← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

امرؤ القيس مدخل ... امرؤ القيس: هو حندج بن حجر، الحندج الرملة الطيبة تنبت نباتًا حسنًا، وليس في العرب حجر -بضم الحاء- غير هذا؛ ومعنى امرئ القيس: رجل الشدة، والمسمون بهذا الاسم في العرب جماعة ذكر منهم السيوطي ستة عشر في كتابه "المزهر"؛ ومؤرخو الروم يذكرونه في كتبهم باسم قيس. يكنى أبا الحارث؛ وأبا وهب، ويلقب بالملك الضليل؛ وذي القروح، كان أبوه وأعمامه ملوكًا على قبائل من العرب، وكانت لأبيه على بني أسد إتاوة في كل سنة؛ فغبروا على ذلك دهرًا؛ ثم إنه بعث إليهم جابيه الذي كان يجبيهم فمنعوه ذلك؛ وحجر يومئذ بتهامة؛ وضربوا رسله وضرجوهم ضرجًا شديدًا قبيحًا؛ فسار إليهم وأخذ سراتهم فجعل يقتلهم بالعصا؛ فسموا عبيد العصا؛ وآلى أن لا يساكنهم في بلد أبدًا؛ وحبس منهم عمرو بن مسعود؛ وكان سيدًا؛ وعبيد بن الأبرص الشاعر؛ ثم إن عبيدًا استعطفه بأبيات منها: برمت بنو أسد كما ... برمت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه إما تركت تركت عفوًا ... أو قتلت فلا ملامه أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه فرق لهم حجر وبعث في أثرهم؛ فأقبلوا؛ حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة يحضهم على قتله، فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر، فهجموا على قبته وخيم عليه حجابه ليمنعوه ويجيروه، فأقبل عليهم علباء بن الحارث الكاهلي، وكان حجر قد قتل أباه، فطعنه من خللهم، فأصاب نساه فقتله، وقيل غير ذلك، وأنهم أخذوه أسيرًا في حرب بينهم وبينه، فوثب عليه ابن أخت علباء فطعنه ولم يجهز عليه، فأوصى ودفع كتابه إلى رجل وأمره أن ينطلق إلى أولاده ويستقرئهم واحدًا واحدًا حتى يأتي امرأ القيس، وكان أصغرهم، فأيهم لم يجزع دفع إليه سلاحه وخيله ووصيته، وكان بين فيها من قتله وكيف كان خبره، فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه، ثم استقرأهم واحدًا واحدًا، فكلهم فعل ذلك، حتى أتى امرأ القيس فوجده مع ندين له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد، فقال له: قتل حجر! فلم يلتفت إلى قوله وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس: اضرب، فضرب، حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك! ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره، فقال: "الخمر علي والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة"! وفي خبر آخر أن حجرًا كان طرد امرأ القيس وآلى أن لا يقيم معه، أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيئ وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديرًا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى

стр. 632

الصيد فتصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره، فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن فقال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر! ثم شرب سبعًا، فلما صحا آلى أن لا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه حتى يدرك ثأره، وفي "الأغاني" رواية أخرى عن سيبويه عن الخليل بن أحمد "ص٧٥ ج٨". ثم إنه نهد إلى بني أسد فقاتلهم، وكان أدركهم ظهرًا وقد تقطعت خيله وقطع أعناقهم العطش، فكثرت الجرحى والقتلى، وحجز الليل بينهم وهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب -وهم الذين كانوا معه- أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: لقد أصبت ثأرك، قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدًا. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم، وانصرفوا عنه، فمضى هاربًا لوجهه، حتى أمده مرثد الخير بن ذي جدن الحميري، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر رجالًا من القبائل ثم خرج فظفر ببني أسد، وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه إليه الجيوش فتفرق من كان معه ونجا في عصبته، فكان ينزل على بعض العرب ويرحل حتى قدم على السموأل فعرف له حقه، فكان عنده ما شاء الله، ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام ليوصله إلى قيصر، فاستنجد له رجلًا فلما انتهى إلى قيصر -ذكر مؤرخو الروم أنه القيصر يوستينيانس, وقال بعضهم إن امرأ القيس قدم عليه في القسطنطينية فقلده إمرة فلسطين، إلا أنه لم يسع في إصلاح أمره وإعادة ملكه، فضجر وقفل راجعًا، ثم أصابه مرضى كالجدري في طريقه كان سبب موته- قبله وأكرمه وضم إليه جيشًا كثيفًا فيهم جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل من عنده [وشى به] الطماح، وهو رجل من بني أسد كان امرؤ القيس قد قتل أخًا له. "ص٧٣ ج٨: الأغاني". ثم دفن في سفح جبل يقال له عسيب ببلدة تدعى أنقرة، وقيل: إن ذلك سنة ٥٣٨ للميلاد، أي: سنة ٨٤ قبل الهجرة، وقيل: سنة ٥٦٥م، ووفيات الجاهلية لا يعتمد فيها على نصوص التاريخ إلا الذين تكون أدمغتهم مجلدات من التاريخ القديم.

стр. 633

طويلة امرئ القيس: ذلك نبذ من تاريخ أمير الشعراء بسطنا منه بعض ما يكشف لك وجه نشأته، لتعرف الأخلاق التي كان لا بد لشعره أن يظهر بها مظهر المتميز والمتخصص، ثم نحن نسوق إليك طرفًا من الحديث عن طويلته، ثم نقذف بجملة الكلام عن شعره في فصل انتقادي؛ لأن امرأ القيس ليس بالشاعر الذي يقال فيه ولد ومات، فيترجم بألفاظ لا تفوت حتى تموت، ولكنه الرجل الذي افتتح به ديوان التاريخ الأدبي، وما زال فيه كأنه قطعة من الزمن، لا يغيره الموت ولا يغيبه الكفن! كان من حديث تلك القصيدة أن امرأ القيس كان مولعًا ببنت عم له يقال لها فاطمة، وأنه طلبها زمانًا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير* [حين مرت به فتيات وفيهن ابنة عمه يردن الغدير

стр. 634

ليبتردن، فتبعهم مختفيًا، فلما تجردن ودخلن الغدير وثب على ثيابهن فأخذها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطي واحدة منكن ثوبها حتى تخرج كما هي فتأخذه بيدها. فأبين ذلك عليه، حتى ارتفع النهار؛ فلما خشين فوات الوقت خرجت إحداهن فوضع لها ثيابها ناحية فلبستها....] ، ثم تتابعن على ذلك حتى فضحهن جميعًا، وذلك العهر الذي ليس بعده خلق ذميم ولا عهد أثيم، ثم حملن متاع راحلته بعد أن نحرها لهن، وحملته ابنة عمه على غارب بعيرها، فلما راح إلى أهله نفث الخبيث على لسانه، فقال هذه القصيدة وقص فيها ما كان وجعلها حديثًا باقيًا على الدهر. وقد قابلنا بين أربع نسخ منها بروايات مختلفة، فما وجدنا نسخة تساوي الأخرى في عدد أبياتها، فهي في الجمهرة سبعون بيتًا، وفي الديوان الذي شرحه الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب ٧٧ بيتًا، وهو ينقل في مواضع من شرحه عن ابن النحاس، فلعله قابل على نسخته؛ وفي شرح الزوزني ٧٩، وفي نسخة أخرى من ديوانه ٧٥ بيتًا؛ وهذه النسخ تختلف مع ذلك في كثير من الأبيات تقديمًا وتأخيرًا، وفي رواية بعض الألفاظ، بحيث لا تجتمع اثنتان منها على صورة واحدة. أما القصيدة فقد وقف فيها واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الديار والآثار، ثم استشعر العزاء وتجلد، ثم التاع وتنهد، ثم كأنه عفا وتجدد، وذكر يوم الغدير، ووصف عقر ناقته للعذارى، وتبذله لهن تبذل الجآذر، وارتماءهن بلحمها وشحمها، ثم ألم بأطراف العفاف من ابنة عمه، وتعهر في ذلك حتى كأن الكلام لا يمر بقلبه به يخلقه لسانه خلقًا، إلا في أبيات قليلة، ووصف الجمال وصفًا ظاهرًا يبلغ شهوة النظر، ثم وصف طول الليل وخرج من الفخر إلى صفة الخيل، واستتبع ذلك بالصيد والقنص والطعام، ثم رفع عينيه إلى البرق والسحاب، وخفضها إلى الجبل فزمله من المطر في ثياب، ثم أغمضها وسكت كما يسكت على خير جواب. المختار في ذلك كله قوله: أفاطم مهلًا بعض هذا التذلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطي بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

стр. 635

شاعرية امرئ القيس وأسباب شهرته: كان امرؤ القيس يماني النسب ولكنه كان نزاري الدار والمنشأ، فإن الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد، ومن ثم كانت له الفصاحة؛ وقد رأيت أن أباه وأعمامه كانوا ملوكًا، ولملكهم قصة رواها صاحب "الأغاني"؛ فلم يألفوا ما ألفته العرب من خشونة العيش وجفاء البداوة، بل كان أبوه حين يرتحل يقدم بعض ثقله أمامه ويهيئ نزله، ثم يجيء وقد هيئ له من ذلك ما يعجبه، فضربت القباب، واجتمعت القيان، فينزل، ويقدم مثل ذلك إلى ما بين يديه من المنازل "ص٦٧ ج٨: الأغاني". فلا جرم كان ميراث امرئ القيس منه هذه الكبرياء التي تمسح شعره، وتلك النعمة التي يرف بها رفيفًا؛ وقد كان المهلهل الشاعر خاله، فنزع إليه بالعرق، واجتمع له الشعر والنعمة والكبرياء، على فراغ وشباب، فأفسدته، فشب خليعًا ماجنًا يتعهر في شعره، ولم يطرده أبوه أنفة من الشعر؛ لأن الملوك كانت تأنف منه كما يروى، ولكن حياء مما فيه؛ إذ كان شعره قد تغالبت عليه الشهوات حتى كأنه صورة قلبه ثم كانت العرب تروي ذلك منسوبًا إلى ابن ملك من ملوكها، وقد كان أبوه أراد أن يشغله عن الشعر فجعله في رعاء إبله حتى يكون في أتعب عمل، فلما كان الليل بات يدور إلى متحدثه حيث كان يتحدث، فقال أبوه: ما شغبته بشيء؛ ثم أرسله في خيله، فكذلك؛ ثم جعله في الضأن، فمكث يومه فيها، حتى إذا أمسى أراحها، فلما بلغت المراح دنا أبوه يسمع فإذا هو يقول: أخزاها الله وقد أخزاها، من باعها خير ممن اشتراها! ثم سقط ليلته لا يتحرك، لما أصبح قال أبوه: اخرج بها؛ فمضى حتى بعد عن الحي وأشرف على الوادي، فحثا في وجهها التراب فارتدت. وخرج مراغمًا لأبيه، فكان يسير في العرب يستتبع صعاليكهم وذؤبانهم، ويطلب الصيد والغزل وما إلى ذلك فلم يبق في شعره فضل لشرف النفس والعفة والحفاظ، ولولا تصعلكه ومخالطته الرعاء لما جنح في التشبيه إلى مساويك الإسحل، وحب الفلفل، ونقف الحنظل، وغيرها مما هو في شعره؛ ولما جاء في ذلك بالساقط والسفساف، وقد عابه عليه المتأخرون وما أنصفوه؛ لأنه لا يكون كابن المعتز الذي إليه انتهى التشبيه في صناعة الشعر، فهو يصف ماعون بيته إذ يقول في الهلال: فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر فانتقاد الشاعر من هذه الجهة خطأ بيّن؛ لأن ذلك سبب طبيعي لا قبل للانتقاد به وهو أشبه شيء بعيب الطويل لطوله، والقصير لقصره، والحبل لنسعته، ونحو ذلك، مع أن في تلك مناسبات أخرى تستدعي الإعجاب وتعد في محاسن الخلق. ولا يذهبن عنك أن الذين ينتقدون امرأ القيس وغيره بما هو من خصائص الجاهلية، إنما نشأ عندهم ذلك بعد مقابلته بنعمة الحضارة وترف العمران، ولو كانوا في الجاهلية لكانوا أجهل منه؛ ولكن في شعر كل شاعر ما يمكن أن ينتقد في كل زمن، وذلك مما يكون سبيله سبيل المعاني الطبيعية، ولا يتفاوت في الناس إلا بمميزات أخرى ترجع إلى النشأة وسلامة الذوق وخلوص الفطرة ونحوها من الصفات التي هي تأويل معن التفاوت. ومن تدبر ما نقلوه من شعر امرئ القيس يخيل له أول وهلة أن هذه الشهرة التي رزقها ليست

стр. 636

على مقدار شعره، ولا هي في وزن براعته، ولكنها جاءته من ذكره في الحديث الشريف، وما زين به الرواة أخباره وشعره حتى كأنما عوضه الدهر من ملك النسب ملك الأدب، ولكن ذلك إنما يعتريه إذا قرأ بعض ما نسب إليه لا جميعه؛ لأن في شعره منحولًا كثيرًا، وبعضه يلائم ديباجته فيكاد يلتحم به حتى لا يميزه إلا دقيق النظر، ولا برهان لدينا على النفي والإثبات في شعر مثل امرئ القيس ومنزلته ما هي؛ وليس من شاعر أو راوية إلا وقد أحب أن يكون له في كلامه لفظ أو معنى، ولذلك تعاوروا ألفاظه بالتغيير والتبديل، وأدخلوا في شعره ما ليس منه، وقد نص بعضهم على أنه لم يصح له إلا نيف وعشرون شعرًا بين طويل وقطعة "ص٦٧ ج١: العمدة" ولذا نفى الأصمعي الأبيات المروية التي يقول فيها: ألا إلا تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي وقال إن امرأ القيس لا يقول مثل هذا، وأحسبه للحطيئة. فما استطاع أن يستدل على ذلك إلا بقوله فيها: فتوسع أهلها أقطًا وسمنًا ... وحسبك من غنى شبع وري لأن مثل هذا لا يقوله من يذكر عن نفسه أنه لا يقتصر إلا على الحصول على الملك "ص١٧٥: شرح ديوانه". وإنما يناسب مثل الحطيئة لما في شعره من الجشع والضراعة. وقد بالغوا في الحمل عليه حتى كأنه دابة الشعر، فنسبوا له سخف القول وساقط الكلام وما يجري مجرى الهذيان؛ ورأيت في بعض نسخ ديوانه قصيدة لامية أشبه شيء بالجلجلوتية وشعر الطلاسم، منها: فكم كم وكم كم ثم كم كم وكم وكم ... قطعت الفيافي والمهامه لم أملّ وكاف وكفكاف وكفي بكفها ... وكاف كقوف الودق من كفها انهمل وهذا المغفل الذي نحله هذه القصيدة جرى في بعضها على قياس قوله في القصيدة التي تروى له "ص١١٩: من ديوانه": وسن كسنيق سناء وسنم ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض ولعل هذه "الكمكمة" من قول محمد بن مناذر البصيري في معنى التكثير "ص٦٠ ج٢: العمدة". غير أن الناقد البصير يستطيع أن يتبين أسلوب امرئ القيس من قراءة قصيدتين أو ثلاث مما صح له، فيستخلص منها صفات شعره التي ميزته بالتقديم وجعلته أمير الشعراء وصاحب لوائهم؛ إذ كان أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وقبل أن نأتي على شيء من ذلك نذكر نشأته الشعرية وما استخلصناه من الأسباب الطبيعية في شهرته: كان امرؤ القيس يروي شعر أبو دؤاد الإيادي ويتوكأ عليه "ص٦١ ج١: العمدة" وهو فحل قديم كان أحد نعات الخيل المجيدين. قال الأصمعي: هم ثلاثة: أبو داؤد في الجاهلية، وطفيل، والجعدي. قال: والعرب لا تروي شعر أبي دؤاد وعدي بن زيد، وذلك أن ألفاظهما ليست بنجدية "ص٣٨: الطبقات".

стр. 637

فلو أن امرأ القيس لم يكن من أهل نجد لكانوا قد أهملوا رواية شعره ثم هو كان يعرف أن امرأ القيس بن حذام يبكي في شعره الطلول؛ فأخذ ذلك عنه كما أخذ صفة الخيل عن أبي دؤاد، وتراه يحاول أن يلحقه في إجادة نعتها والشهرة بذلك؛ حتى لا يخلو أكثر شعره من هذا الوصف. وقد كان يعاصره من الشعراء المعروفين: علقمة بن عبدة، وعبيد بن الأبرص؛ والشنفرى، وأبو دؤاد، وسلامة بن جندل، والمثقب العبدي، والبراق بن روحان، وتأبط شرا، والتوأم اليشكري؛ وكان من حشم أبيه شاعر اسمه عمرو بن قصبة، وهو الذي ذكره في قصيدته التي قالها حين توجه إلى قيصر، وذلك في قوله: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا وكل هؤلاء لم يقع للرواة من شعرهم مقدار ما وقع في أيديهم لامرئ القيس؛ فكان ذلك سببًا من أسباب تميزه وانفراده. وثم سبب آخر، وهو أن الذي في يد العلماء من أهل الغريب والعربية وعلماء البيان لا يجتمع منه لشاعر واحد جاهلي ما اجتمع لامرئ القيس؛ وهو عندهم طبقة متميزة لفصاحته وقدمه؛ فشعره أشبه شيء بأقدم كتاب في اللغة عند من يظفر به من المتأخرين، وكأنما كان بعضهم يجله عن الانتقاد في ألفاظه؛ فكل ما استعمله فصيح من حيثما تلقفه وكيفما جاء به، وإن كان ذلك لا شك في صحته دون فصاحته؛ فإن أهل النظر من علماء البصرة يقولون في تأويل بيته: لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر إنه لما جاور في طيء علق من لغتهم، وهم يقلبون الياء ألفًا؛ يقولون في رضينا: رضانا؛ وكذلك خظاتا أصله خظيتا؛ فقلب الياء الفًا؛ وهي لغة لم يلتزمها الشاعر، ولا وجه لها إلا أن يكون ميزان لسانه قد تعطل في هذه الكلمة كما تعطل في غيرها؛ فانحدرت منه ثقيلة غثة باردة؛ والعجيب أن علماء المعاني والنحو والعروض انتقدوه جميعًا وأخذوا عليه أشياء كثيرة؛ ولكن مات الانتقاد وبقيت الألفاظ حية، حتى إن أكثر ما قالواه لا يعرف اليوم ولم يورد منه شراح ديوانه إلا القليل؛ ولعلهم فعلوا ذلك ليتكافأ الانتقاد مع شهرة الرجل، وهؤلاء أصحاب البيان ما زالوا يطأطئون من الغدائر المستشزرات في كلامه ويضربونها مثلًا في التنافر والثقل، ولكن "مستشزرات" هذه كانت قد رسخت قبلهم حتى لم يستطيعوا أن يحدروها عن منزلتها من الشهرة، وذلك من عجائب امرئ القيس، فإن له ألفاظًا وإن كانت أحجارًا، إلا أنها ثابتة من شهرته في جبل. والعلماء بالشعر يقولون إن امرأ القيس لم يتقدم الشعراء؛ لأنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء واتبعوه فيها؛ لأنه أول من لطف المعاني، ومن استوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيدة، وقرب مآخذ الكلام، فقيد الأوابد، وأجاد الاستعارة والتشبيه؛ وقلما يخلو كتاب في الأدب من هذه الكلمة، وهي مع ذلك مقبولة كأنها ناموس من نواميس الطبيعة في شهرة هذا الشاعر، على أنها -كما ترى- لم تعزز ببرهان، ولم يمسكها دليل، فليس ما يمنعنا أن نمسها بالمحك فنخلص إلى حقيقتها.

стр. 638

أما أنه أول من لطف المعاني واستوقف على الطلول إلخ، فلا يكون دليله إلا تتبع كلام العرب ممن كانوا قبله، وإدارة الآذان في هواء الجزيرة من أكنافه، وهو شيء لا يصدق مدعيه كائنًا من كان؛ لأن العرب أنفسهم أهملوا رواية كلام أبي دؤاد كما ذكر الأصمعي، وسبيله سبيل غيره، فضلًا عمن أهملهم الزمن وجلدت صدورهم التي هي دواوين أشعارهم بصفحات من الكفن، وانظر ما معنى قول ذلك القائل: "وإنه أول من فرق بين النسيب وما سواه من القصيدة" فإن هي إلا كلمة مولد قصير النظر في مطارح الكلام، كأن شعراء العرب كلهم كانوا على سنة المولدين من افتتاح القصيدة بالنسيب ثم التخلص بعد ذلك إلى ما يأخذون فيه من المعاني، وهو رأي لم يقل به أحد؛ ولا يزال في القصائد المروية قبل امرئ القيس بقية من القوة على تكذيب. وأما أن هذا الشاعر أول من قرب مآخذ الكلام، فقيد الأوابد، أجاد الاستعارة والتشبيه، فهو الصحيح، ولكن لا على أن أول من ابتدأ ذلك، بل على أنه أول من اشتهر به وابتدع فيه، وجملة ما حفظ له منه أشياء معدودة، غير أنها لو توزعها شعراء الجاهلية لزانتهم جميعًا. بقي سبب آخر من أسباب شهرة امرئ القيس في العرب وبقاء شعره على ألسنتهم وهو أنهم يجدون في بعض كلامه رقة المنادمة وطرب الخمر وفتور الغزل وغير ذلك مما هو من حظ القلب، ثم هم يرونه إذا أخذ في غير هذه المعاني يطبع ألفاظه على قالبها من الاستعارة والتشبيه، فإذا قابلوا ذلك بخشونة غيره وانصرافه إلى أوصاف البداوة، وجدوا في شعره كالظل الذي يفيء، والماء الذي يجري والحسن الذي يتميح، والنسيم الذي يترنح؛ فكان ولا جرم كأنما يستهويهم استهواء، وكان مجموع شعره في البدو حضارة وفي الحضر بداوة؛ وهذا مروان بن أبي حفصة الشاعر أنشده العتبي لزهير، فقال: هذا أشعر الناس، ثم أنشده للأعشى فقال: بل هذا أشعر الناس، ثم أنشده لامرئ القيس فكأنما سمع به غناء على الشراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس "ص٩: الطبقات" ومروان شاعر [في صميم] الحضارة، فكيف بالعرب؟ وعندي أن هذا أعظم ما تتميز به شاعرية امرئ القيس؛ لأنه دليل الصنعة [تبرز على] الطبع، والطبع الذي يبلغ في سموه مبلغه بالصنعة؛ وهو الدليل الذي لو سقط من شعره لسقط بشعره لا محالة.

стр. 639

شعر امرئ القيس: لم نعد ما عددناه من أسباب شهرة هذا الشاعر وهو قليل مجمل، إلا توطئة لما يأتي من انتقاد كلامه، فإنه عند المتأخرين أفق لا يحس إلا بالنظر، ورجل كأنما كانت شهرته قدرًا من القدر، يأخذون ذلك بالتسليم، ويقولون هو أمر كان من قديم؛ مع أن أدباء الصدر الأول قد تكلموا في خطئه في العروض والنحو والمعاني، وعابوا عليه كثيرا من شعره وخطئوه في وجوه من التصرف، ولا يزال ديوانه يدعو إلى ذلك؛ لأنه هو هو اليوم وقبل اليوم، غير أن أولئك المتأخرين أصبحوا يرون هذا الديوان كدار الآثار: لا يطمع الحي ببعض الإجلال لميت من أمواتها. كل ما يتناوله امرؤ القيس في شعره من المعاني، لا يتجاوز الغزل، والاستهتار بالنساء، ووصف الصيد والخمر والطيب والخيل والنوق وحمر الوحش والطلول والجبال والبرق والمطر؛ أما افتخاره

стр. 640

في شعره فقليل جيد، والحكمة فيه أقل وأكثر جودة، ومن عيونها قوله: وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلب وهو يخرج بعض ذلك مخارج نافرة، فلا يتناسب شعره في الجودة، ولا يطرد في سلامة اللفظ، ولا يتشابه في صحة المعنى، بل يجيء بالشريف والسخيف، والمبتذل والضعيف؛ حتى كأن شعره صور على اضطراب أخلاقه، ولا يعلل ذلك إلا بتفاوت الأحوال التي يقول فيها، وأنه لم يكن يقصد إلى الشعر قصدًا إلا في القليل الذي أجاده وبرع فيه، أما فيما عدا ذلك فقد منعته الثقة بنفسه أن يتتبع عليها ويقابل بين وجوه الكلام، وذلك بديهي: وإلا فلا معنى لأن يكون مرة نجمًا في السحاب ومرة حجرًا في التراب؛ والشاعر الذي يسف إنما يسقط في طبقات الهواء لا في طبقات التراب؛ ولذلك كان جيد امرئ القيس أجود شيء، ورديئه أردأ شيء. وغزل هذا الشاعر ساقط كله؛ لأن استهتاره وتبذله معناه أن يتلطف في المعاني بما يستلزمه الإبداع في التعريض والكتابة، والاكتفاء باللمحة الدالة، فبردت حرارته بذلك التصريح، وثقل على القلوب إلا قليلًا مما يفتن فيه، فيجيء حسنه من صنعة المعنى لا من المعنى نفسه، كقوله: أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟ فإنه نزع فيه إلى الحماسة، وهو بيت لو دار في كل أمة لوجد له في شعرها موضعًا؛ وكذلك قوله: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالًا على حال وهذا البيت من مخترعاته، فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشعراء إليه، قال صاحب "العمدة": وهو أول الناس اختراعًا وأكثرهم توليدًا "ص١٧٥ ج١: العمدة" فلا يبغي من شعره إلا الوصف. ومداره على الاستعارة والتشبيه، وسنأخذ بطرف من الكلام فيهما، ثم نفصل به إلى القول في معانيه ومبلغ انطباق ألفاظه عليها، لنتبين موقع نظره في مطارح الكلام، ومذهب فؤاده من أسرار الصناعة؛ ولا بد لنا هنا من التنبيه على أن الأدباء قد وضعوا أشعارًا من البديع ونحلوها امرأ القيس، يقصدون من ذلك إلى الغض من شأن الذين اخترعوا تلك الأنواع؛ حتى يوهموا أنهم سبقوا إليها؛ أو إقامة الشاهد على بعض ما يتباغضون فيه من مبتذل الشعر. ومن النوع الأول ما أورده ابن رشيق "ص٥٥ ج٢: العمدة" بعد أن أورد بيتين لأبي نواس فقال: وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس: لمن طلل دارس آية ... أضر به سالف الأحرس تنكره العين من جانب ... ويعرفه شغف الأنفس وليس فيما دونوه لامرئ القيس؛ والتوليد فيه بين. ومن الثاني ما أورده ابن رشيق أيضًا "ص٢٥ ج٢: العمدة" عند الكلام على التقطيع والتقسيم من باب الترصيع، كقول المتنبي: أقل أنل اقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل فإنه قال: وأصل هذا كله من قول امرئ القيس: أفاد فجاد، وشاذ فزاد ... وقاد فذاد، وعاد فأفضل ومهما تهافت امرؤ القيس فلا أراه يسقط على مثل هذا.

стр. 641

استعاراته: قالوا إن الاستعارة إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتدارًا ودالة، وليس ضرورة؛ لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيهم؛ وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فهم إنما استعاروا مجازًا واتساعًا، ومرجع ذلك إلى شرح المعنى وفضل الإبانة عنه، أو تأكيده والمبالغة فيه أو الإشارة إليه بالقليل من اللفظ، أو بحسن المعرض الذي يبرز فيه، تبسطًا في اللغة، واسترسالًا في طرق التعبير، فعلى هذا تكاد تكون الاستعارة البيان كله، وليس من غرضنا أن نشرح أقسامها، أو نلم بما قالوه في تحقيقها، وإنما نتكلم عليها في شعر امرئ القيس خاصة، فهي التي ميزت شعره، وقلدت في جيد الزمان دره، وأكسبته شهرة أنه أول من أفلح في شق هذه الصدفة حتى زعم ابن وكيع "ص١٠٦ ج١: العمدة" أن أول استعارة وقعت في الكلام قوله: ويل كموج البحر أخرى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل وليس يخفى أن العربي الذي يجيء بالاستعارة المتمكنة إنما كان ينظر فيها ويديرها إدارة، بحيث لا تتفق اتفاقًا ولا تجيء عفوًا إلا في النادر، ولذلك قل الجيد منها في كلامهم حتى نزل القرآن، فتكون من هذه الجهة اختراعًا يدل على قوة غير قوة الفطرة، وهي في شعر امرئ القيس أكثر منها في المأثور من شعر غيره من الجاهلية، وأصفى ماء، وأعذب رواء، وحسب ذلك أن يكون دليلًا على تفضيله، وأشهر الاستعارات التي اتفقت له هذان البيتان. فاستعار لليل سدولًا يرخيها، وصلبًا يتمطى به، وأعجازًا يردفها وكلكلا ينوء به. وقد تنازعهما الأدباء، حتى جريا مجرى المثل، وقلما تجد كتابًا في البيان خاليًا منهما، وقد ذكر الآمدي في "الموازنة" البيت الثاني، ورد عليه ابن سنان وجعله من الاستعارة المتوسطة، وفرق بينهما صاحب المثل السائر، ولكنه على كل حال بمنزلة من الحسن. وسنخط في البيتين كلمة موجزة: أما الأول فإن تشبيه الليل بموج البحر تشبيه لا أحسن منه، لما يجيش فيه من الظنون ويتقلب من الخواطر، ثم هو مرمى البصر من سريرة الكون؛ فذلك شبه اتساع البحر وغوره بالنسبة لما يدرك النظر منه، غير أن قوله: أرخى سدوله، ذهب بذلك الحسن كله، إذ أفاد أن الغرض من التشبيه غرض محسوس، وهو أدنى أنواعه؛ لأن إرخاء السدول إنما يدل على السكون والحجاب، لا أكثر من ذلك، والكلمة استعارة لظلام الليل، فصارت لفظة الموج لا معنى لها إلا إقامة الوزن، وهي التي كانت عمود الحسن في التشبيه.

стр. 642

وأما البيت الثاني فقد أجمعوا على أنه في وصف طول الليل، ولست أراه كذلك، وإلا فلو تمطى كلب ما زاد في وصف طوله على هذه الألفاظ، وإنما أراد الشاعر ثقل الليل وفتوره، وأنه كلما هم أن ينجلي سقط، كما يفعل الذي يتمطى ثم يردف أعجازه ثم ينوء بكلكله. فالوصف حقيقة ممثلة وتصوير ناطق، وعلى ذلك المعنى تكون الاستعار أبلغ ما يمكن أن يقع في هذا الموضع، وما أخطأ من عده من التشبيه المضمر الأداة؛ لأنه به أليق. ومن تصرفه بالاستعارة في شعره قوله: وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر هر: هي المعروفة بابنة العامري وكان يشبب بها امرؤ القيس، وبفاطمة، والرباب، وهند، وفرتنا، ولميس؛ وسلمى، ومعنى البيت أن أباه أفلت منها، ولو رآها لصادته فيما تصيد، قالوا: واستعارة الصيد مع الهر مضحكة، ولو أن أباه من فارات بيته ما أسف على إفلاته منها هذا الأسف!. فقد ألزموه الاستعارة كما ترى حتى قارنوا بينها وبين استعارة زهير في قوله: "ص١٨٣ ج١: العمدة". ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا ولكنهم جهلوه فيها هذا الجهل وكيف بمثله من مثله؟ والذي أرى أنهم غفلوا عن المعنى الذي قصد إليه؛ فإن هرا كانت من كلب، وكان امرؤ القيس في كلب وطيئ أيام نفاه أبوه، فهو إنما يتنادر عليه، وإذا خرج البيت على هذا المعنى كانت الاستعارة فيه متوسطة، ولكنها تكون سببًا لكناية من أبلغ الكنايات. ومن استعارته البديعة كلمته التي كأنما قيد بها شهرته في هذه الحياة، وذلك قوله في الجواد: قيد الأوابد؛ ولقد حاول المولدون أن يجيئوا بمثلها، غير أنها بقيت مفردة، وذلك كقول ابن الرومي في الحديث: شرك العقول وعقلة المستوفز وقول المتنبي في صفة الجواد: أجل الظليم وربقة السرحان ورأيت لدريد بن الصمة كلمة تكاد تساويها في الحسن، وهي في قوله: يا فارسًا، ما أبو أوفى إذا اشتغلت ... كلتا اليدين كرورًا غير وقاف "عبر الفوارس" معروف بشكته ... كاف إذا لم يكن من كربة كاف فالكلمة هي "عبر الفوارس" يريد بها أن الفوارس ترى منه ما يبكي أعينهم ويستعبرها "ص٢٥٥: سرح العيون". وهذا وأمثاله مما يدل على فطنة الشاعر وحدة فؤاده، وأن له من قوة الفطرة ما يقوم مقام الصنعة؛ وتلك صفات يدل عليها كثير من كلامه، غير أن امرأ القيس إنما كان مبتدئًا فيما ابتدع، ولذلك لا يمكن أن يؤخذ البديع كله من شعره، وليس هذا بضائره ونحن الآن في الكلام عن استعاراته؛ ومن الاستعارة نوع اتفق علماء البديع أنها المقدمة في هذا الباب وليس فوق رتبتها في

стр. 643

البلاغة رتبة، وهي الاستعارة المرشحة، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ فإن الاستعارة الأولى وهي لفظ الشراء، رشحت الثانية وهي لفظ الربح والتجارة؛ وهذا النوع لا تصيب منه في شعر امرئ القيس مثالًا واحدًا؛ والذي بقي من استعاراته إنما هو في سبيل ما قدمناه، وهو قليل تدل جملته على قلب يعي وفؤاد يصنع، وشعر في زمنه شاعر؛ ولا نستطيع أن نوازن بين مذاهبه في الاستعارة ومذاهب المولدين، فلو سمع هذا الشاعر القرآن وكان أمويا أو عباسيا لكان ابن المعتز ثان اثنين في الاستعارة والتشبيه. وقد أخرجوا من كلامه كلمات جرت أمثالًا، ورواها الميداني والضبي وغيرهما "انظر شعراء النصرانية ج١ ص٦٨".

стр. 644

تشبيهاته: قد قلنا في استعارات امرئ القيس، وترسمنا آثاره في ذلك المذهب بما يؤدي إلى حكم في الصناعة، ويكشف عن غاية من غايات الرجل؛ ونحن وإن لم نكن أفضنا في ذلك، إلا أن هذا المنزع قريب، ربما أغني في بعضه المثال الواحد؛ إذ كان امرؤ القيس مبتدئًا في شيء ومبتدعًا في شيء وجهده في جميع ذلك أن تحصي له الكلمات المعدودة، وهي لا تحتمل الإفاضة على تقسيم الكلام إلى فصول وتمييز بعضها من بعض. ثم هو إنما كان شاعرًا من شعراء الفطرة، يعرض للسانه القول كما يعرض لعينه الوحش؛ فينطلق كلاهما على نفس واحد يصنع القليل ولا ينقح الجملة، فكان ما يجيء في كلامه من بدائع الصنعة هو الدليل على فضل قوته التي تغمر فؤاده وتصرفه إلى مشايعة طبيعة اللغة في النمو، ولو صرفت تلك القوة إلى الصنعة التي [يعرق] فيها الكلام من كثرة تقليبه، لكان للكلام في شعره مذهب آخر، وأنت قد تجد للمتنبي بيتًا واحدًا لو جمع اختلاف العلماء فيه لزاد على اختلافهم في جميع شعر امرئ القيس. أما تشبيهاته فهي بجملتها ترمي إلى غرض واحد، وهو تصوير الحقيقة تصويرًا غير ملون، وله فيها طرائق بديعة هو أول من ابتكرها، كتشبيه الإضافة في قوله: له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل فقد جاء به -كما ترى- حتى جعله تحقيقًا، وفيه أيضًا تشبيهه أربعة بأربعة، وقد زعم الفرزدق أنه أكمل بيت قالته العرب، أو قال: أجمع بيت "ص٢١ ج٢: العمدة" وهو أول من فتح هذا الباب "ص١٩٩ ج١: العمدة". وقد يجيء بعضها مخدجًا غير تام الأجزاء، وتبلغ ببعضها المبالغة إلى الاعتساف والشطط، كقوله في صفة الفرس: وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر الخيفانة: الجرادة التي انسلخت من لونها الأول الأسود أو الأصفر وصارت إلى الحمرة، فشبه فرسه بها لخفتها، وشبه ناصيتها بسعف النخلة، قالوا: وهذا الوصف غير مصيب؛ لأن الشعر إذا غطى

стр. 645

العين كان عيبًا، وهو الغمم، والحسن منها أن تكون الناصية كأنها حبشة، أي: قصيرة مجتمعة "ص١٣ ديوان امرئ القيس" وفي هذه القصيدة وهو مما نحن فيه: لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر يريد أن لها متنين كساعدي النمر البارك، في الغلظ واكتناز اللحم؛ والمستحب عندهم تعريق المتن وتعريق الوجه، كما قال طفيل وهو أحد نعات الخيل المجيدين: معرقة الألحى تلوح متونها أي: معرقة الوجوه ويكاد يستبين العصب من قلة اللحم، وكذلك المتون؛ وقد وصف امرؤ القيس الخيل في هذه القصيدة وصف سمسار يزين فرسًا في السوق لا وصف فارس، ولولا تصعلكه لجاء من ذلك بما لا يلحق له الشعراء غبارًا، وهذا شيء تعرفه بمقارنة معانيه في الخيل بمعاني غيره من فرسانها. ومن قبل ما نحن فيه قوله في الغزل: وإذا هي تمشي كمشي النزيـ ... ـف يصرعه بالكثيب البهر يصف تفتر الحسناء في مشيتها بمشية المنزوف دمه أو عقله بالسكر إذا صعد كثيبًا فانقطع نفسه من الإعياء والكلال، فانظر هذه المبالغة الباردة وهذا التشبيه القبيح، وما عسى أن تكون تلك الحسناء إلا في الدرجة الثالثة من السل. ولهذا الشاعر طريقة في التشبيه جاء منها بأبيات معدودة، وهي تناسب التتبيع الذي سنتكلم عنه؛ لأنه كان أول من اخترعه، وهذه الطريقة هي أن يريد من الوصف ما يلزم من حقيقته الممثلة في الذهن، وقد اتفق له من ذلك ما يعد غاية في الحسن، كقوله في وصف سالفة الفرس: وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر فلقد أراد من وصف عنق الفرس بأنها شجرة متوقدة من شجر الكندر ما يستتبعه هذا الوصف من لون النار، وهي الشقرة، فكأنه أراد أن يقول إن فرسه شقراء، فاحتال لذلك بهذا التشبيه البديع، وقد أخذ هذا التشبيه أوس بن حجر فقال: حتى يلف نخيلهم وبيوتهم ... لهب كناصية الحصان الأشقر وبيته معدود عند أهل البديع من عجيب ما وقع في باب التتبيع "ص٢١٧ ج١: العمدة"؛ لأنهم يقولون إنه أراد الحرب التي هي المقصود بالصفة. وبمقدار ما أحسن [امرؤ القيس] في هذا القول أساء في قوله: كأن على لباتها جمر مصطل ... أصاف غضا جزلًا وكف بأجزال وهبت له ريح بمختلف الصوى ... ضبا وشمال في منازل قفال وهي على طريقته تلك؛ فإنه أراد أن يصف توقد الحلى وصفاءه على لبات تلك الحسناء، فخلص إلى ذلك من طريق الشياطين والزبانية.... إذ لم يكفه أن جعله على صدرها كالجمر، بل خصه بجمر المصطلى؛ لأنه لا يزال يذكيه ويقلبه فهو يتوقد ويظهر جمرة جمرة، ثم كأنه استقل هذا

стр. 646

كله على صدرها فجعل الجمر من الغضا، وهو شجر معروف يقال إن جمره أبقى الحمر وأحسنه، ثم جعل لهذا الجمر كفافًا من أصول الشجر، وهي الأجزال، حتى تزيد في وهجه وتوقده، ثم لما كان قد تلك الحسناء لا بد أن يكون ممشوقًا فقد جعل هذه النار من صدرها على مثل اليفاع من الأرض، لتكون الريح أشد تمكنًا منها، ثم جعلها في منازل راجعين من الأسفار فهي توقد لهم ويحتفل فيها على ما هو معروف من عوائدهم. فليت شعري هل يبقى بعد هذا الحريق من لبات الحسناء ما يناط به الحلى، فضلًا عما يظهر حسنه وتوقده؟. وأعجب شيء في أوصاف امرئ القيس وهو ابن ملك، أنه يصف الجميلة بحسن الغذاء، يصف سنا البرق بمصابيح راهب أهان في ذبالها السليط، وهو الزيت، فلم يعزه لكثرته عنده ... وهكذا مما لا يؤخذ منه إلا أنه كان صعلوكًا يصف للصعاليك، وهو دليل أيضًا على ما قدمناه من أن شعره صورة غير مرتبة من حياته. ومن بدائع التشبيه التي اتفقت له قوله: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالًا على حال المراد بحباب الماء: إما طرائقه، أو فقاقيعه؛ فمن ذهب إن الحباب الطرائق فإنما أراد: أني جئت أتدفع إليها كما يتدفع الماء شيئًا بعد شيء حتى صرت إلى ما أريد، ومن ذهب إلى أن الحباب الفقاقيع، فإنه أراد خفة الوطء وإخفاء الحركة؛ وكلا المعنيين غاية في تصوير تلك الحال، مع اللطف والرقة وبراعة التشبيه؛ وقد تقدم أنه من مخترعاته التي سلمها له الشعراء، وهو أحد المعاني التي تلم بها خواطرهم فتختلس منه ما تختلس الألحاظ، وكثيرون قد ألموا به، ولكن الغاية في ذلك قول ابن شهيد الأندلسي "ص١٤٣ ج٢: نفح الطيب": ولما تملأ من سكره ... ونام ونامت عيون الحرس دنوت إليه على قربه ... دنو رفيق درى ما التمس أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سمو النفس ومن هذه القصيدة قوله يذكر العقاب حين شبه فرسه بها، وهو من المخترعات أيضًا في معناه، وأسلوبه طريقة من طرائقه المبتكرة: كأن قلوب الطير رطبا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي العناب ثمر أحمر، والحشف ما يبس من الثمر ولم يكن له طعم ولا نوى. وقد أجمع الرواة على أن هذا أحسن بيت جاء في تشبيه شيئين بشيئين في حالتين مختلفين. وقتديره: كأن قلوب الطير رطبًا العناب ويابسًا الحشف البالي؛ فشبه الطريء من القلوب بالعناب، والعتيق بالحشف؛ وخص قلوب الطير؛ لأن فرخ العقاب فيما يأكل لحم الطائر ما خلا قلبه، فلذلك كثرت قلوب الطير عندها، وقيل: غير ذلك. والتشبيه كما ترى ليس بشيء، غير أن الطريقة التي بها هي دليل من الأدلة على فضل صاحبها، ولم يحفظ قبل امرئ [القيس] بيت على هذا النمط، فهو أول من جاء بذلك من

стр. 647

الشعراء، وقد رووا أن بشار بن برد قال: ما قر بي قرار بعد أن سمعت بيت امرئ القيس حتى صنعت: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه فقد اتبع الطريقة نفسها؛ وقالوا في بيته إنه لم يقع بعد بيت امرئ القيس في الترتيب أحسن منه؛ ولكن البيت الأول يفضله بأنه أورد التشبيه في حالتين مختلفتين، إذ قلوب الطير واحدة، ولكن التشبيه إنما وقع على حالتيها من الطراءة واليبوسة، وقد غفل عن ذلك بشار؛ وبالجملة فإن امرأ القيس وسط بين شعراء التشبيه؛ وإن كان قد أكثر منه واحتذى فيه فعل أبي دؤاد والمهلهل وغيرهما، إلا أن له طرقًا في هذا التشبيه هي من مبتكراته، وهي كل ما في يدنا من الأدلة على براعته وحسن تصرفه ورجحانه على غيره من متميزي الشعراء. وقد عدل المولدون عن تشبيهات الجاهلية إلى ما هو أليق بأزمانهم وأدنى شبهًا منها، ولكنهم مع ذلك لا يزال في مجموع أشعارهم موضع لبعض أبيات امرئ القيس، كقوله: سموت إليها..... وغيره، على أن أكثر شعراء الجاهلية قد خرجوا من هذا الباب، ولم يرض المولدون أن يقفوا عليه ولا وقفة الحجاب!

стр. 648

تتمة الانتقاد: بقي علينا -بعد أن تكلمنا في استعارات امرئ القيس وتشبيهاته- أن نأتي على بقية هذا الكلام مما يصف معانيه وألفاظه وما يقع عليه الناقد في سائر كلامه ويصيبه من حسناته المتفرقة في كتب البيان، وقد أشرنا إلى بعض مبتكراته تلك ونحن مستوفون سائرها هنا, قالوا: إنه أول من فتح باب الاحتراس، وذلك في نحو قوله "ص٦: الديوان": إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر أي: واليوم بارد، فاحترس وكان الاحتراس بالقافية التي هي تمام البيت وهذا من أبدع ما يجيء؛ لأنه يزيد في تمكين القافية ويكسبها عزة لا تكون لكلمة غيرها في البيت بجملته. وقد رأينا هذا الشاعر يبالغ في استقصاء جزئيات المعاني مبالغة هي طبع فيه، وهي عند التي هيأت له مثل هذا الاحتراس، وقد مر في ذلك ما وصف توقد الحلى، ومثله في كلامه كثير وسيمر بك شيء من بديعه، وكذلك قالوا في التتبيع، وهو من أنواع الإشارة وذلك أن يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه. قال ابن رشيق "ص٢١٥ ج١: العمدة": وأول من أشار إلى شيء من ذلك امرؤ القيس يصف امرأة: ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل فقوله "يضحى فتيت المسك" تتبيع، وقوله: "نئوم الضحى" تتبيع ثان، وقوله: "لم تنتطق عن تفضل" تتبيع ثالث، وإنما أراد أن يصفها بالترف والنعمة وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مكفية المئونة، فجاءها بما يتبع الصفة ويدل عليها أفضل دلالة. وقال [ابن رشيق] أيضًا في باب التمثيل الذي هو من ضروب الاستعارة -وذلك أن تمثل شيئًا

стр. 649

بشيء فيه إشارة إليه- إن امرأ القيس أول من ابتكره ولم يأت أملح من قوله فيه: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل فمثل عينيها بسهمي الميسر، يعني المعلّى وله سبعة أنصباء، والرقيب وله ثلاثة أنصباء، فصار جميع أعشار قلبه لسهمين اللذين مثل بهما عينيها، ومثل قلبه بأعشار الجزور، فتمت له الاستعارة والتمثيل١. وقال في الإيغال: وهو ضرب من المبالغة إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها: وليس بين الناس اختلاف أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف الفرس: إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب فبالغ في صفته وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين ويبتل عطفه بالعرق، ثم زاد إيغالًا في صفته بذكر الأثأب، وهو شجر للريح في أضعاف أغصانه خفيف عظيم وشدة صوت، ومثل ذلك قوله: كأن عيون الطير حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب فقوله: "لم يثقب" إيغال في التشبيه، واتبعه زهير فقال: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به، حب الفنا لم يحطم فأوغل في التشبيه إيغالًا، بتشبيهه ما يتناثر في فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن؛ فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض ألبتة وكان خالص الحمرة؛ وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة: غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوحي الوجل فأوغل بقوله: "الوجل" بعد أن قال الوحي؛ وبهذا تستدل على أن الشعراء كانوا يهتدون في الصنعة بامرئ القيس، فكان شعره لهم أشبه بكتب البلاغة للمتأخرين؛ وما من نوع من الأنواع التي سلفت إلا وقد اتبعوه فيها وانسحبوا على أثره، وعلى تقليب المولدين لهذه الأنواع حتى لم يغادروا فيها مطمعًا بقي من شعر هذا الرجل ما هو في بعض نسيج وحده، والمثال الأول في الدلالة على حده. أما ما جاء في شعره من أنواع البديع غير ما ذكرناه، مما مثلوا له في كتبهم بشيء من قوله: كالالتفات، والتقسيم، والمقابلة، والغلو، ونفي الشيء بإيجابه في قوله: على لاحب لا يهتدى بمناره أي: لا منار له فيهتدي به؛ والاتساع، والاشتراك، والإشارة، والإرداف، والترصيع، وجمع

стр. 650

المؤتلف والمختلف، وغيرها, فلم ينص أحد من علماء البديع على أنه أول من جاء به، على أنهم في أكثر ذلك لا يستدلون بشعر شاعر معروف قبله أو معاصر له، فإن لم يكن وقع في ذلك شيء فهو مبتكره، ولكن شعره على الجملة في ذلك مثال حسن؛ وبعضه لا يعدلون به شيئًا، كما ذكروا في التكرار الذي لا يكون إلا على جهة التشوق والاستعذاب إذا كان في تغزل أو نسيب، أنه لم يتخلص أحد تخلص امرئ القيس، ولا سلم سلامه في هذا الباب إذ يقول: ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رأس أو عال وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضًا بميثاء محلال ليالي سليمى إذ تريك منضدًا ... وجيدًا كجيد الرئم ليس بمعطال ولكن بعض تلك الأنواع اتبع فيها امرؤ القيس غيره، كما احتذى في الغلو على قول مهلهل: فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور وهو الذي قالوا فيه إنه أكذب بيت قالته العرب؛ لأن بين حجر -وهي قصبة اليمامة- وبين مكان الوقعة عشرة أيام، فقال امرؤ القيس يصف النار: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وفاضلوا بين البيتين فقالوا إن مهلهلًا أشد غلوا من امرئ القيس؛ لأن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع وأشد إدراكًا، ثم اتبع امرؤ القيس النابغة في قوله يصف السيوف: تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقدن بالصفاح نار الحباحب قالوا: وهو دون بيت امرئ القيس في تنور صاحبة النار إفراطًا، ودون بيت النابغة قول النمر بن تولب في صفة السيف أيضًا: تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي إذ ليس خارجًا عن طباع السيف أن يقطع الشيء العظيم ثم يغوص بعد ذلك في الأرض؛ فالغلو فيه ضعيف؛ وقد كدنا نخرج عما نحن بصدد منه؛ والآن فقد تبينت أن هذا الشاعر بصير بصنعة الكلام؛ [وأن] فضله إنما هو في طريقة إيراد المعنى مما يلتحق بتأليف اللفظ وتصريف الأسلوب؛ وانظر إلى قوله: كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فقد اعترض في هذين البيتين وقيل: خالف وأفسد ولو جمع الشيء وشكله، فذكر الجواد والكر في بيت، والنساء والخمر في بيت، لكان أصوب، وإنما غفلوا عما قصد إليه من هذا الترتيب، وذلك أن اللذة التي ذكرها في البيت الأول إنما هي الصيد، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء، فجمع المعنيين للتضايف بينهما، ولو نظم البيت كما قالوا لنقص فائدة تدل عندهم على الملك والسلطان،

стр. 651

وكذلك لو فعل في البيت الثاني لكان ذكره اللذة زائدًا في المعنى؛ لأن الزق لا يسبأ إلا للذة، وإنما وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهية، وقد أتبعه المتنبي في قوله: وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم وذكر الواحدي في شرحهما اعتراض سيف الدولة عليه وعلى امرئ القيس وتخلص المتنبي لنفسه وله، غير أن ترتيب امرئ القيس أبدع وفيه من الفائدة ما ليس في بيتي أبي الطيب. بقي أن نذكر بعض المآخذ التي أصبناها في شعر هذا الشاعر، فمن ذلك أنه له استعانة ضعيفة بالحروف والكلمات، كقوله: ألا رب يوم منهن صالح وأن له تكرارًا قبيحًا في الألفاظ والمعاني يجيء بها على وجه واحد في مواضع مختلفة من غير أن يتصرف في ذلك بما يخفي قبح هذا التكرار وينفي عنه الظنة. ومنها دخوله في وجوه المناقضة والإحالة في بعض الكلام، وذلك مما يدل على أنه يرسله إرسالًا كما اتفق، لا يبتغي به إلا لذة المنطق، وإلا مواتاة ما في نفسه من الميل إلى القول؛ وبهذا كان ختام قصائده مقتضبًا، وقلما قطع الشعر على كلمة بديعة إلا في القليل كختام قصيدته السينية: ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وعبد المشيب طول عمر ملبسا فكأن الشعر يقترح عليه اقتراحًا متى فرغ من المعنى الذي يريده سكت دون أن ينظر إلى موضع السكوت وأن الإصابة فيه كأحسن الكلام. ومنها استعمال الكلام المؤنث في شعره، كقوله: لك الويلات إنك مرجلي، ونحوه، دون أن يوطئ لذلك بما يحسن التضمين ويخرج الكلمة المؤنثة مخرجًا لا يكفي فيه أن يكون حلقيا فقط. أما ما وقع له غير ذلك من اضطراب بعض القوافي وثقل الألفاظ مما يكد لسان الناطق المتحفظ، فذلك متجاوز عنه بعذر البداوة، والغريب عندنا مألوف عند أهله.

стр. 652

المنازعة بين امرئ القيس وعلقمة: لما نزل امرؤ القيس في طيئ تزوج امرأة منهم تسمى أم جندب، وكان مفركًا وكانت تكرهه، فنزل به علقمة بن عبدة فتذاكر الشعر وادعاه كل واحد منهما على صاحبه، فقال علقمة: فقل شعرًا تمدح فيه فرسك والصيد، وأقول في مثل ذلك، وهذا الحكم بيني وبينك -يعني تلك المرأة- فبدأ امرؤ القيس يقول: خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب فنعت فرسه والصيد حتى فرغ، وقال علقمة: ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب

стр. 653

فنعت فرسه والصيد حتى فرغ، وكان في قول امرئ القيس: فللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب وفي قول علقمة: فأقبل يهوي ثانيًا من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب فتحاكما إليها، فقالت: هو أشعر منك؛ لأنك ضربت فرسك بسوطك وامتريته بساقك وزجرته بصوتك وأدرك فرس علقمة ثانيًا من عنانه. "ص٧٧: ديوان امرئ القيس". وفي رواية أخرى أنهما احتكما إلى أم جندب لتحكم بينهما، فقالت: قولا شعرًا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة، فأنشداها جميعًا، فلما حكمت لعلقمة قال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني ولكنك له وامقة؛ فطلقها فخلفه عليها علقمة. "ابن قتيبة". وما رأيت أحدًا من أهل النقد وازن بين القصيدتين، بل كلهم متبعون كلمة هذه المرأة، وبعضهم لا يعرف ما كان بينها وبين امرئ القيس فيقول إنهما تحاكما إليها في المفاضلة بينهما؛ لأنها من ذوات العقل والمعرفة. مع أن علقمة معدود من الشعراء المغلبين وامرؤ القيس يقول في قصيدته: وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مشل مغلب وما أرى أم جندب إلا أرادت ما تريد الفارك من بعلها، فقرعت أنفه على حمية ونخوة وهي تعلم أنها لا بد مسرحة في زمام هذه الكلمة، وإلا فالبيت الذي توافيا على معناه ليس بموضع تفضيل؛ لأن في قصيدة امرئ القيس ما هو أبلغ في هذه الصنعة من بيت علقمة، وهو قوله: إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب وقد مر شرحه وبيان وجه البلاغة فيه، ولكن من التمس عيبًا وجده، ومن تدبر صنعة امرئ القيس للخيل في شعره وجد السوط لا يفارقه، فلعلها كانت عادته. وقصيدة علقمة بجملتها ليست بشيء؛ لأنه كل ما فيها من الألفاظ البارعة والمعاني الحسنة مأخوذ من قصيدة امرئ القيس، حتى ليأخذ البيت برمته والشطر بحاله، ومع ذلك فقد أبر عليه امرؤ القيس، في الصنعة، وما أدري كيف هذا، فلولا أن الرواة مجمعون على أن قصيدة علقمة مما صح له لقلت إنها مصنوعة، ثم إن الذين رووا خبر هذه المنازعة منهم، وهم عمرو بن العلاء؛ وأبو عبيدة، والأصمعي، لم يزيدوا شيئًا على ما سبق، وكان طبيعيا أن يتكلم امرؤ القيس في ذلك كلمة؛ لأن علقمة إنما رد إليه بضاعته، ولن يبلغ التوارد بين الشاعرين هذا المبلغ وأحدهما يسمع من الآخر، إلا أن يكون الاثنان قد اتفقا في الأخذ عن ثالث، وهو أغرب؛ وإن صح خبر هذه المنازعة فيكون ذلك هو السبب في تعفف امرئ القيس على الشعراء وإدلاله بشعره وذهابه إلى الظنة فيه؛ لأنه رأى من استحذاء علقمة واستجدائه ما ينفخ مثله إلى حد الروم، وما زال على ضلالة حتى لقي التوأم اليشكري فقال له: إن كنت شاعرًا كما تقول فملط لي أنصاف ما أقول فأجزها، قال نعم، فقال امرؤ القيس: أحار ترى بريقًا هب وهنًا

стр. 654

فقال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا وهي أبيات ستجيء في بحث الصناعات، فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك العصر من يطاوله، آلى أن لا ينازع الشعر أحدًا آخر الدهر. كذا رواه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء "ص١٣٥ ج١: العمدة" وعلى ذلك يكون علقمة إنما غلب امرأ القيس بكلمة امرأته لا بقصيدته. وقد رأينا أن نروي القصيدتين هنا ليكون وجه المقابلة فيهما بيتًا، ولا بد أن ننبه على أن أكثر ما في قصيدة امرئ القيس مفرق بألفاظه ومعانيه في قصائد أخرى له، ومنها أبيات لم يغير منها إلا القافية، وذلك بعض ما أخذناه على شعره "انظر الوسيلة الأدبية ص٥٠٤، والجزء الأول من شعراء النصرانية ص٢٣، وديوان امرئ القيس". وقد رأينا أن نقف من الكلام على امرئ القيس عند هذا الحد؛ ففي بعض الكفاية كفاية؛ وما يكون دون غاية من الغايات فربما كان في نفسه غاية.

стр. 655

قصيدة امرئ القيس *: خليلي مرا بي على أم جندب ... لتقضى لبانات الفؤاد المعذب فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب عقيلة أتراب لها لا دميمة ... ولا ذات خلق إن تأملت جانب ألا ليت شعري كيف حادث وصلها ... وكيف تراعى وصلة المتغيب أقامت على ما بيننا من مودة ... أميمة أم صارت لقول المخبب فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... سوالك نقبًا بين حزمي شعبعب علون بأنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يثرب فلله عينا من رأى من تفرق ... أشت وأنأى من فراق المحصب فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع نجد كبكب عيناك غربا جدول في مفاضة ... كمر الخليج في صفيح المصوب وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب ومرقبة لا يرفع الصوت عندها ... مضم جيوش غانمين وخيب غزرت على أهوال أرض أحافها ... بجانب منفوح من الحشو شرحب ودوية لا يهتدى لفلاتها ... بعرفان أعلام ولا ضوء كوكب تلافيتها والبوم يدعو بها الصدى ... وقد ألبست أقراطها ثني غيهب بمجفرة حرف كأن قتودها ... على أبلق الكشحين ليس بمغرب يغرد بالأسحار في كل سدفة ... تغرد مياح الندامى المطرب أقب رباع من حمير عماية ... يمج لعاع البقل في كل مشرب بمحنية قد آزر الضال نبتها ... مجر جيوش غانمين وخيب وقد أغتدي قبل الشروع بسابح ... أقب كيعفور الفلاة مجنب بذي ميعة كأن أدنى سقاطه ... وتقريبه هونًا دآليل ثعلب عظيم طويل مطمئن كأنه ... بأسفل ذي ماوان سرحة مرقب

стр. 656

يباري الخنوف المستقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشجب له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة عير قائم فوق مرقب كثير سواد اللحم ما دام بادنًا ... وفي الضمر ممشوق القوائم شوذب له جؤجؤ حشر كأن لجامه ... يعالى به في رأس جذع مشذب وعينان كالماويتين ومحجر ... إلى سند مثل الصفيح المنصب ويخطو على صم صلاب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حارك مثل الغبيط المذأب ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب وأسحم ريان العسيب كأنه ... عثاقيل قنو من سميحة مرطب وبهو هواء تحت صلب كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوق ملعب يدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب فيومًا على سرب نقي جلودها ... ويومًا على بيدانة أم تولب ويخضد في الآريّ حتى كأنما ... به عرة أو طائف غير معقب خرجنا نريغ الوحش حول ثعالة ... وبين رحيات إلى فج أخرب فآنست سربًا من بعيد كأنه ... رواهب عيد في ملاء مهدب فكان تنادينا وعقد عذاره ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنب فقفى على آثارهن بحاصب ... وغيبة شؤبوب من الشد ملهب وولى كشؤبوب العشي بوابل ... ويخرجن من جعد ثراه منصب فللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبًا ... على جدد الصحراء من شد ملهب خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب وظل لصيران الصريم غماغم ... يداعسها بالسمهري المعلب فكاب على حر الجبين ومتق ... بمدرية كأنها ذلق مشعب ففئنا إلى بيت بعلياء مردح ... سماوته من أتحمي معصب وقلنا لفتيان كرام ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوب مطنب وأطنابه أشطان خوص نجائب ... وصهوته من أتحمي مشرعب

стр. 657

فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في ميل نحسه متغيب كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ورحنا كأنا من جواثي عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومحقب نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب إلى أن تروحنا بلا متعتب ... عليه كسيد الردهة المتأوب وراح كتيس الربل ينغض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب حبيب إلى الأصحاب غير ملعن ... يفدونه بالأمهات وبالأب فيوما على بقع دقاق صدوره ... ويومًا على سفع المدافع ربرب كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مخضب وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأصهب

стр. 658

قصيدة علقمة بن عبدة: ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب ليالي لا تبلى نصيحة بيننا ... ليالي حلوا بالستار فعرب مبتلة كأن أنضاء حليها ... على شادن من صاحة متربب محال كأجواز الجراد ولؤلؤ ... من القلعي والكبيس الملوب إذا ألحم الواشون بالشر بيننا ... تبلغ راسي الحب غير المكذب وما أنت أم ما ذكرها ربعية ... تحل بإير أو بأكناف شربب أطعلت الوشاة والمشاة بصرمها ... فقد أنهجت حبالها للتقضب وقد وعدتك موعدًا لو وفت به ... كموعود عرقوب أخاه بيثرب وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... تشك وإن يكشف غرامك تدرب فقلت لها فيئي فما تستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب ففاءت كما فاءت من الأدم مغزل ... ببيشة ترعى في أراك وحلب فعشنا بها من الشباب ملاوة ... فأنجح آيات الرسول المحبب فإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل بكور أو رواح مؤوب بمجفرة الجنبين حرف شملة ... كهمك مرقال على الأين ذعلب إذا ما ضربت الدف أو صلت صولة ... ترقب مني غير أدنى ترقب بعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المثقب كأن بحاذيها إذا ما تشذرت ... عثاكيل قنو من سميحة مرطب

стр. 659

تذب به طورًا وطورًا تمره ... كذب البشير بالرداء المهدب وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأو مغرب بعوج لبانه يتم بريمه ... على نفت راق خشية العين مجلب كميت كلون الأرجوان نشرته ... لبيع الرواء في الصوان المكعب ممر كعقد الأندري يزينه ... مع العتق خلق مفعم غير جانب له حرتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب وجوف هواء تحت متن كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوق ملعب قطاة ككردوس المحالة أشرفت ... إلى كاهل مثل الغبيط المذأب وغلب كأعناق الضباع مضيفها ... سلام الشظى يغشى بها كل مركب وسمر يفلقن الظراب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب إذا ما اقتنصنا لم نخاتل بجنة ... ولكن ننادي من بعيد ألا اركب أخذ ثقة لا يلعن الحي شخصه ... صبورًا على العلات غير مسبب إذا أنفدوا زادًا فإن عنانه ... وأكرعه مستعملًا خير مكسب رأينا شياهًا يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب فبينا تمارينا وعقد عذاره ... حثيث كغيث الرايح المتحلب ترى الفأر عن مسترغب القدر لائحًا ... على جدد الصحراء من شد ملهب خفا الفأر من أنفاقه فكأنما ... تجلله شؤبوب غيث مثقب فظل لثيران الصريم غماغم ... يداعسهن بالنضي المعلب فهاو على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنها ذلق مشعب

стр. 660

طرفة بن العبد مدخل ... طرفة بن العبد ١: هو طرفة بن العبد بن سفيان، نسبه المفضل إلى معد بن عدنان، ويقولون إنه أشعر الشعراء بعد امرئ القيس، وإنما نظروا إلى مرتبة قصيدته في الطوال على الترتيب المشهور؛ وإلا فامرؤ القيس مختلف في تقديمه عندهم، وقد أورد صاحب "الجمهرة" قصيدة طرفة آخر السبع، فقدمهم عليه جميعًا، وهو على رأي المفضل من أن أصحاب السبع هم: امرؤ القيس، وزهير والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو، وطرفة؛ ولما كانت مثل هذه الأقوال المتضاربة لا تعدو الآراء المرتجلة التي لا ثبت لها، فقد اخترنا إهمالها؛ لأن الرأي لا يزال يعارضه مثله إلى أن ينقطع عند البرهان. كان طرفة ابن أخت الشاعر المتلمس، وابن أخي الشاعر المعروف بالمرقش الأصغر، فالتقى إليه الشعر من طرفيه؛ وكان في حسب من قومه، جريئًا على هجائهم وهجاء غيرهم، ولا يعرف من تاريخ نشأته إلا القليل مما لا يتهيأ به الحكم على مبلغ تأثير نشأته في شعره، غير أن جملة ما يؤخذ من ذلك أنه كان أبيا معتدا بنفسه، مدلا على قومه، واثقًا بمنزلته منهم، جريئًا بمقدار ما تدفع هذه الثقة، مترفعًا إلا عن الملوك، يرجوهم ويهجوهم؛ فهو يذهب إليهم بنفسه ولكنه يمثل لديهم وكأن في برديه حاشيتي قومه. ولا يعلل ذلك إلا بأنه كان غرا لم تسلم به السن بعد إلى مذهب عن نزق الحداثة وسكرة الشباب؛ لأنه مات وله خمس وعشرون سنة بدليل قول أخته الخرنق في رثائه: عددنا له خمسًا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدًا ضخما فجعنا به لما استتم تمامه ... على خير حال ولا وليدًا ولا قحما القحم: المتناهي في السن. ويروى: ستا وعشرين حجة. وقال بعضهم: إنما بلغ عمره نيفًا وعشرين سنة، فلا يبعد أن تكون ثم رواية: إحدى وعشرين حجة، وعلى أي هذه الأقوال فقد خب هذا الشاعر وركض بسنيه القليلة في مثل الأعمار الطوال، وكان منصبا على اللهو، يعاقر الخمر ويتلف بها ماله, فأورثته جنون الكبرياء وقتلته بلسانه الذي انتضى منه سيف الهجاء, روى الجاحظ "البيان: الجزء الأول": قيل لامرئ القيس بن حجر: ما أطيب عيش الدنيا؟ قال: بيضاء رعبوبة، بالطيب مشبوبة، بالشحم مكروبة! وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية تمزجها ساقية؛ من صوب غادية! وقيل مثل ذلك لطرفة فقال: مطعم شهي. ومركب وطي!.

стр. 661

وفي سبب قتله أقوال متقاربة؛ أمثلها ما رواه يعقوب بن السكيت في شرح ديوانه؛ قال١: إن طرفة هجا عمرو بن هند "ص٤١٥ ج١: خزانة الأدب" بأبياته التي أولها: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثًا حول قبتنا تخور٢ لم يسمعها عمرو بن هند؛ حتى خرج يومًا إلى الصيد فأمعن في الطلب، فانقطع في نفر من أصحابه حتى أصاب طريدته؛ فنزل وقال لأصحابه: اجمعوا حطبًا، وفيهم ابن عم طرفة، فقال لهم: أوقدوا، فأوقدوا نارًا وشوى، فبينما عمرو يأكل من شوائه وعبد عمرو يقدم إليه، إذ نظر إلى خصر قميصه منخرقا فأبصر كشحه وكان من أحسن أهل زمانه جسمًا، وقد كان بينه وبين طرفة أمر وقع بينهما منه شر فهجاه طرفة بأبيات فقال له عمرو بن هند، وكان سمع تلك الأبيات: يا عبد عمرو، لقد أبصر طرفة حسن كشحك، ثم تمثل فقال: ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحًا إذا قام أهضما فغضب عبد عمرو مما قاله وأنف فقال: لقد قال للملك أقبح من هذا! قال عمرو: وما الذي قال؟ فندم عبد عمرو وأبى أن يسمعه، فقال: أسمعنيه وطرفة آمن، فأسمعه القصيدة التي هجاه بها ... فسكت عمرو بن هند على ما قرر في نفسه، وكره أن يعجل عليه لمكان قومه فأضرب عنه -وبلغ ذلك طرفة- وطلب غرته والاستمكان منه، حتى أمن طرفة ولم يخفه على نفسه، فظن أنه قد رضي عنه، وقد كان المتلمس -وهو جرير بن عبد المسيح- هجا عمرو بن هند، وكان قد غضب عليه، فقدم المتلمس وطرفة على عمرو بن هند يتعرضان لفضله، فكتب لهما إلى عامله على البحرين وهجر.... وقال لهما انطلقا إليه فاقبضا جوائزكما، فخرجا، فزعموا أنهما لما هبطا النجف قال المتلمس: يا طرفة، إنك غلام غر حديث السن، والملك من قد عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه، فلست آمنًا أن يكون قد أمر فينا بشر، فهلم ننظر في كتابنا، فإن يكن أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن يكن أمر فينا بغير ذلك لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وحرص المتلمس على طرفة فأبى [ثم كان من أمرهما أن قتل طرفة، قتله عامل عمرو بن هند على البحرين*] ويقال إنه لما قرأ العامل الصحيفة عرض عليه فقال: اختر قتلة أقتلك بها. فقال: اسقني خمرًا، فإذا ثملت فافصد أكحلي، ففعل حتى مات، وذكر ذلك البحتري بقوله: وكذاك طرفة حين أوجس خيفة ... في الرأس، هان عليه فصد الأكحل قال المرتضى في أماليه "ص١٣١ ج١": ويقال إن صاحب هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة: أبا منذر كانت غرورًا صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك، بعض الشر أهون من بعض وأبو المنذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة المتلمس في النعمان، فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان. وقالوا: إن طرفة نطق بهذين البيتين "أبا منذر...." لما أيقن بالموت، وقد عدوه بهما فيمن شعره في رويته وبديهته سواء عند الأمن والخوف، لقدرته وسكون جأشه وقوة غريزته، كهدبة بن الخشرم ومرة بن محكان السعدي "ص١٢٩ ج١: العمدة". ويقال إن ذلك كان سنة ٥٥٢ بعد الميلاد، وقيل: سنة ٥٦٤.

стр. 662

شعره: لم ينص أحد على مقدار ما صحت به الرواية عن طرفة، إلا أن بعضهم ذكر أن ما يصح من ذلك أحد عشر شعرًا؛ فلا يميز من المنحول في شعره إلا القليل، وإلا ما جاءت بسببه رواية من الروايات؛ كبعض القصائد التي نسبها له حماد، وستعرف شيئًا منها في بحث الرواية والرواة*، غير أن طويلته من شعره الذي لا خلاف في نسبته، وإن كانت لا تخلو من تهذيب الرواة وزيادتهم فيها، وهي التي [فضله] الناس بها وجعلوها واحدته وقالوا فيه من أجلها إنه أجودهم طويلة؛ وتكاد هذه القصيدة تكون ديوانه؛ لأنها جمعت محاسن صنعته وضمت أطراف معانيه واطردت اطراد الماء، وهي التي جعلت صاحبها أضرب شعراء الجاهلية مثلًا عند قتيبة فيما أجاب به الحجاج حين كتب إليه يسأله عن أشعر الجاهلية واشعر أهل زمنه، وقد عد العلماء أكثر مخترعات طرفة منها. كقوله فيها "ص١٧٦ ج١: العمدة". ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدّك، لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشرية ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكري إذا نادى المضاف مجنبًا ... كسيد الغضا ذي الطخية المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف المعمد ولم يجدوا له مخترعًا في غيرها إلا قليلًا. وروى بعضهم في سبب قولها، أنه كان لطرفة أخ اسمه معبد، وكان لهما إبل يرعيانها يومًا ويومًا، فلما أغبها طرفة قال أخوه معبد: لم [لا تسرح] في إبلك؟ ترى أنها إن أخذت تردها بشعرك هذا؟ قال: فإني لا أخرج فيها أبدًا، حتى تعلم أن شعري سيردها إن أخذت! فتركها وأخذها ناس من مضر. وقيل: بل إن الإبل التي ضلت هي إبل معبد فسأل طرفة ابن عمه مالكًا أن يعينه في طلبها فلامه

стр. 663

وقال: فرطت فيها ثم أقبلت تتعب في طلبها! فقال قصيدته؛ وهي تربى على مائة بيت، وتختلف بعد المائة باختلاف الروايات، ذكر فيها الأطلال واستوقف بها ثم شبه قباب النساء بسفين الماء، ووصف ذات هواه في الحي فبسط من ذلك صورة رائعة من صور الطبيعة، ثم التفت إلى ناقته فأمضى بها الهم عند احتضاره، واستأمن بها على وضح الطريق من عثاره، ووصف من توثيق خلقها وطيب مرعاها وكرم العتق فيها وتراصف عظامها وتداخل أعضائها؛ فبنى على ذلك بناء يحسن أن يكون بابًا من علم التشريح البيطري في الجاهلية.... ثم ذكر نشاطها وإسراعها وسهولتها، ونقل من ذلك إلى نفسه فوصف نفاذه ومضيه على الهول وأنه يتقلب على جنبي السيادة واللهو، ونسج من ذلك حاشيته، ثم كأنما سكر كلامه فوصف من سفهه ما تحامته من أجله العشيرة حتى أفرد إفراد البعير الأجرب المذلل.. وبعد أن انتهى إلى المذلة صحا على لائمه وأخذ يعد لذاته مما يصفه بالمخيلة والفتوة ونضرة العيش، ثم خرج من ذلك بالسوداء، فذكر الموت ووازن بينه وبين الحياة، ليدل على أن ربح الحياة هو الربح وصار كلامه من ذكر الموت إلى النزع، غير أنه هجم بهذا الموت يعاتب ابن عمه مالكًا الذي ضيع إبله، فكأنه يذكره أن ضياع إبله خطب يسير، إذ يحم القضاء فتضيع روحه في الوادي الذي لا يتقدم فيه يطلبها ولا تنشد فيه عند ربها، ثم جعل يذكره بالقربى ورعايتها كأنه يستعطف، ولكنه اتخذ من ذلك وسيلة تخلص بها إلى عمرو بن مرثد أحد سادات العرب، فقال: فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد وكان عمرو هذا كثير الولد، فقالوا إنه لما بلغه قول طرفة وجه إليه وقال: أما الولد فالله يرزقك، وأما المال فسنجعلك فيه أسوتنا، فأمر سبعة من ولده فدفع إليه كل واحد عشرًا من الإبل، وأمر ثلاثة من بني بنيه فدفع إليه كل واحد عشرًا. ثم عاد طرفة فنفض غبار الذلة، واستكثر بعد القلة، وتميح في شعره وهدرت هذه الكلمات في أشداقه، حتى قطع القصيدة على حكمة بالغة لا تزال تدور في الناس فهو بها على الفناء يتجدد، وكأنها كانت نفسًا من إنفاس المخلود فقرنت باسمه من هذه القوافي الدالية قافية "المخلد". ومن مختار تلك القصيدة قوله: إذا القوم قالوا من فتى؟ خلت أنني ... عنيت، فلم أكسل ولم أتبلد وإن يلتق القوم الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد وقوله مفتخرًا فيها: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني ... منيعًا إذا بلت بقائمه يدي وختامها: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له حين موعد

стр. 664

مذاهبه في الشعر: ليس فيما وقع إلينا من شعر الجاهلية ما ينطق بأن صاحبه شاعر قبيلة بمجموع هذا المعنى، غير شعر طرفة؛ فهو إذا فخر رأيته يتكلم بلسان ملك قد ضمن طاعة قومه واستمسك بميثاقهم؛ وما [كان] أحق امرئ القيس بمثل هذا الفخر فيقيم به جهة من شعره قد تركها وهي تريد أن تنقض. وقد وصف طرفة النوق وصفًا شعريا، ولكنه قصر في صفة الخيل وجاءت في كلمه متفرقات من الحكم والأمثال، وهي أبدع ما في شعره، ثم هو قد ضرب في الهجاء بالسهم الصائب ورجم فيه بالشهاب الثاقب، ولكنه قليل المديح نازل الطبقة فيه؛ ولم يؤثر له من ذلك إلا ما يرد على قومه، وهو مدحه لقتادة بن سلمة الحنفي حين أصاب قومه سنة فأتوه فبذل لهم؛ وثم أبيات قالوا إنه مدح فيها سعد بن مالك حين أطرد فصار في غير قومه وقد ذكرهم فيها بقوله: وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورًا ... سوى حيه إلا كآخر هالك ولعل مديحها منحول إذ يقول فيه: رأيت "سعودًا" من شعوب كثيرة ... فلم ترعيني مثل سعد بن مالك وليس مثل هذا مما يقوله طرفة: ويمتاز هذا الرجل بالمبالغة والإغراق، فكأنه ينظر إلى دقائق الوصف بعين من البلور ... وذلك كقوله في وصف الناقة: كأن جناحي مضرحي تكنفا ... حفافيه شكا في العسيب بمسرد١ فطورًا به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذاو مجدد٢ لها فخذان عولي النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد٣ كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطر قسي تحت صلب مؤيد٤

стр. 665

لها مرفقان أفتلان كأنما ... أمرا بسلمى دالج متشدد١ كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد٢ فقد أراد أن يصف ذنب الناقة بكثرة الهلب، وهو الشعر الكثير، فشبهه بجناحي النسر، وجعل فخذيها كبابي الصرع الممرد، وشبه تباعد ما بين مرفقيها وزورها بكناس الظبي حول الشجر، ثم شبه الناقة في ارتفاعها بقنطرة الرومي الذي جعله يقسم على قنطرته لتحاطن بالبناء ولتشادن بالقرمد، ولعمري ليس هذا القسم بأكثر من اللغو. وقد مر في مثل هذه التشبيهات حتى وصل إلى عيني الناقة فجعلهما، من حجاجيهما في مثل غارين من الجبل، ولوأنه مد في عنق هذه الناقة فشبهه بأطول من خراطيم السحاب. وإنما تحسن المبالغة إذا لم يكن التشبيه منكشفًا هذا الانكشاف فيكون في إحدى جهاته سبب الأسباب التي يصح أن تتعلق عليه المبالغة، وسيأتيك هذا في موضعه مفصلًا. ومن نوع قسم الرومي في شعر طرفة قوله متغزلًا يصف الأقحوان: وتبسم عن ألمى كأن منورًا ... تخلل حر الرمل دعص له ندي٣ سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه بإثمد٤ فحاصل البيتين أنه يشبه ثغر التي يتغزل فيها بالأقحوان الندي، ويقول إنها قد ذرت الإثمد على لثاتها "وسائر العرب يفعلن ذلك في الشفاه واللثات ليكون أشد للمعان الأسنان" غير أن تخلل الدعص الندى من الأقحوان المنور لحر الرمل، والوصول من ذلك كله إلى تشبيه الثغر بالرفيف واللمعان لا يعد فلاحًا في الغزل وأولى به أن يكون فلاحة. والصنعة في شعر طرفة قليلة إلا أنها جيدة، وأرى شعر هذا الرجل كالشباب: حقيقة جماله في القوة والمتانة؛ فإن اتفق معه شيء من ظواهر الجمال كان ذلك بمجموعه كمالًا، فمن مشهور استعاراته قوله: فإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر وهي غاية من غايات هذا الجواد: فإن البيت يصور الجمال والقوة والكبرياء، ويكاد يريك الناس مطرقين قد تعلقت أعينهم بهداب تلك الأزر. ومن هذه القصيدة بيت دائر في كتب اللغة والأدب،

стр. 666

وهو قوله: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا نرى الآدب فينا ينتقر غير أن حياة هذا البيت تاريخية لا شعرية؛ لأنه إنما سار وبقي للاستشهاد بألفاظه؛ ومن كلماته الجميلة قوله: "وعامت بضبعيها". إذ يصف الناقة بأنها تمد يديها كهيئة السابح، وقوله: "طراد الغرام" في صفة قومه بالبذل والسفه، وقوله في صفة الحرب يذكر قومه: لا ترى إلا أخا رجل ... آخذًا قرنا فملتزمه فهذه الكلمة "أخا رجل" في موضعها من أبلغ الكلم، بل هي من جوامعها؛ لأنها تدل على كثرة قومه وإقدامهم، وتوزعهم في الحرب توزع الآجال واستغراقهم أعداءهم، إلى نحو ذلك؛ ومن هذه القصيدة الحكمة السائرة: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه ومما أختاره له في الحماسة قوله: وأعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وأن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل ولا يزال الكتاب لعهدنا يكتبون "علم ليس بالظن" وهم يظنون أنها معربة ... وقد جاءت في شعر إسلامي من شعر المائة الأولى: وأعلم غير الظن، وهي أبلغ وأوجز.

стр. 667

زهير بن أبي سلمى مدخل ... زهير بن أبي سلمى: هو زهير بن أبي سلمى -قال فيه الصحاح: ليس في العرب سلمى "بالضم" غيره- ابن رباح، يرتفع نسبه إلى نزار، وكان ورعًا حكيمًا يعدونه من مترهبة العرب، قالوا: وهو أحد الثلاثة المتقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحدهم على صاحبه، فأما الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني، وما أرى ذلك عن جماعة، فإن الأقوال مختلفة في التفضيل بين الشعراء، وقد جاءت روايات بتقديم أوس بن حجر، وعلقمة بن عقدة، وغيرهما، ولكن أصل ذلك الخبر فيما أراه ما أتت به الرواية عن يونس بن حبيب النحوي أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرًا والنابغة، وكان أهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحدًا، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدًا "ص٦٢ ج١: العمدة". وإلى هذه الرواية يرجع كلما ورد عن ابن عباس وعمر بن الخطاب وغيرهما من الحجازيين في تقديم زهير وأنه أشعر الشعراء. وقد ورث زهير الشعر عن أبيه وخاله، وورثه ولده، قال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره؛ كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة، وابن ابنه المضرب بن كعب شاعرًا. وفي رواية حماد وابن الكلبي عن أبيه قال: كان بسامة بن الغدير خال أبي سلمى، وكان منقطعًا إليه معجبًا بشعره.. وكان بسامة أحزم الناس رأيًا، فكانت غطفان إذا أرادوا أن يغزوا أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، فمن أجل ذلك كثر ماله، فلما حضره الموت جعل يقسم ماله في أهل بيته وبين بني إخوته فأتاه زهير فقال: يا خالاه، لو قسمت لي من مالك! فقال: والله يابن أختي لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله. قال: وما هو؟ قال: شعري ورثتنيه، وقد كان زهير قبل ذلك قال الشعر. وكان أول ما قاله، فقال له زهير: الشعر شيء ما قلته فكيف تعتد به علي؟ فقال له بسامة: ومن أين جئت بهذا الشعر؟ لعلك ترى أنك جئت به من مزينة؟ -من قبيلة من مضر ينسبونه إليها، قال ابن قتيبة: وإنما نسبه في غطفان، ورده ابن عبد البر في "الاستيعاب"- وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحي من غطفان، ثم لي منهم، وقد رويته عني. غير أن الثابت الذي يدفع، أن زهيرًا كان راوية أوس بن حجر، وطفيل الغنوي جميعًا "ص١٣٢ ج١: العمدة" وكان أوس زوج أم زهير "ص٥٥ ج١: العمدة" فإذا صح أنه روى شعر بسامة أيضًا، وأن بسامة كان بالمنزلة التي وصفوا من أصالة الرأي، فيكون زهير قد احتذاه في حكمه وأمثاله؛ لأنه

стр. 668

لا يعرف لشاعر جاهلي ما عرف من ذلك لزهير. وكان زهير يمدح هرم بن سنان سيد غطفان وأحد أجواد العرب المشهورين، وهو الذي وقع به إلى صميم المديح وأراه من جوده موضع الاختراع، حتى قالوا إنه حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبدًا أو ليدة أو فرسًا، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحًا غير هرم وخيركم استثنيت؛ وقد سلف لنا الكلام في الارتجال والبديهة عن حوليات هذا الشاعر والأسباب التي بعثته على الصنعة والتنقيح حتى صار مثلًا في ذلك للمتأخرين، وخرج شعره مصفى مستويًا؛ إذ كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع الوحشي منه١. حتى قال أبو عبيدة: إن لشعره ديباجة إن شئت قلت شهد إن مسسته ذاب، وإن شئت قلت صخر لو رديت به الجبال لأزالها. وعمر زهير طويلًا، وتوفي قبل البعثة بسنة، وديوان شعره معروف وعليه شروح طبع منها في "ليدن" شرحه للأعلم الشنتمري سنة ١٨٨٩ للميلاد.

стр. 669

مختاراتها وسببها: كان ورد بن حابس العبسي قتل هرم بن ضمضم المري الذي يقول فيه عنترة وفي أخيه: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم فتشاجر عبس وذبيان قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم أن لا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلًا من بني عبس؛ ثم من بني غالب [ولم يطلع على ذلك أحد؛ وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فأقبل ... حتى نزل بحصين بن ضمضم، فقال له حصين: من أنت أيها الرجل؟ قال: عبسي، قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين، وبلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتد عليهما؛ وبلغ بني عبس فركبوا نحو الحارث، فلما بلغه ركوبهم إليه وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم وأنهم يريدون قتل الحارث، بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه، وقال للرسول: آلإبل أحب إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك، فقال لهم الربيع بن زياد: يا قوم إن أخاكم قد أرسل إليكم: آلإبل أحب إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم؟ فقالوا: نأخذ الإبل ونصالح قومنا ونتم الصلح*] . فقال زهير هذه القصيدة يمدح الحارث وهرما، وتلك منقبة ليس لها إلا المديح من شاعر ورع كزهير، وقد ذكرهما بها في قصيدته الأخرى التي مطلعها:

стр. 670

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وكانت تلك أول قصيدة مدح بها هرمًا، ثم تابع بعد ذلك. والرواة يختلفون في عدد أبياتها؛ ولكنهم لا يزيدون [منها] على أربعة وستين بيتًا، ولا ينقصون عن تسعة وخمسين؛ وقد استهلها بكلام عن الديار والآثار كان شائعًا في العرب، ولم يحسن فيه إحسان غيره، ثم وصف الظعائن في الهوادج وما طرحن عليها من الأنماط العتاق والكلل التي تشبه حواشيها لون الدم، وذكر بكورهن وأنهن لا يخطئن الوادي كما لا تخطئ اليد الفم.... واستمر يصف رحيلهن، ثم اقتضب المديح في الحارث وهرم، فذكر ماسعيهما ومداركتهما عبسًا وذبيان، وما احتملا من غرامة لم يجرما لها، ثم أقبل على الأحلاف: أسد وغطفان وطيئ، ينذرهم أن يحنثوا فيما تحالفوا عليه من السلم أو يكتموا الله ما في صدورهم ويذكرهم بالحرب ما علموا وذاقوا، ويصفها لهم وقد لقحت وأنتجت كل غلام أشأم، وأغلت ما لا تغل قرى العراق من قفيز ودرهم، ثم ذكر ما جره عليهم حصين؛ وتخلص من ذلك إلى الذين تحملوا الديات ووطئوا أكناف المكارم لهذه المغارم، فوصف كرمهم وعزهم، ثم خرج إلى ما يشبه كلام الأنبياء؛ فاستخلص مما قصه حكمًا يصف بها الحياة السياسية والاجتماعية؛ ولقد أبرزها في موضعها سياسة في الشعر وفلسفة في السياسة؛ وهي جملة المختار من هذه القصيدة؛ ومنها: ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم إلى أن يقول: ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم وهذان البيتان من الروحانيات التي لا تزال تطير بين السماء والأرض.
следующие страницы →