← Сира

Сира · id 1054

حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

هانى فقيه

Полный текст (303 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

"إنَّما قُتل كعب على هذه الصّفة لأنه نقض عهد النبي ﷺ وهجاه وسبّه وعاهده أن لا يُعين عليه أحداً، وجاءه مع أهل الحرب مُعيناً عليه، وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم ولم يعرف هذا الوجه، والجواب ما قلناه" (١). ٣ ــ وكان حادثة قتله قبل غزوة أحد، في ربيع الأول من السنة الثالثة (٢). ٤ ــ وقوله: "فأذن رسول الله ﷺ في قتل اليهود": المقصود بهم المحاربين وناقضي العهود منهم، من أمثال كعب بن الأشرف، بدليل أن النبي ﷺ لم يتعرض لبقية يهود إلا بعد نقضهم العهد كما سيأتي في حوادث السيرة.

стр. 142

فصل غزوة أُحُدٍ قال المصنف: «وهي وقعةٌ امتحنَ اللهُ فيها عبادَهُ المؤمنينَ واختبرهُم، وميّزَ فيها بين المؤمنينَ والمنافقينَ. وذلك أن قريشاً حين قَتَلَ الله سَرَاتهَم (١) ببدر، وأصيبوا بمصيبةٍ لم تكن لهم في حسابٍ، ورأَسَ فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم، شرع يجمّع قريشاً ويؤلّب على رسُولِ الله ﷺ وعلى المسلمينَ، فجمّع قريباً مِنْ ثلاثةِ آلافٍ من قريشٍ والحلفاء والأحابيش (٢). وجاؤوا بنسائهم لئلَّا يفرُّوا، ثم أقبلَ بهم نحو المدينةِ، فنزلَ قريباً من جبل أُحد بمكان يقال له: عَيْنَينِ (٣)، وذلك في شوال من السنةِ الثالثة». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ اتفق علماء السيرة على وقوع هذه الغزوة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة (٤)، واختلفوا في تحديد اليوم، والأشهر أنه: يوم السبت

стр. 143

للنصف من شوال (١). ٢ ــ وقد كان لهذه الغزوة أسبابٌ عديدة، من أهمها كما أشار المصنف: أن قريشاً أرادت الثأر لقتلاها ببدر، وردُّ اعتبارها وهيبتها أمام العرب، وقد استعانت على تجهيز الجيش بأموال العير التي نجت يوم بدر. ٣ ــ وما ذكره المصنف من عدد جيش قريش هو المتفق عليه بين عامة أهل السير، وقد رواه البيهقي عن الزهري مرسلاً بإسناد صحيح (٢). ٤ ــ وقوله: "ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم": قلت: كان أبو سفيان بن حرب من زعماء الدرجة الثانية في قريش، وكان مسؤولاً عن شؤون تجارة قريش الخارجية، لكن بعد مقتل كثير من كبارهم يوم بدر آلت إليه زعامة مكة ورئاستها، وقد كان من أشد الناس عداء للإسلام وتصدياً له حتى إسلامه يوم فتح مكة. مشاورته ﷺ أصحابه في الخروج لقريش أو المكث في المدينة: قال المصنف: «واستشارَ رسُولُ الله ﷺ أصحابَه: أيخرجُ إليهم أم يمكثُ في المدينةِ؟ فبادَرَ جماعةٌ من فضلاءِ الصحابةِ ممَّن فاتهُ الخروجُ يومَ بدرٍ إلى الإشارةِ بالخروجِ إليهم، وألحُّوا عليه ﷺ في ذلك. وأشار عبدُ الله بنُ أُبي بنُ سلول بالمُقام بالمدينةِ، وتابعهُ على ذلك بعضُ الصحابةِ، فألحَّ أولئك على رسُولِ الله ﷺ ، فنهضَ ودخلَ بيته ولبِس لأمَتَه (٣)،

стр. 144

وخرجَ عليهم، وقد انثنى عزمُ أولئك فقالوا: يا رسُولَ الله! إن أحببتَ أن تمكثَ في المدينةِ فافعل. فقال: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبِس لأمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتل»، وذلك يومُ الجمعة، واستخلفَ على المدينةِ ابنَ أم مكتُوم». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ مشاورته ﷺ أصحابه في الخروج لملاقاة جيش قريش أم التحصن في المدينة ذكرها ابن إسحاق (١) في السيرة، وعلقها البخاري في الصحيح (٢)، وأخرجها أحمد في المسند بإسناد صححه ابن حجر (٣). ٢ ــ وقد كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول ــ رأس المنافقين ـــ موافقاً لرأي النبي ﷺ ، لكنه لسبب وهدف مختلف، فقد كان يريد عدم المشاركة في القتال دون أن يحس به أحد، وهذا إنما يتحقق له إذا كانت المعركة داخل أزقة المدينة وليس خارجها. ٣ ــ وفي الحادثة دليل على الأخذ بمبدأ الشورى فيما لم يرد فيه نص شرعي ملزم، وتقدم لذلك نظائر عدة. ٤ ـ وفيه أيضاً دلالة على ضرورة حزم القائد وترك التردد في الرأي، "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل". ٥ ــ واستخلافه ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (٤).

стр. 145

رجوع عبد الله بن أُبيّ ومن معه أثناء الطريق: قال المصنف: «وخَرَجَ إلى أُحدٍ في ألفٍ، فلما كان ببعضِ الطريقِ انخزلَ عبدُ الله بنُ أُبيّ في نحو ثلاثمائةٍ إلى المدينةِ، واستقلَّ رسُولُ الله ﷺ بمن بقيَ معهُ حتى نزلَ شِعْبَ أُحدٍ، فجعلَ ظهرَهُ إلى أُحدٍ، ونهى الناسَ عن القتالِ حتى يأمرهُم. فلما أصبحَ تعبَّأ ﷺ للقتالِ في أصحابهِ، وكان فيهم خمسونَ فارساً، واستعملَ على الرُّماةِ ــ وكانوا خمسين ــ عبدَ الله بن جُبير الأوسيّ، وأمرهُ وأصحابهُ أن لا يتغيَّروا من مكانِهم، وأن يحفظوا ظهورَ المسلمينَ أن يُؤتوا من قِبَلِهِم. وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قوله: "وخرج إلى أُحد في ألف": قلت: هذا هو عدد جيش المسلمين عند خروجه من المدينة، هكذا ذكره ابن إسحاق (١)، وهو المشهور عن أهل المغازي كما قال البيهقي (٢). ٢ ــ وخبر رجوع ابن سلول بثلث الجيش ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد (٣)، وأصله في البخاري بلفظ: «لمَّا خَرَج النبي ﷺ إلى أُحد، رجع نَاسٌ ممَّن خَرَج معه» (٤)، قال ابن حجر: "هُمْ عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن تبعه" (٥).

стр. 146

٣ ــ وأمره ﷺ للرُّماة ألا يغيّروا مكانهم ثبت مضمونه في الصحيح، وفيه أنه قال لهم: «إن رأيتمونا تخطَّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» (١). ٤ ــ وقوله "وظاهر بين درعين" أي لبس درعاً فوق درع. والدرع: قَمِيص مصنوع من حلقات من الحدِيد المتشابك، يُلبس وقاية من السِّلَاح. ٥ ــ ومظاهرته ﷺ بين درعين صح فيها أحاديث، منها حديث الزبير بن العوام عند الترمذي، وحسنه الألباني (٢). وفيه دليل على أن التوكل على الله لا يعني ترك مراعاة الأسباب. تنظيمه ﷺ للجيش واستعراضه للشباب: قال المصنف: «وأعطى اللواء (٣) مصعبَ بن عُمير، وجعلَ على إحدى المجنبتين الزُّبيرَ بن العوَّام، وعلى المجنبة الأُخرى المُنذر بن عمرو. واستعرض الشبابَ يومئذٍ، فأجاز بعضَهم وردّ آخرينَ، وتعبأت قريشٌ أيضاً وهم في ثلاثةِ آلافٍ كما ذكرنا، فيهم مائتا فارسٍ، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وكان شعار أصحابِ رسُولِ الله ﷺ يومئذٍ: أمِتْ أمِتْ». الكلام عليه من وجوه: ١ ـ في تقسيمه ﷺ للجيش إلى ميمنة وميسرة، وترتيبه للصفوف، وجعله

стр. 147

بعض الرماة فوق الجبل، وتوزيعه للأدوار والمهام بين الصحابة دليل على ما كان يتمتع به ﷺ من مهارة حربية وبراعة عسكرية فائقة. ٢ ــ وقوله: "واستعرض الشباب يومئذ، فأجاز بعضهم وردّ آخرين": قلت: قَبِلَ منهم اثنين، وردَّ نحو العشرة (١)، وفي الصحيحين أن عبد الله بن عمر ممن رُدَّ يومها (٢). ٣ ــ وفي رده ﷺ لغير البالغين يوم أحد دليل على رحمته ﷺ وشفقته بالأطفال حتى وإن كانت حرباً عادلة، لا كما يفعله تجَّار الحروب اليوم الذين لا يتوانون عن استغلال الأطفال في حروبهم الدامية والزج بهم في أتونها!! ٤ ـ وقول المصنف: "وكان شعارهم يومئذ أمِتْ أمِتْ" بالتكرار، المراد بالشعار: ما يُجعل في الحرب علامة بين أفراد الجيش من الكلمات، حتى يعرف بها الرجل رفيقه، وهذا الشعار ذكره كتاب السيرة بدون إسناد (٣). مخالفة الرماة أمر رسول الله ﷺ : قال المصنف: «وكانت الدولةُ أولَ النهارِ للمسلمينَ على الكفارِ، فانهزموا راجعينَ حتى وصلُوا إلى نسائهم، فلما رأى ذلك أصحابُ عبدِ الله بنِ جُبير قالوا:

стр. 148

يا قومُ، الغنيمة الغنيمة. فذكَّرهم عبدُ الله بن جُبير تقديمَ (١) رسُولِ الله ﷺ إليه في ذلك، فظنوا أن ليس للمشركينَ رجعة، وأنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، فذهبوا في طلبِ الغنيمة. وكرَّ الفرسانُ من المشركينَ فوجدوا تلك الفُرجة قد خلت من الرُّماة فجازوها وتمكنوا، وأقبل آخرُهم، فكان ما أرادَ اللهُ تعالى كونُه، فاستشهد من أكرمهم الله بالشَّهادةِ من المؤمنين، فقُتِل جماعة من أفاضل الصحابة، وتولّى أكثرُهم». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حاصل هذا أن معركة أحد مرّت بثلاث مراحل؛ ففي بداية المعركة حقق المسلمون نصراً كبيراً ضد المشركين، حتى إن المشركين ولَّوا هاربين، وأخذ المسلمون في جمع غنائمهم. لكن بعد أن تخلَّى أكثر الرماة عن أماكنهم وخالفوا وصيّة رسول الله ﷺ لهم، تمكن المشركون من الالتفاف عليهم من خلفهم، وإحداث نكسة للمسلمين أدت إلى اضطراب أمرهم وقتل كثير منهم. وفي المرحلة الأخيرة أخذ المسلمون يستعيدون السيطرة مرة أخرى ويقاتلون ببسالة، حتى حال اقتراب الليل بين الفريقين دون أن يحقق أحدهما نصراً حاسماً على الآخر. وقد خاف المشركون أن ينقلب الأمر ضدهم، ويحقق المسلمون نصراً قوياً فكفُّوا عن القتال وانصرفوا.

стр. 149

٢ ــ وقصة عبد الله بن جبير مع الرماة وهزيمة المشركين في أول المعركة ثم استشهاد سبعين من المسلمين كله ثابت ومخرج في الصحيح (١). ٣ ــ وقوله: "وقُتل جماعة من أفاضل الصحابة": سيأتي تسمية بعضهم في كلام المصنف. ٤ ــ وقوله: "وتولّى أكثرهم": قلت: سببه: ما بلغهم من إشاعة مقتل النبي ﷺ . ثم إن تعبير المصنف هذا فيه نظر، لأن الذين فرّوا وتولوا حقيقة من المعركة كانوا قلّة، وأما أكثرهم فقد اضطرب أمرهم وجلسوا حيارى قد أصابهم الذهول لا يدرون ما يصنعون. وقد أوضح المسألة الحافظُ ابنُ حجر فقال: "الواقع أن الصحابة صاروا ثلاث فرق (بعد الهزيمة)؛ فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال، وهم قليل .. وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قُتِل فصار غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه .. وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئاً فشيئاً لما عرفوا أنه حي" (٢) ٥ ــ ثم إن الصواب أن المشركين لم يحققوا نصراً بالمعنى العسكري في هذه المعركة، فهم لم يغنموا شيئاً، ولم يحتلّوا أرضاً، ولم يأسروا مسلماً، ولم يقتلوا القائد، وكل ما استطاعوا صنعه هو الثأر لقتلاهم ببدر مع قتل من قُتل منهم يومها!! إصابته ﷺ في المعركة وإشاعة مقتله: قال المصنف: «وخَلَصَ المشركونَ إلى رسُولِ الله ﷺ فجُرحَ في وجههِ الكريمِ،

стр. 150

وكُسرت رَبَاعيته (١) اليمنى السُّفلى بحَجَرٍ، وهُشِمَت البيضة (٢) على رأسه المقدَّس، وقُتل مصعب بن عمير ﵁ بين يديه، ونشبت حلقتان من حِلَق المغْفر (٣) في وجهه ﷺ ، فانتزعهما أبو عُبيدة بن الجرَّاح ﵁، وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيّتاه، وترَّسَ أبو دُجانة سِمَاك بن خَرَشَة عليه ﷺ بظهره، والنبلُ يقعُ فيه، وهو لا يتحرك ﵁، ورمى سعدُ بنُ أبي وقاص ﵁ يومئذٍ رمياً مسَّدداً مُنْكئاً، فقال له رسُولُ الله ﷺ : «ارم فداكَ أَبي وأُمي»، وأُصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان الظفريّ، فأتى رسُولَ الله ﷺ فردَّها ﵊ بيده الكريمة، فكانت أصحَّ عينيه وأحسنَهما. وصرخَ الشيطانُ ــ لعنه الله ــ بأعلى صوته: إن محمداً قد قُتل، ووقعَ ذلك في قلوبِ كثير من المسلمينَ، وتولَّى أكثرُهم، وكان أمر الله». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ ما ذكره المصنف هنا هو بعضٌ مما قدمه صحابة رسول الله ﷺ من تضحيات عظيمة وبطولات خالدة في المعركة، وثمة مواقف أخرى تركناها اختصاراً. ٢ ــ وجرحُ وجه النبي ﷺ ، وكسرُ رباعيته، وهشْمُ البيضة فوق رأسه الشريف، كلُّه مخرج في الصحيحين (٤). والمراد بكسر ثنيته: ذهاب قطعة منها،

стр. 151

وليس قلعها من أصلها كما نبّه عليه الحافظ ابن حجر (١). ٣ ــ وقوله: "ونشبت حلقتان من حِلَق المغفر في وجهه ﷺ ، فانتزعها أبو عبيدة بن الجراح": أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة ﵂ بإسناد ضعيف (٢). ٤ ــ وتتريس أبي دجانة عليه ﷺ من النبل ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (٣). وردّه ﷺ عين قتادة بن النعمان إلى مكانها بعد أن قلعت ذكره ابن إسحاق من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة (٤). ٥ ــ وتفدية النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص بأبويه يوم أحد مخرج في الصحيحين (٥). ٦ ــ وصرخة الشيطان بأن "محمداً قد قُتل" مخرج في مسند أحمد بإسناد صحيح (٦). ٧ ــ وفي لبسه ﷺ للخوذة والمغفر في المعركة دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب المادية وأنه لا يتنافى مع كمال التوكل على الله تعالى. ٨ ــ كما دلت الحادثة على فضل أصحاب رسول الله ﷺ وما بذلوه من

стр. 152

تضحيات جسيمة في سبيل حمايته ﷺ وإعلاء كلمة الإسلام. ٩ ــ كذلك يؤخذ من الحادثة خطورة نشر الإشاعات والأراجيف ووجوب الحذر منها، كما ظهر ذلك في الإشاعة التي أطلقها إبليس لعنه الله بأن "محمداً قد قُتل" حتى أصيب المسلمين بالذهول والفزع الشديد. ١٠ ــ كما دلت الحادثة على شؤم المعاصي وأثرها السيئ ليس على أصحابها فحسب، بل وعلى من حولهم أيضاً، فإن المعاصي تصيب الطالح والصالح جميعاً في الدنيا، كما أصيب المسلمون يوم أحد بسبب مخالفة الرماة أمر رسول الله ﷺ . ١١ ــ ومع كل ما فعله المشركون برسول الله ﷺ يوم أحد فإنه لم يدع عليهم، بل لقد طمع في هدايتهم وإسلامهم، وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (١). محاولة أُبيّ بن خَلَف قتل رسول الله ﷺ : قال المصنف: «وأقبلَ رسُولُ الله ﷺ نحو المسلمينَ، فكان أولَ من عرَفه تحت المِغْفَر كعبُ بن مالك ﵁، فصاح بأعلى صوته: يا معشرَ المسلمين، أبشروا، هذا رسُولُ الله ﷺ ! فأشار إليه ﷺ أن اسكت. واجتمعَ إليه المسلمونَ، ونهضوا معهُ إلى الشِّعب الذي نزل فيه، فلما أسندوا في الجبل، أدركه أُبيّ بن خَلَفٍ على جواد، زعم الخبيثُ أنه يقتلُ رسُولَ الله ﷺ ، فلمَّا اقتربَ تناولَ رسُولُ الله ﷺ الحربة من يد الحارث بن الصّمة فطعنه بها، فجاءت في تَرْقُوته، ويَكِرُّ عدوّ الله منهزماً، فقال له المشركونَ: والله ما بك من بأسٍ، فقال:

стр. 153

والله لو كان ما بي بأهلِ ذي المجازِ (١) لماتُوا أجمعونَ، إنه قال لي: إنه قاتلي، ولم يزل به ذلك حتى مات بِسَرِف (٢) مرجِعَه إلى مكة لعنه الله». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قول المصنف أن أول من عرف رسول الله ﷺ تحت المغفر كعب بن مالك أخرجه الطبراني بإسناد رجاله ثقات (٣). ٢ ــ وحادثة طعن رسول الله ﷺ لأُبي بن خلَف مخرجة عند ابن سعد بإسناد قوي مرسل (٤). ٣ ــ ولقد كان لخبر حياة النبي ﷺ بعد إشاعة مقتله أثراً عظيماً في رفع معنويات الصحابة وعودتهم مرة أخرى للقتال والالتفاف حوله. استشهاد سبعين من أصحاب النبي ﷺ : قال المصنف: «وأرادَ ﷺ أن يعلوَ صخرةً هناك، فلم يستطع لما به ﷺ ، ولأنه ظاهرَ يومئذٍ بين درعين، فجلس طلحةُ تحته حتى صَعِدها، وحانت الصلاةُ، فصلّى جالساً، ثم مال المشركون إلى رحالهم، ثم استقبلوا طريق مكة منصرفينَ إليها، وكان هذا كله يومَ السبت. واستُشهد يومئذٍ من المسلمين نحو السبعين، منهم: حمزةُ عمُّ رسُولِ الله ﷺ قتله وحشيٌ مولى بني نوفل، وعبد الله بن جَحْش، ومصعب بن عمير، فدفنهم في

стр. 154

دمائهم وكلومهم، ولم يُصَلّ عليهم يومئذٍ. وفرّ يومئذ من المسلمينَ جماعةٌ من الأعيان، منهم عثمانُ بنُ عفان ﵁، وقد نصَّ الله سبحانه على العفو عنهم، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. وقُتل يومئذٍ من المشركينَ اثنانِ وعشرونَ. وقد ذكر سبحانهُ هذه الوقعة في سورةِ آلِ عمرانَ حيث يقولُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]، الآيات». الكلام عليه من وجوه: ١ ـ جلوسه ﷺ فوق ظهر طلحة بن عبيد الله حتى صعد الصخرة مخرج عند الترمذي بإسناد حسن، وفيه أن النبي ﷺ قال بعدها: أوجب طلحة (١)، أي وجبت له الجنة. ٢ ــ وقوله: "واستُشهد يومئذٍ من المسلمين نحو السبعين": أخرجه البخاري في الصحيح (٢). ٣ ـ وقصة قتل وحشي بن حرب لحمزة ﵁ مخرجة في صحيح البخاري، وفيها أن جُبير بن مُطعم قال له: "إن قتلت حمزة بعمّي فأنت حرٌّ" (٣).

стр. 155

٤ ــ وترك النبي ﷺ الصلاة على شهداء أحد وترك تغسيلهم ثابت في صحيح البخاري (١). قال الإمام الشافعي: "جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصلّ على قتلى أحد" (٢). ٥ ــ وقد دل ترك النبي ﷺ الصلاة على شهداء أحد ودفنهم في دمائهم على أن شهيد المعركة في حرب الكفار لا يصلّى عليه ولا يغسل، وهو قول جمهور العلماء (٣). ٦ ـ وقوله: "وقُتل يومئذ من المشركين اثنان وعشرون": هذا قول ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: كانوا ستة عشر رجلاً، وكلا القولين بدون إسناد (٤).

стр. 156

فصل غزوة حَمراءِ الأَسَد (١) قال المصنف: «ولمَّا أصبحَ يومُ الأحدِ، ندبَ رسُولُ الله ﷺ المسلمينَ إلى النهوضِ في طلبِ العدوّ، إرهاباً لهم، وهذه غزوة حَمراء الأَسَد، وأَمَرَ ألَّا يخرجَ معهُ إلَّا من حَضَر أُحداً، فلم يَخرج إلَّا من شَهِدَ أُحداً، سوى جابرِ بنِ عبدِ الله، فإنه كان أبوه استخلفهُ في مهماته، فقُتِل أبوه يومَ أُحدٍ، فاستأذنَ رسُولَ الله ﷺ في الخروجِ إلى حَمراء الأَسَد، فأذن لهُ. فنَهضَ المسلمونَ كما أمرهم ﷺ ، وهم مُثقلونَ بالجراحِ، حتى بلغَ حَمراءَ الأَسَد، وهي على ثمانية أميال مِنْ المدينةِ، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ غزوة حمراء الأسد ليست غزوة مستقلة وإنما هي تابعة لغزوة أُحد وفصلاً من فصولها. ٢ ــ وحاصل هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ صباح الغد من معركة أُحد كان قد خشي أن يفكر المشركون بالكرَّة مرة أخرى فيهاجموا المدينة ليتمموا ما حققوه

стр. 157

من غلبة، فأراد ﷺ أن يبادرهم بالغزو والمطاردة حتى يأمن رجوعهم وعودتهم. ٣ ــ وقد وردت إشارة إلى هذه الغزوة في صحيح البخاري عن عائشة ﵁ قالت: "لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلاً" (١). ٤ ــ وفي خروجه ﷺ إلى هذه الغزوة مظهر عظيم من مظاهر الشجاعة وتحمل المشاق في سبيل الله وعدم الاستسلام لأي شكل من أشكال الضعف والهزيمة. ٥ ــ وفي استجابة الصحابة لنداء النبي ﷺ وخروجهم وهم مثقلون بالجراح دليل على فضلهم وقوة إيمانهم وتفانيهم في طاعة الله ورسله ﷺ . عزم قريش على مهاجمة المدينة ورجوعهم عن ذلك: قال المصنف: «ومرَّ مَعْبَدُ بنُ أبي مَعْبَد الخُزاعي على رسُولِ الله ﷺ وأصحابِه فأجازَه حتى بَلَغَ أبا سفيان والمشركينَ بالرَّوحاء، فأخبرهم أن رسُولَ الله ﷺ وأصحابَه قد خرجوا في طلبِهم، ففتَّ ذلك في أعضادِ قريشٍ، وكانوا أرادوا الرجوعَ إلى المدينة فثناها ذلك واستمروا راجعين إلى مكة». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ خبر معبد الخزاعي ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٢). ٢ ــ كذلك ذكر ابن إسحاق بدون إسناد أن النبي ﷺ كان قد أقام في حمراء الأسد ثلاثة أيام؛ الاثنين والثلاثاء والأربعاء (٣).

стр. 158

٣ ــ ولا شك أن غزوة حمراء الأسد قد حققت أهدافها المرسومة حيث أوقع الله الرعب في قلوب المشركين فعدلوا عن غزو المدينة وانصرفوا إلى مكة، كما أنها أظهرت المسلمين بمظهر القوة والقدرة على القتال بعدما أصابهم في أحد مما أخاف الأعراب خارج المدينة، والمنافقين واليهود داخلها. * * *

стр. 159

فصل بَعْث الرَّجيع (١) قال المصنف: «ثم بَعَثَ ﷺ بعد أُحدٍ بَعْثَ الرَّجيع، وذلك في صَفَر من السنةِ الرابعةِ، وذلك أنه ﷺ بَعَثَ إلى عَضَل والقَارَّة بسؤالهم رسُولَ الله ﷺ ذلك حين قدموا عليه وذكروا أن فيهم إسلاماً. فبَعَثَ ستة نفرٍ في قول ابن إسحاق (٢)، وقال البخاري في صحيحه كانوا عشرة (٣). وقال أبو القاسم السهيلي: وهذا هو الصحيح (٤). وأمَّرَ عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوي ﵃. ومنهم خُبَيب بن عَديّ، فذهبوا معهم. فلما كانوا بالرَّجيع، وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهَدْأَة (٥) غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هُذيلاً، فجاؤوا فأحاطوا بهم فقتلوا عامتهم، واستُأسر منهم خُبَيبُ بن عَديّ ورجلٌ آخر وهو زيد بن الدَّثِنَّة فذهبوا بهما فباعوهما بمكة؛ وذلك

стр. 160

بسبب ما كانا قتلا من كفار قريش من يوم بدرٍ. فأما خُبَيب ﵁ فمكث عندهم مسجوناً، ثم أجمعوا لقتله فخرجوا به إلى التنعيم (١) ليصلبوه، فاستأذنَهم أن يُصلّي ركعتين فأذنوا له: فصلاهما، ثم قال: والله لولا أن تقولوا أن ما بي جَزَعٌ لزدت، ثم قال: ولستُ أُبالي حينَ أُقتلُ مُسلماً … على أي جنْبٍ كان لله مصرعي وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يَشَأْ … يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّع وقد قال له أبو سفيان: أيسرُّك أن محمداً عندنا تُضربُ عنقُه، وأنك في أهلِك؟ فقالَ: والله ما يسُرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شوكة تُؤذيه. ثم وكلوا به من يحرسه، فجاء عمرو بن أمية فاحتمله بخدعة ليلاً فذهب به فدفنه. وأما زيد بن الدَّثِنة ﵁ فابتاعه صفوانُ بنُ أمية فقتله بأبيه». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ ذكر المصنف أن حادثة الرجيع كانت في صفر سنة أربع من الهجرة، بينما ذكر غيره أنها كانت في أواخر سنة ثلاث (٢)، فالله أعلم. ٢ ــ وحاصل الحادثة أن وفداً من عرب عَضَل والقارَّة كانوا قد جاءوا إلى النبي ﷺ وأخبروه أنهم يرغبون في الدخول في الإسلام، وأنهم بحاجة أن يرسل معهم من يعلّمهم أمور الدين وشرائع الإسلام، فأرسل النبي معهم نفراً من

стр. 161

أصحابه فغدروا بهم في الطريق. ٣ ــ وقد ساق الحادثة بطولها الإمام البخاري في الصحيح (١)، لكن روايته تقول إن النبي ﷺ أرسل هؤلاء "سريّة عيناً"، أي عيوناً يأتوه بأخبار قريش. وربما يجمع بين الروايتين بأن النبي ﷺ أراد بعثهم عيوناً فوافق مجيئ النفر في طلب من يفقههم فبعثهم لذلك. ٤ ــ وفي الحادثة دليل على سنيّة الصلاة عند القتل، حيث فعلها خبيب في حياة النبي ﷺ ولم ينكرها (٢). وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: باب "من ركع ركعتين عند القتل" (٣). ٥ ــ وفي جواب خُبيب بن عَديّ (٤) لأبي سفيان دليل على عظيم محبة الصحابة للنبي ﷺ وعظم تضحيتهم من أجله.

стр. 162

فصل بَعَث بئر مَعُونة (١) قال المصنف: «وفي صَفَرَ هذا بَعَثَ إلى بئرِ مَعُونة أيضاً، وذلك أن أبا بَراء عامر بن مالك المدعو مُلاعب الأسنة، قَدِمَ على رسُولِ الله ﷺ المدينة فدعاه إلى الإسلامِ فلم يُسلم ولم يُبعد. فقال: يا رسُولَ الله! لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نجدٍ يدعونهم إلى دينكَ لرجوتُ أن يجيبوهم، فقال: «إني أخافُ عليهم أهلَ نجدٍ»، فقال أبو بَراء: أنا جارٌ لهم. فبَعَثَ ﷺ فيما قاله ابن إسحاق: أربعين رجلاً من الصحابة (٢)، وفي الصحيحين: سبعين رجلاً (٣)، وهذا هو الصحيح. وأمَّر عليهم المُنذر بن عمرو ﵃ أجمعين، وكانوا من فُضلاءِ المسلمينَ وسادتِهم وقرائِهم، فنهضُوا فنزلُوا بئرَ مَعُونة، ثم بعثوا منها حرام بن مِلْحَان أخا أم سُليم بكتاب رسُولِ الله ﷺ إلى عدوّ الله عامرِ بن الطُّفيل، فلم ينظُر فيه، وأمر به فقتله رجلٌ، ضربه بحربة، فلمَّا خرج الدمُ، قال: فزتُ وربّ الكعبةِ. واستنفرَ عدوُّ الله عامرٌ: بني عامرٍ إلى

стр. 163

قتال الباقين، فلم يجيبوهُ، لأجل جوار أبي بَراء، فاستنفر بني سُليم فأجابته عُصيةُ ورِعْلٌ وذكوانَ، فأحاطوا بأصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، فقاتلوا حتى قُتلوا عن آخرهم ﵃، إلا كعب بن زيد من بني النجار فإنه ارتُثَّ (١) من بين القتلى. وكان عمرو بن أمية الضمريّ والمُنذر بن محمد بن عقبة في سَرحِ المسلمين، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضعِ الوقعة، فنزل المُنذر بن محمد هذا فقاتل المشركين حتى قُتل مع أصحابه، وأُسر عمرو بن أمية، فلما أخبر أنه من مُضَر جَزَّ عامرٌ ناصيته وأعتقه فيما زعم عن رقبة كانت على أمّه. ورجع عمرو بن أُمية، فلمَّا كان بالقرقرة من صَدر قناة نزلَ في ظلّ، ويجيء رجلانِ من بني كلاب، وقيل من بني سُليم فنزلا معه فيه، فلما ناما فتك بهما عمرٌو وهو يرى أنه قد أصاب ثأراً من أصحابِه، وإذا معهما عهْد من رسُولِ الله ﷺ لم يشعر به. فلما قَدِمَ أخبرَ رسُولَ الله ﷺ بما فعل، قال: «لقد قتلتَ قتيلين لأدينَّهما». وكان هذا سببُ غزوة بني النَّضير هذا الصحيح». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حادثة بئر معونة مخرجة في الصحيحين مع زيادات ونقص عن سياق المصنف (٢). ٢ ــ وقد كان بين هذه المأساة وبين مأساة الرجيع السابقة أيامٌ قليلة (٣).

стр. 164

٣ ــ وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ ظلَّ يقنتُ شهراً يدعو على تلك القبائل التي غدرت بالقرّاء، وكان يلعنهم ويقول كما في لفظ مسلم: «اللهم العن لحيانَ ورِعْلاً وذكْوان، وعُصيَّةَ عَصَت الله ورسوله، قال: ثم بلغَنَا: أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]» (١). ٤ ــ وقد دلت الحادثة على استحباب القنوت في الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة أو بليّة أو ضرر ظاهر والعياذ بالله، هذا قول جمهور العلماء (٢). ٥ ــ كما دلت على جواز لعن الكافرين عموماً، وأما الكافر المعيّن فالجمهور على المنع لهذه الحادثة (٣). ٦ ــ كذلك دلت على عظم ما كان يقدّمه أصحابُ رسول الله ﷺ من تضحيات في سبيل نشر الدعوة إلى الله . ٧ ــ ثم إن الله سلّط على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فأهلكه (٤)!! ٨ ــ كما أن في الحادثتين الماضيتين دليل على ما كانت تفيض به قلوب المشركين من حقد وضغينة وغدر تجاه المسلمين.

стр. 165

فصل غزوة بني النَّضِير قال المصنف: «ونَهَضَ رسُولُ الله ﷺ بنفسهِ الكريمةِ إلى بني النَّضير ليستعينَ على ذَينِك القتيلين لما بينه وبينهم من الحِلْف، فقالوا: نعم. وجلَسَ ﷺ هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ وطائفةٌ من أصحابه ﵃ تحت جدارٍ لهم، فاجتمعوا فيما بينهم، وقالوا: مَنْ رجلٌ يُلقي بهذه الرحا (١) على محمدٍ فيقتله؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاشٍ لعنه الله. وأعلمَ اللهُ رسُولَه بما همُّوا به، فنهضَ ﷺ من وقته مِنْ بين أصحابه، فلم يتناه دون المدينة، وجاء من أخبر أنَّه رآه ﷺ داخلاً في حِيطان المدينة. فقام أبو بكرٍ ومن معه فاتبعوه. فأخبرهم بما أعلَمه الله مِنْ أمر يهود، وندبَ الناسَ إلى قتالهِم، فخرجَ، فحاصرهم ستَّ ليالٍ، فتحصَّنوا في آطامهم. فأمر ﷺ بقطعِ نخيلِهم وإحراقها، فسألوا رسُولَ الله أن يُجليهم ويحقِن دماءَهم على أن لهم ما حملت إبلُهم غيرَ السلاح فأجابهم إلى ذلك. فتحمَّل أكابرُهم كحُييّ بن أخطَب، وسلَّامِ بن أبي الحُقيق بأهليهم وأموالهم إلى خيبر فدانت لهم، وذهبت طائفةٌ منهم إلى الشام. وفي هذه الغزوة أنزلَ الله سبحانه

стр. 166

سورة الحشْرِ، وقد كان عبدُ الله بن عبَّاس ﵄ يسميها سورة بني النَّضير (١). وقنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على الذين قتلوا القراء؛ أصحاب بئر معونة». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حادثة بني النضير أورد البخاري ومسلم في الصحيحين أجزاء مفرقة منها، منها: حديث ابن عمر قال: "حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربت قريظة .. " (٢)، ومنها حديث ابن عمر قال: «حرَّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقَطَع .. " (٣). ٢ ــ والمشهور عند أهل المغازي والسير أن هذه الغزوة كانت بعد أُحد في السنة الرابعة من الهجرة (٤). ٣ ــ وأما عن سبب الغزوة فقد ذكر المصنف أنها كانت بسبب محاولة بني النضير الغدر برسول الله ﷺ وقتله عندما جاءهم ليستعين بهم على دية الرجلين الذين قتلهما أحد أصحابه خطأ. وهذا السبب ذكره ابن إسحاق بإسناد مرسل (٥)، وذكره البخاري في صحيحه مما يدل على قبوله له وذلك في قوله: "باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله ﷺ

стр. 167

إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ " (١). وقد ذكر أهل المغازي لهذه الغزوة أسباباً أخرى، منها: الدس والتحريض، حيث حضّ بنو النضير قريشاً على قتال رسول الله ﷺ ، ومنها: إعانتهم لأبي سفيان بن حرب عندما أغار على أطراف المدينة بعد بدر فيما عرف بـ «غزوة السويق»، وإمداده بالمعلومات التي يحتاجها عن المسلمين. فاجتمعت هذه الأسباب كلها فقرر النبي ﷺ وضع حدّ لممارساتهم الإجرامية، وحصارهم وطردهم من المدينة (٢). ٤ ــ وأمره ﷺ بتحريق نخل بني النضير وقطعه ثابت في الصحيحين، وقد أنزل بسببه قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] (٣). ٥ ــ وقد أراد ﷺ بقطع وتحريق نخيلهم التضييق عليهم حتى يستسلموا، وفيه من الفقه: جواز تحريق شجر العدو وحصونهم إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية من النكاية به وإضعافه وهزيمته (٤). ٦ ــ وقد كانت مدة الحصار ستّ ليال كما في السيرة لابن إسحاق (٥). ٧ ــ وقد ذكر الحافظُ ابنُ حجر أن: "أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على

стр. 168

رسوله وكانت له خالصة، لكنه آثر بها المهاجرين وأمرهم أن يعيدوا إلى الأنصار ما كانوا واسوهم به لما قدموا عليهم المدينة ولا شيء لهم، فاستغنى الفريقان جميعاً بذلك" (١). ٨ ــ وقنوته ﷺ شهراً يدعو على الذين غدروا بالقراء في بئر معونة مخرج في الصحيحين (٢). ٩ ــ والمراد أنه كان يدعو عليهم في كل صلاة إذا قال "سمع الله لمن حمده" في الركعة الأخيرة، وفيه دليل على استحباب القنوت عند النوازل والمصائب (٣). غزوة ذاتِ الرّقاعِ: قال المصنف: «ثم غزا ﷺ غزوةَ ذاتِ الرّقاع، وهي غزوة نجد، فخرج في جمادى الأولى من هذه السنة الرابعة، يريد محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان. واستعملَ على المدينة أبا ذرٍ الغفاري، فسارَ حتى بَلَغَ نخلاً (٤)، فلقي جمعاً من غطفان فتوقفوا، ولم يكن بينهم قتالٌ، إلا أنه صلَّى يومئذ صلاة الخوفِ ــ فيما ذكره ابن إسحاق (٥) وغيرُه من أهلِ السّيَر». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ المشهور أن هذه الغزوة سمّيت بذات الرّقاع لأن الصحابة كانوا يلفُّون

стр. 169

فيها على أرجلهم الخرق بعد أن تنقبت خفافُهم وأقدامُهم، كما صرح بذلك أبو موسى الأشعري ﵁ (١). ٢ ــ وبعضهم يسمّيها غزوة نجد لأنها كانت قِبَل نجد، وبعضهم يسميها غزوة بني محارب وبني ثعلبة، وهي أسماء القبائل المقصودة بالغزوة. ٣ ــ وقد اختلف في تاريخ هذه الغزوة اختلافاً كثيراً أشار المصنف لبعضه في الأصل، والمشهور عند أهل السير كما قال ابن سيد الناس (٢) أنها كانت في السنة الرابعة بعد غزوة بني النضير. لكن رجح البخاري وابن حجر أنها كانت بعد خيبر، لأدلة منها: أن أبا موسى الأشعري كان قد حضر هذه الغزوة وهو إنما قدم على النبي ﷺ بعد خيبر (٣). ٤ ــ وكان سبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ كان قد بلغه أن قبائل من نجد تجمع الجموع لغزو المدينة فخرج إليهم ﷺ . ولا يبعد أنه أراد أيضاً الاقتصاص من تلك القبائل التي غدرت بالقراء في بئر معونة. ٥ ــ وكما صرَّح المصنف فهذه الغزوة لم يحصل فيها قتال، وإنما تقارب الفريقان وخاف بعضهم بعضاً، حتى إن المسلمين صلوا فيها صلاة الخوف.

стр. 170

٦ ـ وما ذكره المصنف أن النبي ﷺ استخلف أبا ذر على المدينة فهذا ذكره ابن إسحاق، أما الواقدي وابن سعد وابن هشام فذكروا أنه استخلف عثمان بن عفان (١). * * *

стр. 171

فصل غزوة بدرٍ الموعِد قال المصنف: «وقد كان أبو سفيان يومَ أُحدٍ عند منصرَفه نادى: موعدُكم وإيَّانا بدرٌ العامَ المُقبل، فأمر رسُولُ الله ﷺ بعضَ أصحابه أن يُجيبه بنعم، فلما كان شعبانُ في هذه السنة (١) نهضَ رسُولُ الله ﷺ حتى أتى بدراً للموعد، واستخلف على المدينة عبدَ الله بنَ عبد الله بن أُبيّ، فأقام هناك ثمانيَ ليالٍ، ثم رجعَ ولم يلق كيداً، وذلك أن أبا سفيان خرجَ بقريشٍ، فلما كان ببعضِ الطريقِ بدا لهم الرجوعُ لأجل جدْب سنتهم فرجعوا، وهذه الغزوة تُسمّى بدراً الثالثة وبدرَ الموعِد». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ غزوة بدر الموعد وتسمّى بدر الثالثة ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٢). ٢ ــ اختلف في تاريخ الغزوة، والمشهور أنها كانت في السنة الرابعة كما قال المصنف، وهو قول ابن إسحاق (٣).

стр. 172

٣ ــ وقد ذكر المصنف أن سبب رجوع أبي سفيان بجيش مكة هو جدب الأرض، بينما ذكر بعض كتاب السيرة أن أبا سفيان كان كارهاً للقاء المسلمين وإن كان يظهر خلاف ذلك، وأن مسألة جدب الأرض ما كانت إلا ذريعة للرجوع (١)!! ٤ ــ ولقد كان لخروج جيش المسلمين وانتظاره ورجوع جيش قريش أثر كبير في استعادة هيبة المسلمين بعد ما أصابهم في أحد (٢).

стр. 173

فصل غزوة دُومة الجَنْدَل قال المصنف: «وخرج ﷺ إلى دُومةِ الجنْدلِ في ربيع الأول من سنة خمسٍ، ثم رجعَ في أثناءِ الطريقِ ولم يلقَ حرباً، وكان استعملَ على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة». الكلام عليه من وجوه: ١ ـ دومة: ضبطها ابن سيد الناس (١) بضم الدال وفتحها، ودومة الجندل: قرية قريبة من تبوك (٢). ٢ ــ وقد اتفق علماء المغازي والسير على تاريخ هذه الغزوة في السنة الخامسة، كما ذكره المصنف ﵀ (٣). ٣ ــ وأما سبب الغزوة فقد ذكر علماء السيرة لها سببين؛ الأول: أن النبي ﷺ بلغه أن بدومة الجندل جمعاً كثيراً وأنهم يظلمون من يمرّ بهم من التجار، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، والسبب الثاني: أن النبي ﷺ أراد أن يدنو من الشام

стр. 174

ليفزع قيصر وجنوده (١). ٤ ــ وكما ذكر المصنف فإنه لم يحصل قتال في هذه الغزوة لأن أهل دومة الجندل لما وصلهم خبر اقتراب النبي ﷺ منهم تفرقوا، فلمَّا وصل بساحتهم لم يجد بها أحداً، فأقام أياماً ورجع (٢).

стр. 175

فصل غزوة الخَندق قال المصنف: «فصلٌ يشتملُ على ملخّص غزوةِ الخندقِ التي ابتلى الله فيها عبادَه المؤمنين وزَلْزَلَهُم، وثبَّت الإيمانَ في قلوبِ أوليائه وأظهرَ ما كان يُبْطِنه أهلُ النفاق، وفضحَهم وقرَّعهم. ثم أنزل نَصْرَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزَمَ الأحزابَ وحدَه، وأعزَّ جُندَه، وردَّ الكفرة بغيظِهم، ووقى المؤمنين شرَّ كيدِهم، وذلك بفضْلِه ومَنّه. وحرّم عليهم شرعاً وقدراً أن يغْزوا المؤمنين بعدها، بل جعلَهم المغلوبين وجعل حزبَه هم الغالبين، والحمدُ لله ربّ العالمين». الكلام عليه من وجوه: ١ ـ اشتهرت هذه الغزوة بغزوة الخندق نسبة للخندق الذي حفره النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة ليحولوا بين المشركين وبين دخول المدينة. ويقال لها أيضاً غزوة الأحزاب، نسبة للمشركين الذين تحزبوا وتكالبوا لغزو المدينة. وقد أشار الإمام البخاري إلى هاتين التسميتين فقال في الصحيح: "باب غزوة الخندق وهي الأحزاب" (١).

стр. 176

٢ ــ وقد كان جيش المشركين يتألف من قبائل عدة تحالفت لغزو المدينة، وهم قريش ومن تبعها، وغطفان ومن تبعها، في نحو عشرة آلاف مقاتل، بقيادة أبي سفيان بن حرب، إضافة إلى يهود بني قريظة بعد نقضهم العهد (١). ٣ ــ وهؤلاء الأحزاب وإن اشتركوا والتقوا على حرب المسلمين في هذه الغزوة، إلا أن دوافعهم كانت مختلفة، فقريش كانت تدفعها العداوة التقليدية للمسلمين، واليهود كان يدفعهم الحقد والخيانة. وأما غطفان كانوا مجرَّد مرتزقة تجَّار حرب لا أكثر (٢)!! ٤ ــ وقد كانت هذه الغزوة كما أشار المصنف آخر الغزوات التي تعرض لها المسلمون في المدينة، وبعدها انتقل المسلمون من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. ولذلك صحَّ عنه ﷺ أنه قال بعد انصراف الأحزاب ورجوعهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (٣)، وكان الأمر كما أخبر به النبي ﷺ ، وهو عَلَمٌ من أعلام نبوته. تأليب بني النضير على حرب المسلمين: قال المصنف: «وكانت في سنةِ خمسٍ في شوّالها على الصحيح من قَولَي أهل المغازي والسير. وكان سبب غزوة الخندق أن نَفَراً من يهود بني النَّضير الذين أجلاهم ﷺ من المدينة إلى خيبر كما قدمنا وهم أشرافُهم: كسلَّام بن أبي الحُقَيْق،

стр. 177

وسلَّام بن مِشْكَم، وكنانة بن الرَّبيع وغيرهم، خرجوا إلى قريش بمكة فألَّبوهم على حربِ رسُولِ الله ﷺ ووعدوهم من أنفسهم النصر، فأجابوهم، ثم خرجوا إلى غَطَفَان فدعَوهم فأجابوهم أيضاً، وخرجت قريشٌ وقائدُهم أبو سفيان بن حرب، وعلى غطفان عُيينة بن حِصْن، كلُّهم في نحو عشرة آلاف رجلٍ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ عرض المصنف في هذا الموضع من الأصل إلى الخلاف في تاريخ غزوة الخندق، ورجح أنها كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وهذا هو قول جمهور علماء السيرة، وهو المعتمد كما قال الحافظ ابن حجر (١)، وقال الذهبي: هو المقطوع به (٢). ٢ ــ والسبب الذي ذكره المصنف لغزوة الخندق من تحريض يهود بني النضير سبب وجيه بلا ريب، وإن كان الظاهر أن العداوة التقليدية بين قريش والمسلمين، ومحاولة قريش مراراً القضاء على قوة المسلمين هي السبب والدافع الرئيس وراء هذه الغزوة. ٣ ــ وخبر خروج وفد يهود النضير إلى مكة وتحريضهم قريشاً وغطفان على غزو المدينة ذكره ابن إسحاق في السيرة بأسانيد عديدة مرسلة يقوي بعضها بعضاً (٣). ٤ ــ وما ذكره المصنف أن عدد جيش الأحزاب كان نحو عشرة آلاف ذكره

стр. 178

ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١). إشارة سلمان الفارسي بحفر الخندق: قال المصنف: «فلما سمعَ رسُولُ الله ﷺ بمسيرِهم إليه أَمَر المسلمينَ بحفرِ خندقٍ يحولُ بين المشركينَ وبين المدينةِ، وكان ذلك بإشارة سَلْمَان الفارسيّ ﵁، فعمل المسلمونَ فيه مبادرين هجوم الكفار عليهم، وكانت في حفْره آياتٌ مفصلةٌ يطولُ شرحُها، وأعلامُ نبوةٍ قد تواتر خبرُها، فلما كَمُل قَدِم المشركون، فنزلوا حولَ المدينةِ كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠]». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حاصل ما ذكر المصنف هنا أن النبي ﷺ عندما سمع بمسير الأحزاب لغزو المدينة استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة من المدينة أمام الغزاة، إذ كانت بقية الجهات محصنة طبيعياً بالحِرَار الوعرة والأبنية المتشابكة التي يصعب على الجيوش الحركة فيها. ٢ ــ وخبر مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق مما أطبق عليه كتاب السيرة، وفي بعض ألفاظه أنه قال: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"، لكن لم أقف لهذه المشورة على إسناد (٢). ٣ ــ وقد ورد في بعض الروايات أن طول الخندق كان خمسة آلاف ذراع،

стр. 179

أي أقلّ من (٣) كيلو، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة إلى عشرة. كما ورد أن النبي ﷺ جعل على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً (١). ٤ ــ واختلف في المدة التي استغرقها حفر الخندق ما بين من يقول ستة أيام ومن يقول شهراً، وبينهما أقوال عدة (٢). ٥ ــ وقد ثبت في الصحيحين اشتراك النبي ﷺ مع أصحابه في حفر الخندق ونقله التراب معهم حتى وارى بياض بطنه (٣). وفي هذا صورة من صور تحقيقه ﷺ لمبدأ العدالة والمساواة بين الحاكم والرعية في تحمّل المسؤوليات والمهام، حيث لم يكتف بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل القادة عادة. ٦ ــ وفي أخذ النبي ﷺ فكرة حفر الخندق من الفرس دليل على انفتاحه ﷺ على جميع الأنظمة والتدابير العالمية التي ليس فيها مخالفة للشرع، أخذاً بمبدأ الحكمة ضالة المؤمن. ٧ ــ وكانت أيام حفر الخندق أيام برد شديد وتعب وجوع (٤)، حتى إنهم لبثوا مرة ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً، فكانوا يعصبون الحجاة على بطونهم (٥). ٨ ــ وقوله: "وكان في حفره آيات مفصلة وأعلام نبوة قد تواتر خبرها":

стр. 180

أقول: من ذلك أن النبي ﷺ أطعم جمعاً غفيراً يبلغ الألف من شاة صغيرة وصاع شعير حتى شبعوا وزاد الطعام (١). ومن ذلك أن صخرةً صلبة عرضت للصحابة أثناء الحفر لا تؤثر فيها المعاول وحالت دون إتمامهم للحفر، فكلَّموا رسول الله ﷺ فيها، فضربها فأصبحت رملاً (٢). وجاء في رواية البراء بن عازب قال: عرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ ، فأخذ المعول فقال: "بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (٣) تحصُّن المسلمين بالخندق: قال المصنف: «وخرجَ رسُولُ الله ﷺ فتحصَّن بالخندقِ وهو في ثلاثةِ آلافٍ على الصحيح من أهلِ المدينةِ. وزعم ابنُ إسحاق أنه إنما كان في سبعمائةٍ. وهذا غلطٌ من غزوةِ أُحدٍ، والله تعالى أعلم».
следующие страницы →