وبَعَثَ عُبيدةَ بنَ الحارث بن المطلب في ربيع الآخر في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين أيضاً إلى ماءٍ بالحجاز بأسفل ثنية المَرَة، فلَقُوا جمعاً عظيماً من قريشٍ عليهم: عكرمة بنُ أبي جهلٍ، وقيل: بل كان عليهم مِكْرَز بن حفص، فلم يكن بينهم قتالٌ، إلا أن سعد بن أبي وقاص رَشَقَ المشركين يومئذٍ بسهمٍ، فكان أولَ سهمٍ رُمي به في سبيل الله. وفرّ يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقدادُ بنُ عمرو الكندي، وعُتبةُ بنُ غَزْوان ﵄. فكان هذان البعثان أولَ رايةٍ عقدها رسُولُ الله ﷺ ، ولكن اختُلف في أيهما كان أول، وقيل: إنهما كانا في السنةِ الأولى من الهجرة. وهو قول ابن جَرير الطبري (١)، والله تعالى أعلم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كان الهدف من هذه البعوث كما قدمنا: تهديد قوافل قريش التجارية لإفهامها بضرورة تغيير موقفها المتعنت تجاه المسلمين، واستخلاص بعض ما استولت عليه من أموال المسلمين بمكة بعد أن طردتهم منها.
٢ ــ وقد أورد تفاصيل هذين البعثين ابن إسحاق وغيره لكن دون إسناد (٢).
٣ ــ وفي بعث عُبيدة: فضيلة لسعد بن أبي وقاص ﵁ حيث إنه أول من رمى بسهم في سبيل الله.
стр. 107
فصل
غزوة بُوَاط (١) والعُشَيْرة (٢) وبَدْر الأُولى
قال المصنف: «ثم غزا رسُولُ الله ﷺ غزوة بُوَاط، فخرجَ بنفسه ﷺ في ربيع الآخر من السنة الثانية، واستعملَ على المدينةِ السَّائبَ بن عثمان بن مظعون، فسار حتى بلغ بُواطَ من ناحية رَضْوَى، ثم رجعَ ولم يلقَ حرباً.
ثم كانت بعدها غزوة العُشَيْرة، ويقال بالسّين المهملة، ويقال العُشَيْراء. خرجَ بنفسه ﷺ في أثناء جُمَاد الأُولى حتى بلغَها، وهي مكانٌ ببطن ينبع، وأقام هناك بقية الشهر ولياليَ من جُمَادى الآخرة، وصالَحَ بني مُدْلِج، ثم رجع ولم يلق كيداً، وقد كان استخلف على المدينة أبا سَلَمَة بنَ عبد الأسد. وفي صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي، قال: قلتُ لزيد بن أَرقم: كم غزا رسُولُ الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة غزوة، أولها العُشيرة أو العُشيراء.
ثم خرجَ بعدها بنحو من عشرة أيام إلى بَدْرٍ الأُولى، وذلك أن كُرْزَ بن جابر الفِهْري، أغار على سَرْحِ المدينة (٣)، فطلبه، فبلغَ وادياً يقال له سَفَوان في ناحية بَدْرٍ،
стр. 108
ففاته كُرْز فرجع، وقد كان استخلف على المدينة زيد بن حارثة ﵁».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أورد ابن إسحاق تفاصيل غزوتي بُواط والعُشيرة بدون إسناد (١)، لكن البخاري بوب في الصحيح، وقال: "باب غزوة العُشيرة أو العُسيرة" ثم نقل عن ابن إسحاق قوله: «أول ما غزا النبي ﷺ : الأبْواء، ثم بُوَاط، ثم العُشَيْرة» (٢).
٢ ــ وحديث زيد بن أرقم في أول غزوات النبي ﷺ عزاه المصنف لمسلم (٣)، وهو مخرج أيضاً في البخاري بنحوه (٤).
٣ ــ وقد تقدم توجيه المصنف لحديث زيد في أول الغزوات، وأن مقصوده: ما حضره زيدٌ بنفسه مع النبي ﷺ لا أنها أول الغزوات مطلقاً.
وكذلك ما ذكره زيد بن أرقم من عدد الغزوات فقد خولف فيه، حيث أثبت جمهور العلماء للنبي ﷺ (٢٧) غزوة (٥)، ويحتمل أن زيداً تكلم بحسب علمه وخفيت عليه بعض الغزوات (٦)، على أن الحافظ ابن حجر دافع عما قاله زيد بن أرقم، وأوضح أن سبب الاختلاف يرجع إلى طريقة عدّ الغزوات، فبعض العلماء يجعل مثلاً غزوة الأحزاب وبني قريظة واحدة لقربهما من بعض، وبعضهم يجعلهما اثنتين،
стр. 109
وبعضهم يجعل غزوة حنين والطائف واحدة، وبعضهم يجعلهما اثنتين .. وهكذا (١).
٤ ــ وغزوة بدر الأولى ذكرها ابن إسحاق والواقدي وابن سعد جميعاً بدون إسناد (٢). ٥ ــ وقد أسلم كُرز فيما بعد كما ذكر الحافظ ابن حجر (٣).
стр. 110
فصل
بَعْث عبدِ الله بن جَحْش
قال المصنف: «ثم بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ عبدَ الله جَحْش بن رِئاب الأسديّ وثمانية من المهاجِرينَ، وكَتَبَ له كتاباً، وأمَرَه ألا ينظُر فيه حتى يسيرَ يومينِ، ثم ينظُر فيه، ولا يُكره أحداً من أصحابه، فَفعلَ.
ولما فتح الكتاب وجد فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزِلَ نَخْلَة ــ بين مكة والطائف ــ وترصُد بها قريشاً، وتَعْلَمَ لنا من أخبارهم»، فقال: سمعاً وطاعةً، وأخبَر أصحابَه بذلك، وبأنَّه لَا يستكرهُهُم، فمن أحبَّ الشهادة فلينهض، ومن كرِه الموتَ فليرجعْ، وأما أنا فناهضٌ، فنهضوا كلُّهم.
فلما كان في أثناء الطريق أضلّ سعدُ بنُ أبي وقَّاص وعتبةُ بنُ غزوانَ بعيراً لهما كانا يعتقبانِهِ فتخلَّفا في طلبهِ، وتقدَّم عبدُ الله بن جَحْشٍ حتى نزل بنَخلَة، فمرَّت به عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً وأَدَماً وتجارة، فيها عمرُو بن الحضرميّ وعثمانُ ونوفلُ ابنا عبد الله بن المُغيرة، والحَكَمُ بنُ كيْسان مولى بني المُغيرة.
فتشاورَ المسلمون وقالوا: نحنُ في آخرِ يومٍ من رجبٍ الشهر الحرام، فإن قاتلناهُم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهُم الليلة دخلُوا الحرم، ثم اتفقوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عمرَو بن الحضرميّ فقتلَه، وأسروا عثمانَ والحَكَمَ، وأفلتَ
стр. 111
نوفلٌ. ثم قدمُوا بالعير والأسيرين قد عزلوا من ذلك الخمس. فكانت أولُ غنيمةٍ في الإسلام، وأولُ خُمُسٍ في الإسلام، وأولُ قتيلٍ في الإسلام، وأولُ أسيرٍ في الإسلام.
إلَّا أن رسُولَ الله ﷺ أنكرَ عليهم ما فعلوه، وقد كانوا ﵃ مجتهدين فيما صَنَعوا.
واشتدَّ تعنُّتُ قريشٍ وإِنكارُهم ذلك، وقالوا: محمدٌ قد أحلَّ الشهرَ الحرامَ، فأنزلَ الله في ذلك ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، يقول سبحانه: هذا الذي وَقَعَ وإن كان خطأً، لأن القتالَ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ عند الله، إلَّا أن ما أنتُم عليه أيها المشركونَ من الصَّدّ عن سبيلِ الله والكفرِ به وبالمسجدِ الحرام، وإخراجِ محمدٍ وأصحابِه الذين هم أهلُ المسجدِ الحرامِ في الحقيقةِ أكبرُ عند الله من القتالِ في الشهرِ الحرامِ.
ثم إن رسُولَ الله ﷺ قَبِلَ الخُمُسَ من تلك الغنيمة، وأخذ الفِدَاءَ من ذينك الأسِيرينِ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ سرية عبد الله بن جحش أوردها ابن إسحاق في السيرة (١)، وقال ابن حجر: "حديث مرسل، أخرجه ابن إسحاق في المغازي، وإسناده قوي، وله شاهد موصول بإسناد حسن" (٢).
стр. 112
٢ ــ وقد وقعت هذه الحادثة قبل غزوة بدر بشهرين (١).
٣ ــ وفي هذه السرية تتجلى دقة ومهارة النبي ﷺ العسكرية في جوانب عدة، منها: أمره للسرية بالذهاب إلى نخلة وهي مكان بعيد، وذلك لأن قريشاً كانت تجتهد في إخفاء أخبار قوافلها عن أهل المدينة، فغلبهم النبي ﷺ على حذرهم وأراد أخذ أخبارهم من أقرب مكان من مكة.
٤ ــ ومنها: عدم إخباره ﷺ السرية بمقصده من إرسالهم ووجهتهم إلا بعد يومين من مغادرتهم المدينة حذراً من إشاعة الخبر، فربما نقله أحد المنافقين أو اليهود إلى قريش، فتترصدهم في ذاك المكان النائي عن المدينة، وهم قِلَّة فيقتلونهم (٢).
стр. 113
فصل
تحويل القِبْلَةِ وفرضُ الصَّوْم
قال المصنف: «وفي شعبانَ مِنْ هذه السنةِ (١) حُوّلت القِبْلةُ من بيت المقدسِ إلى الكعبةِ، وذلك على رأسِ ستة عشرَ شهراً من مقدَمِهِ المدينة. وقيل سبعة عشرَ شهراً، وهما في الصحيحين (٢). وفُرض صَوم رمضان، وفُرضت لأجله زكاة الفطر قُبيله بيوم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ حاصل الأمر أن النبي ﷺ كان بمكة يستقبل الكعبة (٣)، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله باستقبال بين المقدس تأليفاً لليهود، فاستقبلها ستة عشر شهراً أو سبعة عشر. وكان ﵊ يحبّ أن يستقبل الكعبة، فكان ينظر إلى السماء ويدعو الله ويبتهل حتى نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فتحوّل
стр. 114
إلى الكعبة، وأعلم الناس بذلك (١).
٢ ــ وكان اليهود قد فرحوا باستقبال النبي ﷺ بيت المقدس بادئ الأمر فلمَّا تحوّل إلى الكعبة غضبوا وأرجفوا وأنكروا واتهموا النبي ﷺ بالتناقض والتردد، فنزل الرد الحاسم عليهم في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].
٣ ــ وقد اختلفت الرواية في المسجد الذي كان فيه النبي ﷺ حين نزول الأمر بالتحويل، فقيل إنه كان في مسجد بني سَلَمَة يصلّي الظهر، فأُمر بالتحويل بعد أن صلّى الركعتين الأوليين، فاستدار بمن معه صوب الكعبة، فسمّي مسجد القبلتين، قال الواقدي: "هذا الثبت عندنا" (٢)، وقيل: إنه كان في مسجده بالمدينة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الاختلاف ولم يرجح في المسألة (٣)، لعله لعدم ورود شيءٍ مؤكد يُركن إليه.
٤ ــ وقوله: "وفُرض صوم رمضان": قلت: هذا متفق عليه أن صيام رمضان فُرض في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وكذا فُرضت زكاة الفطر.
* * *
стр. 115
فصل غزوة بَدْرٍ الكُبْرَىَ (١)
قال المصنف: «نذكر فيه ملخص وقعة بدرٍ الثانية، وهي الوقعةُ العظيمةُ التي فرَّق الله فيها بين الحقِ والباطلِ وأعزّ الإسلامَ، ودَمَغَ الكفرَ وأهلَهُ.
وذلك أنه لمَّا كان في رمضانَ من هذه السنة الثانية بلغَ رسُولَ الله ﷺ أن عِيراً مقبلةٌ من الشامِ صُحبة أبي سفيان، صخْرِ بنِ حربٍ، في ثلاثين أو أربعين رجلاً من قريش وهي عِيرٌ عظيمةٌ، تحمل أموالاً جزيلة لقريشٍ، فَنَدَبَ ﷺ الناسَ للخروجِ إليها، وأَمَرَ من كان ظهرُه (٢) حاضراً بالنهوضِ، ولم يحتفل لها احتفالاً كثيراً، إلَّا أنه خرجَ في ثلاثمائة وبضعة عشرَ رجلاً، لثمانٍ خلونَ مِنْ رمضانَ، واستخلفَ على المدينةِ وعلى الصلاةِ ابنَ أمّ مَكتومٍ، فلما كان بالرَّوحاءِ (٣) ردّ أَبا لُبَابَة بنَ عبد المنذر واستعملَهُ على المدينةِ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ معركة بدر من أشهر المعارك في السيرة النبوية الزكية، وقد أوجز المصنف
стр. 116
الكلام فيها، ونحن نوجز الشرح تبعاً له ونعلّق على أهم ما جاء في كلامه.
٢ ــ وقد سمّيت هذه الغزوة ببدر نسبة للموضع الذي وقعت فيه، ويقال لها غزوة بدر الكبرى أو الثانية لأنه تقدم معنا أن هناك غزوة يقال لها غزوة بدر الأولى، وسيأتينا أن هناك غزوة وقعت بعد غزوة أحد بسنةٍ تسمّى غزوة بدر الثالثة أو الموعد. وإذن فهناك ثلاث غزوات ارتبطت بقرية بدر؛ وهي غزوة بدر الأولى وغزوة بدر الثانية وغزوة بدر الثالثة.
٣ ــ وتسمّى هذه الغزوة أيضاً بيوم الفرقان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
سمّيت بهذا الاسم لأنها فرَّقت بين أهل الحق وأهل الباطل بنصر المؤمنين.
٤ ــ وكانت غزوة بدر الثانية هي أول معركة حقيقية تقع بين المسلمين وبين مشركي قريش بعد أن سبقتها مناوشات عدة بين الطرفين.
٥ ـ وقد اتفق علماء السيرة على تأريخ هذه الغزوة بيوم الجمعة، السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين من الهجرة النبوية (١).
٦ ـ وقد وردت إشارات عديدة في القرآن الكريم لهذه الغزوة المباركة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
стр. 117
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
كما أخرج صاحبا الصحيحين أخباراً متفرقة عنها (١).
٧ ـ وغزوة بدر هي من أفضل الغزوات النبوية، وأهلها من أفضل الصحابة، كما جاء في حديث الصحيحين: «لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢).
ولذلك أكثر العلماء عندما يتكلمون عن مراتب الصحابة في الفضيلة يقولون: أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقيّة العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة (٣).
٨ ــ وقد كان سبب هذه الغزوة هو الاستيلاء على قافلة قريش التجارية القادمة من بلاد الشام وما فيها من أموال ومتاع مقابل ما استولت عليه قريش من أموال المسلمين ومتاعهم بمكة بعدما اضطرتهم لمغادرتها والخروج منها.
وأيضاً كان يقصد من هذه الغزوة إضعاف قريش لتوقف عدوانها على المسلمين واضطهادها للداخلين فيه، فقد كانت تستخدم هذه الأموال وغيرها في سبيل تحقيق ذلك (٤).
стр. 118
تحسُّس أَخبار العير:
قال المصنف: «ولم يكن معه مِنْ الخيلِ سوَى فرسِ الزُّبير، وفرسِ المقدادِ بنِ الأسودِ، ومنَ الإِبلِ سبعونَ بعيراً، يعتقب (١) الرجلان والثلاثةُ فأكثرُ على البعيرِ الواحدِ. فرسُولُ الله ﷺ وعليٌّ ومَرْثَد بنُ أبي مَرْثَدٍ الغَنوي يعتقبون بعيراً.
وسارَ ﷺ فلما قَرُبَ من الصفراء (٢) بَعَثَ بَسْبَسَ بنَ عمرٍو الجهني وعَديَّ بن أبي الزَّغباء الجهنيّ إلى بدرٍ يتحسَّسَانِ أخبارَ العيرِ.
وأما أبو سفيان فإنه بلغَه مخرجُ رسُولِ الله ﷺ وقصدُهُ إيَّاه، فاستأجر ضَمْضَمَ بن عمرو الغفاريَّ إلى مكة مستصرخاً لقريشٍ بالنفيرِ إلى عيرِهم ليمنعوه من محمد وأصحابه. وبلغَ الصريخُ أهلَ مكة، فنهضوا مسرعين، وأوعبوا (٣) في الخروج، ولم يتخلَّف من أشرافهم أحدٌ سِوَى أبي لهبٍ، فإنه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دين.
وخرجوا من ديارهم كما قال الله : ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]. وأقبلوا في تحمّلٍ وحَنَقٍ عظيمٍ على رسُولِ الله ﷺ وأصحابِه. فجمعهم الله على غير ميعادٍ؛ لما أراد في ذلك من الحكمةِ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: ٤٢]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ في قلة أعداد إبل المسلمين وخيلهم دليل على ما كانوا عليه وقتها من
стр. 119
ضيق ذات اليد وقلة الموارد المادية.
٢ ــ وفي اشتراك النبي ﷺ مع بعض أصحابه في اعتقاب بعير واحد دليل على تواضعه ومساواة نفسه بأصحابه في الشدَّة والعُسر، في المنشط والمكره، وقد كان بإمكانه وهو القائد أن يصطفي لنفسه أجود فرس أو أجود بعير يركبه وحده.
٣ ــ كما أن في إرسال النبي بعض أصحابه إلى بدر يتحسسون الأخبار دليل على جواز الاستعانة بالعيون والجواسيس في الجهاد لكشف تحركات الأعداء ومعرفة خططهم ومواضع قوتهم وضعفهم.
خروج قريش ومشاورة النبي ﷺ أصحابه في القتال:
قال المصنف: «ولمَّا بَلَغَ رسُولَ الله ﷺ خروجُ قريشٍ استشار أصحابَه، فتكلَّم كثيرٌ من المهاجرين فأحسنوا، ثم استشارهم وهو يريدُ الأنصار، فبادر سعدُ بنُ معاذ رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسُولَ الله! كأنك تُعَرّض بنا، فو الله يا رسُولَ الله، لو استعرضتَ بنا البحرَ لخُضناه معك، فَسِرْ بنا على بركةِ الله، فَسُرَّ ﷺ بذلك وقال: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إِحدى الطائفتين».
ثم رحل رسُولُ الله ﷺ فنَزَلَ قريباً من بدر، فلمَّا أمسى بَعَثَ علياً وسعداً والزبير إلى ماء بدر يلتمسون الخبرَ، فقدموا بعبدين لقريشٍ، ورسُولُ الله ﷺ قائمٌ يُصَلّي، فسألهما أصحابُه لمن أنتما؟ فقالا: نحنُ سُقاةٌ لقريشٍ، فكره ذلك أصحابُ رسُولِ الله ﷺ وودُّوا أن لو كانا لعير أبي سفيان، وأنه منهم قريبٌ ليفوزوا به، لأنه أخفُّ مؤونة من قتال النفير من قريشٍ؛ لشدَّة بأسهم واستعدادهم لذلك، فجعلوا يضربونهما، فإذا آذاهما الضربُ قالا: نحنُ لأبي سفيان، فإذا سكتوا عنهما قالا: نحنُ لقريشٍ، فلما انصرفَ رسُولُ الله ﷺ من صلاته قال: «والذي نفسي بيده إنكم
стр. 120
لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا». ثم قال لهما: «أخبراني أين قريش؟» قالا: وراء هذا الكثيب. قال: «كم القوم؟» قالا: لا عِلْمَ لنا. فقال: «كم ينحرون كل يوم؟» فقالا: يوماً عشراً ويوماً تسعاً، فقال ﷺ : «القومُ ما بين التسعمائة إلى الألف».
وأما بَسْبَسُ وعديّ فإنهما وردَا ماء بدرٍ فسمعا جاريةً تقول لصاحبتها: ألا تقضيني ديني؟ فقالت الأخرى: إنما تقدُم العيرُ غداً أو بعد غدٍ فأعمل لهم وأقضيك، فصدَّقها مَجْدي بنُ عمرو. فانطلقا مقبلين لما سمعا، ويعقبهما أبو سفيان، فقال لمَجْدي بن عمرو: هل أحسستَ أحداً من أصحابِ محمد؟ فقال: لا إلا أن راكبين نزلا عند تلك الأكمة، فانطلق أبو سفيان إلى مكانهما وأخذ من بعر بعيرهما ففتَّه فوجد فيه النوى، فقال: والله هذه علائِفُ يثرب، فعدل بالعيرِ إلى طريق الساحل، فنجا، وبَعَثَ إلى قريشٍ يُعلمهم أنه قد نجا هو والعير ويأمرهم أن يرجعوا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ دلت مشاورة النبي ﷺ لأصحابه عندما بلغه خروج قريش لقتاله على التزامه ﷺ بمبدأ الشورى في كل ما لم يرد فيه نص ملزم من الكتاب أو السنة، وعدم تفرده بالرأي، وفي حوادث السيرة شواهد كثيرة على ذلك.
٢ ــ وإنما كان النبي ﷺ ينتظر رأي الأنصار في خوض هذه المعركة دون المهاجرين فلأنهم كانوا أولاً أغلب الحاضرين، ولأنهم كانوا قد بايعوا النبي سابقاً على حمايته داخل حدود المدينة فحسب، فلم يكن ﷺ ليجبرهم على خوض معركة خارجها دون أن يكون لهم رأي في ذلك.
٣ ـ وخبر مشاورة النبي ﷺ لأصحابه وانتظاره رأي الأنصار أخرجه مسلم
стр. 121
في صحيحه ضمن سياق مطول (١).
٤ ــ كما أن في تقدير النبي ﷺ لأعداد جيش المشركين عن طريق معرفة ما يأكلونه من الإبل كلَّ يوم دليل على براعته ومهارته ﷺ وحَدَسِهِ الصائب في الاستدلال والاستنتاج إلى جانب ما أكرمه الله من النبوة والرسالة (٢).
مشورة الحُبابِ بن المنذر:
قال المصنف: «وبَلَغَ ذلك قريشاً، فأبى أبو جهلٍ، وقال: والله لا نرجع حتى نَرِد ماء بدر، ونُقيم عليه ثلاثاً، ونشرب الخمرَ، وتضرب على رؤوسنا القِيَانُ، فتهابنا العربُ أبداً. فبادر رسُولُ الله ﷺ قريشاً إلى ماءِ بدر، ونزل على أدنى ماء هناك، فقال له الحُبَابُ بنُ المُنذر بن عمرو: يا رسُولَ الله! هذا المنزل الذي نزلته أمرك الله به؟ أو منزلٌ نزلته للحربِ والمكيدةِ. فقال: «بل منزلٌ نزلته للحربِ والمكيدةِ». فقال: ليس هذا بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماءٍ من مياه القومِ فننزله، ونغوّر (٣) ما ورائنا من القُلُبِ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه، فنشربُ ولا يشربون. فاستحسن رسُولُ الله ﷺ منه ذلك. وحال الله بين قريشٍ وبين الماء بمطرٍ عظيمٍ أرسله، وكان نِقمة على الكفار ونِعمة على المسلمين، مهَّد لهم الأرضَ ولبَّدها، وبُني لرسُولِ الله ﷺ عريشٌ (٤) يكون فيه».
стр. 122
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قول أبي جهل: "لا نرجع حتى نرد بدراً .. إلى آخره" ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١).
٢ ــ ومشورة الحُباب بن المنذر وردت من طرق كثيرة ضعيفة، لكنها تتقوى بمجموعها وترتقي لدرجة الحسن لغيره كما قال الباحث أحمد با وزير (٢).
وفيها دلالة على التزامه ﵊ بالأخذ بمبدأ الشورى فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا قبل قليل عندما شاور النبي الأنصار في خوض المعركة، وفي السيرة نظائر كثيرة لها.
٣ ــ ونزول المطر وجعله نعمة ورحمة للمؤمنين أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَام﴾ [الْأَنْفَالِ: ١١].
٤ ــ وقوله: "وبُني لرسول الله عريش يكون فيه": حَسِبَ بعض كتاب السيرة من هذا أن النبي ﷺ لم يقاتل في المعركة!
وليس كذلك، فقد ثبت عن علي بن أبي طالب أنه قال: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأساً" (٣).
стр. 123
ويُجمع بين الأمرين بالحمل على اختلاف الأوقات، فتارة كان ﵊ يشارك فعلياً في ساحة القتال، وتارة يكون في العريش يدير أمور المعركة.
إصرار أَبي جهل على القتال:
قال المصنف: «ومشى ﷺ في موضعِ المعركة، وجعل يُرِيهم مَصَارعَ رؤُوسِ القومِ واحداً واحداً، ويقول: «هذا مصرعُ فلانٍ غداً إن شاء الله، وهذا مصرعُ فلانٍ، وهذا مصرعُ فلان». قال عبد الله بن مسعود: فوالذي بعثهُ بالحقّ ما أخطأ واحدٌ منهم موضعَهُ الذي أشار إليه رسُولُ الله ﷺ .
وبات رسُولُ الله ﷺ تلك الليلة يُصلّي إلى جَذْم شجرة (١) هناك، وكانت ليلة الجمعة السابع عشرَ من رمضان، فلمَّا أصبح وأقبلت قريشٌ في كتائبها، قال ﷺ : «اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت في فخرها وخُيلائها، تُحادَّك وتُحادَّ رسُولَك».
ورام حَكِيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريشٍ فلا يكونُ قتالٌ، فأَبى ذلك أبو جهل، وتقاول هو وعتبة، وأَمَرَ أبو جهلٍ أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دمَ أخيه عمرو، فكشفَ عن إِسته وصرخ: واعمراه! واعمراه! فحمي القومُ ونَشِبَتْ الحربُ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تحديده ﷺ ليلة المعركة مصارع رؤوس قريش مخرج في صحيح مسلم بنحوه (٢). وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ حيث أخبر بأمر مستقبل غيبي ووقع كما أخبر به.
стр. 124
٢ ــ وقوله ﷺ : «اللهم هذه قريش قد أقبلت في فخرها وخيلائها .. إلى آخره»: ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١).
٣ ــ ومحاولة عتبة بن ربيعة الرجوع بالجيش وإصرار أبي جهل على القتال مخرج في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح ضمن سياق طويل (٢).
٤ ــ وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ بات ليلة المعركة وهو يصلّي ويبتهل إلى الله تعالى ويهتف به ويتضرع له بالدعاء والنصر، ويقول: «أللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» (٣). وفي هذا دلالة على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله بعد الأخذ بالأسباب الواجبة.
تعديل الصفوفِ واشتدادُ القتال:
قال المصنف: «وعدَّل رسُولُ الله ﷺ الصفوفَ، ثم رجعَ إلى العَريشِ هو وأبو بكر وحده، وقام سعدُ بنُ معاذٍ وقومٌ من الأنصار على بابِ العَريشِ يحمون رسُولَ الله ﷺ .
وخرجَ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثلاثتُهم جميعاً يطلبون البِرَازَ، فخرج إليهم من المسلمينَ ثلاثةٌ من الأنصار، وهم: عوفٌ ومعوّذٌ ابنا عفراء، وعبدُ الله بنُ رواحة، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصارِ، فقالوا:
стр. 125
أكفاءٌ كرامٌ، وإنما نريدُ بني عمّنا.
فبرزَ لهم عليٌّ وعبيدة بن الحارث وحمزة ﵃، فقَتَلَ عليٌّ الوليدَ، وقَتَلَ حمزةُ عتبة، وقيل: شيبة، واختلف عُبيدة وقِرْنُه بضربتين، فأجهد كل منهما صاحبَهُ، فَكَرَّ حمزةُ وعليٌّ فتمَّما عليه، واحتملا عُبيدة وقد قُطِعَتْ رجلُهُ، فلم يزل طَمِثاً (١) حتى مات بالصَّفراء ﵁.
ثم حَمِيَ الوطيسُ، واشتدَّ القتالُ، ونزلَ النَّصرُ، واجتهد رسُولُ الله ﷺ في الدُّعاء، وابتهلَ ابتهالاً شديداً، حتى جعل رداؤه يسقُط عن منكبيهِ، وجعل أبو بكرٍ يُصلحه عليه، ويقول: يا رسُولَ الله! بعض مناشدَتك ربك (٢)، فإنه منجزٌ لك ما وعدك.
ورسُولُ الله ﷺ يقول: «اللهم إن تَهلِك هذه العصابة لا تعبد في الأرضِ»، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، ثم أَغْفَى رسُولُ الله ﷺ إغفاءةً، ثم رفعَ رأسه وهو يقول: «أَبشرْ يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ على ثناياه النقعُ»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مبارزة عليّ وحمزة وعبيدة ﵃ لعتبة وشيبة والوليد مخرجة في سنن أبي داود بإسناد صحيح (٣). وفيه دليل على جواز المبارزة خلافاً لمن أنكرها، وشرط
стр. 126
الثوري وأحمد وإسحاق للجواز إذن أمير الجيش (١).
٢ ــ وقول أبي بكر: "كفاك يا رسول الله مناشدتك ربك"، وقوله ﷺ : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، ومشاركة الملائكة في القتال، كلُّه مخرج في صحيح مسلم ضمن سياق طويل (٢).
٣ ــ وقد جاء في القرآن الكريم أن الله أمدّ المؤمنين بألف من الملائكة، ثم جعلهم ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف (٣).
٤ ــ وعن حكمة مشاركة الملائكة في القتال بهذا العدد مع أن جبريل وحده قادرٌ على إهلاك المشركين جميعاً بأمر الله، فقد أوضحه العلامة السُّبكي بقوله: "وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده. والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم" (٤).
والظاهر أن مشاركة الملائكة كانت محدودة جداً، وبقوة تتناسب مع قدرة البشر، وأغلبها كان من باب التأييد المعنوي، وأما الجهد الأكبر فإنما كان على عاتق المسلمين كما هي سنة الله في الكون.
نكوص الشيطانِ ونزولُ الملائكةِ للقتال:
قال المصنف: «وكان الشيطانُ قد تبدَّى لقريشٍ في صورة سُراقة بن مالك
стр. 127
بن جُعشم زعيم مُدْلِج، فأجارهم، وزيَّن لهم الذهابَ إلى ما هم فيه؛ وذلك أنهم خَشُوا بني مُدْلِج أن يخلُفُوهم في أهاليهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وذلك أنه رأى الملائكة حين نزلت للقتال، ورأى ما لا قِبَلَ له به ففرَّ، وقاتلتِ الملائكة كما أمرها الله، وكان الرجلُ من المسلمين يطلبُ قِرْنه، فإذا به قد سَقَطَ أمامه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ تبدّي الشيطان في صورة سراقة بن مالِك وتزيينه الحرب لقريش ذكره ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح من مرسل عروة بن الزبير (١).
٢ ــ وقوله: "إن قريشاً خشوا بني مُدلج أن يخلُفوهم في أهاليهم": سببه ما كان بينهم وبين مُدلج من الحرب، فخشيت قريش أن تأتيهم من خلفهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالِك المدلجي ووعدهم بألا يصيبهم من بني مُدلج مكروه.
٣ ــ وقوله: "وكان الرجل يطلب قِرْنه، فإذا به قد سقط أمامه": يشير بهذا إلى ما أخرجه مسلم عن ابن عباس: «بينما رجلٌ من المسلمين يومئذ يشتدُّ في أَثَر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسَّوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقْدِم حيزوم (٢)، فَنَظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم
стр. 128
أنفه، وشُقَّ وجهه، كضربة السَّوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «صَدَقت، ذلك من مَدَد السماء الثالثة»» (١).
نزول نصر الله على رسوله وعلى المؤمنين:
قال المصنف: «ومَنَحَ الله المسلمين أكتافَ المشركينَ، وتبعهم المسلمون في آثارهم،، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأخذوا غنائمهم. فكان من جملة من قُتِل من المشركين ممن سمّى رسُولُ الله ﷺ موضعَه بالأمسِ: أبو جهل، وهو أبو الحَكَم عمرو بن هشام لعنه الله، قتلهُ معاذ بنُ عمرو بن الجموح، ومعوّذ بن عَفراء، وتمَّم عليه عبدُ الله مسعود. وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأميَّة بنَ خَلَف، فأمر بهم رسُولُ الله ﷺ فسُحبوا إلى القليب، ثم وقَفَ عليهم ليلاً، فبكَّتهم وقرَّعهم، وقال: «بئس عشيرةُ النبيّ كنتم لنبيّكم، كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناسُ». ثم أقام رسُولُ الله ﷺ بالعَرْصَة (٢) ثلاثاً، وأنزل الله تعالى في وقعةِ بدر سورة الأنفال».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من عدد قتلى وأسرى المشركين في بدر مخرج في صحيح الإمام مسلم (٣)، وقصة مقتل أبي جهل مخرجة في الصحيحين (٤).
стр. 129
٢ ــ ومقتل عتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية بنَ خَلَف مخرج عند مسلم (١)، وتقدم الكلام عن قصة مقتلهم في المبارزة وبيان من أخرجه ودرجته قبل قليل.
٣ ــ وأمر النبي ﷺ بإلقاء قتلى رؤوس قريش في قليب بدر مخرج في الصحيحين (٢).
٤ ــ وقوله ﷺ لأهل القليب: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس .. »: ذكره ابن إسحاق مرسلاً، فقال: حدثني بعض أهل العلم (٣). وفي الصحيحين واللفظ لمسلم؛ أن النبي ﷺ : تَرَكَ قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهُم فقام عليهم فناداهُم، فقال: «يا أبا جهل بن هشام يا أميَّة بن خَلَف يا عُتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربُّكم حقّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً، فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : «والذي نَفْس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهُم» (٤).
٦ ــ وقد استدل بعض أهل العلم بخطاب النبيّ لأهل القليب على سماع الموتى، وأجيب بأنها حادثة مخصوصة بالنبي ﷺ حيث أحياهم الله وأسمعهم كلام نبيه معجزة له، كما ثبت في صحيح البخاري من قول قتادة: "أحياهُم الله حتى أسْمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمةً وحسرةً وندماً" (٥)، وهذه مسألة طويلة الذيول ولا يتسع المقام للتوسع فيها.
стр. 130
قسمة الغنائم وقتل النَّضْر بن الحارث وابن أبي مُعَيْط:
قال المصنف: «فلما كان رسُولُ الله ﷺ بالصَّفراء قَسَم المغانمَ كما أمره الله تعالى، وأمر بالنَّضْر بن الحارث فضُربت عنقُه صبراً، وذلك لكثرة فساده وأذاه رسُولَ الله ﷺ . ولمَّا نزل عِرْق الظُّبية (١) أمر بعُقبة بن أبي مُعَيْط فضُربت عنقه أيضاً صبراً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أمره ﷺ بقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (٢)، وجزم به الذهبي في تاريخه (٣)، وقد ثبت أمره ﷺ بقتل عقبة في سنن أبي داود أيضاً (٤).
٢ ــ وقد علَّق المصنف في تاريخه على مقتل النَّضر وعقبة بن أبي معيط فقال: "كان هذان الرجلان من شرّ عباد اللَّه، وأكثرهم كفراً، وعناداً، وبغياً، وحسَداً، وهجاءً للإِسلام وأهله، لعنهما اللَّه وقد فَعَل" (٥).
٣ ـ وقد استدل العلماء بهذه الحادثة على جواز قتل الأسير الحربي الكافر إذا رأى ولي الأمر المصلحة في قتله (٦)، خاصة إذا كان ممن يعرفون بالنكاية بالمسلمين.
стр. 131
قبول الفداءِ من الأسرى والرجوعُ إلى المدينة:
قال المصنف: «ثم إن رسُولَ الله ﷺ استشارَ أصحابَه في الأسارى: ماذا يصنعُ بهم؟ فأشار عمرُ بنُ الخطاب ﵁ بأن يُقتلوا، وأشار أبو بكرٍ ﵁ بالفِدَاء، وَهَوِيَ رسُولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، فحلَّل لهم ذلك، وعاتبَ الله في ذلك بعضَ المعاتبة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات [الأنفال: ٦٧]. وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عبَّاس ﵄ حديثاً طويلاً فيه بيان هذا كله (١).
ورجعَ رسُولُ الله ﷺ إلى المدينةِ مؤيداً مظفراً منصوراً، قد أعلى الله كلمته، ومكَّن له، وأعزّ نصره، فأسلم حينئذ بشرٌ كثيرٌ من أهلِ المدينةِ، ومن ثم دَخَلَ عبدُ الله بنُ أُبيّ بن سَلُول وجماعته من المنافقين في الدين تَقِيَّة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ في قبوله ﷺ الفداء من أسرى بدر دليل على عظم رحمته وشدة شفقته في تعامله مع أعدائه المهزومين الذين حاربوه وحرصوا على قتله.
٢ ــ وقد ذكر جمع من أهل العلم أن النبي ﷺ أمر المسلمين يوم بدر أن يكرموا الأسرى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء (٢)، والقرآن الكريم يشهد لهذا في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً، وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: ٨].
٣ ــ وثبت أن بعض أسرى بدر ممن لم يكن لهم مال يفدون به أنفسهم،
стр. 132
فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة (١)، مما يدل على إعلاء الإسلام لقيمة العلم.
٤ ــ وأما ما نزل من عتاب الله لنبيه بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾، فالمقصود به أن جيش الإسلام ليس له أن يأسر حتى يثخن في الأرض بأن يثقل جيش العدو بالجراح، ولا تكون له قدرة على مواصلة القتال (٢).
стр. 133
فصل
جملة من حَضَر بَدراً
قال المصنف: «جملةُ من حضَر بدراً من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً. وأما المشركون فكانت عِدَّتهم كما قال ﷺ ما بين التسعمائة إلى الألف. وقُتِل من المسلمين يومئذٍ أربعة عشرَ رجلاً. وقُتِل من المشركين سبعون، وقيل: أقلّ، وأُسرَ منهم مثلُ ذلك. وفرغَ رسُولُ الله ﷺ من شأن بدرٍ والأسرى في شوال».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ نبَّه الحافظ ابن حجر إلى أن المسلمين الذين شاركوا في القتال الفعلي في بدر إنما كانوا ثلاثمائة وخمسة أو ستة فحسب، لأن بعضهم عُدّ من أهل بدر ولم يشارك في القتال لأسباب مختلفة، إما لكون النبي ﷺ ردّه أثناء الطريق واستخلفه على المدينة كأبي لبابة، وآخر انكسرت قدمه فردّه إلى المدينة .. وهكذا (١).
٢ ــ وقوله: "وقُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم مثل ذلك": هذا هو الحق كما قال الحافظ ابن حجر (٢). ولعله جزم به لثبوته في أحاديث عدة، كحديث ابن عباس قال: "فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين" (٣).
стр. 134
٣ ــ وقوله: "وقُتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً": قلت: هذا متفق عليه بين علماء السيرة.
فصل
غزوة بني سُلَيْم
قال المصنف: «ثم نهضَ بنفسه الكريمة ﷺ بعد فراغِه بسبعة أيام لغزو بني سُلَيْم، فمكث ثلاثاً ثم رجعَ ولم يلق حرباً، وقد كان استعمل على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطة، وقيل ابن أمّ مكتوم».
стр. 135
فصل
غزوة السَّوِيق
قال المصنف: «ولمَّا رجع أبو سفيان إلى مكة وأوقع الله في أصحابه ببدر بأسَه، نذر أبو سفيان ألَّا يمسّ رأسه بماءٍ حتى يغزو رسُولَ الله ﷺ ، فخرجَ في مائتي راكبٍ، فنزلَ طرف العُرَيْض (١)، وبات ليلة واحدة في بني النَّضير عند سلَّام بن مِشْكَم، فسقاه وبَطَنَ له من خبر الناس، ثم أصبح في أصحابه، وأمر فقطَّع أصواراً (٢) من النخل، وقَتَلَ رجلاً من الأنصار وحليفاً له ثم كرّ راجعاً. ونذر به رسُولُ الله ﷺ فخرج في طلبِه والمسلمون، فبلغ قَرْقَرة الكُدْر (٣)، وفاته أبو سفيان والمشركون، وألقوا شيئاً كثيراً من أزوادهم، من السَّويق، فسمّيت غزوة السويق، وكانت في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وقد كان استخلف عليها أبا لُبابة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ غزوة بني سُليم ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٤). وكان
стр. 136
سببها أن النبي ﷺ بلغه أن جمعاً من بني سُليم يستعدون لغزو المدينة فخرج إليهم، لكنهم كانوا قد تفرقوا (١).
٢ ــ وغزوة السويق ذكرها ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح مرسل (٢).
٣ ــ وكان مقصود أبي سفيان بغزوه المدينة هو نوع من الانتقام وحفظ ماء الوجه بعد الذي حصل لقريشٍ ببدر.
٤ ــ وفي إيواء سلّام بن مِشْكم لأبي سفيان واستبطانه الأخبار له مظهرٌ من مظاهر خيانة اليهود وغدرهم وعدم التزامهم بوثيقة المعاهدة التي كانت بينهم وبين النبي ﷺ ، والتي من ضمن بنودها ألا يعينوا عليه أحداً.
فصل
غزوة ذي أَمرَ
قال المصنف: «ثم أقام ﷺ بقية ذي الحجة، ثم غزا نجداً يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان ﵁، فأقام بنجد صفراً من السنة الثانية كله، ثم رجع ولم يلق حرباً».
стр. 137
فصل
غزوة بُحْرَان
قال المصنف «ثم خَرَجَ ﷺ في ربيع الآخر يريد قريشاً، واستخلف ابن أم مكتوم فبلغ بُحْرَان (١) معدِناً في الحجاز، ثم رَجَعَ ولم يلق حرباً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت غزوة ذي أَمَر في محرم السنة الثالثة من الهجرة، وقد ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٢).
٢ ـ وسببها أن النبي ﷺ كان قد بلغه أن جمعاً كبيراً من غطفان كانوا يستعدون لغزو المدينة فخرج إليهم في جيش تعداده أربعمائة وخمسون مقاتلاً، فلما بلغ غطفان ذلك فروا وتفرقوا في رؤوس الجبال (٣).
٣ ـ وغزوة بُحْرَان كانت في السنة الثالثة للهجرة، وقد ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٤).
стр. 138
فصل
غزوة بني قَيْنُقَاع
قال المصنف: «ونَقَضَ بنو قينُقاع ــ أحد طوائف اليهود بالمدينة ــ العهدَ وكانوا تجاراً وصاغة، وكانوا نحو السبعمائةِ مقاتلٍ، فخرجَ رسُوُل الله ﷺ لحصارِهم، واستخلفَ على المدينةِ بشيرَ بنَ عبد المنذر، فحاصرهم ﷺ خمسَ عشرة ليلة، ونزلوا على حُكمه ﷺ ، فشفَع فيهم عبدُ الله بن أُبي بن سلول، لأنهم كانوا حلفاءَ الخزرج، وهو سيّد الخزرج، فشفَّعه فيهم بعد ما ألحَّ على رسُولِ الله ﷺ ، وكانوا في طرفِ المدينة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أصل غزوة بني قينقاع ثابتٌ في الصحيحين دون تفاصيل، ولفظه: "وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلَام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة" (١)، وقد فصَّلها ابن إسحاق وغيره من كتاب السيرة (٢).
٢ ــ واتفق المؤرخون على أن هذه الغزوة وقعت بعد بدر، وحددها أكثر
стр. 139
أهل العلم بيوم السبت، للنصف من شهر شوال من السنة الثانية من الهجرة (١).
٣ ــ وأما عن سبب هذه الغزوة فقد ذكر أن النبي ﷺ عندما انتصر في بدر حرك هذا ضغائن اليهود، وأخذ وبالأخص يهود بني قينقاع يظهرون العداوة تجاه المسلمين، مع أنهم كانت بينهم وبين المسلمين معاهدة مسالمة، فحذَّرهم النبي ﷺ عاقبة البغي ونكث العهد، لكنهم قالوا: يا محمد لا يغرنَّك ما لقيت من قومك ببدر، فإنهم لا عِلْمَ لهم بالحرب، وإنك إن قاتلتنا لتعلمنَّ أننا نحن الناس (٢)!!
وقد روي أيضاً أنهم تحرشوا بامرأة مسلمة وكشفوا عن سوأتها في سوقهم، فلما قام أحد المسلمين لنجدتها قتلوه (٣).
٤ ــ وقد كانت غزوة بني قينقاع تمثل أول مواجهة عسكرية للنبي ﷺ مع يهود المدينة.
* * *
стр. 140
فصل
قتل كعبِ بن الأَشرفِ اليهوديّ
قال المصنف: «وأما كعب بن الأشرف اليهودي، فإنه كان رجلاً من طيء، وكانت أمُّه من بني النَّضير، وكان يُؤذي رسُولَ الله ﷺ والمؤمنين، ويشبّبُ في أشعاره بنساء المؤمنين (١)، وذهب بعد وقعة بدر إلى مكة وألَّب على رسُولِ الله ﷺ وعلى المؤمنين، فندبَ رسُولُ الله ﷺ المسلمين إلى قتله، فقال:» من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ «، فانتدبَ رجالٌ من الأنصارِ ثم من الأوس، فذهبوا إليه واستنزلوه من أُطُمِه (٢) ليلاً، وتقدَّموا إليه بكلامٍ مُوهم للتعريض برسُولِ الله ﷺ ، فاطمأنَّ إليهم، فلما استمكنوا منه قتلوه لعنه الله، ثم أصبحَ اليهودُ يتكلَّمون في قتله، فأَذِنَ ﷺ في قتل اليهود».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ قصة مقتل كعب بن الأشرف جاءت مفصلة مطولة في الصحيحين (٣).
٢ ــ وقد بين المؤلف أسباب قتله بما يغني عن إعادته، وقال الإمام المازري:
стр. 141
"إنَّما قُتل كعب على هذه الصّفة لأنه نقض عهد النبي ﷺ وهجاه وسبّه وعاهده أن لا يُعين عليه أحداً، وجاءه مع أهل الحرب مُعيناً عليه، وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم ولم يعرف هذا الوجه، والجواب ما قلناه" (١).
٣ ــ وكان حادثة قتله قبل غزوة أحد، في ربيع الأول من السنة الثالثة (٢).
٤ ــ وقوله: "فأذن رسول الله ﷺ في قتل اليهود": المقصود بهم المحاربين وناقضي العهود منهم، من أمثال كعب بن الأشرف، بدليل أن النبي ﷺ لم يتعرض لبقية يهود إلا بعد نقضهم العهد كما سيأتي في حوادث السيرة.
стр. 142
فصل
غزوة أُحُدٍ
قال المصنف: «وهي وقعةٌ امتحنَ اللهُ فيها عبادَهُ المؤمنينَ واختبرهُم، وميّزَ فيها بين المؤمنينَ والمنافقينَ. وذلك أن قريشاً حين قَتَلَ الله سَرَاتهَم (١) ببدر، وأصيبوا بمصيبةٍ لم تكن لهم في حسابٍ، ورأَسَ فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم، شرع يجمّع قريشاً ويؤلّب على رسُولِ الله ﷺ وعلى المسلمينَ، فجمّع قريباً مِنْ ثلاثةِ آلافٍ من قريشٍ والحلفاء والأحابيش (٢).
وجاؤوا بنسائهم لئلَّا يفرُّوا، ثم أقبلَ بهم نحو المدينةِ، فنزلَ قريباً من جبل أُحد بمكان يقال له: عَيْنَينِ (٣)، وذلك في شوال من السنةِ الثالثة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ اتفق علماء السيرة على وقوع هذه الغزوة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة (٤)، واختلفوا في تحديد اليوم، والأشهر أنه: يوم السبت
стр. 143
للنصف من شوال (١).
٢ ــ وقد كان لهذه الغزوة أسبابٌ عديدة، من أهمها كما أشار المصنف: أن قريشاً أرادت الثأر لقتلاها ببدر، وردُّ اعتبارها وهيبتها أمام العرب، وقد استعانت على تجهيز الجيش بأموال العير التي نجت يوم بدر.
٣ ــ وما ذكره المصنف من عدد جيش قريش هو المتفق عليه بين عامة أهل السير، وقد رواه البيهقي عن الزهري مرسلاً بإسناد صحيح (٢).
٤ ــ وقوله: "ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم": قلت: كان أبو سفيان بن حرب من زعماء الدرجة الثانية في قريش، وكان مسؤولاً عن شؤون تجارة قريش الخارجية، لكن بعد مقتل كثير من كبارهم يوم بدر آلت إليه زعامة مكة ورئاستها، وقد كان من أشد الناس عداء للإسلام وتصدياً له حتى إسلامه يوم فتح مكة.
مشاورته ﷺ أصحابه في الخروج لقريش أو المكث في المدينة:
قال المصنف: «واستشارَ رسُولُ الله ﷺ أصحابَه: أيخرجُ إليهم أم يمكثُ في المدينةِ؟ فبادَرَ جماعةٌ من فضلاءِ الصحابةِ ممَّن فاتهُ الخروجُ يومَ بدرٍ إلى الإشارةِ بالخروجِ إليهم، وألحُّوا عليه ﷺ في ذلك.
وأشار عبدُ الله بنُ أُبي بنُ سلول بالمُقام بالمدينةِ، وتابعهُ على ذلك بعضُ الصحابةِ، فألحَّ أولئك على رسُولِ الله ﷺ ، فنهضَ ودخلَ بيته ولبِس لأمَتَه (٣)،
стр. 144
وخرجَ عليهم، وقد انثنى عزمُ أولئك فقالوا: يا رسُولَ الله! إن أحببتَ أن تمكثَ في المدينةِ فافعل. فقال: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبِس لأمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتل»، وذلك يومُ الجمعة، واستخلفَ على المدينةِ ابنَ أم مكتُوم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مشاورته ﷺ أصحابه في الخروج لملاقاة جيش قريش أم التحصن في المدينة ذكرها ابن إسحاق (١) في السيرة، وعلقها البخاري في الصحيح (٢)، وأخرجها أحمد في المسند بإسناد صححه ابن حجر (٣).
٢ ــ وقد كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول ــ رأس المنافقين ـــ موافقاً لرأي النبي ﷺ ، لكنه لسبب وهدف مختلف، فقد كان يريد عدم المشاركة في القتال دون أن يحس به أحد، وهذا إنما يتحقق له إذا كانت المعركة داخل أزقة المدينة وليس خارجها.
٣ ــ وفي الحادثة دليل على الأخذ بمبدأ الشورى فيما لم يرد فيه نص شرعي ملزم، وتقدم لذلك نظائر عدة.
٤ ـ وفيه أيضاً دلالة على ضرورة حزم القائد وترك التردد في الرأي، "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل".
٥ ــ واستخلافه ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (٤).
стр. 145
رجوع عبد الله بن أُبيّ ومن معه أثناء الطريق:
قال المصنف: «وخَرَجَ إلى أُحدٍ في ألفٍ، فلما كان ببعضِ الطريقِ انخزلَ عبدُ الله بنُ أُبيّ في نحو ثلاثمائةٍ إلى المدينةِ، واستقلَّ رسُولُ الله ﷺ بمن بقيَ معهُ حتى نزلَ شِعْبَ أُحدٍ، فجعلَ ظهرَهُ إلى أُحدٍ، ونهى الناسَ عن القتالِ حتى يأمرهُم.
فلما أصبحَ تعبَّأ ﷺ للقتالِ في أصحابهِ، وكان فيهم خمسونَ فارساً، واستعملَ على الرُّماةِ ــ وكانوا خمسين ــ عبدَ الله بن جُبير الأوسيّ، وأمرهُ وأصحابهُ أن لا يتغيَّروا من مكانِهم، وأن يحفظوا ظهورَ المسلمينَ أن يُؤتوا من قِبَلِهِم. وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وخرج إلى أُحد في ألف": قلت: هذا هو عدد جيش المسلمين عند خروجه من المدينة، هكذا ذكره ابن إسحاق (١)، وهو المشهور عن أهل المغازي كما قال البيهقي (٢).
٢ ــ وخبر رجوع ابن سلول بثلث الجيش ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد (٣)، وأصله في البخاري بلفظ: «لمَّا خَرَج النبي ﷺ إلى أُحد، رجع نَاسٌ ممَّن خَرَج معه» (٤)، قال ابن حجر: "هُمْ عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن تبعه" (٥).