← Баляга

Баляга · id 10550

الفلك الدائر على المثل السائر

ابن أبي الحديد

Полный текст (537 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

على التغشي ببردهم السني، والتعري عن ثوب الإسفاف الدني، وليكن في إحراز الذكر الجميل إذا عرض ماهرا، ولنفسه عن مطعن السوء إن اعترض قاهرا، وفيما يثبت مدمه جاهدا، وللشيطان المسئول له مجاهدا، ليكون بأفعاله الحسنة مكافيا للإنعام، ومستحقا لزيادة الموهبة والدوام، فقديما قيل في المثل الزم الصحة يلزمك العمل". وقد ذكره عبد الحميد بن يحيى الكاتب في رسالته إلى الكتاب. ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "فإذا كان وقت الحصاد، وتفتقت الأكمام عن ثمار الاجتهاد، رتب من الأعوان من يثق بمناصحته، ويسكن إلى حراسته، وأذكى عليهم عيون التطلع، وأصغى إليهم بمسامع التصفح والتتبع، فمن وجده للمحجة سالكا، وللدناءة تاركا، أقره واستخدمه، وأدناه وأكرمه، ومن ألفاه عن الجدد١ ناكبا، ولاتباع الطمع راكبا، أحسن تأديبه وتقويمه، وفرى بضرب السياسة أديمه، وجعل ما يعتمده من نكاله رادعا لأمثاله، ونافعا له في مستقبل أمره ومآله، فليس الكهل كالحدث الصبي، ولا القارح٢ كالجذع٣ الفتى. والحوادث ذخيرة العواقب، والمصائب أثمان التجارب". هذا معنى قولهم في المثل المشهور: إن المصائب أثمان التجارب.

стр. 142

ومن ذلك قولي في آخر هذا التوقيع: "فحقيق عليه بعد تعيينه واختباره، وإفراده بالتقديم والتأهيل وإيثاره، أن يهجر لذة الرقاد في بلوغ المراد، وأن يكون لين المهاد عند أحسن أخشن القتاد١، إلى أن يقال له قد رقيت ولقيت، وعولج بك فشفيت". هذا ينظر إلى قول ديك الجن٢: فإذا شوفي بي كنت حماما ... وإذا عولج بي كنت شفاء ومن ذلك قولي في هذا التوقيع أيضا: "وليواصل متجددات العمل في أوقاتها، على اختلاف أنواعها وجهاتها، ولا يستحقر منها حقيرا، ولا يستصغر صغيرا، فالكتاب سطر إلى سطر، وأول الغيث قطر إلى قطر". هذا هو البيت المشهور للطائي: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث طل ثم ينسكب٣ ومن البديع النادر اللفظة التي ضممتها إليه وهي قولي: فالكتاب سطر إلى سطر. ومن ذلك قولي في توقيع لبعض النظار: "وليشرع في تطواف المعاملات

стр. 143

واستقرائها، وتصفحها واستبرائها، ومشاهدة مزروعها وضياعها ورساتيقها١ وبقاعها ومحاويلها وأعمدتها ونواحيها وأكرتها٢، ليحصل عنده صورها وأشكالها، ويثبت في ذهنه هيئتها وخيالها، ولا يقنع بالأخبار والسماع، والتعويل على ما في المطالعات والرقاع. فليس الخبر كالعيان، ولا التقليد كالبرهان، ومن عول على سماع الأقوال، واكتفى بها عن مشاهدة الأحوال، قصرت بنانه عند المطاولة، وأفحم لسانه عند المجادلة، وكان منقطع المادة، محتاجا لنقصه إلى التمام والزيادة. وليواصل الحركة التي يدرك بها ما بعد من أعماله ونأى، كإدراكه ما قرب إليه ودنا، بحيث يكون كل عامل من عماله، ومتقدم من أكرته ورجاله، لا يأمن هجومه على غرة وقدومه على فترة فتكون عماله كلها آخذة أهبتها لابسة زينتها، منتظرة طلوعه عليها، مرتقبة وصوله إليها، فلا يزال الاجتهاد فيها بين المنار، ظاهر الآثار". هذا المعنى ينظر إلى قول "بنت" المنتشر بن "وهب" الباهلي٣ في قصيدتها المشهورة:

стр. 144

لا يأمن القوم ممساه ومصبحه ... من كل أوب وإن لم يغز ينتظر ومن ذلك قولي في صدر توقيع لكاتب: "لما كانت الكتابة الفلانية محتاجة إلى ناهض بأعبائها، فارج لغمائها، كاشف لمبهمها ومجهولها، ضابط لمجملها وتفاصيلها، نثلت١ كنانة ألرجال، وعجمت عيدان النصال، وانتصبت صوارم الكتاب الأجلاد ليوم الجلاد وأجريت سوابق الكتابة في مضمار السباق والطراد، كان فلان أوراها زندا، وأرواها عدا، وأصفاها وردا، وأضفاها بردا، وأتقنها صناعة، وأوسعها بضاعة، وأطهرها جيبا، وآمنها غيبا، وأبعدها عيبا فعول عليه في الكتابة بالأعمال المذكورة، علما أن قلمه يتمم نقصها، ويرقع خرقها، ويرأب صدعها، ويجمع شملها، ويجبر وهنها، ويلم شعثها، ويسد خللها، ويمحو زللها، ويحيي رسومها الداثرة، ويعمر بربوعها العافية". أول هذا الفصل مأخوذ من قول الحجاج في خطبته بالكوفة: إن أمير المؤمنين نثل كنانته فعجمها عودا عودا. فوجدني أشدها عودا، وأصلبها مكسرا٢.

стр. 145

وباقي ألفاظ هذا الفصل ثلاث تجري مجرى الأمثال. ومن ذلك قولي في صدر توقيع يصلح أن يوقع به لعارض الجيش وهو: "عوائد الديوان العزيز إهداء عقائل النعم إلى الأكفاء، وإسداء صنائع الكرام إلى الأولياء، وإيداع المعروف حيث ينشر ويشكر، لا حيث يجحد ويكفر، وعند من يعرف مواقعه، لا عند من ينفر واقعه، وأن يتخير لعروس إحسانه أطيب المغارس وأزكاها، وأخلقها أن يحلو لي حسناها، لتكون نعمه مستقرة في نصابها، رافلة في قشيب جلبابها، مودعة حيث تصان الودائع وتزكو الصنائع. ولما كان فلان الرجل الذي تضرب به الأمثال، ولا تعدله الأمثال، والمهذب الذي لا يسأل له أي الرجال، والفائز بشرف الاستعلاءؤ على الأولين والحائز لقصب السبق يوم الرهان، والمتوحد بخصائصه عن مزاحمة المثالب، والمنفرد عن الأضراب بجميل الضرائب، رأي الديوان العزيز الإنعام عليه برد النظر في ديوان العرض المعمور إليه، علما باستقلاله واضطلاعه وثقة بصعة صدره وامتداد باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وامتداد باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وحزمه وتحفظه، وطمأنينة إلى قيامه بالمهم، ودفاعه للملم، وثباته حين تصيش الحلوم، وانتصاره حين يجيش الخصوم فليقابل هذه النعمة بالشكر الذي يكون لزيادتها مقتضيا، ولمضاعفتها ممتريا١، ولأمثالها

стр. 146

مستمدا، ولما أخلق منها مستجدا، فالنعمة ضيف قراه الشكر إن وجدته لم ترم١، وإن فقدته لم تقم". في هذا الكلام إشارة إلى قول النابغة: ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب٢ ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "ولينتصب لاستيفاء أموال الإقطاعات انتصابا يظهر أثره، ويجتنى ثمره في ضمن قوة خالية من العنف، ولين لا ينسب معه إلى ضعف، فالزعماء كثرهم الله أولو الحمية، والنفوس الأبية، وعلى الحقيقة فهم السباع الوحشية في الصور الإنسية. فليحسن التوصل في مداراتهم، والاستيفاء منهم، والاستعانة بهيبة الديوان العزيز عليهم، غير مراقب من ذلك لعظيم منهم ولا جليل، ولا مغض عن كثير مما عليهم ولا قليل. فبا لمال تستمال الرجال، وتبلغ الآمال، وتفتح الصياصي٣ وتملم النواصي، ويستدنى القاصي. والجند بالمال يجمع، والملك بالجند يمنع". في هذا الفصل إشارة إلى الغزى٤ في صفة الأتراك: من رأى قبلهم مجتمعا ... خلقة الناس وأخلاق الأسود

стр. 147

ومن ذلك ما قلت في صدر توقيع لناظر بالسواد: "لما كان فلان ممن خبر رشاده فعلا، وسداده قولا، وتكاملت محاسنه وخصائصه، فلا يقال فيها لولا، وسبقت له سوابق الكتابة التي تقلد نطاقها، وأقام أسواقها، وأحكم ميثاقها، واجتلى بها عقائل المحامد بعد أن أغلى صداقها، وحمدت مذاهبه في حال إصداره وإيراده، وشهدت بعفافه وأمانته ألسنة أوليائه وحساده، رأى الديوان العزيز الإنعام عليه بنظر كذا، فليسأل الله التوفيق والخبرة، وليقدم تقواه فهي أنفع عدة، وأنفس ذخيرة، وليتوجه إلى الأعمال المذكورة بصدر رحب الفناء، وعزم نافذ المضاء، وأمل واثق بشمول الآلاء، وليسلك في جميع أنحائه مسلك أمثاله من ذوي الرشاد والتحصيل، ولا يتبع الهوى فيضل عن سواء السبيل"١. آخر هذا الكلام من القرآن العزيز، وفي أوله إشارة إلى قول القائل: ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أن ذابك لا أقول وأنا أختم هذا الفصل بتوقيع كتبته لبعض الزعماء، وقد رتب شحينة واسط وهو: "أولى الأولياء باجتلاء عقائل النعم الجزيلة، وامتطاء كواهل الرتب الجليلة، واعتلاء صهوات المنازل السنية، وارتقاء درجات المناصب العلمية من محضت طاعته وعبوديته، واستوى سره في الإخلاص وعلانيته،

стр. 148

وحسنت أفعاله وآثاره، وطبت أنباؤه وأخباره، وكرم مغيبه، وعظم مشهده وأبر يومه على أمسه، وأربى على يومه غده. ولما كنت أيها الأمير الأجل فلان الدين الجامع هذه الأوصاف والخصائص، والمتحلي من جواهر المناقب بما لم تظفر بمثله يد غائض١، واقترنت بمسألتك التي سألت منها السيوف نفوسا ومهجا، وبرمايتك التي لم يجعل الله تعالى فيها عوجا ولا أمتا٢. هذا مع ما خصصت به من وفور آياتك، ورجحان حصافتك، وعلو همتك، وطهارة شيمتك، وأنك بذذت الأشكال والأضراب، وأوتيت حزم الشيخوخة في عنفوان الشباب، ربي الإنعام عليك برد شحينة الأعمال الواسطية إليك، لاستقبال كذا. فتلق هذه النعمة التي ترضيك بشكر يرضيها، وهذه المنزلة التي تضاهيك بحمد يضاهيها، وتوجه إلى الأعمال المذكورة بصدر رحب، ورأي مصيب، وسيف من دم أهل الكيد خضيب، واستشعر تقوى الله فالعاقبة لأهلها وقف عند حدودها، ولتستظل بظلها، وتذكر لها كلمة قصيرة غير طويلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ٣ وناهيك بها فضيلة.

стр. 149

وابدأ بالرفق الذي ما دخل في شيء إلا زانه، ولا استعان به أحد في مشكل إلا أعانه. والق الناس ببشرك ولطفك وطولك١، ولا تبدأهم بالفظاظة، فلو كنت فظاغليظ القلب لانفضوا من حولك٢. والرعايا فهم الودائع عندك الموثوق لهم أن تلحقهم أمانك ورفقك، وتفرشهم٣ سدادك ورشدك، واكفف عن الأذى، وأزح عنهم القذى، وقل لهم كما أدبك الله حسنا، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا٤، وكن لهم حسبة٥ من الجور وحصنا، واحمهم ممن يتعرض بهم في عرض هذا٦ الأني، واسلك بالمعدلة فيهم صراطا سويا، واجل قويهم في الباطل ضعيفا، وضعيفهم في الحق قويا. وحراسة الارتفاقات الديوانية بالسطوات المرهوبة، والنقمات المصبوبة، والهيبة التي تملأ القلوب ارتياعا، وتطير الأنفس منها شعاعا، فأنت فارسها

стр. 150

المعلم١، وشجاعها المقدم، وليثها الذي تحجم الليوث ولا يحجم، فأمد وطأتك على أهل الريب والفساد، وشرد بهم عن جميع الأعمال والبلاد، وانتدب للقيام بسياستهم كانتدابك للقيام بالفرض، فما كان لزعيم أن تكون له سياسة حتى يثخن٢ في الأرض. والأموال المتمزقة في أقصى الأعمال ونائيها٣ لا تحرس إلا بإراقة الدماء على جوانبها، ومن الجور البين والحيف وضع الصفح موضع السيف. ونوابك الذين ترتبهم في الأعمال، وتستعين بهم على حراسة الأموال، فأصلحهم أولا وطهرهم، ليحصل بهم الصلاح والطهارة، ولا ترض لهم أن يكونوا ممن يأمر الناس وينسى نفسه الأمارة. وألزمهم بمداومة فعل الخير يكونوا "أهله"، ولا تجعلهم ممن ينهى عن خلق ويأتي مثله. وأقم عليهم الأرصاد، واقعد لهم بالمرصاد، ورضهم على اتباع منهاجك القويم، واهتداء صراطك المستقيم، وعلمهم من سجاياك المحمودة ما لم يعلموا "وفوق كل ذي علم عليم". وحراسة الطرق والمذاهب، وحماية المسالك والمشارب وقمع كل ناجم

стр. 151

بفساد، أو قادح للشر بزناد، أو مخيف سبيل، أو قائد رعيل١. فكن في ذلك كالليث السغب٢ ينهض إلى فريسته، والصقر القطم٣ ينقض على طريدته، حتى توسع كل ساع بالفساد قتلا وأسرا، وتوثق كل عادل عن السداد حبسا وحصرا، وتأمن السبل والأطراف، وتصبح الناس فيها كحمام الحرم لا يخاف. فهذه الأعمال مظلمة، فكن أضوأ من السراج، وهذه المدرة٤ حجاجية٥ فكن أهيب من الحجاج. وقد تلخص من مجموع وصايا الملك أن يكون الملك ذالونين: أزهر وأقتم، وذا طعمين: أحلى من العسل، وأمر من الملقم، وذا وجهين: طلق وشتيم٦، وذا يومين: يوم بؤس ونعيم. والدعامة التي تقوم بها السياسة، وبنصب عليها عمل الرياسة هي القوة من غير عنف، واللين من غير ضعف، فالرعية كمريض هذه زبدة علاجه، والسياسة كبدن هذا تعديل مزاجه. واجعل أعظم كدك، وغاية قصدك، استجلاب الأدعية الصالحة

стр. 152

لهذه الأيام الشريفة الزاهرة، التي يحسدها سائر الأيام، ويتنافس الناس عليها فلا يبيعون ساعاتها بالأعوام، أن تدوم لأهلها فهم من الحوادث أمان، وتظن لرونقها ونضارتها أنها أيام الجنان، أيدها بدوام لا تماسك لسجابه، وبقاء لا نفاد لحسابه. فهذه معظم وصايا التوقيع المذكور، وقد تضمنت من ترصيع الآيات الشريفة والأبيات الشريفة والنكت والأمثال جملة صالحة. أما الآيات الشريفة فقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ٣ وقوله تعالى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ٥ وقوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ٦ وقوله: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ ٧ وقوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ ٨ وقوله: ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ ٩ وقوله ﴿شَرِّدْ بِهِمْ مَنْ

стр. 153

خَلْفَهُم﴾ ١ وقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢. نقلته أنا إلى السياسة فقلت ما كان لزعيم أن تكون له سياسة حتى يثخن في الأرض٣. ولا يخفى ما في النقل من اللطافتين. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ ٤ وقوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾ ٥ وقوله: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم﴾ ٦ وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾ ٧. وأما حل الأبيات الشعرية فقول الشاعر: حالك اليوم فوق حالك بالأمس وأرجو لك المزيد غدا٨ قد نثرناه نحن فقلنا: وأبر يومه على أمسه، وأربى على يومه غده. وقول السموءل: تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل٩

стр. 154

أخذناه فقلنا: بمسألتك التي سالت منها السيوف نفوسا ومهجا. وقول المتنبي: وشيخ في الشباب وليس شيخا ... يسمى كل من بلغ المشيبا١ حللناه نحن فقلنا: وأوتيت حزم الشيخوخة في عنفوان الشباب. وقول قطري بن الفجاءة٢ من شعراء الحماسة: أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لا تراعي أخذناه فقلنا: تملأ القلوب ارتياعا، وتطير النفوس منها شعاعا. وقول المتنبي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم٣

стр. 155

حللناه فقلنا: والأموال المتمزقة في أقاصي الأعمال ونائيها لا تحرس إلا بإراقة الدماء على جوانبها. وقول المتنبي أيضا: "ووضع الندى في موضع الانتقام"١ حللناه فقلنا: ومن الجور البين والحيف، وضع الصفح في موضع السيف. وقد حللت هذا البيت بعبارات ثلاث والمعنى واحد وقد تقدم ذكرها، وهي: أفسد الأشياء لقانون الرياسة، وضع العفو موضع السياسة. والثانية فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، وضع الصفح موضع الانتقام. والثالثة هذا الموضع. وقول القائل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم٢

стр. 156

أخذناه نحن فقلنا: وألزمهم بمداومة فعل الخير يكونوا أهله، ولا تجعلهم ممن ينهى عن خلق ويأتي مثله. وقول ابن هرمة: كريم له وجهان وجه لذي الرضا ... أسيل ووجه في الكريهة باسل١ أخذناه فقلنا: وذا وجهين طلق وشتيم. وقول الشاعر: له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم أخذنا فقلنا: ذا يومين: يوم بؤس ويوم نعيم. وقول الشاعر: تنافس الناس في أيام دولته ... فما يبيعون أياما بأعوام أخذناه فقلنا: ويتنافس الناس عليها، فما يبيعون ساعاتها بالأعوام.

стр. 157

وقول المتنبي: نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا١ أخذناه نحن فقلنا: بدوام لا تماسك لسحابه، وبقاء لانفاد لحسابه. وأما الأمثال والنكت فقولهم. ما دخل الرفق في شيء إلا زانه. وقول النبي ﷺ في دعائه على قريش: اللهم اشدد وطأتك على مضر. وقد صار ذلك مثلا سائرا. وقولهم السياسة لين من غير ضعف، وقوة من غير عنف. ويقال إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق. وقولهم: هذا عصر تحسده الأعصر الخالية، وقد جاء في الشعر كثيرا، كقول ابن هانئ: فأما الليالي السالفات فقطعت ... أناملها من حسرة وتندم وأما الليالي الحاضرات فأدركت ... مآربها من بهجة وتكرم

стр. 158

وفي الفصول المذكورة من الألفاظ والتكت الجارية مجرى الأمثال، عدا ما ذكرناه ما لا خفاء به. فهذه نبذة من حل المنظوم ذكرناها كعجلة القرى١، وكهيئة الطارق إذا عرا٢. إن وجدنا أدنى فسحة أتممنا ما شرعنا فيه من حل سيفيمات أبي الطيب المتنبي، وتقريبها إلى خزانة مالك الأمر، ووارث الدهر، جعله الله بألطافه وكراماته الجليلة ممنوحا، وأعطاه من البسطة في الملك والعمر ما لم يعطه الإسكندر ونوحا. ٥٠- قال المصنف: وقد ذكر ابن سنان الخفاجي أن أحد ما يشترط في حسن اللفظة أن تكون مخارج حروفها متباعدة. قال: وهذا باطل؛ لأنه لو كان العلم بحسن اللفظة وقبحها مشروطا بتباعد مخارجها أو تقاربها لوجب ألا يحكم على الفور بقبح لفظة أو حسنها حتى تعتبر مخارج الحروف. ونحن نجد الأمر بعكس ذلك، فإنا ساعة ما نسمع اللفظة نُفتي بحسنها أو قبحها. وما ذاك إلا لأن هذا أمر يرجع إلى حاسة السمع، فإذا استحسنت

стр. 159

شيئا أو استقبحته، وجدت ما تستحسنه متباعدا مخارج الحروف، فاستحسانها واستقباحها إنما قيل اعتبار المخارج لا بعده١. أقول: ليس بمنكر أن يعلم المعلول قبل العلة، والمشروط قبل الشرط. ألا ترى أنك إذا رأيت الجارية الحسناء، فإنك تستحسنها على الفور، ولا يتوقف استحسانك إياها على أن تستحضر في ذهنك علة الحسن من رقة شفتيها وأنفها وامتداد سالفتيها، ومخالطة الحمرة للبياض في بشرة وجهها، وغير ذلك من أسباب الحسن. ولا يطعن حكمك بالحسن على الفور في تعليلي الحسن بهذه الأمور؟ ومن ذلك أنه قد اعترف أن كل ما تستقبحه من الألفاظ تجده متقارب الحروف، وما تستحسنه منها تجده متباعد الحروف، ولكنه زعم أنه لا يعلل الاستقباح والاستحسان بهما، فقال له إذا كان تقارب المخارج والاستقباح متلازمين لا يفترقان، فلابد من أمر أوجب ملازمتهما، فيمكنك أن تقول إن الاستقباح أوجب تقارب المخارج فيما هو متقارب المخارج، وهو أمر ذاتي له لا يتوقف على الاستقباح. فإذا لم يكن الاستقباح أوجب تقارب المخارج ولا بد لملازمته إياه من سبب، فلا سبب إلا أن يقال: المخارج علة الاستقباح.

стр. 160

٥١- قال المصنف: وقد وجدنا ألفاظا متقاربة المخارج وهي غير مستقبحة، كلفظة ملع إذا عدا وأسرع١. أقول إن ابن سنان لم يدع الاطراد المطلق، وإنما قال إن الأكثر الأغلب استقباح الألفاظ المتباعدة المخارج، إذا لم توجد فيها علة أخرى توجب استقباحها، والشاذ لا يعتد به. على أن هذا لازم له؛ لأنه قد اعترف أن كل لفظة متقاربة مخارج الحروف فإنها مستقبحة، وإن لم يعلل الاستقباح بذلك. فم أورده على ابن سنان لازم على ما اعترف هو به من تلازم الأمرين: قال: وقد غلط أبو نواس في لفظة الظرف فقال: اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال وقال هذاك وجهه لي ... للظرف والحسن والكمال فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال٢

стр. 161

قال: فوصف الوجه بالظرف، والظرف من صفات النطق خاصة، وليس كما يتوهمه العامة من حسن الصورة ودماثة الأخلاق١. أقول: إن هذا الذي ذكره قد قاله كثير من الناس، وقال كثير من الناس غير ذلك، فإن صاحب ديوان الأدب قال: الظرف الكياسة، ولم يزد على ذلك، وهكذا قال صاحب الصحاح. ومعلوم أن الكياسة لا تكون راجعة إلى النطق اللساني خاصة، وعلى كل الأحوال فأبو نواس لم يغلط؛ لأن أداة الظرف وهي اللسان على ما يريده جزء من أجزاء الوجه، فإذا قال الجمال إن وجه هذا الممدوح لي؛ لأنه محل الظرف، ومحل آلة الشيء محل الشيء، كما يقال: الرأس محل الشم والذوق؛ لأنه محل آلتيهما٢. ٥٢- قال المصنف: وقد غلط أبو تمام في قوله: ودماثة الخلق التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم عاد ظريفا فوصف الخلق بالظرف، والظرف يختص باللسان والنطق٣. أقول:

стр. 162

لو سلمنا له ما يريده من تفسير الظرف لكان لقول أبي تمام مذهب لا بأس به؛ لأن تهذيب الأخلاق ورياضتها وتسهيل حزنها وتدميثه مما يعين على حسن التوصلات النطقية، ويؤثر في تلطيف الألفاظ، وإصابة الأغراض بهما. ألا ترى أن النبطي الجافي لا يكاد يبلغ أغراضه بالكلام، ويحسن التوصل إلى إدراك ما يرويه بلسانه، بخلاف من قد خالط وجرب، وراض أخلاقه وهدب نفسه؟ فمن هذا الوجه جعل أبو تمام دماثة الخلق مؤثرة في الظرف، وإن كان عائدا إلى النطق اللساني خاصة. ٥٣- قال المصنف: وقد ذكر ابن سنان الخفاجي في كتابه أن من أوصاف الكلمة أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا، وأنها إذا طالت قبحت. ومثل ذلك بقول المتنبي: إن الكرام بل كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها فإن لفظة سويداواتها قبيحة لطولها.

стр. 163

قال: ليس الأمر كذلك، فإنها لو قبحت لطولها، لقبح قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْض﴾ ٢ فإن إحداهما تسعة أحرف، والأخرى عشة أحرف٣. أقول: ألست قلت في باب المعاظلة إنهما مما وقع الإجماع على قبحه، وقلت إنها لتكرير الحروف، ومثلت لها بقول القائل: "جنى جنات وجنات الحبيب" وقولهم: "وليس قرب قبر حرب قبر"٤ فلقائل أن يقول لك: قد ورد في القرآن الكريم مثل ذلك وهو قوله تعالى: ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥. فهذه ميمات كثيرة يتلو بعضها بعضا، فإما أن يكون استعمالها في القرآن غير مستحسن، أو يكون مستحسنا، فإن لم يكن مستحسنا مع أنها قد استعملت، فاختزلا بن سنان أن تكون الكلمة الطويلة كقوله: "ليستخلفنهم" غير مستحسنة، وقد استعملت، وإن كانت المغالطة قبيحة إلا في القرآن الكريم،

стр. 164

فاختر لابن سنان أن يكون كثرة حروف الكلمة حروف الكلمة قبيحة إلا في القرآن الكريم. وبالجملة فإما أن يلزمك ما ألزمته أو تتخلص مما يتخلص به. ٥٤- قال المصنف: وأكثر أسجاع الصابي١ وابن العميد٢ وكثير من المتقدمين والمتأخرين من الكتاب بتكرير المعنى بعينه في السجعتين المزدوجتين، كقول الصابي في التحمدي: "لا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهر مه الدهور بكرورها". ثم قال في ذكر النبي ﷺ "فلم يدع٣ للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه". قال: ولا فرق بين محو الأثر ولا تعفية الرسم، ولا بين مرور العصور، وكرور الدهور. قال: ومثل قوله: "لم تزل الدولة العباسية تعتل طورا، وتصح أطوارا،

стр. 165

وتلتاث مرة وتستقل مرارا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنياتها ثابت لا يتضعضع". قال: وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتلال والالتياث والطور والمرة والرسوخ والثبات سواء. ثم ذكر عدة مواضع من كلامه يجري هذا المجرى١. أقول هذه سنة الكتاب وعادتهم ما زالوا عليها قديما وحديثا، وهم يرون ذلك من باب سعة العبارة والاقتدار على الألفاظ. ثم إن السجعة الثانية تؤكد معنى الأولى، والتأكيد عمدة البيان والكتابة، ولذلك أحبوا فيها الإطالة، وفي الشعر الاختصار. ولهم في هذا الباب عذر يتضمن تعليله. والسبب الذي لأجله توسعوا في عبارات الكتابة وأسهبوا، واقتصروا في النظم واختصروا أن القرآن الكريم وهو على غاية الإيجاز والاختصار قد تضمن ذلك في كثير من المواضع نحو قوله: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٢ فالرب ها هنا والملك والإله بمعنى، فكل واحدة من هذه السجعات قد أعطت معنى الأخوى. ومثل قوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ ٣. فإن الجنات هي البساتين، ولا معنى للبساتين إلا ما كان محتويا على الحب والنبات.

стр. 166

ومثل قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ ١ فإن عدم اعتقادهم للحساب هو تكذيبهم بالآيات. ومثل هذا في القرآن العزيز كثير جدا. فإن قلت: يمكن أن يقال إن الملك غير الإله، لأن أمير كل بلدة يوصف بأنه ملكها، ولا يوصف بأنه إلهها، وكذلك رب الدار لا يقال له إلهها، وأيضا يمكن أن يقال إنه أراد باحلب الأقوات، وبالنبات مالا ساق له من الشجر، وبالجنات ماله ساق، وغير ذلك من التأويلات. قلت: إذا شرعت في هذا كن لقائل أن يقول إن قول الصابي: لا تخلقه العصور غير قوله لا تهرمه الدهور؛ لأن الهرم إنما يكون للحي المختار، والأخلاق أعم من ذلك، لأنه يكون للجماد، فزاد أنه لا تغيره الأوقات، على كلا مذهبي المتكلمين والحكماء. وقوله: "لم يدع له أثرا من آثار الديار والأماكن ولا رسما" من قولهم قد رسمت لك في هذا الكتاب رسوما فاعمل بها. وأيضا فإن تعتل غير تلتاث، لأن الالتياث الضعف فقط، وإن لم يكن عن علة، ولذلك أعقبه بقوله تستقل، كما أعقب الاعتدال بالصحة. ومثل هذه التدقيقات الخفية في التأويلات لا يتعذر تحصيلها على من عنده فقه في موارد هذه الصناعة.

стр. 167

٥٥- قال المصنف والتصريع سبعة أنواع١. الأول أن يستقل كل واحد من المصراعين بنفسه استقلالا تاما، وهو التصريع الكامل، كقول امرئ القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي٢ وقول المتنبي: إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم؟ ٣ الثاني: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه، والثاني غير مستقل بنفسه، بل يكون مرتبطا بالأول كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... يسقط اللوى بين الدخول فحومل٤ وقول أبي تمام: ألم يان أن تروى الظماء الحوائم ... وأن ينظم الشمل المبدد ناظم؟ ٥

стр. 168

والثالث: أن يمكن وضع كل واحد من المصراعين موضع الآخر، وهو التصريع الموجه، كقول ابن الحجاج: من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشرب مع خلو المكان١ وهذا في الجودة كالنوع الثاني. والرابع: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه، ويفتقر فهم معناه إلى الثاني وهو مذموم، ويسمى التصريع الناقص، كقول المتنبي: مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان٢ والخامس: أن يكون التصريع بلفظة واحدة في الضرب والعروض، إما حقيقة كقول بن الأبرص. وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب٣ وإما مجازا كقول أبي تمام: فتى كان شربا للعفاة ومرتعي ... فأصبح للهندية البيض مرتعا٤

стр. 169

والسادس: أن يذكر مصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني، ويسمى التصريع المعلق، وهو معيب جدا، ومثله قول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبخ وما الإصباخ منك بأمثل١ فإن المصراع الأول معلق على قوله بصبح. ومثله قول المتنبي: قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا٢ فإن المصراع الأول معلق على قوله تدمى. والسابع: أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى التصريع المنتظم، وهو أقبح التصريعات، كقول أبي نواس: أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عدت من الجحود٣

стр. 170

أقول إن النوع السادس عند التحقيق هو النوع الثاني، فإن كان الثاني جيدا كما زعم فالثاني معيب. بيانه أن المصراع من النوع السادس مستقل بنفسه، غير محتاج إلى الذي يليه أصلا، لأنهلو وقف على قوله. "ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى" لكان مفيدا، لأنه سأل الليل أن ينجلي وينكشف، وهذا كلم تام مستقل بنفسه، كقوله: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" بل أتم استقلالا منه، لأنه إذا ذكر الحبيب والمنزل ولم ينعتهما كان الكلام يخرج عن الإفادة. وقوله لليل: "ألا انجلي" معناه واضح، كأنه قال ما أطولك ياليل فانكشف. وبيت المتنبي مثل هذا، بل أتم استقلالا، لأن قوله: "قد علم البين منا البين أجفاقا" كلام حسن مفيد عند من يفهم معناه، ومعنى هذا المصراع أن البين قد علم أجفاننا البين، أي فراق الأحباب قد علم أجفاننا أن يفارق بعضها بعضا. وهذا معنى لطيف، وكلام حسن مستقل بنفسه، لا حاجة له إلى المصراع الثاني، ولا هو معلق عليه أصلا. وليس قوله: "تدمى" يوجب تعلق المصراع الأول عليه، لأن موضعه النصب، من حيث كان صفة لقوله "منزل"١ فلا فصل بين الموضعين.

стр. 171

واعلم أنه قد أخل في أقسام التصريع بقسمين آخرين: أحدهما أن يكون معنى المصراع الأول مباينا لمعنى المصراع الثاني بالكلية، لا رابطة بينهما، كقول المتنبي: جللا كما أبى فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟ ١ فإنه لا مناسبة بين صدر البيت وعجزه، وإن ثبت أن بينهما مناسبة كما قد تكلفه قوم فما الغرض المثال، وإنما الغرض التمثيل. وهذا غير القسم الأول الذي ذكره المصنف، لأن قوله: "وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي" له ارتباط معنوي في الجملة بقوله: "أفاطم مهلا" وتقدير الكلام إن كان صدك دلالا فأمهلي منه، وإن كنت قد أزمعت الهجر والقطيعة بالكلية فأجملي من ذلك. والقسم الثاني التصريع في العروض بحركة تخالف حركة الضرب، نحو أن يكون أحدهما بالرفع والآخر بالجر، كقول أبي نواس: اختصم الحسن والجمال ... فيك فصارا إلى جدال وهذا يخالف القسم السابع الذي ذكره المصنف، لأن ذاك اختلاف الحرفين، وهذا اختلاف الحركتين.

стр. 172

٥٦- قال المصنف: فأما التجنيس١ فهو أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا، وهذا ينقسم إلى أقسام يدخل فيها ما هو التجنيس الحقيقي وما يشبه به. قال: وقد يظن أن قول أبي تمام: أظن الدمع في خدي سييقى ... رسوما من بكائي في الرسوم من هذا الباب نظرا إلى مساواة اللفظ، وهو غلط؛ لأن المعنى غير مختلف فيهما، ومن شرط التجنيس وما يشابهه اختلاف المعنى مع تماثل اللفظ. ثم قال: فمثال التجنيس الحقيقي قول أبي تمام: من القوم جعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنان يجتدى منه بالجعد٢ قال: الجعد: السيد، ويقال للبخيل إنه لجعد البنان. قال ومثل قوله: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كتب

стр. 173

بيض إذا أنتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب١ قال فالقضب: السيوف، والقضب: القدود، والبيض: السيوف، والبيض: النساء٢. أقول إن لفظتي قضب في البيت الأول، ولفظتي البيض في البيت الثاني، خارجة عن باب التجنيس بالكلية؛ لأن القضب جمع قضيب، وهو العود الرشيق من الشجرة، هذا هو حقيقة هذا اللفظ في أصل وضعه، وإنما سمي السيف به مجازا أيضا. ولا تظن أن تسمية السيف قضيبا من حيث كان قاطعا، من القضب وهو القطع، فيكون فعيل بمعنى فاعل، كقدير وعليم؛ لأنهم لو كانوا أرداوا ذلك لسمو السيف العظيم العرض قضيبا، وما رأيناهم سموه بذلك، وإنما سموا به السيف اللطيف. ومثل ذلك البيض فإنها ليست من أسماء النساء، والبيضاء ومرأة لفظتين مترادفتان كالمؤمن والهكوك٣ ونحوهما، ولا البيض من أسماء السيوف

стр. 174

ولا سمعنا أن الأبيض اسم السيف، كما أن الليث اسم الأسد، وإنما البيض عبارة عن أشياء ذوات بياض فقط، ثم استعيرت اللفظة للسيوف والنساء صفة لا اسما وهذا أمر خارج عن باب التجنيس، ولو كان هذا من التجنيس لوجب إذا قيل في الليل أسود وفي الجنة سوداء وفي أسود من قولهم عندي الأسودان أن يكون هذا تجنيسا، ولم يقل ذلك أحد؛ لأن هذه الصفات تختلف موصوفاتها ولا تختلف هي. فلئن كان مثل هذا تجنيسا، فليكن بيت أبي تمام الأول تجنيسا؛ لأن رسوم الدمع هي مجارية وآثاره، ورسوم الدار جمع رسم وهو مصدر رسمت الدار، أي عفيتها قال: "أمن رسم دار مربع ومصيف" وهذا أشد اختلافا من البيض والبيض، والقضب والقضب. ٥٧- قال المصنف: ومن التجنيس أيضا قول أبي تمام: أناس إذا ما استلحم الروع صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب١ قال فلفظ الصدور في البيت واحد والمعنى مختلف.

стр. 175

أقول: وهذا أيضا من القرار الأول الذي قلنا إنه ليس بتجنيس؛ لأن الصدر اسم لهذا العضو المخصوص، لكنه لما كان هو مقدم الإنسان، نقل إلى صدور العوالي وهي رءوسهما وما يتقدم منها، وإلى صدور الكتائب وهي ما يتقدم منها أيضا، فالمعنى واحد في الموضوعية، وإذا اتحد المعنى خرج عن باب التجنيس. ٥٨- قال المصنف: ومن أقسام التجنيس أن يقع الاختلاف في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقول محمد بن وهيب: قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر١ أقول إذن إدخال هذا البيت في التجنيس، من ظريف الأشياء، فإن المعنى في الكلمتين واحد، وإنما يختلف الفاعل وصيغة المفعول كالمضروب، ولو كان هذا تجنيسا لوجب أن يكون قول القائل: "ضرب زيدا بالعصا ضربا فلق المضروب بالضارب" قد تضمن لتجنيس في أربعة مواضع: الفعل، والمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، وهذا مما لم يذهب إليه ذاهب.

стр. 176

٥٩- قال المصنف في باب الموازنة: مما جاء في الموازنة شعرا قول الأول١: إن يعتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأشدهم بأسا على أعدائهم ... وأعزهم فقدا على الأصحاب فإن بأسا وفقدا على وزن واحد. أقول إنه قال في أول قسم الألفاظ المركبة إن صناعة تركيب الألفاظ والمعاني تنقسم إلى ثمانية أقسام، منهما السجع وهو يختص بالمنثور، ومنهما التصريع وهو مختص بالمنظوم، ومنهما التجنيس وهو عام لهما، ومنهما الموازنة وهي تختص بالمنثور٢. وهو هنا يذكر أن في الشعر موازنة، وذلك نقض ما قدمه. ٦٠- قال المصنف في الكلام عن الصناعة المعنوية: وصاحب هذا الفن لا يحتاج إلى ما ذكره الحكماء في علم المنطق في الشعر. وقد قرأت كلام أبي على بن سينا في المنطق، ما قاله في الشعر فوجدته يقول إن ذلك

стр. 177

يورد على مقدمتين ونتيجة. قال وقد كان ابن سينا ينظم الشعر ولا يرتبه عند إفاضته في صوغه بالأصالة؛ لأنه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه استحضر المقدمتين والنتيجة، ثم أتى بالنظم والنثر بعدهما لم يأت بشيء ينتفع به، وإنما هذه فقافع وألفاظ طول القوم بها كتبهم١. أقول: هذه جناية عجب الإنسان بنفسه، وذلك أن الإنسان يدعوه فرط اعتقاده في نفسه، وشغفه بما يخطر له أن يتكلم على قوم لا يعرف أقوالهم، ولا يحصل معنى اصطلاحاتهم، فضلا عن أن يبلغ رتبتهم، ويترقى في درجتهم، إلى أن ينقض عليهم، فيقع هذا الموقع. وليس مراد القوم بالشعر ما يتوهمه.

стр. 178

والذي يريدونه بالشعر يأتي في كل قياس مخيل يعلم العاقل كذبه، لكنه يحدث له مع ذلك نوع قبض أو بسط أو إقدام أو إحجام، كما يقال: لا تأكلوا العسل، فإنه ثمرة مقيئة١، أو يقال للحلواء الرطبة المزعفرة لا تأكلها فإنها غائط. فالعقل والحس يكذبان هذا الكلام الذي هو في قوة قياس، صورته هكذا: كل غائط فهو غير مأكلة. ومع علمه بكذبه ينقبض عن الأكل. وأكثر إقدام الناس وإحجامهم بسبب هذه التخيلات والأوهام، وهي الأقيسة الشعرية التي يذكرونها، وإنما سميت شعرية لمشابهتها مقاصد الشعراء في تخيلاتهم وتزويقاتهم. وأما توهمه أن الشاعر يحتاج وقت نظم الشعر إلى استعمال مقدمتين ونتيجة، وقوله إن ابن سينا كان ينظم شعرا ولا يرتب المقدمتين وقت نظمه، فتوهم بعيد، وإن كان القوم عنده بهذه الصورة ويراهم بهذه العين فإنه لم يعرفهم: ٦١- قال المصنف: وقد تصفحت كتاب الخصائص لأب الفتح ابن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئا يتطرق النظر إليه، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتشبيه والتوكيد،

стр. 179

فإن عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ ١. فهذا الكلام اجتمعت فيه المعاني الثلاثة المذكورة. أما الاتساع فإنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو الرحمة. وأم التشبيه فإنه شبه الرحمة -وإن لم يصح الدخول فيها- بما يصح الدخول فيه. وأما التوكيد فإنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له، إذ صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين. قال والكلام عليه من ثلاثة وجوه: أولها أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، وعدمها سببا لعدمه، وهذا خطأ، فإنه ليس وجود "هذه الثلاثة سببا لوجود"٢ المجاز بل وجود واحد منه أيها كان سبب وجوده. وأيضا فلو كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز لكان عدم أحدها أيها كان سببا لعدمه، كما إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا، والحيوانية والنطق سبب وجود الإنسان، فإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا، وكذلك كل صفة تكون مقوية لوجود شيء من الأشياء، كان وجودها يوجب وجود ذلك الشيء، وعدم واحد منها يوجب عدمه٣.

стр. 180

أقول: ليس مراد أبي الفتح ﵀ ما ظنه، فكيف يذهب إلى أن يقول المجازية متوقفة على اجتماع هذه الأمور الثلاثة؟ وقدحصرت ضرب أمثلة كثيرة للمجاز في كتابه هذا، وكل موضع منها مختص بواحد من هذه الثلاثة فقط، وإنما ذكر هذه الآية ليبين بها أنه قد وجد موضعا اجتع فيه الشروط الثلاثة التي يتوقف المجاز عليها لمعان ثلاثة، مثل قوله في كتاب اللمع: والكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، فإنه لا يريد أن كل لفظة من الكلام يجتمع لها أن تكون اسما وفعلا وحرفا، إنما مراده أن كل لفظة من الكلام فإنها لا تخلو عن هذه الأنواع الثلاثة، بل تكون واحدا منها أيها كان، ولكنه يتسامح في اللفظ اعتمادا على فهم السامع، وثقة بأن مثل هذا الكلام لا يزال الناس يستعلمونه في محاوراتهم. فأما قوله: "فإذا عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة لا غير" جيدا لا اعتراض عليه، لأنه لو عدم أحدها فقط لم تأت الحقيقة متعينة البتة، لأن أحد القسمين الباقيين يكفي في حسن المجاز، وإنما تتعين الحقيقة البتة إذا عدمت الثلاثة كلها. ومن هذا الموضع يجب أن يفهم معنى قوله: "لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة" لأنه لو كان أراد اجتماع معان ثلاثة لما قال: "فإذا عدمت هذه
следующие страницы →