٥٩- قال المصنف في باب الموازنة: مما جاء في الموازنة شعرا قول الأول١:
إن يعتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأشدهم بأسا على أعدائهم ... وأعزهم فقدا على الأصحاب
فإن بأسا وفقدا على وزن واحد.
أقول إنه قال في أول قسم الألفاظ المركبة إن صناعة تركيب الألفاظ والمعاني تنقسم إلى ثمانية أقسام، منهما السجع وهو يختص بالمنثور، ومنهما التصريع وهو مختص بالمنظوم، ومنهما التجنيس وهو عام لهما، ومنهما الموازنة وهي تختص بالمنثور٢.
وهو هنا يذكر أن في الشعر موازنة، وذلك نقض ما قدمه.
٦٠- قال المصنف في الكلام عن الصناعة المعنوية: وصاحب هذا الفن لا يحتاج إلى ما ذكره الحكماء في علم المنطق في الشعر. وقد قرأت كلام أبي على بن سينا في المنطق، ما قاله في الشعر فوجدته يقول إن ذلك
стр. 177
يورد على مقدمتين ونتيجة. قال وقد كان ابن سينا ينظم الشعر ولا يرتبه عند إفاضته في صوغه بالأصالة؛ لأنه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه استحضر المقدمتين والنتيجة، ثم أتى بالنظم والنثر بعدهما لم يأت بشيء ينتفع به، وإنما هذه فقافع وألفاظ طول القوم بها كتبهم١.
أقول: هذه جناية عجب الإنسان بنفسه، وذلك أن الإنسان يدعوه فرط اعتقاده في نفسه، وشغفه بما يخطر له أن يتكلم على قوم لا يعرف أقوالهم، ولا يحصل معنى اصطلاحاتهم، فضلا عن أن يبلغ رتبتهم، ويترقى في درجتهم، إلى أن ينقض عليهم، فيقع هذا الموقع.
وليس مراد القوم بالشعر ما يتوهمه.
стр. 178
والذي يريدونه بالشعر يأتي في كل قياس مخيل يعلم العاقل كذبه، لكنه يحدث له مع ذلك نوع قبض أو بسط أو إقدام أو إحجام، كما يقال: لا تأكلوا العسل، فإنه ثمرة مقيئة١، أو يقال للحلواء الرطبة المزعفرة لا تأكلها فإنها غائط. فالعقل والحس يكذبان هذا الكلام الذي هو في قوة قياس، صورته هكذا: كل غائط فهو غير مأكلة. ومع علمه بكذبه ينقبض عن الأكل. وأكثر إقدام الناس وإحجامهم بسبب هذه التخيلات والأوهام، وهي الأقيسة الشعرية التي يذكرونها، وإنما سميت شعرية لمشابهتها مقاصد الشعراء في تخيلاتهم وتزويقاتهم.
وأما توهمه أن الشاعر يحتاج وقت نظم الشعر إلى استعمال مقدمتين ونتيجة، وقوله إن ابن سينا كان ينظم شعرا ولا يرتب المقدمتين وقت نظمه، فتوهم بعيد، وإن كان القوم عنده بهذه الصورة ويراهم بهذه العين فإنه لم يعرفهم:
٦١- قال المصنف: وقد تصفحت كتاب الخصائص لأب الفتح ابن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئا يتطرق النظر إليه، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتشبيه والتوكيد،
стр. 179
فإن عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ ١.
فهذا الكلام اجتمعت فيه المعاني الثلاثة المذكورة.
أما الاتساع فإنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو الرحمة.
وأم التشبيه فإنه شبه الرحمة -وإن لم يصح الدخول فيها- بما يصح الدخول فيه.
وأما التوكيد فإنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له، إذ صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.
قال والكلام عليه من ثلاثة وجوه: أولها أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، وعدمها سببا لعدمه، وهذا خطأ، فإنه ليس وجود "هذه الثلاثة سببا لوجود"٢ المجاز بل وجود واحد منه أيها كان سبب وجوده. وأيضا فلو كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز لكان عدم أحدها أيها كان سببا لعدمه، كما إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا، والحيوانية والنطق سبب وجود الإنسان، فإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا، وكذلك كل صفة تكون مقوية لوجود شيء من الأشياء، كان وجودها يوجب وجود ذلك الشيء، وعدم واحد منها يوجب عدمه٣.
стр. 180
أقول: ليس مراد أبي الفتح ﵀ ما ظنه، فكيف يذهب إلى أن يقول المجازية متوقفة على اجتماع هذه الأمور الثلاثة؟ وقدحصرت ضرب أمثلة كثيرة للمجاز في كتابه هذا، وكل موضع منها مختص بواحد من هذه الثلاثة فقط، وإنما ذكر هذه الآية ليبين بها أنه قد وجد موضعا اجتع فيه الشروط الثلاثة التي يتوقف المجاز عليها لمعان ثلاثة، مثل قوله في كتاب اللمع: والكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، فإنه لا يريد أن كل لفظة من الكلام يجتمع لها أن تكون اسما وفعلا وحرفا، إنما مراده أن كل لفظة من الكلام فإنها لا تخلو عن هذه الأنواع الثلاثة، بل تكون واحدا منها أيها كان، ولكنه يتسامح في اللفظ اعتمادا على فهم السامع، وثقة بأن مثل هذا الكلام لا يزال الناس يستعلمونه في محاوراتهم.
فأما قوله: "فإذا عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة لا غير" جيدا لا اعتراض عليه، لأنه لو عدم أحدها فقط لم تأت الحقيقة متعينة البتة، لأن أحد القسمين الباقيين يكفي في حسن المجاز، وإنما تتعين الحقيقة البتة إذا عدمت الثلاثة كلها.
ومن هذا الموضع يجب أن يفهم معنى قوله: "لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة" لأنه لو كان أراد اجتماع معان ثلاثة لما قال: "فإذا عدمت هذه
стр. 181
الثلاثة كانت الحقيقة البتة" لأن الذي لا يحسن استعماله إلا عند اجتماع عدة أشياء ينتفي حسن استعماله عند انتفاء واحد فقط من تلك الأشياء؛ لأنه إذا انتفى أحدها فقد زال اجتماع تلك الأشياء الذي جعلنا حسن الاستعمال موقوفا عليه.
وأما تمثيله بالإنسان والحيوانية والنطق فتمثيل غير مطابق لما نحن فيه، لأن حملنا كلام أبي الفتح على ما قد توهمه خطأ، إلا إن حملناه على المحمل الصحيح، فاجتماع هذه الأشياء الثلاثة التي أشار أبو الفتح إليها ليس مقوما للمجاز، ولا هي اسباب ووده، وإنما هي شرائط حسن استعماله فكيف مثل ذلك بأجزاء الماهية المقومة؟
٦٢- قال المصنف: الوجه الثاني أنه ذكر التشبيه والتوكيد، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره، لأنه شبه الرحمة وهي لا تدرك بالبصر بمكان يدخل فيه، وهو صورة تدرك بالبصر، فدخل تحت ذلك التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة١.
أقول: إن لقوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ اعتبارين: أحدهما أنه جعل الرحمة ظرفا وصرح بذلك حين أتى بلفظة "في" وهي مختصة بالظرفية، والرحمة هي إرادة الثواب، والإرادة لا تكون ظرفا.
стр. 182
والثاني أن فحوى الكلام: رحمتنا قد دخل فيها قوم، كما يقوم دارنا قد دخلها قوم، والدخول حركة مخصوصة، وكل حركة فهي مرئية بالبصر، فقد أخبر عما لا يدرك بالبصر، وأحد هذين الاعتبارين مغاير للآخر، ألا ترى أن قولهم "فلان قد عضه الدهر" فحواه أمر يدرك بالبصر وهو العض فلأجل تغاير هذين الاعتبارين جعلهما أبو الفتح ﵀ قسمين.
٦٣- قال المصنف: على أن التوكيد ها هنا لا أعلم ما أراد به، لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين: أحدهما أنه يرد بألفاظ محصورة، نحو نفسه وعينه وكله وغير ذلك مما هو مذكور في كتب النحاة، والآخر أنه يرد على وجه التكرير، كقولك قام زيد قام، زيد فكرر اللفظ تحقيقا وتوكيدا للمعنى المقصود، وأبو الفتح لم يرد أحد هذين القسمين، فلا يكون له معنى إلا أن يريد إبراز المعنى الموهوم إلى صورة المشاهدة، وقد عبر عنه بالتوكيد، فيكون ذلك هو التشبيه بعينه، فلا حاجة إلى إيراده بالذكر١.
أقول: ما أراد أبو الفتح ﵀ شيئا مما توهمه هذا الرجل، وقد اعترف بأنه لمي فهم مراده مع ظهوره. وذلك أن أحد الأغراض الصحيحة في نقل العبارة عن موضعها الأصلي إلى غيره تأكيد المعنى على وجه يفعل في نفس السامع مالا تفعله الحقيقة، كقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ ٢
стр. 183
ومراده سنقصد، ولم يقل ذلك، لأن ذلك، لأن في الفراغ معنى ليس في القصد، وهو التهديد والوعيد، فإن قول الملك لصاحب الجريمة: سأفرغ لك يتضمن من التخويف مالا يتضمنه قوله سأقصد لك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَب﴾ ١ ومراده ذهب، لكن "سكت" آكد لما يريده، لأن فيه دليلا على توقع عود غضبه إذا عاودوا النكر في عبادتهم العجل، كما أن الساكت يتوقع كلامه.
وكقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٢ مراده عمدنا، لكن "قدمنا" آكد وأبلغ، كأنه كان بإمهاله لهم كالغائب عنهم، ثم قدم منهم على ما لا ينبغي، فجازاهم بحسبه، فهذا هو مراد الشيخ أبي الفتح ﵀.
٦٤- قال المصنف: والوجه الثالث أنه قال: وأما الاتساع فإنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو الرحمة. قال: ويلزم على قياس هذا القول أن يكون "جناح الذل" في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل﴾ هكذا يكون قد زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل، وأن يكون قول أبي تمام:
لبست سواه أقواما فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد
стр. 184
زيادة في أسماء اللباس، وهو الإنسان١.
أقول: إن هذا الذي ألزمته أبا الفتح ﵀ لا يمنع من التزامه، بل هو قياس مطرد في جميع التوسعات، فما الذي أنكرت من ذلك؟ وإنما يصح اعتراضك لو ألزمته شيئا لا يقدر على التزامه، ويحتاج إلى بيان الفرق بينه وبين المسألة التي الكلام فيها، فأما إذا كان الكل ينساق سياقة واحدة فأي محذور يلزم أبا الفتح من ذلك؟
٦٥- قال المصنف: قد نظرت في كتاب "أصول الفقه" للغزالي فوجدته قد قصم المجاز إلى أربعة عشر قسما. قال: وهذه الأقسام الأربعة عشر ترجع إلى ثلاثة أقسام: وهي التشبيه، والتوسع، والاستعارة. قال: والتقسيم لا يصح في شيء إلا إذ اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره٢.
أقول أنا قبل النظر في اعتراضاته على الغزالي "لا بد من تقديم مقدمة"٣ وهي أنه لا بد في سائر المجاات من علاقة بين الأصل والمنقول عنه والفرع المنقول إليه، وإلا لم تكن تلك اللفظة مجازا من تلك الحقيقة، بل تكون وضعا جديدا لا تعلق له بغيره، وليس الكلام في ذلك، فالأصوليون قد
стр. 185
اتفقوا على أنه لا بد من علاقة وارتباط في الجملة، لكنهم قسموا تلك العلاقة وذلك الارتباط أقساما كثيرة، فقالوا: قد تكون تلك العلاقة باعتبار كذا، وقد تكون باعتبار كذا إلى آخر الأقسام.
قال هذا الرجل: إن تلك الاعتبارات التي يذكرونها متداخلة، لا لأنه قد شملها الأمر الأعظم وهو العلاق من حيث هي علاقة، بل لأنها في خصوصياتها التي ابتدعها الأصوليون متداخلة، وقد صحت اعتراضاته، وإلا فهي ساقطة.
٦٦- قال المصنف: فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها الغزالي وهو تسمية الشيء باسم ما يشاركه في الخاصية كقولهم للشجاع أسد، وللبليد حمار. قال: وهذا القسم إما داخل في الاستعارة إن ذكر المنقول إليه فقط، كقولك ركبت أسدا، أو في التشبيه المحذوف الأداة إن ذكر المنقول والمنقول إليه معا، كقولك زيد أسد١.
أقول: إنا لا نخالفه في هذا، ولكن ننظر فيما يقوله فيما بعد.
٦٧- قال المصنف: والقسم الثاني تمسية الشيء باسم وما يؤول إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وإيما رأي أنه يعصر عنبا. قال: وهذا القسم داخل في القسم المذكور قبله بصفة المشابهة بين المنقول منه والمنقول إليه، وهو
стр. 186
من باب الاستعارة، بل هذا أوغل في المشاهبة منها، لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الرجل، ولا الرجل من الأسد١.
أقول: هذا القسم خارج عن القسم الذي قبله، لأن القسم الذي قبله هو تسمية الشيء باسم ما يشابهه في خاصيته، كتسمية الشجاع أسدا؛ لأن الشجاعة من أخص صفات الأسد، ولذلك لم يسموا الأبرخا أسدا؛ لأنه لم يكن البخر من صفات الأسد الخاصة، فالخمر والعنب ليت شعري في أي الخواص اشتركا حتى يقول إن هذا القسم داخل في القسم الذي قبله؟.
فأما قوله: بل هذا أوغل في المشابهة من الأسد للشجاع، لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الإنسان، فإنه يقال له ليس كون الخمر من العنب مما يقتضي المشابهة التي ينقل لأجلها اسم أحدهما إلى الآخر، فإن الدقيق من الحنطة، ولا يجوز أن يقال إنه لما كان منها كان أوغل في التشابه من استعارة الأسد للشجاع، فوجب أن يطلق على الحنطة لفظ الدقيق.
وتحقيق هذا الموضع هو أن كون الشيء بعنطرة من غيره، أو يستحيل غيره إليه، لا يتقضي أن يكون بين الأمرين مشابهة في أمر خاص لأحدهما قد اشتهر به، وضرب المثل به في فنه، كما اشتهر الأسد بالشجاعة وضربت به الأمثال فيها، فلذلك نقل اسم الأسد إلى الشجاع، للمشابهة في ذلك الأمر الخاص، ولم ينقل اسم الدقيق إلى الحنطة، ولا نقل اسم الخمر إلى
стр. 187
العنب، بالاعتبار الذي به نقل اسم الأسد إلى الشجاع، بل باعتبار آخر وهو تسمية الشيء باسم ما يئول إليه.
وقد حقق الأصوليون هذا القسم تحقيقا أزيد من هذا، فقالوا: من أقسام المجاز إطلاق اسم السبب على المسبب، ولا يثبت في العلوم الحكمية لأن العلل أربعة: الفاعل، والصورة، والمادة، والغاية. وكانت أنواع هذا القسم أربعة:
الأول تسمية الشيء باسم العلة الفاعلية إما حقيقة أو ظنا، كتسمية المطر سماء الثاني تسمية الشيء باسم العلة الصورية، كتسميتهم اليد بالقدرة، الثالث تسمية الشيء باسم العلة القابلية، كقولهم سال الوادي، يعنون المطر، الرابع تسمية الشيء باسم العلة الغائية، كتسمية العقد بالنكاح، والعنب الخمر.
٦٨- قال المصنف: والقسم الثالث تسمية الشيء باسم فرعه، كقول الشاعر.
وما العيش إلا نومة وتشوق ... وتمر على رأس النخيل وماء
فسمى الرطب تمرا. وهذا القسم والذي قبله سولا، لأن هناك سمي النب خمرا، وها هنا سمي الرطب تمرا؛ لأنه أصل التمر، وهما داخلان في القسم الأول.
قال وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز، وقسمه أقساما لا حاجة إليها،
стр. 188
ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب الخمر، والرطب والتمر، ويعلم أنهما شيء واحد، لا فرق بينهما؟ ١.
أقول: بل بينهما فرق ظاهر لو أمعنت النظر؛ لأن العنب إذا صار خمرا فقد استحال من صورة إلى صورة مباينة للأولى في جميع أحوالها، إلا فيما لا بد من الاشتراك فيه كالجسمية ونحوها، فهو كالماء يستحيل هواء، والهواء يستحيل نارا، والرطب إذا صار تمرا لم يستحل إلى صورة أخرى بل هو ذلك الجسم بعينه، إلا أنه يبس وجف بعد أن كان رطبا، كاللحم الغريض يصير قديدا، والتين الرطب يصير يابسا، فإنما تغير عنه عرض واحد، وهو الرطوبة التي تبدلت باليبوسة لا غير. فبين الأمرين فرق واضح، وبحسب ذلك الفرق جعل أحد القسمين غير الثاني.
فأما قوله: وهما داخلان في القسم الأول أيضا: فإنه ليس بداخل في القسم الأول، لأن معتمد القسم الأول المشابهة في الوصف الأخص، ولا مشابهة بين الإنسان والنطفة.
٦٩- قال المصنف: والقسم الخامس تسميته بما يدعو إليه، كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم هذا يقول بقول الشافعي، أي يعتقد اعتقاده.
قال: وهذا القسم يدخل في القسم الأول أيضا، لأن بين الاعتقاد والقول مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب، والباطن والظاهر٢.
стр. 189
أقول: إن كان يعني بهذه المناسبة الاشتراك في صفة خاصة، كاشتراك الشجاع والأسد في الشجاعة، فليس الأمر كذلك؛ لأن الاعتقاد القلبي مثل هذه المشاركة، وإن أراد مناسبة أعم من هذا أي بينهما علاقة وارتباط، وهو الذي أراده؛ لأنه مثله بمناسبة السبب للمسبب، فهذا مسلم. ولكن نحن لم نمنع أن بين المجاز وبين موضوعه الأصلي مناسبة في الجملة، وكيف نمنع ذلك، ولولا المناسبة لم يكن مجازا؟.
فإن كان يحاول أن يرد الأقسام كلها إلى قسم واحد لأجل أن الأقسام تشترك في أن بين المنقول إليه والمنقول عنه مناسبة، فإنه لم يفهم مراد الأصوليين في هذا الموضع، وما هو إلا مثل أن يقول لهم: لا تقسموا الحكم إلى واجب وندب ومحظور ومكروه؛ لأن هذه الأقسام قد اشتركت في أنها اقتضاء أمر من المكلف. فالواجب ما اقتضى فعله لا بد منه، والحرام ما اقتضى تركه لا بد منه، والندب ما اقتضى فعله مع تجويز تركه، والمكروه ما اقتضى تركه مع تجويز فعله، فهل يجوز لقائل: لما كان الاقتضاء يعد هذ الأقسام، وتتباين خصوصيتها، فلا تفصلوها، ولا تجعلوها أقساما متعددة؟.
٧٠- قال المصنف: والقسم السادس تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر سماء لأنه ينزل منها. قال: وهذا القسم أيضا داخل في الأول للمناسبة
стр. 190
بين المنقول والمنقول إليه. قال: على أن تسمية المطر سماء يغلب على الظن أنه حقيقة وليس بمجاز١.
أقول: قد بينا أنه لابد من مناسبة ما، ولكن هذا القسم ليس بداخل في القسم الأول؛ لأن مناسبة القسم الأول هي المشابهة، كالحمار والبليد، والأسد والشجاع، ولا مشابهة بين المطر والفلك، فإنه توهم أنه لأجل العلو، فالمطر الذي يمكث في الأرض أياما ما يسمى سماء، قالوا: ما زلت أطأ السماء حتى جئتك. ونحن قد بينا لم سموا المطر سماء. وأما قوله إنه حقيقة فيه فقريب، ولا يبعد أيضا ذلك عندي.
٧١- قال المصنف: والقسم السابع تسميتهم الشيء باسم ما يجاوره، كقولهم للمزادة راوية، وإنما الراوية الجمل الذي يحملها. قال: وهذا القسم من باب التوسع لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة، لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة؛ "لأنه يحملها"٢.
أقول: إنا قد استظرفنا اعترافه أن هذا القسم خارج عن الأول، فعجبنا منه كيف لم يعده إليه بأمر ما يتعلق به، مثل أن يقول إن المزادة ينتفع به، والبعير ينتفع به، فتشابها في عموم الانتفاع بهما، ونحو ذلك من التعلقات الضعيفة التي جرت عادته أن يتمسك بها.
стр. 191
واعلم أن من الأصوليين من جعل هذا القسم مفردا برأسه، وقال إن المجاورة علاقة ما بين المتجاورين، فنقل بطريقها اسم المجاور إلى صاحبه، وهؤلاء يلزمهم قوله: فهلا سموا الجمل مزادة لأنه يحملها؟. لأن استعمال اللفظ في معناه المجازي عنده لا يؤخذ قياسا في كل موضع، ألا يرى أنهم يطلقون النخلة على الرجل الطويل، ولا يطلقونها على غيره من الطوال؟ ولأنه لو كفى في استعمال اللفظ المجازي مجرد علاقة وصلة كيف كانت لقالوا للأبخر أسد، لأن الأسد أبخر، فلم لم يقولوا ذلك؟ علمنا أن هذا أمر لا يطرد، وأيضا فإن هذا الرجل يلزمه ما ألزمهم؛ لأنه إن كان يلزمهم لما قالوا إن هذا المجاز لأجل المجاورة أن يسمى الجمل زاملة أيضا على طريق الاتساع.
ومن الأصوليين من جعل هذا القسم، من أقسام المجاز بسبب العلة القابلية، وقال إنه بمنزلة تسمية الشراب كأسا؛ لأن الكأس قابل للشراب.
٧٢- قال المصنف: القسم الثامن تسمية الشيء باسم جزئه، كقولهم: أبعد الله وجهه، وإنما يريدون سائر جثته.
قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو تسمية الشيء باسم فرع١.
أقول: قد بينا أنه لا يدخل هذا وأمثاله في القسم الأول بوجه من الوجوه أصلا.
стр. 192
وقد قال الأصوليون إنه قد يسمى الجزء باسم الكل، كإطلاق اللفظ العام، مع أن المرد به الخصوص، نحو قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ ١. والمراد بعضهم، وقد يسمى الكل باسم الجزء، كما يقال الزنجي أسود، والمراد أسود البشرة، لكن المجاز الأول أدخل في باب المجاز وأولى من الثاني؛ لأن الجزء يلازم الكل، وأما الكل فلا يلزم الجزء.
٧٣- قال المصنف: والقسم التاسع تسمية الشيء باسم ضده، كقولهم جون للأبيض، وهو اسم للأسود، قال: وهذا ليس من المجاز، بل هو حقيقة في الموضعين، مثل شمت السيف إذا أغمدته وسللته٢.
أقول إن تسمية الشيء باسم ضده قد ذكره الأصوليون، وقالوا إنه كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٣ وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ ٤. وما رأيناهم ذكروا هذا المثال الذي حكاه، ولا يبعد عندي أن يكون ما اعترض به عليه صحيحا، فإن أكثر أهل اللغة قالوا إن الجون من الأضداد، وليس إفساد المثال موجبا إفساد المثل عليه، ومن الناس من جعل قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ من باب المجاز
стр. 193
لا التشبيه، وهو الذي يسمى التسعارة، وهو القسم الأول الذي حاول هذا الرجل أن يعيد إليه أكثر هذه الأقسام، وقالوا إن جزاء السيئة يشبه السيئة في كونها سيئة بالنسبة إلى من وصل ذلك الجزاء إليه، وليت هذا الرجل لما حاول أن يعيد الأقسام إلى القسم الأول بينه في هذا القسم، فهذه المشابهة أوردها، فكان يأتي بشيء له ذوق.
٧٤- قال المصنف: والقسم العاشر تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن الإسكار صفة لازمة لخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد، لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل أي تستره١.
أقول: إن هذا الرجل لم يعلم المراد بهذا القسم، فإن السكر هو الفاعل، من أسكر يسكر، فهو مسكر، كالضارب فاعل من ضرب يضرب فهو ضارب، ولا يكون الإنسان ضاربا إلا إذا ضرب، وأما قبل وقوع الضرب منه وبعد انقضاء الضرب لا يكون حقيقة؛ لأنه ليس في تلك الحال بضارب، والقوم قالوا إن الخمر تسمى مسكرا قبل ألا تشرب وتسكر شاربها، فقد
стр. 194
سموا الشيء بما من شأنه أن يفعله، وبأثره قبل أن يفعله ويؤثره، وهذا هو المجاز، وليس يصلح أن يجاب عن هذا بما ذكره من قوله هذا داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؛ لأن الإسكار ليس صفة لازمة للخمر، وإنما الصفة اللازمة لها القوة على الإسكار.
والقوم ما قالوا إن المجاز في قولنا الخمر قوية على الإسكار، بل في قولنا الخمر مسكرة وبهذا بطل قوله لا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، وقد يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، فإنه ظن أن الإسكار الذي يريدونه ها هنا هو الإسكار بالقوة، وليس هو مرادهم، بل مرادهم الإسكار بالفعل، وباعتباره جعلوا قولنا الخمرة مسكرة مجازا.
ومما يوضح غلطه في هذا الموضع أنه لو كان الإسكار صفة لازمة للخمر، ولا توجد خمر إلا وهي مسكرة على الوجه الذي قاله وادعاه، لكان إطلاق لفظة المسكر على الخمر حقيقة، كإطلاق لفظة الليث على الأسد، فكيف يكون هذا القسم داخلا في القسم الأول، كقولنا للشجاع أسد، وللبليد حمار؟ وأين المماثلة بين هذا الموضع وبين ذلك القسم؟ فإن ذلك القسم عبارة عن شيئين تشابها في صفة خاصة بأحدهما، فنقل اسمه إلى ما شابهه، وليست الخمر مشاركة في شيء آخر يسمى مسكرا في معنى الإسكار، فنقل اسمه إليها.
стр. 195
٧٥- قال المصنف: والقسم الحادي عشر تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب سائل سألك: ما فعل زيد؟ فقلت: القيام. فإن القيام فإن القيام جنس يتناول جميع أنواعه.
قال: وهذا القسم لا ينبغي أن يدخل في أقسام المجاز، لأن القيام لزيد حقيقة، فإن قلت يشتمل على جميع أنواعه من الماضي والحاضر والمستقبل، قلت فهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة، لأنه إقامة المصدر مقام الفعل الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى ذها فإن القسم داخل في القسم الأول١.
أقول: إنا قد ذكرنا تسمية الجزء بالكل كيف يكون، وضربنا لذلك مثالا، فأما هذا الذي ذكره فإنه شيء غلط، قاله أبو الفتح عثمان بن جني في كتاب الخصائص، ووهم فيه؛ لأنه ظن أن المصدر لفظ يدل على أشخاص تلك الماهية، وليس بصحيح، بل المصدر لفظ يدل على مجرد الماهية، وهو القدر المشترك بين الواحد والكل.
فأم الماهية من حيث هي، فلا تستلزم الوحدة والكثرة، لأنها لو استلزمت إحداهما لما كانت مجردة من حيث هي، وقد قرضناها كذلك، فإذن لا المصدر ولا الفعل المشتق من المصدر يدلان على الكثرة وعلى
стр. 196
الوحدة، لكن أبا الفتح ذكر مثل هذا القسم بمثال مطابق فقال: أنا إذا قلت ضربت عمرا، فإني إنما ضربت بعضه.
فأما هذ المصنف فلم يعترض على الكلام كما ينبغي، أما أولا فلأنه ظن أن المصدر ههنا يقوم مقام الفعل الماضي، وليس بصحيح؛ لأنك إذا قلت فعل زيد القيام فقد أقررت أنه صدر عنه أثر ما مفعول حسب صدور الآثار عن المؤثرات، والفعل الماضي ليس بأثر يصدر عن المؤثر، ولا المستقبل أيضا، ولا الحاضر؛ لأن الفعل الذي هو قسيم للاسم والحرف لو كان أثرا لمؤثر لكان اسما لا فعلا.
وأما ثانيا فلأنه لو صح ما قاله لما كان هذا القسم داخلا تحت القسم الأول، لأنه كون أصلا له لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما بنقل اسم أحدهما للآخر، وقد قررنا ذلك فيما تقدم.
٧٦- قال المصنف: القسم الثاني عشر الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم﴾ معناه فبرحمة من الله. قال: وهذا خطأ، أما أولا فإن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذه الآية دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة.
وأما ثانيا: فإن لفظة "ما" ههنا غير خالية من المعنى، لأنها تعطي من
стр. 197
الفخامة والفصاحة والجزالة ما لا تعطي الآية عند فقدها، كقول الزباء "ولكنه شيمة ما أناس"١ قال وهذا شيء لا يعرفه إلا أهله.
والغزالي معذور في ألا يعرف ذلك، لأنه ليس من فنه٢.
أقول إن ما قاله الغزالي وغيره في هذا الموضع مأخوذ من قول شيخنا أبي عبد الله البصيري المتكلم، فإنه قال: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ونقصان ولا نقل، والمجاز ما لا ينتظم لفظه معناه إلا لزيادة ونقصان أو نقل، كزيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٣ فإنا لو أسقطنا الكاف استقام المعنى. ومثال النقصان قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤، فإنا إذا زدنا فيه لفظة الأهل استقام المعنى. ومثال النقل قولنا: رأيت أسدا، تعني به الرجل الشجاع، فإنه منقول من السبع.
وإذا أردنا الكلام على هذا الوجه، كان قوله "فيما رحمة" مجازا، لأنه لا ينتظم اللفظ معناه إلا بحذف "ما".
قلنا: لا نسلم أن هذا مجاز، بل هذه دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة، فيقال له أما أولا فإن القوم حدوا المجاز بحد هو موجود في هذا الموضع، ولا يجوز أن يقال لمن حد أمرا بحد: لم قلت إن هذا هذه؟ لأن القوم قد اختاروا أن يضعوا اللفظ المجاز لما كان بهذه الصفة. والمنازعة بعد ذلك لهم منازعة لفظية.
стр. 198
وأما ثانيا فلأن "ما" في هذا الموضع حرف، والحروف لا يدخلها المجاز بالذات؛ لأنها غير مستقلة بأنفسها بالمفهومية، بل لا بد أن تنضم إلى شيء آخر لتحصيل الفائدة، فإن انضمت إلى كلام يرتبط به، ويخل إسقاطها بالمعنى المفهوم منه فالمركب حقيقة، وإلا فهو مجاز.
ولا شبهة في أن "ما" في هذا الموضع ليست مرتبطة بغيرها ارتباطا مفهوما للمعنى المطلوب.
فأما جوابه الثاني فيلزم عليه أن يكون قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل﴾ ١ حقيقة لا تعطي من الفخامة والفصاحة ما لا تعطيه الآية عند حذفه وكذلك القول في سائر المجازات.
فإن قال إنني لم أجعل إفادة هذه اللفظة الفخامة والجزالة مخرجة لها من باب المجاز، وإنما منعت قول من قال إنه لا فائدة فيها أصلا، قيل له: فإذا اعترفت أنها من باب المجاز فقد سلمت قول الغزالي، فلأي معنى تنتقصه، وتقول هو معذور في ألا يعرف هذا؛ لأنه ليس من فنه؟ والغزالي إنما أراد بقوله إن "ما" زائدة لا معنى لها في خصوص المقصد المطلوب بالآية لا غير ذلك.
٧٧- قال المصنف: القسم الثالث عشر تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فسمى النكاح هبة.
стр. 199
قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، للمشابهة بين النكاح والهبة في التمكين من الانتفاع والتصرف١.
أقول: إن هذا الاعتراض الذي ذكره صحيح لا منازعة فيه، ثم إنا نقول إن تمثيل هذا القسم بالنكاح هبة فلم يسم الشيء بحكمه، بل بما يفيد مثل حكمه، وفرق بين الحكم وبين المفيد لمثل الحكم. على أن أكثر المفسرين لم يذهبوا إلى أنه سمي النكا هبة، بل جعلوا لفظة الهبة حقيقة صريحة في هذه الواقعة.
٧٨- قال المصنف: القسم الرابع عشر النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، نحو قوله: "ثم يرم به بريئا"٢ أي شخصا، وكحذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقمه، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها.
قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن الصفة لازمة للموصوف. وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ دل على الساكن بالمسكن.
قال: فهذه الأقسام المجاز التي ذكرها الغزالي قد انتهت في تقسيمها، وإنما يرجع إلى ثلاثة أقسام: التوسع، والتشبيه، والاستعارة٣.
أقول: قد تكرر منا إيضاح غلطه في إعادة هذه الأقسام إلى القسم الأول،
стр. 200
الذي يتوهم عودها إليه؛ لأن الصفة لو لازمت الموصوف لما كانت من باب المشابهة الموجودة في السبع والشجاع، بل كانت بابا آخر، وكذلك الدلالة بالمسكن على الساكن، هي مجاز باعتبار آخر غير ذينك الاعتبارين.
وكل قسم من هذه الأقسام له خصوصية ينفرد بها، ويمتاز عن غيره بها، ولو أن هذا الرجل يقف على التقسيمات العقلية الدقيقة في العلوم الحكمية والكلامية التي يمتاز كل قسم منها على الآخر بما هو أدق من الشعر، ولا يفهمه إلا الراسخون في العلم، لكانت هذه التقسيمات في امتياز بعضها عن بعض أجلى من فلق الصبح، لأنه ليس فيها من الغموض ما يوقع في مثل هذا الغلط.
على أنه زعم أنه قد أعادها إلى ثلاثة: وهي الاستعارة، والتشبيه، والتوسع، ولم يعد منها إلى التشبيه شيئا أيضا.
٧٩- قال المصنف: ومن شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، كما قال بعض كتاب١ مصر في تشبيه حصن من حصون الجبال: "هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة": فإنه أخطأ في قوله أنملة، وأي مقدار للأنملة بالنسبة إلى حصن على رأس جبل؟ قال: فإن قلت فقد قال الله :
стр. 201
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح﴾ فشبه نوره نما هو دونه، وقد قال سبحانه في القمر: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم﴾ فشب بما هو دونه، قلت: هذه الآية تشبيهها لطيف غريب، لأنه أراد به النبي ﷺ وآله، لأن قلبه ﵇ وما هو عليه من الصفاء والشفافية كالزجاجة التي كأنها كوكب قلبه ﵇ وما هو عليه من الصفاء والشفافية كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءته، والشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية هي ذات النبي ﷺ وعلى آله وسلم؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى المشرق ولا إلى المغرب، وزيت هذه الزجاجة مضيء من غير أن تمسه نار، معناه أن فطرته صافية من الأكدار منيرة من قبل مصافحة الأنوار، فهذا هو المراد من التشبيه من هذه "الآية".
وأما الآية الثانية فإنه تعالى شبه الهلال بالعرجون في نحو له واستدارته لا في مقداره؛ لأن مقدار الهلال عظيم لا نسبة للعرجون إليه، لكنه شبهه به في الهيئة والشكل١.
أقول إن التشبيه يحسن ويقبح باعتبار الجهة التي وقع التشبيه فيها، فإذا شبه العظيم مقدارا "بأقل منه" في المقدارية قبح، وكانت القضية كاذبة. فإن شبه به لا في المقدار، بل في أمر آخر يتناسبان فيه كان حسنا، وهذا كقوله تعالى في صفة لصحابة ﵃: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ٢، فإن عقلا
стр. 202
لا يقول: هذا التشبيه قبيح؛ لأن أجسام الصحابة وجثثهم أكبر وأعظم مقدارا من الزرع، لأنه ما أراد التشبيه في المقدارية، بل في أمر آخر.
وهكذا قوله: "حتى عاد كالعرجون القديم" لا يريد مقداره، بل شكله. وكذلك تشبيه الكافر بالكلب في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ ١.
لا يعني الصورة والجثة، بل معنى آخر، وكذلك هذا الكتاب المضري. والذي حمل هذا الرجل على أن عابه بما عاب به نفسه، حسده له.
وهو لا يعني أن الحصن العظيم على ذروة الجبل الشاهق كالأنملة في مقدارها وجثتها، بل بينه وبين الأنملة مشابهة لطيفة وهي أن الأنملة جسم صغير ناتئ من جسيم كبير وهو البدن، وكذلك الحصن على الجبل، وهذا هو الذي أراده الرجل، والأمر فيه واضح بين.
فأما تفسير الآية النور فظريف جدا، أما أولا فلأنه سبحانه لو قال:
"مثل نوري كالنور الذي في قلب محمد ﷺ " لكان ركيكا.
وأما ثانيا فلأنه قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ .
فإذا كان قلب النبي ﷺ وآله وسلم هو الزجاجة، ولا شبهة أن المصباح الذي فيها هو النور، والمشكاة ما هي؟ فقد زعم أنها ذات النبي صلى الله عليه
стр. 203
وآله وسلم، فإنه قد قال إن ذات النبي هي الشجرة المباركة، فلا يبقى للمشكاة ما تحمل عليه.
وأما ثالثا فإن الله تعالى وصف الشجرة بأنها زيتونة لا شرقية ولا غربية، ونرى هذا المفسر قد فسر قوله لا شرقية ولا غربية، ولم يفسر قوله زيتونة، وقد كان الواجب عليه أن يفيدنا بتفسير ذلك.
وأما رابعا فلأن غلاة الباطنية١ الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ ٢ المراد به على بن أبي طالب أعذر في تأويلاتهم، وأقرب إلى الأذهان من هذا الرجل.
وأما خامسا فإنه لم ينفصل من السؤال، لأنه لو سلم له جميع ما ذكره، أليس قد شبه الله تعالى نوره بنور محمد ﵌؟ ونور محمد دون نور الله تعالى لأنه مستافد من نوره، وما يستفاد من أصل يكون دون الأصل المستفاد منه، وقد توه الإشكال.
٨٠- قال المصنف: فأما التجريد فهو إخلاص الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك.
قال: وهو نوعان: تجريد بمعنى التوسع فقط، وتجريد حقيقة. فأما التجريد بمعنى التوسع، فكقول الصمة القشيري:
стр. 204
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا
فإنه قال بعد أبيات:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من حره أن تقطعا١
فانتقل إلى ذكر نفسه، ولو لم يقل "وأذكر أيام الحمى" لقضينا عليه بأنه تجريد حقيقة.
ومثال التجريد الحقيقي قول الحيص بيص:
إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر
فإنه لم ينتقل إلى هدا بعد ذكر نفسه، بل استمر على التجريد؛ لأنه قال بعد هذا البيت:
كتمت بعيب الشعر علما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنك فارس المقال ومحيي الدراسات الغوابر
وإنك أغنيت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر٢
أقول: إنه قد انتقل بعد هذا إلى ذكر نفسه، فعدل عن كاف الخطاب، إلى ياء الضمير، إلى تاء المتكلم فقال:
تطاول ليلى ما أرى ذا نباهة ... يجلى دجى ظلمائه عن خواطري
стр. 205
سهرت لبرق من ديار ربيعة ... ولم أك للبرق اللموع بساهر
قال: كأن الصمة القشيري في شعره لم يأت بالتجريد الحقيقي، لعوده بعد أبيات عن كاف الخطاب، فالحيص بيص مثله.
٨١- قال المصنف: وقد قال أبو علي الفارسي ﵀ إن العرب كانت تعتقد في الإنسان معنى كامنا فيه، كأنه حقيقته ومحصوله، فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان، كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو بعينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه ومتميزا منه.
وهذا ليس بتجريد، بل هو تشبيه مضمر الأداة، وتقديره لتسألن منه كالبحر، ولتلقين منه كالأسد، وليس هو من التجريد المشار إليه في الأبيات الشعرية، ولا حقيقة التجريد موجودة فيه١.
أقول إن الحد الذي حد هذا الرجل التجريد به لم يأت فيه نص من كتاب الله تعالى، ولا ورد عن رسول الله، وإنما هو حد اختاره هو، وفسر التجريد به، فإنه حجر على أبي علي ﵀ أن يجعل التجريد شيئا آخر. ومعلوم أن هذه الاصطلاحات والمواصفات موكولة إلى آراء العقلاء واختياراتهم، فأبو علي
стр. 206
رحمه الله قد اختار أن يسمى قولهم "إذ سألت زيدا سألت البحر" تجريدا، وقد شرح ذلك وأوضحه بقوله إن ظاهر هذه اللفظة أن المسئول غير زيد؛ لأن ألفاظها تقتضي ذلك، ألا ترى أنك تقول صحبت زيدا فاقتبست منه العلم، وقتلت فلانا فأخذت منه السلب. فيقتضي ظاهره بأن العلم غير المصحوب، وأن السلب غير المقتول، فهكذا يقتضي ظاهر قوله سألته فسألت منه البحر، أن البحر غيره.
فأبو علي ﵀ سماء تجريدا، وهو غير مانع لك من اصطلاحك ولا مساح لك في حدك الذي ذكرته، للتجريد، فكذلك أنت لا تجور ولا تضايقه في اصطلاحه وتجريده.
٨٢- قال المصنف: وأيضا فهذا يتنتقض بقول العرب: لئن رأيت الأسد لترين منه هشبة، ولئن لقيته، لتلقين منه الموت. فأي معنى لتخصيص أبي على ذلك بالإنسان؟ مع أن العرب تستعمل هذا اللفظ في الإنسان وغيره١.
أقول إن أبا علي لم يرد أن هذا الاستعمال مقصور على الإنسان فقط، ولا صرح بذلك، ولا كنى عنه، ولا هو مفهوم من فحوى قوله إن العرب تعتقد في الإنسان معنى كامنا فيه لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وإنما مثل بالإنسان؛ لأنه أشهر، ولأن استعماله فيه ودورانه على ألسنتهم وفي ألفاظهم أكثر.
стр. 207
٨٣- قال المصنف: وقد سبق القول: بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد، بل المراد شيئا آخر، وهذا لا يوجد في هذا الموضع؛ لأن قوله إن لقيته لتلقين منه الأسد، لم يجرد عن المنقول عنه شيئا، وإنما شبه بالأسد في شجاعته، وأداة التشيه مضمرة، وما أعلم كيف ذهب هذا عن أبي علي رضي الله عنه١.
أقول: قد بينا أن المنازعة في هذا الموضع لفظيه لاطائل تحتها، ولو أن أبا علي رضي الله تعالى عنه اختار أن يسمى المجاز تجريدا بمعنى أنه لفظ قد جرد عن موضوعه الأول، أي خلع عنه، وجعل لغيره، واصطلح هو ونفسه، أو هو وأصحابه على ذلك، هل كان لنا أن نخاصمهم، وننازعهم، ونقول لهم قد أخطأتم في هذا الاصطلاح وهذه المواضعة؟ وهل المعاني تستحق الأسماء المخصوصة لذاتها حتى يكون الإنسان مخطئا إذا وضع لفظ مخصوصا لمعنى مخصوص؟ وقد فسرنا نحن قول أبي علي ﵁ المقصد الذي قصده.
٨٤- قال المصنف: وقول أبي علي إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنا كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فغير العرب أيضا تعتقد ذلك.
стр. 208
الكامن معنى الإنسانية، وهو الاستعداد للعلوم والصنائع، فكل أحد يعرف ذلك، ولا خصوصية للعرب فيه. وإن عنى بالمعنى الكامن الأخلاق كالشجاعة والسخاء، فليس هذا مختصا بالإنسان، بل جميع الحيوانات يوجد فيها ذلك، كالشجاعة في الأسد، والسخاء في الديك، وما أعلم ما أراد أبو علي بهذا الكلام.
على أن هذا القسم الأخير ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، فإنه لا يقال في حده حيوان شجاع، ولا حيوان سخي، بل حيوان ناطق، فقد أخطأ أبو علي من وجهتين: أحدهما أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه، والثاني أنه أدخل في التجريد ما ليس منه١.
أقول: إن أبا علي ﵁ لا يلزمه تفسير ما كانت العرب تتخيله وتتوهمه في الإنسان، ولا هذا من وظيفته، ولكن أبا علي قال إننا لما وجدنا العرب الذين صناعتنا البحث عن مجاري كلامهم يخاطبون في الشعر أنفسهم، فيقولون: قلت لقلبي، وقال لي، وقلت لنفسي، وقالت لي، ويقولون: سألت مه لما سألته البحر، فيأتن بلفظة منه، كما يأتون بها في قولهم غصبت منه السيف، وأخذت منه الثوب، فيفيد ظاهر كلامهم أن المسئول منه غيره، كما أن المغصوب منه غيره، أفادنا إكثارهم من هذا وتكرارهم لاستعماله أنهم يتوهمون أن في هذه البنية المشاهدة أمرا كامنا، هو محصول الإنسان، وهذا الهيكل الظاهر هو
стр. 209
كالقالب لذلك المعنى، وكالقشر لذلك اللب، ومن الجائز أن يكون هذا المعنى الباطن غير القسمين اللذين قد ذكرهما المصنف، وهما مجرد الاستعداد للعلوم والخلق فليناظر في نقيض، خصوصا ومذاهب العقلاء في هذا الموضع كثيرة جدا، وكلها خارجة عن هذين القسمين اللذين قد ظن هذا الرجل أنه لا يمكن تفسير ما توهمه العرب إلا بواحد منهما، ثم يقال له لم لا تفسر قول أبي علي ﵀ بالوجه الأول وهو قولك إن غير العرب أيضا تعتقد ذلك، فيقال لك إن أبا علي ما قال إنه لا يعتقد ذلك أحد من الأمم إلا العرب خاصة، وإنما كانت صناعته البحث عن مجاري كلام العرب، وقال إنهم لا يعتقدون كذا وكذا؛ لأنه لا ينظر في لغة أمة أخرى غير العرب، وإنما كتبه وتصانيفه مقصورة على البحث عن لغاتهم خاصة، فلا يدل كلامه على نفي هذا الحكم عن غير العرب.
وأيضا فلو فسر قوله بالتفسير الثاني -وإن كنا نعلم أنه ﵀ لم يرده- لما توجه عليه ما اعترض به؛ لأنه لم يفرد الإنسان خاصة من دون سائر الحيوان بهذا الحكم، وإنما ضربه مثلا؛ لأنه النوع الأعرف.
ومن العجب قوله: ولا أعرف ما أراده أبو علي بقوله: إنهم يتوهمون في الإنسان معنى كامنا هو حقيقته ومحصوله، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما.
ولا شبهة أن هذا الرجل ما وقف على أقوال العقلاء في هذا الموضع، فإن مذاهبهم كثيرة، وكل منهم يذهب إلى أن حقيقة الإنسان ومحصوله أمر وراء
стр. 210
هذه البنية المشاهدة، ولم يذهب منهم ذاهب إلى أحد هذين القسمين اللذين قد توهم هذا الرجل أنه لا يمكن المصير إلى غيرهما.
فأما قوله إن أبا علي ﵁ أخطأ حيث جعل حقيقة الإنسان عبارة عن الخلق، فإن أبا علي ﵁ أخطأ، وقال هذا الكلام لا عن نفسه ولا عن غيره، أما إنه لم يقله عن نفسه فمعلوم، وأما إنه لم يقله عن غيره فلأنه قال عن العرب إنهم اعتقدوا أن في الإنسان معنى كامنا كأنه حقيقته ومحصوله، فصرح بأداة التشبيه وهي كأن، وما قال عنهم إنهم قالوا إن ذلك المعنى هو حقيقة الإنسان، ليقول لهم ذلك المعنى وهو خلقه، وخلقه غير داخل في حده وحقيقته.
وينبغي للناس إذا حكوا شيئا شرعوا في نقضه أن يتأملوا ما حكوا، ثم ينقضوا، وبالجملة فمقام الشيخ أبي علي ﵁ مقام جليل يقتضي أن يحترم ويصان، ولا يستعمل معه التسرع بالتخطئة والرد، وإذا وجد في كلامه ما يستدرك استدرك مع استعمال الأدب.
٨٥- قال المصنف في الالتفات: هو الانتقال من خطاب الحاضر إلى الغائب وبالعكس، وما يجري مجرى ذلك. وقال إن الزمخشري قال إن الرجوع من أحد هذين النوعين إلى الآخر إنما استعمله العرب تقننا في الكلام، وانتقالا من أسلوب إلى أسلوب تطرية لسماع السامع، وإيقاظا للاستماع إليه.
стр. 211
قال: وليس الأمر كما ذكر؛ لأن هذا الكلام يتضمن أن السامع قد يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره لينشط المستمع للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل١:
أقول: لكم قلت إنه إذا كان حسنا لا يمل، وهل الملال إلا من الملذ؟ ألا تراهم كيف يقولون مل فلان التنزه في البستان، ويقولون قد مللت من أكل الحلواء. ومللت من سماع الأغاني؟ ولأن الأشياء الكريهة المملولة لا يقال لها مللتها، ألا تراهم يستقبحون قول من يقول قد مل المحبوس من الحبس، والمضروب من الضرب؟ فالذي ذكره المصنف عكس الصحيح.
٨٦- قال المصنف: وأيضا فلو صح ما قاله لكان الالتفات إنما يوجد في الكلام المطول الذي من شأنه أن يمله السامع لطوله، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنا قد وجدنا الالتفات في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومجموع الجانبين معا لا يبلغ عشرة ألفاظ٢.
أقول: لما كان مراد الواضع الإفهام للسامع، وكان الإفهام لا يحصل إلا بالإصغاء، احتال الواضع لتحصيل الإصغاء بكل طريق، فكان من تلك الطرق نقل الخطاب من الحضور إلى الغيبة وبالعكس، ليجد السامع ما يوقظه
стр. 212
وينبه على الاستماع؛ لأنه باستمرار الخطاب على نمط واحد ربما قد يمل، فنقل من أسلوب الخطاب إلى أسلوب آخر مستأنف، ليطرأ على ذلك السهو الذي عساه حصل فيزيله، ثم لفرط العناية بالإفهام وقع ذلك في قصير الكلام حسب وقوعه في طويله، لا في كل قصير منه، كما أنه لم يقع في كل طويل منه، ولكن بحسب ما تقتضيه المصلحة.
ولهذه العلة أنزل في القرآن الكريم ألفاظ وحروف غير مفهومة، مثل طسم والمص وغيرها، ليعارض المشركون فيها عند سماعها، فيكون ذلك كالاستجرار لهم إلى سماع غيرها من الآيات المنزلة، فإنها إذا قرعت أسماعهم قرعها أمر غريب تنزع النفس عند سماعه، وتتشوق إلى معرفته، فينبعث الداعي إلى سماع ما بعدها ليفسر ما به، كما يفسر بعض الكلام ببعض، فتحصل الفائدة من وقوفهم على فصاحة القرآن وسر إعجازه.
ونظير اعتراض المصنف وهو قوله: لو كان هذا خوفا للملال لكان في طويل الكلام دون قصيره، أن يعترض هنا المثال الذي قد مثلنا به فيقال: لو كن هذا هو المراد من هذه الحروف لكانت في ميع السور بل في السورة الواحدة مرات كثيرة، لتكون أدعى للمشركين إلى تأمله. والجواب عن الموضعين واحد، وهو أن ذلك إنما يكون بحسب ما تقضي به المصلحة، ولهذا كرر سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١ مرارا كثيرة في سورة واحدة، لما كانت
стр. 213
المصلحة تكراره فالمخاطب أعرف بما يخطاب به، وأدرى بما يتوصل به إلى اجتناء ثمرة المخاطبة، سواء كان الباري سبحانه أو واحدا منا.
٨٧- قال المصنف: وعلى هذا فيجب إذا وجدنا كاملا قد استعمل فيه الإيجاز أو الإطناب -ولكنه لم يقع فيه الالتفات لكن كل واحد من لطرفين واقع موقعه- أن نقول هذا ليس بحسن إذا لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا قول ما فيه، وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة١.
أقول: إن هذا الاعتراض من أظرف ما يحكى وذلك أن الزمخشري ما جعل حسن الكلام مقصورا على الالتفات كالشروط التي تقدم عند عدم شروطها، ولكنه قال إن الالتفات مما تستعمله العرب، ووجه استعمالها أنه يحصل منه نوع تنبيه ما للسامع وتجديد لنشاطه إلى سماع الخطاب، فلا يلزم من ذلك أن كل خطاب لا التفات فيه فإنه لا يكون حسنا، كما إذا قلنا إنما حسن استعمال المطابقة والتجنيس في الشعر لكذا وكذا، لا يلزم منه أن يكون كل شعر لا تجنيس فيه ولا مطابقة غير حسن.
وغير هذا الكلام أن محسنات العشر والخطابة أمور كثيرة، فإذا فقد بعضها قام غيره مقامه، فحصل الحسن المطلوب.
стр. 214
لكن لو فقدت كل الحسنات لزم لا محالة ألا يكون الكلام حسنا.
فقد بان أن هذا الموضع ما ذهب على الزمخشري، وإنما ذهب على من اعترضه.
ثم يقال: ألست القائل: قد يعدل عن لفظة الغيبة إلى لفظة الحضور تعظيما، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنه عدل عن لفظ الغيبة وهو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن العبادة أعظم من الحمد، فجعل العبادة بكاف الخطاب لعظم شأنها، وكاف الخطاب أصرح وأدل من هاء الغيبة، فجعل الأعظم للأعظم، فيقال لك: فقد قال سبحانه في موضع آخر ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ فيجب أن تكون هذه الآية غير حسنة لفقد المعنى الذي ذكرته، كما قلت إنه لو كان الألتفات حسنا كما قاله
الزمخشري لوجب أن يكون كل خطاب واقع موقعه، والألتفات فيه غير حسن، فكل ما يجيب به فهو جواب الزمخشري.
٨٨- قال المصنف: وقد يؤكد الضمير المتصل، كقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ وقد يؤكد الضمير المنفصل بالمنفصل: وذلك مثل قول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار
ومثل قول المتنبي:
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك جدك الملك الهمام٢
стр. 215
أقول: إن هذين البيتين لا يصلح أن يمثل بهما على توكيد الضمائر، وذلك أن التوكيد ما لو حذف وبقي المؤكد يبقى اللفظ دالا على المعنى، إلا أنه غير مؤكد له كالآية التي استشهد بها، فإنه لو حذف أنت لبقي أنك الأعلى، وهو كلام مفيد للمعنى، إلا أنه غير مؤكد.
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ١ وكقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ٢ ولو حذف أنت الثانية من بيت أبي تمام أو من بيت المتنبي لخرج الكلام عن الإفادة أصلا. وكيف يفيد هو مبتدأ وخبر، وقد حذف الخبر؟ ومراد أبي تمام لست أيتها المرأة كما كنت أعهد ولا الديار كما كنت أعهد، ولو قوله لا أنت أنت من باب التوكيد لكان قوله ولا الديار ديار من باب التوكيد.
وكذلك قول القائل:
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وفي ذلك امتزاج أبواب البيان بعضها ببعض، وهو غير جائز.
ومراد المتنبي بقوله أنت أي أنت المشهور الذي يستغنى عن شرح صفاته وممادحه، كما يقول: قد قتل زيد بينه أسدا والأسد الأسد. وكقول الراجز:
"أنا أبو النجم وشعري شعري"
وهذا معنى آخر غير التوكيد، ولكنه قد اشتبه على هذا المصنف لا محالة.