هـ" أن حمادًا الراوية هو الذي جمع السبع الطوال، وحماد هذا توفي سنة ١٥٥هـ، وفي "المزهر" أنه أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، وقال البغدادي في "خزانة الأدب" "ص٦١ ج١" بعد أن ذكر أصحاب المعلقات: وقد طرح عبد الملك بن مروان شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة، وعبد الملك توفي سنة ٨٦هـ, فبين وفاته ووفاة حماد ٦٩سنة، ثم قال البغدادي: وروي أن بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعار فسماها المعلقات، وفي رواية أخرى -في غير "الخزانة": فماسها المعلقات الثواني. وقال ابن الكلبي المتوفى ٢٠٤هـ "وقيل: سنة ٢٠٦هـ": أول شعر علق في الجاهلية شعر امرئ القيس، علق على ركن من أركان الكعبة أيام الموسم حتى نظر إليه، ثم أحْدِرَ فعلقت الشعراء ذلك بعده، وكان ذلك فخرًا للعرب في الجاهلية، وعدوا من علق شعره سبعة نفر، إلا أن عبد الملك طرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة. وبمعارضة هذه الرواية بما ذكره أبو جعفر النحاس يتضح لك أن أبا جعفر لم يثق بها، فيكون

стр. 627

خبر طرح عبد الملك وإثباته موضوعًا أيضًا، خصوصًا وقد أغفله أبو زيد بن أبي الخطاب القرشي صاحب الجمهرة المتوفى سنة ١٧٠هـ، وابن الكلبي هذا هو الذي نقل عنه الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب في شرحه ديوان امرئ القيس عند ذكر قصيدته المختارة أنه قال: إن أعراب كلب ينشدون هذه القصيدة لابن حذام "هو امرؤ القيس بن حذام" وذكره امرؤ القيس بن حجر في بعض شعره حيث يقول: عوجا على الطلل المحيل لأننا ... نبكي الديار كما بكي ابن حذام ويروي خذام بالخاء، وحزام بالزاي، وحمام. ويقال إن "لأننا" لغة في "لعلنا"؛ حكى الخليل أن بعض العرب يقول: ائت السوق أنك تشتري لنا سويقًا، أي: لعلك. وكان ابن حذام بكى الديار قبل امرئ القيس. وقد أغفل ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ رواية ابن الكلبي بجملتها في كتابه "طبقات الشعراء"، ولم نر أحدًا ممن يوثق بروايتهم وعلمهم أشار إلى هذا التعليق ولا سمى تلك القصائد بهذا الاسم، كالجاحظ والمبرد وصاحب الجمهرة وصاحب الأغاني، مع أن جميعهم أوردوا في كتبهم نتفًا وأبياتًا منها، وقد ذكر أبو الفرج صاحب الأغاني المتوفى سنة ٣٥٦هـ أن عمرو بن كلثوم قام بقصيدته خطيبًا بسوق عكاظ، وقام بها في موسم مكة، فلو كان خبر التعليق صحيحًا لما ضره أن يقول، فكتبتها العرب وعلقتها على ركن من أركان الكعبة. وقال ابن قتيبة في ترجمة طرفة: وهو أجودهم طويلة، يعني مختارته. وفي ترجمة عنترة، وكانت العرب تسميها الذهبية، ولكنه قال في ترجمة الحارث بن حلزة عند ذكر قصيدته: وهي من جيد شعر العرب، وإحدى السبع المعلقات؛ ولم ترد هذه اللفظة إلا في هذا الموضع، غير أن البغدادي نقل كلمة في "الخزانة" معزوة إليه وأسقط منها لفظة المعلقات "ص١١٩ ج١" فيكون ذكرها في طبقات ابن قتيبة زيادة من النساخ، لشهرة الكلمة في المتأخرين وارتباطها بهذا النعت. والأسماء التي وردت بها تلك القصائد فيما لدينا من كتب الأدب والبيان واللغة إلى آخر القرن الثالث، هي: السبع الطوال، والسموط، والسبعيات؛ أما الأولى فهي تسمية حماد، وقد نقلها من الحديث $"أعطيت مكان التوراة السبع الطوال" وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف؛ واختلفوا في السابعة أنها يونس، أو يوسف، أو الكهف, وأما الثانية ففي "الجمهرة" عن المفضل أن امرأ القيس وزهيرًا والنابغة والأعشى ولبيدًا وعمرًا وطرفة، أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط "ونقلها صاحب "العمدة": السمط، ونقلها عنه السيوطي في "المزهر""، فمن قال إن السبع لغيرهم فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة؛ فأسقط من أصحاب المعلقات عنترة والحارث بن حلزة، وأثبت الأعشى والنابغة؛ وهذا مما يدل على أن بين الرواة اختلافًا فيهم، فلو كان خبر التعليق صحيحًا لكان نصا في تعيين الأسماء. وأصل التسمية بالسمط أو السموط، عن حماد أيضًا، ففي بعض أخباره قال: كانت العرب تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوا منها كان مقبولًا، وما ردوا منها كان مردودًا، فقدم عليهم علقمة بن

стр. 628

عبدة فأنشدهم: هل ما علمت وما استودعت مكتوم فقالوا: هذه سمط الدهر؛ ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم: طحا بك قلب في الحسان طروب فقالوا: هاتان سمطا الدهر؛ وهي رواية لا توافق ما قالوه من أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم عليها إلا في الشعر. وأما السبعيات فهي تسمية وقفنا عليها في "إعجاز القرآن" للباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣هـ؛ وقد ذكر هناك ما تؤخذ منه حقيقة هذه القصائد؛ قال: أنت لا تشك في جودة شعر امرئ القيس؛ ولا ترتاب في براعته؛ وقد ترى الأدباء أولًا يوازنون بشعره فلانًا وفلانًا؛ ويضمون أشعارهم إلى شعره؛ حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء لطيفة وأمور بديعة؛ وربما فضلوهم عليه أو سووا بينهم وبينه؛ أو قربوا موضع تقدمهم عليه وبرزوه بين أيديهم؛ ولما اختاروا -أي: الأدباء- قصيدته في السبعيات أضافوا إليها أمثالها، وقرنوا بها نظائرها؛ ثم نراهم يقولون: لفلان لامية مثلها ... إلخ، وقد أورد ذلك وبالغ في مدح القصيدة، ثم بين عوارها، وزيف كثيرًا من جيدها، ليظهر الفرق بين أجود الشعر وبين القرآن في أسباب الإعجاز، ويبرهن على أن القرآن جنس مميز وأسلوب متخصص، فلو صح عنده خبر التعليق وأن العرب هي التي اختارتها وقدمتها على سائر الشعر لكان في ذلك دليل يشد عليه يده شد الحريص. وفي "الجمهرة" عن المفضل "هو المفضل بن محمد الضبي، كان عالمًا بالشعر وكان أوثق من روى الشعر من الكوفيين، وهو معاصر لحماد الراوية، وقد غلبه عليه بصدق الرواية عند المهدي كما سيمر بك في بحث الرواة*" بعد أن ذكر أصحاب السموط قال: وقد أدركنا أكثر أهل العلم يقولون إن بعدهن سبعًا ما هن بدونهن، ولقد تلا أصحابهن أصحاب الأوائل فما قصروا، وهن "المجمهرات" لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن عمرو، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب. وأما منتقيات العرب فهن للمسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة، والمنتخل بن عويمر. وأما المذهبات فللأوس والخزرج خاصة، وهن لحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس. وعيون المراثي سبع، لأبي ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري؛ ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبي زبيد الطائي، ومالك بن الريب النهشلي، ومتمم بن نويرة اليربوعي.

стр. 629

وأما مشوبات العرب وهي التي شابهن الكفر والإسلام، فلنابغة بني جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وابن مقبل. وأما الملحمات السبع فهي للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة، والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم. قال المفضل: فهذه التسع والأربعون قصيدة هي عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام "ص٣٥" وبعد أن ساق صاحب الجمهرة أخبارًا أخرى قال: هذا ما صحت به الرواية عن الشعراء وأخبارهم. فقد خلص لنا مما تقدم أن حمادًا هو أول من اختار السبع الطوال وشهرها في الناس، وأن ابن الكلبي هو الذي ذكر خبر تعليقها على الكعبة، وهو قد علل ذلك بأن العرب ينظرونها في الموسم، ثم ينزلونها أو يبقونها، وأن من عدا ابن الكلبي ممن هم أوثق في رواية الشعر وأخباره لم يذكروا من ذلك شيئًا، بل جملة كلامهم ترمي إلى أن القصائد لم تخرج عن سبيل ما يختار من الشعر، وأن المتأخرين هم الذين بنوا على خبر التعليق ما ذكروه من أمر الكتابة بالذهب أو بمائه في الحرير أو في القباطي، وأن العرب بقيت تسجد لها ١٥٠ سنة حتى ظهر الإسلام، مع أن امرأ القيس لم يفته الإسلام بأكثر من مائة سنة، [وتسميتهم] لذلك المعلقات بالمذهبات، مع أنك رأيت في رواية المفضل أن المذهبات قصائد أخرى للأوس والخزرج، وذكر ابن رشيق في "العمدة" رواية أخرى في تسمية الطوال بالمعلقات، وهي أن الملك كان يقول إذا استجيدت قصيدة الشاعر: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته. [*وليس ببعيد أن يكون ابن الكلبي، وهو من متأخري الرواة، قد رأى انصراف الناس عن شعر الجاهلية والتأدب به إلا فيما احتاجوا إليه من الشاهد والمثل، ولا يكاد ذلك يعدو أشعارًا معروفة متداولة في أيدي العلماء لمكانة الشعر الإسلامي يومئذ، وقد كثر فحوله وافتنوا فيه أيما افتتان، وذهبوا في البديع كل مذهب، فاختلق ابن الكلبي -أو غيره- خبر التعليق، ليصرف وجوه الناس إلى هذه القصائد، وهم يومئذ أكثر ممن قبلهم ولعا بمآثر الجاهلية، لعفاء الصبغة العربية من سياسة عصرهم كما يعرف الواقف على التاريخ. وليس يشك أحد أنه لولا هذا الخبر لما بقيت هذه القصائد متدارسة إلى اليوم، لا لشاهد منها ولا لمثل فيها، ولكن لوقوع اختيار العرب عليها] . وعندنا أن الذي روى التعليق إنما أخذه من تعليق قريش للصحيفة، وذلك أنه لما فشا الإسلام وقوي المسلمون بحمزة وعمر، ائتمرت قريش في أن يكتبوا بينهم كتابًا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئًا؛ فكتبوا بذلك صحيفة بخط منصور بن عكرمة، ثم علقوها في جوف الكعبة توكيدًا لذلك الأمر على أنفسهم.

стр. 630

وأعجب شيء أنك لا ترى في كلام أحد من الصدر الأول من لدن النبي ﷺ ما يشير إلى ذلك الخبر، مع أنهم تكلموا في الشعر والشعراء وفاضلوا بينهم، وورد في الحديث كلام عن امرئ القيس وعنترة، وكل ذلك مما يدل على أن ذلك التعليق إنما كان بحبل التلفيق! وقد شرح هذه القصائد ذكر منهم صاحب "كشف الظنون" أبا جعفر بن النحاس المتوفى سنة ٣٣٨هـ، وأبا علي الثعالبي المتوفى سنة ٣٥٦هـ، وأبا بكر البطليوسي المتوفى سنة ٣٩٤هـ، وأبا زكريا ابن الخطيب التبريزي المتوفى سنة ٥٠٢هـ؛ والدميري صاحب "حياة الحيوان"، والزوزني المتوفى سنة ٤٨٦هـ وشرحه مطبوع متداول، وهي مشروحة أيضًا في كتاب "الجمهرة"، ولابن الأنباري عليها شرح مفرد. وقد رأينا من ينكر أن هذه القصائد صحيحة النسبة إلى قائليها، مرجحًا أنها منحولة وضعها مثل حماد الراوية، أو خلف الأحمر، وهو رأي فائل؛ لأن الروايات قد تواردت على نسبتها، وتجد أشياء منها في كلام الصدر الأول؛ وإنما تصحح الروايات بالمعارضة بينها؛ فإذا اتفقت فلا سبيل إلى ذلك، غير أنه مما لا شك فيه عندنا أن تلك القصائد لا تخلو من الزيادة وتعارض الألسنة، قل ذلك أو كثر؛ أما أن تكون بجملتها مولدة فدون هذا البناء نقض التاريخ.

стр. 631

امرؤ القيس مدخل ... امرؤ القيس: هو حندج بن حجر، الحندج الرملة الطيبة تنبت نباتًا حسنًا، وليس في العرب حجر -بضم الحاء- غير هذا؛ ومعنى امرئ القيس: رجل الشدة، والمسمون بهذا الاسم في العرب جماعة ذكر منهم السيوطي ستة عشر في كتابه "المزهر"؛ ومؤرخو الروم يذكرونه في كتبهم باسم قيس. يكنى أبا الحارث؛ وأبا وهب، ويلقب بالملك الضليل؛ وذي القروح، كان أبوه وأعمامه ملوكًا على قبائل من العرب، وكانت لأبيه على بني أسد إتاوة في كل سنة؛ فغبروا على ذلك دهرًا؛ ثم إنه بعث إليهم جابيه الذي كان يجبيهم فمنعوه ذلك؛ وحجر يومئذ بتهامة؛ وضربوا رسله وضرجوهم ضرجًا شديدًا قبيحًا؛ فسار إليهم وأخذ سراتهم فجعل يقتلهم بالعصا؛ فسموا عبيد العصا؛ وآلى أن لا يساكنهم في بلد أبدًا؛ وحبس منهم عمرو بن مسعود؛ وكان سيدًا؛ وعبيد بن الأبرص الشاعر؛ ثم إن عبيدًا استعطفه بأبيات منها: برمت بنو أسد كما ... برمت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه إما تركت تركت عفوًا ... أو قتلت فلا ملامه أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه فرق لهم حجر وبعث في أثرهم؛ فأقبلوا؛ حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة يحضهم على قتله، فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر، فهجموا على قبته وخيم عليه حجابه ليمنعوه ويجيروه، فأقبل عليهم علباء بن الحارث الكاهلي، وكان حجر قد قتل أباه، فطعنه من خللهم، فأصاب نساه فقتله، وقيل غير ذلك، وأنهم أخذوه أسيرًا في حرب بينهم وبينه، فوثب عليه ابن أخت علباء فطعنه ولم يجهز عليه، فأوصى ودفع كتابه إلى رجل وأمره أن ينطلق إلى أولاده ويستقرئهم واحدًا واحدًا حتى يأتي امرأ القيس، وكان أصغرهم، فأيهم لم يجزع دفع إليه سلاحه وخيله ووصيته، وكان بين فيها من قتله وكيف كان خبره، فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه، ثم استقرأهم واحدًا واحدًا، فكلهم فعل ذلك، حتى أتى امرأ القيس فوجده مع ندين له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد، فقال له: قتل حجر! فلم يلتفت إلى قوله وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس: اضرب، فضرب، حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك! ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره، فقال: "الخمر علي والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة"! وفي خبر آخر أن حجرًا كان طرد امرأ القيس وآلى أن لا يقيم معه، أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيئ وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديرًا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى

стр. 632

الصيد فتصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره، فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن فقال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر! ثم شرب سبعًا، فلما صحا آلى أن لا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه حتى يدرك ثأره، وفي "الأغاني" رواية أخرى عن سيبويه عن الخليل بن أحمد "ص٧٥ ج٨". ثم إنه نهد إلى بني أسد فقاتلهم، وكان أدركهم ظهرًا وقد تقطعت خيله وقطع أعناقهم العطش، فكثرت الجرحى والقتلى، وحجز الليل بينهم وهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب -وهم الذين كانوا معه- أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: لقد أصبت ثأرك، قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدًا. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم، وانصرفوا عنه، فمضى هاربًا لوجهه، حتى أمده مرثد الخير بن ذي جدن الحميري، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر رجالًا من القبائل ثم خرج فظفر ببني أسد، وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه إليه الجيوش فتفرق من كان معه ونجا في عصبته، فكان ينزل على بعض العرب ويرحل حتى قدم على السموأل فعرف له حقه، فكان عنده ما شاء الله، ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام ليوصله إلى قيصر، فاستنجد له رجلًا فلما انتهى إلى قيصر -ذكر مؤرخو الروم أنه القيصر يوستينيانس, وقال بعضهم إن امرأ القيس قدم عليه في القسطنطينية فقلده إمرة فلسطين، إلا أنه لم يسع في إصلاح أمره وإعادة ملكه، فضجر وقفل راجعًا، ثم أصابه مرضى كالجدري في طريقه كان سبب موته- قبله وأكرمه وضم إليه جيشًا كثيفًا فيهم جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل من عنده [وشى به] الطماح، وهو رجل من بني أسد كان امرؤ القيس قد قتل أخًا له. "ص٧٣ ج٨: الأغاني". ثم دفن في سفح جبل يقال له عسيب ببلدة تدعى أنقرة، وقيل: إن ذلك سنة ٥٣٨ للميلاد، أي: سنة ٨٤ قبل الهجرة، وقيل: سنة ٥٦٥م، ووفيات الجاهلية لا يعتمد فيها على نصوص التاريخ إلا الذين تكون أدمغتهم مجلدات من التاريخ القديم.

стр. 633

طويلة امرئ القيس: ذلك نبذ من تاريخ أمير الشعراء بسطنا منه بعض ما يكشف لك وجه نشأته، لتعرف الأخلاق التي كان لا بد لشعره أن يظهر بها مظهر المتميز والمتخصص، ثم نحن نسوق إليك طرفًا من الحديث عن طويلته، ثم نقذف بجملة الكلام عن شعره في فصل انتقادي؛ لأن امرأ القيس ليس بالشاعر الذي يقال فيه ولد ومات، فيترجم بألفاظ لا تفوت حتى تموت، ولكنه الرجل الذي افتتح به ديوان التاريخ الأدبي، وما زال فيه كأنه قطعة من الزمن، لا يغيره الموت ولا يغيبه الكفن! كان من حديث تلك القصيدة أن امرأ القيس كان مولعًا ببنت عم له يقال لها فاطمة، وأنه طلبها زمانًا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير* [حين مرت به فتيات وفيهن ابنة عمه يردن الغدير

стр. 634

ليبتردن، فتبعهم مختفيًا، فلما تجردن ودخلن الغدير وثب على ثيابهن فأخذها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطي واحدة منكن ثوبها حتى تخرج كما هي فتأخذه بيدها. فأبين ذلك عليه، حتى ارتفع النهار؛ فلما خشين فوات الوقت خرجت إحداهن فوضع لها ثيابها ناحية فلبستها....] ، ثم تتابعن على ذلك حتى فضحهن جميعًا، وذلك العهر الذي ليس بعده خلق ذميم ولا عهد أثيم، ثم حملن متاع راحلته بعد أن نحرها لهن، وحملته ابنة عمه على غارب بعيرها، فلما راح إلى أهله نفث الخبيث على لسانه، فقال هذه القصيدة وقص فيها ما كان وجعلها حديثًا باقيًا على الدهر. وقد قابلنا بين أربع نسخ منها بروايات مختلفة، فما وجدنا نسخة تساوي الأخرى في عدد أبياتها، فهي في الجمهرة سبعون بيتًا، وفي الديوان الذي شرحه الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب ٧٧ بيتًا، وهو ينقل في مواضع من شرحه عن ابن النحاس، فلعله قابل على نسخته؛ وفي شرح الزوزني ٧٩، وفي نسخة أخرى من ديوانه ٧٥ بيتًا؛ وهذه النسخ تختلف مع ذلك في كثير من الأبيات تقديمًا وتأخيرًا، وفي رواية بعض الألفاظ، بحيث لا تجتمع اثنتان منها على صورة واحدة. أما القصيدة فقد وقف فيها واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الديار والآثار، ثم استشعر العزاء وتجلد، ثم التاع وتنهد، ثم كأنه عفا وتجدد، وذكر يوم الغدير، ووصف عقر ناقته للعذارى، وتبذله لهن تبذل الجآذر، وارتماءهن بلحمها وشحمها، ثم ألم بأطراف العفاف من ابنة عمه، وتعهر في ذلك حتى كأن الكلام لا يمر بقلبه به يخلقه لسانه خلقًا، إلا في أبيات قليلة، ووصف الجمال وصفًا ظاهرًا يبلغ شهوة النظر، ثم وصف طول الليل وخرج من الفخر إلى صفة الخيل، واستتبع ذلك بالصيد والقنص والطعام، ثم رفع عينيه إلى البرق والسحاب، وخفضها إلى الجبل فزمله من المطر في ثياب، ثم أغمضها وسكت كما يسكت على خير جواب. المختار في ذلك كله قوله: أفاطم مهلًا بعض هذا التذلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطي بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

стр. 635

شاعرية امرئ القيس وأسباب شهرته: كان امرؤ القيس يماني النسب ولكنه كان نزاري الدار والمنشأ، فإن الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد، ومن ثم كانت له الفصاحة؛ وقد رأيت أن أباه وأعمامه كانوا ملوكًا، ولملكهم قصة رواها صاحب "الأغاني"؛ فلم يألفوا ما ألفته العرب من خشونة العيش وجفاء البداوة، بل كان أبوه حين يرتحل يقدم بعض ثقله أمامه ويهيئ نزله، ثم يجيء وقد هيئ له من ذلك ما يعجبه، فضربت القباب، واجتمعت القيان، فينزل، ويقدم مثل ذلك إلى ما بين يديه من المنازل "ص٦٧ ج٨: الأغاني". فلا جرم كان ميراث امرئ القيس منه هذه الكبرياء التي تمسح شعره، وتلك النعمة التي يرف بها رفيفًا؛ وقد كان المهلهل الشاعر خاله، فنزع إليه بالعرق، واجتمع له الشعر والنعمة والكبرياء، على فراغ وشباب، فأفسدته، فشب خليعًا ماجنًا يتعهر في شعره، ولم يطرده أبوه أنفة من الشعر؛ لأن الملوك كانت تأنف منه كما يروى، ولكن حياء مما فيه؛ إذ كان شعره قد تغالبت عليه الشهوات حتى كأنه صورة قلبه ثم كانت العرب تروي ذلك منسوبًا إلى ابن ملك من ملوكها، وقد كان أبوه أراد أن يشغله عن الشعر فجعله في رعاء إبله حتى يكون في أتعب عمل، فلما كان الليل بات يدور إلى متحدثه حيث كان يتحدث، فقال أبوه: ما شغبته بشيء؛ ثم أرسله في خيله، فكذلك؛ ثم جعله في الضأن، فمكث يومه فيها، حتى إذا أمسى أراحها، فلما بلغت المراح دنا أبوه يسمع فإذا هو يقول: أخزاها الله وقد أخزاها، من باعها خير ممن اشتراها! ثم سقط ليلته لا يتحرك، لما أصبح قال أبوه: اخرج بها؛ فمضى حتى بعد عن الحي وأشرف على الوادي، فحثا في وجهها التراب فارتدت. وخرج مراغمًا لأبيه، فكان يسير في العرب يستتبع صعاليكهم وذؤبانهم، ويطلب الصيد والغزل وما إلى ذلك فلم يبق في شعره فضل لشرف النفس والعفة والحفاظ، ولولا تصعلكه ومخالطته الرعاء لما جنح في التشبيه إلى مساويك الإسحل، وحب الفلفل، ونقف الحنظل، وغيرها مما هو في شعره؛ ولما جاء في ذلك بالساقط والسفساف، وقد عابه عليه المتأخرون وما أنصفوه؛ لأنه لا يكون كابن المعتز الذي إليه انتهى التشبيه في صناعة الشعر، فهو يصف ماعون بيته إذ يقول في الهلال: فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر فانتقاد الشاعر من هذه الجهة خطأ بيّن؛ لأن ذلك سبب طبيعي لا قبل للانتقاد به وهو أشبه شيء بعيب الطويل لطوله، والقصير لقصره، والحبل لنسعته، ونحو ذلك، مع أن في تلك مناسبات أخرى تستدعي الإعجاب وتعد في محاسن الخلق. ولا يذهبن عنك أن الذين ينتقدون امرأ القيس وغيره بما هو من خصائص الجاهلية، إنما نشأ عندهم ذلك بعد مقابلته بنعمة الحضارة وترف العمران، ولو كانوا في الجاهلية لكانوا أجهل منه؛ ولكن في شعر كل شاعر ما يمكن أن ينتقد في كل زمن، وذلك مما يكون سبيله سبيل المعاني الطبيعية، ولا يتفاوت في الناس إلا بمميزات أخرى ترجع إلى النشأة وسلامة الذوق وخلوص الفطرة ونحوها من الصفات التي هي تأويل معن التفاوت. ومن تدبر ما نقلوه من شعر امرئ القيس يخيل له أول وهلة أن هذه الشهرة التي رزقها ليست
следующие страницы →