فيقال: إن إياسَ بن معاذٍ مات مسلماً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تحدث المصنف هنا عن بدايات اتصال أهل المدينة «يثرب» بدعوة النبي ﷺ . وكان من أوائل من لقي النبي ﷺ منهم: سُويد بن الصَّامت الأوسي، كان من أشراف أهل يثرب، فتصدّى له النبي ﷺ حين سمع بمقدمه مكة، ودعاه إلى الإسلام، فاستحسن سُويد كلامه وانصرف إلى المدينة يفكر في الأمر، فلم يلبث أن قتلته الخزرج في بعض حروبهم، فكان رجال من قومه يقولون: إنا لنراه قد قُتِل وهو مُسلم (١).
٢ ـ ولأجل عدم وضوح أمر سُويد فقد اختلف في إسلامه، فأثبته بعضهم وشكّ فيه آخرون (٢).
٣ ــ وأما إياس بن معاذ فهو أيضاً من أوائل الأنصار الذين التقوا بالنبي ﷺ ودعاهم للإسلام، وقد جزم غير واحد بإسلامه، وترجموا له في الصحابة، منهم ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر (٣).
٤ ــ وقد أخرج أحمد في المسند بإسناد حسن (٤): «أن قوم إياس بن معاذ عند موته كانوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكُّون
стр. 72
أن قد مات مسلماً». وهذا ظاهر في إسلامه، فقول المصنف: "فيقال إن إياس مات مسلماً" فيه نظر، لأنها صيغة تشعر بالشك في إسلامه!!
стр. 73
فصل
أول لقاء للأنصار بالنبي ﷺ
قال المصنف: «ثم إنَّ رسُولَ الله ﷺ لقي عند العقبةِ (١) في الموسم ستةَ نفرٍ من الأنصار، كلُّهم من الخزرجِ، فدعاهم إلى الإسلامِ، فأسلَموا مبادرةً إلى الخير، ثم رجعوا إلى المدينةِ فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلامُ فيها، حتى لم تبق دارٌ إلا وقد دخلها الإسلامُ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف: أن الله عندما أراد إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ في موسم حج العام الحادي عشر من البعثة كما كان يصنعُ كل عام، فبينا هو عند جمرة العقبة لقي رهطاً من الخزرج من أهل يثرب أراد الله بهم خيراً. فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج. قال: أمِنْ موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فعرض عليهم الإسلام فأسلموا (٢).
стр. 74
٢ ــ وقد قدمنا قبل قليل الأسباب التي دعت الأنصار إلى المسارعة في دخول الإسلام.
٣ ــ ويستفاد من هذه الحادثة أن الداعي إلى الله لا ينبغي أن ييأس أو يحبط من صَدّ الناس وإعراضهم عنه، فقد ظلَّ رسول الله ﷺ عشر سنوات يعرض نفسَه على القبائل فلا يجد منهم قبولاً، حتى لقي بعدها أولئك النفر من الخزرج اللذين آمنوا به وصدَّقوه، وترتب على إيمانهم به تحولات عظيمة وكبيرة في مسيرة الدعوة.
بيعةُ العَقَبة الأولى:
قال المصنف: «فلما كان العامُ المقبل، جاء منهم اثنا عَشَر رجلاً فبايعُوا رسُولَ الله ﷺ كبيعةِ النساء، ولم يكن أُمِرَ بالقتال بعدُ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تسمى هذه البيعة: بيعة العقبة الأولى، وقد حضرها اثنا عشر رجلاً من الأنصار؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، بعضهم ممن لقي النبي في الموسم السابق وآمن به، وكانت في السنة (١٢) من البعثة (١).
٢ ــ وإنما قيل لها كبيعة النساء لخلوها عن الجهاد والنصرة، إذ لم يكن النبي ﷺ أُمر وقتها بالقتال.
٣ ــ وقد روى نص هذه البيعة عبادة بن الصَّامت ﵁ وكان أحد شهودها، فقال: إن النبي ﷺ قال لهم: «تعالوا، بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم
стр. 75
وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارةٌ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعنا على ذلك».
هذه رواية الصحيحين (١)، وهي وإن لم تصرح بذكر العقبة الأولى، لكن رواية ابن إسحاق أوضحت ذلك بجلاء (٢).
بعث مصعب بن عمير معلماً إلى المدينة:
قال المصنف: «فلمَّا انصرفُوا إِلى المدينةِ بعثَ معهم رسُولُ الله ﷺ عمرو بنَ أم مكتوم ومصعب بنَ عمير يعلّمان من أسلَمَ منهم القرآنَ، ويدعوان إلى الله ، فنزلا على أبي أُمامة؛ أسعدِ بنِ زُارة. وكان مُصْعب بنُ عُمير يؤمُّهم، وقد جمّع بهم يوماً بأربعين نفساً، فأسلَمَ على يديهما بشرٌ كثيرٌ منهم: أُسَيْد بنُ الحُضير وسعدُ بن مُعاذ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قدوم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم المدينة يعلمان الناس القرآن ثابت في البخاري من حديث البراء بن عازب (٣).
٢ ــ وكان أهل المدينة يسمون مصعب بن عمير عندما قدم عليهم «المقرئ»، وقد أسلم على يديه كثيرٌ من الأنصار (٤).
стр. 76
٣ ــ وقصة صلاة مصعب بن عمير الجُمُعة بالأنصار مخرجة عند أبي داود (١) وابن ماجه (٢) بإسناد حسن، وهي تدل على أن صلاة الجمعة كانت قد شرعت بمكة قبل الهجرة، لكن النبي ﷺ لم يتمكن من أدائها إلا بعد مقدمه المدينة (٣).
٤ ــ وأما أبو أُمامة أسعد بن زرارة فهو: أنصاري خزرجي نجاري، كان من أوائل من أسلم، وقد مات في السنة الأولى من الهجرة أثناء بناء المسجد النبوي (٤).
بيعة العَقَبة الثانية:
قال المصنف: «وكثُر الإسلامُ بالمدينةِ وظَهَرَ، ثم رجعَ مصعبٌ إلى مكة، ووافى الموسمَ ذلك العام خلقٌ كثيرٌ من الأنصارِ من المسلمين والمشركين، وزعيمُ القوم البراءُ بنُ مَعرورٍ ﵁. فلما كانت ليلة العقبة ـــ الثلثُ الأولُ منها ـــ تسلَّلَ إلى رسُولِ الله ﷺ ثلاثةٌ وسبعونَ رجلاً وامرأتان، فبايعوا رسُولَ الله ﷺ خُفْية من قومهم، ومن كفارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعُون منه نساءَهم وأبناءَهم وأُزُرَهم، وكان أولَ من بايعه ليلتئذٍ البراءُ بنُ مَعرور، وكانت له اليدُ البيضاء، إذ أكّد العَقْدَ وبادرَ إليه.
وحضرَ العبَّاسُ عمُّ رسُولِ الله ﷺ موثّقاً مؤكداً للبيعةِ، مع أنه كان بعدُ
стр. 77
على دينِ قومِه. واختار رسُولُ الله ﷺ منهم تلك الليلة اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، ومن الأوس ثلاثة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تسمَّى هذه البيعة: بيعة العقبة الثانية، وخلاصتها: أنه في موسم حجّ السنة (١٣) من البعثة، وبعد انتشار الإسلام بالمدينة، تلاوم الأنصار فيما بينهم، وقالوا: "حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرد في جبال مكة"! فقدم منهم إلى موسم الحج (٧٣) رجلاً وامرأتان، متخفين مع قومهم من المشركين، فالتقوا بالنبي ﷺ سراً عند جمرة العقبة الأولى، في أوسط أيام التشريق، فبايعوه على الهجرة إليهم، وعلى الولاء والنصرة له، وعلى أن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم (١).
٢ ــ وقد ذكر المصنف أن العبَّاس بن عبد المطلب كان ممن حضر البيعة من أجل أن يستوثق لابن أخيه، وكان يريد أيضاً أن يوضح للأنصار خطورة قرارهم هذا وعِظَم المسئولية التي سيتحملونها بسببه.
٣ ــ وكان من جملة ما قاله العبَّاس ليلتها: "يا معشر الخزرج ـــ وكانت العرب يسمون الأنصار الخزرج، لخزرجها وأوسها ـــ: إن محمدا منّا حيثُ قد علمتم، قد منعناه من قومنا، فهو في عزّ في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحاق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد أن يخرج إليكم فمن الآن فدعوه. فقالوا: قد سمعنا يا رسول الله
стр. 78
فخذ لنفسك ولربك ما أحببت" (١).
٤ ــ وفي الحادثة دليل على فضل أولئك النفر من الأنصار الذين أسلموا وبايعوا النبي ﷺ في العقبة الأولى والثانية وما ترتب على بيعتهم من انتشار الإسلام في المدينة وتمهيد هجرة النبي ﷺ إليها بعد ذلك.
الإذن بالهجرة إلى المدينة:
قال المصنف: «فلما تمَّت هذه البيعةُ استأذنوا رسُولَ الله ﷺ أن يَمِيلوا على أَهلِ العقبةِ فلم يأذَن لهم في ذلك، بل أَذِن للمسلمين بعدها من أهلِ مكة في الهجرةِ إلى المدينةِ، فبادرَ الناسُ إلى ذلك، فكان أولَ من خرجَ إلى المدينةِ من أهلِ مكة أبو سَلَمَة بنُ عبد الأسد، هو وامراتُه أمّ سَلَمَة، فاحتُبست من دونه، ومُنعت سنةً من اللّحاقِ بهِ، وحِيل بينها وبين ولدِها، ثم خرجتْ بعد السنةِ بولدِها إلى المدينةِ، وشيَّعها عثمانُ بنُ أبي طلحة، ويقال إن أبا سَلَمَة هاجرَ قبل العقبةِ الأخيرةِ، فالله أعلم، ثم خرجَ الناسُ أرسالاً (٢) يتبعُ بعضُهم بعضاً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ إنما لم يأذن النبي للأنصار بالقتال وقتها لأنه لم يكن قد شُرِع بعد، لأن الجهاد إنما شُرِع بعد الهجرة على القول الصحيح (٣).
стр. 79
٢ ــ وبناء على ما تم الاتفاق عليه في هذه البيعة فقد أخذ المسلمون بالهجرة إلى المدينة، فارين بدينهم، خاصة وقد أصبحت لهم دارٌ يأمنون بها، وإخوان ينصرونهم.
٣ ــ وقوله: "ويقال إن أبا سَلَمَة هاجر قبل العقبة الأخيرة": قلت: هذا هو المشهور؛ أنه هاجر بعد بيعة العقبة الأولى (١).
٤ ــ وفي بيعة الأنصار رسولَ الله ﷺ سراً عند العقبة دليل على مشروعية أخذ الحيطة والحذر عند تدبير الأمور.
стр. 80
فصل
هجرة رسُولِ الله ﷺ إلى المدينة
قال المصنف: «ولم يبقَ بمكة مِنْ المسلمينَ إِلا رسُولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ وعليٌّ رضي الله تعالى عنهما أقاما بأمره لهما، وإلَّا مَنْ اعتقله المشركون كُرهاً، وقد أعدَّ أبو بكرٍ ﵁ جَهَازَه وجَهَازَ رسُولِ الله ﷺ ، منتظراً متى يأذن الله لرسُولِه ﷺ في الخروج».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ لم يهاجر رسول الله ﷺ ابتداء لأنه كان ينتظر الإذن بذلك من الله . وأما علي بن أبي طالب فقد أمره النبي بالتخلف بعده كي يردّ الودائع التي كانت عنده للناس (١). وأما أبو بكر فقد أزمع الهجرة لكن رسول الله ﷺ استبقاه كي يكون رفيقاً له، وقال له: «على رِسْلِكَ يا أبا بكر فإني أرجو أن يؤذن لي» (٢).
٢ ــ وفي إيداع المشركين ودائعهم عند النبي ﷺ دليل على ما كان يتمتع به ﷺ من ثقة وصدق وأمانة عند قريش حيث كانوا يتركون أموالهم وودائعهم عنده،
стр. 81
وفي المقابل يكذبونه ويرمونه بالسحر والخداع، وهذا تناقض عجيب.
٣ ــ وفي اختيار النبي ﷺ لأبي بكر دون غيره كي يكون رفيق هجرته دليل على مدى حبّ النبي ﷺ له وقربه منه وثقته فيه.
الاختباء بغار ثور:
قال المصنف: «فلمَّا كانت ليلةُ هَمَّ المشركونَ بالفتكِ برسُولِ الله ﷺ ، وأَرصَدُوا على البابِ أقواماً، إذا خَرَجَ عليهم قتلُوه، فلمَّا خَرَجَ عليهم لم يرهُ منهم أحدٌ.
وقد جاء في حديث أنه «ذَرَّ على رأسِ كلّ واحدٍ منهم تراباً». ثم خَلُص إلى بيت أبي بكر ﵁، فخرجا من خَوْخَةٍ (١) في دار أبي بكرٍ ليلاً، وقد استأجرا عبدَ الله بن أُرَيْقط، وكان هادياً خِرّيتاً (٢)، ماهراً بالدَّلَالة إلى أرضِ المدينة، وأمِنَاه على ذلك مع أنه كان على دينِ قومه، وسلّما إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثَوْرٍ (٣) بعد ثلاثٍ. فلمَّا حصلا في الغار عَمَّى الله على قريشٍ خبرَهما، فلم يدروا أين ذهبا.
وكان عامرُ بنُ فُهيرة يُريح (٤) عليهما غنماً لأبي بكرٍ، وكانت أسماءُ أبنةُ أبي بكرٍ تحمل لهما الزادَ إلى الغار، وكان عبد الله بنُ أبي بكر يتسمَّعُ ما يُقال بمكة ثم يذهبُ إليهما بذلك فيحتَرِزَان منه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن قريشاً كانت قد همّت بقتل النبي ﷺ
стр. 82
والخلاص منه قبل أن يخرج إلى أنصاره في المدينة، فجاءه جبريل وأعلمه بما دبّرت قريش، وأمره أن يغادر مكة وقال له: "لا تبت هذه الليلة على فراشك" (١).
٢ ــ وقد أُرّخ خروجه ﷺ من مكة بليلة (٢٧) من شهر صفر، سنة: (١٣) من البعثة، حيث توجه هو وأبو بكر إلى غار ثور، وبقيا فيه ثلاث ليالٍ قبل أن يتوجها بعدها إلى المدينة (٢).
٣ ــ وقوله: "وقد جاء في حديث أنه «ذَرَّ على رأس كلّ واحد منهم تراباً» ": قلت: أخرجه ابن إسحاق بإسناد حسن بالشواهد (٣).
وهي معجزة باهرة للنبي ﷺ حيث لم يشعروا به حين وضع التراب على رؤوسهم ومرّ من أمامهم.
٤ ــ وقوله: "وقد استأجرا عبدَ الله بن أُرَيْقط وكان هادياً خِريتاً .. ": هذا مخرج في الصحيح (٤)، لكن دون التصريح باسمه، وإنما رجل من بني الدّيل، وقد سماه ابن إسحاق في السيرة (٥).
وفيه دليل على جواز استعانة المسلم بغير المسلم عند الحاجة أو الضرورة، وقد تقدمت المسألة بشواهدها مراراً.
стр. 83
٥ ــ كما يؤخذ من هجرة النبي وأبي بكر سراً، واختبائهما في الغار مشروعية الأخذ بالأسباب من الحيطة والحذر، وأن هذا لا يتنافى مع كمال التوكل على الله .
خوف أبي بكر على النبي ﷺ :
قال المصنف: «وجاء المشركونَ في طلبِهما إلى ثَوْرٍ، وما هناك من الأماكنِ، حتى إنهم مرُّوا على بابِ الغارِ، وحاذَت أقدامُهُم رسُولَ الله ﷺ وصاحِبَه، وعمَّى الله عليهم بابَ الغار. ويقال ـــ والله أعلم ـــ إنَّ العنكبوتَ سدَّت على باب الغارِ، وإن حمامتين عشَّشَتا على بابهِ، وذلك تأويلُ قوله تعالى: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، وذلك أنَّ أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه لشدَّةِ حِرْصِه بكى حين مرَّ المشركونَ، وقال: يا رسُولَ الله لو أن أحدَهم نظرَ موضعَ قدميه لرآنا. فقال له النبي ﷺ : يا أبا بكرٍ، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وجاء المشركونَ في طلبِهما إلى ثور": بيَّنت رواية المسند أن قريشاً إنما استطاعت الوصول إلى فم الغار عن طريق الاستعانة بالقافة الذين كانوا يقصُّون آثار الأقدام (١)، ووصولهم إلى الغار واختبائهما فيه ثلاث أيام
стр. 84
مخرج في الصحيحين (١).
٢ ــ وقوله: "ويقال إنَّ العنكبوتَ سدَّت باب الغار": قصة العنكبوت مخرجة عند أحمد (٢) بإسناد حسنه ابن كثير (٣) وابن حجر (٤).
٣ ـــ أما قصة الحمامتين والشجرة التي نبتت في فم الغار فبرغم اشتهارهما في كتب السيرة إلا أن أسانيدها لا ترتقي إلى درجة الصحة، وقد ضعفها غير واحد، كابن كثير (٥)، والعُمري (٦)، والله أعلم.
٤ ــ وقد استدل بعض أهل الباطل بحزن أبي بكر حين اقترب المشركون من الغار على ضعفه وجزعه وخوفه!! وهذا استدلال باطلٌ لأن حزن أبي بكر لم يكن لأجل نفسه، وإنما كان لأجل سلامة النبي ﷺ أن يصيبه سوء أو مكروه، وهذا أمر ظاهر.
٥ ــ وفي قوله ﷺ لأبي بكر «لا تحزن إن الله معنا»: دليل على أن المؤمن يجب عليه التوكل على الله، والثقة بنصره وعونه وتأييده.
بَدْء المسيرِ إِلى المدينة:
قال المصنف: «ولمَّا كان بعد الثلاثِ أتى ابن أُريقط بالراحلتين فركباهما،
стр. 85
وأردفَ أبو بكرٍ عامرَ بن فُهيرة، وسارَ الدَّيلي أمامَهما على راحِلتِه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن النبي ﷺ وأبا بكر ظلّا مختبئين في غار ثور ثلاثة أيام ريثما يخفّ البحث عنهما. وبعدها جاءهما عبد الله بن أريقط، فانطلقوا إلى المدينة وفي صحبتهم عامرُ بنُ فُهيرة، مولى أبي بكر، كما دل على ذلك روايات الصحيحين المتقدمة ـ
٢ ــ وكان ابن أريقط مشركاً على دينه قومه كما في رواية الصحيحين المتقدمة، وقد جزم غير واحد من العلماء بأنه لا يُعرف له إسلاماً بعد ذلك إلا الحافظ الذهبي فقد ذكره في جملة الصحابة (١).
٣ ــ وقد وردت رواية ضعيفة بتحديد انطلاق الركب صوب المدينة بيوم الاثنين، لأربع خلون من شهر ربيع، سنة: ١ هـ (٢).
خَبَر سُراقة بن مالِك:
قال المصنف: «وجَعَلَتْ قريشٌ لمن جاء بواحدٍ من محمد ﷺ وأبي بكرٍ ﵁ مائةً من الإبل، فلمَّا مرُّوا بحي مُدلِج، بَصُر بهم سُراقة بن مالِك بن جُعشُم، سيّد مُدْلِج، فركبَ جواده وسارَ في طلبهم، فلمَّا قرُب منهم سمع قراءةَ النبيّ ﷺ ، وأبو بكرٍ ﵁ يُكثر الالتفات حَذَراً على رسُولِ الله ﷺ ، وهو ﷺ لا يلتفتُ. فقال أبو
стр. 86
بكرٍ: يا رسُولَ الله! هذا سُراقة بن مالِك قد رهقنا (١). فدعا عليه رسُولُ الله ﷺ فساخَت (٢) يدا فرسِه في الأرضِ، فقال: رميتُ، إنَّ الذي أصابني بدعائِكما، فادعُوا الله لي، ولكما عليَّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسُولُ الله ﷺ فأُطلِق، وسأل رسُولَ الله ﷺ أن يكتب له كتاباً، فكتب له أبو بكرٍ في أديمٍ، ورجع يقول للناسِ: قد كُفيتم ما ههُنا.
وقد جاء مسْلِماً عامَ حجة الوداع ودفعَ إلى رسُولِ الله ﷺ الكتابَ الذي كتبه له، فوفَّى له رسُول الله ﷺ بما وعدَه وهو لذلك أهلٌ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة سراقة بن مالِك مخرجة في الصحيحين بنحو ما ذكره المصنف، وفي رواية البخاري أن سراقة كرر محاولة الوصول للنبي ﷺ مرتين، وفي كل مرة كانت تسقط فرسه وتسيخ يداها في الأرض (٣).
٢ ــ وفي الحادثة معجزه باهرة للنبي ﷺ ، ومظهر من مظاهر حفظ الله ورعايته له أثناء هجرته، ونظيره تعمية عيون قريش عنه عندما خرج من بيته، وعندما اختبأ في غار ثور.
٣ ــ ومما اشتهر في كتب السيرة أن النبي ﷺ قال يومها لسراقة: «كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سواري كسرى؟»، فلما فُتحت بلاد فارس وأُتي عمر بن الخطاب ﵁ بسواريّ كسرى وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وقال له:
стр. 87
"قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مُدلج" (١).
٤ ــ وقد اتفق الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب على جعل تاريخ هجرته ﷺ هو مبدأ التاريخ الإسلامي بعد تشاور وتداول، وأوضح العلامة السهيلي سبب اختيارهم لهذا التاريخ، فقال: "لأنه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والذي أُمِّر فيه النبي ﷺ ، وأَسَّسَ المساجد، وعبدَ الله آمنا كما يجب" (٢).
وحتى لا يختلف مبدأ تاريخ الهجرة مع مبدأ السنة الهلالية قدَّم الصحابة ميعاد الهجرة شهرين وأياماً، وجعلوا بدء الهجرة من محرَّم تلك السَّنَة.
خَبَر شَاةِ أمِّ مَعْبَدٍ:
قال المصنف: «ومرّ رسُولُ الله ﷺ في مسيرهِ ذلك بخيمةِ أمّ مَعْبَدٍ فقال عندها (٣)، ورأتْ من آياتِ نبوَّتهِ في الشاةِ وحلْبها لبناً كثيراً في سَنَةٍ مُجدبةٍ ما بَهَرَ العقولَ ﷺ ».
الكلام عليه من وجهين:
١ ــ هذه معجزة باهرة أخرى أكرم الله بها نبيّه ﷺ في طريق هجرته إلى المدينة، وخلاصتها: أن النبي ﷺ والركب الذي معه مروا في طريق هجرتهم جهة قُديد بخيمة أمرأة يقاله لها: أم معبد، واسمها: عاتكة بنت خالد الخزاعية، وكانت امرأة
стр. 88
تسقي وتطعم من يمرّ بها من المسافرين، فسألها النبي ﷺ إن كان عندها لبن أو لحم يشترونه، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرَى (١)، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة هزيلة في جانب الخيمة، فسألها: «هل بهذه الشاة من لبن»؟ فقالت: هي أجهد من ذلك. فقال: «أتأذنين لي في حلبها؟»، فقالت: نعم، إن رأيت بها حَلْباً فَاحْلُبْهَا، فدعا بالشاة فمسح ضرعها وظهرها وسمّى، فدرّت لبنا غزيراً، فحلب للقوم في إناء وسقاهم مرة بعد مرة حتى ارتووا جميعاً، ثم حلب ثالثة وقال: «ارفعي هذا لأبي معبد»، ثم ركبوا وانصرفوا.
٢ ــ وهذه الحادثة ذكرتها عامة كتب السيرة، وقد صححها الإمام الحاكم في المستدرك ودافع عنها (٢)، وقال ابن كثير: "قصتها مشهورة مروية من طرق يشدّ بعضها بعضا" (٣)، وكذا حسنها بمجموع طرقها وشواهدها الصوياني (٤)، والعلي (٥).
٣ ــ وقد أكرم الله أمّ معبد وزوجها فأسلما بعد ذلك، وترجم لهما غير واحد في الصحابة (٦).
стр. 89
فصل
وصُوُلُه ﷺ المدينةَ
قال المصنف: «وقد كان بَلَغَ الأنصارَ مخرجه من مكة وقصدُه إِيَّاهم، فكانوا كلَّ يومٍ يخرجُون إلى الحَرَّة ينتظرُونه، فلمَّا كان يومُ الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأسِ ثلاث عشرة سنة من نبوّته ﷺ وافاهم رسُولُ الله ﷺ حين اشتدّ الضّحاء، وكان قد خرجَ الأنصارُ يومئذٍ، فلمَّا طالَ عليهم رجعوا إلى بيوتهم.
وكان أوَّلَ من بَصُر به رجلٌ من اليهود ــ وكان على سطح أُطُمه (١) ــ فنادى بأَعلى صوته: يا بني قَيْلَة (٢) هذا جَدُّكم (٣) الذي تنتظرون! فخرجَ الأنصارُ في سلاحهم، فتلقوه وحَيّوْه بتحية النبوّة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ اختلفت الرواية في تاريخ قدوم النبي ﷺ إلى قباء بالمدينة، فقيل إنه كان في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول، وقيل في اليوم الثاني عشر من الشهر نفسه،
стр. 90
وذكر الخلاف ابن حجر ولم يرجح في المسألة، لكنه اعتمد أن القدوم كان يوم الاثنين (١).
٢ ــ وما أشار له المصنف من خروج الأنصار كل يوم إلى حرَّة المدينة ينتظرون قدومه ﷺ ورؤية اليهودي له .. إلى آخره، هذه رواية مخرجة في البخاري (٢).
٣ ــ وقد اشتهر في كتب السيرة أن جواري بني النجار خرجن يومها ينشدن: طلع البدر علينا … من ثنيَّات الوداع .. الأبيات المعروفة، وهذه الحادثة لم تصل إلينا من طريق ثابتة (٣).
وقد رجح جمع من العلماء كابن القيم (٤)، وابن حجر (٥): أن هذا النشيد قيل للنبي ﷺ مرجعه من غزوة تبوك، لأن ثنيَّة الوداع من جهة الشام لا من جهة مكة.
٤ ـ وقد ازدحم الأنصار رجالاً ونساء وصبياناً لرؤية رسول الله ﷺ ، وفرحوا بمقدمه فرحاً عظيماً، حتى قال البراء بن عازب ﵁: «جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء، فرحهم به» (٦).
٥ ــ وفي الحادثة صورة من صور شدة محبة الأنصار للنبي ﷺ ، وقد بوّب
стр. 91
العلماء في كتبهم أبواباً كثيرة في مناقب الأنصار وفضائلهم ﵃.
في منزل قباء:
قال المصنف: «ونَزَلَ رسُولُ الله ﷺ بقُباء على كُلثوم بن الهِدْم، وقيل: بل على سعد بن خَيْثَمة، وجاء المسلمونَ يسلِّمون على رسُولِ الله ﷺ ، وأكثرُهم لم يره بعدُ، فكان بعضُهم أو أكثرُهم يظنّه أبا بكرٍ؛ لكثرة شيبه، فلمَّا اشتدَّ الحرُّ قام أبو بكرٍ بثوب يظلِّل على رسُولِ الله ﷺ فتحقّق الناسُ حينئذٍ رسُولَ الله ﵊».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "ونزل رسول الله بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة": قلت: هكذا أورده ابن إسحاق على الشكّ، وجَمَعَ بينهما بأنه ﷺ كان يبيت ليلاً عند كلثوم بن الهِدم، ويجلس نهاراً عند سعد بن خيثمة، لأنه كان عزباً (١).
٢ ــ وقد كان كلثوم بن الهِدم شيخاً كبيراً عندما نزل النبي ﷺ عنده.
ويقال: إنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، ولم يدرك شيئًا من المشاهد (٢).
٣ ــ ودار كلثوم بن الهدم كانت في قبلة مسجد قباء، ملاصقة لها، وبقربها دار سعد بن خيثمة، كما أفاده السمهودي (٣).
стр. 92
٤ ــ وما ذكره المصنف من تسليم الأنصار على رسول الله ﷺ عند مقدمه، وتظليل أبي بكر له بثوبه فقد أخرج مضمونه البخاري في الصحيح (١).
٥ ــ وقد اختلف في مقدار مكثه ﷺ بقباء قبل أن يتوجه إلى المدينة، فالذي في البخاري عن أنس بن مالك: أربعة عشر يوماً (٢)، والمشهور عند أصحاب المغازي: أربعة أيام (٣)، قال ابن حجر: "وقول أنس أولى بالقبول" (٤).
стр. 93
فصل
تأسيسُ مسجدِ قُباء
قال المصنف: «فأقامَ رسُولُ الله ﷺ بقُباء أياماً، وقيل: أربعة عشر يوماً، وأسَّسَ حينئذٍ مسجدَ قُباء، ثم ركبَ بأَمرِ الله تعالى فأدركتهُ الجُمُعة في بني سالِم بن عَوف فصلَّاها في المسجدِ الذي في بطن وادي رانونا (١). ورغبَ إليه أهلُ تلك الدارِ أن ينزل عليهم، فقال: «دعوها فإِنها مأْمورة»، فلم تزل ناقتهُ سائرة به، لا يمرُّ بدارٍ من دُور الأنصار إلا رغِبوا إليه في النُّزول عليهم، فيقول: «دعوها فإِنها مأْمورة». فلمَّا جاءت موضعَ مسجدِه اليومَ بركت، ولم ينزل عنها ﷺ حتى نهضتْ وسارتْ قليلاً، ثم التفتتْ ورجعتْ فبركتْ في موضعها الأول، فنزلَ عنها ﷺ ، وذلك في دار بني النَّجار، فحَمَل أبو أيوب ﵁ رَحْلَ رسُولِ الله ﷺ إلى منزله».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قدمنا في الفصل السابق أن إقامة النبي ﷺ بقباء كانت على الأرجح (١٤) يوماً.
٢ ــ ثم إن المشهور أن النبي ﷺ هو الذي أسس مسجد قباء وصلَّى فيه حين
стр. 94
قدم إلى المدينة (١).
لكن ورد في بعض الروايات أن الصحابة كانوا قد بنوه قبل هجرته، فلما قَدِمَ صلَّي بهم فيه (٢).
وظاهر رواية أنس في الصحيح يردّ هذا، ولفظها: "فلبثَ رسولُ الله ﷺ في بني عَمْرِو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأَسَّسَ المسجد الذي أُسِّس على التَّقْوى، وصلَّى فيه" (٣).
٣ ــ وقوله: "فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن وادي رانونا": حاصله: أن النبي ﷺ بعد إقامته في قباء توجه إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة وهو في بطن وادي رانونا فصلاها بأصحابه هناك. ثم اتخذ موضع مصلاه بعد ذلك مسجداً، وسمّي مسجد الجمعة (٤).
٤ ــ وقوله: "دعوها فإنها مأمورة": هذه الرواية ذكرها ابن إسحاق (٥) وغيره، وحسنها بعض العلماء بمجموع طرقها (٦).
٥ ــ وما ذكره المصنف من بروك الناقة عند موضع المسجد ثم سيرها قليلاً ثم التفاتها ورجوعها إلى موضعها الأول فهذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٧).
стр. 95
وأما رواية البخاري فاكتفت بقوله: "ثم ركب راحلته، فسار حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة .. فقال: هذا إن شاء الله المنزل" (١).
٦ ــ وما أشار إليه المصنف من نزوله ﷺ عند أبي أيوب مخرج في الصحيحين (٢).
٧ ــ وكانت مدة إقامته ﷺ عند أبي أيوب سبعة أشهر حتى بنيت له حجراته (٣).
* * *
بناءُ المسجدِ النَّبويّ:
قال المصنف: «واشترى رسُولُ الله ﷺ موضعَ المسجد، وكان مِرْبَداً (٤) ليتيمين، وبناه مسجداً، فهو مسجده الآن، وبُني لآل رسُولِ الله ﷺ حُجَراً إلى جانبه. وأما عليٌّ ﵁ فأقامَ بمكة ريثما أدَّى عن رسُولِ الله ﷺ الودائعَ التي كانت عنده وغيرَ ذلك، ثم لَحِقَ برسُولِ الله ﷺ ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "واشترى رسول الله موضع المسجد": هذا ثابت في الصحيحين عن أنس بن مالك، ولفظه: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر ببناء المسجد، وقال: «يا بني النَّجار ثامنوني بِحائطكم هذا» قالُوا: لا الله لا نطلب ثمنه إلا إلى
стр. 96
الله، فأبى رسولُ الله أن يقْبله منهما هِبةً حتى ابتاعه منهما» (١).
٢ ــ وقد كان في أرض المسجد عند شرائها قبور قديمة للمشركين وخِرَب ونخل، فأمر ﷺ بالقبور فنبشت، وبالخِرَب فهدمت، وبالنخل فقطع، وجعل في قِبلة المسجد (٢).
٣ ــ وقد اشترك ﷺ مع أصحابه في بناء المسجد بيده الشريفة، وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا ينشدون أثناء البناء وهم في سعادة وسرور:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
٤ ــ وفي هذه المشاركة صورة من صور تواضعه الجم ﷺ ومساواة نفسه بأصحابه في تحمّل المسؤوليات عندما يحمل معهم الحجارة ويشاركهم العمل بيده، ولا يكتفي بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل الزعماء عادة.
٥ ــ وفي بدء النبي ﷺ ببناء المسجد بمجرد وصوله إلى المدينة دليل على أهمية دور المسجد في الإسلام ومكانته العظيمة، فالمسجد هو بيت الله، ودار العبادة، ومعهد العلم، وفيه يلتقي المسلمون كل يوم خمس مرات فيتعارفوا ويتآلفوا، وهو محور كل مجتمع إسلامي وعلامته الفارقة.
стр. 97
فصل
وثيقة المعاهدَة مع اليهود
قال المصنف: «وَوَادَعَ رسُولُ الله ﷺ مَنْ بالمدينةِ مِنْ اليهودِ، وكتَبَ بذلك كتاباً، وأسلَمَ حَبْرُهم؛ عبدُ الله بنُ سلَاَم ﵁، وكفَر عامتُهُم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قَيْنُقاع، وبنو النَّضِير، وبنو قُرَيْظة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن النبي ﷺ عندما قدم مهاجراً للمدينة قام أولاً بثلاثة أعمال رئيسة؛ الأول: بناء المسجد، لأنه ركيزة المجتمع المسلم وروحه وهويته، وهذا تقدم الكلام حوله.
والثاني: مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وهذا سوف يأتي الكلام عنه قريباً.
والثالث: أنه كتب بينه وبين اليهود معاهدة خطية، وهو ما أشار إليه المصنف في هذا الموضع.
٢ ــ وقد حرص النبي ﷺ منذ بداية قدومه إلى المدينة على إقامة علاقة سِلْمٍ بينه وبين اليهود القاطنين بالمدينة، وكتب بينه وبينهم معاهدة خطية أشبه ما تكون بالعقد الاجتماعي، أقرهم فيها على دينهم وأمَّنَهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم
стр. 98
شريطة ألا يحاربوه، ولا يعينوا عليه، وأن يتعاون الجميع في الدفاع المشترك عن المدينة.
٣ ــ وقد أورد نص هذه الوثيقة بطولها ابن إسحاق في سيرته (١)، وصححها بمجموع طرقها: العلامة الصادق العرجون (٢)، والدكتور العُمري (٣)، وحسنها الدكتور جاسم العيساوي في رسالة أفردها للحديث عنها (٤)، وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية (٥)، ولم يتكلم في سندها أو متنها بما يشعر بضعفها.
٤ ــ وقوله: "وأسلم حَبرهم عبد الله بن سلام": قلت: قصة إسلامه ثابتة في البخاري (٦).
وقد ورد في السنن عنه ﵁ أنه قال: «أول ما قدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ انْجَفَل ــ أسرع ــ الناس إليه، فكنتُ فيمن جاءه، فلما تأمَّلْتُ وجهه، عرفتُ أنَّ وجهه ليس بوجه كَذَّاب» (٧).
٥ ــ وقد ذكر بعض الباحثين أن عدد من أسلم من اليهود وشرف بصحبة
стр. 99
النبي ﷺ كانوا (٣٩) رجلاً، جمعهم من الكتب المؤلفة في الصحابة (١).
٦ ــ وما ذكره المصنف عن يهود بني قريظة والنضير وقينقاع فهذه كانت أكبر وأقوى قبائل اليهود في المدينة.
وكانت تعيش إلى جوارها بطون وعشائر يهودية أصغر منها في أماكن متناثرة من المدينة (٢).
٧ ــ وقد اختلف في أصول هذه القبائل، فبعض المؤرخين يقول إنهم كانوا عرباً تهوَّدوا، لكن الأكثر على أنهم كانوا عبرانيين قدموا إلى المدينة من خارج الجزيرة العربية ثم تطبعوا مع مرور الوقت بالثقافة العربية، فأصبحوا يتكلمون العربية ويتسمون بالأسماء العربية (٣).
٨ ــ ولم تكن هذه القبائل اليهودية على وفاق فيما بينها، بل كانت يشوب علاقتهم كثيرٌ من التوتر والاضطراب بل والحروب أحياناً!!.
وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، [البقرة: ٨٤ ـ ٨٥].
وكذلك علاقتهم بجيرانهم من الأوس والخزرج كان يشوبها كثيرٌ من
стр. 100
الاضطراب، وكانت قائمة على المنافع الشخصية، والمكاسب المادية، ومحاولة الاستحواذ والسيطرة المالية على اقتصاد المدينة (١).
مؤاخاته ﷺ بين المُهاجِرينَ والأنْصارِ:
قال المصنف: «وآخى رسُولُ الله ﷺ بين المُهاجِرينَ والأنصارِ، فكانوا يتوارثُون بهذا الإخاءِ في ابتداءِ الإسلامِ إرثاً مقدَّماً على القرابة. وفَرَضَ الله إذ ذاك الزكاةَ رفقاً بفقراءِ المُهاجِرينَ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن النبي ﷺ عندما قدم مهاجراً إلى المدينة كان من ضمن ما قام به من الأعمال الأولية أنه آخي بين أصحابه من المهاجرين والأنصار على الحق والمؤاساة، وهذا ثابتٌ في الصحيحين (٢).
٢ ــ وكان الهدف من هذه المؤاخاة: تخفيف آلام الغربة، وتأليف قلوب الصحابة بعضهم على بعض، ومواساة بعضهم بعضاً، ومساعدة بعضهم لبعض، حتى يساعد القويُّ الضعيف، والغنيُّ الفقير (٣).
٣ ــ وكان الصحابة في بداية الأمر يتوارثون بتلك المؤاخاة بعد الموت دون ذوي الرحم، كما أشار المصنف، ثم نُسخ هذا الحكم بعد غزوة بدر بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٧٥] (٤).
стр. 101
٤ ــ وأما فرضية الزكاة فالمشهور عند العلماء أنها فُرضت في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: إنها فُرضت بمكة إجمالاً من غير تقييد بنصاب أو حول، ثم فُصّلت أحكامها بالمدينة (١).
стр. 102
فصل
تشريع الجِهَاد
قال المصنف: «ولمَّا استَقرَّ رسُولُ الله ﷺ بالمدينةِ بين أَظهُر الأنصارِ، وتكفَّلوا بنصرِه ومنعهِ من الأسودِ والأحمرِ، رمتهُم العربُ قاطبةً عن قوسٍ واحدةٍ، وتعرَّضوا لهم من كلّ جانبٍ. وكان اللهُ سبحانه قد أذن للمسلمينَ في الجهادِ في سورة الحجّ ــ وهي مكيّة ــ في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، ثم لمَّا صاروا في المدينةِ وصارتْ لهم شوكةٌ وعَضُدٌ كتب الله عليهم الجهادَ كما قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من أن سورة الحج مكيّة هو أحد الأقوال في المسألة، لكن رجح بعض العلماء كابن القيم (١) أن آية الإذن بالقتال خاصة كانت مدنيّة، وهذا هو الصواب، لأن الجهاد لم يكن مأذوناً به في مكة، بل كان الواجب على المسلمين الصبر والصفح والكفّ.
стр. 103
٢ ــ ثم لما أصبح للمسلمين بعد الهجرة معقل ودولة ومنعة وشوكة أذن الله لهم بالجهاد أولاً، ثم فرضه عليهم أخيراً.
٣ ــ ثم لا بد من الإشارة إلى أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم إنما هي المسالمة والأمان على القول الراجح، كما دلّ على ذلك عشرات النصوص من القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
وقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].
وقوله تعالى في سورة النساء المدنية: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٠].
وأما القتال المسلح فإنما يلجأ إليه في حالات محدودة، وبشروط مقررة، كأن يعتدي الكفار على المسلمين، أو يقفوا عقبة في سبيل الدعوة إلى الإسلام، أو يفتنوا من أسلم من الناس، فحينئذ يجب قتالهم دفعاً للعدوان وحماية للدعوة، وفي المسألة خلاف، وهذا أرجح الأقوال والله أعلم (١). * * *
стр. 104
فصل
غزوة الأَبْواء
قال المصنف: «وكانتْ أولُ غَزَاةٍ غَزَاها رسُولُ الله ﷺ غَزوة الأَبْواءِ (١)، وكانت في صَفَر سنة اثنتين من الهجرة، خرجَ بنفسهِ ﷺ حتى بَلَغَ وَدَّان (٢)، فوادعَ بني ضَمْرة بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة مع سيّدهم مَجدي بن عمروٍ، ثم كرَّ راجعاً إلى المدينةِ، ولم يلق حَرْباً، وكان استخلف عليها سعد بن عُبادة ﵁».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ هذا أوان بدء المصنف في الحديث عن الغزوات والسرايا والبعوث النبوية (٣).
ولكن قبل هذا لابد من الإشارة إلى أن لهذه الغزوات والسرايا أهدافاً سامية ومقاصد شريفة، وليست مجرد حروب توسعية، ومن هذه الأهداف والمقاصد:
стр. 105
أولاً: إشعار القبائل المعادية بأن المسلمين ما عادوا ضعفاء كالسابق، بل أصبحت لهم قوة ومنعة وشوكة يدفعون بها عن أنفسهم.
ثانياً: استخلاص ما استولت عليه قريش من أموال المسلمين وممتلكاتهم بمكة.
ثالثاً: تأديب بعض الأعراب والغزاة الذين كانوا يغيرون على المدينة بين الحين والآخر، كما في غزوة بدر الأولى وغزوة ذي قَرَد، أو يستعدون لذلك، كما في غزوة المُريسيع.
٢ ــ وأما عن هذه الغزوة المسماة بغزوة الأبواء ويقال لها وَدّان، فكان سبب خروج المسلمين فيها اعتراض قافلة تجارية لقريش، لكنها كانت قد سبقتهم وأفلتت منهم.
٣ ــ وفي هذه الغزوة صالح النبي ﷺ بني ضمْرة وعقد بينه وبينهم اتفاقية سلام، ثم كرّ راجعاً للمدينة.
٤ ـ وقد أورد تفاصيل هذه الغزوة ابن إسحاق لكن دون إسناد (١).
بَعْث حمزةَ بنِ عبد المُطّلِبِ وبعث عُبيدة بنِ الحارث:
قال المصنف: «ثم بَعَثَ عمَّه حمزة ﵁ في ثلاثين راكباً من المهاجرين ليس فيهم أنصاريٌّ إلى سِيفِ البحر (٢)، فالتقى بأبي جهل بن هشام ورَكْبٍ معه زُهَاء ثلاثمائةٍ، فحالَ بينهم مَجْدي بن عمرو المتقدّم؛ لأنه كان موادعاً للفريقين.
стр. 106
وبَعَثَ عُبيدةَ بنَ الحارث بن المطلب في ربيع الآخر في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين أيضاً إلى ماءٍ بالحجاز بأسفل ثنية المَرَة، فلَقُوا جمعاً عظيماً من قريشٍ عليهم: عكرمة بنُ أبي جهلٍ، وقيل: بل كان عليهم مِكْرَز بن حفص، فلم يكن بينهم قتالٌ، إلا أن سعد بن أبي وقاص رَشَقَ المشركين يومئذٍ بسهمٍ، فكان أولَ سهمٍ رُمي به في سبيل الله. وفرّ يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقدادُ بنُ عمرو الكندي، وعُتبةُ بنُ غَزْوان ﵄. فكان هذان البعثان أولَ رايةٍ عقدها رسُولُ الله ﷺ ، ولكن اختُلف في أيهما كان أول، وقيل: إنهما كانا في السنةِ الأولى من الهجرة. وهو قول ابن جَرير الطبري (١)، والله تعالى أعلم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كان الهدف من هذه البعوث كما قدمنا: تهديد قوافل قريش التجارية لإفهامها بضرورة تغيير موقفها المتعنت تجاه المسلمين، واستخلاص بعض ما استولت عليه من أموال المسلمين بمكة بعد أن طردتهم منها.
٢ ــ وقد أورد تفاصيل هذين البعثين ابن إسحاق وغيره لكن دون إسناد (٢).
٣ ــ وفي بعث عُبيدة: فضيلة لسعد بن أبي وقاص ﵁ حيث إنه أول من رمى بسهم في سبيل الله.
стр. 107
فصل
غزوة بُوَاط (١) والعُشَيْرة (٢) وبَدْر الأُولى
قال المصنف: «ثم غزا رسُولُ الله ﷺ غزوة بُوَاط، فخرجَ بنفسه ﷺ في ربيع الآخر من السنة الثانية، واستعملَ على المدينةِ السَّائبَ بن عثمان بن مظعون، فسار حتى بلغ بُواطَ من ناحية رَضْوَى، ثم رجعَ ولم يلقَ حرباً.
ثم كانت بعدها غزوة العُشَيْرة، ويقال بالسّين المهملة، ويقال العُشَيْراء. خرجَ بنفسه ﷺ في أثناء جُمَاد الأُولى حتى بلغَها، وهي مكانٌ ببطن ينبع، وأقام هناك بقية الشهر ولياليَ من جُمَادى الآخرة، وصالَحَ بني مُدْلِج، ثم رجع ولم يلق كيداً، وقد كان استخلف على المدينة أبا سَلَمَة بنَ عبد الأسد. وفي صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي، قال: قلتُ لزيد بن أَرقم: كم غزا رسُولُ الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة غزوة، أولها العُشيرة أو العُشيراء.
ثم خرجَ بعدها بنحو من عشرة أيام إلى بَدْرٍ الأُولى، وذلك أن كُرْزَ بن جابر الفِهْري، أغار على سَرْحِ المدينة (٣)، فطلبه، فبلغَ وادياً يقال له سَفَوان في ناحية بَدْرٍ،
стр. 108
ففاته كُرْز فرجع، وقد كان استخلف على المدينة زيد بن حارثة ﵁».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أورد ابن إسحاق تفاصيل غزوتي بُواط والعُشيرة بدون إسناد (١)، لكن البخاري بوب في الصحيح، وقال: "باب غزوة العُشيرة أو العُسيرة" ثم نقل عن ابن إسحاق قوله: «أول ما غزا النبي ﷺ : الأبْواء، ثم بُوَاط، ثم العُشَيْرة» (٢).
٢ ــ وحديث زيد بن أرقم في أول غزوات النبي ﷺ عزاه المصنف لمسلم (٣)، وهو مخرج أيضاً في البخاري بنحوه (٤).
٣ ــ وقد تقدم توجيه المصنف لحديث زيد في أول الغزوات، وأن مقصوده: ما حضره زيدٌ بنفسه مع النبي ﷺ لا أنها أول الغزوات مطلقاً.
وكذلك ما ذكره زيد بن أرقم من عدد الغزوات فقد خولف فيه، حيث أثبت جمهور العلماء للنبي ﷺ (٢٧) غزوة (٥)، ويحتمل أن زيداً تكلم بحسب علمه وخفيت عليه بعض الغزوات (٦)، على أن الحافظ ابن حجر دافع عما قاله زيد بن أرقم، وأوضح أن سبب الاختلاف يرجع إلى طريقة عدّ الغزوات، فبعض العلماء يجعل مثلاً غزوة الأحزاب وبني قريظة واحدة لقربهما من بعض، وبعضهم يجعلهما اثنتين،
стр. 109
وبعضهم يجعل غزوة حنين والطائف واحدة، وبعضهم يجعلهما اثنتين .. وهكذا (١).
٤ ــ وغزوة بدر الأولى ذكرها ابن إسحاق والواقدي وابن سعد جميعاً بدون إسناد (٢). ٥ ــ وقد أسلم كُرز فيما بعد كما ذكر الحافظ ابن حجر (٣).
стр. 110
فصل
بَعْث عبدِ الله بن جَحْش
قال المصنف: «ثم بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ عبدَ الله جَحْش بن رِئاب الأسديّ وثمانية من المهاجِرينَ، وكَتَبَ له كتاباً، وأمَرَه ألا ينظُر فيه حتى يسيرَ يومينِ، ثم ينظُر فيه، ولا يُكره أحداً من أصحابه، فَفعلَ.
ولما فتح الكتاب وجد فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزِلَ نَخْلَة ــ بين مكة والطائف ــ وترصُد بها قريشاً، وتَعْلَمَ لنا من أخبارهم»، فقال: سمعاً وطاعةً، وأخبَر أصحابَه بذلك، وبأنَّه لَا يستكرهُهُم، فمن أحبَّ الشهادة فلينهض، ومن كرِه الموتَ فليرجعْ، وأما أنا فناهضٌ، فنهضوا كلُّهم.
فلما كان في أثناء الطريق أضلّ سعدُ بنُ أبي وقَّاص وعتبةُ بنُ غزوانَ بعيراً لهما كانا يعتقبانِهِ فتخلَّفا في طلبهِ، وتقدَّم عبدُ الله بن جَحْشٍ حتى نزل بنَخلَة، فمرَّت به عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً وأَدَماً وتجارة، فيها عمرُو بن الحضرميّ وعثمانُ ونوفلُ ابنا عبد الله بن المُغيرة، والحَكَمُ بنُ كيْسان مولى بني المُغيرة.
فتشاورَ المسلمون وقالوا: نحنُ في آخرِ يومٍ من رجبٍ الشهر الحرام، فإن قاتلناهُم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهُم الليلة دخلُوا الحرم، ثم اتفقوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عمرَو بن الحضرميّ فقتلَه، وأسروا عثمانَ والحَكَمَ، وأفلتَ