← Сира

Сира · id 1054

حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

هانى فقيه

Полный текст (303 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إلا أن ذنوبهم وآثامهم قليلة جداً، ومغمورة في بحر حسناتهم وسابقتهم ومآثرهم وبلائهم في الإسلام. ٦ ـ ومنها: حرمة قذف المحصنين والمحصنات من المؤمنين والمؤمنات، وأنه من كبائر الذنوب، وإقامة الحدّ على فاعل ذلك. ٧ ــ قال العلماء: وإنما لم يحدّ النبي ﷺ عبد الله بن أُبي بن سلول مع أنه من تولى كبر هذا الإفك وتبنّاه، لأنه لم يقذف صراحة، ولم يترك دليلاً ضده، إذ كان يعرّض ولا يصرّح. وقال بعضهم: إنما لم يُحَدّ لأن الله تعالى أعدّ له في الآخرة عذاباً عظيماً، فلو حُدّ في الدنيا لكان تخفيفاً عنه في الآخرة، بخلاف من أقيم عليهم الحدّ، فإن الله أراد أن يطهرهم ويكفر عنهم إثم ما صدر منهم (١). على أن الحافظ ابن حجر أبدى احتمال أن يكون النبي ﷺ قد أقام على عبد الله بن أُبي الحدَّ لورود ذلك من طريقين مرسلين (٢). ٨ ــ وقد أراد المنافقون من وراء نشر هذا الإفك الطعن في الإسلام عن طريق الطعن في مقام النبي ﷺ وعرضه وكرامته، لكن الله فضح أمرهم وأبطل كيدهم. * * *

стр. 212

فصل صُلْح الحُدَيبِيَة قال المصنف: «ولمَّا كان ذو القعدة من السنة السادسة خرجَ رسُولُ الله ﷺ معتمراً في ألفٍ، قيل: وخمسمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، وأما من زعم أنه خرجَ في سبعمائة فقد غلط. فلما علِم المشركونَ بذلك جمعوا أحابيشهم وخرجوا من مكة صادّين له عن الاعتمار هذا العام، وقدَّموا على خيل لهم خالدَ بنَ الوليد إلى كُرَاع الغَمِيم (١). وخالفه ﷺ في الطريقِ فانتهى ﷺ إلى الحُدَيبِيَة، وتراسلَ هو والمشركونَ حتى جاء سُهيلُ بنُ عمرو فصالحه على: أن يرجعَ عنهم عامهم هذا، وأن يعتمرَ من العام المقبل، فأجابه ﷺ إلى ما سأل؛ لِمَا جعلَ الله في ذلك من المصلحةِ والبركةِ. وكره ذلك جماعةٌ من الصحابةِ ﵃، منهم: عمرُ بنُ الخطاب ﵁، وراجع أبا بكر الصّدّيق في ذلك، ثم راجعَ النبي ﷺ ، فكان جوابُه ﷺ كما أجابه الصّدّيق ﵁، وهو أنه عبدُ الله ورسُولُه وليس يعصيه، وهو ناصره، وقد استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه».

стр. 213

الكلام عليه من وجوه: ١ ــ الحُديبية: قرية قرب مكة المكرمة، على بعد (٢٢) كيلاً غربها، وتعرف الآن بالشميسي، وسمّيت الحادثة بالحديبية، لأن قريشاً منعت المسلمين من دخول مكة وهم بها. ٢ ــ وقد درج كثير من كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية، وكذا وقع في بعض كلام السلف. وفي هذه التسمية عندي نظرٌ، لأن النبي ﷺ لم يخرج غازياً ولا محارباً، وإنما خرج زائراً لبيت الله معظماً له مُحْرماً بالعمرة. لذلك كان الأولى تسميتها بعمرة الحديبية، أو صُلح الحديبية، ولم أر من سبقني إلى مثل هذا التنبيه، فالله أعلم. ٣ ــ وقد كان مقصد النبي ﷺ بخروجه هو زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، هكذا ورد في الأحاديث الصحيحة (١)، وأخطأ من قال من كتاب السيرة أنه خرج قاصداً الحج (٢). ٤ ــ والحادثة كما أشار المصنف مخرجة في صحيح البخاري بلفظ مطول، وكذا أخرج مسلم حوادث مفرقة منها (٣). ٥ ــ وقول المصنف: "وأما من زعم أنه إنما خرج في سبعمائة فقد غلط"،

стр. 214

فالمصنف يقصد بهذا ابن إسحاق ﵀. قال ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطاً" (١). قلت: لم أر ابن إسحاق صرّح بالسبعمائة من عند نفسه، وإنما روى هذا عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم كانوا سبعمائة رجل (٢). وقد حمله الحافظ العراقي على مبدأ خروجهم من المدينة قبل أن يلحق بهم من لحقهم من غيرها (٣). شروط الصلح: قال المصنف: «فقاضاه سُهيلُ بنُ عمرو على أن يرجعَ عنهم عامَه هذا، وأن يعتمرَ مِنْ العام المقبل، على أن لا يدخلَ مكة ألا في جُلْبّان السلاح (٤). وأن لا يُقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيامٍ. وعلى أن يأمنَ الناسُ بينهم وبينه عشر سنين. وعلى أنه من شاء دخل في عَقْد رسُولِ الله ﷺ ، ومن شاء دخل في عَقْد قريشٍ.

стр. 215

وعلى أنه لا يأتيه أحدٌ منهم وإن كان مسلماً إلا ردّه إليهم، وإن ذهب أحدٌ من المسلمين إليهم لا يردُّونه إليه. فأقرّ الله سبحانه ذلك كلَّه إلَّا ما استثنى من المهاجراتِ المؤمناتِ من النساء؛ فإنه نهاهم عن ردهنّ إلى الكفار، وحرمهنّ على الكفار يومئذ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ ما ذكره المصنف أن مدة الهدنة بين المسلمين وقريش كانت عشر سنين ذكره ابن إسحاق في السيرة، قال ابن حجر: "وهو المعتمد" (١). ٢ ــ وقد استدل بهذه الحادثة على جواز عقد الهُدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. والجمهور على أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين، بناء على ما تم في صلح الحديبية، قال ابن حجر: "وهو الراجح" (٢). ٣ ــ كما دلت الحادثة على أن للإمام التنازل عن بعض الحقوق والمصالح الصغيرة رجاء تحقيق مصالح ومنافع أكبر منها وأعظم. ٤ ــ وقد كان النبي ﷺ حريصاً على إتمام هذا الصلح، لأنه كان حريصاً على إنهاء حالة الحرب التي تنافي الهدوء والاستقرار الذي يمكن أن تنتشر فيه الدعوة. ٥ ــ وقد كان لهذا الصلح فوائد عدة للمسلمين منها: أولاً: أن فيه اعترافاً من قريش لأول مرة بالمسلمين، وأن لهم شرعية وكياناً

стр. 216

مستقلاً تبرم معه العهود والمواثيق. ثانياً: أن هذا الصلح أتاح للنبي ﷺ التفرغ للدعوة إلى الله ومراسلة الملوك والزعماء ودعوتهم إلى الإسلام مما لم يكن متاحاً قبل الصلح. ثالثاً: أن هذا الصلح أتاح للنبي ﷺ دعوة القبائل التي كانت تخشى قريشاً فأصبحوا يقبلون على الإسلام دون خوف أو وجل. وقد ذكر أهل السير أن الذين أسلموا في مدة صلح الحديبية وهي سنتان فقط كانوا أكثر من الذين أسلموا قبل ذلك في (١٦) عاماً من عمرة الدعوة، وكل هذا كان من بركات صلح الحديبية (١). ٦ ــ وقد أسلم في زمن صلح الحديبية بعض كبار الصحابة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة صاحب مفاتيح الكعبة (٢). ٧ ــ وفي مكاتبة النبي ﷺ للملوك والأمراء خارج الجزيرة العربية وداخلها دليل على عالمية الإسلام، وأن رسالته لا تقتصر على أناس بعينهم أو بلد بعينه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨]. ٨ ــ كما دلت حادثة صلح الحديبة على أن الخِيَرة فيما يختاره الله لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر، كما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] (٣).

стр. 217

بيعة الرضوان: قال المصنف: «وقد كان ﷺ قبلَ وقوعِ هذا الصُّلْح بَعَثَ عثمان بنَ عفان ﵁ إلى أهلِ مكة يُعْلِمُهم أنه لم يجيء لقتالِ أحدٍ، وإنما جاء معتمراً، فكان من سيادة عثمان ﵁ أنه عرض عليه المشركون الطَّواف بالبيتِ، فأبى عليهم وقال: لا أطوف بها قبل رسُولِ الله ﷺ . ولم يرجع عثمانُ ﵁ حتى بلغه ﷺ أنه قد قُتِل عثمان، فَحَمِي لذلك رسُولُ الله ﷺ ، ثم دعا أصحابَه إلى البيعةِ على القتال، فبايعوه تحت شجرةٍ هناك. ووضعَ ﷺ إحدى يديه عن نفسهِ الكريمةِ ثم قال: «وهذه عن عثمان» ﵁، فكان ذلك أجلَّ من شُهوده تلك البيعة. وأنزل الله في ذلك: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال ﷺ : «لا يدخل أحدٌ ممن بايعَ تحتَ الشجرةِ النارَ» (١)، فهذه هي بيعة الرضوان». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ هذه الحادثة تسمّى ببيعة الرضوان، لأن الله ﵎ أخبر بأنه قد رضي عن أصحابها في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وسببها كما أشار المصنف من إشاعة قتل قريشٍ لعثمان بن عفان ﵁. ٢ ــ وقد اختلف في الشيء الذي بايع الصحابةُ عليه النبيَّ ﷺ يومها، فذكر المصنف أنهم بايعوه على القتال، ولم أقف على هذه الرواية، إلا أنها صحيحة من حيث المعني، لأن الرواية في الصحيح أنهم بايعوه على الموت، وفي رواية: على أن ألا يفروا، وفي رواية على الصبر، وكلها روايات صحيحة، ولا تعارض بينهما،

стр. 218

لأن البيعة على الموت تعني الثبات وعدم الفرار، وتعني الصبر عند اللقاء، وتعني القتال (١). ٣ ــ والحادثة فيها فضيلة ظاهرة لأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان. ٤ ــ وفيها فضيلة خاصة لعثمان بن عفان ﵁ حيث بايع النبي ﷺ عنه في غيبته وقال: بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده، فقال: «هذه لعثمان» (٢). تحلل النبي ﷺ ورجوعه إلى المدينة: قال المصنف: «ولمَّا فَرَغَ النبيُّ ﷺ من مُقاضاةِ المشركينَ شَرعَ في التحلُّل مِنْ عمرتِه وأَمَرَ الناسَ بذلك، فشقَّ عليهم وتوقفوا، رجاء نسخه، فغضبَ النبيُّ ﷺ مِنْ ذلك، فدخل على أمّ سَلَمَة، فقال لها ذلك، فقالت: اخرج أنتَ يا رسُولَ الله فاذبحْ هديَك واحلق رأسَك، والناسُ يَتْبَعُونك يا رسُولَ الله، فخرجَ ففعل ذلك. فبادرَ الناسُ إلى موافقته، فحلقوا كلُّهم، إلَّا عثمان بن عفان وأبا قتادة الحارث بن ربعي، فإنهما قصّراً، ذكره السهيلي في الروض الأنف (٣). وكادَ بعضُهم يقتلُ بعضاً غماً، لأنهم يرون المشركينَ قد ألزموهم بشروطٍ كما أحبُّوا، وأجابهم ﷺ إليها، وهذا من فَرْطِ شجاعتِهم ﵃ وحرصهم على نصرِ الإسلام. ولكنَّ الله أعلمُ بحقائقِ الأمورِ ومصالحِها منهم. ولهذا لمَّا انصرفَ ﷺ

стр. 219

راجعاً إلى المدينة أنزلَ الله عليه سورةَ الفتح بكمالها في ذلك». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ في الحادثة دليل على أن من أحرم للحج أو العمرة ثم عرض له مانع من أدائها من عدو أو مرض ونحوه فإنه يتحلَّل منها ولا يلزمه قضاء، واختلف في وجوب ذبح الهدي عليه (١). ٢ ــ وإنما تأخر الصحابة في امتثال أمره ﷺ بالتحلل لأنهم كانوا يرجون نزول وحي يغيّر الموقف وينسخ الأمر. فلما رأوا رسول الله ﷺ أخذ في التحلُّل بادروا إلى ذلك، وقد دخلهم من الهم والغم أمر عظيم، لأنهم كانوا يرون أن شروط قريش فيها إجحاف بالمسلمين، كما أن النبي ﷺ كان قد أخبرهم قبل بأنهم سيدخلون المسجد الحرام ويطوفون بالبيت، فلما صُدُّوا عنه ووقع الصلح أشكل عليهم، فبين لهم النبي ﷺ بأنه لم يخبرهم أنهم سيدخلونه عامهم هذا. ٣ ــ ونسْبَة المصنف إلى السهيلي التقصير وعدم الحلق لعثمان بن عفان وأبي قتادة نسَبَه الحافظ في الفتح أيضاً إلى أبي داود (٢)، ولم أقف عليه عند أبي داود، فالله أعلم. ٤ ــ كما أن في الحادثة فضل أم سَلَمَة زوج النبي ﷺ وحصافة رأيها. * * *

стр. 220

فصل غزوة خَيْبَر قال المصنف: «ولمَّا رجعَ ﷺ إلى المدينةِ أقامَ بها إلى المحرَّمِ من السنة السابعة، فخرجَ في آخرِه إلى خيبر، ونُقل عن مالكِ بن أنسٍ ﵀ أن فتحَ خيبرَ كان في سنة ستٍ، والجمهورُ على أنها في سنة سبعٍ. فسارَ ﷺ إليها، فلما انتهى إليها حاصرها حصناً حصناً يفتحُه الله عليه ويغنمُه، حتى استكملها ﷺ وخمَّسَها، وقَسَمَ نصفَها بين المسلمينَ، وكان جملتهم من حضرَ الحُديبية فقط، وأرصدَ النصف الآخرَ لمصالحه ولما ينوبُه من أمر المسلمين». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع شمال المدينة على طريق الشام، وتبعد عنها حوالي (١٥٠) كيلاً. ٢ ــ وحاصل هذه الغزوة أن النبي ﷺ بعد أن أمِن جانبَ قريش بالصلح الذي عقده معها بالحديبية أراد أن يحلّ مشكلة الخطر اليهودي في خيبر، وما كانوا يشكلونه من تهديد للمسلمين، حيث شاركوا في تأليب الأحزاب يوم الخندق، وسخروا أموالهم في ذلك، وحرضوا بني قريظة على نقض العهد مع المسلمين، وكانوا يستعدون لغزو المدينة بالتحالف مع غطَفان. وكانت خيبر تتألف من مجموعة من الحصون المنيعة، فحاصرها النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 221

أياماً عدة، وفتحها حصناً حصناً، حتى سقطت كلها بأيدي المسلمين. ٣ ــ وجمهور علماء السير على أن الغزوة وقعت في محرَّم من سنة سبع، قال ابن حجر: "وهو الراجح". (١) ٤ ــ وما ذكره المصنف من أن رسول الله ﷺ قسم نصف خيبر، وأبقى نصفها لنوائبه ومصالحه، أخرجه أبو داود عن سهل بن أبي حثْمة، قال: «قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين» (٢). وقد بيّن الإمام الخطابي أن أرض خيبر منها ما فُتح عنوة فهذا هو الذي قسمه النبي ﷺ بين المجاهدين، ومنها ما فُتح صلحاً فكان فيئاً وضعه النبي ﷺ في حوائجه ومصالح المسلمين (٣). ٥ ــ وبرغم شدة القتال الذي كانت بين النبي ﷺ وبين يهود خيبر فقد كان النبي ﷺ حريصاً على إسلامهم وهدايتهم، وقال لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية لقتالهم: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حُمُر النعم» (٤). إقرار اليهود للعمل بخيبر وحادثة الشاة المسمومة: قال المصنف: «واستعملَ اليهودَ الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عِوَضاً

стр. 222

عمّا كان صالحهم عليه من الجلاءِ على أن يعملوها ولرسُولِ الله ﷺ النصفُ مما يخرج منها من ثمر أو زرعٍ، وقد اصطفى ﷺ من غنائمها صفيَّة بنتَ حُييّ بن أخطب لنفسه، فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وبنى بها في طريقِ المدينةِ بعدما حلَّت. وقد أهدتْ إليه امرأةٌ من يهودِ خيبر ــ وهي زينبُ بنتُ الحارثِ امرأةُ سلَّام بن مِشْكم ــ شاة مصليَّة (١) مسمومة، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراعُ أنه مسمومٌ، فترك الأكلَ، ودعا باليهودية فاستخبرها: أسممتِ هذه الشاة؟ فقالت: نعم، فقال: «ما أردتِ إلى ذلك»؟ فقالت: أردتُ إن كنت نبياً لم يضرّك، وإن كنت غيره استرحنا منك، فعفا عنها ﷺ . وقيل: إن بشرَ بن البراء بن مَعْرور كان ممن أكل منها، فمات، فقتلها به. وقد روى ذلك أبو داود مرسلاً عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن رسول الله ﷺ بعدما فتح الله عليه خيبر عَزَم أولاً على إجلاء اليهود منها، فسألوه أن يبقيهم يعملوا فيها على أن لهم نصف ما يخرج منها، فوافق بشرط أن يخرجهم منها متى شاء. أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لمّا ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ أن يقرّهم بها، على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : «نقرّكم بها على ذلك ما شئنا»، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء (٢).

стр. 223

٢ ــ واصطفاؤه ﷺ صفيّة بنت حُيي وإعتاقها وتزوجها أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث أنس بن مالك (١). ٣ ــ وقصة الشاة المسمومة التي أهديت للنبي ﷺ في خيبر مخرجة في البخاري من حديث أبي هريرة باختصار (٢). وقد بين غير واحد من أهل العلم أن النبي ﷺ عفا عن تلك المرأة أول الأمر، لكن لما مات بشر بن البراء بعد ذلك بسبب السم قتلها قصاصاً به (٣). ٤ ــ وقوله: "وقد روى ذلك أبو داود مرسلاً .. " قلت: لفظه عند أبي داود: عن أبي سَلَمَة: أن رسول الله - أهدت له يهوديةٌ بخيبر شاة مصليّة، قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية: «ما حملك على الذي صنعت؟» فأمر بها رسولُ الله ﷺ فقتلت (٤). قدوم جعفر بن أبي طالب ومن بقي بالحبشة: قال المصنف: «وقَدِمَ على النبيّ ﷺ في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفرُ بنُ أبي طالب وأصحابُه ممن بقي مهاجراً بأرضِ الحبشةِ، وصُحْبتهم أبو موسى الأشعري في جماعةٍ من الأشعريين يزيدون على السبعين. وقَدِم عليه أبو هريرة وآخرون ﵃ أجمعين، فأعطاهم ﷺ من المغانم كما أراه الله .

стр. 224

وقد قال ﷺ لجعفر: «لا أدري بأيّهما أنا أُسرّ، أبفتحِ خيبر أم بقدومِ جعفر؟»، ولمّا قَدِمَ عليه قام وقبّل ما بين عينيه. وقد استُشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلاً ﵃ جميعهم». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه حين فتح خيبر مخرَّج في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري (١). ولم يتبين لي سبب تأخرهم في بلاد الحبشة كل هذا الوقت رغم أن سبب هجرتهم وهو اضطهاد قريش قد انتهى منذ سنوات كثيرة، ولم أر من تعرض لبحث هذا، فلينظر؟! ثم بدى لي احتمال أن يكون مكوثهم هناك إنما هو من أجل الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام، هذا أمر وارد، والله أعلم. ٢ ــ وقوله ﷺ : «لا أدري بأيهما أُسرّ، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» وتقبيله له أخرجه الحاكم وصححه، وحسنه الألباني (٢). ٣ ــ وفي تقبيل النبي ﷺ لجعفر دليل على مشروعية تقبيل القادم من السفر والتزامه، وكذلك من طال العهد به. وأما حديث أنس بن مالك عند الترمذي، «أن رجلاً قال يا رسول الله: الرجل منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبّله؟ قال:

стр. 225

لا، قال: فيأخذ بيده فيصافحه؟ قال: نعم» (١). فهذا الحديث محمول على اللقاء المعتاد المتكرر بين الناس، فالتقبيل والالتزام في هذه الحال غير مرغب فيه، بخلاف القادم من السفر أو من طال به العهد (٢). ٤ ــ وقوله: "استُشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلاً": يعني في معارك خيبر، وقد سماهم ابن إسحاق في السيرة من قوله معلقاً (٣). وذكر الواقدي أن قُتِل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً (٤). ٥ ــ وكان عدد جيش المسلمين بخيبر (١٥٠٠)، فيهم ثلاثمائة فارس (٥). ٦ ــ وكما يقول الدكتور العُمري فإنه بهذه الغزوة يكون قد انتهى دور اليهود العسكري والاقتصادي في الحجاز، وتفرغ المسلمون بعدها لإخضاع قبائل العرب المشركة ولتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام (٦). * * *

стр. 226

فصل فتح فَدَك قال المصنف: «ولمَّا بَلَغَ أهلَ فَدَكٍ ما فعل رسُولُ الله ﷺ بأهلِ خيبر، بعثوا إليه يطلبون الصُّلحَ فأجابهم، فكانت مما لم يُوجِف المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، فوضعها ﷺ حيث أراه الله ، ولم يقسمها». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ فدك بالتحريك وآخره كاف: بلدة عامرة كثيرة النَّخل والزرع والسكان شرق خيبر، وتسمى اليوم: «الحائط». ٢ ــ وقصة أهل فَدَك ذكرها ابن أسحاق بنحوه سياق المصنف، وهي في سنن أبي داود (١). ٣ ــ وكان النبي ﷺ يصرفُ مال الفيء الذي يأتي من فَدَك وغيرها على ما أمره الله؛ فينفق منه على نفسه وأهله نفقة سنة، ويجعل باقيه في السلاح ومصالح المسلمين. فلما مات ﷺ اعتقدت ابنته فاطمة ﵂ أن هذا الفيء ومنه فَدَك يكون

стр. 227

موروثاً عنه! ولم يبلغها ﵂ قوله ﵊: «لا نورث ما تركناه صدقة» (١)، أو أنها ﵂ تأوّلت الحديث على أن المراد به الأصول والرقاب دون المنافع، وأما أبو بكر فتمسك بعموم النص. قال الحافظ ابن حجر: "وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله «لا نورث»، ورأت أن منافع ما خلّفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل" (٢).

стр. 228

فصل فتح وادي القُرى قال المصنف: «ورجعَ إلى المدينةِ على وادي القُرى فافتتحه، وقيل: إنه قاتل فيه. فالله أعلم. وفي الصحيحين (١): أن غلاماً لرسُولِ الله ﷺ يُدعى مِدْعَماً، بينما هو يَحطُّ رحل رسُولِ الله ﷺ إذ جاءه سهم غَرْبٌ (٢) فقتله، فقال الناسُ: هنيئاً له الشهادة يا رسُولَ الله، فقال: «كلا والذي نفسي بيدِه، إن الشَّمْلة التي أخذها من الغنائم لم تُصبها المقاسمُ لتشتعلُ عليه ناراً»». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ وادي القرى سمّي بذلك لكثرة قراه، وهو بين المدينة وتبوك، وأعظم مدنه اليوم: مدينة «العُلا» شمال المدينة، على مسافة (٣٥٠) كيلاً. ٢ ــ وحادثة فتح وادي القرى ذكرها ابن إسحاق في السيرة (٣)، وفي الصحيحين إشارة لها (٤).

стр. 229

وذكر ابن القيم (١): أنه كان بها جماعة من اليهود والعرب، فدعاهم رسول الله ﷺ أولاً إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا احرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، فلما أبوا قاتلهم حتى فتح بلادهم عنوة وغنم أموالهم. ٣ ــ وحادثة الغلام الذي غلّ الشملة من الغنائم مخرجة في الصحيحين (٢)، وفيها دليل على تعظيم أمر الأخذ من مال الغنيمة قبل قسمتها، وعدّه الهيتمي من الكبائر (٣).

стр. 230

فصل عُمْرة القَضَاءِ قال المصنف: «ولمَّا رَجَعَ ﷺ إلى المدينةِ أقامَ بها إلى شهرِ ذي القعدةِ، فخرجَ فيه معتمراً عُمرة القضاءِ التي قاضى قريشاً عليها. ومنهم من يجعلُها قضاءً عن عُمرة الحُديبية حيث صُدّ، ومنهم من يقول عُمرة القصاصِ، والكلُّ صحيح. فسارَ حتى بلغَ مكة فاعتمرَ وطافَ بالبيت، وتحلّلَ من عُمرته». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ عمرة القضاء ذكرها ابن إسحاق وموسى بن عقبة بسند حسنه ابن حجر عن ابن عمر (١). ٢ ــ وكانت هذه العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السابعة من الهجرة في قول عامة أهل السير. ٣ ــ وسمّيت بعمرة القضاء على القول الراجح لأنها كانت مقاضاة حسبما اتُفق عليه في صلح الحديبية بين النبي ﷺ وقريش أن يرجع من عامه ذاك ويعتمر في العام المقبل.

стр. 231

ولذلك يقال لها أيضاً عمرة القضيّة وعمرة الصلح. قال العلامة السهيلي: "سمّيت عمرة القضاء لأن النبي ﷺ قاضى قريشاً عليها، لا لأنه قضى العمرة التي صُدّ عن البيت فيها، فإنها لم تك فسدت بصدّهم عن البيت، بل كانت عمرة تامة" (١). ٤ ـ ومما يؤكد أنها كانت عمرة جديدة ولم تكن قضاء لعمرة الحديبية أن الذين صُدّوا عن البيت كانوا ألفاً وأربعمائة، وهؤلاء كلّهم لم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلّف منهم أحد (٢). زواجه ﷺ بميمونة بنت الحارث: قال المصنف: «وتزوّج بعد إحلالِه بميمونة بنتِ الحارثِ أمّ المؤمنين، وتمت الثلاثة أيام، فبعثَ إليه المشركون علياً ﵁ يقولون له: اخرجْ من بلدنا. فقال: «وما عليهم لو بنيتُ بميمونة عندهم؟»، فأبو عليه ذلك. وقد كانوا خرجوا من مكة حين قدمها ﷺ عداوة وبغضاً له. فخرج ﵊ فبنى بميمونة بسَرِفٍ ورجعَ إلى المدينةِ مؤيداً منصوراً». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ بقاءُ النبي ﷺ بمكة بعد العمرة ثلاثة أيام كان بحسب اتفاقه مع قريش في صُلح الحديبية (٣).

стр. 232

٢ ــ وبعث المشركين علياً كي يُعلم النبي ﷺ بالخروج من مكة مخرج في البخاري (١). ٣ ــ وقد اختلفت الروايات في زواجه ﷺ بميمونة بنت الحارث هل كان حلالاً وقتها أم كان مُحرماً، والصحيح أنه كان حلالاً. وذهب ابن عباس إلى أنه كان حراماً، قال ابن القيم: "ووهم ﵁، فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها حلالاً، وقال: كنت أنا السفير بينهما. وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائباً عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجلٌ بالغٌ، وعلى يده دارت القصة وهو أعلمُ بها، ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم" (٢). ٤ ــ وفي هذه العمرة تحدَّثت قريش فيما بينها بأن محمداً وأصحابه قد أضعفتهم حُمى يثرب، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة حتى يريهم منه قوة وجلداً، وقد كرر فعله هذا في عمرة الجعرانة وفي حجة الوداع فصارت سنة للأبد (٣).

стр. 233

فصل غزوة مُؤتة قال المصنف: «ولمَّا كان في جمادى الآخرة من سنة ثمانٍ بعثَ ﷺ الأمراءَ إلى مؤتة، وهي قريةٌ من أرضِ الشام، ليأخذوا بثأرِ من قُتل هناك من المسلمينَ، فأمَّر على الناسِ زيدَ بنَ حارثة مولاه ﷺ ، وقال: «إن أُصيبَ زيدٌ فجعفرُ بنُ أبي طالب، فإن أُصيب جعفرٌ فعبدُ الله بنُ رَواحة»». الكلام عليه من وجوه: ١ ـ سمّيت هذه الغزوة مؤتة نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه. ومؤتة اليوم: قرية عامرة بالسكان، شرقي الأردن، تبعد (١١) كيلاً عن مدينة الكرك. ٢ ــ جرى عامة كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بـ "غزوة مؤتة" مع أن النبي ﷺ لم يخرج فيها، فكان حسب الاصطلاح ينبغي أن تسمى سريّة أو بعثاً، لكنهم اطلقوا عليها غزوة لكثرة عدد المسلمين فيها، ولما لها من أهمية بالغة (١). ٣ ــ وقوله: "ليأخذوا بثأر من قُتل هناك من المسلمينَ": كان هذا سبب الغزوة، وإيضاحه: أن النبي ﷺ كان قد أرسل رسولاً يقال له الحارث بن عمير

стр. 234

الأزدي إلى شرحبيل بن عمرو الغساني أمير بصرى من قِبَل الروم يدعوه إلى الإسلام. فأوثقه شرحبيل وقتله صبراً، وكانت العادة قد جرت بعدم قتل الرسل والسفراء مهما عظم الخلاف وكرهت الرسالة. فلما بلغ الخبرُ النبيَّ ﷺ غضب واشتدّ عليه فبعث هذه السرية تأديباً له (١). وربما كان مقصد النبي ﷺ أكبر من ذلك، وأنه كان يريد تحرير قبائل العرب القاطنين شمالي الجزيرة العربية من هيمنة الروم، وجعلها تحت رعاية دولة الإسلام. ٤ ــ وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أهل المغازي لا يختلفون في أنها وقعت في السنة الثامنة من الهجرة إلا ما ذكره خليفة بن خياط أنها كانت سنة سبع (٢). ٥ ــ وترتيبه ﷺ الأمراء وقوله "إن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب فعبد الله بن رواحة"، هذا مخرّج في الصحيح بنحوه من حديث ابن عمر (٣). وفيه دليل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب، كما أفاده الحافظ في الفتح (٤). ٦ ــ وكانت هذه الغزوة هي الأولى التي يتخذ النبي ﷺ فيها مثل هذا الإجراء من تولية عدد من الأمراء على الترتيب، وربما حمله ﷺ على ذلك بعد المسافة وقوة

стр. 235

الأعداء، مما قد يتوقع معه حصول الأخطار والمكاره (١). خروج الجيش وتوديع النبي ﷺ لهم: قال المصنف: «فخرجُوا في نحوِ من ثلاثةِ آلافٍ، وخَرَجَ ﷺ معهم يُودّعهم إلى بعضِ الطريقِ، فساروا حتى إذا كانوا بمعان (٢) بلغهم أن هرقلَ ملكَ الروم قد خَرَجَ إليهم في مائةِ ألفٍ ومعه مالِك بنُ زافلة في مائة ألف أخرى من نصارى العرب؛ من لَخْم وجُذام وقبائل قُضاعة من بَهْراء وبِلّي وبَلْقِين. فاشتورَ المسلمون هناك، وقالوا: نكتبُ إلى رسُولِ الله ﷺ يأمرنا بأمره أو يمدّنا. فقال عبدُ الله بنُ رَواحة ﵁: يا قومُ! والله إن الذي خرجتُم تطلبون: أمامكم ــ يعني الشهادة ــ وإنكم ما تقاتلون الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ، وما نقاتلهم إلَّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فهي إحدى الحُسنيين: إما ظهورٌ، وإما شهادةٌ. فوافقه القومُ، فنهضوا». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ عامة مصادر السيرة تذكر أن عدد جيش المسلمين كان ثلاثة آلاف، بينما كان عدد جيش الروم ومن انضم إليهم من نصارى العرب مائتي ألف مقاتل، أي أكثر من (٦٦) ضعفاً!! قال ابن كثير: "أقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف ومن العرب خمسون ألفا" (٣).

стр. 236

وأنا أشك في هذا الرقم، وأرى أن فيه مبالغة لأسباب منها: أولاً: أن حشد مثل هذه الأعداد الضخمة ليس بالأمر الهين في وقت قصير. ثانياً: أن عدد جيش المسلمين كان معروفاً لدى أعدائهم وأنه لا يتجاوز ثلاثة آلاف، فمن المستبعد أن يقابلهم الروم بتلك الأعداد الهائلة. ثالثاً: أن حصيلة شهداء المسلمين في المعركة لم تتجاوز ثلاثة عشر شهيداً أو أقلّ، مما لا يتناسب مع ما ذُكر من أعداد خصومهم وقوتهم!؟ على أن بعض علماء السيرة كالإمام الزهري (١) لم يحدد عدداً لجيش الروم وحلفائهم، واكتفى بكونهم جموعاً كثيرة، ولعل هذا هو الأصوب والله أعلم (٢). ٢ ــ مقولة عبدالله بن رواحة "يا قوم إن الذي خرجتم تطلبون أمامكم .. "، نقلها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٣). ٣ ــ وقد دلت مواجهة الصحابة لهذه الجموع الكبيرة على مقدار ما كانوا عليه من شجاعة وصبر وقوة إيمان في ميادين الجهاد. ٤ ــ رأى بعض المحللين المعاصرين أن تشجيع عبد الله بن رواحة للمسلمين

стр. 237

لخوض هذه المعركة بالرغم من تفوق عدوهم الهائل يعد خطأ استراتيجياً ومغامرة خطرة!! لكن يجاب عن هذا بأن ما ذكر إنما هو بحسب القوانين الأرضية المادية، وليس بحسب من يجاهد في سبيل الله ويدافع عن عقيدة وإيمان (١). اشتداد القتال واستشهاد القادة الثلاثة: قال المصنف: «فلمَّا كانوا بتخومِ البلْقاء لقُوا جموعَ الروم، فنزل المسلمون إلى جنب قرية مؤتة، والرومُ على قريةٍ يقال لها مَشَارف، ثم التقوا فقاتلوا قتالاً عظيماً. وقُتل أميرُ المسلمين زيدُ بنُ حارثة ﵁ والراية في يده، فتناولها جعفرٌ، وقاتل حتى قُطعت يده اليمنى، فأخذ الراية بيده الأخرى فقُطعت أيضاً، فاحتضن الراية ثم قُتل ﵁ عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح. فأخذ الراية عبدُ الله بنُ رواحة الأنصاري ﵁، وتلوَّم بعض التلوّم، ثم صمَّم وقاتل حتى قُتل، فيقالُ: إن ثابتَ بن أقرم أخذ الراية وأراد المسلمون أن يؤمّروه عليهم فأبى. فأخذ الراية خالدُ بن الوليد ﵁ فانحازَ بالمسلمين، وتلطَّفَ حتى خَلَصَ المسلمون من العدو، ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كلّه رسُولُ الله ﷺ أصحابه الذين بالمدينة يومئذٍ، وهو قائم على المنبر، فنعى إليهم الأمراء، واحداً واحداً، وعيناه تذرفان ﷺ ، والحديث في الصحيح (٢). وجاء الليل فكفّ الكفار عن القتال. ومع كثرة هذا العدو وقلّة عدد المسلمين بالنسبة إليهم لم يُقتل من المسلمين خلقٌ كثيرٌ على ما ذكره أهل السير، فإنهم لم

стр. 238

يذكروا فيما سمّوا إلا نحو العشرة. وكرَّ المسلمون راجعين، ووقى الله شرّ الكفرة وله الحمدُ والمنّة، إلا أن هذه الغزوة كانت إرهاصاً لما بعدها من غزو الروم، وإرهاباً لأعداءِ الله ورسُولِه». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ عامة ما أورده المصنف من أحداث الغزوة ذكره ابن إسحاق في السيرة (١)، وبعضه في صحيح البخاري كما أشار المصنف. ٢ ــ ومن براعة خالد بن الوليد العسكرية في هذه المعركة ما ذكره الواقدي أنه عندما تسلَّم خالدٌ قيادة الجيش في المساء غيّر ترتيبه، فجعل مقدمته مؤخرته، ومؤخرته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته، فلما أصبح من الغد أنكر الروم هيئة الجيش وراياته وحسبوا أنه قد جاءهم مَدَدٌ فرعبوا وانهزموا (٢). ٣ ــ وفي نعيه ﷺ لزيد وجعفر وابن رواحة وهو على المنبر في اليوم الذي ماتوا فيه قبل أن يأتيه خبرهم آية باهرة ومعجزة ظاهرة من معجزاته صلوات الله وسلامه وعليه. ٤ ـ وفي نعيه ﷺ للقادة الثلاثة دليل على جواز الإعلام بموت الميت، وليس ذلك من النعي المنهي عنه، فإن المراد بالنهي إذاعة موت الميت في الأماكن العامة مع تعديد شمائله ومآثره ونعته بأنواع المدائح الصحيحة والمكذوبة، هذا هو المنهي عنه (٣).

стр. 239

٥ ــ وفي ظهور حزنه وبكائه ﷺ على أهل مؤتة دليل على أن الحزن والبكاء لا يتنافيان مع الصبر والرضا بالقضاء، وإنما النهي موجه للجزع ورفع الصوت عند المصيبة (١). * * *

стр. 240

فصل فتح مكة قال المصنف: «نذكر ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله بها رسُولُه، وأقرَّ عينَه بها، وجعلها عَلَماً ظاهراً على إعلاءِ كلمته وإكمالِ دينه والاعتناءِ بنصرته. وذلك لمّا دخلت خزاعةُ ــ كما قدّمنا ــ عام الحُديبية في عَقْد رسُولِ الله ﷺ ، ودخلت بنو بكرٍ في عَقْد قريشٍ، وضُربت المدَّةُ إلى عشْر سنين، أَمِنَ الناسُ بعضهم بعضاً، ومضى من المدةِ سنةٌ ومن الثانية نحو تسعةِ أشهر، فلم تكمل حتى غدا نوفلُ بن معاوية الدّيلي فيمن أطاعه من بني بكر بنِ عبد مناة فبيَّتوا خُزاعة على ماءٍ لهم يقال له الوَتِير (١)، فاقتتلوا هناك بذحُول (٢) كانت لبني بكرٍ على خزاعة من أيام الجاهلية، وأعانت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة بالسّلاح، وساعدهم بعضهم بنفسِه خفية، وقتلوا من خزاعة رجلاً، فانتقض عهدُ قريشٍ بذلك. فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبُديل بن ورقاء الخزاعي وقومٌ من خزاعة حتى أتوا رسُولَ الله ﷺ فأعلموه بما كان من قريشٍ واستنصروه عليهم، فأجابهم

стр. 241

صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالنَّصر، وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدُمُ عليهم مؤكداً العَقْد وأنه سيردُّه بغير حاجةٍ. فكان ذلك». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ اتفق علماء السيرة على أن غزوة فتح مكة كانت في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة (١). ٢ ــ وسبب هذه الغزوة هو نقض قريشٍ للعهد الذي كان بينها وبين النبي ﷺ ، وذلك أن قريشاً كانت قد أعانت بني بكر على غزو خزاعة وساعدتهم بالسلاح والرجال، وكانت خزاعة قد دخلت في عقد المسلمين وجوارهم بموجب اتفاق الحديبية، وبذلك تكون قريش قد نقضت عهد الصلح مع المسلمين (٢). ٣ ــ وقد دلت هذه الحادثة على أن أهل العهد والهدنة مع المسلمين، إذا حاربوا من هم في ذمة المسلمين وجواره، صاروا حرباً لهم بذلك. ولم يبق بينهم وبين المسلمين عهد. وهذا ما اتفق عليه علماء المسلمين (٣). فشل قريش في تجديد عقد الصلح: قال المصنف: «وذلك أن قريشاً ندِمُوا على ما كان منهم، فبعثوا أبا سفيان

стр. 242

ليشدَّ العَقْد الذي بينهم وبين محمدٍ ﷺ ويزيدَ في الأجلِ، وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسُولِ الله ﷺ ورضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسُولِ الله ﷺ فمنعته، وقالت: إنك رجلٌ مشركٌ نجسٌ. فقال: والله يا بنيّة لقد أصابك بعدي شرٌّ. ثم جاء رسُولَ الله ﷺ فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه ﷺ بكلمةٍ واحدةٍ. ثم ذهب إلى أبي بكرٍ ﵁ فطلب منه أن يكلّم رسُولَ الله ﷺ فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر ﵁ فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟! والله لو لم أجد إلا الذرّ لقاتلتكم به. وجاء علياً ﵁ فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنتَ رسُولِ الله ﷺ ورضي الله عنها أن تأمر ولدَها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بنيّ ذلك، وما يجيرُ أحدٌ على رسُولِ الله ﷺ . فأشار عليه عليٌّ ﵁ أن يقوم هو فيجيرُ بين الناس، ففعل. ورجعَ إلى مكةَ، فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد ــ يعنون علياً ــ أن لعبَ بك. ثم شَرَع رسُولُ الله ﷺ في الجهاز إلى مكة، وسأل الله أن يعمّي على قريشٍ الأخبار، فاستجاب له ربّه ﵎، ولذلك لما كتَبَ حاطبُ بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يعلمُهم فيه بما هَمَّ به رسُولُ الله ﷺ من القدومِ على قتالِهم، وبَعَثَ به مع امرأة، وقد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه، وقَبِلَ ذلك منه رسُولُ الله ﷺ وصدَّقه، لأنه كان من أهلِ بدرٍ، وبَعَثَ رسُولُ الله ﷺ علياً والزبير والمقداد ﵃، فردُّوا تلك المرأة من روضة خَاخٍ (١)، وأخذوا منها الكتاب. وكان هذا من إعلامِ الله نبيّه ﷺ بذلك ومن أَعلامِ نبوته ﷺ . وخرجَ ﷺ لعشرٍ خلون من رمضان، في عشرة آلاف مُقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل

стр. 243

العرب. ولقيه عمّه العباس بذي الحليفة، وقيل: بالجحفة فأسلَم، ورجعَ معه ﷺ ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ نَدَمُ قريشٍ على نقضهم العهد وإرسالهم أبا سفيان لتجديده وفشله في ذلك ذكره ابن إسحاق من مرسل عروة بن الزبير، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح من مرسل عكرمة (١). ٢ ــ وسؤال النبي ﷺ أن يعمّي عن قريش أخبار مسيره إليهم ذكره ابن إسحاق بلفظ: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها» (٢). ٣ ــ وكتابة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم .. إلى آخر قصته مخرج في الصحيحين بلفظ مطول من حديث علي بن أبي طالب (٣). ٤ ــ وقد عفى النبي ﷺ عن حاطب خطيئته هذه لأنه كان من أهل بدر، وقال لعمر بن الخطاب عندما أراد قتله: «وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (٤). ٥ ــ قال ابن القيم: "وفي هذا دليل أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية .. ثم ذكر نصوصاً عدة في أن الحسنات قد تمحوا

стр. 244

السيئات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ثم قال: "وعَكْسُ هذا ذو الخُويْصَرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حدٍّ يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (١) فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة" (٢). ٦ ــ وما ذكره المصنف من إسلام العباس بن عبد المطلب قبل الفتح هذا هو المشهور في إسلامه، وقيل إنه أسلم قبل خيبر، وكان يكتم إسلامه وأظهره يوم الفتح، وبه جزم به ابن عبد البر، وقال ابن حجر إنه "ليس ببعيد". (٣). ٧ ــ وفي إعلامه ﷺ بالظعينة التي كانت تحمل كتاب حاطب إلى قريش آية ظاهرة ومعجزة باهرة، وهو مما أطلعه الله عليه من الغيب. إسلام أبي سفيان بن حرب: قال المصنف: «وأما قريشٌ فعمّى الله عليها الخبر، إلا أنَّهم قد خافوا وتوهَّموا من ذلك، فلما كانت تلك الليلةُ خرجَ ابن حَرْب، وبُدَيل بن وَرْقاء، وحَكيم بن حِزَام يتجسسون الخبر، فلما رأوا النيران أنكروها، فقال بُديل: هي نار خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ من ذلك. وركب العبّاس بغلة رسُولِ الله ﷺ ليلتئذٍ، وخرجَ من الجيش لعله يلقى أحداً، فلما سمعَ أصواتهم عرفهم، فقال: أبا حنظلة! فعرفه أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ قال نعم. قال ما وراءك؟ قال ويحك، هذا

стр. 245

رسُولُ الله ﷺ في الناس، قال: فما الحيلة؟ قال والله لئن ظَفِرَ بك ليقتلنَّك، ولكن اركبْ ورائي وأسْلِم. فأدخله على رسُولِ الله ﷺ ، وجاء عمرُ في أثره، فاستأذن رسُولَ الله ﷺ في ضربِ عنقه، فأجاره العبّاسُ مبادرة، فتقاول هو وعمر بن الخطاب ﵄، فأمره ﷺ أن يأتيه به غداً، فلما أصبحَ أتى به رسُولَ الله ﷺ ، فعَرَضَ عليه الإسلامَ فتلكأ قليلاً، ثم زجره العبّاسُ فأسْلَم، فقال العبّاسُ: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحبُّ الشرفَ، فقال ﷺ «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن». والغرضُ أنه ﷺ أصبحَ يومه ذلك سائراً إلى مكة، وقد أَمَر ﷺ العبّاسَ أن يُوقف أبا سفيان عند خَطْم الجبل (١)، لينظر إلى جنودِ الإسلامِ إذا مرَّت عليه. وقد جعلَ ﷺ أبا عُبيدة بنَ الجرَّاح ﵁ على المقدّمة، وخالدَ بنَ الوليد ﵁ على الميمنة، والزبيرَ بنَ العوام ﵁ على الميسرة، ورسُولُ الله ﷺ في القلب، وأَمَرَهُم بقتالِ مَنْ قاتلهم، فقُتل من المسلمين ثلاثةٌ، وقُتل من المشركين ثلاثة عشر، وفرّ بقيتُهم». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ خروج أبي سفيان وبُدَيل بن وَرْقاء وحَكيم بن حِزام يتجسسون الخبر .. إلى آخر القصة أخرجه البخاري (٢) بنحوه مع زيادات ونقص من حديث

стр. 246

عروة بن الزبير. قال القسطلاني: "هذا مرسل لأن عروة تابعي" (١). ٢ ــ وقصة إسلام أبي سفيان وقوله ﷺ : «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» مخرجة عند أبي داود من حديث ابن عباس بإسناد حسن (٢)، وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم بنحوه (٣). ٣ ــ وفي قصة إسلام أبي سفيان بن حرب دليل على عدم اشتراط رسوخ الإيمان في بداية الإسلام، فإن أبا سفيان أسلم في أول الأمر وهو متردد لكن حسن إسلامه بعد ذلك. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها» (٤). ٤ ــ واستدل بضعهم بقوله ﷺ : «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» على أن مكة فتحت صلحاً، وذهب الأكثرون إلى أنها فتحت عنوة، بدليل قوله ﷺ : «فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار» (٥)، وأما ما ذكروه من عدم قسمة أرض مكة بين الفاتحين فلقدسيتها وكونها حرم الله ودار النسك ومتعبد الخلق ..

стр. 247

والمسألة فيها أبحاث طويلة (١). ٥ ــ وفي إرداف العبّاس لأبي سفيان دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وليس فيه إضرار بها، وقد صحَّ ذلك من فعله ﷺ في أحاديث عدة (٢). ٦ ــ وقوله: "وأَمَرَهُم بقتال من قاتلهم"، قلت: قد صحّ هذا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً: أن تَحصدُوهم حصداً، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شماله" (٣). دخوله ﷺ مكة وتأمين الناس: قال المصنف: «ودخل رسُولُ الله ﷺ مكة وهو راكبٌ على ناقته وعلى رأسه المِغْفَر، ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه . وقد أَمَّنَ ﷺ الناسَ إلا عبدَ العزى بن خَطَل، وعبدَ الله بن سعد بن أبي سرح، وعِكرمةَ بن أبي جهل، ومِقْيَسَ بن صُبَابة، والحويرثَ بن نُقَيْذ، وقينتين لابن خَطَل، وسارةَ مولاة لبني عبد المطلب، فإنه ﷺ أهدر دمائهم، وأمر بقتلهم حيث وُجدوا، حتى ولو كانوا متعلّقين بأستار الكعبة. فقُتل ابن خَطَل، وهو متعلّق بالأستار، ومِقْيَس ابن صُبَابة، والحويرث بن نُقَيْذ، وإحدى القينتين، وآمن الباقون».

стр. 248

الكلام عليه من وجوه: ١ ــ دخوله ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر مخرج في الصحيحين (١). ٢ ــ وقوله: "ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه" هذا أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك بلفظ: «وضع رأسه على رحله تخشُّعاً» (٢). ٣ ــ وتأمينه ﷺ الناس يوم الفتح إلا من ذكرهم المصنف أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وحسنه بمجموع طرقه وشواهده الصوياني (٣). وفيه دليل على رحمته ﷺ بالناس وعدم إرادته الانتقام ممن طردوه وحاربوه سنين طويلة وكانوا ألدّ أعدائه. وبهذه الأخلاق الرفيعة تمكّن الإسلام من قلوبهم، فأقبلوا عليه، ودخلوا في دين الله أفواجاً (٤). وقد أورد ابن إسحاق في السيرة أن النبي ﷺ قال لقريش يوم الفتح: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٥).

стр. 249

٤ ــ وأمره ﷺ بقتل ابن خَطَل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ثابت في الصحيحين (١). قال الدكتور أكرم العُمري: "وهؤلاء الذين أُهدرت دماؤُهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسوّل له نفسه الظلم والطغيان" (٢). ٥ ــ ودخوله ﷺ مكة ورأسه يكاد يمسّ مقدَّمة رحله دليل على شدة تواضعه ﷺ وبعده عما يصيب الفاتحين عادة من التعاظم والغرور. ٦ ــ وفي دخوله ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، وفي رواية: وعليه عمامة سوداء، دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر (٣). أمره ﷺ بمحو الصور التي في الكعبة: قال المصنف: «ونَزَلَ ﷺ مكة واغتسل في بيت أم هانئ، وصلّى ثماني ركعاتٍ يسلّم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى. وقيل: صلاة الفجر. وخرج ﷺ إلى البيت فطاف به طواف قدومٍ، ولم يسعَ، ولم يكن معتمراً، ودعا بالمفتاحِ، فدخلَ البيتَ وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذَّن بلالٌ يومئذ على ظَهْرِ الكعبة، ثم ردَّ ﷺ المفتاحَ إلى عثمانَ بنَ طلحة بن أبي طلحة. وأقرَّهم على السّدَانَة (٤). وكان الفتحُ

стр. 250

لعَشْرٍ بقين من رمضانَ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ نزوله واغتساله ﷺ في بيت أم هانئ وصلاته فيه ثمان ركعات ثابت في الصحيحين (١). ٢ ــ وقول المصنف: "فقيل إنها صلاة الضحى، وقيل: صلاة الفجر"، قلت: الصحيح أنها كانت صلاة الضحى لتصريح الروايات الثابتة في الصحيحين بذلك كما تقدم. ٣ ــ وفي صلاته ﷺ صلاة الضحى بمكة دليل على مشروعية صلاة الضحى للمسافر، وبوب عليه البخاري بقوله: "باب صلاة الضحى في السفر" (٢). ٤ ــ وطوافه ﷺ يوم الفتح بالبيت من غير عمرة مخرج في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (٣). ٥ ــ وأذان بلال ﵁ يوم الفتح فوق ظهر الكعبة أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير، ومن مرسل ابن ابي مليكة، ومن حديث بعض آل جبير بن مطعم به (٤). ٦ ــ وأمره ﷺ بمحو الصور وإخراجها من البيت ودخول البيت بعد ذلك
следующие страницы →