← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عرف بالشعر وحده؛ لأنه لا يتميز به إلا من ميزته مواهبه وتخطت به جلالة الوزارة، وقد مر بك أسماء بعضهم، أما الوزراء ممن لم نذكرهم فمنهم أحمد بن عباس وزير زهير الصقلي ملك المرية، وكانت له عناية خاصة بجمع الكتب حتى بغلت دفاتره ٤٠٠ ألف مجلد غير الدفاتر المخرومة، وأبو مروان بن سراج جاحظ الأندلس، وأبو محمد بن عبد البر، وأحمد بن عبد الملك بن شهيد، وأبو مغيرة بن حزم، ومحمد بن عبد الله بن مسلم، وأبو المطرف بن الدباغ، وأبو حفص بن برد، وأبو عبد الله البكري، وأبو بكر بن عبد العزيز، وأبو عبد الملك بن عبد العزيز, وأبو جعفر البتي، وأبو جعفر بن سعدون، والحاجب أبو مروان عبد الملك بن رزين، و.... محمد بن طاهر، وأبو عامر بن سنون، وأبو بكر بن القصيرة، وأبو الحسن بن اليسع، وأبو الفضل بن حداي، وذو الوزارتين أبو عيسى بن لبون، وأبو محمد بن سفيان، وأبو محمد بن القاسم، وأبو الحسن بن الحاج، وأبو الأصبغ بن الأرقم، وابن الحضرمي، وأبو طالب بن غانم، وأبو بكر بن قزمان؛ وربما كان لكل واحد جمع هؤلاء، كتاب وشعراء، يتجمل بهم موكب الوزارة، وينطق بهم لسان المجلس؛ فتأمل عظمة هذا العصر، وتدبر مقدار ما فيه مع ذلك من الأدب وفنونه. ونحن نستوفي هذه الكلمة بذكر من اشتهروا قبل من ذكرناهم من وزراء الأندلس، ومنهم حاجب الناصر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن أشهب، ووزيره عبد الملك بن جهور، ثم حاجب ابنه الحكم جعفر بن محمد المصحفي؛ وكان في زمنه وزمن أبيه من بيوت الوزراء آل أبي عبيدة وينتهي بيتهم في الوزارة إلى زمن الداخل، وآل شهيد، وآل فطيس؛ وفي زمن المنصور بن أبي عامر: محمد بن حفص بن جابر، وأبو بكر محمد بن نهور، وأبو عبيدة حسن بن مالك صاحب كتاب "ربيعة وعقيل" الذي سلفت الإشارة إليه.

стр. 702

القرن السادس وما بعده مدخل ... القرن السادس وما بعده: بعد أن انقرض ملك الطوائف واستوسق أمرها لابن تاشفين بما أظهر من النكاية في العدو والدفاع عن المسلمين وحماية ثغورهم، بلف الجيوش إلى الجيوش، وصدم الخيل بالخيل، عد من يومئذ في جملة الملوك وسمي هو وأصحابه بالمرابطين. ولم يختلف عليه شيء من الأندلس، فانقطع إليه من أهل كل علم فحوله حتى ماجت [بهم] حضرته، ولم يجد بدا من أن يتبع سنن من قبله في تجميل الملك بهم؛ وبذلك اجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر الأندلس، فكان من كتابه كاتب المعتمد على الله الوزير أبو بكر بن القصير، وكان على طريقة القدماء من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى السجع، إلا ما جاء من ذلك عفوا، وكتب له أيضا الوزير عبد المجيد بن عبدون، وهو من أبلغ الكتاب قاطبة إلى غيرهما من الفحول الذين لم يجدوا لهم ركنًا بالأندلس، وقد ذكرنا بعضهم، فإنه لم يشتهر بها بعد نكبة ملوك الطوائف ممن تفضل على أهل الأدب، غير الوزير أبي محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري، وكان شاعرًا بليغًا -فإنه جرى على سنن عظماء الملوك في ذلك حتى لم ير بعده مثله، وتوفي سنة ٥١٨هـ- وكان إبراهيم ابن الأمير يوسف المذكور قد عقد في هذه الدرة سماء، ولما قام بالأمر علي بن يوسف بن تاشفين سنة ٤٩٣هـ -وكان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمغلبين- اشتد إيثاره لأهل الفقه، فكان لا يقطع أمرًا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء "ص١١٠: المعجب" فبلغوا في أيامه ما لم يبلغوه في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يكن يقرب منه ويحظى عنده إلا من أتقن علم الفروع، أي: فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتي نسي النظر في الكتاب والسنة, ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح هذا العلم وكراهة السلف له وأنه بدعة في الدين، في أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم في نفسه بغض الفلسفة وأهلها، فكان يكتب في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء من علم الكلام وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه؛ ولما دخلت كتب الغزالي إلى المغرب أمر هذا الأمير بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد، من سفك الدم واستئصال المال، إلى من وجد عنده شيء منها؛ واشتد الأمر في ذلك؛ فهذه أعظم نكبات الفلسفة، وهذا هو سببها: مغالبة على الرزق وتهالك على السلطة، وإذا كانوا قد نسوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلقد هان بعد ذلك أن تحرق كتب الفلسفة وأن يمثل بها كل تمثيل بين يدي هذا الأمير وجمع له الفقهاء للمناظرة، فلم يكن

стр. 703

فيهم من يعرف ما يقول، إلا رجلًا أندلسيا اسمه مالك بن وهيب، وكان متحققًا بأجزاء الفلسفة؛ وقد شارك في جميع العلوم، غير أنه لم يكن يظهر إلا ما ينفق في ذلك الزمان. وقد كان من وراء ذلك وتشعب هذه الفروع [واستبحار] هذا العلم أن الأمير يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن المتوفى سنة ٥٩٥هـ من أمراء الموحدين, لما نظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله ووجد في المسألة الواحدة أربعة أقوال وأكثر لا يعرف في أيها يكون الحق حمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث, [وأراد] نحو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، فأمر بإحراق كتبه بعد أن يجرد ما فيها من الحديث والقرآن؛ حتى لقد كان يؤتى منها بالأحمال فتوضع وتطلق فيها النار، وتقدم كذلك إلى الناس بترك الاشتغال في علم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة؛ وأمر من عنده من المحدثين باستخراج مجموع من مصنفات الحديث العشرة، كالصحيحين والترمذي والموطأ وغيرها، فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه، وجعل لمن حفظه الجعل السني من الكساء والمال؛ فحفظه الخواص والعوام "ص١٨٤: المعجب" وكان ذلك في سنة ٥٨٤هـ. غير أن الأمير علي بن يوسف لم يكن منصرفًا عن الأدب، إذ لا عداوة بينه وبين الفقه، فكان يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وكان عنده من مشاهيرهم أبو القاسم المعروف بالأحدب، وأبو بكر محمد المعروف بابن القبطرنة، وأبو عبد الله محمد بن أبي الحضال وكان صاحب المكانة لديه، لمشاركته في علوم الفقه، وأخوه أبو مروان، وعبد المجيد بن عبدون وغيرهم. وكذلك كان أخوه إبراهيم بن يوسف بن تاشفين قد عقد للأدب في ذلك الجو سماء أدار فلكها واستوى على عرشها فكان ملكها، وهو الذي ألف له الفتح بن خاقان كتابه الشهير الموسوم بـ"قلائد العقيان"، وكان يتودد في أوائل القرن السادس من خلفتهم ملوك الطوائف ومن تركهم أبوه من العلماء والشعراء والكتاب، وقد ذكر كثير منهم. ولم يزل [أمر] الأدب [يتردد] بين الأندلس وبر العدوة، حتى أعاد أمراء الموحدين مجده وعزه، وكان أولهم بعد المؤمن الذي ولي سنة ٥٣٤هـ؛ وكان من أشهر شعراء الأندلس في هذا الزمن: ابن حمديس، وابن الزقاق، وابن خفاجة، وابن بقي، والفيلسوف أبو بكر بن الصائغ، وأبو الحسن جعفر بن الحاج الميورقي الشاعر الشهير، وابن الصفار القرطبي، وغيرهم.

стр. 704

الأدب ودولة الموحدين: لما تفرق أهل الأندلس بعد الفتن التي [كانت] في أواخر القرن الخامس، كان منهم الكتاب الوزراء والشعراء والأدباء، فكان لا يستعمل في بر العدوة بلدي ما وجد أندلسي "ص١٢٤ ج٢: نفح الطيب"؛ ومن أجل ذلك كان الأمراء يبعثون في طلبهم ويرغبون فيهم أشد الرغبة، إن لم يكن إحياء لملك الأدب، فزينة لأدب الملك، وقد مر شيء من ذلك في دولة المرابطين، ولما ولي عبد المؤمن -من الموحدين- جرى على هذه السنة، فبعث يستدعي أهل العلم من البلاد إلى السكون عنده والجوار بحضرته؛ وأجرى عليهم الأرزاق الواسعة، وأظهر التنويه بهم والإعظام لهم إلا أنه لم يكن من شعرائه الخواص به من تلقى له أزمة القول، حتى إنه لما تغير على وزيره الكاتب البليغ أبي جعفر بن عطية، امتحن من عنده من الشعراء بهجوه، فلما أسمعوه ما قالوا أعرض عنهم وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه! "ص١٠١ ج٣: نفح الطيب". ولما خرج بمجموعه يقصد الأندلس، وكانت قد اختلت أحوالها، نزل مدينة سبتة فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق، وسماه هو جبل الفتح, وفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة، فكان له هناك يوم عظيم، استدعى فيه الشعراء ابتداء ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك؛ إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم، وعلى بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون "ص١٣٧: المعجب" فأنشده أبو عبد الله محمد بن حبوس من مدينة فاس، وهو الذي كان في دولة لمتونة مقدمًا في الشعراء، والطليق المرواني؛ وابن سيد اللص؛ وهو نحوي كان يغير على أشعار الناس فنبز بهذا الملقب "انظر بغية الوعاة: ص١٥٠"، والرصافي، وكان يومئذ حدثًا، وغيرهم؛ وقد ولي عبد المؤمن بعض أولاده على جهات الأندلس، فولى غرناطة وأعمالها ابنه عثمان؛ ويكنى أبا سعيد، وكان محبا للآداب مؤثرًا لأهلها، يهتز للشعر ويثيب عليه، فاجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة كانت البقية الباقية من ضوء ذلك النهار؛ ثم صارت الدولة إلى يوسف بن عبد المؤمن في سنة ٥٥٨هـ وكان في حياة أبيه قد ولي إشبيلية وأعمالها، نزل منها محل المعتمد ووقف على آثار دولته، فاختلط هناك بعلمائها، كالأستاذ اللغوي ابن ملكون وغيره، وجعل يأخذ عنهم، وصرف عنايته إلى كلام العرب وحفظ أيامهم ومآثرهم وأخبارهم في الجاهلية والإسلام، حتى صار أسرع الناس نفوذ خاطر في غوامض النحو ومسائل العربية، مع مشاركة في علم الأدب واتساع في حفظ اللغة، ثم طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة؛ فجمع كثيرًا من أجزائها، وبدأ من ذلك بعلم الطب، ثم تخطاه إلى ما هو أشرف منه من أنواع الفلسفة، وأمر بجمع كتبها فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر، وما كان ينتهي إليه خبر كتاب منها عند أحد إلا أخذه وعوض عليه ما هو خير له؛ ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء وخاصة أهل العلوم النظرية، إلى أن صارت حاضرته بذلك أشبه بحاضرة خلافة علمية؛ وكان ممن صحبه من فلاسفة الإسلام، أبو بكر محمد بن طفيل، تلميذ أبي بكر بن الصائغ، وقد كان أمير المؤمنين أبو يعقوب هذا شديد الشغف به والحب له حتى كان يقيم عنده في القصر أيامًا ليلًا ونهارًا لا يظهر، وهو الذي تولى جلب العلماء إليه من جميع الأقطار، ونبه على أقدارهم، ولولاه ما كان ابن رشد أعظم فلاسفة الأندلس شيئًا مذكورًا؛ إذ هو الذي نوه به حتى عظم قدره، وتقدم إليه في تلخيص كتب أرسطوطاليس وتقريب أغراضها. وكان من كتاب أبي يعقوب أبو [عبد الله] محمد [بن] عياش بن عبد الملك، وهو الذي جرى على طريقة خاصة في الإنشاء توافق طريقة هؤلاء الأمراء وتصيب ما في أنفسهم، ثم جرى الكتاب من أهل ذلك المصر بعده على أسلوبه وسلكوا مسلكه، لما رأوا من استحسانهم لتلك الطريقة "ص١٧٤: المعجب" وكان أشهر شعرائه وشاعر المغرب في وقته أبو بكر بن مجير الأندلسي المتوفى سنة ٥٨٧هـ؛ ومن شعراء زمنه وزمن أبيه الرصافي، والكندي، وأبو جعفر بن سعيد، وابن الصابوني شاعر إشبيلية ووشاحها، وابن إدريس الرندي.

стр. 705

وتوفي أبو يعقوب سنة ٥٨٠هـ فقام بعده يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان قد وزر لأبيه [فبلغ غاية] بعيدة من مطالعة الأمور وتقدير الرجال، فكأنما استوفى حظه من إكرام الفلسفة ووفاها قسطها في ذلك الزمن؛ لأنه ما كاد يتصل به الأمر حتى أراد أن يرجعها بدوية ساذجة يجري فيها على سنن الخلفاء الراشدين، فكان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس ثم كان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد، حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم! "ص١٨٩: المعجب"، وقد سلف ما كان من نظره في كتب الرأي وتقدمه بإحراقها، وحكوا عنه أنه لما أزمع الخروج إلى بعض غزواته سنة ٥٩٢هـ كتب إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم إليه، فحصل على جماعة كبيرة منهم كان يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر إليهم قال لمن عنده: هؤلاء الجند لا هؤلاء! مشيرًا إلى العسكر؛ ولعله يحكي في ذلك قتيبة بن مسلم الفاتح الشهير، فإنه حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله محمد بن واسع، جعل يكثر السؤال عنه، فأخبر أنه في ناحية من الجيش متكئًا على سية قوسه رافعًا إصبعه إلى السماء ينضنض بها، فقال قتيبة: لتلك الإصبع..... أحب إلي من عشرة آلا سيف.

стр. 706

نكبة الفيلسوف ابن رشد: وفي أيام يعقوب هذا نالت أبا الوليد ابن رشد فيلسوف الأندلس المحنة الشديدة التي أظلمت أسبابها على الأقلام ظلمة المداد، وأقام لها الكتاب من كلامهم مناحة وألبسوها من صحفهم ثياب الحداد؛ وقد تكلم عنها [الكتبة] من العرب، كالذهبي والأنصاري وابن أبي أصبيعة وعبد الواحد بن علي التميمي صاحب كتاب "المعجب"، وكان يومئذ حيا، ثم تناولها كذلك المؤرخون من الإفرنج وبسطوا فيها العبارة، كالفيلسوف رينان وغيره، وهم إنما حاروا في أسبابها؛ لأن ابن رشد كان قاضي القضاة، وكان مقربًا عند يعقوب وأبيه حتى [إن يعقوب] جاوز به مجلس أخصائه وأدناه فوق ما يؤمل، ولكن أكثر أولئك لم يرجعوا في سبب هذه المحنة إلى سيرة يعقوب هذا؛ لأنها لا تخرج عن أن تكون خلقًا من أخلاقه أو نزوة لبعض هذه الأخلاق، وإنما أعمال المرء بخيرها وشرها ميزان، وسيرته اللسان منه، فهي تنطق بصواب التمييل بين الكفتين وتدل [على] حقيقة الترجيح، وقد أسلفنا من أمر هذه السيرة ما يتعين معه الحكم بأن الأمير يعقوب لا يبغض الفلسفة مستقيمة في كتبها، ولكنه يبغضها معوجة في الألسنة، إذ تزيغ بها القلوب الخفيفة، وتضل العقول الطائشة؛ فلما نتأ رأس الفتنة، وأصبح الكلام على أن يشيع في العامة ويتقلب على الألسن ويختلط بالأهواء ووجوه التأويل، لم يكن بد من أن يحسم الأمير مادة الفتنة ويتقي الله في عامته، وهو الرجل الذي يحكمهم بالقلب المطمئن، ويحوطهم بالنظرات المحككة، فلا يزال يتحرى العدل بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها، ولذلك نستبعد نحن أن يكون سبب هذه المحنة غضبًا من المنصور لمن يناوئ الفيلسوف، أو موجدة عليه؛ لأنه ذكر في شرح كتاب "الحيوان" لأرسطاطاليس أنه رأى الزرافة عند ملك البربر -يعني المنصور- فغفل عما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلو الكتاب من الإطراء والتقريظ، ولا أن ابن رشد كان يؤثر أبا يحيى على أخيه يعقوب ولا ما أشبه ذلك مما لا يلتئم مع سيرة المنصور بتة، إذ هو لا يخرج من جلده

стр. 707

ويترك فضلات روحه ويخلق رجلًا جديدًا يحب التمليق والمداهنة ويؤثر الكبرياء ويفسح من صدره للغيبة والنميمة من أجل ابن رشد ولكي يشد عليه هذه الشدة؛ ولولا ذلك ما جمع فقهاء قرطبة وأخذهم بأن ينظروا في كتب الفيلسوف فإما التحريم وإما التحليل. وقد كان الأمير أتقى الله من [أن يهين شيبة مسلم] ويلعن رجلًا يقول ربي الله، أو يغمض في رأي من يشير بذلك؛ ولكنه أراد أن يبرأ من هذه التبعة، ويتحلل من عهدة ما عسى أن يكون خطأ، فجمع الفقهاء لتكون كلمتهم الحكم على العامة بالسكوت، فإنهم إذا خاضوا في ذلك وترك الأمر على ما هو فشت لهم فاشية من الضلال، ووجند الناس السبيل إلى خذلان هذا الأمير في غزواته، وهو الذي كان يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكير والبدع ويقول: نحن إن شاء الله مطهروها! ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات "ص١٨٨: المعجب". هذا ما نراه من سبب المحنة، وهو الحق لا ريب فيه، أما تفصيلها فهو قار في موضعه من كتب من ذكرناهم في صدر هذا الفصل فلا يفوت من يلتمسه؛ وقد أبعد الفيلسوف بعد ذلك إلى [.....] بلدة قريبة من قرطبة يسكنها اليهود، وأبعد من يقول بقوله أو يتكلم في علوم الفلسفة، ومنهم القاضي أبو عبد الله بن إبراهيم الأصولي الذي يقال إنه خرج كلمة "ملك البربر" ونبه على أنها محرفة عن "ملك البرين"، وأبو جعفر الذهبي، ومحمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الشاعر؛ ثم كتبت الكتب عن المنصور إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة، وبإحراق كتب الفلسفة كلها إلا ما كان من الطب والحساب وما يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار وأخذ سمت القبلة، فأشبع الناس من كتب الفلسفة هذه النار التي بقيت في الأندلس إلى زمن ديوان التفتيش تقول: هل من مزيد؟ ولكن المنصور لما رجع إلى مراكش نزع عن ذلك كله وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه، فحضر ولكنه مرض بها مرضه الذي مات فيه سنة ٥٩٤هـ، وتوفي بعده يعقوب صدر سنة ٥٩٥هـ. وكان في زمنه من أمراء الكتاب والشعر: أبو عبد الله بن وزير الشلبي المشهور من أمراء كتاب إشبيلية، وشعره يشبه شعر أبي فراس الحمداني، وكان أحد فرسان الأندلس، وابنه أبو محمد غير مقصر عنه فروسية وأدبًا وشعرًا "ص٥٨٢ ج٢: نفح الطيب"، وقد كثر الشعر في زمنه وجم أهله ولكنه شعر اتباع لا شعر ابتداع؛ إذ لم ينشأ في الأندلس بعد القرن الخامس من يعد في أوائل شعرائها؛ ومن كثرة الشعر يومئذ أن المنصور لما قفل من غزوة الأراكة الشهيرة سنة ٥٩١هـ ورد عليه الشعراء من كل قطر يهنئونه فلم يمكن لكثرتهم أن ينشد كل إنسان قصيدته، بل كان يختص منها بالإنشاد البيتين والثلاثة المختارة، فدخل أحد الشعراء فأنشده. ما أنت في أمراء الناس كلهم ... إلا كصاحب هذا الدين في الرسل أحييت بالسيف دين الهاشمي كما ... أحياه جدك عبد المؤمن بن علي فأمر به بألفي دينار ولم يصل أحدًا غيره، لكثرة الشعراء، وأخذًا بالمثل: "منع الجميع إرضاء

стр. 708

للجميع" وقد انتهت رقاع القصائد إلى أن حالت بينه وبين من كان أمامه "ص٤٣٠ ج٢: نفح الطيب" وهذه وحده ينهض دليلًا على أن الشعر يومئذ كان متجرًا حقيقًا لا يتأدب به، فلا يخرج من روح الشاعر إلى قلبه حتى يبقى أدبًا، ولكنه يخرج من لسانه إلى يده فينقلب مادة. وقد كان ذلك قبل زمن عبد المؤمن؛ لأنه لما مدحه الحسيب أبو القاسم بن سعدة الأوسي، وكان جده ملك وادي الحجارة، كتب اسمه وزير عبد المؤمن في جملة الشعراء، فلما وقف الأمير على ذلك ضرب على اسمه وقال: إنما يكتب اسم هذا في جملة الحساب "أصحاب الحسب" لا تدنسوه بهذه النسبة؛ فلسنا ممن يتغاضى على غمط حسبه "ص٢٥٣ ج٢: نفح الطيب" إلا أن ذلك لم يمنع أن يكون بينهم نفر قليلون يقومون على الأدب. وممن ختم بهم القرن السادس من أولئك: محمد بن سفر الشاعر الكبير، وأبو بحر صفوان بن إدريس المتوفى سنة ٥٩٨هـ، وأبو جعفر الحميري الحافظ أديب الأندلس المتوفى سنة ٦١٠هـ، وغيرهم وإن كانوا قليلين.

стр. 709

بعد القرن السادس: ابتدأت الفتن بعد هذا القرن تتقلب حتى ذل الأندلسيون سنة ٧٤١هـ حيث اتحد ملوك الأسبانيول وملك البرتغال على العرب فهزموهم، ثم عادوا ثانية مع ملوك إيطاليا واستولوا على الجزيرة الخضراء سنة ٧٤٣هـ ولم يبق في حوزة الأندلسيين إلا غرناطة؛ وكان بعد ذلك الزمن الذي انتهى بجلاء الأندلسيين في أوائل القرن العاشر؛ وفي كل هذه المدة كان ينبغ الشعراء والكتاب وأهل العلوم، إلا أن المشاهير منهم كانوا يعدون بالنسبة إلى ضعف الزمن وسفاهة التصرف، في إرث تلك الحضارة القديمة على قاعدة المثل السائر: واحد بالمائة، ورجل يفي بالفئة، وكانوا مع ذلك في الأغلب إنما يقلدون المعاصرين من أدباء المشرق، كالصفدي وغيره، فيتبعونهم في الصناعات اللفظية ونحوها، وكان لأكثرهم رحلة إلى هؤلاء، يجتمعون بهم ويأخذون عنهم، كما فعل ابن جابر صاحب "بديعية العميان"، ورفيقه الألبيري؛ وابن سعيد المغربي، وغيرهم، خصوصًا وقد كانت دولة الشعر قائمة يومئذ -في القرن السابع- بحضرة الناصر ملك الشام الذي ألبسها من عزه تاجًا، وأحلها من سمائه أبراجًا. وممن نبغ في القرن السابع أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب الذي كتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان بن هود وقتل سنة ٦٣١هـ وهو مبدع في نثره وشعره معًا، وكان يرى نفسه فوق أبي تمام والبحتري والمتنبي؛ لأن أكثر مدارسة الشعر يومئذ كانت منصرفة إلى دواوين هؤلاء الثلاثة كما هي إلى اليوم، وكما تكون بعد اليوم إلى ما شاء الله؛ وابن سهل الإسرائيلي الشاعر الشهير المتوفى سنة ٦٤٩هـ، وابو المطرف بن عميرة الإمام الكاتب المتوفى سنة ٦٥٨هـ، وابن مرج الكحل الشاعر المتوفى سنة ٦٣٤هـ. وكان من نابغي القرن الثامن ابن الجياب المتوفى ٧٤٩هـ. وأبو يحيى بن هذيل المتوفى سنة ٧٥٣هـ وسيأتي ذكره في فلاسفة الشعراء، [وأبو القاسم] ابن جزي المتوفى سنة ٧٥٠هـ وكلهم من

стр. 710

أشياخ لسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر، وهو أشهر أدباء هذا القرن شعرًا وكتابة وتفننًا في العلوم, وقد وضع في شعراء هذا القرن كتابًا سماه "الكتبة الكامنة في شعراء المائة الثامنة"، إلا أنه على ما أرجح عد في طبقات العلماء، إذ كان لا يخلو أحدهم من أن يكون على شيء من الأدب يحمله [على شيء] من الشعر، وكذلك فعل في "الإحاطة"، ثم كان شاعر ما بقي من الأندلس بعد لسان الدين، هو العربي العقيلي الشاعر الوشاح، واشتهر بعده أيضًا تلميذه ابن زمرك وزير الغني بالله. أما القرن التاسع وهو الذي مر على أطلال الأندلس، فكان في نصفه الأول الوزير الكاتب القاضي أبو يحيى بن عاصم الذي يقول عنه الأندلسيون إنه ابن الخطيب الثاني، وكان في نصفه الأخير قاضي الجاعة ابن الأزرق الشاعر المنشئ الفقيه المتوفى سنة ٨٩٥هـ، وصارت الأندلس بعد ذلك أرضًا صماء لا ترجع الصدى، واستعجم تاريخها فكأنما بدأ غريبًا وعاد كما بدأ.

стр. 711

الشعر الأندلسي والتلحين: لقد يخطئ من يزعم أن شعر الأندلسيين يغيب في سواد غيره من شعر الأقاليم الأخرى كالعراق والشام والحجاز، بحيث يشتبه النسيج وتلتحم الديباجة، وذلك من لا يعرف الشعر إلا بأوزانه ولا يميز غير ظاهره؛ ولكن للشعور روحًا كروح الإنسان: تستوي مع الجنس كله في جملة الأخلاق وتختلف في مفرداتها، حتى لقد يجد اللبيب الحاذق من التفاوت بين أنواع الأشعار إذا هو استقرأها وتقصص تواريخ أصحابها ما يصح أن يخرج منه علم يسمى علم الفراسة الشعرية. ومن هذا القبيل يمتاز شعر فحول الأندلس بتجسيم الخيال النحيف وإحاطته بالمعاني المبتكرة التي توحي بها الحضارة، والتصرف في أرق فنون القول واختيار الألفاظ التي تكون مادة لتصوير الطبيعة وإبداعها في جمل وعبارات تتخرج بطبيعتها كأنها التوقيع الموسيقي، بل هي تحمل على التحلين بما فيها من الرقة والرنين، ولا يشاركهم في ذلك إلا من ينزع هذا المنزع ويتكلف ذلك الأسلوب؛ لأن جزالة اللفظ في شعرهم إنما هي روعة موقعه وحلاوة ارتباطه بسائر أجزاء الجملة؛ وتلك فلسفة الجزالة، ومن أجل ذلك أحكموا التشبيه، وبرعوا في الوصف،؛ لأنهما عنصران لازمان في تركيب هذه الفلسفة الروحية التي هي الشعر الطبيعي. وقد يشاركهم في كثير من ذلك شعراء الشام، ولكن رقة هؤلاء عربية مصفاة؛ وبذلك امتازوا على عرب الحجاز والعراق؛ لا يهولون بالألفاظ المقعقعة؛ ولا يغالون في فخامة التركيب؛ ولكن لا يستقبلك في شعرهم ما يستقبلك في شعر الأندلسيين من الشعور الروحي الذي لا سبيل إلى [تصويره] بالألفاظ؛ والذي تتبين معه أن الفرق بين الخيالين كأنه الفرق بين البلادين في التبعية والاستقلال, وليس يدل ما قدمناه على أن شعر فحول الأندلسيين ممتاز على إطلاقه وأن غيره لا يمتاز عليه؛ بل الأمر في ذلك كالجمال: كل أنواعه حسن رائع؛ ولكن النحافة اللينة منه تستدعي مع الإعجاب رقة هي بعينها التي يجدها من يتدبر ذلك الشعر. وقد كان التلحين ضروريا عند شعراء الأندلس؛ وما اخترعوا الموشحات إلا لأن أوزانها أحفل به من أوزان الشعر؛ ولذلك لا يقع التوشيح موقعه من السمع إلا إذا خرج ألحانًا؛ وقد كان منهم من ينظم ويغني ويلحن؛ وأكثر ما يكون ذلك في فلاسفتهم؛ كابي الصلت أمية بن عبد العزيز الإشبيلي المتوفى سنة ٥٢٣هـ، وكانوا يكنونه بالأديب الحكيم، وهو الذي لحن الأغاني الأفريقية "ص٣٧٢ ج١: نفح الطيب"، وكالفيلسوف أبي بكر بن باجة الغرناطي؛ وله عندهم الألحان التي عليها الاعتماد، وهو صاحب كتاب "الموسيقى" الذي يعدونه الكفاية من هذا العلم، وأعجب شيء في ذلك أن لأبي عبد الله بن الحداد الذي مر ذكره في شعراء المعتصم بن صمادح، مؤلفًا في العروض مزج فيه بين الموسيقى وآراء الخليل، وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على التوشيح "ص٢٩٣ ج٢: نفح الطيب" فهذه كانت عنايتهم بالألحان، وهي التي جعلت شعرهم كأنه نفوس تقطر أو تسيل.

стр. 712

الشعراء الفلاسفة: ولم ينشأ من الفلاسفة شعراء مجيدون قدر من نشأ منهم بالأندلس وحدها، ولم يكن للفلسفة تأثير على شعرهم إلا من جهة معانيه الشعرية، فإنها صارت من سمو الخيال وقوة التصور وبراعة الابتكار بحيث تدل على عقل صاحبها دلالة المطابقة، وبذلك زادوا في محاسن الشعر، ولكن غيرهم يخلط بين معاني الفلسفة الفنية وبين معاني الشعر، فيجيء به فلسفة ركيكة ساقطة، أو يجعل فلسفته التزام نوع واحد من مذاهب الشعر، كالحكمة مثلًا، وبذلك يبرد شعره ويقل، ولا تكاد تجد في غير الأندلسيين من يتحقق بأجزاء الفلسفة فيكون فيلسوفًا، ويبرز في الشعر فيكون شاعرًا، ويجمع في شعره الجمال الروحي في المعنيين فيكون شاعرا وفيلسوفًا معًا، ومن هؤلاء يحيى الغزال، وأبو الأفضل بن شرف -وكان عند المعتصم وابنه- وابن باجة، ومالك بن وهب، وكان عند يوسف بن تاشفين، وأبو الحسن الأنصاري الجياني المتوفى سنة ٥٩٣هـ المعدود من مفاخر الأندلسيين، ويلقبونه بشاعر الحكماء وحكيم الشعراء، وله كتاب "شذور الذهب"، منظوم في الكيمياء، وقيل: في بلاغته التي خضعت لها مادة الفن: إن لم يعلمك صناعة الذهب علمك الأدب "ص٣٤٢ ج٢: نفح الطيب" وأبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأشبيلي المتوفى سنة ٥٢٣هـ وجهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فحبس بها عشرين سنة في خزانة الكتب، فخرج إمامًا في العلوم وأتقن علوم الفلسفة والطب والتلحين وقد مر آنفًا، وأبو الحكم العربي المتبحر في الفلسفة والأدب، وهو الشاعر الهزلي، سنة ٥٤٩هـ، وأبو بكر بن زهير المتوفى سنة ٥٩٦هـ صاحب الموشحات التي امتاز بها، وأبو زكريا يحيى بن هذيل المتوفى سنة ٧٥٣هـ، وكان أعجوبة في الاطلاع على علوم الأوائل، وأبو الحسين علي بن الحمارة الغرناطي، وقد برع خاصة في التلحين ويقولون فيه إنه آخر فلاسفة الأندلس "ص٤١٤ ج٢: نفح الطيب". ولكل واحد من هؤلاء وأمثالهم النظم المرقص المطرب الذي يقلب النفس على جانبي الطرب من الفلسفة والشعر، ولو اتسع لنا المقام لجئنا بالكثير منه، ولكن الاختيار ليس من شرطنا في هذا الكتاب، وقد اختار الأندلسيون أنفسهم من شعر شعرائهم كتبا ممتعة، منها كتاب "الحدائق" لأبي عمر أحمد بن فرج، عارض به كتاب "الزهرة" لأبي بكر بن داود، إلا أن أبا بكر إنما أدخل مائة باب في كل باب مائة بيت، وأبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائة بيت ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئًا، وأحسن الاختيار ما شاء، وأجاد فبلغ الغاية وأتى الكتاب فردًا في معناه، وهذه الأبواب جميعها إنما هي في الرقائق وأنواع الوصف، كما يدل على ذلك كتاب "الزهرة" الموجود قسم منه في المكتبة الخديوية بمصر. ولأبي الحسن علي بن محمد الكاتب من أهل القرن الخامس كتاب "التشبيهات" من أشعار أهل الأندلس، ولم تسم همة أحد إلى جمع مثله من شعر قوم بعينهم وإنما يجمعون من كل شعر وقع إليهم، كما فعل أبو سعيد نصر بن يعقوب في كتابه "روائع التوجيهات في بدائع التشبيهات" "ص١٢٣

стр. 713

ج٢: يتيمة الدهر" فقد ضمنه ما اتفق من ذلك لشعراء الشام والعراق والري وأصبهان وغيرها. وقد جاء كتاب "الذخيرة" لابن بسام كالذيل على كتاب "الحدائق" لابن فرج، وهي موجودة؛ وفي عصرها صنف الفتح بن خاقان كتاب "القلائد"، ذكر فيه المعاصرين من الوزراء والكتاب والشعراء، ثم ألف "المطمح"، وهو نسختان: كبير وصغير، وهذا الأخير هو المطبوع في الآستانة ومصر، وقلما تنبه قارئوه إلى ذلك فلا يزالون يرمونه بالتقصير عن القلائد. ولم يلتزم الفتح في "المطمح" ما التزم في "القلائد"، بل أورد فيه مشاهير الأندلس من كل طبقة في كل عصر؛ ثم جاء أبو عمر بن الإمام من أهل المائة السادسة، فوضع كتابه "سمط الجمان وسفط المرجان"، ذكر فيه من أخلت "القلائد" و"الذخيرة" بتوفية حقه من الفضلاء، واستدرك من أدركه بعصره في بقية المائة السادسة، ثم ذيل عليه أبو بحر بن صفوان البرسي بكتاب "زاد المسافر"، ذكر فيه جماعة ممن أدرك المائة السابعة؛ ولابن هانئ اللخمي المتوفى سنة ٧٣٣هـ كتاب "الغرة الطالعة في شعراء المائة السابعة"، وقد مر بنا ذكر كتاب ابن خنيس، وكتاب شعراء ألبيرة الذي ألف للحكم المستنصر، وكتاب "الكتيبة الكامنة في أهل المائة الثامنة" للسان الدين بن الخطيب، وقد رأينا في "طبقات اللغويين والنحاة" للسيوطي في ترجمة ابن خنيس القرطبي المتوفى سنة ٣٤٣هـ أنه ألف كتابًا في شعراء الأندلس -إلى عهده- بلغ فيه الغاية "ص٦٧"؛ هذا إلى كتب أخرى لم تقيد بالتراجم ولا بالاختيار، وإنما استوعبت فنونًا كثيرة مما يحاضر به من الأدب والتاريخ ككتاب "المسهب١ في فضائل المغرب"، ألفه ستة أشخاص في ١١٥ سنة، آخرها سنة ٦٤٥هـ، وكتاب "فلك الأدب" لابن سعيد، من شعراء القرن السابع، وكان رحالة إلى المشرق، وهو صاحب كتاب "عنوان المرقصات" المطبوع في مصر؛ وقد ألف يحيى الخدج المرسي، وقد أدرك المائة السابعة، كتاب "الأغاني الأندلسية" على منزع كتاب أغاني أبي الفرج الأصبهاني؛ فلا بد أن يكون قد ألم فيه بتراجم طائفة كبيرة من مشهوري أدبائهم؛ ولمحمد بن عاصم النحوي، من علماء القرن الرابع، كتاب في طبقات الكتاب بالأندلس. ولو بقيت هذه الكتب جميعها لأمكن استخراج تاريخ واسع للأدب الأندلسي يشرق على الدنيا بذلك النور الذي أسدلت عليه حجب الغيب وترك مكانه في التاريخ فراغًا مظلمًا. والأندلسيون يختارون من شعرائهم من يقابلون بهم طبقة بشار وحبيب والمتنبي، أي: الطبقة العالية من شعر الشام والعراق، ويعدون من هؤلاء الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، وأحمد بن عبد الملك بن مروان, وابن دراج القسطلي، وأغلب بن شعيب، ومحمد بن شخيص، وأحمد بن فرج، وعبد الملك بن سعيد المرادي "ص ١٣٥ ج٢: نفح الطيب" فهذه هي الطبقة الثانية عندهم، والطبقة الأولى يقابلون بها جريرًا والفرزدق والأخطل ومن معهم، ويعدون منها أبا الأجرب جعونة بن الصمة، ويحيى الغزال وغيرهما، والطبقة الثالثة يقابلون بها سائر المولدين ممن لم يبلغ مبلغ أولئك في الاشتهار وبعد الصيت، وقد ذكرنا أسماء الكثيرين من فحولهم.

стр. 714

أدبيات الأندلس ... أديبات الأندلس: سبقت لنا كلمات خفيفة عن الأدب النسائي في الأندلس، وعددنا أسماء بعض جواري عبد الرحمن الأوسط, وسنعد الآن المشهورات من سائر أولئك الأديبات، فأولاهن وأولاهن بالتقديم لبنى كاتبة الخليفة الحكم المستنصر بالله -أي: ناسخة- كانت تكتب الخط الجيد، نحوية شاعرة عروضية بصيرة بالحساب مشاركة في العلم لم يكن في [مصرهم] أنبل منها، وتوفيت سنة ٣٧٤هـ، وقد عدها السيوطي في طبقات اللغويين والنحاة، وكانت تعاصرها حسانة التميمية بنت أبي الحسين الشاعر، والشاعرة الغسانية، وحفصة بنت حمدون، واشتهرت بعدهن عائشة القرطبية المتوفاة سنة ٤٠٠هـ لم يكن في زمانها من [حرائر] الأندلس من يعدلها علمًا وفهمًا وأدبًا وشعرًا وفصاحة، تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة، ثم اشتهرت في آخر القرن الخامس مرين بنت أبي يعقوب الأنصاري الشاعرة المشهورة، وهي التي كانت تعلم النساء الأدب، وقد كثر.... الأديبات في هذه المائة فكان فيها أم العلاء بنت يوسف الحجارية، والعروضية مولاة أبي المطرف بن غلبون اللغوي، وقد أخذت عن مولاها النحو واللغة وفاقته في ذلك وبرعت في العروض، وكانت تحفظ "الكامل" للمبرد و"النوادر" للقالي وشرحهما "ص٤٣٠ ج٢: نفح الطيب" ويؤخذ عنها الأدب، وتوفيت سنة ٤٥٠هـ، وولادة الأديبة الشهيرة المتوفاة سنة ٤٨٤هـ، ومهجة القرطبية صاحبتها وتلميذتها، ونزهون الغرناطية البارعة، وحمدونة بنت زياد المؤدب التي يلقبونها بخنساء المغرب لقوة شعرها وسمو إبداعها، ولها شعر مطرب "ص٤٩١ ج٢: نفح الطيب"، والعبادية والدة المعتمد, واعتماد حظيته، وبثينة بنته، وأم الكرام بنت المعتصم بن صمادح، وغاية المنى جاريته، وغيرهن؛ ثم اشتهر في أوائل القرن السادس الأديبة الشلبية، وأسماء العامرية، وحفصة الركونية وهي أديبة الأندلس في هذه المائة. وانقطاع النساء عن آداب اللغة بعد القرن السادس على ما نرجح يكفي وحده دليلًا على أنهن إنما يشتهرن بذلك ويظهرن به حيث يكون الزمن ترفًا ونعمة؛ لأنهن بعض الترف والنعمة، فمتى خشنت الأيام واضطرب حبل الفتن كان الأدب أول ما ينصرف عن تلك الخدور، كما أن أول ما يجف من أنواع الشجر الزهر!

стр. 715

علوم الأندلسيين مدخل ... علوم الأندلسيين: ليس من الممكن أن يقلب العلم الواحد على أنواع متغايرة إلا ما يكون متسعًا بطبيعته لمسابقة الخواطر واستنان القرائح، وهذا شأن أكثر العلوم قبل أن تقرر قواعدها وتمهد طرقها؛ إذ ليس العلم بخصوصه إلا نوعًا من التاريخ يضبط أعمال القرائح ويرتب نتائجها؛ فإذا بلغ أن يكون في حكم المفروغ منه لبعض الاعتبارات، كمفردات اللغة مثلًا متى ذهب أهلها المأخوذة عنهم، فذلك هو العلم الذي لا فضل فيه لأحد إلا بإتقانه وحسن القيام عليه والاستنباط منه إذا قبل الاشتقاق والتفريغ؛ ولكن من أنواع العلوم ما يتصل بأجزاء الطبيعة؛ فهو أبدًا مادة الاكتشاف، وقد يكون هذا الاتصال عامة كالشعر ونحوه مما يقيد بموضوع محدود، وقد يكون خاصا كعلم النبات مثلًا، وهذه الأنواع هي التي يتفاضل فيها الأقوام وتمتاز القرائح والأفهام؛ فالعلم منها أشبه بالتاريخ السنوي لأمة لا تزال باقية ممدودًا لها في أجل العمران والحضارة. وقد برز الأندلسيون في جميع الأنواع التي تناولها وأحسنوا القيام عليها واضطلعوا بها؛ غير أن أكثر تلك العلوم إنما وقع إليهم تاما أو هو في حكم الذي تم؛ لأن العراقيين سبقوهم إلى الاشتغال به، كعلوم اللغة والفلسفة بأنواعها، فلم يتركوا لهم إلا فضل التحقيق وما كانت تساعد عليه أحوال تلك الأزمنة من الاكتشافات وما اقتضته طبيعة أرضهم من الاختراعات الهندسية، وكأن هذا الشعب كان من فطرته وحكم الطبيعة له أن يكون متفضلًا، فعوضه التاريخ من الفضل على المشرق فضله على على أوروبا، وعلى ذلك فلا يكون بحثنا في علوم الأندلسيين علميا، إذ هم لم يبتدئوها ولم يتمموها، ولكنه تاريخي يبسط حقيقة التارخ لا حقيقة العلم ذاته، ولقد يصح أن يكون الأندلس بحث فني يذهب برأسه في تاريخ الفنون والصناعات عامة، وسنلم بشيء منه في موضع آخر من هذا الكتاب. اشتغل الأندلسيون بعلوم الفلسفة جميعها المعروفة في التمدن العربي، وهو علم النجوم والأفلاك، والمقادير -الهندسة- والرياضيات، وآثار الطبيعة، والطب، والموسيقى، والمنطق، والفلسفة الإلهية، والسياسات المنزلية والمدنية، وبعلوم اللغة والأدب، من النحو والتصريف والتاريخ والرواية والمحاضرة، وبسائر العلوم الدينية، وسنقسم الكلام في ذلك إلى قسمين: العلوم الفلسفية، والأدبية:

стр. 716

العلوم الفلسفية: سبق لنا فيما أسلفناه من هذا البحث كلام متفرق عن التنجيم وبعض من عرفوا به وعناية الملوك بعلوم الفلسفة وذكر الفلاسفة والشعراء؛ فلا نعيد شيئًا من ذلك هنا، وإنما نستوفي ما يتم به هذا الموضع، تفاديًا من الملل والسآمة. نقل صاحب "نفح الطيب" عن ابن سعيد المغربي، أن كل العلوم لها حظ عند الأندلسيين واعتناء، إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظا عظيمًا عند خواصهم ولا يتظاهر [بهما] خوف العامة، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم، أطلقت عليه العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره إلى السلطان، أو يقتله السلطان تقربًا لقلوب العامة؛ وكثيرًا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت؛ وبذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه، وإن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن على ما ذكره الحجاري "ص١٠٢ ج١: نفح الطيب". قلنا: وهذا هو السبب في أن أولية الفلسفة تكاد تكون مجهولة في الأندلس لا يعرف منها إلا القليل، وقد ذكر صاحب "نفح الطيب" في موضع آخر أن أول من اشتهر في الأندلس بعلم الأوائل والحساب والنجوم، أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة -توفي في آخر القرن الثالث- لأنه كان يشرق في صلاته، وكان عالمًا بحركات الكواكب وأحكامها وكان صاحب فقه وحديث -زمن المزني- "ص٢٣٢ ج٢: نفح الطيب". وقال في ترجمة يحيى الغزال الشاعر المتوفى سنة ٢٥٠هـ: إنه حكيم المغرب وشاعرها وعرافها، لحق أعصار خمسة من الخلفاء "ص٤٤١ ج١: نفح الطيب". وفي موضع آخر أن أبا القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من فك بها كتاب "العروض" للخليل، وأول من فك الموسيقى؛ وصنع الآلة المعروفة بالمثقال ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال في تطيير جثمانه وكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافة بعيدة؛ ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنبًا.... وصنع في بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود "ص٢٣١ ج٢: نفح الطيب" وكان عباس هذا زمن الأمير محمد المتوفى سنة ٢٧٣هـ. غير أن كل أولئك على ما نرجح لم يشتغلوا بالفلسفة الإلهية ولم ينتحلوا مذهبًا من المذاهب اليونانية، ولعل أول من عرف بذلك في الأندلس محمد بن عبد الله بن مسرة الباطني من أهل قرطبة "٢٦٩-٣١٩" فإنه أكثر من النظر في فلسفة انبدقليس الذي يعده العرب أحد حكماء اليونان الخمسة الذين هم أساطين الحكمة "ص١٢: القفطي". وشاع مذهب ابن مسرة بعده بالأندلس واشتهر به محمد بن أحمد الخولاني المعروف بابن الإمام، توفي سنة ٣٨٠هـ وهو أديب بليغ، والظاهر أنه كان يلاحي به ويعمل على نشره، حتى حمل ذلك أبا بكر الزبيدي واحد عصره في النحو المتوفى سنة ٣٧٩هـ على وضع كتاب في الرد عليه "ص٣٤: بغية الوعاة". وذكر ابن القفطي في ترجمة يحيى بن إسحاق الطبيب الأندلسي، أن أباه إسحاق كان طبيبًا صانعًا بيده مشهورًا في أيام الأمير عبد الله، وكان يحيى هذا بصيرا ذكيا في العلاج صانعا بيده، واستوزره عبد الرحمن الناصر وولاه الولاية الجلية بعد إسلامه، ونال عنده حظوة؛ وألف في الطب كناشًا في خمسة أسفار ذهب فيه مذهب الروم بحكم أن هذا النوع لم يكن استقر بالأندلس ولا اشتهر شهرته

стр. 717

الآن -أي: في القرن السابع- "ص٢٣٦: القفطي" فإذا كان ذلك شأن الطب في أوائل القرن الرابع وما هو بموضع الظنة ولا بالذي يستغنى عنه، فغيره من أنواع الفلسفة أولى بأن لا يكون مستقرا ولا مشتهرًا. وقبل هذين الطبيبين رحل من المشرق إلى الأندلس يونس الحراني الطبيب في أيام الأمير محمد، واشتهر هناك؛ ثم انقلب ولداه أحمد وعمر الأندلسيان إلى المشرق وأخذا عن ثابت بن سنان وأمثاله، وابن وصيف الكحال "ص٢٥٩: القفطي". ولكن الأندلس كانت مشهورة في زمن الحكم المستنصر، أي: في أواخر القرن الرابع، بالرياضيات، حتى كان يتقاطر إليها طالبو هذا العلم من أوروبا، وفي ذلك العهد نبغ مسلمة بن أحمد المجريطي المتوفى سنة ٣٩٨هـ وهو إمام الرياضيين بتلك البلاد، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك وحركات النجوم، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب وشغف بتفهيم كتاب المجسطي، وهو الذي عني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي ونقل تاريخه الفارسي إلى التاريخ العربي، ووضع أوساط الكواكب لأول تاريخ الهجرة وزاد فيه جداول حسنة "ص٢١٤: القفطي" وقد تخرج عليه أجلة من علماء هذا الشأن، أشهرهم أصبغ بن السمح البارع في النجوم والهندسة، وأبو القاسم ابن الصفار أستاذ الرياضيات في قرطبة، وأبو الحسن الزهراوي، وكان للحكم نفسه منجم مختص به، وهو ابن زيد الأسقف القرطبي، وألف في ذلك كتب "تفضيل الأزمان ومصالح الأبدان" "ص١٣٨ ج٢: نفح الطيب". ومن أشهر أئمة الفلك بالأندلس إبراهيم بن يحيى النفاش المعروف بولد الزرقيال. قال ابن القفطي إنه أبصر أهل زمانه بأرصاد الكواكب وهيئة الأفلاك واستنباط الآلات النجومية، وله صحيفة الزرقيال المشهورة في أيدي أهل هذا الفرع التي جمعت من علم الحركات الفلكية كل بديع مع اختصارها، ولما وردت على علماء هذا الشأن بأرض المشرق حاروا لها وعجزوا عن فهمها إلا بعد التوقيف، وله أرصاد قد رصدها ونقلت عنه. واشتهرت علوم الحكمة بعد زمن الحكم، وكان من أشهر الأطباء في زمنه محمد بن عبدون العذري القرطبي الذي اتصل به وبابنه المؤيد، وهو من علماء العدد والهندسة، ولم يكن بقرطبة من يلحقه في صناعة الطب ولا يجاريه في ضبطها وحسن دربته فيها وإحكامه لغوامضها "ص٤٣٧ ج١: نفح الطيب" وكثر نبوغ الأندلسيين في القرن الخامس؛ وفي هذا القرن نبغ الكرماني القرطبي المتوفى سنة ٤٥٨هـ وكان فردًا في الهندسة والعدد، وهو الذي أدخل "رسائل إخوان الصفا" إلى تلك البلاد ولم يعلم أن أحدًا أدخلها الأندلس قبله "ص١٦٣: القفطي" وكان لها شأن مهم في تنويع الفلسفة الأندلسية. وكما كان القرن الخامس أشهر عصور الأدب في الأندلس، كان القرن السادس أشهر عصور الفلسفة فيها، ظهر فيه الحكيم أبو بكر بن الصائغ الذي كان يحدث عن نفسه أنه يحسن اثني عشر علمًا أيسرها النحو الذي هو أشهر علوم الأندلسيين، وابن طفيل، وابن رشد، وأبو العلاء بن زهر فيلسوف

стр. 718

عصره وحكيمه المتوفى سنة ٥٣٥هـ وأمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، وقد مر ذكره، وأبو بكر بن زهر الطبيب المتوفى سنة ٥٩٥هـ، وقد كاد هذا الرجل يكون تاريخ القرن السادس كله؛ لأنه ولد سنة ٥٠٧هـ؛ وهو مع طبه اللغوي الأديب الذي امتاز بالموشحات الطائرة بين المغرب والمشرق، وله أخت كانت هي وبنتها نابغتين في الطب، وأبو الحكم المغربي المتبحر في الفلسفة والأدب، وقد مر ذكره في الشعراء الفلاسفة، وتوفي سنة ٥٤٩هـ، وإن الواحد من هؤلاء ليكفي أن يكون فخر أمة، فكيف بهم مجتمعين في قرن من الزمن؟ وقد كان لكل منهم تلامذة جلة، ولم تنجب الأندلس بعدهم من يضاهيهم إلا أفرادًا قليلين، كمحمد بن الحسن المذحجي، وابن عياش الزهراوي ومطرف الأشبيلي في القرن السابع. على أن من الأندلسيين أفرادًا آخرين اشتهروا بفنون أخرى كالنبات والفلاحة وخواص العقاقير والسموم وعلم الحيوان وغيرها فضلًا عمن نبغوا من أصحاب المنطق والموسيقى، ومن كانوا هناك من أئمة الفنون ومهرة الصناعات، فلم نر أن نصلهم بهذا الفصل؛ إذ استقصاء ذلك كله مما [يقتضي كتبًا] برأسه، وهو فرع إن كان مهما في بسط تاريخ الحضارة فليس كذلك في تاريخ الأدب.

стр. 719

مقاومة الفلسفة العربية الطبيعية في أوروبا وانتشارها: وهنا موضع هذه الكلمة؛ لأن الأوروبيين لم يعرفوا الفلسفة العربية إلا من طريق الأندلس أولًا، وسنأتي على أمر النقل والترجمة إليهم من فصل آخر من هذا البحث. أول ما دخل إلى أوروبا من الفلسفة العربية كتب ابن سينا وبعض كتب الفارابي والكندي ثم دخلت كتب الغزالي وابن رشد، وكانت فلسفة أوروبا يومئذ بعض تعاليم لاهوتية مستخرجة من كتب مختلفة لأصحاب المذاهب اللاتينية؛ فلما دخلت إليها فلسفة العرب في القرن الثاني عشر وما بعده لم تلبث أن انتشرت في المدارس والمجتمعات وأقبل عليها الناس، فرأى المجمع الأكليريكي الذي عقد في باريس سنة ١٢٠٩م أنها ستذهب بالتقاليد الدينية المعروفة التي لا قرار لها على مذاهب العلم الطبيعي فحكم على المشتغلين بها يومئذ من الأوروبيين وهم أموري ودفيدوي دينان وتلامذتهما، وفي سنة ١٢١٥م حرم الأكليروس تعالم أرسطو وخصوصًا تلاخيص ابن سينا، وفي سنة ١٢٣١م حرم البابا غريغوريوس التاسع كل من يشتغل بفلسفة العرب. كانوا يرمون بذلك إلى محو هذه الفلسفة ولكنهم لفتوا إليها الغافلين ونبهوا إلى هذه الشكوك من يسمونهم أهل اليقين، فاضطر علماء اللاهوت بعد ذلك إلى درسها، ليتخذوا من الداء دواء وليضربوا العلم في أرق مقاتله؛ فقام منهم غيليوم دوفرن وحمل على فلسفة ابن سينا ثم خفف من حملته قليلًا وانعطف برفق ظنه قاتلًا إلى فلسفة ابن رشد، وقد كان يثني عليه بعض الثناء؛ وبعده قام اللاهوتي ألبير الكبير، وهو من المعجبين بابن سينا والمزدرين لابن رشد، وله ردود كثيرة على الفلسفة العربية، ثم قام بعدهما ألد أولئك الأعداء، وهو القديس توما الشهير أعظم حكماء الكنيسة الغربية وأكبر فلاسفة اللاهوت في العصور المتوسطة, ولكن كل أولئك لم يقووا على نقض الفلسفة العربية، فإنهم إنما كانوا يروون بالألسنة على القلوب، والحجج اللسانية قد تحرج القلب في مبادئه التي يصبو إليها ولكنها

стр. 720

لا تصرفه عن هذه المبادئ ما دامت قوتها لفظية؛ ومن أجل ذلك حاول بعد هؤلاء ريمون مارتيني أن يضرب اليقين بالشك ويدخل إلى تلك القلوب من بعض جوانبها، فجعل ينشر كتب الغزالي للرد على فلسفة ابن سينا وابن رشد، ثم تتابع جيل دي ليسين وبرنار دي تريليا وهرفه نديليك ودانت الشاعر الإيطالي المشهور صاحب "رواية الجحيم" وجبل دي روم، وهو الذي بلغ في ذلك قريبًا من القديس توما، وجاء بعدهم الأرعن الأخرق ريمون لول الذي صرف عمره خصوصًا من سنة ١٣١٠م إلى سنة ١٣١٢م في التجوال بين باريز وفيينا ومونبليه وجنوى ونابولي وبيزه، محرضًا الناس على ازدراء العرب ونبذ فلسفتهم، حتى إنه لما اجتمع مجمع فيينا سنة ١٣١١م رفع إلى الباب اكليمنضس الخامس كتابة يقترح فيها إنشاء مجتمع يخول من السلطة ما يساعد على إسقاط الإسلام وإقامة كليات لدرس اللغة العربية وحرم المسيحيين الذي ينتصرون لفلسفة ابن رشد وطرح كتبه من المدارس الأوروبية! وفي هذا القرن الرابع عشر كانت كتب ابن رشد قد انتشرت في أوروبا، خصوصًا في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، حتى غطت عندهم عى ابن سينا وأخملت من شهرته بعد أن كان هو المتميز في القرن الثالث عشر، ثم أصبحت تلك الفلسفة في القرن الخامس عشر وهي روح العلم الطبيعي في أوروبا، وذلك بعد أن صارت من الدروس الحافلة في كلية بادو المشهورة بإيطاليا التي استتبعت حركة الفلسفة الأوروبية يومئذ، وأول ناشري تعاليم ابن رشد فيها بطرس دانوا الذي لم يجد ديوان التفتيش سبيلًا إلى عقابه إلا بحرق عظامه من بعده. وقد شرح أساتذة هذه الكلية فلسفة الحكيم القرطبي، ونبغ فيها منهم كثيرون أكسبوها الاحترام وعلو الرأي؛ ولا جرم أنهم بذلك قد رفعوا أنفسهم أيضًا. ولما أراد ليوس الحادي عشر ملك فرنسا، إصلاح التعليم الفلسفي في سنة ١٤٧٣م، طلب من أساتذة المدارس تعليم فلسفة أرسطو وشرح ابن رشد عليها؛ لأنه استثبت فائدة هذا الشرح وأيقن بصحته.

стр. 721

آخرة الفلسفة العربية: ثم حدثت مسألة خلود النفس في أواخر القرن الخامس عشر وخاض فيها علماء إيطاليا، وكانوا يجدون في شروح ابن رشد لفلسفة أرسطو أن النفس خالدة بعد الموت، ولكن "بومبوتا" العالم المشهور أثبت من كتب "اسكندر دفروريزياس" الفيلسوف اليوناني الذي شرح أرسطو قبل ابن رشد، أنه لا خلود غير الخلود الإنساني النوعي في الأرض؛ فانشق العلماء وطار الجدال في هذه النازلة حتى انعقد مجمع لاتران في سنة ١٥١٢م وحرم كل من يقول بأن النفس غير خالدة، وبعد هذا الانتصار للفلسفة العربية طبعت كتب ابن رشد وطارت إلى أيدي طلابها والمعجبين بها من كل جهة؛ غير أن ذلك كان مبدأ للرجوع إلى النص اليوناني في فلسفة أرسطو، ثم انتبه العلماء إلى فائدة ذلك، ففي إبريل "نيسان" من سنة ١٤٩٧م صعد الأستاذ "نقولا ليونيكوس توموس" منبر التعليم في كلية بادو، وألقى أول مرة فلسفة أرسطو باللغة اليونانية؛ وما كاد أمره يذيع حتى أخذوا ينهضون في ذلك، ثم عادت بادو والبندقية وشمال إيطاليا إلى نص أرسطو، وعادت فلورنسا إلى نص أفلاطون؛ واستمر ذلك إلى أن ظهرت الفلسفة الطبيعية الحديثة في أواخر القرن السادس عشر، فأتت على الفلسفة العربية، حتى لم تجئ سنة ١٦٣١م حتى انقلبت تاريخًا يذكر بعد أن كانت علمًا ينشر، وذلك بوفاة آخر القائمين عليها في أوروبا وهو "قيصر كريمونيتي" المتوفى في تلك السنة.

стр. 722

العلوم الأدبية: رأس هذه العلوم عند الأندلسيين النحو والشعر، ولا بد في كليهما من الحظ الصالح من اللغة والرواية؛ قال ابن سعد المغربي، وقد نقل كلامه صاحب "نفح الطيب": النحو عندهم في نهاية من علو الطبقة؛ حتى إنهم في هذا العصر "القرن السابع" فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدة، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنًا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء.... وعلم الأدب المنثور -من حفظ التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات الحكايات- أنبل علم عندهم، وبه يتقرب من مجالس ملوكهم وأعلامهم، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفل مستثقل.... وإذا كان الشخص بالأندلس نحويا أو شاعرًا فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف ويظهر العجب، عادة قد جبلوا عليها "ص١٠٣ ج١: نفح الطيب". وقد سلف لنا كلام [في] أسباب براعتهم في الشعر، أما سبب ما ذكره ابن سعيد من حالهم في النحو وتميزهم به مع انحرافهم في اللغة العامة عن الأوضاع العربية، فهو على ما نرى أن أولئك القوم كانت لهم فطرة عجيبة في قوة الذاكرة والحفظ، ولو كانت الأندلس مكان العراق وفي جهة من البادية ما ضاع حرف من اللغة ولحفلت الكتب بفنون الأدب العربي، وذلك دأبهم قديمًا وحديثًا، مما يرجح معه أن تلك الذاكرة أثر من جمال الطبيعة في أنفسهم، ومن أجل ذلك قل أن تجد في علمائهم صاحب علم واحد أو علمين، بل فيهم من يعد في الفقهاء والمحدثين والفلاسفة والشعراء والكتاب والمؤرخين واللغويين والنحاة والأدباء، وقد يتميز في ذلك كله على اختلاف الفنون أو في أكثره، وقد ذكرنا بعضهم فيما سلف، وسنشير إلى آخرين. وإذا كان من مفاخر العراقيين أن الأصمعي يحفظ أربعة آلاف أرجوزة، وهم يعدونه أذكى العرب وأجمعهم، فقد كان من الأندلسيين في المائة الثالثة سعيد بن الفرج مولى بني أمية المعروف بالرشاشي يحفظ مثل هذا العدد للعرب خاصة، وكان يضرب به المثل في الفصاحة على كثرة ما يتقعر في كلامه "ص٢٥٦: بغية الوعاة"، وأعجب من إنشاد حماد الراوية بين يدي الوليد ليلة كاملة "وقد مر ذلك في بحث الرواية والرواة" ما ذكروا من أن أبا المتوكل الهيثم الأشبيلي حافظ الأندلسي في عصره، وكان في المائة السادسة، حضر ليلة عند أحد رؤساء أشبيلية فجرى ذكر حفظ، وكان ذلك في أول الليل، فقال لهم: إن شئتم أن تختبروني أجبتكم، فقالوا له: بسم الله، إنا نريد أن نحدث عن تحقيق. فقال: اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها حتى تعجبوا، فاختاروا القاف، فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر وهو ينشد وزن "أرق على أرق ومثلي يأرق" وسماره قد نام بعض وضج بعض وهو ما خرج عن قافية القاف "ص٢٣٣ ج٢: نفح الطيب". وكان من حفاظهم أبو الخطاب بن دحية المتوفى سنة ٦٣٣هـ، بلغ من حفظه للغة أن صار حوشيها مستعملًا عنده غالبًا، ولا يحفظ الإنسان حوشي اللغة إلا وذلك زكاة محفوظ من مستعملها؛

стр. 723

ولأبي الخطاب هذا رسائل ومخاطبات كلها مغلقات مقفلات، على أنه يرسلها عفو الساعة وفيض البديهة، ولما ارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب، جمعوا له علماء الحديث فذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها، فأعاد المتون المحولة وعرف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية "ص٣٦٩ ج١: نفح الطيب". ولو شئنا أن نطيل في حفظ الأندلسيين لأتينا بالكثير من الأدباء واللغويين والنحاة، ولكنا نذكر من ذلك شيئًا مما نحن بسبيله ولا نظير له في غير الأندلس، وذلك عنايتهم بكتاب سيبويه في النحو البصري، وهو أحد الكتب الثلاثة التي يقال إنه لا يعرف كتاب ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غيرها، وهي: كتاب سيبويه في علم النحو العربي، وكتاب المجسطي في علم هيئة الفلك وحركات النجوم، وكتاب أرسطاطاليس في علم صناعة المنطق. "ص٦٩: القفطي". كتاب سيبويه عندهم: لا نعرف أول من أدخل هذا الكتاب الأندلس، وقد عرفت أول من أدخل كتاب الكسائي، وهو جودي بن عثمان العبسي الذي كان يؤدب أولاد الخلفاء بالعربية، وقد رحل إلى المشرق وأخذ عن الرياشي والفراء والكسائي وأدخل كتابه إلى الأندلس "توفي سنة ١٩٨هـ"؛ ولكن أقدم من وقفنا عليه ممن حفظوا كتاب سيبويه، هو حمدون النحوي المتوفى بعد المائتين، ولعله أول من عرف به ثم كان من أشهر حفاظه في القرن الثالث الأفشين القرطبي المتوفى سنة ٣٠٩هـ، وقد أخذه بمصر عن أبي جعفر الدينوري رواية، ولكن الهمم لم تنصرف إلى استظهاره إلا في القرن الخامس كأنهم جعلوا ذلك منافسة، وقد ذكروا أن عبد الملك بن سراج إمام أهل قرطبة المتوفى سنة ٤٨٩هـ عكف عليه ثمانية عشر عامًا لا يعرف سواه "ص٣١٢: بغية الوعاة" ومن ذلك العهد ابتدءوا يقررونه ويشرحونه ويملون عليه التعاليق، ومن شراحه أبو بكر الخشني الجياني المتوفى سنة ٥٤٤هـ، وكان الناس يرحلون إليه لتقدمه في الكتاب، وهو من مفاخر الأندلسيين "ص١٠٥: البغية"؛ ولابن الطراوة النحوي الذي سيأتي ذكره في علماء القرن السادس كتاب سماه "المقدمات على كتاب سيبويه"، وشرحه ابن خروف المتوفى سنة ٦٠٩هـ وقد أملى إبراهيم بن عيسى المعروف بابن المناصف المتوفى سنة ٦٢٧هـ على قول سيبويه هذا باب علم الكلم من العربية، وهو في بضعة أسطر عشرين كراسًا "ص١٨٤: البغية" وكذلك كان لابن الحاج إملاء عليه، وكان يقول: إذا مت يفعل ابن عصفور في كتاب سيبويه ما شاء، وابن عصفور توفي سنة ٦٦٩هـ، وكثر حفاظ هذا الكتاب في القرن السادس، فكان فيه غير من ذكرناهم: محمد بن عبد المنعم، يسرده بلفظه، وهو أحفظ أهل زمانه؛ وجابر بن محمد الحضرمي الذي كان زعيم وقته بإقرائه والتقدم فيه؛ وخلف بن يوسف الذي كان يحفظ مع هذا الكتاب كتبًا أخرى كـ"أدب الكاتب" و"المقتضب" و"الكامل" للمبرد وغيرها؛ وأبو عامل بن عبد الله الأشبيلي المعروف بابن الجد الذي قال فيه ابن ملكون: من قرأ كتاب سيبويه على ابن الجد فما عليه أن لا يقرأه على سيبويه؛ وفي هذا العصر كان أحمد بن عبد النور النحوي المتوفى سنة ٧٠٢هـ لا يقرأ الكتاب

стр. 724

فكانوا يقولون لا يعرف شيئًا! "ص١٤٢: البغية" وزادوا على ذلك في القرن السابع حتى انتهت الرياسة إلى أبي الحسن الأشبيلي المعروف بابن الصائغ المتوفى سنة ٦٨٠هـ وقد شرحه وكان له في مشكلاته عجائب. قال في "بغية الوعاة": وأما فهمه وتصرفه في كتاب سيبويه فما أراه سبقه إلى ذلك أحد. وكان يعاصره إمام الأدب الأصبحي المتوفى سنة ٧٧٦هـ، وله شرح على هذا الكتاب؛ ثم كان في القرن الثامن جماعة أشهرهم أبو حيان، -وسيأتي ذكره- وله تعاليق مهمة على هذا الكتاب وتجريد لأحكامه واختصار فيه للطلبة المبتدئين. علماء العربية والأدب: بقي أن نذكر أسماء المشاهير من علماء العربية بالأندلس غير من ذكرناهم وقد أبقينا لهذا الموضع أسماء الشعراء وأئمة الأدب؛ لأننا إنما نتفادى من الإطالة بسرد الطائفة الواحدة، ولا نعتمد إلا أن يكون وفاء البحث في جملة أجزائه لا في بعضها، وهي طريقتنا التي نجري عليها في هذا الكتاب: كان في القرن الثاني حمدون النحوي بعد المائتين -وقد سبق ذكره- وكان هو والمهدي متعاصرين ولهما زعامة النحو واللغة، إلا أن المهدي امتاز باللغة وامتاز حمدون بالنحو ... فكان [فيه] الغاية التي لا بعدها، وقد أخذ عن علماء ذلك العصر ابن وضاح والخشني ومطرف بن قيس. واشتهر في القرن الخشني القرطبي، وهو نحوي لغوي شاعر لقي بالمشرق السجستاني والرياشي والزيادي، وأدخل الأندلس كثيرًا من اللغة والشعر الجاهلي، وتوفي سنة ٢٨٦هـ عن ثمانين سنة. وكان يعاصره محمد بن عبد الله القرطبي وهو الذي أخذ عنه أهل الأندلس الأشعار المشروحة. ومحمد بن عبد السلام بن ثعلبة؛ وقد أدخل الأندلس أيضًا كثيرًا من كتب اللغة والشعر الجاهلي. وجابر بن غيث اللبلي النحوي الشاعر الأديب المتوفى سنة ٢٩٩هـ. ومحمد بن أصبغ المتوفى سنة ٣٠٦هـ وهو مولى الوليد بن عبد الملك. وهشام بن الوليد النحوي العروضي الأديب، وهو مؤدب أولاد الناصر توفي سنة ٣١٧هـ. ومحمد بن يحيى المعروف بالرياحي مؤدب المغيرة بن الناصر، وهو إمام في العربية والأدب، فقيه شاعر. وأحمد بن إبراهيم بن أبي عاصم، حافظ للعربية والغريب، متقدم في النقد، شاعر منفرد، شرح أكثر دواوين العرب، توفي سنة ٣١٨هـ. وقاسم بن أصبغ "٢٤٧-٣٤٠هـ" وهو فرد في النحو والغريب والشعر، وكانت إليه الرحلة بالأندلس كما كانت بالمشرق يومئذ لأبي سعيد بن الأعرابي. [ثم] أبو عبد الله المعروف بابن خنيس، وكان كاتبًا بليغًا عالمًا باللغة والغريب والأخبار والتاريخ توفي سنة ٣٤٣هـ.

стр. 725

ومحمد بن أصبغ المتفنن في العلو من النحو واللغة والحساب والفرائض والشعر وغيرها، وتوفي سنة٣٤٤هـ. [وممن] نبغ في القرن الرابع محمد بن أبان المتوفى سنة ٣٥٤هـ، وكان فردًا في اللغة والعربية والأخبار والتواريخ؛ فكان مكينًا عند المستنصر. وابن القوطية القرطبي إمام اللغة والعربية في زمنه، [توفي] سنة ٣٦٧هـ. وأبو بكر القرطبي المعروف بابن العريف النحوي، قيل إنه صنع لولد المنصور بن أبي عامر مسألة فيها من العربية ٢٧٢٠٩ أوجه، وتوفي سنة ٣٦٧هـ. والحسين بن الوليد من مؤدبي أولاد المنصور أيضًا، وهو شاعر أستاذ في الأدب إمام في العربية. وأبو بكر الزبيدي الأشبيلي واحد عصره في النحو واللغة، وقد أدب ولد المستنصر، توفي سنة ٣٧٩هـ. وأحمد بن أبان بن سعيد صاحب شرطة قرطبة، الإمام في العربية واللغة صنف كتاب "السماء والعالم" في اللغة، مائة مجلد، وقد رأينا هذا الاسم في كتب أرسطاطاليس التي ذكرها ابن القفطي، وقال: هو أربع مقالات في الطبيعة نقله ابن البطريق "ص٣٠" وتوفي ابن أبان سنة ٣٨٢هـ. ومحمد بن عاصم النحوي من كبار الأدباء، توفي سنة ٣٨٢هـ. وقد أوردنا فيما سبق أسماء أكثر علماء القرن الخامس، ولكنا نذكر منهم هنا محمد بن سليمان المعروف بابن أخت غانم، وهو من أحفظ أهل زمانه للنحو واللغة، لا سيما كتب أبي زيد والأصمعي وتمام بن غالب بقية شيوح اللغة الضابطين لحروفها الحاذقين بمقاييسها، وكان إمامًا فيها ثقة في إيرادها توفي سنة ٤٣٣هـ. وابن سيده صاحب كتاب "المخصص" وغيره، وهو فرد في اللغة والنحو متوفر على علوم الحكمة، توفي سنة ٤٥٩هـ. وغانم بن وليد المالقي المتوفى سنة ٤٧٠هـ وكان أهل الأندلس يعدون أئمة الأدب في ذلك الوقت ثلاثة: أبو مروان بن سراج بقرطبة، والأعلم الشنتمري بأشبيلية، وغانم هذا بمالقة، لكن زاد غانم عليهما بالفقه والحديث والطب والكلام، أما أبو مروان فهو الشاعر النحو الإمام في الأدب، توفي سنة ٤٨٩هـ، وكان الأعلم عالم اللغة والعربية والشعر، وقد توفي سنة ٤٧٦هـ. وممن ختمت بهم هذه المائة سراج بن عبد الملك بن سراج النحوي، وكان يجتمع إليه أربعون وخمسون من مهرة النحاة، كابن أبي فرس، وابن الأبرش، وكلهم إليه مفتقرون، لوقوفه على مواد النحو وأشعار العرب ولغاتها وأخبارها، وقد توفي سنة ٥٠٨هـ. المائة السادسة: ثم كان [من] مشاهير القرن السادس محمد بن عبد المنعم أبو عبد الله السبتي من صدور الحفاظ

стр. 726

لم يستظهر أحد في زمانه من اللغة ما استظهره، آية تتلى ومثالًا يضرب، وقد امتاز عن سائرهم بأنه كان يعرب أبدًا كلامه. وأبو محمد اللوشي البارع في الأدب والنحو واللغة والكتابة والشعر والخطابة، وقد أخذ أدباء عصرهم عن الثلاثة الذين مر ذكرهم، وتوفي سنة ٥١٨هـ. وأبو محمد البطليوسي المتبحر في اللغات والآداب، وله يد في العلوم القديمة، وهو شارح "أدب الكاتب" لابن قتيبة، وكتابه "الاقتضاب" مشهور، توفي سنة ٥٣١هـ، وقد رأينا في "بغية الوعاة" للسيوطي في ترجمة أبي العباس ابن بلال اللغوي المتوفى سنة ٤٦٠هـ أن ابن خلصة النحوي نسب إليه شرح "أدب الكاتب" المسمى "الاقتضاب"، وذكر أن ابن السيد البطليوسي أغار عليه وانتحله "ص١٧٥" وهذا عجيب، والله أعلم بحقيقته. وجعفر بن محمد بن مكي، وكان عالمًا باللغات والآداب، ذاكرًا لهما، معتنيًا بما قبله منهما، ضابطًا لذلك، وعني بهما العناية التامة، وجمع من ذلك كتبًا كثيرة كان له بها اليد الطولى الباسطة في علم اللسان. وأبو الحسين بن الطراوة، نحوي ماهر وأديب بارع، يقرض الشعر وينشئ الرسائل البليغة، وله آراء في النحو تفرد بها وخالف فيها جمهور النحاة، وعلى الجملة كان مبرزًا في علوم اللسان كلها، وتوفي سنة ٥٢٨هـ عن سن عالية. ومحمد بن يوسف المعروف بابن الاشتراكواني، المتوفى سنة ٥٣٨هـ، كان لغويا أديبًا شاعرًا معتمدًا في الأدب فردًا في وقته، وهو صاحب "المقامات اللزومية" الشهيرة -وسيأتي ذكرها في موضعها- وقد اعتمد عليه أبو العباس بن مضاء في تفسير "كامل" المبرد لرسوخه في اللغة العربية. والوزير ابن أبي الخصال "سنة ٤٦٥-٥٤٠هـ" وكان على براعته في الفقه وصناعة الحديث والمعرفة برجاله والتقييد لغريبه، فردًا في اللغة والأدب والنسب والتاريخ، إمامًا متفقًا عليه، متحاكمًا إليه في الكتابة والشعر، لم يكن في عصره مثله، حتى قال بعضهم إنه كان آخر رجال الأندلس علمًا وفهمًا وذكاء وتفننًا في العلوم. ومحمد بن أحمد أبو عامر الوزير الكاتب، كان لغويا أديبا شاعرًا عارفًا بالتاريخ والأخبار، وهو من المؤلفين في ذلك كله، وكان موجودا بعد سنة ٥٥٠هـ. وأبو العباس الجراوي المالقي المتوفى سنة ٥٦١هـ، وكان على بلاغته في الشعر والكتابة من كبار النحاة والأدباء بالأندلس، درس هذين الفنين كثيرًا وأدب في آخر أيامه لبني عبد المؤمن بمراكش. وأبو بكر بن قبلال الأديب اللغوي الكاتب الشاعر النحوي الطبيب توفي سنة ٥٧٣هـ. وأبو بكر الأشبيلي المعروف بالخدب أستاذ ابن خروف قريبًا من سنة ٥٨٠هـ، وكان من حذاق النحويين وأئمة المتأخرين، يرحل إليه في العربية، واشتهر بكتاب سيبويه وطرره المدونة عليه. والخدب: الرجل الطويل.

стр. 727

ومحمد بن جعفر المرسي الأديب الكاتب النحوي الذي كان إليه المرجع في إيضاح مبهم الكتب وفتح أقفالها، توفي سنة ٥٨٧هـ. وداود بن يزيد الغرناطي المتوفى سنة ٥٧٣هـ، كان يقرئ العربية واللغة والأدب، وهو عالي المرتبة في ذلك رفع الطبقة، قيل: فيه إنه كان آخر النحاة بغرناطة. وعبد الرحمن بن محمد المعروف بالمكناسي، المتفنن في ضروب الآداب واللغات، الحافظ لأيام العرب وفرسانها، الكاتب البارع الشاعر البليغ، واشتهر بعمل المقامات خصوصًا اللزومية منها -وسيأتي ذكره في بحث الصناعات اللفظية- توفي سنة ٥٩١. وقاضي الجماعة أبو العباس الجياني القرطبي، كان من أصحاب الآراء في العربية وخالف فيها جمهور أهلها، وكان رحلة في الرواية وعقلًا في الدراية، عارفًا بالأصول والكلام والطب والحساب والهندسة، شاعر بارع كاتب بليغ، وتوفي سنة ٥٩٢هـ. وأحمد القرطبي المشهور بالوزغي، المبرز في العربية والأدب، شاعر راوية مكثر، وتوفي سنة ٦١٠هـ. وأبو الحسن بن خروف، إمام العربية في زمنه، وهو أحد [الذين] ملئت كتب العربية بأسمائهم، وتوفي سنة ٦٠٩هـ وهو على التحقيق خاتمة هذا العصر. المائة السابعة: كان في أول هذه المائة، أبو بكر الإشبيلي المعروف بابن طلحة، وهو شاعر أديب إمام في العربية والكلام، توفي سنة ٦١٨هـ. وأبو العباس الشريشي صاحب الشروح الثلاثة على مقامات الحريري، وقد طبع منها الشرح الكبير، وهو أديب مبرز في العربية ذاكر للآداب، كاتب بليغ فاضل ثقة، توفي سنة ٦١٩هـ. وأبو العباس الأشبيلي المعروف بابن الحاج، وكان متحققًا بالعربية حافظًا للغات مقدمًا في العروض، وقد برع في لسان العرب حتى لم يبق فيه من يفوقه أو يدانيه، وهو الذي كان يقول: إذا مت يفعل ابن عصفور في كتابه سيبويه ما شاء! كأنه يرى نفسه خلفًا من سيبويه، وقد مات سنة ٦٤٧هـ. وأبو يحيى محمد بن رضوان الوادي آشي، وكان مضطلعًا بالعربية والفقه والنسب، إمامًا في ذلك، مشاركًا في علوم أخرى من الحساب والهيئة والهندسة وغيرها، توفي سنة ٦٥٧هـ. وأبو علي الإشبيلي المعروف بالشلوبين -ويخطئ النحاة المتأخرون كثيرًا في ضبط هذا اللقب إذ يلفظونه بضم اللام- وقد ضبطه السيوطي وقال إن معناه "بلغة الأندلس: الأبيض الأشقر" وإلى أبي علي هذا انتهت إمامة العربية بالمشرق والمغرب، فكان آخر أئمة هذا الشأن، وكان مع ذلك نقادًا للشعر بصيرًا بمعانيه، وقد أقرأ نحو ستين سنة، حتى لم يتأدب بالأندلس أحد في وقته إلا وأسند إليه مباشرة أو بواسطة، وتوفي سنة ٦٤٥هـ وكان مولده سنة ٥٦٢هـ.

стр. 728

وأبو المطرف المخزومي البلنسي وهو خزانة من خزائن العلوم، كان إمامًا في الفقه عالمًا بالمعقولات والنحو واللغة والأدب والطب، متبحرًا في التاريخ والأخبار، بصيرًا بالحديث، راوية مكثرًا حجة، ناظمًا ناثرًا، يعدونه ثاني بديع الزمان في الكتابة، وتوفي سنة ٦٥٩هـ. وعبد الله بن أبي عامر الكاتب الشاعر الأديب النحوي اللغوي الفقيه المشارك في العلوم، وقد توفي سنة ٦٦٦هـ. وابن الدباغ الأشبيلي؛ وهو على انفراده في ذلك العصر يحفظ مذهب مالك؛ كان عالمًا بالنحو واللغة كاتبًا شاعرًا مؤرخًا، توفي سنة ٦٦٨هـ. وأبو الحسن بن عصفور، وهو وإن كان لم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو إلا أنه كان فيه كوكب سمائه وحامل لوائه، ولا يزال اسمه خالدًا في كتب هذا الفن، توفي سنة ٦٦٩هـ. وكان خاتمة أدباء هذا العصر حازم بن محمد القرطبي، شيخ البلاغة والأدب، وأوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض والبيان، لم يجمع أحد من علم اللسان ما جمع، ولا أحكم من معاقد البيان ما أحكم، وكانت له يد في العقليات؛ وذكروا أنه روى عن جماعة يقاربون ألفًا، بين أديب وعالم وحكيم، وقد حوى جملة التاريخ في هذه المائة؛ لأنه ولد سنة ٦٠٨هـ وتوفي سنة ٦٨٤هـ. نكت الأندلسيين: وكان في هذه المائة الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي المؤرخ الشاعر الأديب، ولم نقف على سنة وفاته، وقد عني أتم العناية بفرع لطيف من العلم هو أدب التاريخ؛ فكان يحفظ نكت الأندلسيين قديمًا وحديثًا إلى زمنه، ذاكرا لفكاهاتهم؛ وهم أكثر الناس دعابة وأملحهم نادرة، خرجوا في ذلك صنائع إقليمهم فكأنهم أزهار طبيعتها الحساسة، تقابل أزهار الطبيعة الساكنة. المائة الثامنة: وهي بقية مجد الأندلس؛ لأن القرن التساع كان حشرجة ونزعًا، وهذه المائة شحيحة بالأئمة عقيمة بالأفراد، وقد أخذنا من فحولها ثلاثة غير من ذكرناهم من قبل في أدبائها، وهم: محمد بن علي بن هانئ اللخمي، كان أديبًا إمامًا في العربية لا يشق غباره في استحضار الحجج، وهو صاحب كتاب "الغرة الطالعة في شعراء المائة السابعة"، وتوفي سنة ٧٣٣هـ. وأثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي نحوي عصره، ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه، وكان الإمام المطلق في النحو والتصريف، خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض، وتوفي سنة ٧٤٥هـ. ومحمد بن علي المعروف بابن الفخار كان سيبويه عصره، وعده لسان الدين في "الإحاطة" آخر الطبقة من أهل هذا الفن، وقال فيه: إنه متبحر الحفظ يتفجر بالعربية تفجر البحر، قد خالطت لحمه ودمه، لا يشكل عليه منها مشكل، ولا يعوزه توجيه، ولا تشذ عنه حجة ... وقل في الأندلس من

стр. 729

لم يأخذ عنه من الطلبة، وتوفي سنة ٧٥٤هـ. كلمة في تراجم هذا البحث: وبعد؛ فإنا لم نورد هذه الأسماء؛ لأنها أسماء فقط؛ إذ ليس كتابنا هذا من سجلات الإحصاء، وإنما أوردناها على أنها معاني ذلك التاريخ، يظهر منها سير الفنون والعلوم إلى كمالها، فإن قيمة العصر بمن يمتازون من أهله، وعلى حسب كثرتهم وقلتهم يكون وزن اعتباره ومنزلته في المقارنة بينه وبين سائر العصور، وإنما الدولة أمة، والأمة على مقدار الرءوس التي تعمل لها، وهذه الرءوس على مقدار العقول التي تضبطها، وتلك العقول على مقدار الأرواح التي تتميز بالاستئثار والزعامة في أصول الحضارة وفروعها، وما هذه الأرواح الكبيرة إلا أرواح النابغين. من أجل ذلك أسقطنا من هذه الترجمة التي سقناها في هذا البحث كثيرين ممن لم يتحققوا بالفنون، واقتصرنا على الأئمة والأقطاب، وما منهم إلا من تكتب في ترجمته الأسطر الكثيرة على تحري الإيجاز ومعاناة الاختصار، هذا إذا لم تبسط تلك الترجمة بسطًا يتناول حالة النشأة العلمية وكهولتها في كل مترجم، وذلك بدرس المذاهب والآراء، وإيراد الشواهد عليها من مواد العلوم المختلفة، وهو منزع بعيد الشقة يحتاج إلى مصابرة ومطاولة، ويخرج إلى أن يكون كتابًا برأسه. ونحن إنما عنينا بما جئنا به هذا البحث خاصة؛ لأن أكثر العلماء والأدباء أهملوا الأندلسيين وخلطوا مشاهيرهم بغيرهم، غير مميزين بين عصر وعصر، ولا مفرقين بين طبقة وطبقة؛ واقتصروا مع ذلك على أفراد منهم لا تكافئ جملتهم حضارة تلك الأمة، ولا يستدل بها على شيء من ذلك المجد فأردنا أن نثير تلك الدفائن؛ ونفتح من كنوز التاريخ تلك الخزائن؛ وجملة من ذكرناهم تكشف أشعتهم عن ذلك النور الذي غطته ظلمات التاريخ من الجو العربي فألقت عليه سحابة من النسيان، وتركته قطعة مظلمة كأنه من مهملات الزمان.

стр. 730

مصرع العربية في الأندلس مدخل ... مصرع العربية في الأندلس: من قواعد الاجتماع أن الأفراد يموتون ولكن الأمة تبقى، فكأنهم بموتهم يفسحون مكانًا للسمو الذي يكون مظهره تجدد الحوادث وتبدل العقول، ولكن ذلك شأن الأمة حين تكون أمة بالمعنى الاجتماعي أيضًا، فتكون بمنجاة من أسباب الانقراض، بعيدة عن عفونة التاريخ القديم وجراثيمه التي تهب بها الفتن والنكبات؛ وما أصيبت أمة بها إلا اضطربت أحوالها الاجتماعية وعن أجزائها الخلل والفساد، فلا تزال تتقلب حتى تصيب مصرع الخبب، وتعرف العقوبة من قبل أن تعرف الذنب!. وكذلك كان شأن الأندلسيين: أخذتهم الفتن الأخيرة حتى كاد الفرد منهم يموت فيموت به جزء من الأمة، حتى صاروا في آخرة أمرهم نسلا شاذا وحثالة رديئة، فلفظتهم تلك الأرض كما يلفظ القيء، وذهبوا بعد ذلك كما يذهب كل شيء. ونحن نريد الآن أن نبين كيف صرعت العربية بعد أن صارعت طويلًا، فنأتي على تاريخها في تلك البلاد في الطفولة والكهولة؛ لأننا لم نذكر في كل ما سبق إلا ظاهرًا من حياتها، وبقي تشريح باطنها لتعرف الأسباب والعلل في الحياة والموت: دخلت العربية الأندلس، وكانت هذه البلاد يومئذ زاهرة بآداب اللغة اللاتينية التي كان يقوم عليها رجال الدين، حتى كانت أشبيلية يومئذ مركزًا علميا ثابت الدعائم بعناية أسقفها القديس إيزيدورس، فصدمتها العربية صدمة فزع لها أولئك الأساقفة؛ فكانوا يعملون على تقوية مادتها والاحتفاظ بها، فصارت بغيرتهم كأنها من الدين، حتى أصبحت البيع والأديار مدارس تلك الآداب، ولا سيما طليطلة وقرطبة وأشبيلية؛ فكانت تدرس فيها الآداب اللاتينية مع علم اللاهوت. غير أن ذلك كله إنما كان عمل أفراد لا عمل أمة؛ وقد غفل أولئك المتنطعون عن هذه الحقيقة، وتناسوا ما كانت تغلي به قلوب الشعب الإسباني من النقمة على حكومته والخروج عليها؛ وقد كان اليهود يومئذ -وهم خزائن الذهب وأقطاب التجارة- في أشد الظمأ إلى بريق سيوف العرب، حيث كان الملك ورجال الدين الكاثوليكي يسومونهم سوء العذاب ويبلونهم بالعنت الشديد، إذ خشوا امتداد سلطانهم وشوكة أموالهم، خصوصًا بعد أن دبر الإسرائيليون مكيدة ظاهرهم عليها قبائل البربر واليهود من أهل أفريقية، فكادوا بها يضبطون زمام المملكة الإسبانية، وذلك قبل فتح طارق بسبع عشرة سنة "٦٩٤ للميلاد". غير أن أمرهم انكشف وانكشفت معه رقابهم للسيوف، حتى كادوا ينقرضون، لو لم يستخلصوا أرواح بقيتهم بسيوف العرب؛ ولذلك مالئوهم واطمأنوا إليهم ونصبوا أنفسهم لحماية المدن التي يفتحها الغزاة؛ وكذلك شأن العبيد في النقمة على الإسبانيين، حتى إن قرطبة سلمها للعرب راهب منهم، وقد غمسوا أيديهم في دماء وفتن كثيرة، فكان كل ذلك مما حملهم على تلقف العربية وبثها في سواد الأمة وتهيئتهم للاستعراب. ولما رأى المسيحيون الأحرار أناة العرب وتسامح الإسلام، وأن أعناقهم لا تحملها الأكتاف إلا

стр. 731

بفضل هؤلاء القوم، دخل أكثرهم فيما دخل فيه العبيد واليهود استسلامًا وإسلامًا، وحببت إليهم الأخلاق العربية حتى صار أشرافهم ممن أمسكوا عليهم دينهم يحجبون النساء ويقلدون المسلمين في الزي وكثير من العادات؛ ثم اندفعوا في ذلك بعد أن صارت الدولة للعرب، فلم تمض على الفتح ثلاثون سنة حتى أصبح الناس يخطون الكتب اللاتينية بأحرف عربية، كما كان يفعل اليهود بكتبهم العبرية، وما انقضى عمر رجل واحد حتى ألجأتهم الحاجة إلى ترجمة التوراة وقوانين الكنيسة إلى العربية، ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها. وبعد أن ظهرت أبهة الملك في زمن الأمويين وسما فرع الحضارة العربية في تلك البلاد؛ تحول أهلها فيما تحول من طبيعتها، حتى كانت الغيرة يومئذ على الآداب اللاتينية أسخف ما يرمى به أهل السخف؛ وقد نقل روزي في كتابه "تاريخ المسلمين في إسبانيا" أن بعض رؤساء الدين المسيحي كان يضطرم سخطًا على أدباء المسيحيين أنفسهم؛ لأنهم بالغوا في تعصبهم للعربية حتى تناولوا الشعر والأدب والفلسفة تقويمًا لألسنتهم وتهذيبًا لملكاتهم بدلًا من أن يتذرعوا بذلك إلى تسفيه الأدب العربي ونقض المدينة الإسلامية، قال: "وكيف السبيل إلى إيجاد رجل من العامة يقرأ التفاسير اللاتينية على الكتب المقدسة، ومما يؤسف له أن نشء المسيحيين الذين نبغت قرائحهم لا يعرفون غير العربية وآدابها فهم يتداولون الكتب العربية ويجمعونها بالأثمان الغالية يؤلفون بها الخزائن الممتعة، وإذا حدثتهم بكتب دينهم وآداب لغتهم أعرضوا عنك أزورارًا وأنغضوا رءوسهم استهزاء؛ وهي أشد وأعظم من أن ينسى المسيحيون لغتهم وهي بقية الجنسية حتى لا تجد في الألف منهم واحدًا يحسن أن يكتب كتابًا إلى صديق له بأبسط عبارات اللغة اللاتينية؟ ". وما جاء القرن الخامس حتى كان المجاورون للعرب من أهالي فرنسا وشمال إسبانيا ينكبون عن تناول الشعر اللاتيني ويكبون على التأديب بالشعر العربي، حتى صار فقراؤهم بعد ذلك وأهل الكدية منهم يمدحون بالقصائد والموشحات العربية على الأبواب ويستعطون بها في الطرق، فاعتبر كيف يكون وسط الأندلس إذا كانت هذه حال أقاصيها الأعجمية؟ ومنذ سقطت طليطلة سنة ٤٧٨هـ وكانت في يد يحيى بن ذي النون ودخلها ألفونس السادس الذي كانوا يلقبونه بملك الدينيين، أراد أن يستبقي ماء الحياة العربية في روح مملكته، وساعدته الفتن والنكبات فقذفت إليه من مضطهدي الفلاسفة وغيرهم، وبهم نبغ رجاله، كالسيد كامبدور الذي كان يجيد المنطق العربي كأنه عريق فيه؛ وكان يومئذ في طليطلة مدرسة عربية كان من أساتذتها محمد بن عيسى المقامي وأحمد بن عبد الرحمن الأنصاري وغيرهما، وبهذه المدرسة تماسكت العربية حتى أنشأ ريمون رئيس الأساقفة التراجمة بطليطلة، وبها رجعت العربية إلى الحياة.

стр. 732

اليهود بالأندلس وترجمة كتب الفلسفة: ليهود الأندلس شأن مهم في تاريخ الفلسفة؛ لأنهم حفظوها لأوروبا -كما ستعرف- وقد كان منهم في القرن السادس موسى بن ميمون الإسرائيلي الحكيم، وهو رجل يتحقق بالفلسفة والرياضيات والهيئة والطب، ويسميه اليهود موسى الثاني؛ لأنه من كبار أحبارهم؛ وقد نزح عن الأندلس بأهله فرارًا من الاضطهاد بعد أن أظهر فيها الإسلام زمنًا، والتجأ إلى مصر، فاشتمل عليه القاضي الفاضيل المتوفى سنة ٥٩٠هـ ونظر إليه وقرر له رزقًا؛ فتناول هذا الحكيم فلسفة ابن رشد وقابلها بلغة أرسطو اليونانية، ثم استخلص من مزيجهما فلسفة صنع بها الشريعة لقومه، ولذلك أنكرها عليه مقدمو اليهود، وأشار المقريزي إلى ذلك بأن يعلم قومه الكفر والتعطيل. ولا محل هنا لبسط هذه الآراء، ولكننا نقول إن هذا الرجل هو أول من أذاع فلسفة ابن رشد بين اليهود بما بثه منها في كتبه, وأخذ عنه في قراءته، ولما بالغوا في اضطهاد اليهود التجأ أكثرهم إلى طليطلة وما وراءها، ومنهم تلامذة الفلاسفة، ومن بقي منهم كان يظهر الإسلام ويصلي في المساجد ويقرئ أولاده القرآن، وما كان ذلك كان لينفعهم، فأمر أبو يوسف المتوفى سنة ٥٩٥هـ من ملوك الموحدين أن يتميزوا بلباس يختصون به, فظهروا فيه بأشنع صورة إذ كانوا يتخذون بدلًا من العمائم كلوتات كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم "ص٢٠٣: المعجب"، وذلك لأن أبا يوسف كان يشك في إسلامهم، ولو صح عنده لتركهم، ثم تناسي أكثرهم العربية فشعروا بالحاجة إلى نقل كتب الفلسفة إلى لغتهم العبرانية، وقد أخذوا في ذلك، وأول من شرع منهم فيه أسرة تدعى أسرة طيبون، كان أصلها من الأندلس ثم هاجرت إلى لونل في فرسنا، فترجم اثنان من رجالها وهما موسى بن طيبون وصموئيل بن طيبون بعض تلاخيص ابن رشد في فلسفة أرسطو، وهما أول من نقل فلسفة حكيم قرطبة إلى غير العربية. ووافق ذلك عهد الإمبراطور فردريك الثاني عاهل ألمانيا، وكان يعرف العربية، تلقاها من بعض أهلها في صقلية، والعرب يومئذ منتشرون فيها وفي نابولي. وقد احتذى فردريك هذا مثال الإمبراطور شارلمان الذي كان معاصرًا لهارون الرشيد في بث المعارف وإنشاء المدارس ومحبة العلم وحماية أهله فكانت حضرته غاصة بالمترجمين والعلماء الوافدين حتى من بغداد. وهو الذي عهد إلى اليهود في ترجمة الفلسفة العربية إلى العبرانية واللاتينية، وقد ألف له يهوذا بن سليمان الطليطلي في سنة ١٢٤٧م كتاب "طلب الحكمة" واعتمد فيه على فلسفة ابن رشد، وأخرج له يعقوب بن أبي مريم حوالي سنة ١٢٣٢م عدة كتب من تأليف حكيم قرطبة، وتقدم إلى ميخائيل سكوت بترجمة فلسفة أرسطو عن العرب، فنقلها عن ابن رشد، ولذلك اعتبروه أول من أدخل فلسفته إلى أوروبا، وكذلك فعل هرمان الألماني في عهد هذا الإمبراطور، إلا أنه على ما يقال، اعتمد في ترجمة كتبه على بعض عرب الأندلس ممن يعرفون مصطلحات تلك الفنون. ثم أخذ اليهود في إخراج هذه الكتب وغيرها إلى العبرانية واللاتينية، كما فعل كالوتيم في أوائل القرن الرابع عشر للميلاد، فقد ترجم كتبًا لابن رشد إلى العبرانية، وترجم كتابه "تهافت التهافت" إلى اللاتينية سنة ١٣٢٨م، وفي هذا القرن ظهر الفيلسوف اليهودي لاوي بن جرسون المعروف عند الإفرنج بلاون الأفريقي، وقد صنع بفلسفة ابن رشد ما صنعه ابن رشد بفلسفة أرسطو، فأخرجها شرحًا وتلخيصًا ثم كان آخر فلاسفتهم في القرن الخامس عشر إلياس دل مديجو الذي كان أستاذًا في كلية بادو -التي أومأنا إليها في بعض ما سلف- وضعفت بعد ذلك فلسفة اليهود المستخرجة من فلسفة ابن رشد العربية، إذ قام أعداؤها في أوائل القرن السادس عشر يزيفونها، ومن أجل ذلك نشر موسى المتسينو كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي سنة ١٥٣٨م.

стр. 733

ترجمة الفلسفة العربية في أوروبا: كان مبدأ ذلك في طليطلة في القرن الثاني عشر للميلاد، حتى أنشأ دريموند رئيس الأساقفة مدرسة للترجمة، وهي المدرسة الأولى من نوعها، وذلك من سنة ١١٣٠ إلى ١١٥٠م، وقد جعل رئيس التراجمة فيها الأرشيدوق باكر دومينيك لتحقيق الألفاظ اللاتينية المترجم بها. وكان أشهر تراجمة اليهود في هذه المدرسة يوحنا الأشبيلي، فأخرجوا إلى اللاتينية كتبًا كثيرة من مؤلفات ابن سينا، ثم نقلوا بعض كتب لأبي نصر الفارابي والكندي؛ وقيل هذه المدرسة كان بعض الأفراد قد نقلوا كتبًا من الرياضيات والطب والفلك، مثل قسطنطين الأفريقي وجربرت وأفلاطون دي تريفولي وغيرهم. وفي القرن الثالث عشر للميلاد كان اليهود في الأندلس أقدر التراجمة وذلك في عهد ألفونس العاشر ١٢٥٢م-١٢٨٤م خليفة القديس فرديناند الثالث، إذ كان هذا الألفونس من أوفر الملوك عقلًا، فأراد أن يصنع بإسبانيا مثل ما صنعه العرب، فأسس بأشبيلية مدرسة عربية لاتينية، وترك مدينة مرسيه على ما كانت عليه من الرونق العربي، واستدعى إلى عاصمته العلماء والأدباء من العرب واليهود وغيرهم، وأسس بهم مدرسة طليطلة الثانية التي كانت تجمع إلى التقاليد اللاتينية فنون الحضارة العربية والعلم العبراني؛ وظل اليهود يترجمون كتب الفلسفة والتاريخ والفلك العربية بما عليها من الشروح، وكان زان بن زاكب، ويهوذا هاكون والربان زاك، هم الذين نقلوا لألفونس جمهرة تلك الكتب العربية. وقد نشأ من علماء المسلمين من يعلم بتلك الألسن المختلفة؛ كمحد بن أحمد القرموطي المرسي وكان من أعرف أهل الأندلس بالعلوم القديمة: المنطق، والهندسة والعدد والموسيقى والطب وغيرها، آية الله في المعرفة بالأندلس، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها، وقد بنى له ألفونس في مرسيه مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود. "ص٤٠٩ ج٢: نفح الطيب" ولم نذكره في الفلاسفة؛ لأن هذا الموضع أليق به. وقد نشأ من اليهود بالأندلس شعراء وأدباء، من أشهرهم نسيم الإسرائيلي، وابن سري، وابن الفخاري اليهودي "ص٣٠٤ ج٢: نفح الطيب"، وإلياس بن المدور الطبيب الرندي "ص٣٠٥ ج٢"، وإسماعيل اليهودي وابنته قسمونة "ص٣٠٥ ج٢" وغيرهم، وكانوا يكتبون، ولكن لم ينبغ منهم أحد في الكتابة على ما نعلم، إلا أن يكون ممن ذكرناهم، وما كانت براعتهم في الترجمة إلا من معرفتهم للسانين اللاتيني والعبراني، وهو أمر انصرف عنه المسلمون حتى لم نكد نقف على اسم واحد منهم غير القرموطي.

стр. 734

تنصر العربية: ليس يتم الغلب على أمة من الأمم بتسخير أفرادها واسترقاقهم، ولا بقلب حكومتها من جنس إلى جنس؛ فإن الأشخاص لا يتغيرون وهم هم بما فيهم من الطبائع والأخلاق الوراثية، ولكن الغلب إنما يكون باندماج المغلوب في جنسية الغالب أو مذهبه استدراجًا لجنسيته، ومن أجل ذلك تجهد الأمم الفاتحة والمستعمرة في نشر لغتها وآدابها، فإن لم يكن لها من ذلك ما يوازن آداب المغلوبين عملت على تحويل قلوبهم بالدين، وذلك ما فعله الإسبانيون في أواخر القرن السابع، حيث عملوا على تنصير المسلمين، ولكن بقيتهم يومئذ كانت إلى التماسك والشدة؛ لأن الإسلام والملك لم يزل في جانب من الأندلس وعلى أبوابها، فعمدوا إلى أخذهم بالإقناع والمجادلة، ووكلوا هذا الأمر إلى رهبانهم، فأكب هؤلاء على العربية، ووضع رامون مارتي أحد الرهبان الدومانيكيين أول معجم عربي باللغة الإسبانية سنة ١٢٣٠م، وفي أواخر القرن الثامن كان في سلامنكة مدرسة تضم خمسًا وعشرين حلقة للدروس، منها واحدة لليونانية، وأخرى للعبرانية، وثالثة للعربية؛ أقاموها لتلك الغاية؛ ولم ينجل المسلمون عن أرض إسبانيا في القرن الحادي عشر حتى كان في هذه المدرسة سبعون حلقة للدرس، وطارت شهرتها في أوروبا، وكانت شهرة عربية؛ لأنها بفضل علوم العرب استطاعت أن تقرر العلوم الطبيعية والطبية على القاعدة العملية التي كان العرب أول من جرى عليها، وبينما كانت تلك العلوم في أوروبا لذلك العهد مبنية على التجارب البسيطة مستندة إلى أنواع من الشعوذة والحيل المضحكة. ثم تتابع إنشاء المدارس في القرن الثامن لتعليم الرهبان من الدومينيكيين والفرنسسكيين في جهات من إسبانيا للغاية عينها، ولكن هذه اللغة العربية التي تشبه السحر أخذت أولئك الرهبان بآدابها حتى كانوا هم أنفسهم سبب حياتها والقائمين بالدعوة إليها إلى القرن الثاني عشر للهجرة. وفي أوائل القرن العاشر "سنة ٩٠٤هـ" بعد أن سقط ما بقي من الملك الإسلامي في الأندلس ووهنت تلك الجامعة بين المسلمين، أخذ الإسبانيون يحملونهم على التنصر كرهًا، فمن خافهم عمدوه ومن خالفهم طردوه، ثم تكفل ديوان التفتيش بالمراقبة على عقائد المتنصرين وتطهير مسيحيتهم الحديثة ... وبذلك بطلت حاجة الرهبان إلى البرهان فسقطت الغاية الأولى الباعثة على تعلم العربية وبقيت العربية بلا غاية عند بعضهم إلا نفسها، وبذلك انصرف عنها الطلبة، حتى إن الكردينال اكسيمنس عندما أسس كلية "الكالادي هنار سنة ١٤٩٩م" استنكف أن يضيف إلى دروسها حلقة لتعليم العربية، مع أنه احتذى في تأسيسها مثال مدرسة سالامنكة، وجعل فيها حلقتين للعبرية واليونانية، وبعد ذلك كان الأستاذ الأعظم في سالامنكة في القرن السادس عشر للميلاد، وهو فري لويس دي ليون شاعرًا لاهوتيا وفيلسوفًا يحسن اللغة العبرانية كل الإحسان ولكنه يجهل العربية كل الجهل. ديوان التفتيش: أنشئ هذا الديوان سنة ١٤١٨م بطلب الراهب توركماندا، للتفتيش بين الناس عن أهل العلم

стр. 735

والفلسفة، فإن لم يعثر على أحد منهم فالتفتيش بين الظنون والأوهام؛ لأنهم اتقوا صولة العلوم العربية على المذهب الكاثوليكي. وقد اتخذوا فيه من أنواع التعذيب والاتهام المريب ما ترك في الكتب من بعدهم صفحة من تاريخ جهنم.... وليس من حق كتابنا تفصيل ولا إجمال لتلك الفظائع والمنكرات التي اقترفها رجال محكمة التفتيش وملوك الكثلكة لذلك العهد، مثل شارلكان وفيليب الثاني وفيليب الثالث، ونالوا بها المسلمين واليهود والمستأمنين؛ فذلك مما خلد لهم الخزي في تاريخ قومهم أنفسهم؛ ولكنا نجتزئ بذكر ما نال العربية من أولئك المتنطعين، فإنهم بعد أن طردوا اليهود من الموت إلى الجوع والفقر سنة ١٤٩٢م وأباحوا أموالهم، وطردوا المسلمين من الموت إلى الموت سنة ١٥٠٢م؛ إذ حرم عليهم أن يأخذوا في طريق تفضي إلى بلد إسلامي قرر مجمع لاتران في هذه السنة "١٥٠٢م" أن يلعن كل من ينظر في فلسفة ابن رشيد -وهم يريدون بهذه التسمية كل ما لديهم من علوم الفلسفة العربية- وطفق الدومينكان يتخذون من ابن رشد ولعنه ولعن من ينظر في كلامه صفة من صفات الزلفى والعبادة؛ وبعد ذلك أحرق الكردينال إكسيملس في غرناطة ثمانية آلاف كتاب [خطي] ، ثم صدر أمره سنة ١٥١١م أن تباد كتب العرب من عامة البلاد الإسبانية، فتم ذلك في زهاء نصف قرن، وكأنما كانت حرارة تلك القلوب هي التي تحرق الكتب.... ولولا المنقولات منها إلى العبرية واللاتينية لما بقي من أثر العلوم العربية مشيد ولا طلل. وبقيت بعد ذلك كتب عربية فيخزانة دير الأسكوريال فأراد ديوان التفتيش أن يزيد بها شعلة من شعل نقمته، لولا أن تلطف الماركيز فيلادا فحال دون إحراقها، ولا يزال أكثرها باقيًا إلى اليوم. وكان المتنصرون من المغاربة في ذلك العهد يكتبون العربية بأحرف إسبانية، وهم أذلاء محتقرون من أنفسهم ومن المسيحيين، فحظر عليهم فيليب الثاني سنة ١٥٥٦م استعمال العربية، وأرادهم على أن ينزعوا من أسمائهم التراكيب العربية, وأن يقلدوا المسيحيين في زيهم حتى لا يعلم بهم إلا أنفسهم؛ ولبثوا يسومون المغاربة عذاب الهون حتى طردت آخر فئة منهم سنة ١٠١٧هـ وقد وصل ذلك المقري في "نفح الطيب" ص٦١٧ ج٢. آخرة العربية: وبعد ذلك زهاء قرن من الزمن صار فيه تعلم العربية مظنة الإلحاد ولم تبق مدرسة فريلنك لطغمة الفرنسيسكان في أشبيلية من أساليب تعلمها إلا أثرًا ضئيلًا وكثر أن يكون قليلًا؛ فكان حسب الطالب منها أن يحسن لفظ بعض الأسماء العربية حتى يخرج بذلك إلى أفريقية داعية للنصرانية، وإن كان قد بقي من الإسبانيين من يشتغل من ذلك فهو يضيفه إلى الأعمال التي بينه وبين الله ولا يأخذ في ذلك إلا سرا. جاء عصر شارل الثالث "١٧٥٩-١٧٨٨م" ويلقبونه ملك الفلاسفة؛ فأراد أن يصل آخرة العربية بأولها ويعيد زمنًا رآه مريضًا لم يمت، فاستدعى لذلك رهبانًا موارنة من سورية وبسط لهم يده في البذل والعطاء، وتقدم إليهم في تعليم الإسبانيين لغتهم الدارسة، ولكن ما عسى أن تكون تسع

стр. 736

وعشرون سنة في تغيير الأفكار وتبديل الألسنة؟ ولذلك لم يكد شارل يمضي لسبيله حتى انقطع ذلك العمل، غير أن بث حياة وخصبًا في تلك الأرض الميتة فلم يمض عمر كهل حتى كان في إسبانيا من يجيدون العربية، أمثال القصير وكامبومان والأب بلانكري وغيرهم من الأساتذة المعدودين، ثم انقطع حبل العربية إلى أن اتصل بالمدارس القديمة منتكثًا على عهد إيزابيلا الثانية. فكان على ضعفه ذلك حتى سنة ١٨٤٥م، إذ شرعوا في إصلاح التعليم على يد المسيو جيل دي زارات، وبإخلاص هذا الرجل عادت العربية تدرس في الكليات درسًا مقررًا. ثم تسلمت الحكومة الإسبانية سنة ١٨٥٧م زمام التعليم وتولت إصلاحه فزهت العربية وكثر طلبتها والمقبلون عليها، خصوصًا بعد أن فقدت إسبانيا مستعمراتها في أمريكا وآسيا وعلقت آمالها بمراكش في عصرنا هذا، فنبغ فيها المستشرقون واحتفظوا بما خلفه التاريخ من كتب العرب، ولا يزال ذلك في مكتبة الأسكوريال، ومكتبة الأمة، ومكتبة المجمع العلمي التاريخي، غير المكاتب الخاصة التي جمعها أهل العلم منهم، وقد برز من متأخريهم أفراد مشهورون في فرع اللغة العربية، وامتاز بعضهم بالبراعة في قراءة الخطوط وتاريخها، ونبغوا كذلك في درس الحضارة الإسلامية والنظر في أصول الآداب العربية، واعتنت فئة منهم بدرس اللغات العامية التي تفرعت من العربية الفصحى، وهم بعد في حد التزايد إلى يومنا هذا، وقد صار كثير من البلاد الإسبانية كمجريط الإسبانية "العاصمة" وغرناطة وبرشلونة وبلنسية وغيرها زاهيًا [فيهم] بهذه الآداب، مذكرًا لهم بالمجد العربي القديم, وإنما يتذكر أولو الألباب*!

стр. 737

الباب الثامن *: التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية كتب الشعر: من هذه الكتب ما يخصون فيه الكلام بالشعر نفسه، فيبينون عن وجه المعنى ويكشفون عن طريقة الصنعة؛ ككتاب "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر الكاتب المتوفى سنة ٣٣٧هـ، وكتاب "العمدة" لابن رشيق القيرواني، المتوفى سنة ٤٦٣هـ، وهو أحسن ما وضع في صناعة الشعر ونقده وعيوبه؛ وقد ذكر صاحب "نفح الطيب" أن للأعلم الشنتمري المتوفى سنة ٥٤٩هـ كتابًا في مختصر العمدة والتنبيه على أغلاطه "ص٤٣٥ ج١: نفح الطيب". ومن هذا القبيل كتب البلاغة: كـ"الصناعتين" للعسكري وما كان قبله وما وضع من بعده -كما سنذكره عند الكلام على البديع- ومن كتب الشعر ما هو مخصوص بالطبقات والتراجم، ومنها كتب المختارات والدواوين. الطبقات والتراجم: وهذه هي الكتب التي يخبرون فيها عن الشعراء وأزمانهم وأقدارهم وأحوالهم في أشعارهم وقبائلهم وأسماء آبائهم ومن كان يعرف باللقب أو الكنية منهم، ويذكرون فيها ما يستحسن من أخبار الشاعر وما يستجاد من شعره، وما [أخذ عليه] من الغلط والخطأ [في ألفاظه] وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. وعلى أن هذه هي أركان النقد فهم لا يفيضون فيها ولا يبسطون الكلام عنها، وقليلًا ما يؤمنون إلى المهم منها وخصوصًا المتأخرين؛ لأنهم لا يريدون إلا جهة التاريخ فلا ينظرون إلى الموازنة والترجيح؛ لأن هذا تاريخ عملي لا يكون إلا بين النظراء من طبقة واحدة في العصر، أو استقراء الإجادة الغالبة على شعرهم، وهم إنما يريدون مجموع العصور المختلفة، وكل ما جاء من أقوالهم وكتبهم في الموازنة والتنظير لم يعد أفرادًا معدودين، هم جرير والفرزدق وبشار ومروان بن أبي حفصة ومسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو تمام والبحتري ثم المتنبي. ومما ننبه عليه أن الرواة لم يكونوا يتكلمون في الشعراء إلا بعد موتهم، اتقاء لمعرة اللسان والوقوع فيه؛ وقد جهدوا بأبي عبيدة أن يفضل بين مسلم والنواسي فكان يقول: أنا لا أحكم بين الأحياء. وهذا الأخفش قد طعن على بشار في كلمة [لم يسمع وزنها] عن العرب، فهجاه [بشار] حتى استوهبوا منه عرضه، فكان الأخفش بعد ذلك يحتج بشعره في كتبه ليبلغه "ص٥٤ ج٣: الأغاني"، وكذلك فعل بسيبويه حتى توقاه واستكف شره. ولم يدون من ذلك شيء مقصود بالتأليف إلا كتاب "الموازنة بين الطائيين" للآمدى المتوفى سنة ٦٠٨هـ، وما كتب عن المتنبي كـ"الرسالة الحاتمية" للحاتمي، وذكر مقدمتها ابن خلكان في تاريخه؛ ورسالة الصاحب بن عباد في إظهار مساوئ المتنبي، وقد عمل بعدها القاضي أبو الحسن علي بن عبد

стр. 738

العزيز الجرجاني كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" في شعره، قال الثعالبي: إنه استولى بها على الأمد في فصل الخطاب "ص٢٣٩ ج٢: يتيمة الدهر" وسنستوفي ذلك في ترجمة المتنبي. أما كتب الطبقات فأشهرها طبقات أبي عبيدة الراوية المتوفى سنة ٢٠٩هـ، ومحمد بن سلام الجمحي المتوفى سنة ٢٣١هـ، ومحمد بن حبيب النحوي المتوفى سنة ٢٤٥هـ، وطبقات ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٩٦هـ "أو ٢٧٦هـ" وهي المعتمد عليها في هذا الباب، قصد فيها إلى المشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب والنحو، وعد من هؤلاء ١٨٠ شاعرًا، وقد جرى في ناحيته السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، فوضع كتابًا جمع فيه الذين يحتج بكلامهم من شعراء العرب. وأما كتب الأخبار فكتاب "الباهر" لابن المنجم نديم المكتفي بالله المتوفى سنة ٣٠٠هـ، وهو في أخبار شعراء مخضرمي الدولتين، ابتدأ فيه ببشار بن برد؛ وآخر من أثبت فيه مروان بن أبي حفصة؛ ولم يتمه، وتممه ولده أبو الحسن أحمد بن يحيى، وعزم على أن يضيف إلى كتاب أبيه سائر الشعراء المحدثين، فذكر منهم أبا دلامة ووالبة بن الحباب ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وأبا علي البصير "ص٣١١ ج٢: فوات الوفيات". وكتاب "الأغاني" الشهير لأبي الفرح الأصبهاني المتوفى سنة ٣٥٦هـ، وهو نادرة الكتب جمع فيه أخبار ٣٩٥ شاعرًا بين جاهلي ومخضرم وإسلامي ومحدث؛ وهو منقول عن كتب كثيرة وضعت قبله. وأما كتب التراجم التي تجمع من التاريخ والخبر وبعض المختارات، فهي ما زالت تتصل مع الزمان، لم تنقطع إلا في القرن الثالث عشر، وأول ما وضع منها كتاب "البارع" في أخبار الشعراء المولدين، لهارون بن علي المنجم البغداي المتوفى سنة ٢٨٨هـ جمع فيه ١٦١ شاعرًا، وافتتحه بذكر بشار بن برد وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، وسنشير إليه في كتب المختارات؛ وهذا الكتاب هو الأصل الذي احتذاه من جاء بعده، فذيل عليه أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ بكتابه "يتيمة الدهر" الشهير، وترجم فيه شعراء عصره من بلاد كثيرة وأورد من محاسنهم؛ ثم ذيل على اليتيمة أبو الحسن الباخزري المتوفى سنة ٤٦٧هـ بكتابه "دمية القصر وعصرة أهل العصر". ووضع عليه أبو الحسن بن زيد البهي كتابه "وشاح الدمية"، ثم ذيل عليه أيضًا الوراق الخضيري المتوفى سنة ٥٦٨هـ بكتابه "زينة الدهر في لطائف شعراء العصر"، قال ابن خلكان: جمع فيه كثيرًا من أهل عصره ومن تقدمهم، وأورد لكل واحد طرفًا من أحواله وشيئًا من شعره "ص٤٥٢". ووضع معه أيضًا عماد الدين الكاتب الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧هـ كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر"؛ وترجم فيه الشعراء من سنة ٥٠٠هـ إلى سنة ٥٧٢هـ؛ ثم صنع بعده كتاب "السيل على الذيل"، جعله ذيلًا للخريدة، ثم جاء ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦هـ؛ فوضع كتابه "معجم الشعراء"، وله أيضًا كتاب آخر هو "إرشاد الألباء في معرفة الأدباء" وهو المعروف بمعجم الأدباء، وقد طبعت منه بعض أجزاء، ثم وضع ابن خلكان كتابه "وفيات الأعيان" الشهير، وعد فيه طائفة من الشعراء في كل عصر، وذيل عليه أقوام، حتى وضع الكتبي "فوات الوفيات"؛ ثم وضع صلاح الدين الصفدي كتابه "الوافي بالوفيات"، ا. هـ.

стр. 739

فيه إلى آخر سنة ٧٦٠هـ وذكره صاحب "كشف الظنون" وقال: إنه جمع فيه أعيان كل فن. ولا نعرف للمائة التاسعة كتبًا مفردة إلى أن وضع كتاب "سلافة العصر"؛ ووضع الخفاجي كتابه "ريحانة الألبّاء"؛ ووضع المحبي "نفحة الريحانة وخلاصة الأثر"، وكلها تترجم أدباء القرنين العاشر والحادي عشر؛ ثم وضع المرادي "سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر"، وهو ذيل على الخلاصة, وقد وضعت كتب أخرى مقصورة على بعض الأمصار، ككتاب "الأنموذج" لابن رشيق جمع فيه شعراء القيروان والكتب التي صنفها الأندلسيون وهي أبلغ ما كتب من نوعها، وسنذكرها في بحث الأدب الأندلسي إن شاء الله؛ لأنها مقصورة عليهم لم تتناول غيرهم؛ وكذلك صنفوا كتبًا على الأسماء كـ"كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء" لأبي هاشم السجستاني؛ وكتاب "الموشح في أسماء الشعراء" لغلام ثعلب المتوفى سنة ٣٤٥هـ؛ وكتاب "المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء" لحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٧٣١هـ. ومما يذكر في هذا الموضع ما يستوفيه المؤرخون في الكتب الخاصة ببعض البلاد، إذ يستوعبون شعراء البلد الذي يؤرخونه بما لا يوجد في غير تلك الكتب، كـ"كتاب بغداد" لابن أبي طاهر، وقد وجد منه جزء واحد، وهو غير "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، و"كتاب أصبهان" لأبي عبد الله حمزة بن الحسين الأصبهاني، فقد ذكر فيه شعراء أصبهان والكرخ وساق عيون أشعارهم وملح أخبارهم "ص١٢٥ ج٣: يتيمة الدهر". وغير ذلك مما يكون في المعجمات المطولة، وهي كثيرة، أعجب ما وقفنا عليه من أسمائها كتاب "مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب" لابن القوطي البغدادي المتوفى سنة ٧٢٣هـ ذكروا أنه في خمسين مجلدًا "ص٣٨١ ج ٢: كشف الظنون". كتب المختارات: وهي الكتب التي وضعت لانتقاء عيون الشعر أولًا، ثم دخلتها صناعة التبويب بعد ذلك، وقد أطنبوا في صعوبة الاختيار [المرضي] الذي يؤاتي الأذواق على رغائبها، ويتابع النفوس بمطالبها، حتى قالوا: دل على عاقل اختياره، واختيار الرجل من وفور عقله. وقالوا: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنة قطعة من علمه، واختياره قطعة من عقله؛ وحتى أنكروا فيه معارضة المختارات المجمع عليها والأخذ في سبيلها، كما أنكر محمد بن سعيد الكاتب في القرن الرابع على محمد بن علي العجلي تأليفه كتابًا في الحماسة وأعظم ذلك حتى رد عليه أبو الحسين بن فارس علامة همذان وأستاذ بديع الزمان برسالة أورد الثعالبي منها فصلًا "ص٢١٥ ج٣: يتيمة الدهر". ليس ذلك على أن الاختيار في نفسه محظور على أكثر الناس، ولا هو صناعة من الصناعات القائمة بنفسها فيكون للعقل فيه عمل يلزمه التبعة ويأخذه بالعهد، ولكن الشعر من عمل القرائح، وهي متفاوتة، فالاختيار منه لا يحسن إلا من ذي قريحة تشعر، ثم يكون له من البصر بالنقد ما يكشف له مواضع هذا التفاوت، حتى تكون قريحته التي تختار كأنها مجموع القرائح التي نظمت؛ وليس من شاعر سمت به طبيعته إلا وهو يتوهم في نفسه أنواعًا من القول قد لا يسمح بها الطبع إلا الفينة بعد

стр. 740

الفينة، فهو إذا أصاب صفتها في أقوال الشعراء استدل عليها بطبعه وأمضى فيها اختياره ومن ههنا كان الاختيار على التحقيق من وفور العقل. وأول اختيار مدون عند العرب القصائد المعروفة "بالمعلقات" اختارها حماد الراوية المتوفى سنة ١٥٥هـ، ثم "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي المتوفى سنة ١٧٠هـ. ثم "المفضليات" للمفضل الضبي وهي مشهورة، قال أبو علي القالي في "أماليه": إن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة للمهدي، ثم قرئت على الأصمعي فصارت مائة وعشرين؛ وقال في أصحاب الأصمعي إنهم قرءوا عليه "المفضليات" ثم استقرءوا الشعر فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى "المفضليات" وسألوه عما فيه مما أشكل عليه من معانيه وغريبه، فكثرت جدا. "ص١٣١ ج٣: الأمالي". وكان المفضل يؤدب المهدي فتقدم إليه أبو جعفر المنصور أن يعمد إلى أشعار الشعراء المقلين ويختاره لفتاه لكل شاعر أجود ما قال، فاختار هذه القصائد، وهي مشهورة، وقد طبع منها [كذا] قصيدة. ثم اختار الأصمعي القصائد المعروفة بالأصمعيات، وكل هؤلاء لم يختاروا في كتبهم شيئًا للمولدين، حتى جاء هارون بن علي المنجم الذي أومأنا إليه في الفصل السابق ووضع كتاب "البارع في أخبار الشعراء المولدين"، وهو الذي ينقل عنه صاحب "الأغاني" كثيرًا ويشير إلى ذلك بقوله: نقلت من كتاب هارون بن علي، ونحو هذا اللفظ؛ قال ابن خلكان: وذكروا في أوله أن هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبله في هذا الفن، وأنه كان طويلًا فحذف منه أشياء فاقتصر على هذا القدر، ثم قال: إنه يغني عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم، فإنه اختصر أشعارهم وأثبت منها زبدتها وترك زبدها. ا. هـ. وقد تابعه على ذلك من جاء بعده ممن صنفوا في الأخبار والمختارات كما مر في موضعه. ومما ننبه عليه أن الرواة إذا توافى اثنان منهم على اختيار قصيدة واحدة، ذهبت مثلًا في الجودة كقصيدة. ... بكرت سمية غدوة فتمنعي فإن أبا عبيدة لم يجد في وصفها أبلغ من قوله: إنها من مختار الشعر. أصمعية مفضلية"ص٨٢ ج٣: الأغاني". الحماسة: ولكن الذي رزق حظ الشهرة في اختياره وجاء بما غطى على من سبقه، أبو تمام الطائي المتوفى سنة ٢٣١هـ فيما جمعه من كتاب "الحماسة" الشهير الذي قالوا إنه في اختياره أشعر منه في شعره، وتأويل ذلك ما قدمناه من معنى إصابة الاختيار؛ قالوا: وسبب جمعه أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه فأجازه، وعاد يريد العراق، فلما دخل همذان اغتم أبو الوفاء بن سلم فأنزله وأكرمه، وأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطريق، فغم ذلك أبا تمام وسر أبا الوفاء، فأحضره خزانة
следующие страницы →