٢ ــ وقد كان جيش المشركين يتألف من قبائل عدة تحالفت لغزو المدينة، وهم قريش ومن تبعها، وغطفان ومن تبعها، في نحو عشرة آلاف مقاتل، بقيادة أبي سفيان بن حرب، إضافة إلى يهود بني قريظة بعد نقضهم العهد (١).
٣ ــ وهؤلاء الأحزاب وإن اشتركوا والتقوا على حرب المسلمين في هذه الغزوة، إلا أن دوافعهم كانت مختلفة، فقريش كانت تدفعها العداوة التقليدية للمسلمين، واليهود كان يدفعهم الحقد والخيانة. وأما غطفان كانوا مجرَّد مرتزقة تجَّار حرب لا أكثر (٢)!!
٤ ــ وقد كانت هذه الغزوة كما أشار المصنف آخر الغزوات التي تعرض لها المسلمون في المدينة، وبعدها انتقل المسلمون من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. ولذلك صحَّ عنه ﷺ أنه قال بعد انصراف الأحزاب ورجوعهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (٣)، وكان الأمر كما أخبر به النبي ﷺ ، وهو عَلَمٌ من أعلام نبوته.
تأليب بني النضير على حرب المسلمين:
قال المصنف: «وكانت في سنةِ خمسٍ في شوّالها على الصحيح من قَولَي أهل المغازي والسير. وكان سبب غزوة الخندق أن نَفَراً من يهود بني النَّضير الذين أجلاهم ﷺ من المدينة إلى خيبر كما قدمنا وهم أشرافُهم: كسلَّام بن أبي الحُقَيْق،
стр. 177
وسلَّام بن مِشْكَم، وكنانة بن الرَّبيع وغيرهم، خرجوا إلى قريش بمكة فألَّبوهم على حربِ رسُولِ الله ﷺ ووعدوهم من أنفسهم النصر، فأجابوهم، ثم خرجوا إلى غَطَفَان فدعَوهم فأجابوهم أيضاً، وخرجت قريشٌ وقائدُهم أبو سفيان بن حرب، وعلى غطفان عُيينة بن حِصْن، كلُّهم في نحو عشرة آلاف رجلٍ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ عرض المصنف في هذا الموضع من الأصل إلى الخلاف في تاريخ غزوة الخندق، ورجح أنها كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وهذا هو قول جمهور علماء السيرة، وهو المعتمد كما قال الحافظ ابن حجر (١)، وقال الذهبي: هو المقطوع به (٢).
٢ ــ والسبب الذي ذكره المصنف لغزوة الخندق من تحريض يهود بني النضير سبب وجيه بلا ريب، وإن كان الظاهر أن العداوة التقليدية بين قريش والمسلمين، ومحاولة قريش مراراً القضاء على قوة المسلمين هي السبب والدافع الرئيس وراء هذه الغزوة.
٣ ــ وخبر خروج وفد يهود النضير إلى مكة وتحريضهم قريشاً وغطفان على غزو المدينة ذكره ابن إسحاق في السيرة بأسانيد عديدة مرسلة يقوي بعضها بعضاً (٣).
٤ ــ وما ذكره المصنف أن عدد جيش الأحزاب كان نحو عشرة آلاف ذكره
стр. 178
ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١).
إشارة سلمان الفارسي بحفر الخندق:
قال المصنف: «فلما سمعَ رسُولُ الله ﷺ بمسيرِهم إليه أَمَر المسلمينَ بحفرِ خندقٍ يحولُ بين المشركينَ وبين المدينةِ، وكان ذلك بإشارة سَلْمَان الفارسيّ ﵁، فعمل المسلمونَ فيه مبادرين هجوم الكفار عليهم، وكانت في حفْره آياتٌ مفصلةٌ يطولُ شرحُها، وأعلامُ نبوةٍ قد تواتر خبرُها، فلما كَمُل قَدِم المشركون، فنزلوا حولَ المدينةِ كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكر المصنف هنا أن النبي ﷺ عندما سمع بمسير الأحزاب لغزو المدينة استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة من المدينة أمام الغزاة، إذ كانت بقية الجهات محصنة طبيعياً بالحِرَار الوعرة والأبنية المتشابكة التي يصعب على الجيوش الحركة فيها.
٢ ــ وخبر مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق مما أطبق عليه كتاب السيرة، وفي بعض ألفاظه أنه قال: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"، لكن لم أقف لهذه المشورة على إسناد (٢).
٣ ــ وقد ورد في بعض الروايات أن طول الخندق كان خمسة آلاف ذراع،
стр. 179
أي أقلّ من (٣) كيلو، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة إلى عشرة. كما ورد أن النبي ﷺ جعل على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً (١).
٤ ــ واختلف في المدة التي استغرقها حفر الخندق ما بين من يقول ستة أيام ومن يقول شهراً، وبينهما أقوال عدة (٢).
٥ ــ وقد ثبت في الصحيحين اشتراك النبي ﷺ مع أصحابه في حفر الخندق ونقله التراب معهم حتى وارى بياض بطنه (٣).
وفي هذا صورة من صور تحقيقه ﷺ لمبدأ العدالة والمساواة بين الحاكم والرعية في تحمّل المسؤوليات والمهام، حيث لم يكتف بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل القادة عادة.
٦ ــ وفي أخذ النبي ﷺ فكرة حفر الخندق من الفرس دليل على انفتاحه ﷺ على جميع الأنظمة والتدابير العالمية التي ليس فيها مخالفة للشرع، أخذاً بمبدأ الحكمة ضالة المؤمن.
٧ ــ وكانت أيام حفر الخندق أيام برد شديد وتعب وجوع (٤)، حتى إنهم لبثوا مرة ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً، فكانوا يعصبون الحجاة على بطونهم (٥).
٨ ــ وقوله: "وكان في حفره آيات مفصلة وأعلام نبوة قد تواتر خبرها":
стр. 180
أقول: من ذلك أن النبي ﷺ أطعم جمعاً غفيراً يبلغ الألف من شاة صغيرة وصاع شعير حتى شبعوا وزاد الطعام (١).
ومن ذلك أن صخرةً صلبة عرضت للصحابة أثناء الحفر لا تؤثر فيها المعاول وحالت دون إتمامهم للحفر، فكلَّموا رسول الله ﷺ فيها، فضربها فأصبحت رملاً (٢).
وجاء في رواية البراء بن عازب قال: عرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ ، فأخذ المعول فقال: "بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (٣)
تحصُّن المسلمين بالخندق:
قال المصنف: «وخرجَ رسُولُ الله ﷺ فتحصَّن بالخندقِ وهو في ثلاثةِ آلافٍ على الصحيح من أهلِ المدينةِ. وزعم ابنُ إسحاق أنه إنما كان في سبعمائةٍ. وهذا غلطٌ من غزوةِ أُحدٍ، والله تعالى أعلم».
стр. 181
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من عدد جيش المسلمين أورده ابن إسحاق في السيرة وغيره بدون إسناد (١).
٢ ـ وما نقله المصنف عن ابن إسحاق من أن المسلمين كانوا سبعمائة وتغليطه له اعتمد فيه على شيخه ابن القيم (٢)، والذي رأيته في سيرة ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق أنهم كانوا ثلاثة آلاف (٣)، وهو الذي نقله ابن حجر عنه في الفتح (٤)، فلا أدري من أين لابن القيم هذا النقل عن ابن إسحاق!!
٣ ــ وللفائدة فإن المصنف ﵀ كثيراً ما يعتمد على كتاب "زاد المعاد" وينقل عنه نصوصاً كثيرة، يظهر هذا بالمقارنة.
غدر بني قريظة ونقضهم للعهد:
قال المصنف: «فجعلوا ظهورَهم إلى سَلْع (٥). وأَمَرَ ﷺ بالنساء والذَّراري، فجُعلوا في آطامِ (٦) المدينةِ. وانطلقَ حُييُّ بن أخطب النًّضري إلى بني قريظة، فاجتمع بكعب بن أسد رئيسِهم، فلم يزل به حتى نَقَضَ العهدَ الذي كان بينَه وبين رسُولِ الله ﷺ ، ووافقَ كعبٌ المشركينَ على حربِ رسُولِ الله ﷺ ، فسرُّوا بذلك.
стр. 182
وبَعَث رسُولُ الله ﷺ السعدين: ابنَ معاذ وابنَ عبادة وخَوَّاتَ بن جُبير وعبدَ الله بن رَواحة، ليعرفوا له هل نقضَ بنو قريظة العهدَ أو لا؟ فلما قربوا منهم وجدوهم مُجاهرين بالعداوةِ والغدرِ، فتسابُّوا ونالَ اليهودُ ــ عليهم لعائن الله ــ من رسُولِ الله ﷺ ، فسبَّهم سعدُ بن معاذ، وانصرفوا عنهم.
وقد أمرهم ﷺ إن كانوا نقضُوا أن لا يفتُّوا بذلك في أعضاد المسلمين (١)، لئلا يورث وهناً، وأن يَلحنوا إليه لحناً ــ أي لغزاً ــ فلمَّا قدموا عليه، قال: ما وراءكم؟ قالوا: عَضَلٌ والقارَّة، يعنون غدرهم بأصحابِ الرَّجيعِ، فعظُم ذلك على المسلمينَ، واشتدّ الأمرُ، وعظُم الخطرُ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ جَعْلُ المسلمين ظهورهم إلى جبل سَلْع، هذا كان من ضمن خطتهم بحيث تكون وجوههم مقابلة للعدو المتمركز خلف الخندق. وكذلك وضع النساء والذراري في آطامها، وكله ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (٢).
٢ ــ ومجيئ حُيي بن أخطب إلى كعب بن أسد وإقناعه بنقض العهد مع المسلمين ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد، والقدر الثابت في الأحاديث هو غدر بني قُريظة (٣).
٣ ــ وإرساله ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومن معهما إلى بني قريظة
стр. 183
ليستجلوا خبر غدرهم أورده ابن إسحاق بدون إسناد (١). وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أرسل أيضاً الزبير بن العوام للمهمة نفسها (٢).
٤ ـ وقد تسبب نقض بني قريظة العهد إلى اشتداد الأمر على المسلمين وضيق الحال بهم، فأصبحوا محاصَرين بالأعداء من فوقهم (بنو قريظة)، ومن أسفل منهم (جيش المشركين)، وأصبح الحال عندها كما وصف الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].
إن هذه مكيدة لا تعرفها العرب:
قال المصنف: «ولبثَ المشركونَ محاصرينَ رسُولَ الله ﷺ شهراً، ولم يكن بينهم قتالٌ لأجلِ ما حالَ الله به من الخندقِ بينه وبينهم، إلا أن فوارسَ من قريشٍ منهم عمرو بن عبد وُدّ العامري وجماعةٌ معه أقبلوا نحو الخندقِ، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه لمكيدةٌ ما كانت العربُ تعرفُها.
ثم يمموا مكاناً ضيقاً من الخندقِ فاقتحموه وجازوه، وجالتْ بهم خيلُهم في السبخةِ بين الخندقِ وسَلْعٍ ودعوا للبِرَازِ. فانتدبَ لعمرو بنِ عبدِ ودّ عليُّ بن أبي طالب ﵁ فبارزه فقتله الله على يديه. وكان عمرٌو لا يُجَارى في الجاهلية شجاعةً، وكان شيخاً قد جاوز المائة يومئذٍ، وأما الباقون فينطلقون راجعينَ إلى قومِهم من حيث جاؤوا.
وكان هذا أولُ ما فتحَ الله به من خِذلانهم. وكان شعارُ المسلمين تلك الغزوة: حم لا ينصرون».
стр. 184
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من مدة الحصار تبع فيه شيخه ابن القيم (١)، وثَبَتَ عن ابن المسيّب أنه قال: "حاصر النبيَّ ﷺ المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة" (٢). والخلاف في هذا يسير.
٢ ــ ولم يقع قتال واسع بين الطرفين بسبب حيلولة الخندق بينهما كما أشار المصنف، لكنه وقع بينهم تراشق بالنبال من وراء الخندق قُتل وأُصيب بسببه رجال من الجيشين، منهم سعد بن معاذ ﵁؛ أصيب بسهم في أكحله فاستشهد بعد المعركة بوقت قصير (٣).
٣ ــ ومبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ وقتله إياه ذكره ابن إسحاق وابن سعد بدون إسناد (٤).
٤ ــ وما ذكره المصنف أن شعار المسلمين يومها: "حم لا ينصرون" أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن (٥).
٥ ــ وفي مبارزة عليّ لعمرو بن عبد ودّ دليل على جواز المبارزة خلافاً لمن أنكرها، كالحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق للجواز
стр. 185
إذن أمير الجيش (١).
مشاورته ﷺ في إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة:
قال المصنف: «ولما طالَ هذا الحالُ على المسلمينَ أرادَ رسُولُ الله ﷺ أن يُصالحَ عيينة بن حِصن والحارثَ بن عوف رئيسي غطفانَ، على ثُلُثِ ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك ولم يتم الأمرُ، حتى استشارَ ﷺ السعدين في ذلك.
فقالا: يا رسُولَ الله! إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعُه لنا فلقد كنَّا نحنُ وهؤلاءِ القوم على الشركِ بالله وعبادةِ الأوثانِ، وهم لا يطمعونَ أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًى أو بيعاً، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلامِ وهدانا له وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف.
فقال ﷺ : «إنما هو شيء أصنعه لكم»، وصوَّب رأيَهما في ذلك ﵄، ولم يفعل من ذلك شيئاً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ إرادته ﷺ مصالحة غطفان وما جرى بينه وبين السعدين من حوار ومشاورة ذكره ابن إسحاق في السيرة مرسلاً من رواية الزهري (٢)، وأسنده البزار والطبراني عن أبي هريرة (٣).
стр. 186
٢ ــ وفي الحادثة دليل على مشاورته ﷺ أصحابه في المهمات فيما لم يرد فيه نص ملزم، وقد تقدم نظائر عديدة لهذا.
٣ ــ واستدل بعض الفقهاء بهذه الحادثة على جواز عقد الهدنة مع الكفار مع بذل المال لهم إذا اقتضت الضرورة ذلك، كأن يكون بالمسلمين ضعف شديدٌ يخافون معه أن يجتاحهم العدو، من باب دفع أعلى الضررين بأخفهما (١).
إيقاع نُعيم بن مسعود بين قريظة والأحزاب:
قال المصنف: «ثم إن الله سبحانه وله الحمدُ صنَعَ أمراً من عندِه خذَّلَ به بينهم وفلَّ جموعهم، وذلك أن نُعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني ﵁ جاء إلى رسُولِ الله ﷺ وقالَ: يا رسُولَ الله إني قد أسلمتُ فمرني بما شئت، فقال ﷺ : «إنما أنت رجلٌ واحدٌ فخذّل عنّا إن استطعت، فإن الحرب خُدعة».
فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة ــ وكان عشيراً لهم في الجاهلية ــ فدخلَ عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فُرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً، فانتقم منكم. قالوا: فما العملُ يا نُعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا لقد أشرت بالرأي.
ثم نهضَ إلى قريشٍ فقالَ لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودّي ونصحي لكم؟ قالوا نعم. قال: إن يهودَ ندموا على ما كان منهم من نقضِ عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم
стр. 187
ذهبَ إلى قومه غطفانَ فقال لهم مثل ذلك. فلما كان ليلةُ السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنَّا لسنا بأرضِ مُقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يومُ السبت، ومع هذا فإنَّا لا نقاتلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً.
فلمَّا جاءَهم الرُّسلُ بذلك قالت قريشٌ: صدقنا والله نُعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنَّا والله لا نُرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدَقَ والله نُعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قصة نعيم بن مسعود الغطفاني ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد، وأسندها عبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيّب مرسلاً (١).
٢ ــ وحديث «الحرب خُدعة» مخرج في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله (٢).
٣ ــ والحادثة فيها دليل على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز (٣).
هزيمة الأحزاب ورحيلهم:
قال المصنف: «وأرسل الله على قريشٍ ومن معهم الجنودَ والريحَ
стр. 188
تُزلزلهم، فجعلوا لا يَقِرُّ لهم قرارٌ، ولا تثبت لهم خيمةٌ ولا طُنُبٌ (١)، ولا قِدْرٌ ولا شيءٌ. فلما رأوا ذلك ترحّلوا من ليلتِهم تلك.
وأرسلَ ﷺ حُذيفة بنَ اليمان يخبُر له خبَرهم، فوجدهم كما وصفنا، ورأى أبا سفيان يُصْلي ظهره بنار، ولو شاء حُذيفة لقتله، ثم رجعَ إلى رسُولِ الله ﷺ ليلاً فأخبره برحيلهم. فلمَّا أصبحَ رسُولُ الله ﷺ غدا إلى المدينةِ وقد وضعَ الناسُ السلاحَ، فجاء جبريلُ ﵇ إلى رسُولِ الله ﷺ وهو يغتسلُ في بيت أمّ سلَمة، فقالَ: أوضعتم السلاحَ؟ أما نحنُ فلم نضعْ أسلحتنا، انهد (٢) إلى هؤلاءِ، يعني بني قريظة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن الله لما أراد هزيمة الأحزاب أرسل عليهم ريحاً باردة شديدة في ليلة مظلمة فكفأت قدورهم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم، فضاق المشركون بها وبطول الانتظار والحصار ذرعاً فتنادوا بالرحيل وانصرفوا. والخبر بذلك ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن جبير مرسلاً (٣).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
стр. 189
٢ ــ وبعثه ﷺ حُذيفة بن اليمان حتى يأتيه بخبر الأحزاب أخرجه مسلم في صحيحه (١).
٣ ــ وفي الحادثة دليل على جواز بعث الإمام الجواسيس والعيون لكشف أخبار العدو (٢).
٤ ــ كما أن فيها معجزة نبوية، فإن حذيفة حين بعثه النبي ﷺ ليأتيه بخبر الأحزاب كانت الريح باردة جداً وتعصف بقوة، فلما ذهب جعل يمشي كأنه في حمام دافئ كما في رواية الصحيح ببركة دعاء النبي ﷺ له.
٥ ــ وقول جبريل للنبي ﷺ : "أوضعتم السلاحَ؟ أما نحن فلم نضع أسلحتنا .. إلى آخره" هذه الرواية مخرجة في الصحيحين بنحوه (٣).
стр. 190
فصل
غزوة بني قريظة
قال المصنف: «فَنَهَضَ ﷺ من وقتهِ إليهم، وأمرَ المسلمينَ أن لا يصلّي أحدٌ صلاة العصرَ ــ وقد كان دخل وقتُها ــ إلَّا في بني قريظة، فراحَ المسلمونَ أرسالاً، وكان منهم مَنْ صلَّى العصرَ في الطريقِ، وقالوا: لم يُرِد رسُولُ الله تركَ الصلاةِ، إنما أرادَ تعجيلَ السيرَ، وكان منهم من لم يُصلّ حتى غربت الشمسُ، ووصلَ إلى بني قريظة، ولم يعنّف ﷺ واحداً من الفريقين.
والذين صلّوا العصرَ في وقتها حازوا قصَبَ السبقِ، لأنهم امتثلوا أمره ﷺ في المبادرة إلى الجهادِ وفعل الصلاة في وقتها، ولا سيما صلاة العصرِ التي أكد الله سبحانه المحافظة عليها في كتابه. والحاصلُ أنَّ الذين صلّوا العصرَ في الطريقِ جمعوا بين الأدلةِ، وفهموا المعنى فلهم الأجرُ مرتين، والآخرينَ حافظوا على أمرِه الخاصّ، فلهم الأجرُ رضي الله عن جميعهم وأرضاهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت غزوة بني قريظة بعد الأحزاب مباشرة في السنة الخامسة من الهجرة، وبعضهم يعدها غزوة مستقلة، وبعضهم يعدها تابعة لغزوة الأحزاب (١).
стр. 191
٢ ــ وكان سبب هذه الغزوة خيانة ونقض بني قريظة للعهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ بتحريض من حييّ بن أخطب ــ جرثومة هذه الفتنة ــ كما تقدم تفصيله في حوادث غزوة الأحزاب.
ولولا أن الله صرف الأحزاب وردّهم لأصاب المسلمين شرٌّ عظيم بسبب بني قريظة ونقضهم للعهد!!
٣ ــ وقوله ﷺ : "لا يصلينّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة": هذا مخرج في الصحيحين، إلا أنه في رواية مسلم: الظهر بدل العصر. (١). وعلماء السيرة متفقون على أنها العصر (٢).
٤ ـ وحاصل خلاف الصحابة في فهم هذا الحديث أن بعضهم حمل النهي فيه على حقيقته فأخروا صلاة العصر حتى صلوها في بني قريظة ولم يبالوا بخروج وقتها، وأما الصحابة الآخرون فحملوا النهي على غير حقيقته، وقالوا: ليس المقصود تأخير الصلاة عن وقتها، وإنما المراد الحثُّ والإسراع إلى بني قريظة، وهذا قول الجمهور من أهل المعاني والقياس (٣)، وفعلهم هو الأرجح كما أوضحه المصنف ﵀.
٥ ــ وقد دلت هذه الحادثة على جواز اجتهاد العلماء في فروع الأحكام، ورفع الحرج عنهم في ذلك، وأن بعض نصوص الكتاب والسنة يمكن أن يحمل أكثر من فهم وأكثر من تفسير.
стр. 192
حصار بني قريظة وبعث أبي لبابة لهم:
قال المصنف: «وأعطى رسُولُ الله ﷺ الرَّاية عليَّ بن أبي طالب ﵁، واستخلف على المدينة ابنَ أم مكتوم، ونازلَ حصون بني قريظة، وحصَرَهُم خمساً وعشرين ليلة، وكان قد دخل معهم في الحصن حُييُّ بن أخطب حين انصرفت قريشٌ، لأنه كان أعطاهم عهداً بذلك حتى نقضوا العهد وجعلوا يسبُّون رسُولَ الله ﷺ ويُسمِعُون أصحابه ذلك، فأرادَ رسُولُ الله ﷺ أن يخاطبهم، فقال له عليٌّ ﵁: لا تقرب منهم يا رسُولَ الله ــ خشية أن يسمع منهم شيئاً ــ فقال: «لو قد رأوني لم يقولوا شيئاً»، فلما رأوه لم يستطع منهم أحدٌ أن يتكلَّم بشيءٍ.
ثم بعثَ ﷺ إليهم أبا لُبابة بنَ عبد المُنذر الأوسي، وكانوا حلفاء الأَوس، فلما رأوهُ قاموا في وجههِ يبكون: رجالُهم ونساؤُهم، وقالوا: يا أبا لُبابة كيف تَرى لنا؟ أننزلُ على حُكمِ محمدٍ؟
قال: نعم وأشار بيده إلى حلقِهِ، يعني: أنه الذَّبح، ثم نَدِمَ على هذه الكلمة من وقتهِ، فقام مُسرعاً فلم يرجع إلى رسُولِ الله ﷺ حتى جاء مسجدَ المدينةِ، فربط نفسه بساريةِ المسجدِ، وحلف لا يحلُّه إلَّا رسُولُ الله ﷺ بيدِه، وأنه لا يدخلُ أرضَ بني قريظة أبداً، فلما بلغ رسُولَ الله ﷺ ذلك قال: «دعوه حتى يتوبَ الله عليه»، وكان من أمره ما كان حتى تابَ الله عليه ﵁».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ إعطاؤه ﷺ الرَّاية لعلي بن أبي طالب يوم الخندق ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١)، وعزاه ابن حجر للحاكم والبيهقي من مرسل
стр. 193
عروة بن الزبير (١).
٢ ــ واستخلافه ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة أورده ابن هشام في السيرة بدون إسناد (٢).
٣ ــ وحصاره ﷺ لبني قريظة خمساً وعشرين ليلة وحادثة أبي لبابة أخرجها أحمد في المسند من رواية عائشة مطولاً بإسناد جيد كما قال ابن كثير (٣).
تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة:
قال المصنف: «ثم إن بني قريظة نزلوا على حُكم رسُولِ الله ﷺ . ولما نزلوا على حكمه ﷺ ، قالت الأوسُ: يا رسُولَ الله، قد فعلتَ في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخوتنا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فقال: «ألا ترضَون أن يحكم فيهم رجلٌ منكم؟» قالوا: بلا. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ».
وكان سعدٌ إذ ذاك قد أصابه جرحٌ في أكحلِه، وقد ضربَ له رسُولُ الله ﷺ خيمةً في المسجدِ، ليعوده من قريبٍ، فبعثَ إليه ﷺ فجيء به وقد وطَّؤوا له على حمارٍ، وإخوتُه من الأوس حوله مُحيطون به، وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه، قالَ: لقد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله لومة لائم!
فرجعَ رجالٌ من قومهِ إلى بني عبد الأشهل فنَعوا إليهم بني قُريظة. فلمَّا دنا من رسُولِ الله ﷺ ، قال: «قوموا إلى سيّدكم»، فقام إليه المسلمونَ، فقالوا: يا سعدُ! قد ولَّاك رسُولُ الله ﷺ الحكمَ في بني قُريظة، فقال: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُه
стр. 194
أن الحكمَ فيهم كما حكمتُ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ وأشارَ إلى الناحيةِ التي فيها رسُولُ الله ﷺ ، وهو معرضٌ عن رسُولِ الله ﷺ إجلالاً له، فقال رسُولُ الله ﷺ : «نعم».
فقال سعدٌ: إني أحكمُ فيهم أن تُقتل مُقاتِلتهُم، وتُسبى ذراريهم. فقال رسُولُ الله ﷺ : «لقد حكمتَ فيهم بحكمِ الله من فوقِ سبعةِ أرقعةٍ»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ثابت في الصحيحين (١) باختصار، وهو عند ابن إسحاق مطولاً على نحو ما ذكره المصنف (٢).
٢ ــ وهذه الحادثة تدل كما قال الإمام النووي على: "جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم وأقام الحجة عليهم" (٣).
٣ ــ وقوله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم» ثابت في الصحيحين (٤)، وقد استدل به جمهور العلماء على استحباب إكرام أهل الفضل والقيام لهم إذا أقبلوا، قالوا: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون على الرجل وهو جالس، ويمثلون قياماً طوال جلوسه كما أفاده الإمام النووي (٥).
стр. 195
قتل المقاتلة وقسمة الأموال:
قال المصنف: «فأمر رسُولُ الله ﷺ أن يُقتل من أنبتَ منهم، ومن لم يكن أنبتَ تُرك، فضرب أعناقَهم في خنادقَ حُفِرت في سوقِ المدينةِ، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وقيل: ما بين السبعمائةِ إلى الثمانمائةِ. ولم يَقتل من النساءِ أحداً سوى امرأةٍ واحدةٍ، لأنها كانت طرحت على رأس خلَّادِ بنِ سُويد رحىً فقتلته لعنها الله. وقسم أموالَ بني قريظة على المسلمين؛ للراجلِ سهمٌ وللفارسِ ثلاثةُ أسهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أمره ﵊ بقتل من أنبت من بني قريظة وترك من لم ينبت أخرجه الأربعة وإسناده صحيح من قول عطية القرظي (١).
لكني أشك في صحة هذه الحادثة من جهة أن عطية القرظي غير مشهور ولا يعرف إلا بهذا الحديث، والذين عدوه في الصحابة اعتمدوا على هذه الحادثة والتي لم ينقلها أحدٌ سواه، فالله أعلم.
٢ ــ وما ذكره المصنف عن عدد من قتل من بني قريظة وأنهم كانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وقيل ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، فهذا بعض ما قيل، وقد أخرج أصحاب السنن عن جابر بن عبد الله بإسناد صحيح كما قال ابن حجر أنهم كانوا أربعمائة (٢)، وهذا أصح.
стр. 196
٣ ــ وقد دلت هذه الحادثة على جواز قتل الخونة من ناقضي العهد من أهل الذمة، وهو ما يسمى في الاصطلاح الحديث بالخيانة العظمى.
وما من شك أن بني قريظة قد غدروا وخانوا العهد وعرّضوا بخيانتهم أرواح المسلمين للقتل، فكان عقابهم مناسب لجرمهم.
٤ ــ وقتل المرأة القرظية يدل على جواز قتل المرأة القاتلة والمحاربة.
٥ ــ ويبدوا أن هذه الحادثة قد أرعبت المنافقين كثيراً في المدينة فقد خفت صوتهم ولم يعد يسمع منهم بعدها ما يناقض الإسلام كما كانوا من قبل (١).
٦ ــ ويلاحظ أن غزوة بني قريظة كانت بسبب خيانة اليهود ومثلها غزوة بني النضير، مما يؤكد أن اليهود قوم بهت وأهل خداع وخيانة، وأنهم ما إن يجدوا سبيلاً إلى الإضرار بالمسلمين إلا وسارعوا إليه (٢).
استشهاد سعد بن معاذ:
قال المصنف: «ولمَّا فرغ منهم استجاب الله دعوة العبدِ الصَّالحِ سعدِ بن معاذٍ، وذلك أنه لمَّا أصابَه الجرحُ قال: اللهم إن كنت أبقيتَ من حربِ قريشٍ شيئاً فأبقني لها، وإن كنتَ رفعتَ الحربَ بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة.
وكان ﷺ قد حسَم جُرْحَه فانفجرَ عليه فمات منه ﵁، وشيَّعه رسُولُ الله ﷺ والمسلمون، وهو الذي اهتزَّ له عرشُ الرحمن فرحاً بقدومِ روحه ﵁ وأرضاه. وقد استُشهد يوم الخندق ويوم قُريظة نحو العشرة ﵃ آمين».
стр. 197
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مقولة سعد بن معاذ: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش .. " مخرجة في الصحيحين بنحوه (١).
٢ ــ واهتزاز عرش الرحمن فرحاً بقدوم روح معاذ مخرج في الصحيحين بلفظ: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ" (٢).
٣ ــ وقد اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث، فقيل: إنه على ظاهره، وأن عرش الرحمن تحرك فرحاً بموت سعد بن معاذ وقدوم روحه، وقيل: إنه كناية عن تعظيم شأن موت معاذ، كما تقول العرب: أظلمت الأرض لموت فلان، واختار النووي الأول (٣).
٤ ــ وقوله: "استشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو العشرة": أخذه عن شيخه ابن القيم في الزاد (٤)، وبحسب ابن إسحاق فإنهم كانوا نحو السبعة (٥)، والله أعلم.
стр. 198
فصل
قَتْل أَبي رافع سَلَّام بن أَبي الحُقيق
قال المصنف: «لمَّا قَتَلَ اللهُ ــ وله الحمدُ ــ كعبَ بن الأشرف عدوّ الله على يد رجالٍ من الأوس كما قدَّمنا ذكره بعد وقعة بدر، وكان أبو رافع سَلَّام بن أبي الحُقيق ممن ألَّب الأحزابَ على رسُولِ الله ﷺ ولم يُقتل مع بني قريظة كما قُتل صاحبه حُييّ بنُ أخطب، رغبتِ الخزرجُ في قتله طلباً لمساواة الأوس في الأجر، فاستأذنوا رسُولَ الله في قتله فأذِن لهم.
فانتدب له رجالٌ كلهم من بني سَلَمَة، فنهضوا حتى أتوه في خيبرَ في دارٍ له جامعة، فنزلوا عليه ليلاً فقتلوه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أخرج هذه الحادثة البخاري في صحيحه مطولة مع اختلاف عن سياق المصنف (١).
٢ ــ وأبو رافع هذا كان ممن ألَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ كما ذكر المصنف، وأعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب يومها بالمال الكثير (٢).
стр. 199
٣ ــ وقد اختلف في تاريخ وقوع هذه الحادثة، والأظهر أنها كانت بعد غزوة الأحزاب بقليل، لأن سبب قتل أبي رافع هذا تأليبه الأحزاب على المسلمين يوم الخندق (١).
٤ ــ وفي الحادثة دليل على جواز قتل ولي الأمر المحاربين والمعينين على رسول الله ﷺ بيدهم أو بمالهم أو بلسانهم.
стр. 200
فصل
غزوة بني لِحْيَان
قال المصنف: «ثم خَرَجَ ﷺ بعد قريظة بستةِ أشهر، وذلك في جمادى الأولى من السنة السادسة على الصحيح قاصداً بني لِحْيَان ليأخذ بثأْر أصحاب الرَّجيع المتقدم ذكرُهم، فسار حتى نزلَ بلادَهم في وادٍ يقالُ له غُرَان (١)، وهو بين أَمَج وعُسفان، فوجدهم قد تحصّنوا في رؤوس الجبالِ، فتركهم وركبَ في مائتي فارسٍ حتى نزل عُسْفان، ثم قفل ﷺ إلى المدينة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل هذه الحادثة أن النبي ﷺ أراد الثأر والاقتصاص من الأعراب الخونة الذين غدروا بخُبيب بن عدي وأصحابه القراء في واقعة الرَّجيع. فخرج إليهم يريد مباغتتهم، فلما علموا به هربوا وتفرقوا في رؤوس الجبال (٢).
стр. 201
٢ ــ وكانت هذه الغزوة في السنة السادسة للهجرة كما صححه المصنف هنا، وابن إسحاق في السيرة (١).
٣ ــ ويؤخذ من الحادثة مشروعية قتال من خان وغدر ومعاقبته.
стр. 202
فصل
غزوة ذِي قَرَد
قال المصنف: «ثم أغار بعد قدومه المدينة بليال عيينةُ بن حِصْن في بني عبد الله بن غطفان، على لِقَاحِ (١) النبيّ ﷺ التي بالغابةِ، فاستاقَها وقَتَلَ راعيَها، وأخذوا امرأتَه.
فكان أول من أنذر بهم (٢) سَلَمَةُ بنُ عمرو بن الأكوع الأسلمي ﵁، ثم انبعثَ في طلبهم ماشياً وكان لا يُسبق، فجعل يرميهم بالنبل ويقول: أنا ابنُ الأكوع واليومُ يومُ الرُّضَع، يعني: اللئام، واسترجعَ عامة ما كان في أيديهم.
ولما وقع الصريخُ في المدينةِ خرج رسُولُ الله ﷺ في جماعةٍ من الفُرسان، فلحقوا سَلَمَة بن الأكوع، واسترجعوا اللقاحَ، وبلغ النبيُّ ﷺ ماءً يقال له ذو قَرَد، فنحر لَقْحَة مما استرجع، وأقام هناك يوماً وليلة، ثم رجع إلى المدينةِ.
وأقبلت المرأةُ المأسورةُ على ناقةٍ لرسُولِ الله ﷺ ، وقد نَذَرَتْ: إن الله أنجاها عليها لتنحرنهَّا، فقال رسُولُ الله ﷺ : «بئس ما جزتها، لا نذرَ لابنِ آدم فيما لا يملك، ولا في معصيةٍ»، وأخذ ناقته».
стр. 203
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ خبر هذه الغزوة مخرج في الصحيحين بنحو سياق المصنف من رواية سلمة بن الأكوع ﵁ (١).
٢ ــ وقد سمّيت بذي قَرَد نسبة إلى اسم الموضع الذي وقعت عنده، وبعضهم يسمّيها غزوة الغابة لأن اللّقاح كانت ترعى هناك (٢).
٣ ــ وقد اختلف في تاريخ هذه الغزوة، والذي عليه عامة أهل السير أنها كانت في سنة ست، قبل صلح الحديبية، وجزم الإمام البخاري في الصحيح أنها كانت سنة سبع، قبل غزوة خيبر بثلاثة أيام (٣).
٤ ــ ومن الملاحظ أن المدينة كانت تتعرض في عهده ﷺ بين حين وآخر لمثل هذا الاعتداءات ممن حولها من الأعراب، وقد سبق مثله عندما أغار كُرز بن جابر الفهري على سرح المدينة في غزوة بدر الأولى.
٥ ــ وقوله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا في معصية»: فيه دليل على أن من نذر بما لا يملك فنذره لا يصح ولا ينعقد ولا كفارة عليه، كأن يقول: لله عليّ إن شفى الله مريضي أن أتصدق بثوب فلان. وكذلك من نذر معصية كشرب الخمر، فنذره باطلٌ لا ينعقد ولا كفارة عليه عند أكثر العلماء (٤).
* * *
стр. 204
فصل
غزوة بني المُصْطَلِق أو المُريسيع
قال المصنف: «ثم غزا ﷺ بني المُصْطلِق من خُزاعة في شعبانَ من السنةِ السادسةِ، وقيل: كانتْ في شعبان سنة خمسٍ، والأول أصحّ، وهو قول ابن إسحاق (١) وغيره.
واستعمل على المدينة أبا ذرّ، فأغار عليهم وهم غارُّون على ماءٍ لهم يسمّى المُريسيع، وهو من ناحية قُديد إلى الساحل، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ منهم، وسبى النساء والذريّة.
وكان شعارُ المسلمينَ يومئذٍ: أمِت أمِت. وكان من السبيّ: جُويْرية بنتُ الحارث بن أبي ضِرَار مَلِك بني المُصْطَلِق، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شَمَّاس، فكاتبها، فأدَّى عنها رسُولُ الله ﷺ وتزوجها، فصارتْ أمَّ المؤمنين، فأعتق المسلِمُون بسبب ذلك مائة بيتٍ من بني المُصْطلِق قد أسلَمُوا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تسمّى هذه الغزوة: غزوة بني المُصطلق، نسبة إلى القوم الذين غزاهم النبي ﷺ ، ويقال لها أيضاً غزوة المُريسيع، نسبة إلى اسم الماء الذي وقعت عنده.
стр. 205
٢ ــ والمُريسيع: ماء قريب من قُديد التي تبعد عن مكة (١٢٠) كيلاً، جهة الساحل.
٣ ــ وأصل هذه الغزوة ثابت في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمر: «أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية» (١).
٤ ــ وقد صحح المصنف أنها وقعت في السنة السادسة، لكن جزم الذهبي أنها كانت في شعبان من سنة خمس، وهو ما رجحه ابن حجر لأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين من اشتراك سعد بن معاذ فيها، ومعلوم أن سعد بن معاذ مات عقب غزوة الخندق مباشرة سنة خمس، فلا يمكن أن تكون غزوة بني المصطلق في السنة السادسة (٢).
٥ ــ وكان عدد جيش المسلمين (٧٠٠) مقاتل (٣)، فيهم أناس من المنافقين كعبد الله بن أبيّ بن سلول خرجوا من أجل المغانم، وتسببوا في قلاقل وفتن سيأتي الحديث عنها.
٦ ــ وكان سبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ بلغه أن بني المُصطلق بقيادة زعيمهم الحارث بن أبي ضِرَار تجمع السلاح وتألّب القبائل استعداداً لغزو المدينة وحرب المسلمين، وكأنهم رأوا الفرصة مواتية بعد معركة أحد، وهو من سوء تقديرهم لقوة المسلمين!! فلمّا تأكد الخبر للنبي ﷺ خرج إليهم وباغتهم على
стр. 206
حين غرَّة منهم (١).
أضف أن بني المُصطلق كانوا من ضمن قبائل الأحابيش الذين ساندوا قريشاً في غزوة أحد وانضموا إليهم (٢).
٧ ــ ولم يستطع بنو المصطلق المقاومة فانهزموا سريعاً، وقُتل بعضهم، ووقع بقيتهم أسرى بأيدي المسلمين، وأصاب النبي ﷺ يومئذ جويرية بنت الحارث التي أعتقها فيما بعد وتزوجها (٣).
٨ ــ وقد أسلم أبوها الحارث بن أبي ضرار سيّد بني المصطلق، وولاه النبي ﷺ على صدقات من أسلم من قومه (٤).
٩ ــ استدل بعض علماء السلف بهذه الحادثة على جواز الإغارة على الكفار مطلقاً، سواء بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم، قال عبد الله بن عون: كتبتُ إلى نافع مولى ابن عمر أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتبَ إليَّ: "إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارّون" (٥)!!
لكن يردّ هذا ما تقدم من سبب الغزوة، وأن النبي ﷺ لم يباغتهم إلا بعد أن تأكد له عزمهم على الغدر، وكانوا في حالة حرب مع المسلمين، فلم يكن النبي ﷺ لينتظرهم حتى يغزوا المدينة، فليس في الحادثة دليل على غزو الكفار
стр. 207
مطلقاً كما فهمه نافع ﵀!!
ما قاله المنافق ابن سلول في رسول الله ﷺ :
قال المصنف: «وفي مرجعِه ﷺ قال الخبيثُ عبدُ الله بن أُبيّ بن سَلُول: لئن رجعنا إلى المدينةِ ليخرجنَّ الأعزُ منها الأذلَّ، يُعرّضُ برسُولِ الله ﷺ ، فبلَّغها زيدُ بنُ أرقم رسُولَ الله ﷺ ، وجاء عبدُ الله بنُ أُبيّ معتذرا، ويحلفُ ما قال، فسكت عنه رسُولُ الله ﷺ حتى أنزلَ الله تصديقَ زيد بن أرقم في سورة المنافقين».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ هذه الحادثة مخرجة بنحوها في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم (١).
٢ ــ وسبب مقولة عبد الله بن أبيّ أنه وقع نزاع بين رجلين من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، وكاد يقع الشرُّ بين الفريقين، فخرج النبي ﷺ وأصلح بينهم، ونهاهم عن دعاوى الجاهلية، وعندها قال عبد الله بن أُبيّ المنافق مقولته هذه (٢).
٣ ــ وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب استأذن النبي ﷺ في قتل عبد الله بن أبي بسبب مقولته، فأبى النبيُّ ﷺ وقال: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (٣).
وفي هذا دليل على ما كان عليه ﷺ من الحلم والصبر، واحتماله بعض المفاسد خوفاً من حدوث مفاسد أكبر وأعظم منها.
стр. 208
قال النووي ﵀: "وقد كان ﷺ يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم" (١).
٤ ــ وكما أشار الشيخ أبي شهبة (٢) فإن غزوة بني المصطلق على صغرها قد اشتملت على حادثتين عظيمتين، إحداهما كادت تحدث فتنة بين المسلمين وتمزق وحدتهم، لولا أن تداركها النبي ﷺ بحكمته، يعني حادثة ابن سلول، والثانية حادثة الإفك التي حسم الكلام بشأنها وحي السماء، ونزل بسببها تشريع خالد، وهي ما سيتحدث عنه المصنف في حديثه التالي.
طعن المنافقين في السيدة عائشة وتبرئة الله لها:
قال المصنف: «وكان في هذه الغزوة (٣) من الحوادثِ قصة الإفكِ الذي افتراه عبدُ الله بن أُبيّ هذا الخبيث وأصحابه، وذلك أن أمّ المؤمنين عائشة بنت الصّدّيق ﵂ كانت قد خرجت مع رسُولِ الله ﷺ في هذه السَّفْرة، وكانت تُحمل في هَوْدَج، فنزلوا بعضَ المنازل، ثم أرادوا أن يرتحلوا أوّل النهارِ، فذهبت إلى المتبرَّز، ثم رجعت فإذا هي فاقدة عِقْداً لأختها أسماء كانت أعارتها إيَّاه، فرجعت تلتمسه في الموضعِ الذي كانت فيه، فجاء النفرُ الذين كانوا يرحَلُون بها فحملوا الهَوْدَجَ، حملة رجلٍ
стр. 209
واحدٍ، وليس فيه أحدٌ، فرَحلوه على البعير ولم يستنكروا خفَّته؛ لتساعُدِهم عليه، ولأن عائشة ﵂ كانت في ذلك الوقتِ لم تحمل اللحم، بل كانت طفلة في سنّ أربعَ عشرة سنة.
فلما رجعت وقد أصابت العِقْدَ لم تر بالمنزل أحداً، فجلست في المنزلِ، وقالت: إنهم سيفقدونها فيرجعون إليها. وأخذتها سَنَةٌ من النومِ فلم تستيقظ إلا بترجيع صفوانِ بن المُعَطّل السُّلَمي، وكان قد عرَّس (١) في أخرياتِ القومِ، فلما رأى أمَّ المؤمنينَ، قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، زوجةُ رسُولِ الله ﷺ ؟!
ثم أناخَ بعيره فقرَّبه إليها، فركبته، ولم يكلمها كلمة واحدة، ثم سارَ بها يقودُها حتى قَدِمَا، وقد نزلَ الجيشُ في نحرِ الظهيرة (٢). فلما رأى ذلك الناسُ تكلَّم المنافقون بما الله مجازيهم به، وجعلَ عبدُ الله بن أُبيّ الخبيث مع ما تقدم له من الخزي في هذه الغزوة يتكلَّم في ذلك ويستحكيه، ويُظهره ويُشيعه وُيبديه.
وكان الأمرُ في ذلك كما هو مطول في الصحيحين عن عائشة ﵂ الصّدّيقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماواتٍ مما أبَنَها (٣) به أهلُ الإفكِ في هذه الغزوة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ … ﴾ [النور: ١١] الآيات.
فلما أنزل الله تعالى ذلك وكان بعد قدومهم من هذه الغزوة بأكثر من شهرٍ جُلد الذين تكلَّموا في الإفكِ. وكان ممن جُلد مِسْطحُ بنُ أُثَاثَة، وحَمْنةُ بنتُ جحش.
стр. 210
وقد كان رسُولُ الله ﷺ قبل ذلك صعد على المنبرِ فخطبَ المسلمين واستعذرَ من عبدِ الله بنِ أُبيّ وأصحابِه، فقال: «مَنْ يعذرني من رجلٍ بلغني أذاهُ في أهلي؟ والله ما علمتُ على أهلي إلَّا خيراً، وذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلَّا خيراً، وما يدخلُ على أهلي إلَّا معي»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ الإفك كما قال غير واحد: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو البهتان، مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه (١).
٢ ــ وحادثة الإفك مخرجة في الصحيحين بلفظ مطول (٢)، وسياق المصنف مختصر أورده بالمعنى.
٣ ــ وقد اشتملت هذه الحادثة على كثير من الأحكام والحِكَم والفوائد، منها: فضل السيدة عائشة ﵂ وتكذيب من قذفها في عفافها وشرفها.
٤ ــ ومنها: فضل الصحابة الذين صانوا أنفسهم وألسنتهم عن الخوض في أعراض الناس والافتراء عليهم، وقالوا كما حكى القرآن الكريم عنهم: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢].
٥ ــ ومنها: أن أصحاب النبي ﷺ وبرغم فضلهم ومكانتهم العظيمة قد تقع من بعضهم بعض الذنوب والآثام، لأنهم في منظور أهل السنة ليسوا بمعصومين (٣)،
стр. 211
إلا أن ذنوبهم وآثامهم قليلة جداً، ومغمورة في بحر حسناتهم وسابقتهم ومآثرهم وبلائهم في الإسلام.
٦ ـ ومنها: حرمة قذف المحصنين والمحصنات من المؤمنين والمؤمنات، وأنه من كبائر الذنوب، وإقامة الحدّ على فاعل ذلك.
٧ ــ قال العلماء: وإنما لم يحدّ النبي ﷺ عبد الله بن أُبي بن سلول مع أنه من تولى كبر هذا الإفك وتبنّاه، لأنه لم يقذف صراحة، ولم يترك دليلاً ضده، إذ كان يعرّض ولا يصرّح.
وقال بعضهم: إنما لم يُحَدّ لأن الله تعالى أعدّ له في الآخرة عذاباً عظيماً، فلو حُدّ في الدنيا لكان تخفيفاً عنه في الآخرة، بخلاف من أقيم عليهم الحدّ، فإن الله أراد أن يطهرهم ويكفر عنهم إثم ما صدر منهم (١).
على أن الحافظ ابن حجر أبدى احتمال أن يكون النبي ﷺ قد أقام على عبد الله بن أُبي الحدَّ لورود ذلك من طريقين مرسلين (٢).
٨ ــ وقد أراد المنافقون من وراء نشر هذا الإفك الطعن في الإسلام عن طريق الطعن في مقام النبي ﷺ وعرضه وكرامته، لكن الله فضح أمرهم وأبطل كيدهم.
* * *
стр. 212
فصل
صُلْح الحُدَيبِيَة
قال المصنف: «ولمَّا كان ذو القعدة من السنة السادسة خرجَ رسُولُ الله ﷺ معتمراً في ألفٍ، قيل: وخمسمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، وأما من زعم أنه خرجَ في سبعمائة فقد غلط.
فلما علِم المشركونَ بذلك جمعوا أحابيشهم وخرجوا من مكة صادّين له عن الاعتمار هذا العام، وقدَّموا على خيل لهم خالدَ بنَ الوليد إلى كُرَاع الغَمِيم (١).
وخالفه ﷺ في الطريقِ فانتهى ﷺ إلى الحُدَيبِيَة، وتراسلَ هو والمشركونَ حتى جاء سُهيلُ بنُ عمرو فصالحه على: أن يرجعَ عنهم عامهم هذا، وأن يعتمرَ من العام المقبل، فأجابه ﷺ إلى ما سأل؛ لِمَا جعلَ الله في ذلك من المصلحةِ والبركةِ. وكره ذلك جماعةٌ من الصحابةِ ﵃، منهم: عمرُ بنُ الخطاب ﵁، وراجع أبا بكر الصّدّيق في ذلك، ثم راجعَ النبي ﷺ ، فكان جوابُه ﷺ كما أجابه الصّدّيق ﵁، وهو أنه عبدُ الله ورسُولُه وليس يعصيه، وهو ناصره، وقد استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه».
стр. 213
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ الحُديبية: قرية قرب مكة المكرمة، على بعد (٢٢) كيلاً غربها، وتعرف الآن بالشميسي، وسمّيت الحادثة بالحديبية، لأن قريشاً منعت المسلمين من دخول مكة وهم بها.
٢ ــ وقد درج كثير من كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية، وكذا وقع في بعض كلام السلف.
وفي هذه التسمية عندي نظرٌ، لأن النبي ﷺ لم يخرج غازياً ولا محارباً، وإنما خرج زائراً لبيت الله معظماً له مُحْرماً بالعمرة.
لذلك كان الأولى تسميتها بعمرة الحديبية، أو صُلح الحديبية، ولم أر من سبقني إلى مثل هذا التنبيه، فالله أعلم.
٣ ــ وقد كان مقصد النبي ﷺ بخروجه هو زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، هكذا ورد في الأحاديث الصحيحة (١)، وأخطأ من قال من كتاب السيرة أنه خرج قاصداً الحج (٢).
٤ ــ والحادثة كما أشار المصنف مخرجة في صحيح البخاري بلفظ مطول، وكذا أخرج مسلم حوادث مفرقة منها (٣).
٥ ــ وقول المصنف: "وأما من زعم أنه إنما خرج في سبعمائة فقد غلط"،
стр. 214
فالمصنف يقصد بهذا ابن إسحاق ﵀.
قال ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطاً" (١).
قلت: لم أر ابن إسحاق صرّح بالسبعمائة من عند نفسه، وإنما روى هذا عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم كانوا سبعمائة رجل (٢).
وقد حمله الحافظ العراقي على مبدأ خروجهم من المدينة قبل أن يلحق بهم من لحقهم من غيرها (٣).
شروط الصلح:
قال المصنف: «فقاضاه سُهيلُ بنُ عمرو على أن يرجعَ عنهم عامَه هذا، وأن يعتمرَ مِنْ العام المقبل، على أن لا يدخلَ مكة ألا في جُلْبّان السلاح (٤).
وأن لا يُقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيامٍ. وعلى أن يأمنَ الناسُ بينهم وبينه عشر سنين.
وعلى أنه من شاء دخل في عَقْد رسُولِ الله ﷺ ، ومن شاء دخل في عَقْد قريشٍ.
стр. 215
وعلى أنه لا يأتيه أحدٌ منهم وإن كان مسلماً إلا ردّه إليهم، وإن ذهب أحدٌ من المسلمين إليهم لا يردُّونه إليه.
فأقرّ الله سبحانه ذلك كلَّه إلَّا ما استثنى من المهاجراتِ المؤمناتِ من النساء؛ فإنه نهاهم عن ردهنّ إلى الكفار، وحرمهنّ على الكفار يومئذ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف أن مدة الهدنة بين المسلمين وقريش كانت عشر سنين ذكره ابن إسحاق في السيرة، قال ابن حجر: "وهو المعتمد" (١).
٢ ــ وقد استدل بهذه الحادثة على جواز عقد الهُدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.
والجمهور على أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين، بناء على ما تم في صلح الحديبية، قال ابن حجر: "وهو الراجح" (٢).
٣ ــ كما دلت الحادثة على أن للإمام التنازل عن بعض الحقوق والمصالح الصغيرة رجاء تحقيق مصالح ومنافع أكبر منها وأعظم.
٤ ــ وقد كان النبي ﷺ حريصاً على إتمام هذا الصلح، لأنه كان حريصاً على إنهاء حالة الحرب التي تنافي الهدوء والاستقرار الذي يمكن أن تنتشر فيه الدعوة.
٥ ــ وقد كان لهذا الصلح فوائد عدة للمسلمين منها:
أولاً: أن فيه اعترافاً من قريش لأول مرة بالمسلمين، وأن لهم شرعية وكياناً