عروة بن الزبير. قال القسطلاني: "هذا مرسل لأن عروة تابعي" (١).
٢ ــ وقصة إسلام أبي سفيان وقوله ﷺ : «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» مخرجة عند أبي داود من حديث ابن عباس بإسناد حسن (٢)، وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم بنحوه (٣).
٣ ــ وفي قصة إسلام أبي سفيان بن حرب دليل على عدم اشتراط رسوخ الإيمان في بداية الإسلام، فإن أبا سفيان أسلم في أول الأمر وهو متردد لكن حسن إسلامه بعد ذلك.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها» (٤).
٤ ــ واستدل بضعهم بقوله ﷺ : «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» على أن مكة فتحت صلحاً، وذهب الأكثرون إلى أنها فتحت عنوة، بدليل قوله ﷺ : «فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار» (٥)، وأما ما ذكروه من عدم قسمة أرض مكة بين الفاتحين فلقدسيتها وكونها حرم الله ودار النسك ومتعبد الخلق ..
стр. 247
والمسألة فيها أبحاث طويلة (١).
٥ ــ وفي إرداف العبّاس لأبي سفيان دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وليس فيه إضرار بها، وقد صحَّ ذلك من فعله ﷺ في أحاديث عدة (٢).
٦ ــ وقوله: "وأَمَرَهُم بقتال من قاتلهم"، قلت: قد صحّ هذا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً: أن تَحصدُوهم حصداً، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شماله" (٣).
دخوله ﷺ مكة وتأمين الناس:
قال المصنف: «ودخل رسُولُ الله ﷺ مكة وهو راكبٌ على ناقته وعلى رأسه المِغْفَر، ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه . وقد أَمَّنَ ﷺ الناسَ إلا عبدَ العزى بن خَطَل، وعبدَ الله بن سعد بن أبي سرح، وعِكرمةَ بن أبي جهل، ومِقْيَسَ بن صُبَابة، والحويرثَ بن نُقَيْذ، وقينتين لابن خَطَل، وسارةَ مولاة لبني عبد المطلب، فإنه ﷺ أهدر دمائهم، وأمر بقتلهم حيث وُجدوا، حتى ولو كانوا متعلّقين بأستار الكعبة. فقُتل ابن خَطَل، وهو متعلّق بالأستار، ومِقْيَس ابن صُبَابة، والحويرث بن نُقَيْذ، وإحدى القينتين، وآمن الباقون».
стр. 248
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ دخوله ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر مخرج في الصحيحين (١).
٢ ــ وقوله: "ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه" هذا أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك بلفظ: «وضع رأسه على رحله تخشُّعاً» (٢).
٣ ــ وتأمينه ﷺ الناس يوم الفتح إلا من ذكرهم المصنف أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وحسنه بمجموع طرقه وشواهده الصوياني (٣).
وفيه دليل على رحمته ﷺ بالناس وعدم إرادته الانتقام ممن طردوه وحاربوه سنين طويلة وكانوا ألدّ أعدائه.
وبهذه الأخلاق الرفيعة تمكّن الإسلام من قلوبهم، فأقبلوا عليه، ودخلوا في دين الله أفواجاً (٤).
وقد أورد ابن إسحاق في السيرة أن النبي ﷺ قال لقريش يوم الفتح: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٥).
стр. 249
٤ ــ وأمره ﷺ بقتل ابن خَطَل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ثابت في الصحيحين (١).
قال الدكتور أكرم العُمري: "وهؤلاء الذين أُهدرت دماؤُهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسوّل له نفسه الظلم والطغيان" (٢).
٥ ــ ودخوله ﷺ مكة ورأسه يكاد يمسّ مقدَّمة رحله دليل على شدة تواضعه ﷺ وبعده عما يصيب الفاتحين عادة من التعاظم والغرور.
٦ ــ وفي دخوله ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، وفي رواية: وعليه عمامة سوداء، دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر (٣).
أمره ﷺ بمحو الصور التي في الكعبة:
قال المصنف: «ونَزَلَ ﷺ مكة واغتسل في بيت أم هانئ، وصلّى ثماني ركعاتٍ يسلّم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى. وقيل: صلاة الفجر. وخرج ﷺ إلى البيت فطاف به طواف قدومٍ، ولم يسعَ، ولم يكن معتمراً، ودعا بالمفتاحِ، فدخلَ البيتَ وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذَّن بلالٌ يومئذ على ظَهْرِ الكعبة، ثم ردَّ ﷺ المفتاحَ إلى عثمانَ بنَ طلحة بن أبي طلحة. وأقرَّهم على السّدَانَة (٤). وكان الفتحُ
стр. 250
لعَشْرٍ بقين من رمضانَ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ نزوله واغتساله ﷺ في بيت أم هانئ وصلاته فيه ثمان ركعات ثابت في الصحيحين (١).
٢ ــ وقول المصنف: "فقيل إنها صلاة الضحى، وقيل: صلاة الفجر"، قلت: الصحيح أنها كانت صلاة الضحى لتصريح الروايات الثابتة في الصحيحين بذلك كما تقدم.
٣ ــ وفي صلاته ﷺ صلاة الضحى بمكة دليل على مشروعية صلاة الضحى للمسافر، وبوب عليه البخاري بقوله: "باب صلاة الضحى في السفر" (٢).
٤ ــ وطوافه ﷺ يوم الفتح بالبيت من غير عمرة مخرج في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (٣).
٥ ــ وأذان بلال ﵁ يوم الفتح فوق ظهر الكعبة أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير، ومن مرسل ابن ابي مليكة، ومن حديث بعض آل جبير بن مطعم به (٤).
٦ ــ وأمره ﷺ بمحو الصور وإخراجها من البيت ودخول البيت بعد ذلك
стр. 251
مخرج في صحيح البخاري من حديث ابن عباس (١).
وقد صحّ أيضاً أن النبي ﷺ أمر بتحطيم الأصنام التي كانت حول البيت وتطهيره منها، وشارك في ذلك بنفسه، وكانت ثلاثمائة وستين صنماً (٢).
خطبته ﷺ وبيان حرمة مكة:
قال المصنف: «واستمر ﷺ مُفطراً بقيّة الشهر، يصلّي ركعتين، ويأمر أهلَ مكة أن يتمّوا، كما رواه النسائي (٣) بإسناد حسن عن عمران بن حصين ﵁، وخَطَبَ ﷺ الغَدَ من يوم الفتح فبيَّن حرمة مكة وأنها لم تحلّ لأحدٍ قبله ولا تحلّ لأحدٍ بعده، وقد أُحلَّت له ساعةً من نهار، وهي غير ساعته تلك حرامٌ. وبعث ﷺ السرايا إلى من حول مكة من أحياءِ العربِ يدعوهم إلى الإسلام».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "واستمر ﷺ مُفطراً بقية الشهر، يصلّي ركعتين": قلت: قال المصنف في تاريخه: "ولا خلاف أنه ﵊ أقام بقيّة شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر" (٤).
٢ ــ وخطبته ﷺ الغَد من يوم الفتح وبيان حرمة مكة مخرج في الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي (٥).
стр. 252
٣ ــ وبعثه ﷺ السرايا حول مكة تدعوا إلى الإسلام ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١).
٤ ــ وقد استدل بقصره ﷺ مدة بقائه بمكة زمن الفتح على أن المسافر له أن يقصر ولو كان مقيماً.
واختلف في المدة، فالجمهور على أنها أربعة أيام، وذهب بعضهم كابن عباس إلى أن له القصر إلى تسعة عشر يوماً استدلالاً بحادثة الفتح هذه، فإنه قال بعد أن روى الحديث: «ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا» (٢).
٥ ــ وفي خطبته ﷺ يوم الفتح ما يؤكد على حرمة مكة المكرمة، وعظيم شرفها، وتحريم القتال فيها، وحرمة قطع الشجر، وقتل الصيد، وإخافته فيها.
٦ ــ وهكذا قضى الإسلام على الوثنية والشرك في مكة بلد التوحيد ومهد الإسلام، فلم تَقُم بعده للشرك قائمة فيه (٣).
* * *
стр. 253
فصل
غزوة حُنين
قال المصنف: «ولمَّا بَلَغَ فتحُ مكة هَوازِنَ جَمَعَهم مالكُ بن عوف النَّصْري، فاجتمعَ إليه ثقيفٌ، وقومُه بنو نصر بن معاوية، وبنو جُشَم، وبنو سعد ابن بكر، ويسيرٌ من بني هلال بن عامر، وقد استصحبوا معهم أنعامَهم ونساءَهم لئلَّا يَفِرُّوا، وبَعَثَ ﷺ عبدَ الله بن أبي حَدْرَد الأسْلَمي فاستعلَم له خبر القوم وقصدهم، فتهيأ رسُولُ الله ﷺ للقائهم، واستعارَ من صَفوان بن أُمية أدراعاً، واقترض منه جملة من المال.
وسَارَ إليهم في العَشَرَةِ آلافٍ الذين كانوا معه في الفَتْحِ، وألفينِ من طُلقاءِ مكة (١)، واستخلف على مكة عتَّاب بن أُسيد، وله نحو عشرين سنة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ سمّيت هذه الغزوة حُنين نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه، وحُنين: وادٍ يعرف اليوم بالشرائع، ويبعد عن مكة (٢٦) كيلاً شرقاً.
٢ ــ وكانت غزوة حنين في أول شهر شوال من السنة الثامنة من الهجرة (٢).
стр. 254
٣ ــ وخروج هوازن عن بكرة أبيها وقد جمعت أنعامها ونساءها وذراريها لملاقاة رسول الله ﷺ أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح (١)، وله شاهد في صحيح مسلم بنحوه (٢).
٤ ــ وفي بعثه ﷺ عبد الله بن أبي حَدْرَد ليأتيه بخبر القوم دليل على جواز بثّ العيون بين الأعداء ليأتوا بأخبارهم وشأنهم، بل إنه واجب إذا دعت الحاجة إليه (٣).
٥ ــ وفي استعارته ﷺ سلاحاً ومالاً من صفوان بن أُمية وكان لا يزال مشركاً دليل على جواز الاستعانة بالمشرك إذا كان موضع ثقة واطمئنان، وقد تقدمت هذه المسألة بشواهدها مراراً.
٦ ــ ومسيره ﷺ إلى هوازن في جيشٍ تعداده عشرة آلاف ومعه من الطلقاء مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك (٤).
٧ ــ وتحديد الطلقاء بألفين ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٥).
وكان عدد جيش هوازن ضعف عدد جيش المسلمين أو أكثر حسب قول الحافظ ابن حجر (٦)، أي نحو عشرين ألفاً.
стр. 255
٨ ــ واستخلافه ﷺ عتّاب بن أُسيد على مكة ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١).
وفيه دليل على عنايته ﷺ بعنصر الشباب وتربيتهم على القيام بالمهام الكبيرة، فإن عتَّاباً كان عمره عشرين عاماً عندما استخلفه النبي ﷺ والياً على مكة، وسيأتي أنه ﷺ أوكل إليه أيضاً مهمة الحج بالناس عام حنين.
اجعل لنا ذات أنواط!!
قال المصنف: «ومرَّ ﷺ في مسيره ذلك على شجرة يعظِّمُها المشركون، يُقال لها ذاتُ أَنْوَاط، فقال بعض جُهَّال العَرَب: اجعل لنا ذاتَ أَنْوَاط كما لهم ذاتُ أَنْوَاط. فقال: «قلتم ــ والذي نفسي بيده ــ كما قال قومُ موسى: اجعلْ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة ذات أنواط مخرجة في مسند أحمد، وصححها الألباني وشعيب الأرناؤوط (٢).
٢ ــ وفي الحادثة دليل تحريم التبرك بالأشجار والأحجار والعكوف عندها، وسدّ جميع المنافذ التي قد تفضي إلى الشرك، ونحوه العكوف على القبور والتماس البركة منها.
٣ ــ ولا شك أن الذين طلبوا من النبي ﷺ هذا الطلب العجيب من أن يجعل
стр. 256
لهم ذات أنواط كانوا يجهلون معنى إخلاص التوحيد لله تعالى، ولعله بسبب حداثة دخولهم في الإسلام.
كمون هوازن للمسلمين في عماية الصبح:
قال المصنف: «ثم نَهَضَ ﷺ فوافى حنيناً، وهو واد حَدُوْر (١) من أودية تهامة. وقد كَمَنَتْ لهم هَوازِنُ فيه، وذلك في عَمَاية الصُّبْحِ، فحَمَلُوا على المسلمين حَمْلَةَ رجُل واحدٍ، فولّى المسلمون لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٥].
وذلك أن بعضَهم قال: لن نُغلب اليوم من قلّة. وثَبَتَ رسُولُ الله ﷺ ، ولم يفرَّ، ومعه من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وعمّه العبّاس، وابناه: الفضل، وقُثَم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وآخرون. وهو ﷺ يومئذ راكب بغلته التي أهداها له فَرْوَة بن نُفَاثَة الجِذَامي، وهو يَرْكُضُها إلى وجهِ العدو، والعبّاسُ آخذٌ بحكَمَتها يكفُّها عن التقدم، وهو ﷺ يُنَوّه باسمه يقول: أنا النبيُّ لا كذب .. أنا ابنُ عبد المطلب».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ هجوم هوازن في عماية الصبح وانهزام المسلمين في أول الأمر وثبات النبي ﷺ في جمع من أصحابه ذكره ابن إسحاق في السيرة، ومن طريقه أحمد في المسند بإسناد حسنه شعيب الأرناؤوط (٢).
стр. 257
٢ ـ وفي هذه الغزوة دليل على أن الكثرة لا تفيد شيئاً إذا لم يكونوا صابرين محتسبين منظمين، فقد انضم لجيش المسلمين جموع كثيرة لم يتمكن الإيمان في نفوسهم وفرحوا بكثرة عددهم، فكانوا سبب الهزيمة في أول الأمر (١).
٣ ــ وفي ركوبه ﷺ البغلة دليل على تواضعه الشديد، وكان بإمكانه اصطفاء أفضل فرس ليركبه.
٤ ــ وفي ثباته ﷺ حين ولّي أكثر المسلمين في بداية المعركة دليل على فرط شجاعته وقوة يقينه، قال المصنف في تفسيره تعليقاً على هذه الحادثة: "وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلُح لكرّ ولا لفرّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضاً يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، وما هذا كلّه إلا ثقة بالله، وتوكلاً عليه، وعلْما منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان" (٢).
ثبات المؤمنين وهزيمة المشركين:
قال المصنف: «ثم أَمَرَ العبَّاسَ ــ وكان جَهِيرَ الصّوت ــ أن يُنادي: يا معشرَ الأنصار، يا معشرَ أصحابِ الشجرةِ، يا معشرَ أصحابِ السَّمُرة، فلمَّا سمعه المسلمونَ وهم فارُّون كرُّوا وأجابوه: لبيْك لبيْك.
وجَعَلَ الرجلُ إذا لم يستطع أن يُثني بعيره لكثرة المنهزمين نَزَلَ عن بعيرِه وأخذ دِرْعَه فلبسها، وأخذ سيفه وتِرسَه، ويرجع راجلاً إلى رسُولِ الله ﷺ ، حتى
стр. 258
إذا اجتمعَ حوله عِصَابةٌ منهم نحو المائة، استقبلوا هَوزِانَ فاجتلدوا هُمْ وإيّاهم، واشتدّت الحربُ، وألقى الله في قلوبِ هَوازِن الرعبَ حينَ رجعوا، فلم يملكوا أنفُسَهم.
ورماهم ﷺ بقبضة حصى بيده، فلم يبقى منهم أحدٌ إلا ناله منها. وتَفِرُّ هَوازِنُ بين يدي المسلمين، ويتبعونهم يقتلون ويأسرون، فلم يرجع آخرُ الصحابة إلى رسُولِ الله ﷺ إلا والأُسارى بين يده، وحازَ ﷺ أموالَهم وعيالَهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أمره ﷺ العبّاس بمناداة الأنصار وأصحاب الشجرة إلى قول المصنف: ورماهم ﷺ بقبضة حصى فلم يبق منهم أحدٌ إلا ناله منها .. أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه من حديث سَلَمَة بن الأكوع ﵁، وقد ذكره أيضاً ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح (١).
٢ ــ وفي رميه ﷺ كفاً من حصى بيده وإصابته جميع جيش المشركين معجزة ظاهرة له ﷺ وقد تقدم نظيرها في غزوة بدر (٢).
٣ ــ وقد دل القرآن الكريم على اشتراك الملائكة في هذه المعركة وتأييد الله للمؤمنين بهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ
стр. 259
جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ ــ ٢٦]. وهؤلاء الجنود الذين أنزلهم الله تعالى هم الملائكة كما قال ابن عباس وغيره (١).
٤ ــ وفي الغزوة دليل ظاهر على فضل الأنصار وأصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان لأنهم أول من أمر النبي ﷺ بمناداتهم عندما انهزم جيش المسلمين في البداية، وهم أول من فاء إليه وثبت معه حينها.
انحياز المشركين إلى أوطاس:
قال المصنف: «وانحازتْ طوائفُ من هَوازِن إلى أَوْطَاس (٢)، فبَعَثَ ﷺ إليهم أبا عَامر الأشعري واسمه عُبَيْد ومعه ابن أخيه أبو موسى الأشعري حاملاً راية المسلمين في جماعة من المسلمين، فقتلوا منهم خَلْقاً.
وقُتِلَ أميرُ المسلمين أبو عَامر، رماه رجلٌ فأصاب ركبته، وكان منها حتفه، فَقَتَل أبو موسى قاتله، وقيل: بل أسلم قاتلُه بعد ذلك. ولما أخبر أبو موسى رسُولَ الله ﷺ بذلك استغفرَ ﷺ لأبي عَامر.
وكان أبو عَامر رابع أربعة استشهدوا يوم حنين، وأما المشركون فقُتل منهم خلقٌ كثيرٌ. وفي هذه الغزوة قال ﷺ : «من قَتَلَ قتِيلاً فَلَه سَلَبُه»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ انحياز طوائف من هوازن إلى أوطاس وبعْثه ﷺ أبا عامر الأَشعري إليهم .. إلى استشهاده واستغفار رسول الله ﷺ له كله مخرج في الصحيحين من
стр. 260
حديث أبي موسى الأشعري (١).
٢ ــ وفي هذا دليل على فضل أبي عامر الأشعري ــ واسمه: عُبيد بن سُليم ــ حيث استغفر له رسولُ الله ﷺ ، وثبت عنه ﷺ أيضاً أنه قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك» (٢).
٣ ــ وقوله: "فَقَتَلَ أبو موسى قاتلَ أبي عامر، وقيل بل أسلم قاتلُه بعد ذلك"، قلت: الصواب الأول لثبوته في الصحيحين، وأما رواية إسلامه فقال ابن حجر: "هذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قَتَل قاتِل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول" (٣).
٤ ــ وقوله ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سلبه» مخرج في الصحيحين (٤) من حديث أبي قتادة ﵁. والسلب هو: ما يكون مع القتيل من سلاح ونحوه.
وقد استدل به على أن للقاتل أخذ سلب القتيل في المعركة، لكن وقع اختلاف بين العلماء هل يستحق القاتلُ السلبَ في جميع الحروب ولو بدون إذن القائد، أم لا بد أن يصرح القائد بذلك قبل الحرب فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه؟ قولان لأهل العلم (٥).
٥ ــ وقد كانت غزوة حنين هي آخر الغزوات داخل الجزيرة العربية، حيث
стр. 261
ابتدأت ببدر وانتهت بحنين.
٦ ــ وربما كانت أيضاً آخر محاولة يائسة لمحاربة الرسول ﷺ ، ووقف مدّ الإسلام في جزيرة العرب (١).
стр. 262
فصل
غزوة الطائِف
قال المصنف: «ورَجَعَ ﷺ من حُنينٍ فلم يدخل مكة حتى أتى الطائفَ فحاصَرهم. وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: «فحاصرناهم أربعين يوماً» (١)، يعني ثقيفاً، فاستعصوا وتَمَنَّعوا، وقتلوا جماعةً من المسلمين بالنَّبْلِ وغيرِه.
وقد خرَّب ﷺ كثيراً من أموالهم الظاهِرَة وقطع أعنَابَهم، ولم يَنَلْ منهم كبيرَ شيء، فرجعَ عنهم فأتى الجِعِرَّانَة (٢)، فأتاه وفدُ هَوازِن هنالك مسلمين، وذلك قبل أن يَقْسِم الغنائم، فخيَّرَهم ﷺ بين ذراريهم وبين أموالهم، فاختاروا الذُّرية، فقال ﷺ : «أما ما كان لِي ولِبَني عبْد المطلب فهو لكم»، قال المهاجرون والأنصار: وما كان لنَا فهو لرسُولِ الله ﷺ .
فرُدَّت الذُّريَّة على هَوازِن، وكانوا ستة آلاف، فيهم الشَّيْمَاءُ بنتُ الحارث بنُ عبد العُزَّى من بني سعْد بن بكر بن هَوزِان، وهي أختُ رسُولِ الله ﷺ من الرَّضاعة، فأكرمها وأعطاها، ورجعت إلى بلادِها مختارةً لذلك، وقد كانت هَوازِن مَتُّوا إلى
стр. 263
رسُولِ الله ﷺ برضاعتهم إياه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت غزوة الطائف بعد فراغه ﷺ من غزوة حُنين في شهر شوال من السنة الثامنة، قال ابن حجر: "وهو قول جمهور أهل المغازي" (١).
٢ ــ وحصاره ﷺ أهل الطائف ثابت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك حيث حاصرهم أربعين ليلة (٢).
٣ ــ وتخريبه ﷺ أموال أهل الطائف وقطع أعنابهم ذكره ابن إسحاق بغير إسناد (٣).
وكان الغرض من ذلك هو التضييق عليهم وإضعافهم حتى يستسلموا، ثم إنه ﷺ أمر بالكفّ عن القطع لمّا ناشدته ثقيف ذلك، وقال: «إني أدعها لله وللرحم» (٤).
٤ ــ وقدوم وفد هوازن مسلمين إلى النبي ﷺ بعد انصرافه إلى الجعرانة وتخييره لهم بين أخذ المال أو السبي مخرج في البخاري من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة (٥).
٥ ــ ووقوع الشيماء بنت الحارث أخت النبي ﷺ بالرَّضاع وإكرامه لها وردها
стр. 264
إلى بلادها أورده ابن إسحاق مرسلاً من رواية يزيد بن عبيد السعدي، وله شواهد أخرى تقويه.
وقد أطبق العلماء على هذه الحادثة، وعلى عَدّ الشيماء من ضمن الصحابة (١).
٦ ــ وقوله: "وقد كانت هَوازن مَتُّوا إلى رسولِ الله برضاعتهم إياه": قلت: أخرجه ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسولَ الله ﷺ وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة"، وفيه "وإنما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك" (٢)
٧ ــ وفي الغزوة دليل على جواز قطع أشجار الكفار إذا كان في ذلك إضعافهم والنكاية بهم.
٨ ــ كذلك دلت الغزوة على أن للإمام إعادة الغنائم إلى أصحابها إذا جاؤوا مسلمين قبل قسمتها، أما بعد القسمة فليس للإمام استرداد شيء منها إلا بطيب نفس من الغانمين (٣).
قسمة الغنائم وإعطاء المؤلفة قلوبهم:
قال المصنف: «ثم قَسَمَ ﷺ بقيّته على المسلمين، وتألَّفَ جماعةً من ساداتِ قُريشٍ وغيرهم، فجعل يُعطي الرجلَ المائة بعير، والخمسين، ونحو ذلك. وعَتَبَ بعضُ الأنصارِ، فبَلَغَه، فخَطَبَهم وحدهم، وامتنَّ عليهم بما أكرمهم الله من الإيمانِ
стр. 265
به، وبما أغنَاهم اللهُ به بعد فقرهم، وألَّف بينهم بعد العداوةِ التَّامةِ، فرضوا وطابتْ أنفُسُهم ﵃ وأرضاهم.
وطَعَنَ ذو الخُويْصِرة التَّميمي، واسمه حُرْقُوص ــ فيما قيل ــ على النبيّ ﷺ في قِسْمَتِه تلك، وصَفَحَ عنه ﷺ وحَلُمَ، بعد ما قال له بعض الأمراء: ألا نضربُ عنقه؟ فقال: لا. ثم قال: «إنه سيخرج من ضِئْضِئِ هذا قومٌ يقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلِهم أجراً لمن قتلهم».
واستعمل ﷺ مالك بن عَوف النَّصْري على من أسلم من قومه، وكان قد أسلَم وحسُن إسلامُه. واعتمر ﷺ من الجِعِرَّانة ودخل مكة، فلما قضى عمرتَه ارتحل إلى المدينةِ، وأقام للناسِ الحجَّ عامئذٍ عَتَّابُ بنُ أُسيدٍ ﵁، فكان أَوَّل من حجَّ بالنَّاسِ من أُمراء المسلمين».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تألفه ﷺ بعض ساداتِ قريش وغيرهم بالعطاء، وعَتَب بعض الأنصار في ذلك، وتطيبه ﷺ نفوسهم .. كله مخرج في الصحيحين في أكثر من حديث (١).
٢ ــ وقصة ذي الخُويصرة في طعْنه في قسمة النبي ﷺ مخرجة في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري (٢).
٣ ــ واستعماله ﷺ مالك بن عوف النَّصْري على قومه بعد إسلامه ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٣).
стр. 266
٤ ــ واعتماره ﷺ من الجعرانة بعد انصرافه من الطائف وفراغه من قسمة غنائم حنين مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك (١).
٥ ــ وحجّ عتّاب بن أُسيد بالناس عام حنين ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٢). وفيه دليل على عنايته ﷺ بعنصر الشباب وتربيتهم على القيام بالمهام الكبيرة، فإن عتَّاباً كان عمره عشرين عاماً عندما أوكل النبي ﷺ مهمة الحج بالناس تلك السنة، وكان قد استخلفه أيضاً على مكة كما تقدم.
٦ ــ كما أن في الحادثة دليل على جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من أموال الغنائم إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، والمراد بهم هنا: أناس حديثٌ عهدهم بالإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، وقد عدّ الحافظ منهم نحواً من أربعين نفساً ممن أعطاهم النبي ﷺ (٣).
٧ ــ وقد اختلف هل أعطى النبي ﷺ هؤلاء المؤلفة قلوبهم من أصل الغنيمة أم من الخمس، وقد اعتمد الحافظ القول الأول واعتبره خاصاً بتلك الواقعة، لأن قريشاً كانت حديثة عهد بمصيبة فأراد أن يتألفهم ويجبر قلوبهم (٤).
٨ ــ وفي قصة ذي الخُويصرة بيانٌ لحال الخوارج وأصلهم، وأن النبي ﷺ لم يسلم منهم ومن شرّهم فكيف بمن بعد من العلماء والصالحين؟!
* * *
стр. 267
فصل
غزوة تبُوك
قال المصنف: «ولمَّا أنزل الله على رسُولِه ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] نَدَبَ رسُولُ الله ﷺ أهلَ المدينةِ ومن حولهم من الأعرابِ إلى الجهادِ، وأعلَمَهم بغزو الروم، وذلك في رجب من سنة تسعٍ، وكان لا يريد غزوةً إلَّا ورَّى بغيرها، إلا غزوته هذه، فإنه صرَّح لهم بها ليتأَهبوا، لشدَّة عدوّهم وكثرتِه، وذلك حين طابتْ الثمارُ، وكان ذلك في سنةٍ مُجدبة، فتأهب المسلمونَ لذلك.
وأنْفَقَ عثمانُ بنُ عفان ﵁ على هذا الجيشِ وهو جيشُ العُسْرة مالاً جزيلاً. ونَهَضَ ﷺ في نحو من ثلاثين ألفاً، وقد خرجَ معه عبدُ الله بنُ أُبيّ رأسُ النفاق، ثم رجعَ من أثناء الطريق.
وتخلَّف عن رسُولِ الله ﷺ النساء والذرية، ومن عَذَرَه الله من الرّجال ممن لا يجد ظهراً يركبه أو نفقة تكفيه، وتخلَّف منافقون كفراً وعِنَاداً وكانوا نحو الثمانين رجلاً. وتخلَّف عُصَاةٌ مثل: مُرارة بن الرَّبيع، وكعْب بن مالك، وهِلَال بن أُميّة، ثم تابَ الله عليهم بعد قدومه ﷺ بخمسينَ ليلةً».
стр. 268
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ تسمّى هذه الغزوة غزوة تبوك نسبة إلى المدينة المعروفة، وهي في منتصف المسافة بين المدينة ودمشق، تبعد عن المدينة نحو (٧٧٨) كيلاً.
وتسمّى الغزوة أيضاً غزوة العُسرة، مأخوذة من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]. وبعضهم يسميها غزوة الفاضحة، لأنها فضحت حال كثير من المنافقين (١).
٢ ــ وكانت هذه الغزوة في شهر رجب من سنة تسع من الهجرة كما ذكر المصنف، قال ابن حجر: "بلا خلاف" (٢).
وكانت في وقت "حرّ شديد" حسب وصف الصحابي كعب بن مالك ﵁ (٣). وفي القرآن الكريم حكاية عما قاله المنافقون في هذه الغزوة: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١].
٣ ــ وقد ذكر المصنف أن سبب هذه الغزوة هو استجابة النبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ .. الآية﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩].
لكن ذكر ابن سعد وغيره أن النبي ﷺ بلغه أن الرّوم كانوا قد جمعوا جموعاً كثيرة بالشام ومعهم متنصّرة العرب لغزو المسلمين ولم يكن لذلك حقيقة، حينها نَدَبَ رسولُ الله ﷺ الناس للخروج (٤).
стр. 269
ولعل ما ذكره المصنف سبب عام، وما ذكره ابن سعد سبب مباشر، فلا تعارض بينهما.
٤ ــ وقوله: "وكان ﷺ لا يريد غزوة إلا ورّى بغيرها"، قلت: هذا مخرج في الصحيحين من حديث كعب بن مالك (١).
٥ ــ وانفاق عثمانُ بنُ عفان على جيش العُسْرة مالاً جزيلاً ثابت في سنن الترمذي بإسناد حسنه عبد القادر الأرناؤوط، وأصل تجهيزه للجيش ثابت في البخاري (٢).
٦ ــ وما ذكره المصنف أن عدد جيش المسلمين نحو ثلاثين ألفاً هو ما جزم به ابن إسحاق (٣). وعليه أغلب المؤرخين (٤).
والذي في صحيح مسلم من حديث كعب بن مالك أنهم كانوا يزيدون على عشرة آلاف (٥). وهو بلا شك أكبر جيش قاده النبي ﷺ .
٧ ـ وقوله ﷺ لعليّ بن أبي طالب: «ألا تَرْضى أن تكون منّي بمنزلة هارونَ من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي» هذا مخرج في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص (٦). وفيه دليل على فضل علي بن أبي طالب ﵁، وفضائله في السنة
стр. 270
النبوية كثيرة مشهورة.
٨ ــ وتخلُّف عبد الله بن أُبيّ المنافق في الغزوة أثناء الطريق ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (١). وكان مقصوده: تخذيل المسلمين والإرجاف بهم.
٩ ـ وما ذكره المصنف من عدد المنافقين الذين تخلفوا، وأنهم كانوا نحو ثمانين رجلاً .. هذا ثابت في الصحيحين من حديث كعب بن مالك بلفظ: "بضعة وثمانين رجلاً" (٢).
ومن أسباب تخلّفهم في هذه الغزوة: بعد المسافة ومشقة السفر وشدّة الحر وقوة العدو.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢].
١٠ ــ وحادثة الثلاثة الذين خُلّفوا ثم تاب الله عليهم ثابتة في الصحيحين من حديث كعب بن مالك (٣). وقد كانوا كلهم من الأنصار، ومن خيار الصحابة، ولكن الشيطان يترصد للإنسان!! وفي الحادثة دلالة على جواز الهجر لأكثر من ثلاث لسبب شرعي، ذلك أن النبي ﷺ هجرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبة الله عليهم.
١١ ــ وقد دلّ إعلامه ﷺ أصحابه بوجهته في غزوة تبوك وتوريته بغيرها
стр. 271
من الغزوات على أنه يجب على الإمام أن يصرح لرعيته بالأمر الذي يضرهم ستره (١).
١٢ ــ وفي تجهيز عثمان جيش العسرة بمالٍ جزيل دليل على فضله وقوة إيمانه، وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال تعليقاً على صنيعه: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم ــ مرتين» (٢).
١٣ ــ كما دلت الحادثة على أن من عزم على الجهاد وعجز عنه فلا حرج عليه، كما في حال الذين لم يجدوا ظهراً يحملهم للجهاد، وقد أثنى عليهم القرآن الكريم.
مروره ﷺ بديار ثمود:
قال المصنف: «فسَارَ ﷺ فمرَّ في طريقه بالحِجْر (٣)، فأَمَرَهم أن لَا يدخلوا عليهم بيوتَهم إلَّا أن يكونوا باكينَ، وأن لَا يشربوا إلا من بئْر الناقة، وما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإِبل، وجازها ﷺ مُقَنَّعاً (٤).
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مروره ﷺ بالحِجْر في غزوة تبوك وأمره أصحابه ألا يدخلوه إلا باكين،
стр. 272
ومجاوزته له مقنَّعاً، كله مخرج في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر (١).
٢ ــ ونهيه ﷺ أن يشربوا من مياه الحِجْر إلا من البئر التي تردها الناقة مخرج في صحيح مسلم من حديث ابن عمر (٢).
٣ ــ وأمرهم بإطعام الإبل ما عُجن بماء الحِجْر ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر (٣).
٤ ــ وفي الحادثة دليل على أنه ينبغي للمارّ في مواضع العذاب: المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بمصارع أولئك القوم وأن يستعيذ بالله من ذلك (٤).
٥ ــ وفي نهيه ﷺ أصحابه من الشرب من مياه الحِجْر إلا من بئر الناقة .. دليل على النهى عن استعمال مياه آبار الحِجْر إلا بئر الناقة، ولو عجن منه عجيناً لم يأكله بل يعلفه الدواب (٥).
بعض ما وقع من الآيات في طريق تبوك:
قال المصنف: «فبَلَغَ ﷺ تبُوك وفيها عينٌ تَبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ قليلٍ فكثُرت ببركته، مع ما شُوهِد من بركةِ دعائه في هذه الغزوة، من تكثير الطَّعَامِ الذي كان حاصِلُ الجيشِ جميعهِ منه مقدار العَنْزِ البارِكَة، فدعا الله فأكلوا منه وملؤوا كلَّ وِعَاء كان في ذلك الجيشِ، وكذا لمَّا عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابةٌ فأَمطرتْ،
стр. 273
فشربوا حتى رووا واحتملوا، ثم وجدوها لم تُجاوِز الجيش، في آياتٍ أُخَرَ كثيرةٍ احتاجوا إليها في ذلك الوقت.
ولمَّا انتهى إلى هناكَ لم يَلْقَ عدواً، ورأى أن دخولهم إلى أرض الشَّامِ بهذه السنة يَشُقُّ عليهم، فعزمَ على الرُّجوع.
وصالحَ ﷺ يُحَنَّة بن رُؤْبَّة صاحبَ أيلة، وبعث خالداً إلى أُكيْدر دومة، فجيء به فصالحه أيضاً، وردَّه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تكثير ماء عين تبوك ببركته ﷺ ثابت عند مسلم من حديث أنس بن مالك (١).
٢ ــ وتكثير طعام الجيش ببركة دعائه ﷺ ثابت عند مسلم من حديث أبي هريرة، ولفظه: "لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ : «افعلوا»، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «نعم»، قال: فدعا بنطع، فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله ﷺ عليه بالبركة، ثم قال: «خذوا في أوعيتكم»، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : «أشهد أن لا إله
стр. 274
إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة» " (١).
٣ ــ وحادثة السحابة التي أمطرت الجيش حتى شربوا ولم تجاوزه أخرجها ابن حبان في صحيحه، من حديث ابن عباس قال: "قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن العُسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً، أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى نظنّ أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصِر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، قد عوَّدك الله في الدعاء خيراً، فادع لنا، فقال: «أتحبُّ ذلك؟» قال: نعم، قال: فرفع يديه ﷺ ، فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة، فسكبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر"، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط (٢).
٤ ــ وفي تكثير ماء عين تبوك وتكثير طعام الجيش ونزول المطر بما لم يجاوز الجيش كل هذا من معجزاته الظاهرة وآياته الباهرة صلوات الله وسلامه عليه.
٥ ــ مصالحته ﷺ يُحَنَّة بن رؤبة صاحب أيلة في غزوة تبوك ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد، وكان ذلك مقابل الجزية (٣).
٦ ــ وبعثه ﷺ خالداً إلى أُكيدر دومة ومصالحته إياه أخرجه أبو يعلى بسند قوي كما قال ابن حجر (٤).
стр. 275
٧ ــ وقد عسكر النبي ﷺ بتبوك عشرين يوماً قبل أن يرجع إلى المدينة بغير حرب ولا قتال (١).
رجوعه ﷺ إلى المدينة وأمره بهدم مسجد الضرار:
قال المصنف: «ثم رجعَ ﷺ ، وبعد رجوعه أَمَرَ بهدم مسجدِ الضِّرَار، وهو المسجد الذي نهى الله رسُولَه أن يقوم فيه أبداً. وكان رجوعه من هذه الغزاة في رمضانَ من سنة تسع. وأنزل فيها عامةُ سورة التوبة، وعاتبَ الله مَنْ تخلَّف عنه ﷺ ، فقال : ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ .. ﴾ الآية والتي تليها، [التَّوْبَةِ: ١٢٠]، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أمره ﷺ بهدم مسجد الضرار إثر عودته من غزوة تبوك ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٢).
٢ ــ وقد كان ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ .. إلى أن قال: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٧، ١٠٨].
٣ ــ وكان هذا المسجد قد بناه المنافقون للتفريق بين المؤمنين ومأوى للمتآمرين من أهل النفاق.
стр. 276
٤ ــ وفي موقفه ﷺ من المتخلفين من المنافقين والمتخلفين من أصحابه دليل على اختلاف سياسته ﷺ في التعامل بين الفريقين، حيث قَبِلَ من المنافقين وصَفَحَ عنهم بينما عاتب وعاقب أصحابه المؤمنين تكريماً وتشريفاً لهم.
стр. 277
فصل
قدوم وَفْد ثَقِيف وإسلامهم
قال المصنف: «وقدِمَ وفدُ ثقيفٍ على رسُولِ الله ﷺ في رمضانَ هذه السنة فأسلموا، وكان سببُ ذلك أن عروة بن مسعودٍ سيّدَهم كان قد جاء رسُولَ الله ﷺ منصرَفَه من حنين والطائف وقبل وصوله إلى المدينة، فأسلَم وحَسُن إِسلامُه واستأذن رسُولَ الله ﷺ في الرجوعِ إلى قومه ليدعُوهم إلى الله ، فأذن له وهو يخشى عليه، فلما رَجَعَ إليهم ودعاهم إلى الإسلامِ رَمَوْه بالنبل فقتلوه. ثم إنهم نَدِموا ورأوا أنهم لا طاقةَ لهم بحربِ رسُولِ الله ﷺ ، فبعثوا وفْدَهم إليه في رمضانَ كما قدَّمنا، وكانوا ستةً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت السنة التاسعة من الهجرة تسمّى سنة الوفود، حيث أقبلت القبائل العربية من كل جهة تبايع النبي ﷺ على الإسلام بعد أن أكرمه الله بفتح مكة وفرغ من صراعه مع قريش وأسلم أهل الطائف (١).
وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال: "كانت العرب تُلَوَّمُ ــ تنتظرـ بإسلامهم الفتح، فلما كانت وقعة الفتح،
стр. 278
بادر كل قوم بإسلامهم" (١).
٢ ــ وكان من ضمن الوفود التي قدمت: وفد ثقيف، حيث أرسلوا نفراً منهم لمبايعة النبيّ ﷺ وإعلان إسلامهم.
وأصل قدومهم مخرج في صحيح مسلم، وذكر الحادثة ابن إسحاق مفصلة بدون إسناد (٢).
٣ ــ وقصة إسلام عروة بن مسعود ومقتله على يد قومه ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد (٣).
٤ ــ وفي الحادثة دليل على فضل عروة بن مسعود ﵁، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «مثل عروة، مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى اللَّه فقتلوه» (٤)، وقد كانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية كما في الصحيح (٥).
هدم طاغية ثقيف:
قال المصنف: «فأنزلهم ﵊ في المسجدِ وضَرَب لهم فيه قُبة، فأسلموا واشترطوا أن تبقى عندهم طاغيتهم الَّلات، وأن لَا تُهدم، فلم يُجيبهم ﷺ إلى ذلك.
стр. 279
وسألوا أن يخفّف عنهم بعض الصلواتِ فلم يُجبهم إلى ذلك. فسألوا أن لَا يهدموا بأيديهم طاغيتهم، فأجابهم إليه. وبَعَثَ معهم أبا سفيان صخرَ بنَ حرْب والمغيرةَ بنَ شعبة لهدمها فهدمها. وعَظُمَ ذلك على نساءُ ثقيف، واعتقدوا أن يصيبهم منها سوء! وقد طَنَّز (١) بهم المغيرةُ بنُ شعبة حين هدمها فخرَّ صريعاً، وذلك بتواطؤ منه ومن أبي سفيان، ليُوهمهم أن ذلك منها، ثم قام يبكِّتهم ويقرِّعهم ﵁. فأسلموا وحَسُن إسلامُهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ إنزاله ﷺ وفْد ثقيفٍ في المسجد وضربه لهم فيه قبة ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وقال: "كما يزعمون" (٢)، أي كما يزعم الرواة.
٢ ــ واشتراط ثقيف في بداية الأمر ألا يهدم صنمهم اللَّات وأن تخفّف عنهم بعض الصلوات المفروضة وإباء النبي ﷺ ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٣).
لكن أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن رجل من ثقيف قال: "سألنا رسولَ الله ﷺ ثلاثاً، فلم يرخّص لنا، فقلنا: إن أرضنا أرض باردة، فسألناه أن يرخّص لنا في الطهور، فلم يرخّص لنا، وسألناه أن يرخّص لنا في الدُّباء (٤)، فلم يرخّص لنا فيه ساعة، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة، فأبى، وقال: «هو طليق الله
стр. 280
وطليق رسوله»، وكان أبو بكرة خرج إلى النبي ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم، " (١).
٣ ــ وقصة أبي سفيان والمغيرة بن شعبة حين بعثهما ﷺ لهدم اللَّات ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٢).
٤ ــ وقد أوضح ابنُ إسحاق سبب طلب وفد ثقيف إبقاء صنمهم اللَّات، فقال: "وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يَسْلَموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يُرَوِّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام" (٣). لكن النبي ﷺ أبى عليهم ذلك.
٥ ــ وفي إنزاله ﷺ وفْد ثقيف في المسجد قبل إسلامهم دليل على جواز إدخال الكافر المسجد إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، وهو قول جماعة من أهل العلم. والقصة وإن كانت لا تثبت من الناحية الحديثية إلا أن لها شواهد عديدة منها: ربطه ﷺ ثمامة بن أثال في سواري المسجد وكان مشركاً وقتها، وقد بوب عليه البخاري بقوله: "باب دخول المشرك المسجد" (٤).
стр. 281
فصل
حجة أبي بكرٍ الصّدّيق وتواتر الوفُودِ عليه ﷺ
قال المصنف: «وبَعَثَ ﷺ أبا بكرٍ الصّدّيق ﵁ أميراً على الحجّ هذه السنة، وأردفه عليّاً ﵁ بسورة براءة: أن لا يَحُجَّ بعد العام مُشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، وينبِذ إليهم عهودَهم إلا من كان ذا عَهْد مقدَّرٍ فعهدُه إلى مُدَّته.
وتواترت الوُفودُ هذه السَّنَة وما بعدها على رسُولِ الله ﷺ مُذعنة بالإسلامِ وداخلينَ في دينِ الله أفواجاً، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سُورَةُ النَّصْرِ].
وبَعَثَ ﷺ معاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمنِ ومعه أبو موسى الأشعري ﵄، وبَعَثَ الرُّسُل إلى ملوكِ الأقطارِ يدعوهم إلى الإسلامِ. وانتشرت الدعوة، وعَلَتْ الكلمة، وجاء الحقُّ، وزَهَقَ الباطلُ، إن الباطلَ كان زَهُوقاً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ بعثه ﷺ أبا بكر أميراً على حجّ تلك السنة وإردافه علياً بسورة براءة، وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، كله مخرج في الصحيح من
стр. 282
حديث أبي هريرة ﵁ (١).
٢ ــ ولم يحجّ النبي ﷺ تلك السنة مع تمكنه من ذلك لأنه كره مخالطة المشركين وهُم يطوفون بالبيت عراة ويتلفظون بالشركيات.
٣ ــ قال العلماء: وإنما أردف النبيُّ ﷺ علياً بإبلاغ الناس سورة براءة لأنها تتضمن نبذ العهود المطلقة بين النبي ﷺ وبين العرب والبراءة منها، وكان من عادة العرب ألا يبرم العهد ولا يفسخه إلا الرجل نفسه أو رجل من أهل بيته (٢).
٤ ــ وقوله: "وتواترت الوفود في هذه السنة وما بعدها": قدَّمنا في الفصل السابق أن سنة تسع كانت تسمّى سنة الوفود، لأنها السنة التي قدمت فيها وفود قبائل العرب من كل صوب لإعلان إسلام قبائلهم ومبايعة النبي ﷺ . وأن العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش، فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم.
٥ ــ وبعثه ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن مخرج في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، ولفظه عند مسلم: أن النبي ﷺ بعثه ومعاذاً إلى اليمن، فقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (٣).
٦ ــ وقوله ﷺ : «ولا يطوف بالبيت عريان» فيه إبطال لما كانت عليه الجاهلية من الطواف بالبيت عراة، واستدل به بعض العلماء على أن الطواف يشترط له ستر العورة (٤).
стр. 283
٧ ــ وفي تواتر الوفود عليه ﷺ دليل على وفاء الله له بوعده بالنصر، وانتشار الإسلام في أرجاء جزيرة العرب، وتوحيدها تحت رايته، وكانت هي المرة الأولى التي يتوحد فيها سكان الجزيرة العربية تحت راية واحدة دينياً وسياسياً.
* * *
стр. 284
فصل
حجة الوَدَاع
صلاته ﷺ بذي الحليفة وانطلاقه من المدينة:
قال المصنف: «صلَّى رسُولُ الله ﷺ الظهرَ يوم الخميسِ لستٍّ بقين من ذي القعدة من سنة عَشرٍ بالمدينة، ثم خَرَجَ منها بمن معه من المسلمينَ من أهلِ المدينةِ ومَن تجمَّع مِنْ الأَعراب، فصلَّى العصرَ بذي الحُليفة ركعتين، وبَاتَ بها. وأتاه آتٍ من ربّه في ذلك الموضع ــ وهو وادي العَقِيق ــ يأمرُه عن ربّه أن يقولَ في حجته هذه: حجةٌ في عمرة. ومعنى هذا أن الله أمره أن يَقْرِن الحجّ مع العمرة، فأصبحَ ﷺ فأخبر الناسَ بذلك، فطافَ على نسائه يومئذٍ بغسل واحدٍ. ثم اغتسلَ وصلَّى في المسجدِ ركعتين، وأهلَّ بحجة وعمرة معاً».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة باتفاق العلماء.
٢ ــ وسُميت بحجة الوداع لأن النبي ﷺ ودَّع الناس فيها وقال لهم: «لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجتي هذه» (١)، وتسمّى حجة البلاغ، لأن النبي ﷺ قال فيها:
стр. 285
«ألا هل بلغت، قالوا: نعم» (١).
٣ ـ ولم يحجّ النبي ﷺ بعد الهجرة إلى المدينة سواها، وقد حج بعد النبوة وقبلها حجات لا يُعرف عددها (٢).
٤ ــ وحجة الوداع تشتمل على أحكام فقهية كثيرة متعلقة بالحج وغيره، ومن ثم أفردها غير واحدٍ من أهل العلم بتصانيف مستقلة، كالإمام ابن حزم، والشيخ الألباني في العصر الحديث وغيرهما.
٥ ـ وصلاته ﷺ العصر بذي الحليفة ركعتين ومبيته بها ثابت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك (٣).
٦ ــ وقول المصنف أنه ﷺ أتاه آت في واد العقيق، فقال له: "قلْ حجّة في عمرة" مخرج في البخاري من حديث عمر بن الخطاب، ولفظه: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرة في حجّة» (٤).
٧ ــ وقوله: "ومعنى هذا أن الله أمره أن يَقْرِن الحجّ مع العمرة": هذا مبنيّ على القول بأن النبي ﷺ حجّ قارناً، وهي مسألة مختلف فيها، والذي جزم به المصنف بعد مناقشة مطولة هو أن النبي ﷺ حج قارناً (٥)، وبه جزم شيخه ابن القيم، واستدل له بأكثر من عشرين دليلاً (٦).