← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وهو قوله: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا نرى الآدب فينا ينتقر غير أن حياة هذا البيت تاريخية لا شعرية؛ لأنه إنما سار وبقي للاستشهاد بألفاظه؛ ومن كلماته الجميلة قوله: "وعامت بضبعيها". إذ يصف الناقة بأنها تمد يديها كهيئة السابح، وقوله: "طراد الغرام" في صفة قومه بالبذل والسفه، وقوله في صفة الحرب يذكر قومه: لا ترى إلا أخا رجل ... آخذًا قرنا فملتزمه فهذه الكلمة "أخا رجل" في موضعها من أبلغ الكلم، بل هي من جوامعها؛ لأنها تدل على كثرة قومه وإقدامهم، وتوزعهم في الحرب توزع الآجال واستغراقهم أعداءهم، إلى نحو ذلك؛ ومن هذه القصيدة الحكمة السائرة: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه ومما أختاره له في الحماسة قوله: وأعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وأن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل ولا يزال الكتاب لعهدنا يكتبون "علم ليس بالظن" وهم يظنون أنها معربة ... وقد جاءت في شعر إسلامي من شعر المائة الأولى: وأعلم غير الظن، وهي أبلغ وأوجز.

стр. 667

زهير بن أبي سلمى مدخل ... زهير بن أبي سلمى: هو زهير بن أبي سلمى -قال فيه الصحاح: ليس في العرب سلمى "بالضم" غيره- ابن رباح، يرتفع نسبه إلى نزار، وكان ورعًا حكيمًا يعدونه من مترهبة العرب، قالوا: وهو أحد الثلاثة المتقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحدهم على صاحبه، فأما الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني، وما أرى ذلك عن جماعة، فإن الأقوال مختلفة في التفضيل بين الشعراء، وقد جاءت روايات بتقديم أوس بن حجر، وعلقمة بن عقدة، وغيرهما، ولكن أصل ذلك الخبر فيما أراه ما أتت به الرواية عن يونس بن حبيب النحوي أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرًا والنابغة، وكان أهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحدًا، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدًا "ص٦٢ ج١: العمدة". وإلى هذه الرواية يرجع كلما ورد عن ابن عباس وعمر بن الخطاب وغيرهما من الحجازيين في تقديم زهير وأنه أشعر الشعراء. وقد ورث زهير الشعر عن أبيه وخاله، وورثه ولده، قال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره؛ كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة، وابن ابنه المضرب بن كعب شاعرًا. وفي رواية حماد وابن الكلبي عن أبيه قال: كان بسامة بن الغدير خال أبي سلمى، وكان منقطعًا إليه معجبًا بشعره.. وكان بسامة أحزم الناس رأيًا، فكانت غطفان إذا أرادوا أن يغزوا أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، فمن أجل ذلك كثر ماله، فلما حضره الموت جعل يقسم ماله في أهل بيته وبين بني إخوته فأتاه زهير فقال: يا خالاه، لو قسمت لي من مالك! فقال: والله يابن أختي لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله. قال: وما هو؟ قال: شعري ورثتنيه، وقد كان زهير قبل ذلك قال الشعر. وكان أول ما قاله، فقال له زهير: الشعر شيء ما قلته فكيف تعتد به علي؟ فقال له بسامة: ومن أين جئت بهذا الشعر؟ لعلك ترى أنك جئت به من مزينة؟ -من قبيلة من مضر ينسبونه إليها، قال ابن قتيبة: وإنما نسبه في غطفان، ورده ابن عبد البر في "الاستيعاب"- وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحي من غطفان، ثم لي منهم، وقد رويته عني. غير أن الثابت الذي يدفع، أن زهيرًا كان راوية أوس بن حجر، وطفيل الغنوي جميعًا "ص١٣٢ ج١: العمدة" وكان أوس زوج أم زهير "ص٥٥ ج١: العمدة" فإذا صح أنه روى شعر بسامة أيضًا، وأن بسامة كان بالمنزلة التي وصفوا من أصالة الرأي، فيكون زهير قد احتذاه في حكمه وأمثاله؛ لأنه

стр. 668

لا يعرف لشاعر جاهلي ما عرف من ذلك لزهير. وكان زهير يمدح هرم بن سنان سيد غطفان وأحد أجواد العرب المشهورين، وهو الذي وقع به إلى صميم المديح وأراه من جوده موضع الاختراع، حتى قالوا إنه حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبدًا أو ليدة أو فرسًا، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحًا غير هرم وخيركم استثنيت؛ وقد سلف لنا الكلام في الارتجال والبديهة عن حوليات هذا الشاعر والأسباب التي بعثته على الصنعة والتنقيح حتى صار مثلًا في ذلك للمتأخرين، وخرج شعره مصفى مستويًا؛ إذ كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع الوحشي منه١. حتى قال أبو عبيدة: إن لشعره ديباجة إن شئت قلت شهد إن مسسته ذاب، وإن شئت قلت صخر لو رديت به الجبال لأزالها. وعمر زهير طويلًا، وتوفي قبل البعثة بسنة، وديوان شعره معروف وعليه شروح طبع منها في "ليدن" شرحه للأعلم الشنتمري سنة ١٨٨٩ للميلاد.

стр. 669

مختاراتها وسببها: كان ورد بن حابس العبسي قتل هرم بن ضمضم المري الذي يقول فيه عنترة وفي أخيه: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم فتشاجر عبس وذبيان قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم أن لا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلًا من بني عبس؛ ثم من بني غالب [ولم يطلع على ذلك أحد؛ وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فأقبل ... حتى نزل بحصين بن ضمضم، فقال له حصين: من أنت أيها الرجل؟ قال: عبسي، قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين، وبلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتد عليهما؛ وبلغ بني عبس فركبوا نحو الحارث، فلما بلغه ركوبهم إليه وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم وأنهم يريدون قتل الحارث، بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه، وقال للرسول: آلإبل أحب إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك، فقال لهم الربيع بن زياد: يا قوم إن أخاكم قد أرسل إليكم: آلإبل أحب إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم؟ فقالوا: نأخذ الإبل ونصالح قومنا ونتم الصلح*] . فقال زهير هذه القصيدة يمدح الحارث وهرما، وتلك منقبة ليس لها إلا المديح من شاعر ورع كزهير، وقد ذكرهما بها في قصيدته الأخرى التي مطلعها:

стр. 670

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وكانت تلك أول قصيدة مدح بها هرمًا، ثم تابع بعد ذلك. والرواة يختلفون في عدد أبياتها؛ ولكنهم لا يزيدون [منها] على أربعة وستين بيتًا، ولا ينقصون عن تسعة وخمسين؛ وقد استهلها بكلام عن الديار والآثار كان شائعًا في العرب، ولم يحسن فيه إحسان غيره، ثم وصف الظعائن في الهوادج وما طرحن عليها من الأنماط العتاق والكلل التي تشبه حواشيها لون الدم، وذكر بكورهن وأنهن لا يخطئن الوادي كما لا تخطئ اليد الفم.... واستمر يصف رحيلهن، ثم اقتضب المديح في الحارث وهرم، فذكر ماسعيهما ومداركتهما عبسًا وذبيان، وما احتملا من غرامة لم يجرما لها، ثم أقبل على الأحلاف: أسد وغطفان وطيئ، ينذرهم أن يحنثوا فيما تحالفوا عليه من السلم أو يكتموا الله ما في صدورهم ويذكرهم بالحرب ما علموا وذاقوا، ويصفها لهم وقد لقحت وأنتجت كل غلام أشأم، وأغلت ما لا تغل قرى العراق من قفيز ودرهم، ثم ذكر ما جره عليهم حصين؛ وتخلص من ذلك إلى الذين تحملوا الديات ووطئوا أكناف المكارم لهذه المغارم، فوصف كرمهم وعزهم، ثم خرج إلى ما يشبه كلام الأنبياء؛ فاستخلص مما قصه حكمًا يصف بها الحياة السياسية والاجتماعية؛ ولقد أبرزها في موضعها سياسة في الشعر وفلسفة في السياسة؛ وهي جملة المختار من هذه القصيدة؛ ومنها: ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم إلى أن يقول: ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم وهذان البيتان من الروحانيات التي لا تزال تطير بين السماء والأرض.

стр. 671

شعره: قد تقدم أن زهيرًا أشهر من عرف من العرب باستثبات اللفظ وتخير الكلمة وتنقيح العبارة؛ فلا جرم كان أحصفهم شعرًا، وأفصحهم لفظًا؛ ولا يزال قد رمي في شعره بالحكمة الرائعة، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المنسق النبيل، وقد سلس له النظام، وأطاعه عصي الكلام، فلا تتبين في ألفاظه ذلة الاستكراه، ولا هوان الاعتساف، بل تراه من الروعة والفخامة وحسن الاستواء كأنما كانت تهدر في قلبه لا في شدقه، ولكأني أرى أبياته موازين، فلا تكاد اللفظة تميل في الكفة حتى تقع أختها في الكفة الأخرى فتساويا، ومن أجل ذلك قل المنحول في شعره؛ لأنه ديباجة غير ممزقة، ونسيج غير مخرق، ولا يأخذه نظر الناقد حتى بنفيه، وقد نحلوه أبياتًا يقال إنها لصرمة الأنصاري يقول في أولها:

стр. 672

ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا "ص٥٨٢: شعراء النصرانية" فنفاها الأصمعي؛ لأنها لا تشبه كلامه؛ إذ كانت ألفاظ زهير طريقة بينة، وكان شعره نفسًا لا فتور فيه ولا تلبث، وحسبه بمثل هذا الدليل, إذا كان الدخيل في القوم لا يستدل بغير انقطاع نسبه على أنه دخيل. ويظهر لمن تدبر شعر زهير أنه ضعيف الابتكار والاختراع، لا يعارض في ذلك الفحول المعدودين كامرئ القيس وغيره، ولكن ألفاظه وصنعته غطت على هذا النقص؛ فقلما ينكشف إلا لمن عارض وتتبع؛ وقد تراه يأخذ في صفة من الصفات كنعت الناقة أو حمر الوحش أو طراد الصيد، فلا يزال ينحتها من ألفاظه حتى تتمثل كأنها دمية مصور [إن لم تكن فيها حياة فإن الحسن في تمثالها حي] . وترى الرأي يغلب شعر هذا الرجل، فكأنه شعر سيد لا شعر شاعر، وأكثر ما يظهر ذلك من أبياته الهمزية التي يقال إنه هجا بها آل بيت من كلب من بني عليم بن حبان وذلك حيث يقول فيها "ص٥٥٢: شعراء النصرانية": وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء فإن قالوا النساء مخبآت ... فحق لكل محصنة هداء وإما أن يقول بنو مصاد ... إليكم، إننا قوم براء وإما أن يقولوا قد وفينا ... بذمتنا فعادتنا الوفاء وإما أن يقولوا قد أبينا ... فشر مواطن الحسب الإباء وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء وبهذا البيت الأخير سمي زهير قاضي الشعر. أما قوله: وما أدري ... إلخ فهو الذي اختاره علماء البلاغة مثالًا في باب التشكك، وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغلو والإغراق؛ لأنه يدل على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما؛ فقد أظهر زهير أنه لم يعلم أهم رجال أم نساء؛ وهذا أملح من أن يقول هم نساء؛ وأقرب إلى التصديق، وأبلغ في التهكم والازدراء والتنقص "ص٥٣ ج٢: العمدة" ومن هذه القصيدة: ولولا أن ينال أبا طريف ... إسار من مليك أو لحاء١ لقد زارت بيوت بني عليم ... من الكلمات آنية ملاء ولعمري إن هذه الآنية الملاء لطرفة من طرف الاستعارة، وإن حسنها إنما تم بذكر البيوت في صدر الشعر. وفيها أيضًا:

стр. 673

وإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكل مندية لقاء ويروى: لكل منكرة كفاء، وهي لمحة دالة أشار بها لقبح ما كان يصنع له لو لقيه، وهذا البيت عند قدامة أفضل بيت في الإشارة التي لا يأتي بها إلا الشاعر المبرز والحاذق الماهر. ولا بأس أن ننسحب على هذا الأثر من البديع، فإن ذلك من متممات زهير، ولولاه لما كان لصنعته شأن، وقد كان يتوكأ في هذه الطريقة على من تقدمه من الفحول ويلوذ بهم، كامرئ القيس وأوس بن حجر وابي دؤاد الإيادي، كما اتبع في صفته امرأ القيس قوله: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم فإنه أوغل في التشبيه إيغالًا؛ بتشبيهه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض ألبتة، وكان خالص الحمرة، وقد اتبع بيت امرئ القيس: كأن عيون الطير حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي مل يثقب وكذلك اتبع في نفي الشيء بإيجابه حيث يقول: بأرض خلاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر فأثبت لها في اللفظ وصيدًا، وإنما أراد ليس لها وصيد فيسد، وله في المبالغة والتتميم العجيب قوله: من يلق يومًا على علاته هرمًا ... يلق السماحة منه والندى خلقا فإنه يريد بقوله: "على علاته" ما يكون من قلة المال والعدم، أي: فكيف به وهو على خير تلك الحال، وقد جاء له في هذه القصيدة: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا قالوا إنه أتى بجميع ما استعمل في وقت الهياج وزاد ممدوحه رتبة وتقدم به خطوة على أقرانه، وهو نوع من التقسيم تأتي فيه الزيادة تدريجًا وترتيبًا، ولذلك يصعب على متعاطيه ويقل جدا حتى إنهم لم يجدوا من الشعر عديل هذا البيت "ص٢٠ ج٢: العمدة". ذلك بعض صنعته، أما معانيه فإن أكثر ما قدم به زهير المديح، وهو الذي ألقى عن المادحين فضول الكلام، وله في ذلك أبيات لم يسبق إليها، كأبياته القافية التى يقول فيها: من يلق يومًا على علاته هرما ونحو ذلك: من ضريبته التقوى، ويعصمه ... من سيئ العثرات الله والرحم١ مورث المجد لا يغتال همته ... عن الرياسة لا عجز ولا سأم

стр. 674

وقصيدته اللامية التي مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وفيها يقول: على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجة ... وتغرس إلا في منابتها النخل كذلك أبياته التي استجمع فيها ضروب المديح من العقل والعفة والعدل والشجاعة، وهي التي يقول فيها، وهي من المديح المنصوص عليه، وقد عدوها شرفًا لمن قيلت فيهم: أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله تراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وقد اختارها قدامة في نقد الشعر وشرحها على ذلك التقسيم. ونحن لسنا في سبيل الاختيار، وإنما نسوق ما لا يزيلنا عن طريق البحث؛ ولزهير طريقة في تقريب المبالغة والبلوغ إلى الإفراط والإغراق من طريق الحقيقة، كراهية للكذب الثقيل، وبغضة لسوء التأليف الذي يجيء من ناحية الإغراب، فتراه يداور المعاني حتى يبصر لها طريقًا إلى الحقيقة، ويجد لها مخلصًا إلى الواقع كقوله: لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر وقوله أيضًا: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا وعلى هذه الطريقة يحمل قول عمر: إنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه، ولا ترى زهيرًا يشذ عنها في شيء، حتى لقد بلغ من معرفتهم ذلك له أنهم حملوا عليه الجواب المروي عن أوس بن حجر حين سأله رجل وقد سمعه يقول: ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر فقال له: أنت لا تكذب في شعرك، فكيف جعلته أشجع من الأسد؟ فقال أوس: إني رأيته فتح مدينة وحده، وما رأيت أسدًا فتحها قط, وذلك لتخصص زهير بتلك الطريقة والتزامه إياها. على أن سبب هذا الالتزام قد يكون من ضعف الخيال؛ لأنه لم تستقل له طريقة فيه، ولا هو كان من المتبسطين في فنون المجاز، كما قد يكون أنفة ونزوعًا إلى مذاهب السيادة، وتورعًا عن أمثال تلك التكاذيب، وهو الأرجح عندنا لما قدمنا من أن هذا الرجل خلق سيدًا قبل أن يخلق شاعرًا؛ ولذلك قصر مديحه ولم يجعله تجارة كما جعله الأعشى، ولا انحط فيه إلى تساقط الهمة كما فعل النابغة، ولا زين باطلًا، ولا اختلق موضوعًا، بل كان مديحه تاريخًا صحيحًا. ومن أجل هذا كان لا يحتال إلى التخلص في قصائده، بل يقتضب المديح، أو يتخلص بمثل

стр. 675

قوله: دع ذا وعد القول في هرم ولو شاء ذلك تفتقت له الحيلة؛ ثم كان يتناول البسيط من معاني المديح وما لا يمدح به عادة؛ فتدفعه سلامة النية إلى إقحامه في شعر كقوله: لعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذا اللؤماء ليموا فهذا البيت لا يرضى أحمق العرب أن يمدح به، ولكن زهيرًا يعرف أن هرمًا يرضاه، بل يعرف كيف يرضيه به، ومثله قوله في معناه: إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الجواد على علاته هرم وكلمة "على علاته" هذه لا تزال تدور في الناس إلى اليوم، وكذلك كلمته في قوله: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم يعني المنية، فقد أجراها الظرفاء على الحذف، فيقولون إلى حيث ألقت ... لمن يودعون وجهه ويستقبلون قفاه....

стр. 676

خشونة الشعر الجاهلي: ليس الذي نجده نحن في شعر الجاهلية من جفاء المعنى وخشونة اللفظ [وعثرة] بعض الأساليب, مما كانوا يجدونه هم أو يأخذونه على أنفسهم، فإن الألفاظ صورة معنوية من الاجتماع، وإن الزمن يفعل في إحالة هذه الألفاظ عن مدلولاتها ما تفعل أطوار العمر في معاني النشأة فالشباب فالكهولة؛ إذ لا يكون ما يسرك وأنت طفل مثلًا بالذي يسرك وأنت شاب نفس ذلك السرور الأول في معناه وموقعه. ولما كانت ألفاظ اللغة لا تؤدي أكثر من الصور، ومعان منتزعة من حياة أهل تلك اللغة المبنية على مصطلحات ومواصفات مألوفة بينهم، كان تبدل هذه الحياة بما يصور الاجتماع من الأسباب الكثيرة ذاهبًا بحقائق تلك الألفاظ، إذ يعطيها صورًا ومعاني معدومة أو معلومة علمًا تاريخيا لا سبيل معه إلى تحقيق الوصف بالمشاهدة أو بالعادة والألفة ونحو ذلك؛ فمن ثم تتنزل الألفاظ منزلة الغريب، ويغرق بعضها في الغرابة إذا انعدمت صورته الذهنية من الاجتماع، فيجري مجرى الألفاظ المماتة. والعرب يذكرون في أشعارهم أسماء كثير من الحشرات ومن صفات الدواب وأشهرها الخيل والإبل على جهتي المدح والذم، وكثير مما يعد من مألوف اجتماعهم، وكل ذلك عندنا منكر قد لا يعرفه منا علماء الحيوان وأهل البيطرة، ثم هم لا يرون فيه ما نراه نحن وما رآه أهل الدول من بعدهم، وذلك شأن كل الأمم على السواء فيما يختلفون فيه جميعًا وما تختلف فيه أطوار الأمة الواحدة من الاجتماع، فتلك الخشونة في شعر الجاهلية بأسبابها هي جماع خصائصه المميزة له عن سائر أطوار الشعر العربي، وقد مر شيء من تفصيل ذلك في تاريخ الأنواع التي بوبنا لها. وقد يتعاطى الشعراء من البلدتين وأهل الحضارة تقليد أهل البادية في بعض خصائص شعرهم فيخطئون، قال العجاج في الكميت والطرماح......... "ج٤ ص١٨: الأغاني". وضحك أبو كلدة الأعرابي حين أنشد شعر ابن النطاح الذي يقول فيه: والذئب يلعب بالنعام الشارد قال: وكيف يلعب بالنعام.... إلخ "ج٢ ص١٠٩: الحيوان"؛ وكذلك عابوا على أبي نواس وهو المقدم في المحدثين صفته لعين الأسد بالجحوظ في قوله: كأن عينه إذا التهبت ... بارزة الجفن عين مخنوق ولعله لم يكن رآه فقام عنده أن هذا أشنع وأشبه [بشناعة] وجه الأسد وهم يصفون عنه بالغئور كقول أبي زهير: وعينان كالوقبين في ملء صخرة ... ترى فيهما كالجمرتين تسعر وكان الأصمعي يخطئ قومًا من المخضرمين والمحدثين في تعسفهم مثل هذه الطرقات

стр. 677

المجهولة مما لا يعرفونه عيانًا ولا يخالطون صفته بالحقيقة التي تعرفها المشاهدة. وقد أسلفنا أن العرب كانوا علماء في أشعارهم، فسبيل هذه الأشعار عندنا سبيل كل علم يحتاج إلى درس وتلقين، وإلى الأخذ عن أهله أو القوام عليه. قال الجاحظ: قل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين إلا ونحن قد وجدنا قريبًا منه في أشعار العرب والأعراب. وعلى ما رواه من تلك الأشعار بنى أكثر ما في كتابه "الحيوان" وإن كان قد ترك فيه تفسير شواهد كثيرة مما لا يعرفه إلا الرواة، للتحرز من خوف التطويل كما قال١: وحتى ذكر في الجزء السادس من هذا الكتاب أنه لم يجعل لما تسكن الملح والعذوبة والأنهار والأودية والمناقع من السمك وما يعيش معه بابًا مجردًا؛ لأنه لم يجد في أكثره شعرًا يجمع الشاهد ويوثق منه بحسن الوصف "ص٦ ج٦". ومما نبه عليه في ذلك الكتاب مما يعد فيما نحن بسبيله، أن شعراء العرب قد تواضعوا في صفتهم قتال الكلاب وبقر الوحش على أنه إذا كان الشعر مرثية وموعظة، جعلوا الكلاب هي التي تقتل البقر، وإذا كان الشعر مديحًا وقال كأن ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أن ذلك حكاية عن قصته بعينها، ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها؛ وأما في أكثر من ذلك فإنها تكون هي المصابة والكلاب هي السالمة والظافرة. نبه على ذلك الجاحظ "ص٨ ج٢: الحيوان". ثم إن شعر العرب إنما بقي من بعدهم للحاجة إلى ألفاظه لا إلى معانيه، إذ هو مادة الشاهد والمثل في العلوم الدينية واللسانية، وكان الرواة لا يطلبون منه أكثر من ذلك، كما لا يطلبون من الخبر إلا الأيام والمقامات، فهم من أجل هذا يروونه على ما هو لا يبالون وافقت ألفاظه المعاني المألوفة في عصورهم أو خالفت، فتلك في جانب بعيد من الغرض الذي يستهدفونه؛ وهذا معنى قول ابن فارس: قد يكون شاعر أشعر وشعر أحلى وأظرف، فأما أن تتفاوت الأشعار القديمة حتى يتباعد ما بينها في الجودة فلا، وبكل يحتج وإلى كل يحتاج "ص٢٣٥ ج٢: المزهر". هذا سبب ما تجده من خشونة الشعر الجاهلي. أما السبب في أن العرب لم ينظروا في تصفية معانيهم ونحت ألفاظهم الشعرية حتى تخرج رقيقة تتهالك ونحيفة لا تتمالك، فذلك راجع إلى فطرة الاستقلال وحالة البداوة، فإن شئت قلت إن ألفاظهم إنما تقطر من سيوفهم أو تسيل من رماحهم أو تجدب في رمالهم أو تخصب في أوديتهم أو تدب في حشراتهم أو تسعى مع دوابهم أو تعذب في أمطارهم أو تأنس في غدرانهم، ولكنك لا تستطيع أن

стр. 678

تقول إنها تتردد ألحاظًا مذعورة أو تتمثل وهي معبودة، أو تتهالك رقة دينية ونحو ذلك مما لا يلائم نشاط البداوة ولا يكون إلا وهنًا من هرم الحضارة وتماوت الحياة الاستقلالية بما يفشو في أطرافها من جراثيم الانقراض، وأظهر ما تجد ذلك في الشعر العبراني؛ فإن الذلة والمسكنة والرعدة الدينية أخص مميزاته.

стр. 679

الباب السابع: أدب الأندلس إلى سقوطها ومصرع العربية فيها الأدب الأندلسي: هنا مشرع القلم ومصرعه، والمورد الذي يرويه ماؤه تظمئه أدمغه، فلو كان القلم سحابًا لاحترق من أسى البكاء بما فيه من البرق، ولو كانت الصحيفة صحيفة الشمس وهي تندب مجد المغرب لأظلم بها الشرق, أيام أدب مرت كنور النهار أصبح به حينًا وبات، بل كانت خفقات قلب الزمان عاش بها دهرًا ومات؛ فنضر الله سعدًا لا عيب له إلا أنه من الزمن وآخر الزمن شقي، ورحمه الله عهدًا لا نقص فيه إلا قول المؤرخ بعده: لو بقي! الأدب وتأثره بالتاريخ السياسي: لما قرأنا تاريخ الأندلس وأخذنا في درس أدبها واستخلاصه من جملة التاريخ، رأينا ما أذهلنا من إغفال المؤلفين في الأدب والعلوم وتراجم رجالها لهذا الفرع الفينان من الحضارة العربية، فإنك إن جهدت أن تتمثل صورة مجملة لآداب الأندلسيين، فكأنما تجهد أن ترجع إلى خيالك شبابًا أخلقت عهده، وكأنك خلقت بعده؛ فمهما تأت من ذلك لا تزيد على الذكرى التي يبلغ من ضعفها أن لا يكون فيها إلا بعض أنقاض التاريخ، وأنت تريد الأنقاض كلها، بل صورة البناء قبل أن ينقض. لذلك رأينا أن نضع هذه الصفحة جديدة في تاريخ الأدب العربيح ولما شرعنا في ذلك رأينا أن لا بد من أن يأخذ الكلام في طريقه: فالأول في ظاهر الأدب وتأثره بالتاريخ السياسي، والثاني في حقيقته وتأثر التاريخ السياسي به؛ وهذا مما انفرد به الأدب الأندلسي؛ لأنه بدأ عربيا وانتهى أعجميا -كما سترى- ومن أجل ذلك قسمنا الكلام إلى قسمين. القسم الأول: الأندلس من العراق إن الأدب الأندلسي لا يبزه في التاريخ إلا الأدب العراقي، ولقد يكون في الأندلس ما ليس في العراق من بعض فروع الحضارة والصناعة، غير الفرق ما بين الموطنين في زينة الطبيعة ونضارة الإقليم، إلا أن الأدب العراقي ممتاز بمتانة اللغة، لقربه من البادية، ولاستفحال الرواية هناك، وبكونه أصلًا؛ حتى إن الأندلسيين أنفسهم كانوا يلقبون نابغيهم بأسماء المشارقة، فيقولون في الرصافي: إنه ابن رومي الأندلس، ومروان بن عبد الرحمن: ابن معتز الأندلس، وابن خفاجة: صنوبري الأندلس، وابن زيدون: بحتري الأندلس، وابن دراج: متنبي الأندلس، ومحمد بن سعيد الزجالي الأديب الحافظ: أصمعي الأندلس، لحفظه وذكائه؛ وأبي بكر الزبيدي الشاعر اللغوي: ابن دريد الأندلس؛ كما يقولون في الفيلسوف ابن باجه الشاعر الموسيقي: إنه فارابي المغرب١، وحمدة بنت زياد

стр. 680

الشاعرة الأديبة: خنساء المغرب؛ وكان منشأ ذلك أن العلماء والأدباء من أهل ذلك الصقع كانوا يرحلون إلى المشرق فيلقون الأئمة ويأخذون عنهم، ثم ينقلبون إلى الأندلس برواية ما أخذوه فيبثونه في أهلها مسندًا إلى أدباء العراق، كسوار بن طارق القرطبي مولى عبد الرحمن بن معاوية، فإنه حج ودخل البصرة ولقي الأصمعي ونظر أمره، ثم انقلب إلى الأندلس وأدب الحكم؛ ومن ولده محمد بن عبد الله بن سوار، حج أيضًا ولقي أبا حاتم بالبصرة والرياضي وغيرهما، وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا، وقاسم بن أصبغ البياني "نسبة إلى بيانة من أعمال قرطبة" فقد سمع بالأندلس ممن كان بها، ثم رحل إلى المشرق سنة ٢٧٤هـ فسمع بمكة والكوفة وبغداد من أئمة الفقه والحديث، وكتب عن ابن أبي خيثمة تاريخه، وسمع من ابن قتيبة كثيرًا من كتبه، ومن المبرد وثعلب وابن الجهم، في آخرين، وسمع بمصر من محمد بن عبد الله العمري، ومطلب بن شعيب، وبالقيروان من أحمد بن يزيد المعلم وبكر بن حماد التاهرتي الشاعر، وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير، فمال الناس إليه في تاريخ أحمد بن زهير وكتب ابن قتيبة وأخذوا ذلك عنه "ص٣٤٥ ج١: نفح الطيب"، ومحمد بن عبد الله بن يحيى من قضاة الناصر "توفي سنة ٣٣٧هـ" وكان شاعرًا مطبوعًا، فقد رحل إلى المشرق وسمع من ابن الأعرابي وغيره، ثم حدث عنه بالأندلس؛ وسيأتي ذكر آخرين في الكلام على علماء الأندلس. وكانت أمهات كتب الأدب التي تؤلف بالعراق تروى في الأندلس بالسند إلى مؤلفيها، على تفاوت بين الأسانيد قوة وضعفًا، ومن ذلك قول الأمير الحكم المستنصر: لم يصح كتاب "الكامل" عندنا من رواية إلا من قبل ابن أبي قلاعة١، وكان ابن جابر الأشبيلي قد رواه قبل بمصر، وما علمت أحدًا رواه غيرهما، وكان ابن الأحمر القرشي يذكر أنه رواه، وكان صدوقًا، ولكن كتابه ضاع، ولو حضر ضاهى الرجلين المتقدمين ا. هـ "ص٣٩٢ ج١: نفح الطيب". وقد يكون دخول العراق عند بعض العلماء من قبيل قولهم "من حفظ حجة على من لم يحفظ" لأنه عندهم زيادة في الاطلاع وتحقق بالثقة في الرواية، ولما قدم عليهم أبو علي القالي سنة ٣٣٠هـ في زمن الناصر، أمر ابنه الحكم وكان يتصرف عن أمر أبيه، أن يجيء مع أبي علي إلى قرطبة، ويتلقاه في وفد من وجوه رعيته، ينتخبهم من بياض أهل الكورة تكرمة له، وباسم الحكم طرز أبو علي كتاب "الأمالي" المشهورة، وكان قبل ولاية الأمر وبعدها ينشطه ويعينه على التأليف بواسع العطاء ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام، وقد اعتنى الأندلسيون بكتاب "الأمالي" فشرحوه وألفوا على منزعه، كما فعل الشقوري رئيس كتاب الأندلس في كتابه "سراج الأدب"، وحفظه كثير منهم حتى في النساء -كما سيمر بك- ومن أجله جعلوا أبا علي أندلسيا بالموطن دون المنشأ، ليصح لهم الاختصاص به، مع أن القالي لم يكن في قرطبة أعرابيا في أعاجم، ولا كان وحده فيهم كالذهب في تراب المناجم، بل كان في قرطبة كثير منهم، وحسبك بمحمد بن القوطية، وهو الذي كان يبالغ القالي في تعظيمه، وشهد له بأنه أنبل أهل الأندلس في اللغة، وكان إمام الأدب في ذلك الزمن أبا بكر الزبيدي.

стр. 681

غير أن التاريخ قد فسر هذا التفاوت؛ فإنه عدّ أبا علي حسنة من حسنات الدولة الأموية في الأندلس، حتى وقع ذلك موقع المنافسة من المنصور بن أبي عامر المتوفى سنة ٣٩٣هـ، فإنه لما قدم عليه أبو العلاء صاعد بن الحسين البغدادي اللغوي عزم على أن يعفّي به آثار أبي علي الوافد على بني أمية، ليفوز بإحدى الحسنيين، ولكنه لم يجد عنده ما يرتضيه، وكان الرجل يتنفق بالكذب -وقد مر من ذلك شيء في بحث الرواية- فأعرض عنه أهل العلم، وقدحوا في روايته وحفظه، ولم يأخذوا عنه شيئًا لقلة الثقة. ولم يكن الشغف بالأسماء والألقاب العراقية مقصورًا على العلماء والأدباء وحدهم، بل تجاوزهم إلى الخلفاء، فإن ألقاب الأول منهم كانت: الأمراء أبناء الخلائف، ثم الخلفاء وأمراء المؤمنين، إلى أن وقعت الفتنة بحسد بعضهم لبعض، وابتغاء الخلافة من غير وجهها الذي ترتبت عليه، فتوثب ملوك الطوائف على الألقاب العباسية، وترفعوا إلى طبقات السلطنة العظمى، بما في جزيرتهم من أسباب الترفه والفخامة التي تتوزع على ملوك شتى فتكفيهم وتنهض بهم للمباهاة، وفي هذه الألقاب يقول ابن رشيق: كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد وكان بنو حمود الذين توثبوا على الخلافة في أثناء الدولة المروانية بالأندلس يتعاظمون ويأخذون أنفسهم بما يأخذها خلفاء بني العباس، فكانوا إذا حضرهم منشد يمدح أو من يحتاج إلى الكلام بين أيديهم، تكلم من وراء حجاب والحاجب١ واقف عند الستر يجاوب بما يقول له الخليفة؛ ولما حضر أبو يزيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني الشاعر أمام حاجب إدريس بن يحيى الحمودي الذي خطب له بالخلافة في مالقة وأنشده قصيدته النونية المشهورة التي مطلعها: ألبرق لائح من أندوين ... ذرفت عيناك بالماء المعين وبلغ فيها إلى قوله: انظرونا نقتبس من نوركم ... إنه من نور رب العالمين فرفع الخليفة الستر بنفسه وقال: انظر كيف شئت؛ وكذلك انتحل وزراء الأندلس لقب ذي الوزارتين امتثالًا لاسم صاعد بن مخلد وزير بني العباس ببغداد، وأول من تسمى به منهم وزير الناصر, أبو عامر ابن شهيد الكاتب الشاعر الكبير، أول وزير في الإسلام "ص١١٩ ج١: التمدن الإسلامي". ولما احتفل المأمون بن ذي النون، من أعظم ملوك الطوائف في إعذاره المشهور الذي عمله

стр. 682

بطليطلة وبالغ في ذلك بما يناسب ما بلغت إليه دولتهم من البذخ والترف، وهو الإعذار الذنوني, ضرب أهل المغرب به المثل وفاخروا به المشارقة في عرس بوران بنت الحسن بن سهل التي بنى بها المأمون العباسي، وهو من أكبر الاحتفالات التي حفظها التاريخ. ذلك طرف من تهافت الأندلسيين في تقليد مشاهير العراقيين، وقد بلغوا من ذلك أنهم لما وفد زرياب المغني تلميذ إسحاق الموصلي على عبد الرحمن بن الحكم ورأوا من ظرفه وفنون أدبه ما رأوا، اتخذه خواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه في اللباس والفرش والطيب والطعام، ثم امتثلهم عامة الناس. وقد ذكر من ذلك صاحب "نفح الطيب" أشياء قال إنها صارت إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوبة إليه معلومة به، فكأن عربية الأندلسيين كانت صغيرة في أنفسهم لنزولها عن العربية العراقية بالمنشأ فهم يحققونها دائمًا بالتقليد؛ ويتثبتون من بقاء قدمها بهذا الجديد، ولا جرم فقد كان أصل حضارتهم أمويا؛ لأن أول من سن سنن الآداب وأقام حالة الملك بالأندلس هو عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة ١٧٢هـ فلء بني أمية بالشام، وكان يسميه عدوه أبو جعفر المنصور العباسي: صقر قريش؛ لرقي همته وبعد مطمحه، وقد طرز ثوب ملكه حفيده الحكم بن هشام فحل بني أمية المتوفى سنة ٢٠٦هـ، فكان أول من جند الأجناد واتخذ العدة، وأول من جعل للملك بأرض الأندلس أبهة واستعد بالمماليك حتى بلغوا خمسة آلاف، منهم ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل. عربية الأندلس: كان أول احتلال طارق بن زياد لأرض أندلسية في سنة ٩٢هـ، وبعد أن ضرب فيها قليلًا رحل إليها مولاه موسى بن نصير فدخلها في سنة ٩٣هـ وافتتح جانبا منها ثم قفل عنها سنة ٩٥هـ، وتتابعت الولاة والفتوح بعد ذلك مما ليس في هذا الكتاب موضع بسطه؛ غير أنه لما استتم الفتح وعصفت ريح الإسلام، صرف أهل الشام وغيرهم من العرب همهم إلى الحلول بها، فنزل بها من جراثيم العرب وساداتهم جماعة أورثوها أعقابهم، وهم بدء تاريخ الأدب فيها، فكان منهم القبائل المختلفة من العدنانية والقحطانية١ ولم يتركوا في الأندلس عاداتهم المشرقية من الغزو والحروب، فطرأت بذلك الفتن بين الشاميين والبلديين والبربر والعرب من المضرية واليمانية، حتى كان زمن الداخل في سنة ١٣٨هـ، ولم يزل أولئك العرب يتميزون بالعمائر والقبائل والبطون والأفخاذ إلى أن قطع ذلك المنصور بن أبي عامر الداهية الذي ملك سلطنة الأندلس سنة ٣٦٦هـ وقصد بذلك تشتيتهم وقطع التحامهم وتعصبهم في الاعتزاء، وقدم القواد على الأجناد، فيكون في جند القائد الواحد فرق من كل قبيل، فانحسمت بما فعل مادة الفتن بالأندلس التي كانت تثيرها تلك الجاهلية الرقيقة. وقلما تجد في الأندلسيين شاعرًا مفلقًا أو كاتبًا بليغًا أو عالمًا ضليعًا ونسبه في قبيلة من تلك القبائل العربية، فكان يحيى الغزال أول شعراء الأندلس الفلاسفة من بني بكر بن وائل، وكان يوسف بن هارون الرمادي معاصر المتنبي من كندة، وأبو بكر المخزومي هجاء الأندلس من بني مخزوم، وكذلك

стр. 683

أبو بكر بن زيدون، وابنه أبو الوليد بن زيدون الشهير، وكان أبو بكر بن عمار ينتسب إلى مهرة من قضاعة، وغير هؤلاء كثيرون، فضلًا عمن لم يعرف سبيل اعتزائهم من الأدباء؛ لأن الانتساب إلى العرب كان محفوظًا بالأكثر في العلماء والفقهاء والأعيان، متميزًا فيهم، كبني سراج الأعيان من أهل قرطبة، ينسبون إلى مذحج، وبنو المنتصر العلماء من أهل غرناطة، إلى مرة بن أود بن زيد بن كهلان، وبنو أسماك القضاة من أهل غرناطة أيضًا إلى عاملة، وقيل: هم من قضاعة، وبنو عباد أصحاب إشبيلية، إلى لخم بن عدي، وهم من ولد النعمان بن المنذر صاحب الحيرة، إلى غير هؤلاء ممن أفردت لهم كتب الأنساب الأندلسية؛ وكان يقال لنساء غرناطة المشهورات بالحسب والجلالة: العربيات، لمحافظتهن على المعاني العربية "ص٤٩٢ ج٢: نفح الطيب" فكأن الطبيعة بتلك الوراثة العربية قد تعاون باطنها وظاهرها على إيجاد الأدب الأندلسي وإجادته. أولية الأدب والعلوم: فمن لدن فتح الأندلس إلى زمن الداخل -أي: نحو ٤٦ سنة- لم يكن في الأندلس ضرورة شعراء ولا كتاب من أهلها، بل كانوا من الطارئين، وهم مع ذلك لم يتميزوا ولم يبلغوا مبلغ أدباء العراق والشام، ومن هؤلاء أبو الحظار صاحب اليمانية، والصميل بن حاتم شيخ المضرية، وهما كبشا الفتنة العمياء؛ غير أنه كان في تلك المدة أبو الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق وشعره على مذهب الأوائل من جاهلية العرب لا على طريقة المحدثين، وكذلك بكر الكناني، وهذان وحدهما هما اللذان عرفا بالشعر في ذلك الزمن؛ ولما توجه عباس بن ناصح الشاعر من قرطبة إلى بغداد ولقي أبا نواس استنشده من شعرهما "ص١٥٦ ج٢: نفح الطيب" وهذا يدل على أن شهرتهما ترامت إلى العراق. واستمرت تلك الحال إلى منتصف القرن الثاني، فعرف بالشعر حبيب بن الوليد الذي ينتهي نسبه إلى عبد الملك بن مروان، وقد توفي بعد المائتين "ص٥٧٤ ج١: نفح الطيب" وحوالي ذلك الزمن كان من قضاة الداخل معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، وكان به أدب وشعر، وكان عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء في أواخر هذا القرن يفد على قرطبة فيأخذ عنه أدباؤها، ومنهم يحيى الغزال أول المشاهير من شعراء الأندلس المفلقين، وكان يومئذ حدثًا "ص٤٤٥ ج١" وفي تلك الأيام عرف شاعر اسمه بكر بن عيسى. هذه أولية الشعر في الأندلس؛ أما الكتابة فلعل أول من اشتهر بها أمية بن يزيد مولى معاوية بن مروان؛ وذلك لأنه لزم الكتابة لعبد الرحمن الداخل، وكان يكتب قبله ليوسف الفهري، وقد جعله الأمير عبد الرحمن في عديد من يشاوره ويفضل آراءه "ص٧٢ ج٢: نفح الطيب" ولم يكتب أحد قبله لهذا الأمير إلا أبو عثمان النقيب وصاحبه عبد الله بن خالد، إلا أن فضل الخصوصية والمشاورة كان لأمية دونهما. أما أولية العلوم فإن أقدم ما اشتغلوا بمدارسته من العلوم إنما هو الفقه، حتى كان الأمراء الذين ولوا الحكم في القرن الثاني، وهم: الداخل، وهشام ابنه، والحكم بن هشام -لا يعنون إلا بالقضاة،

стр. 684

ويقربونهم، ولا يألون الناس جهدًا في إقامتهم على الحق وحملهم بالسنة الواضحة، ولهم في ذلك الأخبار العريضة. وقد كانت حركة الحياة الأندلسية حركة غزو وحرب واضطراب فتن سياسية عليها صفة الدين إلى آخر تاريخها العربي -كما ستعرفه- فكان طبيعيا أن يكون من مقتضيات فطرة ذلك الشعب، الحماسة الدينية، ولا يدل عليها كالإحساس الشديد باحترام الفقهاء، ولذلك كانت سمة الفقيه عندهم جليلة، حتى إن المسلمين كانوا يسمون الأمير المعظم منهم الذي يريدون التنويه به: فقيهًا، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي: فقيه، لأنها عندهم أرفع السمات "ص١٠٣ ج١: نفح الطيب" وفي تاريخ وزرائهم وشعرائهم وأدبائهم ما يدل على ذلك، وسنأخذ في هذا المعنى في موضع آخر. وقد كان الأندلسيون يتفقهون على مذهب الأوزاعي حتى رحل زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشيطون المتوفى سنة ٢٠٤هـ إلى الحجاز فسمع من الإمام مالك بن أنس كتاب "الموطأ"، وهو أول من أدخل مذهبه الأندلس، وكان ذلك زمن الأمير هشام بن عبد الرحمن المتوفى سنة ١٨٠هـ في فجر تلك الحضارة، وذلك طبيعي؛ لأن الناس في أدوار التاريخ الإسلامي لم يتفرغوا لعلم الأدب إلا إذا استكملوا علوم الدين أو أهملوها والعياذ بالله؛ وقد أجمع الأندلسيون قاطبة على مذهب مالك، ولا يزال ذلك في أهل المغرب لعهدنا؛ قال الحافظ بن حزم: "مذهبان انتشرا في بدي أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية، فكان لا يولي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه، ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى -يعني يحيى بن يحيى الليثي، وقد روى "الموطأ" عن زياد المذكور آنفًا قبل أن يدرك مالكًا، ثم أدركه فروى عنه- كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون أغراضهم به، على أن يحيى لم يل قضاء قط، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم". وابن حزم هذا هو أول من خالف مذهب مالك بالمغرب واستبد بعلم الظاهر، ولم يشتهر به مثله أحد "ص٣٢: المعجب". وليس اشتغال الأندلسيين بالفقه ورسائله بمانعهم أن يتدارسوا علوم اللغة والإعراب؛ إلا أنهم لم يستقصوا هذه العلوم ولم يستغرقوها؛ لأن ذلك إنما كان في الطارئين على الجزيرة وفي قليل من أهل البلاء كما مر بك بعضه؛ وقد كان الأمير عبد الرحمن الداخل شاعرًا محسنًا ولسنًا فصيحًا، وكان ابنه الأمير هشام إذا حضر في مجلسه امتلأ أدبًا وتاريخًا؛ وفي زمن هشام هذا وقد تقدمت سنه [ودنت] وفاته؛ كان بالجزيرة الخضراء منجم يعرف بالضبي؛ قال صاحب "نفح الطيب" عندما ذكر أن هشامًا أشخصه من وطنه إلى قرطبة: "وكان في علم النجوم والمعرفة بالحركات العلوية بطليموس زمانه حذقًا وإصابة" "ص١٥٧ ج١". وكان في زمن الحكم بن هشام، الذي ولي سنة ١٨٠هـ، شاعر اسمه العباس معروف بالشعر؛

стр. 685

أورد له صاحب "نفح الطيب" بعض أبيات غير جيدة "ص١٦٠ ج١". فتلك جملة تاريخ الأدب الأندلسي في القرن الثاني وما أدركه الفتح من بقية القرن الأول، وهي لا تعد شيئًا في جنب ما كان يومئذ بالشام والعراق في الدولتين الأموية والعباسية، حيث انتهى القرن الثاني بقيام المأمون العباسي الذي بويع سنة ١٩٨هـ؛ ولكنها كالجاهلية للأدب الإسلامي؛ ولم تزل سنة أن لا يتم آخر شيء إلا إذا كان النقص في أوله!

стр. 686

الأدب في القرن الثالث: استهل القرن الثالث وحضارة العباسيين في أوجها، وقد نفح الأدب العربي بأنفاس الخلود الباقية من عصر المأمون إلى ما شاء الله أن تبقى، ولكن هذا القرن كان في الأندلس نطاحا ومغالبة في أكثر سنيه، وليس فيه من أمراء الأدب المعدودين إلا الأمير عبد الرحمن بن الحكم المعروف بالأوسط معاصر المأمون العباسي, وكان أندى الناس كفا، وأكرمهم عطفًا، وأوسعهم فضلًا، ملك من سنة ٢٠٦هـ إلى سنة ٢٣٨هـ، وكانت أيامه أيام هدوء وسكون، واتخذ القصور والمتنزهات، ولكن سواد الناس لم يهتموا إلا ببناء الجوامع بكور الأندلس ولم تبن إلا في أيامه، وقد جاراهم هو في ذلك فزاد في جامع قرطبة رواقين، ويقول بعضهم إنه فعل ذلك لما اتهم بميله إلى الفلسفة. ولما كان هذا الأمير مع علمه بعلوم الشريعة عالمًا بالفلسفة "ص١٦٢ ج١: نفح الطيب" وكان محبا للسماع، كثير الميل للنساء، احتجب عن العامة، وهو أول من فعل ذلك من أمراء الأندلس ليتنفس في الهواء الرقيق..... المعروف بالغزال الشاعر المفلق الفيلسوف، وكان شاعره، وهو من شعراء الأندلس كامرئ القيس من شعراء الجاهلية، وبشار من شعراء المحدثين، وله الأرجوزة المطولة التي نظمها في فتح الأندلس وذكر فيها السبب في غزوها وفصل الوقائع بين المسلمين وأهلها وعداد الأمراء عليها، وأسماءهم، فأجاد وتقصى، وكان للأندلسيين بها شغف إلى آخر عصورهم، وقد قلده في ذلك أبو طالب المتنبي الشاعر من أهالي جزيرة شقر فنظم كتابًا في تاريخ الأندلس وأورد منه ابن بسام في كتابه "الذخيرة". وكان الغزال من كبار أهل الدولة حتى أرسله عبد الرحمن سفيرًا إلى ملك القسطنطينية -حين بعث إليه هدية في سنة ٢٢٥هـ يطلب مواصلته ويرغبه في ملك سلفه بالمشرق من أجل ما ضيق به المأمون والمعتصم- فأحكم الغزال بينهما الواصلة، وتوفي هذا الشاعر سنة ٢٥٠هـ. وكان من شعراء الأمير عبد الرحمن وندمائه عبد الله بن الشمر "ص٣٤٥ ج٢: نفح الطيب"، وكان يكتب له محمد بن سعيد الزجالي، أصمعي الأندلس، وقد استوزره لشطرة من الشعر، وذلك أنه صنع في بعض غزواته قسيمًا، وهو: نرى الشيء مما يتقى فنهابه ثم ارتج عليه وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائبًا عن حضرته. فأراد من يجيزه، فأحضر له بعض قواده محمد بن سعيد هذا، فأنشده القسيم، فقال: وما لا نرى مما يقي الله أكثر فاستحسنه وأجازه، وحمله استحسانه على أن استوزره. وامتاز عصر هذا الأمير بشيوع الغناء في الأندلس، بعد أن قدم عليه زرياب المغني تلميذ إسحاق الموصلي سنة ٢٠٦هـ، وهو الذي أورث هذه الصناعة الأندلس -وسنذكر أمره في تاريخ هذا الفن-

стр. 687

وكان عبد الرحمن مولعًا بالسماع، مؤثرًا له على جميع لذاته، حتى إنه كان يبتاع المحسنات من الآفاق، فاشتريت له من المدينة فضل المدنية التي كانت لإحدى بنات هارون الرشيد، مع صاحبتها علم؛ وصواحب غيرهما، فأنشأ لهن دارا بقصره سماها دار المدنيات، وكان يؤثرهن لجودة غنائهن ونصاعة ظرفهن وأدبهن، وكان من جواريه أيضًا قلم، وهي ثالثة فضل وعلم في الحظوة عنده، وكانت أديبة ذاكرة حسنة الخط راوية للشعر حافظة للأخبار عالمة بضروب الآداب، وهي أندلسية الأصل حملت صبية إلى المشرق وتعلمت بالمدينة "ص١١٨ ج٢: نفح الطيب" ومن الجواري اللاتي كن يتصرفن بين يديه منفعة، جارية زرياب التي علمها أحسن أغانيه ثم أهداها له؛ وكان في زمنه أيضًا من الحاذقات بالغناء حمدونة وعلية ابنتا زرياب، ومصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن فلهيل "ص١١٤ ج٢: نفح الطيب" وغيرهن؛ حتى ليكاد يكون زمن هذا الأمير نسائيا. وممن استهتر بهن من جواريه: مدثرة، والشفاء، وطروب، وقد بنى الباب على هذه الأخيرة مرة ببدر الأموال، وكانت غاضبة ثم استرضاها على أن لها جميع ما سد به الباب "ص١٦٣ ج١: نفح الطيب". وتولى بعد الأمير عبد الرحمن محمد ابنه من سنة ٢٣٨هـ إلى سنة ٢٧٣هـ، وكان كثير الغزوات فلم يعرف في عهده تاريخ الأدب على حقيقة بينة، بل استمر أهل الأندلس على ما اعتادوا زمن أبيه، ولكن كان من أخص شعرائه مؤمن بن سعيد؛ وكان من أعظم الفلاسفة لعهده عباس بن فرناس الحكيم -وسنذكره في موضع آخر- وله فيه شعر أورده صاحب "العقد الفريد"؛ ثم اهتز حبل الفتن بعده في ولاية ابنة المنذر، وكانت سنتين إلا نصف شهر سنة ٢٧٥هـ؛ وفي زمن عبد الله أخي المنذر اضطربت نواحي الأندلس بالثوار والمتغلبين في تلك السنين، وكان عبد الله شاعرا محسنًا إلا أنه زاهد تقي صحيح الإيمان، وفي زمنه نشأ الفقيه الأديب ابن عبد ربه صاحب "العقد الفريد"، وهو ويحيى الغزال طرفا الأدب في القرن الثالث، وتوفي عبد الله سنة ٣٠٠هـ، وكان وزيره النضر بن سلمة الكاتب المحسن. ومما امتاز به هذا القرن دخول رسائل المحدثين وأشعارهم في أواخره إلى أفريقية ثم الأندلس على يد أبي اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني المعروف بالرياضي من أهل بغداد وسكن القيروان وكتب لأمير أفريقية إبراهيم بن أحمد الأغلب، ثم لابنه أبي العباس عبد الله، وقد لقي الجاحظ والمبرد وثعلب وابن قتيبة الأدباء، وأبا تمام والبحتري ودعبلًا وابن الجهم الشعراء، وسعيد بن حميد وسليمان بن وهب، وأحمد بن أبي طاهر الكتاب، وغيرهم. وتوفي بالقيروان سنة ٢٩٨هـ. وكذلك دخول كثير من كتب اللغة ودواوين شعر الجاهلية على يد محمد بن عبد السلام بن ثعلبة المتوفى سنة ٢٨٦هـ فقد دخل البصرة ولقي بها أبا حاتم السجستاني والعباس بن الفرج والرياشي وأبا إسحاق الزيادي، فأخذ عنهم رواية عن الأصمعي وغيره، ودخل بغداد وسمع من أئمتها، ثم انقلب إلى قرطبة. "ص٦٧: بغية الوعاة". ثم اختراع التوشيح وقد استوفينا الكلام عنه في موضعه.

стр. 688

الحضارة الأندلسية مدخل ... الحضارة الأندلسية: الأندلس إقليم في جنوب إسبانيا، وقد أطلق اسمه على البلاد كلها مجازًا، ولهذه البلاد "إسبانيا" في تاريخ الحضارة أربعة أعصر: الأول عصر الفينيقيين الذين اكتشفوها، والثاني عصر الرومانيين، والثالث عصر القوطيين ... والرابع العصر الإسلامي. وكانت إسبانيا قبل أن يكتشفها الفينيقيون ما بين القرن الرابع عشر والخامس عشر قبل الميلاد، معمورة بقبائل يسمونهم "الأيبيريين" وقد وقع الخلاف في أصلهم، قالوا: ومن هذا الاسم اشتق اسم "هباريا" الذي كان الاسم الأول لتلك البلاد، ثم صار إسبانيا بعد ذلك. فلم تكن حضارة العرب في الأندلس ابتداء، وإنما كانت تتميمًا، ولولا ذلك لتبين النقص الطبيعي في أدب تلك البلاد، ولبلغ الكبر قبل أن يشب شبابه الذي بهر التاريخ؛ لأن الأدب لا يتبع الحضارة لنفسها، ولكن لفلسفتها وحواشيها الرقيقة، فليس الشأن في بناء يقام وبلد يعمر ونهر يبثق وأرض تفلح، ولكن الشأن في فلسفة ذلك جميعه، من جمال الشكل وإحكام الهندسة وجلاء الطبيعة وحسن التنسيق؛ وأنت مع استفحال الحضارة الإسلامية واستبحار عمرانها وسموق مبانيها ودقة فنونها، خصوصًا في الأندلس، لا تكاد تجد لأفراد الشعراء المعدودين في وصف المباني إلا ما كان للبحتري في وصف قصور كالجعفري وغيره، وللشريف الرضي في وصف ما كان في الحيرة من منازل النعمان، والصابي في وصف قصر روح بالبصرة، وشعراء الداريات، وهم الذين نظموا في وصف دار الصاحب ابن عباد كأبي سعيد الرستمي والخوارزمي وغيرهما، وقد ذكرهم صاحب "اليتيمة" وأورد قصائدهم، وابن حمديس في مباني المعتمد على الله وما شاده المنصور بن أعلى الناس وهو أشهر الشعراء في ذلك، وأبي الصلت أمية الأندلسي في مباني علي بن تميم بن المعز العبيدي بمصر، وأبي محمد المصري في وصف قصر المأمون بن ذي النون بطليطلة، وقطع متفرقة لغير هؤلاء، وهم مع ذلك يذكرون مادة البناء ولا يصورون هندسته؛ لأن الشعر ليس مادة جامدة يأتلف مع الجوامد، وإنما هو يتبع زخرف الحضارة وفلسفتها. وقد وجند العرب في الأندلس حضارة ممهدة وسبيلًا مطروقة إلى الفنون الدقيقة والجمال الطبيعي، وجاءهم بعد ذلك من بني أمية أمراء الحضارة المشرقية ومنافسو العباسيين فيها, فجلوا شبابًا كاد يوفي على الهرم؛ وكان رأسهم في ذلك عبد الرحمن الداخل الذي بدأ في بناء جامع قرطبة الأعظم والقصر الكبير الذي كان في الأبنية كأنه قصيدة في الشعر، إذ كان من قصوره التي يحتويها: الكامل، والمجدد، والحائر، والروضة، والزاهر، والمعشوق، والمبارك، والرستق، وقصر السرور، والتاج، والبديع، وغيرها، وهي المعاهد التي كانت مذكورة في ألسن الشعراء وفرسان الأدب؛ وكان عبد الرحمن بن معاوية صاحب قصر الرصافة ينقل لجنابه غرائب الغروس وأكارم الشجر من كل ناحية، وأرسل إلى الشام رسوليه: يزيد وسفر، في جلب النوى المختارة والحبوب الغريبة، ولسنا الآن في

стр. 689

شرح مواد هذه الحضارة من أنواع النقش والحيل الصناعية ووصف القصور والمتنزهات وسرد أسمائها، ومجالس الخلفاء وأنواع زينتهم ولهوهم وما سفهوا فيه من السرف والبذخ ونحوها، فليس في كتابنا موضع يسع مثل هذا، وقد تكفل بذلك الشرح جميعه كتاب "نفح الطيب" للمقري، فضلًا عن أن فيه أشياء أمسكناها لبحث الصناعة العربية تجيء في موضعها من هذا الكتاب؛ وإنما غرضنا هنا أن نضع أساس البحث في الحضارة الأدبية؛ لأنها تابعة للحضارة الفنية، تغتذي بمادتها وتشرق بجمالها؛ وإنما الأدباء أقلام التاريخ التي تخلد حضارة الدول وتصف زينة الملك وتراسل عن الملوك بالثناء وحسن الذكر وطيب الأحدوثة؛ فيد الدولة التي لا تكون لها هذه الأقلام يد شلاء يبترها التاريخ ولا يصفها إلا بالعجز وسوء التعلق والمغالبة على الوجود بغير حق. وأساس الحضارة الأدبية في الأندلس تلك الطبيعة التي كانت ترسل النسمات أنفاسًا موسيقية تؤخذ شعرًا وتلفظ ألحانًا، وبذلك حبب إلى أهلها الأدب وطبعوا على هذه الشيمة، حتى كان ذلك ظاهرًا في مثل وادي الأشات من أعمال غرناطة، وهي مدينة خص الله أهلها بالأدب وحب الشعر، لما أحدق بها من المواضع الفرجة والبساتين الغناء؛ وما زالوا يضربون المثل بأهل إشبيلية بلد المتنزهات في الخلاعة والمجون والتهالك على الشعر والغناء، وإنما كان يعينهم على ذلك واديها البهيج؛ وبنت إشبيلية هذه مدينة شريش، وواديها ابن واديها، وقد قالوا فيها: ما أشبه سعدى بسعيد! وهي مدينة وصفوها بأنه لا يكاد يرى فيها إلا عاشق أو معشوق. ومما خصت به غرناطة التي تسمى دمشق الأندلس، نبوغ النساء الشواعر منها، كنزهون القلعية و [حفصة] الركونية وغيرهما، وناهيك [بهما] من شاعرتين ظرفًا وأدبًا، فإذا كانت أنوثة تلك الطبيعة قد أنطقت النساء فكيف بالرجال؟

стр. 690

أدباء ملوك الأندلس: قال الجاحظ في موضع من كتابه "البيان": زعم رجال من مشايخنا أنه لم يقم أحد من بني العباس بالملك -أي: إلى زمنه- إلا وهو جامع لأسباب الفروسية, فلو زعم أحد أنه لم يقم أحد من أمراء الأندلس وخلفائها إلى آخر القرن الخامس إلا وهو جامع أسباب الأدب لكان حقيقًا في زعمه بالتصديق، ولولا أدبهم لما نفق الأدب عندهم ولا بلغ مبلغه ذلك، فإن نفاق السوق جلاب، ولم يعرف فيهم من أهل الركاكة والسخف إلى ذلك إلا القليل، كمحمد بن عبد الرحمن المستكفي بالله الذي وزر له حائك يعرف بأحمد بن خالد، وكان صاحب رأيه وتدبيره، وقد رأينا أن نذكر أسماء الشعراء وأهل الأدب من أولئك الأمراء والخلفاء؛ فمنهم: عبد الرحمن الداخل، وابنه هشام، وعبد الرحمن بن هشام، وعبد الله بن محمد المتوفى سنة ٣٠٠هـ؛ وله شعر جيد، والمنصور، والمستعين، وعبد الرحمن بن هشام من خلفاء دولة بني أمية الثانية، والمستظهر الشاعر الشاب المجيد، وأولاد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وهم المنذر، والمطرف، وهشام، ويعقوب، ومحمد، وأبان، كلهم شعراء، ولمحمد هذا ثلاثة أولاد شعراء أيضًا، وهم: القاسم، والمطرف -المعروف بابن غزلان، وهي أمه، كانت قينة مغنية عوادة أديبة- ومسلم، ومن أولاد الناصر عبد الله بن الناصر، وأخوه أبو

стр. 691

الأصبغ عبد العزيز، ومحمد بن الناصر، ومحمد بن عبد الملك بن الناصر، أما أخوهم الحكم المستنصر فهو للعلم والأدب، ولم يكن في ولد الناصر أشعر من محمد بن عبد الملك ومن ابن أخيه مروان بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر، وهو في بني أمية شبيه عبد الله بن المعتز في بني العباس، لنفاسة شعره وحسن تشبيهه، وقد خرج منهم بعد القرن الرابع شعراء كثيرون يتفاوتون في الإحسان، وهي ذرية بعضها من بعض؛ ومن حسناتهم عبيد الله بن محمد المهدي المعروف بالأقرع، والأصم المرواني الذي مدح أمير المؤمنين عبد المؤمن؛ وقد ألف القاضي يونس بن عبد الله بن مغيب بطلب الحكم المستنصر كتابًا في أشعار خلفاء بني مروان بالمشرق والأندلس، معارضًا للصولي في تأليفه كتاب "أشعار بني العباس بالعراق"، وكتاب الصولي محفوظ بالمكتبة الخديوية. أما ملوك الطوائف فحسبك بالمعتصم بن صمادح ملك المرية وأولاده الواثق عز الدولة، ورفيع الدولة أبو زكريا يحيى بن المعتصم، وأبو جعفر، وأم الكرام، وكذلك المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية ملك الشعراء، وأولاده: الرشيد، والراضي، وبثينة؛ ثم ملوك بني الأفطس أصحاب بطليموس وما إليها، ومنهم المظفر صاحب الكتاب المظفري في التاريخ والأدب، -وسيأتي ذكره- وبنو هود أصحاب سرقسطة، وكان منهم القائمون على الرياضيات والفلسفة، وأشهرهم المقتدر بن هود الذي كان آية في علم النجوم والهندسة والفلسفة، فقل في زمن كان يقوم بأمره أمثال هؤلاء وإنما الأمر بالأمير.

стр. 692

مبلغ عنايتهم بالعلم والأدب: يخلص مما استوفيناه إلى الآن أن أمراء الأندلس وخلفاءها كانوا فيها كعواطف القلب التي تتحرك إلى المنافسة، فهم من جهة بإزاء العباسيين وأمرائهم في المشرق، ومن جهة أخرى بإزاء الطبيعة التي أنشأت الأندلسيين نشأة عقلية غير النشأة الأولى التي يساهم فيها كل أفراد النوع، وهي النشأة القلبية، فلم يكن بد لأولئك الأمراء من أن يكونوا على الحقيقة رءوس هذا الشعب الطروب، وهي لا توفق بين اندفاعه وكبحه إلا إذا كان منها حيز للسياسة الحكمية والعزمة الرحيمة، وهذا لا يتأتى مع جهل ولا جاهلية، وكذلك، ليس العلم المحض بنافع فيه على الإطلاق، وإنما لا بد من علم منوع وافتنان يوافق به الأمير أو الخليفة معظم السواد من حاشيته وقومه، فالأمير الفيلسوف لا يصلح للرعية الفقهاء، وحينئذ لا بد أن يكون الفقه في الكفة الراجحة من ميزان سياسته، فتكون له الفلسفة في خاصة نفسه؛ والفقه وما يستعان به على تجميل الملك وسياسته كالكتابة والشعر وغيرهما فيما ظهر منه للناس. ولما كانت السيادة لعلم الفقه في أول أمر الأندلس كان الأمراء من بني أمية يعنون بشأن الفقهاء والتودد إليهم والانصياع لمشورتهم، ليتألفوا الناس بذلك ويديروا بهم الرحى الطاحنة التي هي الحرب؛ حتى إن الحكم بن هشام بات يتململ على فراشه وبعد عنه نومه حين مرض قاضيه وسمع النائحة عليه؛ لأن هذا القاضي كان يكفيه أمور رعيته بعدله وورعه وزهده. ثم أقبل الأمراء على أهل الأدب واشتغلوا بالفلسفة، ولكنهم لم يظهروا في ذلك إلا في القرن

стр. 693

الرابع، بعد زمن عبد الرحمن الناصر "٣٠٠-٣٥٠هـ" وهو الذي تجرأ على لقب الخلافة فكان أول من انتحله بالأندلس، وذلك عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق، واستبد موالي الترك على بني العباس. وقد تعاور الدولة العباسية في زمن هذا الخليفة المقتدر والقاهر بالله والراضي بالله، وهو الخليفة الشاعر، والمتقي لله والمستكفي والمطيع الذي غلب على أمره معز الدولة بن بويه ولم يكن له أمر ولا نهي ولا خلافة تعرف، فكان هذا الاضطراب في المشرق علة في تحريك المدنية والحضارة إلى المغرب، حتى استفحل أمرهما هناك؛ لأن الخلافة التي تقوم بعد أن بلغت الحضارة العباسية إلى منقطعها لا تكون خلافة بلا شيء، بل لا يكفي فيها أن تضاهي الحضارة العباسية، وقد كان اندفاع هذا التيار سببًا في ظهور الفلسفة من مغاصتها وجريانها على أعين الناس، وقد أرسل الخليفة عبد الرحمن إلى القسطنطينية، وكان عاهلها القيصر رومانوس؛ وإلى العراق والحجاز والشام ومصر وأفريقية من يشتري له الكتب ويحصل له من ذخائرها وأصولها المهمة، حتى قيل إن عاهل القسطنطينية وجد من أسباب الحظوة لدى هذا الخليفة أن يهدي إليه نسخة بديعة من كتاب الحشائش الذي ألفه ديسفوريدس العالم النباتي المشهور، وقد كانت مكتوبة بالخط الإغريقي مصورة فيها الحشائس كلها بالذهب، وأهداه كتابًا آخر لهرشيوس صاحب القصص، وهو تاريخ للروم في أخبار الدهور وقصص الملوك وطبقات الأطباء في كتب أخرى، وكان ذلك سنة ٣٣٧هـ. ولكتاب ديسفوريدس هذا شأن عند العرب، وقد نقله عن اليونانية اسطفان بن باسيل أيام المتوكل العباسي وترك أسماء كثير من العقاقير على لفظها اليوناني، إذ لم يحسن تعريبها، ووقعت هذه النسخة العربية إلى الأندلس، فلخما أهدي الكتاب إلى الناصر أرسل إلى ملك القسطنطينية في أن يبعث إليه براهب يعرف اليونانية واللاتينية، وكان في الأندلس من يحسن هذه اللغة، فبعث إليه راهبا اسمه نقولا وصل إلى قرطبة سنة ٣٤٠هـ فتعاونوا على استخراج ما فات ابن باسيل, ثم جاء ابن جلجل الطبيب الأندلسي في آخر القرن الرابع فألف كتابا فيما فات ديسفوريدس من أسماء العقاقير والأدوية، جعله ذيلًا على ذلك الكتاب. وبذلك صار من مفاخر الأندلسيين يومئذ اتخاذ المكاتب للمنفعة والزينة معًا، حتى إن الكتاب ربما غولي فيه لجلده ونقشه وحسن خطه؛ لأنها مظاهر الزينة، وقد كان الناصر أندى الناس كفا على الشعراء والكتاب وأهل الموسيقى وغيرهم، وتولى حماية من يشتغل بعلوم الفلسفة، حتى طارت شهرة قرطبة في أوروبا فأمها الناس أفواجًا في زمنه وزمن ابنه الحكم، واختلطوا بالأندلسيين في حلقات العلم، ولا يتم ذلك إلا في عصر تكون شجرة الفلسفة قد مدت عليه ظلها الوارف، ومن أشهر أولئك الراهب جوبرت "٩٣٠-١٠٠٤م" الذي ارتقى بعد ذلك إلى العرش البابوري باسم البابا سليفسترس الثاني وقد وفد في زمن الحكم "٩٨ ج١: تاريخ الأدب عند الإفرنج والعرب". ولسنا نفيض في وصف زمن الناصر وإقبال الوفود عليه من ملوك أوروبا والملوك المتاخمين له ومخاطبته في أمر الهدنة والسلم والتماس رضاه وتقبيل يده، ولا في وصف المجلس التاريخي العظيم الذي أعده لاستقبال تلك الوفود، فإن حواشي التاريخ ليست من شرطنا في هذا الكتاب، وإنما نقول

стр. 694

إن زمن هذا الخليفة كان شباب الأدب، ولغلبة العلوم عليه من اللغة والنحو والحديث والفلسفة لم يكثر شعراؤه كثرتهم في أواخر هذا القرن وفي القرنين الخامس والسادس. وقد كان من تأثير ذلك أن صار أكثر الفقهاء وسائر أصناف العلماء رواة للشعر والأخبار، واستفاض ذلك إلى آخر عصور الأندلس، فنشأ من مشاهيرهم مثل أبي مروان عبد الملك الطبي، وأبي الوليد الباجي، وأبي أمية إبراهيم بن عصام، وأبي حزم الظاهري، وأبي بكر الطرطوشي، والحافظ الحميدي، وابن الفرضي، وغيرهم؛ حتى إن من لم يكن فيه هذا الأدب من العلماء كانوا يعدونه غفلًا مستثقلًا. ولم يكن يشتهر بذلك قبلهم إلا القليل من الفقهاء، كعبد الملك بن حبيب المتوفى سنة ٢٣٨هـ والقاضي منذر بن سعيد المتوفى سنة ٣٣٥هـ وكانوا يقولون في عبد الملك إنه عالم الأندلس وإن عيسى بن دينار فقيهها؛ وأشهر شعراء الناصر: ابن عبد ربه صاحب "العقد الفريد" المتوفى سنة ٣٢٨هـ، وهو الذي نظم بعض غزواته في أرجوزته المشهورة، وحاجبه أحمد بن عبد الملك بن عمر بن أشهب، ووزيره عبد الملك بن جهور، وآخرون. ولما ولي بعد الناصر ابنه الحكم المستنصر "٣٥٠-٣٦٦" جرى في طريق أبيه وأربى على الغاية، فكان جماعًا للكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد قبله من الملوك، حتى بلغ عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربعة وأربعين، في كل واحدة عشرون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين، وكان يبعث إلى الأقطار في شراء الكتب أناسًا من التجار، وبعث في كتاب "الأغاني" إلى مصنفه أبي الفرج، وكان نسبه في بني أمية، وأرسل إليه فيه بألف دينار ذهبًا، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق، وله من أمثالها أشياء؛ وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، وقد حققوا أنها بلغت سبعين مكتبة إلا ما يذكر عن الناصر العباسي بن المستضيء. قال ابن خلدون: ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البرير، وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر، ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوة، وقد آثر ذلك الحكم على لذات الملوك، فاستوسع علمه، ودق نظره، وجمت استفادته، وكان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيا نسيج وحده؛ وكان ثقة فيما ينقله، وقلما يوجد كتاب من خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان، ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته وغرائب أخرى لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن. وإذا كان الحكم قد امتاز بشدة النظر في علم الحدثان: التنجيم "ص٩٣ ج٢: نفح الطيب" وهو من اللهو الشبيه بالباطل، فما ظنك به في غيره من علوم القوم؟ وإن مبلغ العلم لا يكون دائمًا إلا مبدأ العناية بالعلم، فعلى قدر ما يستوفي العالم يكون شرهه إلى الزيادة، وعلى مقدار هذا الشره تكون العناية بمن عنده شيء مما يوفي حق الرغيبة ويغني من حاجة الطلب؛ فإذا كانت خزائن الحكم تحفل بأربعمائة ألف مجلد، كما قيل، "ص١٨٤ ج١: نفح الطيب" حتى إنهم لما نقلوها أقاموا في ذلك ستة أشهر؛ فهل يكون عصره إلا عصر العلماء والأدباء الذين هم مصانع الكتب على الحقيقة؟ أما الشعر في زمنه فإنا إذا ذهبنا نقلب كتب التاريخ التي بين أيدينا لم نكد نعرف من مشاهير

стр. 695

عصره [غير] حاجبه جعفر بن محمد المصحفي رب القلم والبيان؛ وهو في الطبقة الثانية من شعراء الأندلس، وغير الرمادي الشاعر المتوفى سنة ٤٠٣هـ ويعدونه في الطبقة الثالثة "ص١٦: المعجب في تلخيص أخبار المغرب". وإذا كان التاريخ قد ذهب بكثير من أسمائهم، فقد رأينا في بعض أنبائه أن من الكتب التي ألفت للحكم المستنصر كتبا في شعراء الأندلس، منها أخبار شعراء ألبيرة في عشرة أجزاء؛ وقد وقف عليه الوزير أبو محمد بن حزم؛ وهو الذي ذكره في بعض رسائله ولم يذكر اسم مؤلفه "ص١٢٣ ج٢"، ولكنا وقفنا في "طبقات اللغويين والنحاة" للسيوطي على اسم هذا الكتاب في ترجمة مطرف بن عيسى الألبيري المتوفى سنة ٣٥٧هـ؛ وقال إن له كتابًا آخر في فقهائها، وكتابًا في أنساب العرب النازلين بها وأخبارهم "ص٣٩٢". ورأينا أيضًا في هذه الطبقات في ترجمة محمد بن عبد الرءوف القرطبي المعروف بابن خنيس المتوفى ٣٤٣هـ أنه ألف كتابًا في شعراء الأندلس بلغ فيه الغاية؛ فيكون من ذكرهم فيه إلى ما قبل انتهاء زمن الناصر؛ وألبيرة لم تكن إلا مدينة من مدن الأندلس فكيف بسائرها؟ إلا أن الشعر كان كثيرًا في علماء اللغة والنحو وغيرهما -كما سيجيء في موضعه- وفي أيام هذا الأمير نبغ محمد بن هاني الشاعر الشهير بإشبيلية، ولكنه انفصل عنها إلى أفريقية ومدح المعز صاحب مصر وغيره، وتوفي سنة ٣٦٨هـ؛ وقد توفي الحكم سنة ٣٦٦هـ وولي بعده ابنه هشام فغلب على أمره ابن أبي عامر المنصور وتولى حجابته، وجرت أحوال علت قدمه فيها حتى صار صاحب التدبير، فدانت له الأندلس لكها ولم يضطرب عليه شيء من نواحيها، وكان محبا للعلوم مؤثرًا للأدب، مفرطًا في إكرام من ينسب إلى شيء من ذلك ويفد عليه متوسلًا به بحسب حظه منه وطلبه له ومشاركته فيه، وقد أفرط في الإحسان على أبي العلاء صاعد اللغوي البغدادي حين قدم عليه سنة ٣٨٠هـ حتى اتخذ له مرة قميصًا من رقاع الخرائط التي كانت تصل إليه فيها الأموال منه، وجعل ذلك حيلة إلى بلوغ الغاية من كرمه، وقد ألف له كتبًا غريبة، منها كتاب "الهجفجف بن غيدقان بن يثربي مع الخنوت بنت مخرمة"، وكتابًا آخر في معناه سماه كتاب "الجواس بن قطعل المذحجي مع ابنة عمه عفراء". قال صاحب "المعجب": وهو كتاب مليح جدا انخرم أيام الفتن بالأندلس فنقصت منه أوراق لم توجد بعد، وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب -أعني الجواس- حتى رتب له من يخرجه أمامه كل ليلة "ص٢٠: المعجب". ولعل هذه الكتب مما يساق فيه القصص الموضوع على غرض من أغراض السياسة والأدب؛ ويقول صاحب "المعجب": إن كتاب "الهجفجف" وضعه على نحو كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب، فيا أسفا على كتب أصبحت أسماؤها تحتاج إلى تفسير.... وقد ذكر الفتح بن خاقان في المطمح في ترجمة الوزير حسان بن مالك بن أبي عبدة أنه دخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف وعليه معتكف، فخرج وعمل على مثاله كتابًا سماه "ربية وعقيل"، وأتى به منتسخًا مصورًا في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى "ص٣١٤ ج٢" فهذا يفيد أن هذه الكتب جميعها على مثال "كليلة ودمنة" المشهور.

стр. 696

وكان للمنصور مجلس في كل أسبوع يجتمع فيه أهل العلم والمناظرة بحضرته ما كان مقيمًا بقرطبة؛ لأنه كان مواصلًا لغزو الروم مفرطًا في ذلك لا يشغله عنه شيء، حتى إنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره، بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره وتلحق به أولًا فأولًا؛ وقد غزا في أيام ملكه التي دامت إلى سنة ٣٩٣هـ نيفًا وخمسين غزوة. ورأس الشعراء في أيامه عبادة بن ماء السماء المتوفى سنة ٤٢٢هـ وقيل: سنة ٤١٩هـ، وهو أول من أتقن الموشحات بالأندلس حتى كأنها لم تسمع إلا منه، وللرمادي في ذلك يد أيضًا. ومن مشاهيرهم الرمادي وابن دراج والقسطلي ومحمد بن مسعود الغساني البجالي "ص٢٣٨ ج٢: نفح الطيب" وكان يكتب له هو ومحمد بن إسماعيل................................................ وله لطائف في الشعر فكان يخاطب المنصور بلسان النبات الذي يوافق أسماء عقائله ومحاظيه، كاسم بهار ونرجس وغيرهما، والوزير محمد بن حفص بن جابر، وأبو بكر محمد بن نهور، وغيرهم. وكان المنصور معروفًا بالمحاماة عن أهل الشعر والأدب حتى لا ينتقصهم في مجلسه أحد إلا رد عليه وسفهه؛ وقد وقع بعضهم في الرمادي عنده فكلمه كلامًا كان يغوص دونه في الأرض لو وجد لشدة ما حل به منه؛ غير أنه لما كان المنصور غزاء مواليًا للجهاد، فقد كان غبار حروبه يثور بين العلماء تشددًا في الدين، حتى فشا في العامة اتهام كل من يشتغل بالفلسفة أو يعرف بمذهب من مذاهبها حتى في الشعراء أنفسهم، وكان قليل من ذلك في زمن الحكم وأبيه، فاتهموا ابن هانئ في إشبيلية، وأساءوا المقالة فيه حتى انفصل عنها، ولما وفد الشاعر المشهور أبو عبد الله محمد بن مسعود الغساني البجالي على المنصور، اتهم كذلك برهق في دينه، فسجنه المنصور في المطبق زمنًا. وقد بقيت الفلسفة مضطهدة في الأندلس بعد ذلك من عامتها، حتى ظهرت في بر العدوة -كما سيجيء- وفشا الأدب في زمن المنصور حتى صار حلية الشباب وزينة النشأة الأندلسية، ومثل ذلك يكون مبدأ عصر عظيم، وقيل إن المخانيث بقرطبة يومئذ كانوا يشتغلون به، فكان منهم فتيان أخذوا بنصيب وافر منه، ومن هؤلاء غلام للمنصور اسمه فاتن توفي سنة ٤٠٢هـ، قالوا: كان لا نظير له في علم العرب "ص٩٠ ج٢: نفح الطيب". وسار الأدب في وجهته غير مبال بقيام الملوك وسقوطهم؛ لأنه لا يقوم بهم ولا يسقط معهم إلا في أوائل نشأته، إذ يحوطونه ويكفلون نموه، وإلى أن انفرطت دولة بني أمية وانتشر سلك الخلافة في المغرب كان الأمراء لا ينفكون يتعاهدونه؛ فكان الناصر علي بن حمود من البربر -وهو الذي ملك ملك قرطبة بعد الأربعمائة وقيل: سنة ٤٠٨هـ- على عجمته وبعده من فضائل اللسان، يصغي إلى الأمداح ويثيب عليها، ومظهرًا في ذلك آثار النسب العربي والكرم الهاشمي؛ ومن مشاهير الذين امتدحوه ابن الخياط القرطبي، وعبادة بن ماء السماء "ص٢٢٥ ج١: نفح الطيب". ولما ولي المستظهر سنة ٤١٤هـ "من خلفاء الدولة الأموية الثانية" عكف على الأدب، وكان شاعرًا مصنعًا بديع الشعر، فاشتغل عن تدبير المملكة بالمباحثة مع أبي عامر بن شهيد الشاعر الكبير؛ وأبي محمد بن حزم

стр. 697

العالم الشهير؛ وعبد الوهاب بن حزم الغزل المترف؛ فكانوا يتباحثون في الآداب ويتجاذبون أهداب الشعر؛ حتى أحقد بذلك مشايخ الوزراء والكبراء؛ فأثاروا عليه العامة وهم يومئذ أجهل ما يكون؛ فقتلوه لأدبه وشعره؛ وهذا وحده دليل على أن العامة لا يكرهون الفلسفة ولا يضطهدون القائمين عليها لذاتها؛ ولكنهم مع كل ريح؛ وأتباع كل ناعق؛ وكما تابعوا في إحراق كتب الفلسفة، تابعوا كذلك في إحراق كتب المذهب المالكي في المغرب, كما سنشير إليه فيما يأتي.

стр. 698

القرن الخامس وملوك الطوائف: بعد أن انقطعت خلافة بني أمية ولم يبق من عقبهم من يصلح للملك، استبد بالأندلس أفراد غلب كل واحد منهم على ما يليه، وهم المسمون بملوك الطوائف، فضبطوا نواحيها، وجعلوها عواصم الحضارة، وتنافسوا في أبهة الملك وفخامة الشأن، فكان منهم بنو ذي النون ملوك طليطلة، وبنو هود ملوك طرطوشة وسرقسطة وغيرهما، وملوك بني الأفطس أصحاب بطليموس وجهاتها، وبنو صمادخ أصحاب المرية، والفتيان العامرية: مجاهد ومنذر وخيران ملوك دانية "ص١٣٩ ج٢: نفح الطيب" وما منهم إلا أديب أو عالم، فنفقت بهم سوق الأدب، وصار الأديب أينما دار استند إلى ركن وتوجه إلى قبلة، حتى صارت الأندلس كعبة، لهذه العادة، لا للعبادة؛ لا جرم كان هذا العهد حافلًا بالشعراء والأدباء والقائمين على أنواع العلوم من كل من أغلت قيمته المنافسة، وقد وجدوا الزمن رخاء والعصر حضارة والنفوس متهيئة، فلم يبق لهم وراء ذلك مقترح لقريحة، ثم إن أولئك الملوك لم يخوضوا في أول أمرهم [الفتن] ، ولم تعصف بهم ريح السياسة، فانصرفوا جهدهم إلى استجماع لذة الملك، وأخذوا بأحلام المباهاة التي يهذي بها مرضى الترف اللين وضعفاء العصب السياسي، إلا قليلًا منهم، فصار المدح لغذاء أرواحهم كالملح لطعام أجسامهم؛ وثبتت العادة بذلك، حتى إن يوسف بن تاشفين لما دخل الأندلس توسط له المعتمد بن عباد عند الشعراء ليمدحوه حتى لا يصغر شأنه مع أنه دخل في نجدة لهم على الإفرنج وكان على يده النصر المبين. وتبع ذلك من فنون الآداب ما يخلق لهم اللذة في كل صورة ويبدلها في كل حلقة، حتى يتداووا بهذه الجدة من سأم القديم وضجر التكرار، فكانت لهم المجالس العجيبة، والأوصاف البارعة، والفنون المستظرفة من صور التشبيهات، إلا أن ذلك جميعه قد كان أعوذ على الأدب بالفائدة وأرد عليه بالمنفعة، فنبغ في أيامهم من لو خلا الأدب الأندلسي إلا منهم لكانوا زينته ورواءه، وقد كاد يكون بهم القرن الخامس تاريخًا على حدة. كان من أعظم مباهاة الطوائف أن فلانًا العالم عند فلان الملك، وفلانًا الشاعر مختص بفلان الملك "ص١٣٩ ج٢: نفح الطيب"؛ وقد بذل مجاهد العامري ملك دانية لأبي غالب اللغوي ألف دينار ومركوبًا وكساء على أن يضع اسمه في صدر [كتاب ألفه] فأبى ذلك أبو غالب وقال: كتاب ألفته لينتفع به الناس وأخلد فيه همتي، أجعل في صدره اسم غيري؟ فلما بلغ هذا مجاهدًا استحسن أنفته وأضعف له العطاء. وكان من ملوك بني هود: المقتدر بن هود، وهو آية في علوم النجوم والهندسة والفلسفة، وكان يباهي بالفقيه الأديب العالم الشاعر أبي الوليد الباجي وانحياشه إلى سلطانه؛ ومن ملوك بن الأفطس: المظفر، وكان أحرص الناس على جمع علوم الأدب خاصة من النحو واللغة والشعر ونوادر الأخبار وعيون التاريخ؛ وقد [انتخب] مما جمع من ذلك كتابه المشهور بالمظفري في خمسين جزءًا على نحو كتاب "الاختيارات" للروحي و"عيون الأخبار" لابن قتيبة "ص٤٩:

стр. 699

المعجب". توفي سنة ٤٦٠هـ، وكان أديب ملوك عصره، أما ملوك بني عباد فقد كانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدورًا في بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم؛ وكانت دولتهم العبادية بالمغرب كالدولة العباسية بالمشرق، وكان المعتمد منهم لا يستوزر وزيرا إلا أن يكون أديبًا شاعرًا حسن الأدوات؛ وكان من شعراء أبيه المعتضد، أبو جعفر بن الأبار.... وأبقو الوليد وابنه الوزير ابن زيدون واليماني، وابن جاخ البطليوسي الذي يعد من أعاجيب الدنيا؛ لأنه كان أميا، وقد بلغ من حسن شعره أن ولاه المعتضد رياسة الشعراء؛ إذ كانت له دار مخصوصة بهم وديوان تقيد فيه أسماؤهم، وقد جعل لهم يومًا يفرغ لهم فيه فلا يدخل فيه على الملك غيرهم، وربما كان يوم الاثنين "ص٤٦٨ ج٢: نفح الطيب". فتأمل ما عسى أن يبلغ عدد قوم يفرد لأسمائهم ديوان وتخصص بهم دار؟ وكان المعتضد داهية يشبه أبا جعفر المنصور، وقد اتخذ خشبًا في ساحة قصره جللها برءوس الملوك والرؤساء عوضًا عن الأشجار التي تكون في القصور، وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه! "ص٥٩: المعجب". وهذا الخبر ينقله كتبة الأوروبيين إلى الشعر المحض فيقولون إنه كان يزرع الورد في جماجم أعدائه، ولابنه المعتمد شيء من مثل هذا، فقد اتخذ في بعض وقائعه..... من جماجم أعدائه مئذنة ثوب عليها المؤذنون؛ ولم يجتمع من فحول الشعراء وأمراء الكلام باب أحد من ملوك الإسلام ما اجتمع بباب الرشيد والصاحب بن عباد والمعتمد هذا، فكان بباب الرشيد مثل أبي نواس وأبي العتاهية والعتابي والنمري وأشجع السلمي ومسلم بن الوليد وأبي الشيص ومروان بن أبي حفصة ومحمد بن مناذر وغيرهم؛ وكان بباب الصاحب بأصبهان وجرجان والري مثل أبي الحسين السلامي وأبي بكر الخوارزمي وأبي طالب المأمون وأبي الحسن البديهي وأبي سعيد الرستمي وأبي القاسم الزعفراني وأبي العباس الضبي وأبي محمد الخازن وأبي الحسن بن عبد العزيز الجرجاني وبني المنجم وابن بابك وابن القاشاني وبديع الزمان والشاشي وكثيرين غيرهم "ص٣٢ ج٣: يتيمة الدهر". وكان بحضرة المعتمد مثل ابن زيدون وابن اللبانة وابن عمار وعبد الجليل بن وهبون وأبي تمام غالب بن رباح الحجام وابن جامع الصباغ، وغيرهم؛ ولا أحدث بالمعتمد وأولاده وأمه العبادية، فكلهم شعراء، وكان يناظر المعتمد المتوكل بن الأفطس، وكان من حضرة بطليموس كالمعتمد بإشبيلية، يتردد أهل الفضائل بينهما كتردد النواسم بين جنتين، وينظر الأدب منهما عن مقلتين، والمعتمد أشعر والمتوكل أكتب "ص٥٨٣ ج٢: نفح الطيب" وكان وزيره ووزير أبيه ابن عبدون الكاتب الشاعر الشهير، وهو الذي سير فيهم القصيدة الخالدة التي أولها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر وذكر فيها مصارع الملوك إلى زمنهم، وتوفي سنة ٥٢٠هـ. وكذلك كان بالمرية يومئذ المعتصم بن صمادح، ومن شعرائه ابن الحداد شاعر الأندلس وعمر بن الشهيد وأبو جعفر الخراز البطرني وأبو الوليد النحلي ومحمد بن عبادة الوشاح والأسعد بن بليطة والحكيم الفيلسوف أبو الفضل بن شرف القائل في دولته:

стр. 700

لم يبق للجور في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيوب الغيد من حور وقد قصر إمداحه عليه بعد أن مدح المتوكل بن المظفر وأقطعه المعتصم قرية بأحوازها لهذا البيت، وسنتكلم عن الشعراء الفلاسفة في موضع آخر. ومما امتاز [به] القرن الخامس شيوع الأدب في النساء، حتى كانت مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري التي اشتهرت بإشبيلية بعد الأربعمائة تدارس النساء الأدب "ص٤٩٣ ج٢:نفح الطيب". وامتاز أيضًا باختراع الزجل كما امتاز القرن الرابع باختراع التوشيح، والذي اخترع الزجل هو الوزير أبو بكر بن قزمان، وكان ممن اشتمل عليهم المتوكل بن المظفر. وفي آخر هذا القرن نكب ملوك الطوائف وانقرض ملكهم على يد يوسف بن تاشفين الملقب أمير المسلمين ولم يكن على شيء من الأدب العربي؛ ولذلك كان أكثر الشعراء في بر العدوة أيام نكبة ملوك الطوائف من الزعانفة وملحفي أهل الكدية، حتى إنه لما أخذ المعتمد إلى طنجة تعرض له أولئك الصعاليك وألحفوا في استجدائه، وكان هو أولى منهم بالكدية لولا أنه المعتمد الذي يقول في ذلك: لولا الحياء وعزة لخمية ... طي الحشا ساواهم في المطلب ومن مشاهيرهم الحصري الأعمى، وكانت له عادة سيئة من قبح الكدية وإفراط الإلحاف "ص٩٠: المعجب". عصر الوزراء: غير أن ملوك الطوائف قد تركوا له إرثًا من الأدب اتصل به بعضه بعد أن استوسق له الأمر، إذ خلفوا من الشعراء والكتاب كالوزراء بني القبطرنة من أهل بطليموس أبي كبر وأبي محمد وأبي الحسن، وذي الوزارتين أبي بكر محمد بن رحيم الشاعر، وأخيه الوزير أبي الحسين بن رحيم، والوزراء أبي بكر الطائي، وأبي الحسن جعفر بن الحاج، وأبي محمد بن القاسم، وأبي عامر بن أرقم، وأبي جعفر بن مسعدة، وأبي محمد بن [ ... ] ، وأبي القاسم بن السقاط، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي الحسين بن سراج، وأبي القاسم بن الجد، وأبي محمد بن مالك، وعبد الله بن سماك، وعبد الحق بن عطية، وعبد الحسن بن أضحى، والكاتب أبي عبد الله اللوشي؛ [....] وأبي الحسن بن زنباع، وأبي محمد بن سارة، ويحيى بن تقي، وأبي الحسن غلام البكري، وأبي القاسم المتنبي، وأبي الحسن بن [....] وأبي عبد الله محمد بن عائشة، وأبي عامر بن عقال، وعبد المعطي بن مجد، وغيرهم، وما منهم إلا علم في دولة القلم. وهذا القرن الخامس يصح أن [يلقب] بزمن الوزراء؛ لأنهم كثروا فيه كثرة لم تكن فيما قبله ولم تعهد فيما بعده، وإنما كانوا يستوزرون لأدبهم من الكتابة والشعر -وبذلك عرفوا- فكأن الوزارة كانت كالشعر منافسة، ثم كانوا يوزعون عليهم الخطط كالمظالم والأحكام [والإنشاء] وغيرها. وربما يتهادى الوزير الواحد ملوك عدة؛ ولذهاب هؤلاء الوزراء بجيد الشعر قل في زمنهم من

стр. 701

عرف بالشعر وحده؛ لأنه لا يتميز به إلا من ميزته مواهبه وتخطت به جلالة الوزارة، وقد مر بك أسماء بعضهم، أما الوزراء ممن لم نذكرهم فمنهم أحمد بن عباس وزير زهير الصقلي ملك المرية، وكانت له عناية خاصة بجمع الكتب حتى بغلت دفاتره ٤٠٠ ألف مجلد غير الدفاتر المخرومة، وأبو مروان بن سراج جاحظ الأندلس، وأبو محمد بن عبد البر، وأحمد بن عبد الملك بن شهيد، وأبو مغيرة بن حزم، ومحمد بن عبد الله بن مسلم، وأبو المطرف بن الدباغ، وأبو حفص بن برد، وأبو عبد الله البكري، وأبو بكر بن عبد العزيز، وأبو عبد الملك بن عبد العزيز, وأبو جعفر البتي، وأبو جعفر بن سعدون، والحاجب أبو مروان عبد الملك بن رزين، و.... محمد بن طاهر، وأبو عامر بن سنون، وأبو بكر بن القصيرة، وأبو الحسن بن اليسع، وأبو الفضل بن حداي، وذو الوزارتين أبو عيسى بن لبون، وأبو محمد بن سفيان، وأبو محمد بن القاسم، وأبو الحسن بن الحاج، وأبو الأصبغ بن الأرقم، وابن الحضرمي، وأبو طالب بن غانم، وأبو بكر بن قزمان؛ وربما كان لكل واحد جمع هؤلاء، كتاب وشعراء، يتجمل بهم موكب الوزارة، وينطق بهم لسان المجلس؛ فتأمل عظمة هذا العصر، وتدبر مقدار ما فيه مع ذلك من الأدب وفنونه. ونحن نستوفي هذه الكلمة بذكر من اشتهروا قبل من ذكرناهم من وزراء الأندلس، ومنهم حاجب الناصر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن أشهب، ووزيره عبد الملك بن جهور، ثم حاجب ابنه الحكم جعفر بن محمد المصحفي؛ وكان في زمنه وزمن أبيه من بيوت الوزراء آل أبي عبيدة وينتهي بيتهم في الوزارة إلى زمن الداخل، وآل شهيد، وآل فطيس؛ وفي زمن المنصور بن أبي عامر: محمد بن حفص بن جابر، وأبو بكر محمد بن نهور، وأبو عبيدة حسن بن مالك صاحب كتاب "ربيعة وعقيل" الذي سلفت الإشارة إليه.

стр. 702

القرن السادس وما بعده مدخل ... القرن السادس وما بعده: بعد أن انقرض ملك الطوائف واستوسق أمرها لابن تاشفين بما أظهر من النكاية في العدو والدفاع عن المسلمين وحماية ثغورهم، بلف الجيوش إلى الجيوش، وصدم الخيل بالخيل، عد من يومئذ في جملة الملوك وسمي هو وأصحابه بالمرابطين. ولم يختلف عليه شيء من الأندلس، فانقطع إليه من أهل كل علم فحوله حتى ماجت [بهم] حضرته، ولم يجد بدا من أن يتبع سنن من قبله في تجميل الملك بهم؛ وبذلك اجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر الأندلس، فكان من كتابه كاتب المعتمد على الله الوزير أبو بكر بن القصير، وكان على طريقة القدماء من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى السجع، إلا ما جاء من ذلك عفوا، وكتب له أيضا الوزير عبد المجيد بن عبدون، وهو من أبلغ الكتاب قاطبة إلى غيرهما من الفحول الذين لم يجدوا لهم ركنًا بالأندلس، وقد ذكرنا بعضهم، فإنه لم يشتهر بها بعد نكبة ملوك الطوائف ممن تفضل على أهل الأدب، غير الوزير أبي محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري، وكان شاعرًا بليغًا -فإنه جرى على سنن عظماء الملوك في ذلك حتى لم ير بعده مثله، وتوفي سنة ٥١٨هـ- وكان إبراهيم ابن الأمير يوسف المذكور قد عقد في هذه الدرة سماء، ولما قام بالأمر علي بن يوسف بن تاشفين سنة ٤٩٣هـ -وكان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمغلبين- اشتد إيثاره لأهل الفقه، فكان لا يقطع أمرًا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء "ص١١٠: المعجب" فبلغوا في أيامه ما لم يبلغوه في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يكن يقرب منه ويحظى عنده إلا من أتقن علم الفروع، أي: فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتي نسي النظر في الكتاب والسنة, ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح هذا العلم وكراهة السلف له وأنه بدعة في الدين، في أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم في نفسه بغض الفلسفة وأهلها، فكان يكتب في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء من علم الكلام وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه؛ ولما دخلت كتب الغزالي إلى المغرب أمر هذا الأمير بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد، من سفك الدم واستئصال المال، إلى من وجد عنده شيء منها؛ واشتد الأمر في ذلك؛ فهذه أعظم نكبات الفلسفة، وهذا هو سببها: مغالبة على الرزق وتهالك على السلطة، وإذا كانوا قد نسوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلقد هان بعد ذلك أن تحرق كتب الفلسفة وأن يمثل بها كل تمثيل بين يدي هذا الأمير وجمع له الفقهاء للمناظرة، فلم يكن

стр. 703

فيهم من يعرف ما يقول، إلا رجلًا أندلسيا اسمه مالك بن وهيب، وكان متحققًا بأجزاء الفلسفة؛ وقد شارك في جميع العلوم، غير أنه لم يكن يظهر إلا ما ينفق في ذلك الزمان. وقد كان من وراء ذلك وتشعب هذه الفروع [واستبحار] هذا العلم أن الأمير يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن المتوفى سنة ٥٩٥هـ من أمراء الموحدين, لما نظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله ووجد في المسألة الواحدة أربعة أقوال وأكثر لا يعرف في أيها يكون الحق حمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث, [وأراد] نحو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، فأمر بإحراق كتبه بعد أن يجرد ما فيها من الحديث والقرآن؛ حتى لقد كان يؤتى منها بالأحمال فتوضع وتطلق فيها النار، وتقدم كذلك إلى الناس بترك الاشتغال في علم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة؛ وأمر من عنده من المحدثين باستخراج مجموع من مصنفات الحديث العشرة، كالصحيحين والترمذي والموطأ وغيرها، فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه، وجعل لمن حفظه الجعل السني من الكساء والمال؛ فحفظه الخواص والعوام "ص١٨٤: المعجب" وكان ذلك في سنة ٥٨٤هـ. غير أن الأمير علي بن يوسف لم يكن منصرفًا عن الأدب، إذ لا عداوة بينه وبين الفقه، فكان يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وكان عنده من مشاهيرهم أبو القاسم المعروف بالأحدب، وأبو بكر محمد المعروف بابن القبطرنة، وأبو عبد الله محمد بن أبي الحضال وكان صاحب المكانة لديه، لمشاركته في علوم الفقه، وأخوه أبو مروان، وعبد المجيد بن عبدون وغيرهم. وكذلك كان أخوه إبراهيم بن يوسف بن تاشفين قد عقد للأدب في ذلك الجو سماء أدار فلكها واستوى على عرشها فكان ملكها، وهو الذي ألف له الفتح بن خاقان كتابه الشهير الموسوم بـ"قلائد العقيان"، وكان يتودد في أوائل القرن السادس من خلفتهم ملوك الطوائف ومن تركهم أبوه من العلماء والشعراء والكتاب، وقد ذكر كثير منهم. ولم يزل [أمر] الأدب [يتردد] بين الأندلس وبر العدوة، حتى أعاد أمراء الموحدين مجده وعزه، وكان أولهم بعد المؤمن الذي ولي سنة ٥٣٤هـ؛ وكان من أشهر شعراء الأندلس في هذا الزمن: ابن حمديس، وابن الزقاق، وابن خفاجة، وابن بقي، والفيلسوف أبو بكر بن الصائغ، وأبو الحسن جعفر بن الحاج الميورقي الشاعر الشهير، وابن الصفار القرطبي، وغيرهم.

стр. 704

الأدب ودولة الموحدين: لما تفرق أهل الأندلس بعد الفتن التي [كانت] في أواخر القرن الخامس، كان منهم الكتاب الوزراء والشعراء والأدباء، فكان لا يستعمل في بر العدوة بلدي ما وجد أندلسي "ص١٢٤ ج٢: نفح الطيب"؛ ومن أجل ذلك كان الأمراء يبعثون في طلبهم ويرغبون فيهم أشد الرغبة، إن لم يكن إحياء لملك الأدب، فزينة لأدب الملك، وقد مر شيء من ذلك في دولة المرابطين، ولما ولي عبد المؤمن -من الموحدين- جرى على هذه السنة، فبعث يستدعي أهل العلم من البلاد إلى السكون عنده والجوار بحضرته؛ وأجرى عليهم الأرزاق الواسعة، وأظهر التنويه بهم والإعظام لهم إلا أنه لم يكن من شعرائه الخواص به من تلقى له أزمة القول، حتى إنه لما تغير على وزيره الكاتب البليغ أبي جعفر بن عطية، امتحن من عنده من الشعراء بهجوه، فلما أسمعوه ما قالوا أعرض عنهم وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه! "ص١٠١ ج٣: نفح الطيب". ولما خرج بمجموعه يقصد الأندلس، وكانت قد اختلت أحوالها، نزل مدينة سبتة فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق، وسماه هو جبل الفتح, وفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة، فكان له هناك يوم عظيم، استدعى فيه الشعراء ابتداء ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك؛ إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم، وعلى بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون "ص١٣٧: المعجب" فأنشده أبو عبد الله محمد بن حبوس من مدينة فاس، وهو الذي كان في دولة لمتونة مقدمًا في الشعراء، والطليق المرواني؛ وابن سيد اللص؛ وهو نحوي كان يغير على أشعار الناس فنبز بهذا الملقب "انظر بغية الوعاة: ص١٥٠"، والرصافي، وكان يومئذ حدثًا، وغيرهم؛ وقد ولي عبد المؤمن بعض أولاده على جهات الأندلس، فولى غرناطة وأعمالها ابنه عثمان؛ ويكنى أبا سعيد، وكان محبا للآداب مؤثرًا لأهلها، يهتز للشعر ويثيب عليه، فاجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة كانت البقية الباقية من ضوء ذلك النهار؛ ثم صارت الدولة إلى يوسف بن عبد المؤمن في سنة ٥٥٨هـ وكان في حياة أبيه قد ولي إشبيلية وأعمالها، نزل منها محل المعتمد ووقف على آثار دولته، فاختلط هناك بعلمائها، كالأستاذ اللغوي ابن ملكون وغيره، وجعل يأخذ عنهم، وصرف عنايته إلى كلام العرب وحفظ أيامهم ومآثرهم وأخبارهم في الجاهلية والإسلام، حتى صار أسرع الناس نفوذ خاطر في غوامض النحو ومسائل العربية، مع مشاركة في علم الأدب واتساع في حفظ اللغة، ثم طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة؛ فجمع كثيرًا من أجزائها، وبدأ من ذلك بعلم الطب، ثم تخطاه إلى ما هو أشرف منه من أنواع الفلسفة، وأمر بجمع كتبها فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر، وما كان ينتهي إليه خبر كتاب منها عند أحد إلا أخذه وعوض عليه ما هو خير له؛ ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء وخاصة أهل العلوم النظرية، إلى أن صارت حاضرته بذلك أشبه بحاضرة خلافة علمية؛ وكان ممن صحبه من فلاسفة الإسلام، أبو بكر محمد بن طفيل، تلميذ أبي بكر بن الصائغ، وقد كان أمير المؤمنين أبو يعقوب هذا شديد الشغف به والحب له حتى كان يقيم عنده في القصر أيامًا ليلًا ونهارًا لا يظهر، وهو الذي تولى جلب العلماء إليه من جميع الأقطار، ونبه على أقدارهم، ولولاه ما كان ابن رشد أعظم فلاسفة الأندلس شيئًا مذكورًا؛ إذ هو الذي نوه به حتى عظم قدره، وتقدم إليه في تلخيص كتب أرسطوطاليس وتقريب أغراضها. وكان من كتاب أبي يعقوب أبو [عبد الله] محمد [بن] عياش بن عبد الملك، وهو الذي جرى على طريقة خاصة في الإنشاء توافق طريقة هؤلاء الأمراء وتصيب ما في أنفسهم، ثم جرى الكتاب من أهل ذلك المصر بعده على أسلوبه وسلكوا مسلكه، لما رأوا من استحسانهم لتلك الطريقة "ص١٧٤: المعجب" وكان أشهر شعرائه وشاعر المغرب في وقته أبو بكر بن مجير الأندلسي المتوفى سنة ٥٨٧هـ؛ ومن شعراء زمنه وزمن أبيه الرصافي، والكندي، وأبو جعفر بن سعيد، وابن الصابوني شاعر إشبيلية ووشاحها، وابن إدريس الرندي.

стр. 705

وتوفي أبو يعقوب سنة ٥٨٠هـ فقام بعده يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان قد وزر لأبيه [فبلغ غاية] بعيدة من مطالعة الأمور وتقدير الرجال، فكأنما استوفى حظه من إكرام الفلسفة ووفاها قسطها في ذلك الزمن؛ لأنه ما كاد يتصل به الأمر حتى أراد أن يرجعها بدوية ساذجة يجري فيها على سنن الخلفاء الراشدين، فكان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس ثم كان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد، حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم! "ص١٨٩: المعجب"، وقد سلف ما كان من نظره في كتب الرأي وتقدمه بإحراقها، وحكوا عنه أنه لما أزمع الخروج إلى بعض غزواته سنة ٥٩٢هـ كتب إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم إليه، فحصل على جماعة كبيرة منهم كان يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر إليهم قال لمن عنده: هؤلاء الجند لا هؤلاء! مشيرًا إلى العسكر؛ ولعله يحكي في ذلك قتيبة بن مسلم الفاتح الشهير، فإنه حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله محمد بن واسع، جعل يكثر السؤال عنه، فأخبر أنه في ناحية من الجيش متكئًا على سية قوسه رافعًا إصبعه إلى السماء ينضنض بها، فقال قتيبة: لتلك الإصبع..... أحب إلي من عشرة آلا سيف.
следующие страницы →