← Баляга

Баляга · id 10550

الفلك الدائر على المثل السائر

ابن أبي الحديد

Полный текст (537 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فسطاط مصور: "فرأيت إلى خيمته من الحرير مصورة بأنواع التصاوير، تكاد آسادها تزأر وتصول، وفرسانها تنطق وتقول، وأفراسها تركض وتجول. لم نغن الحمائم على حدائق جنانها، ولا حاكت أيدي السحائب رياض جدرانها، ولا عطت١ إلى فروع الأراك أعناق غزلانها، ولا خضعت رعيتها لملوكها، ولا نظمت عقد عذارها في سلوكها، إذا صافحت الرياح جلبابها، ونازعتها أهدابها، مالت ميل الغزل، ورقصت رقص الشارب الثمل٢، قد تألفت الأضداد فيها تألف الأضراب والأشكال، فالكتاب ضيف الأرنب والفهد ونزيل الغزال". هذا محلول قوله: وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارق في فازة أنا شائمه عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمه وفوق حواشي كل ثوب موجه ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه ترى حيوان مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه

стр. 107

إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتدآى ضراغمه١ فصل: "قصار رمحك أطول من ظلالها، وطول رماح أعدائك أقصر من زجاجها٢ ونصالها٣. وكم من رمح قصر فأطلته بخطاك، وكم من بلد بعد فقربته بسراك، وقطرك في الندى والردى سيول وبحار، وعزمك في الخصوم والعدا نصول وشفار، وأناملك راجحة ولكن خلقت سيوفك من عجل، فكلما نهيتها عن ولوغ الدماء قالت سبق السيف العذل٤. وقد

стр. 108

ينسب الجاهل حلمك أحيانا إلى تدبير أو خداع، ولا يعلم أن الليث لا يأكل الجيفة، ولا يفترس الضباع". هذا محلول قوله: طول قنا تطاعنها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار وفيك إذا جني الجاني أناه ... تظن كرامة وهي احتقار١ وقول السموءل: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فتطول٢

стр. 109

فصل: "الآراء الصائبة، والشجاعة الثاقبة، تستبعد الصوارم، وتستخدم المخاذم١، فالتدبير أمير والشجاعة جنده، والرأي حسام والصرامة غمده. ولو لم يلحظ هذا المعنى ويعتبر، لكانت السباع أفضل من البشر، وطالما نكست الأعلام بالأقلام، وملكت الأصقاع بالرقاع، ونفذت المكائد قبل نفوذ الحدائد. فإذا اجتمع لنفس سعيدة هذان الأمران نالت أقصى الإمكان، وبلغت من العليا كل مكان". هذا محلول قوله: الرأي قبل شجاعه الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان٢

стр. 110

فصل: "عزائمك لا تفل، وآراؤك لا تضل، ومدائحك لا تمل، وأحكامك لا تميل، وسيفك شريك المنايا في قبض النفوس، فهذه لاختطاف الأرواح، وهذا لاقتطاف الرءوس. وكل دم لم تحصبه١، ظباك أصبح مطلولا، وكل ممات لم تشارك فيه عدة خيانة وغلولا". هذا محلول قوله: شريك المنايا والنفوس غنيمة ... فكل ممات لم يمته غلول٢ فصل في حل قوله: وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق٣ قد نثرناه على وجوه منها: "شرف الفتى بأفعاله، لا بحسنه وجماله، كالسيف يقطع بجوهره، لا بحسن منظره". ومنها: "لو كان شرف الإنسان بصورته وخلقه لا بمعناه وخلقه، لما قيل ما الإنسان إلا القلب واللسان".

стр. 111

ومنها: "لا فخر في الصورة المليحة، وأفعالها قبيحة، كالشجرة السامية الخضراء الناضرة، وفي أكلها الفاقرة"١. ومنها: "لو كان الفخر بما بدا في الصورة وظهر، لا بما بطن من المعنى واستتر، لكانت صورة النمارق٢، أشرف من الحيوان الناطق". ٥٢- فصل في هيئة عسكر: "للأمير أيده الله جيشان: النسور في الجو والجياد في الدو٣، فكأن الفضاء ثوب مطير٤، بالجوارح والعقبان، وكأن العز فرس محجل بالسوابق والفرسان، فعسكر الطير ضيف يستطعم عسكر السيف، فإذا رمى بهما جيشاه نفاه، فأباد هذا أرواحه، وأباد هذا أشباحه". هذا محلول قوله: له عسكر خيل وطير إذا رمى ... بها عسكر لم يبق إلا جماجمه سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه٥

стр. 112

وقد حله هذا المصنف فقال: "فسرنا في غمامة من الكتائب، تظللها غمامة من الطيور الأشائب١ فهذه يضمها بحر من حديد، وهذه يضمها بحر من صعيد"٢. فصل: "حسام لولا ترقرق الماء في جوانبه، لتلمست النار الموقدة من مضاربه، فقد أضربه حب الجماجم والأعناق حتى عاد نضوا كالهلال، وودت سباع الطير والوحش أنها تفديه بالمخالب والأنياب إذا فدى غيره بالأنفس والأموال، فأحسن ما خضب بالدم الممار، لا بالعسجد والنضار، والحسناء حسناء وهي في الأسمال والأطمار. وإذا كان الحلي لإتمام النقص يعمل، فتشف الأفضل أنبل، وعطل الأكمل أجمل". هذا محلول قوله: أحسن ما يخصب الحديد به ... وخاضبيه النجيع والغضب فلا تشييننه بالنضار فما ... يجتمع الماء فيه والذهب٣

стр. 113

فصل في ذكر الدنيا: "هي الهرة تأكل أولادها، والموتورة تظهر أحقادها، أخون من البغايا١، وأخدع من الحنايا٢، تصيد الصقر بالحزب٣، وتكسر النبع٤ بالغرب٥، تغدر بأضيافها، وتقتل أزواجها ليلة زفافها، أفنت العشائر والقبائل، ولم يحصلوا من حبها على طائل". هذا محلول قوله: فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب٦ وقوله: فذي الدار أخون من مومس ... وأخدع من كفة الحابل

стр. 114

تفاني الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل١ فصل: "فلما أبوا إلا شقاقا وجماحا، واستنزلوا حينا عليهم مكتوبا ولهم مباحا، نهد الأمير أيده الله إليهم في كتيبة حسناء، تهز حوله جانبيها، كما تنفض العقاب جناحيها، فهو ربيبها في السير، وحارسه في النزول، وطليعها في النفير، وسائقها في القفول". هذا محلول قوله: يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب٢ وقول البحتري: طليعتهم إن وجه الجيش غازيا ... وساقتهم إن وجه الجيش قافلا٣

стр. 115

فصل في صفة الخيل: جيش قد حملت فيه الرجال على السلاهب١، بل الأفاعي على العقارب، وغلب فيه فائتهم الأبرد٢ على الغزلان، بل الأجادل٣ على العقبان، خوارق الأرض فلا تحمل إلا الأبطال والحديد، ومتبدلات الأحوال فكم لهما من بئر معطلة وقصر مشيد. من كل جياش٤ العنان، مضمون السبق يوم الرهان، إن قرع الطود فصقر، جارح، أو ركب البحر فنون٥ سايح، لما من النقع، براقع وجلال٦، ومن الكواكب غرر، ومن الأهلة فعال. قد خالفتا صدورها، وعاقدتنا لباتها ونحورها أن تجول مع فارسها حيث جال، وأن تخوض دونه المكاره والأهوال، وأن تجري في المضيق ولو أم السراط، وأن تلج المأزق٧ وإن كان أضيق من سم الخياط. هذا محلول قوله: فأتتهم خوارق الأرض ما تحـ ... ـمل إلا الحديد والأبطالا

стр. 116

خافيات الألوان قد نسج النقـ ... ـع عليها براقعا وجلالا حالفته صدورها والعوالي ... لتخوضن دونه الأهوالا ولتمضين حيث لا يجد الرمـ ... ـح مدارا ولا الحصان مجالا١ الترصيع بالآيات القرآنية وغيرها: أما الترصيع بالآيات القرآنية والحكم النبوية والأمثال في الكتابة فقد ذكر هذا المصنف من إنشائه فصولا تتضمن ذلك. ولما كنا قد ذكرنا في حل المنظوم ما عارضنا به ما ذكره وجب أن نذكر من كلامنا في ترصيع الآيات والأمثال فصولا تعارض ما ذكره أيضا. فمن ذلك قولي في توقيع إلى أحد النظار ببعض الصدقات الشريفة المتقبلة: "وليحرس فلان عليه هذا المشرب النمير عن رتق التكدير٢، ولا يشوه وجه هذه المبره المتقبلة بالمطل والتأخير، وليحذف عنه أسباب الإرجاء والمدافعات ومطاعن عن الاعتراض والتأويلات، فهذه صدقة يصدق بها مالك الرق، وإمام الحق، وسيد الخلق، جعل الله تعالى صدقاته المبرورة التي

стр. 117

لا تدركها الأوهام، ولا تحصرها الأفهام، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام١، جنودا مجندة حول لوائه المنصور، وكافلة لدولته الشريفة بالخلود إلى يوم النفخ في الصور، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه من أمر الله٢ تحفظه أحقابا، وباقيات صالحات هي عند الله أحسن عملا وخير ثوابا"٣. وهذا الفصل قد رصع بثلاث آيات من الكتاب العزيز واقعة مواقعها. ومن ذلك قولي من جملة من كتاب أصف فيه حربا: "حتى إذا زلزلت الأرض عليهم زلزالها، وأخرجت أثقالها٤، وكرعتهم الحرب عرك الرحا ثفالها٥، وعصبتهم الهيجاء عصب السلم٦، ومرتهم غمر البين، وهزهم الروع هز الجنوب ضحى عيدان يبرين٧، لم يكن إلا كحسوة طائر أو خطوة سائر، حتى خالطت السيوف أجسامهم". فأول هذا الكلام من الكتاب العزيز، وقولي وعركتهم من قول زهير: فتعرككم عرك الرحا بثفالها٨

стр. 118

وقولي وعصبتهم من قول الحجاج لأهل العراق: والله لأعصبنكم عصب السلم، ولألحونكم لحو العصا، ولأغمرنكم بغمار البين. وقولي وهزهم من قول الشاعر: يهززن للمشي أعطافا منعمة ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا وأحسن ما نقل المنظوم أو غيره إلى الكتابة إذا كان هكذا، لأن الشاعر ذكر هذا التشبيه في الغزل فقلبته أنا إلى الوصف. وقولي حسوة طائر من قول الباخرزي شاعر العجم١: ولو غبت عن هذين حسوة طائر ... لزال نظام أو لفض ختام ومن ذلك في توقيع لبعض العدول، وقد رتبه مشرفا ببعض الأعمال أحذره من الخيانة، وأنه إن واقع ذلك أخذ طيلسانه، وأسقطت عدالته، وهو كناية لطيفة تنزع إلى القرآن الكريم، سكونا إلى أمانته ونزاهته، ووثوفا بحريته واستنابته وكفايته، إلى تقمصه بجلباب الديانة، وتحليه بحلاها، وإخلادا

стр. 119

إلى ما هو موسوم به من العدالة التي يقترن لفظها إن شاء الله بمعناها، ثم أتممت هذا الكلام بما يناسبه إلى أن قلت: "وأهم ما نفرضه عليه، والدنيا ألقت به إليه، لزوم الأمانة والعفاف، وصيانة العرض وحفظ الأطراف، فليحذر أن تدليه الأطماع بغرورها، وجهلها، وتلهيه بحلاوة شهدها عن إبر نحلها، وليكن من إغواء الشيطان بإطعامه الشجرة على أتم حذر، وأشد فرق، فإنه إن استزله نزع عنه لباس الرضا، ثم لا يتمكن من خصف الورقن فليحرص قاعدة العدالة التي هي مرسوم موسوم بشعارها، ومندوب إلى اقتفاء آثارها، والاهتداء بمنارها". فهذه الكتاية من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ ١ وقولي في أول التوقيع التي يقترن لفظها إن شاء الله بمعناها لا يخفى ما فيه من الحلاوة في هذا الموضع. ومن ذلك قولي في جملة وصايا يتضمنها توقيع لبعض النظار: "أيد الله نائب الأعمال الواسطية وحراسة الارتفاعات بالسطوة التي تزهق النفوس، وتغض لها الأبصار وتنكس الرءوس، وتحفظ بها الأموال المتمزقة في أقصى الديار، المشردة تحت الكواكب كتبدد الكواكب، فهو شجاعها المقدام وصارمها الصمصام، وقد نبهنا عمرو إن كنا لا ننام، فليستأصل شاقة٢ المفسدين،

стр. 120

وليغلظ عليهم، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم. فالسياسة شموس جامع لا يصحب١ إلا بالسيف والنطع، وعروس فارك لا تقطف حتى يخلق ملؤها بالنجيع". وقد رصعت هذا الفصل ببعض قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٢ وحللت فيه قول الشاعر: إن المعالي عروس غير واصلة ... ما لم يخلق رداؤها بنضخ دم ومن ذلك قولي في هذا التوقيع في الوصاة بتخير العمال: وعماله ونوابه بالأعمال فهم جذوة من ناره، وأثر من آثاره وشعاع من شمسه، ودوحة من غرسه، وفضيلتهم نتيجة فضله، واختيار المرء بضعة من عقله، فليحسن في ارتيادهم، واختيارهم، وليجمل في اصطناعهم واصطفائهم، وليتخير أرباب الأغراض الزكية، والأفعال المرضية، والتجربة، والمسألة، والشباب، والحيلة، فإن كبا منهم سابق -والجواد قد يكبو- ونبا منهم صارم -والحسام قد ينبو- عالجه بالتقويم والإرشاد، فإن أصر فبالتخويف والإبعاد، وإن فاء فبالإقصاء والإبعاد، وإن أنس من أحد ما يقدح في الأمانة، ويشهد بوقوع الخيانة عاقبة معاقبة المجرمين، وجعله نكالا لما بين يديه وما خلفه وموعظة للمتقين٣.

стр. 121

آخر هذا من القرآن العزيز. وقد تضمن أيضا أمثالا غير خافية. ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وليواصل بالحمول الدارة في أوقاتها مواصلة توجب له الزيادة، وتستدر له أختلاف السعادة، وتجعله ممن وضحت براهينه، وثقلت موازينه، وأنار صباحه، وفازت قداحه، ويطلق عقله لسانه إذ خرس العاجز فلا يفوه، ويبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"١. موضع الترصيع من هذا الكلام بالألفاظ القرآنية الشريفة واضح. ومن ذلك قولي في آخرل هذا التوقيع: "وليطالع الديوان العزيز بصالح الأعمال، ومتجددات الأحوال، في أوقاتها وأزمانها من غير إرجاء يفضي إلى فواتها وبطلانها، ليدبر من تقدماته العالية، وآرائه السامية بما يجعله من الأرشدين دليلا، والأوضحين سبيلا، وينتظم باقتفائه واحتذائه في سلك الذين التحق سرهم في الإخلاص بإعلانهم، ويعد باتباعه وامتثاله من الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم"٢. وموضع الترصيع من هذا الفصل بالآية أيضا ظاهر. ومن ذلك ما كتبته في بعض التوقيعات لناظر من نظار السواد والضياع: "فهي الأمهات الحوامل، والمرضعات الكوافل، فليتخير بها طيبة البقاع، ضامنة بنمو الارتفاع فتخير الضياع كتخير المناكح، من أحسن فيها الاختيار اليوم أنجبت عرسه غدا،

стр. 122

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ ١، والفدادين٢ فهي حاملة الأثقال، وعامرة الأعمال، ومراكب البضاعة ورأس المال، فليجتهد في إراحة عاملها٣، والسلامة من درك نقصها وخللها" وما عساه يعوزها يتمة، وما تسرب منها يجمعه ويلمه، فقد من الله على عباده بأن خلقها كثيرة الحرث، ووسقاهم مما في بطونها من بين دم وفرث٤. والآيات المدرجة في غضون هذا الكلام ظاهرة. ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "فإذا تم ارتفاعه، وتكامل صلاحه وإيناعه، وبلغ الكتاب أجله لميعاده، ودنا الوقت الذي قيل فيه وآتوا حقه يوم حصاده، فليواصل بالحمول إدرارا، وليندب نفسه في جمع المال ليلا ونهارا، وليرهف للاستيفاء والاستخراج شبا العزم، ولينصب لذلك انتصاب أمثاله من ذوي البصيرة والحزم، فاستيفاء الأموال والحقوق هو النتيجة المرادة، والثمرة المستفادة، وذلك المحض عن هذه الزبدة أسفر، وذلك السرار٥ عن هذا الهلال أبدر٦، وذلك الغرس لهذه الفائدة أثمر، وذلك البدل لهذه النفس النفيسة صور، وعلى قالبها تصور، والمضجع في الاستيفاء بعد

стр. 123

ارتكاضه السابق وتعبه مستحق المثل الإلهي: كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا١، وناهيك به". فأول هذا الفصل آية وآخره آية أخرى٢. وفي وصايا التوقيعات التي تتضمن الكلام النبوي قولي في توقيع بعض النظار: "وليعن بأمر الأكارة، فإنهم عمار الأراضي والضياع، وقوام المال والارتفاع، وجند السواد، وأوتاد البلاد، وليشملهم بالعدل والإنصاف، وليؤمنهم بوائق الجور والإجحاف، وليسهل إذنه عليهم، وليواصل إحسانه إليهم، فالكثير منهم يثبت ويقيم بالبشر والطلاقة، وينفر ويفر بالعنف والفظاظة، والاستقصاء على الرعية فراق، وفي الحكمة النبوية: إذا لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم. ويقال إنه ليس كلمة أجمع لمكارم الأخلاق منهما". وأما الكتابة التي تتضمن الأمثال وهي مرصعة بالوقائع والأيام والنكت، فمن ذلك قولي في جملة توقيع: "وأهم ما يؤمر به وإن كان شيمته، وآكد ما يوصى به، وإن كان خلقه وسجيته، الاستمرار على ما اشتهر به من الأمانة

стр. 124

التي فاز من تدرع بأثوابها، وتعلق بأسبابها، وتحلى بسمطها ووشاحها، وتجلى في لألاء إصباحها، وارتقى أعلى مراتبها، واقتنى أسنى مناقبها، وارتدى بأرديتها، واجتى بأنديتها، وضير من نضا وأنضى ركابها، وعند عن طريقها، والقيام بحقوقها، وباعها بالثمن البخس، ووكس فيها شروكس، ورجع بالجد المنعوس١، والحظ المنحوس، والرأس المنكوس، متلففا في العاجل بثوب الخزى والصغار، متعرضا في الآجل للنكال والبوار، فالحرة لا تأكل بثديها وإن جاعت، ولو اضطرت إلى الدنية لما أطاعت، ورب أكلة هاضت، وزيادة زيد عليها ففاضت، وطالما تئوب، البطنة بصاحبها، ثم يندم على سوء عاقبتها، ومن أكل قليلا نام قريرا، والثرئ من القناعة غني وإن كان فقيرا". فهذا الفصل يشتمل على أمثال عدة٢ مع ما فيه٣ من شرف الصنعة. ومن ذلك ما قلته في توقيع بعض النظار بأعمال السواد: "وليجتهد في تربية المزروعات و.. كرتبة الأولاد، وليحرسها من بوائق العيب والفساد،

стр. 125

وليستكثر من نواطيرها١ وسقاتها، في تطوافه عليها بنفسه في معظم أوقاتها، ففضيلة العمل في استتمامه، والهلال حسن وليس كحسنه لتمامه، وليهتم بإصلاح "السكور" و"البريدات" و"الرؤف" و"المرادات" ليأمن عليها من الانفتاح والانفجار، وتأسيس أساسها على شفا جرف هار. وليكن من الاعتناء بها والاهتمام بحيث يحلم بها في المنام، ويتخيلها في الأحلام، فإن الزلل فيها مذهب الأموال ومجتاح الرعية، وهي من المصالح الكلية، لا من المحقرات الجزئية، فإياه أن يستصغر منها الصغير، أو يستحقر الحقير، فرب أمر قل ثم جل، وفي المثل أول الغيث طل٢. فهذا الفصل يشتمل على أمثال مأخوذة من الشعر، فمنها من قول أبي تمام: هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسنا وليس كحسنه لتمامه٣ ومنه من قوله أيضا: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث طل ثم ينسكب ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وإياه أن يسلك في حراسة الأموال مسلك المداهنة، أو يذهب في السياسة مذهب الإغضاء والملاينة، فتضيع حركاته،

стр. 126

وتذهب حسنانه ويصبح كالتي أراقت سجلها١ أو يصبح كالتي نقضت غزلها، ويكثر العبث والفساد، ويستحكم الطبع ويزداد، فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام وضع الصفح موضع الانتقام. ولينتصب لاستيفاء الأموال وحملها، فقد علم أنها الثمرة المنتظرة، والغاية المرتقبة والزبدة التي تمخضت عنها هذه الحركات، والنتيجة التي تقدمت لها هذه المقدمات، فليواصل بها مواصلة يجني جناها، ويحمد عند الصباح سراها، وليطالع الديوان العزيز بجاري أحواله، ومصالح أعماله، ليدبر من آرائه العالية، وتقدماته السامية، بما يبصره، ويرشده، ويوفقه ويسدده، ويحميه من موارد الردى، ويجعله من الذين اهتدوا وزادهم هدى". فهذا الفصل يتضمن آيتين من الكتاب العزيز وهما ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ ٢ و ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ٣. ويشتمل على أمثال شعرية وهي قول المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى٤

стр. 127

وقول الآخر: عند الصباح يحمد القوم السرى١. ومن ذلك ما قلناه في توقيع بعض كتاب: "وليرتب بديوان المعاملات نائبا جلدا يثق بأمانته، ويطمئن إلى كفايته، يقوم مقامه، ويسد مسده، فإنه لا غنى له عن المساعد على أثقاله، والمعاضد له في جميع أحواله، فالوادي لا يزخر بغير شعابه٢، والبيت لا يقوم إلا بعمده وأطنابه٣، والسيف يحتاج إلى القائم٤، والخوافي عدة للقوادم". فهذا الفصل يتضمن أمثالا شعرية منها قول أبي تمام: فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب والسهم بالريش اللؤام ولن ترى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب٥ ومنها قول بشار:

стр. 128

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي عدة للقوادم وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم١ ومن ذلك ما قلناه في هذا التوقيع أيضا وهو: "وليباشر بنفسه، أو من يقوم مقامه كل ما يستوفي ويحرر ويقرر ويحل ويعقد، ويستظهر على الأموال المستوفاة بختمه، ويضبط الحقوق بعمله وعلمه، فهو الشاهد المصدق في النقض والإبرام، وحذام في صناعته، والقول ما قالت حذام"٢ وموضع المثل من هذا الفصل والبيت الذي فيه معلومان. ومن ذلك قولي في هذ التوقيع أيضا عند وصية الكاتب بقوانين وقواعد يعتمدها في هذا الحساب ورفعه: "ولا حاجة له إلى أن يُجرى له في هذا الباب ما يتبعه ويقفوه، ولا يمثل له ما يطأ عقبه ويتلوه، فغيره تقرع

стр. 129

له العصا١، وسواه يقعقع له بالحصا، والعوان لا تعلم الخمرة٢، والفطن٣ لا يوصى إلا مره. وإذا احتاج الحسام إلى الغمد والجواد إلى الهمز، فهو٤ الغني يرشده عن الإرشاد، وابن جلا وطلاع النجاد٥". هذا الفصل يتضمن أمثالا عدة منها: فغيره يقرع له بالعصا، من قول الشاعر: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما

стр. 130

وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني حكيم العرب، وقصته مشهورة، وكذلك الفطن لا يوصى إلا مرة. وأما ابن جلا وطلاع النجاد فمثل شعري أصله قول القائل: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني ومن ذلك ما كتبته في توقيع كاتب آخر وهو "حيث توقل "من"١ هذه الصناعة قللها، واجتاب٢ ملابسها وحللها، وكشفت التجربة أنه ابن بجدتها، ورضيع درتها وجهينة أخبارها، وجواد مضمارها، ونسج وحدها، وصمصامة غمدها، واشتهرت عنه الأمانة التي تقمص برديها، واستلان سبلها٣ ونهج طريقها، وحمى حقيقتها". وفي هذا الكلام أمثال كثيرة، وألفاظ تجري مجرى الأمثال٤. ومن ذلك ما كتبته في وصايا توقيع بعض النظار وهو: "الحركة الدائمة التي

стр. 131

تذهب الكلال، وترهف الكليل، وتنزع الغل وتشفي الغليل، وتعقب الراحة، وإن عجلت النصب، وتقوم الأعمال مقام الدواء للوصب. فليكن لها ملازما، وعليها مواظبا، ولمهاد الدعة وجانب الكسل مجانبا، فمن لم تسوده البيداء لم تسوده العلياء، ومن لم تلفح جسمه السمائم لم تبيض وجهه المكارم". وهذا مأخوذة من قوله: ما ابيض وجه المرء في طلب العلا ... حتى يسود وجهه في البيد ومن ذلك قولي في هذا التوقيع لناظر قد رتب على زراعة غيره، وأمر بتربية ذلك المزروع وهو: "وبتربية المزروعات لسنة كذا الخراجية، وترتيب النواطير والحفطة لها، وتعاهدها بالسقى عند حاجتها، فليكن معظم زمانه مصروفا إليه، وموقوفا عليه، فهذا الارتفاع إن لم يكن غارسه فهو حارسه، وإن كان قد سبقه إنشاؤه وابتداؤه فعليه تربيته وإنماؤه، فالأعمال بختامها، والمبادئ بإتمامها، وليس لمن وضع أسه، بل لمن كمله، ولا الصيد لمن أثاره، بل لمن حصله". في هذا الكلام من الأمثال المشهورة قولهم: "الأعمال بخواتيمها"، ومن الأمثال النبوية قوله: ليس الصيد لمن أثاره، بل لمن حصله. ومن ذلك قولي في هذا التوقيع توصية بالمعاملات لسنة كذا الخراجية: "فليضاعف رجالها، وليعمر أعمالها، فهو مفتتح ارتفاعه، وبكر خدمته،

стр. 132

والشاهد على وفور اجتهاده، وعلو همته، وعليه الاعتماد والمعول، فليحذر أن يقال إذا ما أول". هذه إشارة إلى البيت المشهور الذي قد صار مثلا وهو: إذا ما أول الخطى أخطا ... فلن يرجي لآخره انتصار ومن ذلك قولي: "فيحكم بنيانها، وليشيد أركانها، ليستر عوارها، ويأمن انفجارها، وتثبت تحت المياه عند طغيانها، وتقوى على تمردها وعصيانها. وليحذر عاقبة الهوينا فيها، ومغبة الإهمال لأمرها، فالدخان تلتهب ناره، والشر تبدو صغاره". هذان مثلان مشهوران قد وقعا في هذا الكلام موقعهما. ومن ذلك ما قلته في الوصاة بالأكرة١: "والأكرة فهم جنده الذي به يحارب وسيفه الذي به يضارب، فليسجع في ملكته٢، ولينصف ضعيفهم في معاملته، وليوفر عليهم حصصهم وحقوقهم، وليخفف ما استطاع رسومهم وطسوقهم٣، فهم جند الرغبة، لا جند الرهبة، وعبيد البرو الإحسان، لا عبيد الظلم والطغيان، ومن طوق الأجياد فقد أوثق الأقياد، ومن لم يملك القلوب لم يملك الأجساد. والأكرة جند لا تزال البلاد ساكنة

стр. 133

آمنة، ما سكتوا وأمنوا، وفي الحكمة القديمة، استوصوا بأهل الخراج، فلا تزالون سمانا ما سمنوا". في هذا الكلام من الأمثال قولهم: ملكت فأسجح١، وقول أردشيرين بابك: استوصوا بأهل الخراج فإنكم ما تزالون سمانا ما سمنوا. وفيه نظر إلى قول المتنبي: وقيدت نفسي في هواك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا٢ ومن ذلك ما صدرت به توقيعا في تقريظ بعض النظار وهو: "لما كان فلان من الرجال الأفراد الذين عليهم الخناصر تعقد، وإذا طلبت النظائر مثلهم تعز وتفقد، وكانت شمائله تنطق عنه بالكفاية ولو لم يخبر ويشهد، له مخايل الفراسة بخصائص النجابة، وقد دلت سوابق الاختبار له على حسن الاختيار، وإثبات سوالف مآثر خدماته على حميد الآثار، واستحقاق الإيثار. وكان الديوان العزيز قد بلاه في حالتي عمله وعطلته، وعرف ما تنطوي عليه أنباء برديه في يوم فقره وثروته، وكان في أيام خدماته

стр. 134

الرجل الشهم الذي ينفذ نفوذ السهم، ويدرك بحسه الثاقب خفي الوهم إذا سفى به أرضا صابها١، وإن رمى به رمية أصابها، وإن عالج تدبيره معاملة سقيمة أبرأ أوصابها. هذا إلى ما خص به من سياسة تمنع خطاب الضمير، فضلا عن خطوات التدبير، وأمانة ضم عليه إهابها، وسمع قرقعة جلبابها، وضفا عليه سربالها وتخب وراءه أذيالها. ومن أيام عطلته رب الصيانة التي لا تجحد، ومدخر القناعة التي هي كنز لا ينفد، والصابر على البؤس بل على العطب، بل لا يصبر على النار إلا خالص الذهب. فرأى الديوان العزيز إعادة النظر بالمعاملات الفلانية إليه، والتعويل في إصلاح فاسدها وتقويم مائدها عليه علما أنه قد سلم القوس إلى باريها، وأضاف العقيلة إلى كفئها وكافيها". في هذا الكلام من الأمثال والنكت الرائقة ما لا خفاء به. ومن ذلك قولي في هذا التوقيع من الوصايا: "وليهتم أولا بحفظ البذور التي هي رأس المال، وذخيرة الأعمال، والعروس التي تجتنى ثمارها، والبضاعة التي إذا حرست أمن بوارها، والتفريط في القليل عنها ليس بقليل ولا قريب. وفي المثل: كم بذي الأثل دوحة من قضيب٢، وليتخيرها خالية من الغش

стр. 135

والدغل، فالغش في المتاجر الدنيوية، والغش في المتاجر الدينية، كلاهما يبصل العمل، ومن هون في البذر فيوم الحصاد يندم، وكل امرئ على ما قدم يقدم، ولا يتولد عن المعدوم إلا العدم، ومن أشبه أباه فما ظلم"١. هذا الفصل يتشعب شعبا، فمنه ما ينزع إلى الخبر النبوي وهو قوله "وإنكم لتقدمون على ما قدمتم"، ومنه ما هو مأخوذ من قول القائل: إذا أنت لم تزرع وأدركت حاصدا ... ندمت على التقصير في زمن البذر ومنه ما يرجع إلى قوله أبي تمام: لا تذيلن صغير همك وانظر ... كم بذي الأثل دوحة من قضيب٢

стр. 136

وقد دخل فيه أيضا المثل السائر: من أشبه أباه فما ظلم. وقولي: "ولا يتولد عن المعدوم إلا العدم" نكتة كلامية١. وقولي: "إن الغش الدنيوي كالغش الديني كلاهما يبطل العمل"، لا يخفى ما فيه من الحلاوة مع لطف الصنعة. ومن ذلك قولي في الوصاة بحراسة الارتفاع وهو: "وحراسة الغلات عند الإدراك والحصاد، وإظهار الوزعة التي تشرد بالرقاد، وتغني عن تجريد السيوف من الأغماد. فأنت رضيع لبانها، لا شريك عنانها٢، والمضروبة بين أمثاله الأمثال، والمنقوضة لديه الأحلاس، والمحطوطة إليه الرحال. وسبيلك الأخذ على القتيل والنقير، وألا يحتقر في هذا الباب ما هو أحقر من الحقير، فقليل الجناية يدعو إلى كثيرها، وربما تهاج كبيرات الأمور بصغيرها، والشراك بالشراك٣ يتصل، ومن الذود إلى الذود إبل". في هذا الفصل من الأمثال والنكت قولهم: هما رضيعا لبان٤، وقولهم: هما شريكا عنان. ومن بيت الحماسة: "يهيج كبيرات الأمور صغارها"٥

стр. 137

وبيت البحتري: من لغا هذا إلى مخسوس ذا ... ومن الذ ود إلى الذود إبل١ ومن ذلك ما قلته من الوصاة يتخير النواب والعمال وهو: "والمستنابون بالأعمال فهم اليد الباطشة، والرجل الساعية، والعين الباصرة، والأذن الواعية، وأنت لهم بمنزلة الجسد ذي الأدوات، والقلب المستعمل للأعضاء والآلات، فإن صحوا كنت الصحيح السليم، وإذا سقموا كنت المريض السقيم، لأنهم أجزاؤك وأبعاضك، فصحتهم صحتك، وأمراضهم أمراضك. فأذك عليهم عيون التطلع، ولا تخلهم من التصفح والتتبع، واجعلهم نصب عينيك، وتجاه ناظرك، وتلقاء وجهك، وإزاء خاطرك، فمن كان أمينا أقررته وأدنيته، ومن شككت فيه طردته وأقصيته، ومن ثبت عليه هفوة، أو صحت عليه عثرة أو كبوة، فسبيلك أن تنكل به، وتبالغ في حسن أدبه. ولا تسلك في ذلك مسلك المجاملة والمداهنة، فما كل وقت تصلح

стр. 138

الملاينة، وليس كل ذنب يحتمل الإغضاء والطي، ومن الأمراض مالا يحسم إلا بالكي، وأفسد الأشياء لقانون الرياسة وضع الصفح موضع السياسة، وأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، الصفح عن ذوي الذنوب والأجرام". وهذه الأخيرة، قد تقدم نظيرها، وقو قولنا: فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، وضع العفو موضع الانتقام، وقد ذكرنا بيت أبي الطيب الذي أخذناها منه١. ومن ذلك قولي في خاتمة الوصايا في هذا التوقيع: "ولا حاجة لنا مع كما له وسداده، وهديه المجمع عليه ورشاده، إلى استقصاء ما في الوصايا والأوامر، ولو تيقن الكناية لقال فيها كم ترك الأول للآخر، فهو يخترع من محاسن التصرف من الخدمة ما يعجز عنه الكبير من أرباب السياسة والتدبير، ويستنبط بخبرته ما يستغنى به عمن يرشده، ولا ينبئك مثل خبير"٢. فآخر هذا الفصل من الكتاب العزيز، وصدره مثل شعري نظمه أبو تمام فقال٣: لا زلت من شكري في حلة ... لابسها ذو سلب فاخر يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وليطالع الديوان العزيز بأحوال عمله

стр. 139

في أوقاتها، من غير إرجاء يفضي إلى قواتها، مستمدا من تدبيره الصائب ورشده، ما يبصر به سبيل قصده، ومستنجدا من رأيه الثاقب ما إذا شذ بزنده ضرب بنصل يقطع الهام من غمده". هذا يتضمن من الأمثال الشعرية قول أبي الطيب المتنبي: إذا شد زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا١ ومن ذلك قولي في توقيع بعض مشرفي الأعمال في ذكر الأمانة: "فإنها الدرع التي تسخر بالنبال، وتهزأ بالنصال، وتضمن سلامة دارعها يوم النزال. وقل من أصبح منها حاسرا، إلا وأمسى في صفقته خاسرا، أو كان لها مجانبا، إلا ونزل عن السعادة جانبا، فالأمانة سر المرء وجوهره، وباطن الإنسان ومخبره، وبها يستدل على شرف نفسه وديانتها، ومنها يعلم ثمنها ومقدار قيمتها، فإن كملت وتمت دلت على عزة النفس وعلوها، واحتقارها لدنايا الحطام وسموها، وإن نقصت أبانت عن لؤم المرء ونقصه، وكشفت عن شرهه وحرصه، فيستسلف عاجلا أقبح الذكر، ويتحمل آجلا أثقل الوزر، وقل أن يعدم بينهما تقديم العقوبة وتعجيلها، وطروق الحادثة وحلولها، فلتكن عصمة الله ممن يستشعر الحذر، ويشاهد الأشياء بالبصيرة قبل مشاهدتها بالبصر". وفي أول هذا الفصل معنى قول الراجز، وقد صار مثلا:

стр. 140

ونثرة١ تهزأ بالنصال ... كأنها من خلع الهلال ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "غير مستهين بالنزر اليسير، ولا مغض عن الأمر الحقير، ولا مسامح في الفتيل ولا النقير، فقد يهدي الأبؤس الغوير، وكم مطر بدؤه مطير". في هذا الكلام ثلاثة أمثال: أحدها القتيل٢ والنقير٣، والثاني قولهم عسى الغوير أبؤسا٤. وقد نظمه أبو تمام فقال: أهدى لها الأبؤس الغوير ... كم مطر بدؤه مطير٥ ومن ذلك قولي في توقيع لبعض المشرفين أيضا: "سكونا إلى تدرعه من العفة والنزاهة بأوفى جنة، والاعتصام من حولهما وقوتهما، بأتم حول، وأعظم منه، واتحادهما ألزم فرض وآكد سنة، فيواظب على حج كعبتهما، والتوجه إلى قبلتهما، والتدين بشرعهما، والسلوك في شرعتهما، وليستمر

стр. 141

على التغشي ببردهم السني، والتعري عن ثوب الإسفاف الدني، وليكن في إحراز الذكر الجميل إذا عرض ماهرا، ولنفسه عن مطعن السوء إن اعترض قاهرا، وفيما يثبت مدمه جاهدا، وللشيطان المسئول له مجاهدا، ليكون بأفعاله الحسنة مكافيا للإنعام، ومستحقا لزيادة الموهبة والدوام، فقديما قيل في المثل الزم الصحة يلزمك العمل". وقد ذكره عبد الحميد بن يحيى الكاتب في رسالته إلى الكتاب. ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "فإذا كان وقت الحصاد، وتفتقت الأكمام عن ثمار الاجتهاد، رتب من الأعوان من يثق بمناصحته، ويسكن إلى حراسته، وأذكى عليهم عيون التطلع، وأصغى إليهم بمسامع التصفح والتتبع، فمن وجده للمحجة سالكا، وللدناءة تاركا، أقره واستخدمه، وأدناه وأكرمه، ومن ألفاه عن الجدد١ ناكبا، ولاتباع الطمع راكبا، أحسن تأديبه وتقويمه، وفرى بضرب السياسة أديمه، وجعل ما يعتمده من نكاله رادعا لأمثاله، ونافعا له في مستقبل أمره ومآله، فليس الكهل كالحدث الصبي، ولا القارح٢ كالجذع٣ الفتى. والحوادث ذخيرة العواقب، والمصائب أثمان التجارب". هذا معنى قولهم في المثل المشهور: إن المصائب أثمان التجارب.

стр. 142

ومن ذلك قولي في آخر هذا التوقيع: "فحقيق عليه بعد تعيينه واختباره، وإفراده بالتقديم والتأهيل وإيثاره، أن يهجر لذة الرقاد في بلوغ المراد، وأن يكون لين المهاد عند أحسن أخشن القتاد١، إلى أن يقال له قد رقيت ولقيت، وعولج بك فشفيت". هذا ينظر إلى قول ديك الجن٢: فإذا شوفي بي كنت حماما ... وإذا عولج بي كنت شفاء ومن ذلك قولي في هذا التوقيع أيضا: "وليواصل متجددات العمل في أوقاتها، على اختلاف أنواعها وجهاتها، ولا يستحقر منها حقيرا، ولا يستصغر صغيرا، فالكتاب سطر إلى سطر، وأول الغيث قطر إلى قطر". هذا هو البيت المشهور للطائي: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث طل ثم ينسكب٣ ومن البديع النادر اللفظة التي ضممتها إليه وهي قولي: فالكتاب سطر إلى سطر. ومن ذلك قولي في توقيع لبعض النظار: "وليشرع في تطواف المعاملات

стр. 143

واستقرائها، وتصفحها واستبرائها، ومشاهدة مزروعها وضياعها ورساتيقها١ وبقاعها ومحاويلها وأعمدتها ونواحيها وأكرتها٢، ليحصل عنده صورها وأشكالها، ويثبت في ذهنه هيئتها وخيالها، ولا يقنع بالأخبار والسماع، والتعويل على ما في المطالعات والرقاع. فليس الخبر كالعيان، ولا التقليد كالبرهان، ومن عول على سماع الأقوال، واكتفى بها عن مشاهدة الأحوال، قصرت بنانه عند المطاولة، وأفحم لسانه عند المجادلة، وكان منقطع المادة، محتاجا لنقصه إلى التمام والزيادة. وليواصل الحركة التي يدرك بها ما بعد من أعماله ونأى، كإدراكه ما قرب إليه ودنا، بحيث يكون كل عامل من عماله، ومتقدم من أكرته ورجاله، لا يأمن هجومه على غرة وقدومه على فترة فتكون عماله كلها آخذة أهبتها لابسة زينتها، منتظرة طلوعه عليها، مرتقبة وصوله إليها، فلا يزال الاجتهاد فيها بين المنار، ظاهر الآثار". هذا المعنى ينظر إلى قول "بنت" المنتشر بن "وهب" الباهلي٣ في قصيدتها المشهورة:

стр. 144

لا يأمن القوم ممساه ومصبحه ... من كل أوب وإن لم يغز ينتظر ومن ذلك قولي في صدر توقيع لكاتب: "لما كانت الكتابة الفلانية محتاجة إلى ناهض بأعبائها، فارج لغمائها، كاشف لمبهمها ومجهولها، ضابط لمجملها وتفاصيلها، نثلت١ كنانة ألرجال، وعجمت عيدان النصال، وانتصبت صوارم الكتاب الأجلاد ليوم الجلاد وأجريت سوابق الكتابة في مضمار السباق والطراد، كان فلان أوراها زندا، وأرواها عدا، وأصفاها وردا، وأضفاها بردا، وأتقنها صناعة، وأوسعها بضاعة، وأطهرها جيبا، وآمنها غيبا، وأبعدها عيبا فعول عليه في الكتابة بالأعمال المذكورة، علما أن قلمه يتمم نقصها، ويرقع خرقها، ويرأب صدعها، ويجمع شملها، ويجبر وهنها، ويلم شعثها، ويسد خللها، ويمحو زللها، ويحيي رسومها الداثرة، ويعمر بربوعها العافية". أول هذا الفصل مأخوذ من قول الحجاج في خطبته بالكوفة: إن أمير المؤمنين نثل كنانته فعجمها عودا عودا. فوجدني أشدها عودا، وأصلبها مكسرا٢.

стр. 145

وباقي ألفاظ هذا الفصل ثلاث تجري مجرى الأمثال. ومن ذلك قولي في صدر توقيع يصلح أن يوقع به لعارض الجيش وهو: "عوائد الديوان العزيز إهداء عقائل النعم إلى الأكفاء، وإسداء صنائع الكرام إلى الأولياء، وإيداع المعروف حيث ينشر ويشكر، لا حيث يجحد ويكفر، وعند من يعرف مواقعه، لا عند من ينفر واقعه، وأن يتخير لعروس إحسانه أطيب المغارس وأزكاها، وأخلقها أن يحلو لي حسناها، لتكون نعمه مستقرة في نصابها، رافلة في قشيب جلبابها، مودعة حيث تصان الودائع وتزكو الصنائع. ولما كان فلان الرجل الذي تضرب به الأمثال، ولا تعدله الأمثال، والمهذب الذي لا يسأل له أي الرجال، والفائز بشرف الاستعلاءؤ على الأولين والحائز لقصب السبق يوم الرهان، والمتوحد بخصائصه عن مزاحمة المثالب، والمنفرد عن الأضراب بجميل الضرائب، رأي الديوان العزيز الإنعام عليه برد النظر في ديوان العرض المعمور إليه، علما باستقلاله واضطلاعه وثقة بصعة صدره وامتداد باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وامتداد باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وحزمه وتحفظه، وطمأنينة إلى قيامه بالمهم، ودفاعه للملم، وثباته حين تصيش الحلوم، وانتصاره حين يجيش الخصوم فليقابل هذه النعمة بالشكر الذي يكون لزيادتها مقتضيا، ولمضاعفتها ممتريا١، ولأمثالها
следующие страницы →